Полный текст (711 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
[القسم الأول في العلم والإفتاء]
[الخطبة الأولى في الحث على طلب العلم]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القسم الأول
في العلم والإفتاء الخطبة الأولى
في الحث على طلب العلم الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وفضل العلم على الجهل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وفقه من أراد به خيرا في دين الله فأصبح من العالمين المهتدين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يمن بالفضل ويمنع بالعدل وهو أعلم حيث يجعل رسالته وهو أعلم بالمهتدين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رسول الله إلى الأولين من هذه الأمة والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتفقهوا في دينكم فإن من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، اطلبوا العلم فإن العلم نور وهدى والجهل ظلمة وضلال وشقاء، اطلبوا العلم فإن العلماء ورثة الأنبياء فالأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر من ميراثهم، اطلبوا العلم فإن العلم الشرعي رفعة في الدنيا والآخرة وأجر مستمر لصاحبه قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقال النبي ﷺ : «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له» اطلبوا العلم يكن لكم لسان صدق في الآخرين فإن آثار العلم تبقى بعد فناء أهله فالعلماء الربانيون لم تزل آثارهم محمودة وطريقتهم مأثورة وسعيهم مشكورا وذكرهم مرفوعا إن ذكروا في المجالس امتلأت المجالس بالثناء عليهم والدعاء لهم وإن ذكرت الأعمال الصالحة والآداب العالية كانوا قدوة الناس فيها) : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]
أيها الناس: تعلموا العلم للعلم لتنالوا بركته وتجنوا ثمرته تعلموا العلم للعمل لتعلموا به لا لتجادلوا به وتماروا به فإن من طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء فقد عرض نفسه لعقوبة الله ونزل بها إلى الهدف الأسفل.
لا تطلبوا العلم للمال فإن العلم أشرف من أن
стр. 317
يكون وسيلة إلى المال وإن المال أحق أن يكون وسيلة للعلم لأن المال يفنى والعلم يبقى.
أيها الناس: إننا على أبواب عام دراسي جديد يستقبل فيه المعلمون والمتعلمون نشاطهم الفكري والعملي فيا ليت شعري ماذا أعددنا لهذا العام؟ إن علينا أن نشمر عن ساعد الجد من أول الأمر حتى لا نندم في النهاية إن على المعلمين أن يحرصوا على هضم العلوم التي يلقونها إلى الطلبة قبل أن يقفوا أمامهم حتى لا يقع الواحد منهم في حيرة عند السؤال والمناقشة لأن من أعظم مقومات الشخصية قوة المعلم في علمه وملاحظته ولا تنقص قوته العلمية عن قوة ملاحظته في تكوين شخصيته إن المعلم إن ارتبك أمام طلبته فسوف ينحط قدره في أعينهم وإن أجاب بالخطأ فلن يثقوا بمعلوماته بينهم.
وإن نهرهم عند السؤال والمناقشة فلن ينسجموا معه، إذن فلا بد للمعلم من إعداد وإستعداد وتحمل وصبر وإن على المتعلمين أن يبذلوا غاية جهدهم من أول السنة حتى يدركوا العلوم إدراكا حقيقيا ثابتا في قلوبهم وراسخا في نفوسهم لأنهم إذا اجتهدوا من أول السنة تلقوا العلوم شيئا فشيئا فسهلت عليهم وثبتت في قلوبهم وسيطروا عليها سيطرة تامة.
وإذا أهملوا أول السنة وتهاونوا فإن الزمن ينطوي عليهم فلا يفيقون إلا في آخر العام وقد تراكمت الدروس وضاق الزمن عن إدراكها فأصبحوا عاجزين عن تصورها فضلا عن تحقيقها فيندمون حين لا تنفع الندامة.
أيها الناس وإذا كان من نجاح المعلم أن يكون قوي المعرفة قوي الشخصية فإن من نجاحه أيضا أن يكون حسن النية والقصد والتوجيه فينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته بإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم ليكون لتعليمه أثر بالغ.
وعليه مع ذلك أن يظهر أمامهم بالمظهر اللائق من الأخلاق الفاضلة والآداب العالية التي أساسها التمسك بشريعة الله وهدي رسوله ﷺ ليكون قدوة في العلم والعمل فإن التلميذ يتلقى من معلمه الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقى عنه من العلوم من حيث التأثير لأن آداب المدرس وأخلاقه صورة مشهودة معبرة عما في نفسه ظاهرة في سلوكه فتنعكس هذه الصورة تماما في سلوك تلميذه.
أيها المسلمون وإذا كان على المعلمين واجب يجب عليهم القيام به فكذلك على إدارة المدرسة أن ترعى من تحت رعايتها من مدرسين ومراقبين وطلاب لأنها مسؤولة عنهم أمام الله
стр. 318
وأمام مجتمعهم.
وإذا كان على المدرسة واجب يلزمها أن تقوم به فعلى الآباء وأولياء الطلبة واجب يلزمهم القيام به فعليهم أن يتفقدوا أولادهم ويسبروا سيرهم ونهجهم العلمي والفكري والعملي أن لا يتركوهم هملا لا يبحثون معهم ولا يسألون عن طريقتهم ولا عن أصحابهم ومن يعاشرهم لأن تركهم ضياع لهم وظلم فهم رعية يجب على آبائهم وأوليائهم أن يرعوها حق رعايتهم وإن أضاعوا أصبحوا نادمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]
بارك الله ولي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 319
[الخطبة الثانية في تحريم الإفتاء بغير علم]
الخطبة الثانية
في تحريم الإفتاء بغير علم الحمد لله له ملك السماوات والأرض وله الحمد في الأخرة وهو الحكيم الخبير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الملك والتدبير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله وحده له الخلق والأمر فلا خالق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله ولا شريعة للخلق سوى شريعة الله فهو الذي يوجب الشيء ويحرمه وهو الذي يندب إليه ويحلله ولقد أنكر الله على من يحللون ويحرمون بأهوائهم. فقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ - وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [يونس: ٥٩ - ٦٠] ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ - مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]
أيها الناس: إن من أكبر الجنايات أن يقول الشخص عن شيء إنه حلال وهو لا يدري عن حكم الله فيه أو يقول عن الشيء إنه حرام وهو لا يدري عن حكم الله فيه أو يقول عن الشيء إنه واجب وهو لا يدري أن الله أوجبه أو يقول عن الشيء إنه غير واجب وهو لا يدري أن الله لم يوجبه.
إن هذا جناية وسوء أدب مع الله كيف تعلم أن الحكم لله ثم تتقدم بين يديه فتقول في دينه وشريعته ما لا تعلم لقد قرن الله تعالى القول عليه بلا علم بالشرك به فقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]
أيها الناس: إن كثيرا من العامة يفتي بعضهم بعضا بما لا يعلمون فتجدهم يقولون هذا حلال أو حرام أو واجب أو غير واجب وهو لا يدري عن ذلك أفلا يعلم هذا الرجل أن الله سائله عما قال يوم القيامة أفلا يعلم أنه إذا أضل شخصا فأحل له ما حرم الله أو حرمه مما أحل الله له فقد باء بإثمه وكان عليه مثل وزر ما عمله من إثم بسبب فتواه؟
стр. 320
إن بعض العامة إذا رأى شخصا يريد أن يستفتي عالما يقول له ما حاجة تستفتي هذا واضح هذا حرام مع أنه في الواقع حلال فيحرمه ما أحل الله له أو يقول هذا واجب فيلزمه بما لم يلزمه الله به أو يقول هذا غير واجب فيسقط عنه ما أوجب الله عليه أو يقول هذا حلال وهو في الواقع حرام فيوقعه فيما حرم الله عليه وهذا جناية منه على شريعة الله وخيانة لأخيه المسلم حيث غره بدون علم.
لو أن شخصا سأل عن طريق بلد من البلدان فقلت الطريق من هنا وأنت لا تعلم لعد الناس ذلك خيانة منك وتغريرا فكيف تتكلم عن طريق الجنة وهو الشريعة التي أنزل الله وأنت لا تعلم عنها شيئا.
وإن بعض المتعلمين يقعون فيما يقع فيه العامة من الجرأة على الشريعة في التحليل والتحريم والإيجاب فيتكلمون فيما لا يعلمون ويجملون في الشريعة ويفصلون وهم من أجهل الناس في أحكام الله إذا سمعت الواحد منهم يتكلم فكأنما ينزل عليه الوحي من جزمه فيما يقول وعدم تورعه لا يمكن أن ينطبق بلا أدري أو لا أعلم مع أن عدم العلم هو وصفه الحق الثابت وهذا أضر على الناس من العامة لأن الناس ربما يثقون بقوله ويغترون به وليت هؤلاء يقتصرون على نسبة الأمر إليهم لا بل تراهم ينسبون ذلك للإسلام فيقول: الإسلام يقول كذا الإسلام يرى كذا وهذا لا يجوز إلا فيما علم القائل أنه من دين الإسلام ولا طريق إلى ذلك إلا بمعرفة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أو إجماع المسلمين عليه.
إن بعض الناس لجرأته وعدم ورعه يقول عن الشيء المحرم الواضح تحريمه ما أظن هذا حراما أو عن الشيء الواجب الواضح وجوبه ما أظن هذا واجبا إما جهلا منه أو عنادا أو مكابرة أو تشكيكا للناس في ذلك.
أيها الناس: إن من العقل وإن من الإيمان وإن من تقوى الله وتعظيمه أن يقول الرجل عما لا يعلم لا أعلم لا أدري اسأل غيري فإن ذلك من تمام العقل لأن الناس إذا رأوا تثبته وثقوا به ولأنه يعرف قدر نفسه حينئذ وينزلها منزلتها وإن ذلك من تمام الإيمان بالله وتقوى الله حيث لا يتقدم بين يدي ربه ولا يقول عليه ما لا يعلم ولقد كان النبي ﷺ يسأل عما لم ينزل عليه فيه الوحي فينتظر حتى ينزل عليه الوحي فيجيب الله سبحانه عما سئل عنه نبيه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣]
стр. 321
: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]
ولقد كان الأجلاء من الصحابة تعرض لهم المسألة لا يدرون حكم الله فيها فيهابونها ويتوقفون فيها فها هو أبو بكر ﵁ يقول أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله بغير علم، وها هو عمر بن الخطاب ﵁ تنزل به الحادثة فيجمع لها الصحابة ويستشيرهم فيها وقال ابن سيرين لم يكن أحد أهيب بما لا يعلم من أبي بكر ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما لا يعلم عن عمر.
وقال ابن مسعود ﵁ أيها الناس من سئل عن علم يعلمه فليقل به ومن لم يكن عنده علم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم.
وسئل الشعبي عن مسألة فقال لا أحسنها فقال له أصحابه قد استحيينا لك فقال لكن الملائكة لم تستحي حين قالت لا علم لنا إلا ما علمتنا.
وجاء رجل إلى مالك بن أنس أحد الأئمة الأربعة فقال يا أبا عبد الله جئتك من مسافة بعيدة مسألة حملني إياها بلدي لأسألك فقال فسل فقال لا أحسنها فبهت الرجل فقال ماذا أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم قال تقول لهم قال مالك لا أحسن.
وكان الإمام أحمد يسأل عن المسألة فيتوقف أو يقول لا أدري أو يقول سل غيري أو سل العلماء أو نحو ذلك.
فاتقوا الله أيها المسلمون ولا تقولوا في دين الله ما لا تعلمون: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]
اللهم اعصمنا عن الزلل ووفقنا لصواب القول والعمل واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين إنك أنت الغفور الرحيم.
стр. 322
[القسم الثاني في أصول الدين]
[الخطبة الأولى في كمال الإسلام ويسره وسهولته]
القسم الثاني
في أصول الدين الخطبة الأولى
في كمال الإسلام ويسره وسهولته إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق أرسله بدين الإسلام دين الرحمة ودين العدالة ودين العبادة والمعاملة فهدى الله به أقواما وأضل عن طريقه آخرين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة.
إن خير الحديث كتاب الله لأنه يهدي للتي هي أقوم وخير الهدي هدي محمد ﷺ لأنه الطريق المستقيم الموصل إلى الله وإلى سعادة الدنيا والآخرة.
أيها المسلمون: إن الدين عند الله الإسلام ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه إن الإسلام هو الاستسلام لله ظاهرا وباطنا استسلاما تاما لا تواني فيه ولا كسل ولا انحراف ولا خطل إنه طاعة لله تعالى سرا وعلنا بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وما أيسر ذلك على من يسره الله عليه.
أيها المسلمون: إن الشيطان بعداوته لكم يفتر عزائمكم عن القيام بدينكم ويدعوكم إلى الكسل والتواني عن أوامره ويغريكم ويحثكم على مخالفته ومعصيته إنه يصور لكم الدين بأنه حبس للحرية وتضييق على الإنسان وإرهاق له وتفويت لمصالحه يصوره لكم بأبشع صورة لتنفروا عنه، يصوره كذلك ليهلككم كما هلك: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] إن الشيطان يصوره لكم بما يلقيه في صدوركم وبما يلقيه أولياؤه من شياطين الإنس.
أيها المسلمون: إن الدين الإسلامي بريء من كل ما يصفه به أعداؤه إنه دين الحق والعدالة والحرية الحقة إنه دين اليسر والسهولة ودين السعادة والتقدم استعرضوا أصول شرائعه لتقيسوا عليها فروعه.
إن الإسلام مبني على خمسة أركان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلا وهذه الأركان كلها سهلة ويسيرة وكلها إصلاح وتهذيب.
стр. 323
فشهادة أن لا إله إلا الله توحيد لله وتجريد للقلب من التأله والعبادة لأحد سوى الله وحصر العبادة لله رب العالمين الذي خلقك فسواك وغذاك بنعمه ورباك فأنت بالنسبة إلى ربك عبد من عبيده وبالنسبة إلى غيره حر وإن من الحماقة بمكان أن تنطلق من عبودية ربك التي هي الحق وتقيد نفسك بعبودية هواك أو بعبودية المال أو عبودية فلان وفلان.
إن كثيرا من الناس إذا اشتغل بطاعة الله فكأنما يصابر الجمر لا يصبر عليها إلا قليلا مع قلق في نفسه وانشغال في قلبه وإذا اشتغل بدنياه أقبل عليها بقلبه وفكره واطمأن إليها واستراح بها ولها فهو كامل العبودية لدنياه وناقص العبودية لمولاه.
وأما شهادة أن محمدا رسول الله فهي تجريد لمتابعة له دون غيره من المخلوقين فهو رسول ربك الذي كلف بالرسالة إليك وكلفت باتباعها فعنها يسأل هو بلاغا وتسأل أنت عنها اتباعا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] إن كل أحد من الناس سوف يسير في عمله على خطة مرسومة ومنهج متبع فإما أن يكون طريق النبيين أو طريق الضالين المكذبين فماذا بعد الحق إلا الضلال فانظر أي الطريقين أهدى وأقوم.
أما الصلاة فما أيسرها وأسهلها وما أنفعها للقلب والبدن والفرد والمجتمع فهي صلة بينك وبين ربك لا تأتيها إلا وأنت متطهر في ظاهرك وباطنك فتقوم بين يدي الله خاشعا خاضعا متقربا إليه بما شرعه لك فيها من ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود تسأله لدنياك وآخرتك فهي تنمي الدين وتحط الذنوب وتلحق بالصالحين ويستعان بها على أمور الدين والدنيا وتنهى عن الفحشاء والمنكر: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]
أما الزكاة فهي جزء بسيط تدفعه من مالك لسد حاجة إخوانك وإصلاح مجتمعك ففيها تزكية المال وتطهير النفس من البخل الذميم وتطهير القلب من الذنوب والآثام فالصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] إن كثيرا من الناس يهون عليهم أن ينفقوا المال الكثير في أهواء نفوسهم مما يضرهم أو لا فائدة لهم منه لكنه عند الصدقات الواجبة أو المتطوع بها لا يهون عليه أن ينفق درهما واحدا كأنه لم
стр. 324
يثق بوعد الله بالخلف العاجل والثواب الآجل ولم يصدق بالوعيد الشديد لمن منع الزكاة.
أما الصيام فهو شهر واحد في السنة شهر يذكرك بأعظم نعمة من الله عليك شهر نزول القرآن. شهر رمضان تمتنع فيه في النهار فقط عن شهوات نفسك من طعام وشراب ونكاح تقربا إلى ربك وتقديما لمرضاته على ما تشتهيه مع ما فيه من الفوائد الدينية والجسمية والاجتماعية.
أما الحج فهو قصد بيت الله لإقامة شعائره وتعظيم حرماته لا يجب في العمر إلا مرة واحدة على المستطيع تحط به الذنوب والخطايا والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة مع ما فيه من تعارف المسلمين في أقطار الدنيا واجتماعهم وتعليمهم وإرشادهم.
أيها المسلمون: هذه أصول الإسلام وأركانه فبالله عليكم هل فيها من صعوبة وهل فيها من خلل أو نقص أفليست هي شريعة الله وحكمه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]
إن الإسلام مفخرة لأهله وعز وكرامة في الدنيا والآخرة وإن به التقدم الحسي والمعنوي ومن شك في ذلك فلينظر في تاريخ صدر الإسلام حينما كان المسلمون مسلمين ظاهرا وباطنا ولم تغرهم الدنيا ولم يغرهم بالله الغرور.
فاتقوا الله عباد الله وتمسكوا بدينكم ظاهرا وباطنا سرا وعلنا قبل أن تسلبوه وتضلوا عنه ضلالا بعيدا واحذروا أن يصيبكم قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ - فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥] اللهم ثبتنا على الإسلام والتوحيد واختم لنا بخاتمة السعادة والخير يا رب العالمين.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين. . الخ.
стр. 325
[الخطبة الثانية في حماية الإسلام للدين والنفس والعرض والمال]
الخطبة الثانية
في حماية الإسلام للدين والنفس والعرض والمال الحمد لله القوي العظيم الرؤوف الرحيم يقضي بالحق ويحكم بالعدل وهو الحكيم العليم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة من العذاب الأليم والفوز بالنعيم المقيم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالحق الداعي إلى صراط مستقيم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في هديهم القويم وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله سبحانه واشكروه على ما أنعم به من حماية الدين والنفس والمال والعرض.
حمى لكم الدين بما أقام عليه من الآيات البينات على صحته لتأخذوا به عن بصيرة وبرهان، وحمى لكم الدين بما رتب على القيام به من الثواب لترغبوا فيه وتستقيموا عليه، وحمى لكم الدين بما رتب على مخالفته من العقاب حتى لا تخرجوا عنه، وحمى لكم الدين بما كتب عليكم من الجهاد بالمال والنفس لتحموه وتدافعوا عنه.
ولقد حمى الله النفوس وأكد تحريمها وحرمتها في كتابه وسنة رسوله ليستقيم المجتمع ويحل فيه الآمن قرن الله الاعتداء على النفس بالاعتداء على الدين فقرن القتل بالشرك قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]
وقال النبي ﷺ «اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق» وذكر تمام الحديث وقال «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» . وقال «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» (رواه البخاري) وقال «لزوال الدنيا يعني كلها أهون عند الله من قتل رجل مسلم» ومن أجل ذلك جعل الله في القتل المتعمد عقوبات غليظة وقصاصا ثابتا فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] جزاء مروع نار وغضب ولعنة وعذاب عظيم.
وقال النبي ﷺ «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار» ومن أجل حماية النفس شرع الله القصاص فقاله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]
стр. 326
هذا في هذه الأمة وقال في بني إسرائيل: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وقال النبي ﷺ : «لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» وخفف هذه الفريضة بأن جعل لأولياء المقتول الخيرة بين القصاص والدية والعفو إذا كان خيرا فقال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] وقال النبي ﷺ : «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدي أو يقاد» . وأبطل الله ما يتوهمه ذو الوهم الفاسد من أن القصاص زيادة في القتل فقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]
ولقد حمى الله الأموال بما أحاطها من العقوبات في الاعتداء عليها فقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] وأوجب الله قطع يد السارق حماية للأموال فقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] إن قطع يد السارق هو الحكمة البالغة والمصلحة الظاهرة فيد السارق تقطع بربع دينار ولو اعتدى شخص على يد إنسان فقطعها كانت ديتها خمسمائة دينار رعاية لحماية المال ولحماية النفس.
أما حماية الأعراض فقد أتقنها الإسلام من كل ناحية سواء من الناحية الخلقية أو الاجتماعية فمن الناحية الخلقية أوجب الله الحد على من هتك الأعراض بالزنا وذلك برجمه بالحجارة حتى يموت إذا كان محصنا وهو المتزوج سواء كان رجلا أم امرأة.
وأما غير المحصن فيجلده مائة جلدة وينفى عن البلد سنة كاملة رجلا كان أم امرأة.
وأما اللواط وهو إتيان الذكر الذكر ففيه القتل بكل حال إذا كان بالغا والتعزير البليغ لغير البالغ، قال النبي ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وأوجب الله الحد على من قذف محصنا بالزنا فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فمن قال لشخص عفيف يا زاني فعليه ثمانون جلدة إلا أن يأتي بأربعة شهداء أو يقر المقذوف بذلك.
وأما حماية الأعراض من الناحية الاجتماعية فقد حرم الله بين المسلمين السخرية واللمز
стр. 327
والتنابز بالألقاب السيئة والغيبة وهي ذكرك أخاك بما يكره في غيبته.
ذكر الله ذلك في سورة الحجرات في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] إلى آخر الآية التي بعدها.
فاحمدوا عباد الله ربكم على ما أنعم به من حماية دينكم وأنفسكم وأموالكم وأعراضكم وأسألوه الثبات على الدين وجاهدوا أنفسكم على ذلك واعبدوه وتوكلوا عليه واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 328
[الخطبة الثالثة في وجوب شكر نعمة الإسلام بالعمل به]
الخطبة الثالثة
في وجوب شكر نعمة الإسلام بالعمل به الحمد لله الغني الجواد الكريم الرؤوف بالعباد من علينا بنعم لا يحصى لها تعداد ويسر لنا من فضله وجوده حتى عم الرخاء الحاضر والباد ورزقنا أمنا واستقرارا حتى أصبح الواحد يسيرا آمنا لا يخاف إلا الله في جميع البلاد.
أحمد وأشكره وكلما شكر زاد وأشهد أن لا إله إلا هو واسع الجود فما لما عنده نفاد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الشاكرين على النعم وأعظمهم صبرا على ما لا يراد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم التناد وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا ربكم واشكروه فلقد تأذن ربكم لئن شكرتم لآزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.
أيها الناس: أما ترون نعم الله تترى عليكم في كل وقت وحين وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. أما ترون إلى نعمته عليكم بدين الإسلام حيث أنشأكم في بيئة مسلمة تقرأ كتاب الله تعالى وتسمع من سنة رسوله أنشأكم في بيئة تقام بها الصلوات ويدعى إليها بالآذان بأعلى الأصوات أنشأكم في بلاد لا ترى ولله الحمد فيها كنيسة ولا صومعة وإنما هي مسجد ومدرسة حتى صار الإسلام كأنما هو طبيعة من الطبائع وغريزة من الغرائز لا يشق عليكم نيله وإدراكه وهذه والله أكبر النعم فاشكروها أيها المسلمون حق شكرها اشكروها بالتمسك بها وارعوها حق رعايتها فلئن لم تفعلوا لتسلبن عنكم هذه النعمة ويحل بدلها شعار الكفر والبدع والضلال لئن لم تشكروها بالتمسك بها لتفتحن في بلادكم مدارس النصارى وكنائس الرهبان إن العاقل ليقيس ويفهم فكما أن نعمة الأمن إذا لم تشكر أبدلت بالخوف ونعمة الرزق إذا لم تشكر أبدلت بالجوع كذلك نعمة الدين إذا لم تشكر أبدلت بالكفر: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] إن الإسلام أعز ممن ينتمي إليه فإذا لم يجد أناسا يعرفون قدر نعمة الله عليهم به ويعضون عليه بالنواجذ ويرونه غنيمة ادخرها الله لهم فسوف يرتحل عنهم إلى غيرهم وسيجعل الله على هذه الأرض طائفة على الحق حتى يأذن الله بخراب العالم قال النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لايضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله» .
أيها الناس أما ترون إلى ما أنعم الله به عليكم من نعمة الأمن والاستقرار يسافر الرجل
стр. 329
وحده من أقصى المملكة إلى أقصاها آمنا غير خائفا مستقرا غير قلق معه الأموال الكثيرة لا يخاف عليها ولا على نفسه من أجلها.
أما ترون إلى ما أنعم الله به عليكم من الأرزاق من قوت وفاكهة وملابس متنوعة ووسائل راحة من جميع الوجوه.
أما ترون إلى ما أنعم الله به عليكم هذا العام من الأمطار المباركة التي أحيا الله بها الأرض بعد موتها وأنبتت من كل زوج بهيج.
فاشكروا الله أيها المسلمون على هذه النعم اشكروه حق شكره شكرا حقيقيا فإن الشكر اعتراف العبد بقلبه بنعمة الله وأن يؤمن إيمانا صادقا بأن هذه النعم محض فضل من الله تعالى ليس له على الله منة فيها وإنما المنة لله تعالى فيها عليه.
لا يقل كما قال قارون إنما أوتيته على علم مني. ولا يقل كما يقول الكافر فيما حكى الله عنه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: ٥٠] أي أنني كفء له ومستحقه أنكر أن يكون من فضل الله عليه.
وإن الشكر أيها المسلمون ثناء على الله بنعمته عليك وحمد له وتحدث بها على سبيل الثناء على الله لا على سبيل الافتخار بها على عباد الله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] وإن الشكر عمل بطاعة الله فعل لأوامره واجتناب لما نهى عنه.
فمتى قام العبد بهذه الأركان الثلاثة فقد شكر الله شكرا حقيقا. أما إذا كان يعتقد أن ما أصابه من نعم الله فهو مستحق له ولا منة لله عليه فيه فهذا كافر بنعمة الله معجب بعمله مغرور بنفسه فمن هو حتى لا يكون لله عليه منه.
وإذا كان لا يثني على الله بنعمته فكلما سئل عن حاله صار يشتكي ويتألم ويجحد ما أنعم الله به عليه ورأى أنه قد ظلم حيث لم يحصل له مثل فلان وفلان فهذا أيضا كافر بنعمة الله عليه محتقر لها وما يدريه لعله لو حصل له ما حصل لفلان لكان سببا لأشره وبطره وإعراضه عن الله.
وإذا كان لا يستعين بنعم الله على طاعته بل كانت نعم الله عليه سببا لأشره وبطره وإهماله لواجبات دينه ووقوعه في المعاصي فإنه قد بدل نعمة الله عليه كفرا ويوشك أن يسلبه الله هذه النعمة أو يغدقها عليه استدراجا من حيث لا يعلم فلا يزال على ذلك حتى يخرج من نعيمه في الدنيا إلى عذابه في الآخرة.
أيها المسلمون: إن من وفق للشكر فقد حصل له نعيم الدنيا والآخرة يعيش حميدا قائما بأمر الله ويموت سعيدا خالدا في ثواب الله ومن كفر أوشك أن يحل عليه عذاب الله
стр. 330
: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم أصلح ولاة أمورنا وأصلح رعيتنا ووفقنا لما تحب وترضى إنك جواد كريم اللهم صل وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 331
[الخطبة الرابعة في تحقيق التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك]
الخطبة الرابعة
في تحقيق التوحيد وتخليصه من شوائب الشرك إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما من به عليكم أن بعث فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياته ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة.
رسولا أخرجكم الله به من الظلمات إلى النور من ظلمات الجهل إلى نور العلم ومن ظلمات الشرك والكفر إلى نور التوحيد والإيمان ومن ظلمات الجور والاساءة إلى نور العدل والإحسان ومن ظلمات الفوضى الفكرية والاجتماعية إلى نور الاستقامة في الهدف والسلوك ومن ظلمات القلق النفسي وضيق الصدر إلى نور الطمأنينة وإنشراح الصدر: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ - اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١ - ٢]
لقد بعث الله نبيه محمدا ﷺ والناس يتخبطون في الجهالات ففتح لهم أبواب العلم: أبواب العلم في معرفة الله تعالى وما يستحقه من الاسماء والصفات وما له من الأفعال والحقوق وأبواب العلم في معرفة المخلوقات في المبدأ والمنتهى والحساب والجزاء قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ - ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ - ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ - ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ - ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦]
وفتح الله لعباده بما بعث به نبيه محمدا ﷺ أبواب العلم في عبادة الله تعالى والسير إليه وأبواب العلم في السعي في مناكب الأرض وابتغاء الرزق بوجه حلال فما من شيء يحتاج الناس لمعرفته من أمور الدين والدنيا إلا بين لهم ما يحتاجون إليه فيه حتى صاروا على طريقة بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ولا يتيه فيها إلا أعمى القلب.
لقد
стр. 332
بعث الله تعالى محمدا ﷺ والناس منغمسون في الشرك في شتى أنواعه فمنهم من يعبد الأصنام ومنهم من يعبد المسيح بن مريم ومنهم من يعبد الأشجار ومنهم من يعبد الأحجار حتى كان الواحد منهم إذا سافر ونزل أرضا أخذ منها أربعة أحجار فيضع ثلاثة منها تحت القدر وينصب الرابع إلها يعبده فأنقذهم الله برسوله من هذه الهوة الساحقة والسفه البالغ من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فحقق التوحيد لرب العالمين تحقيقا بالغا وذلك بأن تكون العبادة لله وحده يتحقق فيها الإخلاص لله بالقصد والمحبة والتعظيم فيكون العبد مخلصا لله في قصده مخلصا لله في محبته مخلصا لله تعالى في ظاهره وباطنه لا يبتغي بعبادته إلا وجه الله تعالى والوصول إلى دار كرامته: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ [الحج: ٣٤]
هكذا جاء كتاب الله تعالى وتلته سنة رسوله ﷺ بتحقيق التوحيد وإخلاصه وتخليصه من كل شائبة وسد كل طريق يمكن أن يوصل إلى ثلم هذا التوحيد أو إضعافه حتى إن رجلا قال للنبي ﷺ ما شاء الله وشئت فقال النبي ﷺ «أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده» فأنكر النبي ﷺ على هذا الرجل أن يقرن مشيئته بمشيئة الله تعالى بحرف يقتضي التسوية بينهما وجعل ذلك من اتخاذ الند لله واتخاذ الند لله تعالى إشراك به وحرم النبي ﷺ أن يحلف الرجل بغير الله وجعل ذلك من الشرك بالله فقال ﷺ «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» وذلك لأن الحلف بغير الله تعظيم للمحلوف به بما لا يستحقه إلا الله فلا يجوز للمسلم أن يقول عند الحلف والنبي أو وحياة النبي أو وحياتك أو وحياة فلان بل يحلف بالله وحده أو يصمت عند الحلف ولما «سئل ﷺ عن الرجل يلقى أخاه فيسلم عليه أينحني له فقال لا» فمنع ﷺ من الانحناء عند التسليم لأن ذلك خضوع لا ينبغي إلا لله رب العالمين فهو سبحانه وحده الذي يركع له ويسجد وكان السجود عند التحية جائزا في بعض الشرائع السابقة ولكن هذه الشريعة الكاملة شريعة محمد ﷺ منعت منه وحرمته إلا لله تعالى وحده.
وفي الحديث «أن معاذ بن جبل ﵁ قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم (زعمائهم) وذلك قبل أن يسلموا فلما رجع معاذ سجد للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ -
стр. 333
ما هذا يا معاذ فقال رأيتهم يسجدون لأساقفتهم وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله يعني أحق من أساقفتهم بالسجود فقال النبي ﷺ لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها» .
وروى النسائي بسند جيد عن أنس بن مالك ﵁ «أن ناسا جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا فقال يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » ، ولقد بلغ من سد النبي ﷺ ذرائع الشرك ووسائله أن لا يترك في بيته صورة شيء يعبد من دون الله تعالى أو يعظم تعظيم عبادة.
ففي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت لم يكن النبي ﷺ يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه والتصاليب هي الصلبان التي يتخذها النصارى شعارا لدينهم أو يعبدونها والصليب كل ما كان على شكل خطين متقاطعين هكذا عرفه صاحب المنجد ومعناه أن يكون على شكل خط مستقيم أو فوق وسطه، يزعم النصارى أن المسيح بن مريم ﵊ صلب عليه بعد أن قتل وقد قال الله تعالى في القرآن مكذبا من زعموا أنهم قتلوه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨] فكان النصارى يقدسون الصليب يضعونه فوق محاربهم ويتقلدونه في أعناقهم فكان من هدي النبي ﷺ إزالة كل ما فيه تصاليب حماية لجانب التوحيد وإبعادا عن مشابهة غير المسلمين ولقد كانت بلادنا هذه والحمد لله من أعظم البلاد الإسلامية محافظة على توحيد الله تعالى ومتابعة رسوله ﷺ بما من الله عليها من علماء مبينين وولاة منفذين وصارت عند أعداء الإسلام قلعة الإسلام فغزوها من كل جانب بكل شكل من أشكال الغزو حتى كثرت الفتن فيها وصارت صور الصلبان على بعض الألعاب للأطفال بل وعلى الفرض لتكون نصب أعين المسلمين صبيانهم وكبارهم فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم احفظ لهذه الأمة دينها وقها شر أعدائها وأيقظ القلوب من الغفلة عما يراد بنا يار رب العالمين إنك جواد كريم. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم. . الخ.
стр. 334
[الخطبة الخامسة في شيء من آيات الله تعالى الدالة على قدرته]
الخطبة الخامسة
في شيء من آيات الله تعالى الدالة على قدرته الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتفكروا في خلق السماوات والأرض وما أودع الله فيهما من الآيات الدالة على كمال علمه وقدرته وتمام حكمته ورحمته فكم في السماوات والأرض من آيات ظاهرة على أن الله على كل شيء قدير وأنه قد أحاط بكل شيء علما لقد خلق السماوات والأرض وما بينهما بما في ذلك من الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب والجبال والأنهار والبحار خلق ذلك كله في ستة أيام على أكمل وجه وأتم نظام ولو شاء لخلقه في لحظة واحدة لكنه سبحانه اقتضت حكمته أن يكون في ستة أيام أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]
ولقد أرانا الله تعالى من عجائب آياته ما يكون آية للموقنين وعبرة للمعتبرين لقد أخبر الله عن عيسى بن مريم أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله فيأتي إلى الرجل الميت ويأمره فيحيا ويتكلم ويخرج الموتى من قبورهم بإذن الله.
وقص الله علينا في سورة البقرة خمس حوادث كلها في إحياء الموتى فقال تعالى في قصة بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ - ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦] وفي قصة القتيل الذي قتله ابن عم له واتهم به قبيلة أخرى فأمرهم موسى أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل ببعضها فيحيا ويخبرهم بقاتله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]
وفي قصة الذين نزل بديارهم وباء فخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر من الموت وفرارا من قدر الله تعالى أنه لا مفر من الله ومن قضائه فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ليستيقنوا أنه لن يعجز الله أحد في السماوات ولا في الأرض.
وفي قصة الرجل الذي مر على القرية وهي خاوية على عروشها
стр. 335
مهدم بناؤها يابسة أشجارها هامدة أرضها فقال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه وكان معه حمار وطعام وشراب فأما الحمار فمات وانجلى لحمه وجلده وبرزت عظامه تلوح وأما الطعام والشراب فلم يتغير مع بقائه هذه المدة الطويلة في الشمس والهواء فقال الله لهذا الرجل: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي لم يتغير: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩] فنظر إلى عظام حماره ينشزها الله يركب بعضها فوق بعض كل عظم في محله ونظر كيف يرتبط بعضها ببعض ونظر إلى اللحم يكسو هذه العظام فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير، وفي قصة إبراهيم ﵊ حين سأل الله تعالى أن يريه كيفية إحياء الله الموتى قال له: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] أي ضمهن وقطعهن أجزاء: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠] ليتباعد ما بينهن ففعل ذلك ثم دعاهن فالتأمت أجزاء هذه الطيور كل جزء من طير على جزئه وكل ريشة في مكانها حتى تكاملت الطيور بلحظة وجاءت إلى إبراهيم تسعى وكانت رؤوسهن معه فاتصل كل جسم برأسه الذي خلقه الله له قبل ذبحه لقد أرى الله ذلك عباده في الدنيا وأخبر أن بعث العالم كله بعد موته هين على الله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]- ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]- ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]- ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]- ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣]- ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ - فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]
هذا الخلق كله من أوله إلى آخره صغاره وكباره ذكوره وإناثه إذا أراد الله بعثهم دعاهم دعوة واحدة فخرجوا جميعا لا يتخلف أحد منهم يقول المجرمون منهم يا ويلتنا من بعثنا من مرقدنا فيقال هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلين.
ومن آيات الله ما ذكره البخاري في صحيحه أن رجلا نصرانيا أسلم في عهد النبي ﷺ وكان يكتب للنبي ﷺ ثم ارتد نصرانيا فكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته الله فدفنه أصحابه فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا فحفروا له وأعمقوا فلفظته الأرض مرة ثانية ثم حفروا له وأعمقوا ما استطاعوا فلفظته الأرض مرة ثالثة فعلموا أنه ليس ذلك من الناس فتركوه منبوذا على ظهر الأرض فآيات الله كثيرة وقدرته عظيمة فاعتبروا أيها
стр. 336
المؤمنون واتقوا من هذه قدرته وهذه آياته لعلكم تفلحون: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 337
[الخطبة السادسة في شيء من آيات الله الدالة على قدرته أيضا]
الخطبة السادسة
في شيء من آيات الله الدالة على قدرته أيضا الحمد لله الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزل من السماء ماء طهورا ليحيي به بلدة ميتا ويسقيه مما خلق أنعاما وأناسي كثيرا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وكان الله على كل شيء قديرا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فكان مثل ما بعثه الله به كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فالأول رجل فقه في دين الله ونفعه وحي الله فعلم وعلم، الثاني رجل حمل الوحي إلى غيره فنفعه، والثالث رجل لم يرفع بوحي الله رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسل به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا ربكم واعبدوه الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ - وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧ - ٥٨]
أيها الناس: إن كل شيء في هذا الكون فيه لله آية تدل على وحدانيته وكمال ربوبيته وكمال قدرته وعظمته وكمال حكمته ورحمته تدل على أنه على كل شيء قدير يخلق ما يشاء ويختار وما كان ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا.
إن هذه الرياح اللطيفة يرسلها الله تعالى فتحمل السحب الثقيلة المحملة بالمياه الكثيرة التي تجري بها الأرض أنهارا وتركد بحارا ويسوق الله هذا السحاب ثم يؤلف بينه فيجمعه حتى يتراكم كالجبال فيحجب نور الشمس لكثافته وتظلم الأرض من سواده وتراكمه وتراه يتجمع وينضم بعضه إلى بعض سريعا بإذن الله وإذا شاء الله أن يفرقه فرقه سريعا فأصبحت السماء صحوا كأن لم يكن سحاب، قال أنس ﵁ «أصابت الناس سنة على عهد النبي ﷺ فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة قام إعرابي فقال يا رسول الله هلك المال وجاع العيال وانقطعت
стр. 338
السبل فادع الله يغيثنا فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة قطعة غيم فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ﷺ فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى وقام ذلك الإعرابي أو قال غيره، فقال يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فدفع يديه وقال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر فما يشير بيده إلى ناحية السماء إلا انفجرت فتمزق السحاب فما نرى منه شيئا على المدينة وسال الوادي قناة شهرا ولم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود» أيها المسلمون: إن في هذا الحديث الصحيح وفيما نشاهده نحن من هذه القدرة العظيمة لأكبر دليل على قدرة الله وأنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون بمرة واحدة: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]
إنه لآية على أن السحاب مسخر بأمر الله لا يتجاوز ما أمره به خالقه ومنشئه ولقد حدث رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق عن رجل في فلاة من الأرض سمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فأفرغ السحاب ماءه في حرة وسال منها إلى حديقة الرجل فقال له يا عبد الله ما اسمك قال فلان للاسم الذي سمع في السحابة فلم تسألني عن اسمي قال إني سمعت صوتا في السحاب الذي هو ماؤه يقول اسق حديقة فلان باسمك فماذا تصنع في حديقتك قال أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثا يعني لعمارتها وحرثها.
أيها المسلمون: إن هذا الغيث الذي أنزله الله علينا لمن فضل الله ورحمته فعلينا أن نقوم بشكره وأن نستعين به على طاعته فإن من قام بشكر الله زاده الله ومن كفر بنعمة الله حرمه الله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]
فاشكروا الله بالثناء عليه بألسنتكم والتحدث بنعمته واشكروا الله بالقيام بطاعته امتثالا للأمر وإجتنابا للنهي واشكروا الله بالانابة إليه بقلوبكم واعتقاد أن هذه النعم فضل منه ورحمة وإحسان.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك واجعل ما رزقتنا عونا لنا على طاعتك واغفر لنا ولجميع المسلمين.
стр. 339
[الخطبة السابعة في شيء من آيات الله تعالى أيضا]
الخطبة السابعة
في شيء من آيات الله تعالى أيضا الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير الداعي إلى الله بإذنه على بصيرة السراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتفكروا في آياته الدالة على كمال قدرته لتزدادو بذلك تعظيما لله تعالى وعبادة.
فلقد خلق الله تعالى السماوات والأرض وما بينهما بما في ذلك الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والبحار والأنهار خلق ذلك كله في ستة أيام على أكمل وجه وأتم نظام ولو شاء لخلقها في لحظة واحدة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] بولكنه تعالى خلقها في ستة أيام لحكمة اقتضت ذلك وربك يخلق ما يشاء ويختار.
ولقد خلق الله تعالى الإنسان من سلالة من طين خلق منها آدم ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ثم يستقر في قرار مكين لا يعتريه شمس ولا هواء ولا حر ولا برد يطوره الله تعالى في ظلمات ثلاث ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة الغشاء أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك فإذا تمت هذه الأيام وهي أربعة أشهر أرسل الله تعالى إليه الملك الموكل بالأجنة فنفخ فيه الروح فأصبح إنسانا بعد أن كان جمادا فتبارك الله أحسن الخالقين.
ولقد أرى الله تعالى عباده من آيات قدرته ما يكون آية للموقنين وعبرة للمعتبرين.
لقد خلق الله تعالى عيسى بن مريم من أم بلا أب وأقدره على النطق في المهد فتكلم بكلام من أفصح كلام البشر وأبينه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا - وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا - وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا - وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٣] فما أبلغ هذا الكلام وأفصحه وأهمه موضوعا من صبي في المهد.
ولقد أخبر الله تعالى عنه أنه يخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله تعالى فينفخ فيه فيكون طيرا يطير بإذن الله تعالى وأخبر أنه يبرئ
стр. 340
الأكمه وهو الذي يولد مطموس العين والأبرص بإذن الله تعالى وأخبر أنه يحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم بإذن الله تعالى.
ولقد قص الله تعالى علينا في سورة البقرة خمس حوادث كلها تتضمن إحياء الموتى في هذه الدنيا.
فأولها قصة بني إسرائيل حين قالوا لنبيهم موسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فعاقبهم الله تعالى فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم بعثهم الله تعالى من بعد موتهم وفي هذا يقول الله تعالى يخاطب بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ - ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦]
والقصة الثانية في شأن القتيل من بني إسرائيل أيضا قتله ابن عم له فاتهموا به قبيلة أخرى وخاصموهم فيه فأمرهم موسى بوحي من الله تعالى أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل بجزء منها ففعلوا بعد التعنت والمراجعات وما كادوا يفعلون فضربوه ببعضها فأحياه الله تعالى وأخبر عن قاتله وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ - فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٢ - ٧٣]
والقصة الثالثة في قوم نزل في ديارهم وباء فخرجوا من ديارهم وهم ألوف حذار من الموت فأراهم الله تعالى أنه لا مفر من قدره فأماتهم ليعلم العباد قوة سلطانه ونفوذ قدرته ثم أحياهم ليستكملوا آجالهم وفي ذلك يقول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]
والقصة الرابعة في رجل مر على قرية وهي خاوية على عروشها قد تهدم بناؤها ويبست أشجارها فاستبعد أن تعود على ما كانت عليه من العمران والسكان فأراه الله تعالى آية في نفسه تدل على قدرة الله تعالى فأماته الله مائة سنة وكان معه حمار وطعام وشراب فمات الحمار وتمزقت أوصاله ولاحت عظامه وبقي الطعام والشراب لم يتغير واحد منهما بنقص ولا طعم ولا لون ولا رائحة مدة سنة والشمس تصهره والرياح تتعاقب عليه لا إله إلا الله وحده
стр. 341
لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فبعث الله تعالى ذلك الرجل وأراه طعامه وشرابه لم يتغير مع طول هذه المدة وأراه الحمار فنظر إلى عظامه المتفرقة في الأرض يركب بعضها بعضا كل عظم في محله ويكسوها الله تعالى لحما وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]
والقصة الخامسة في إبراهيم الخليل حين سأل الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى فأمره الله تعالى أن يأخذ أربعة من الطير فيقطعهن أجزاء فيفرقها على الجبال التي حوله على كل جبل جزءا من هذه الطيور ثم يناديهن وحينئذ تلتئم هذه الأجزاء المفرقة في الجبال بعضها إلى بعض ويأتين إلى إبراهيم مشيا لا طيرانا وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]
هذه النماذج من إحياء الله تعالى الموتى في الدنيا آيات على البعث يوم القيامة وما أهون ذلك على الله قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]- ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]- ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الصافات: ١٩]- ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣]- ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧]
فسبحانه من إله عليم قادر زجرة واحدة يخرج بها الناس أحياء من قبورهم ذكورا وإناثا كبارا وصغارا لا يتخلف منهم أحد في مثل لمح البصر أو هو أقرب وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا.
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك وارزقنا الاتعاظ بذلك وارزقنا الانتفاع بما أنزلت من وحيك وما قدرته من قضائك واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.
стр. 342
[الخطبة الثامنة في خلق السماوات والأرض]
الخطبة الثامنة
في خلق السماوات والأرض الحمد لله الذي رفع السماوات بغير عماد ووضع الأرض وهيأها للعباد وجعلها مقرهم أحياء وأمواتا فمنها خلقهم وفيها يعيدهم ومنها يخرجهم تارة أخرى يوم المعاد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا مضاد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل العباد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله وأطيعوه وصدقوا بما أخبركم به واعتقدوه وارفضوا ما خالف كتابه وسنة نبيه من أقوال الناس وردوه لأن ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل زور وبهتان وما وافق الكتاب والسنة فهو حق ثابت لقيام الحجة والبرهان واعلموا أن الله سبحانه لم يشهد أحدا خلق السماوات والأرض فلا علم عند أحد في ذلك إلا ما جاء عن طريق الوحي: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]
فكل من تكلم عن خلق السماوات والأرض من أي مادة هو وكيف وقع ومتى وقع كل من تكلم بذلك من غير طريق الوحي فإنما يتكلم عن أمر نظري وقياس ظني قد يصيب وقد يخطئ وقد يرفض وقد يغير إذ ليس أحد من البشر شاهد كيف خلق السماوات والأرض هذه هي الحقيقة الثابتة وعلى هذا فالاعتماد في ذلك على ما جاء في كتاب الله أوضح عن رسول الله ﷺ .
أيها المسلمون: لقد خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام فجعل السماوات سبعا والأرضين سبعا جعل الله السماوات سبعا طباقا بعضها فوق بعض: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥] وبناها بناء محكما قويا شديدا: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]- ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] (يعني بقوة) ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢] أي قوية محكمة، جعل الله بين كل واحدة والأخرى مسافة فكان جبريل يعرج بالنبي ﷺ من سماء إلى سماء حتى بلغ السابعة.
رفعها الله رفعا عظيما: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: ٧]- ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا - رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٨] رفعها سبحانه بغير عمد وأمسكها بقوته: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢]- ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] جعلها الله سقفا للأرض
стр. 343
محفوظا من الشياطين: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]- ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ - وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ - إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨] جعل لها أبوابا لا تفتح إلا بإذنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وفي يوم القيامة يطوي الله هذه السماوات بيمينه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]- ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]
أيها المسلمون: إن هذه الآيات الكريمة العظيمة لتدل دلالة قاطعة لا تقبل الشك ولا الجدال في أن السماوات السبع أجرام محسوسة رفيعة قوية محكمة محفوظة لا يستطيع أحد دخولها ولا اختراقها إلا بإذن الله ألم تعلموا أن محمدا ﷺ أشرف البشر وجبريل أشرف الملائكة ما دخلا السماوات حين عروجها إلا بإذن والاستفتاح فكيف بغيرهما من المخلوقين.
أيها الناس: أفبعد هذا يمكن لمؤمن أن يقول إن السماوات هي المجرات أو هي الغلاف الجوي للأرض أو يقول إن ما نشاهده فضاء لا نهاية له إن من يقول ذلك فهو إما جاهل بوحي الله وإما مكذب به مستكبر عنه مشاق لله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٣]- ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] إن إنكار السماوات أو التكذيب بها أو بأنها ذات بناء وإحكام تكذيب لله وكفر به سواء قالها قائل أو صدق من يقولها.
أما الأرض فإنها سبع أرضين في ظاهر كلام الله تعالى وصريح سنة رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] وهذه المثلية تقتضي المساواة في كل ما تمكن فيه الأرض مثل السماوات في العدد.
قال رسول الله ﷺ : «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن والأرضين السبع وما أقللن» (رواه النسائي) والأرض مثل السماوات في التطابق فإذا كانت السماوات سبعا طباقا فكذلك الأرض مثلهن يقول النبي ﷺ : «من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين» (رواه
стр. 344
البخاري) . وقال أيضا «من اقتطع شبرا من الأرض بغير حقه طوقه إلى سبع أرضين» (تفرد به أحمد وهو على شرط مسلم) .
والغاية تدل على أن كل أرض تحت الأرض وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.
لقد خلق الله هذه السماوات وهذه الأرضين وقدر فيهن ما قدر من عجائب مخلوقاته وأسرار مبدعاته وفصل لنا ما فصل منها في سورة فصلت حيث قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ - وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ - ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ - فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]
وحجب عن عباده كثيرا من ذلك فلا يحل لأحد أن يثبت شيئا من أسرار الكون إلا بدليل منقول أو محسوس أما مجرد النظريات التي قد تتغير وتتبدل فلا يمكن الاعتماد عليها وأشد من ذلك وأدهى أن يحرف من أجلها كتاب الله وسنة رسوله فينزل على الآراء والنظريات القابلة للنقض والإفساد ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.
وفقني الله وإياكم لفهم كتابه والعمل به وجنبنا الزيغ والزلل في القول والعمل أقول قولي هذا. . الخ.
стр. 345
[الخطبة التاسعة فيما سخره الله لبني آدم وأكرمهم به]
الخطبة التاسعة
فيما سخره الله لبني آدم وأكرمهم به الحمد لله الذي أكرم بني آدم وفضلهم على العالمين وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ليكونوا من الشاكرين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الكرم والفضل المبين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على العالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا ربكم واشكروا نعمته عليكم إن كنتم إياه تعبدون واعرفوا ما كرمكم به على العالمين وما خولكم به من الفضل في الأولين والآخرين فلقد خلق الله أباكم آدم بيده ونفخ فيه من روحه وعلمه أسماء كل شيء وأسجد له ملائكته وخلق له من نفسه زوجا ليسكن إليها وينشر الأولاد من بينهما ثم اذكروا نعمة الله عليكم حيث خلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث لا يعلمكم إلا الله ولا يستطيع أحد أن يوصل إليكم طعاما ولا شرابا ولا نفعا ولا ضرا جعل غذاءكم في بطون أمهاتكم من الدم الذي يتصل بالبدن من طريق السرة وينتشر في العروق ثم هيأ لكم بعد الخروج من بطون أمهاتكم ثديين تنهلون منها لبنا خالصا سائغا مناسبا في حرارته ومذاقه لطيفا في نفوذه في العروق وغذائه.
وتذكروا نعمة الله عليكم حيث أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا رحمة بكم وإحسانا إليكم فإنكم لو كنتم في تلك الحال تعلمون لما تحملت أجسامكم الصغيرة ألم الحياة ونكباتها وفتنها ثم أعطاكم الله الفهم شيئا فشيئا كلما ازددتم في العمر ازددتم في الفهم حتى يتم ذلك ثم اذكروا نعمة الله عليكم حيث خلق لكم ما في الأرض جميعا وأباح لكم من الطيبات ما تنالون به وطركم وأمركم بتناوله والتمتع به فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] ونوع لكم هذه الأرزاق في أشكالها وأحجامها ومذاقها ومنافعها لتكمل لكم اللذة في التفكه بها ثم اذكروا نعمة الله عليكم فيما يسر لكم من الركوب: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢] ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] واذكروا نعمة الله عليكم حيث سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه أرسل الرياح مبشرات:
стр. 346
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ - وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ - وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤] ولقد بلغ من عناية الله بكم أن سخر لكم ملائكته: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ - رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٩] ووكل بني آدم كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون لكل واحد ملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد إن عمل حسنة كتبوها عشرا وإن عمل سيئة كتبوها واحدة وإن هم بحسنة كتبوها حسنة وسخر الله الملائكة الكرام لمصالح بني آدم فجبريل ينزل بالوحي الذي فيه حياة القلوب وسعادة الأمم وميكائيل موكل بالقطر والنبات الذي هو حياة الأرض ومادة غذاء الأبدان وإسرافيل موكل بالصور ينفخ فيه فيقوم الناس أحياء من الأجداث إلى ربهم ينسلون.
ومن الملائكة من وكلهم الله بحفظ بني آدم وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] وقال ﷺ «الملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» وقال «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤا يستمعون الذكر» وكل هذا من عناية الله ببني آدم ومن عنايته بكم أنه إذا مات العبد قبضت الملائكة روحه بأمانة تامة وهم لا يفرطون ثم إذا كان يوم القيامة تلقت الملائكة المؤمنين بالبشارة هذا يومكم الذي كنتم توعدون فإذا أدخلوا الجنة دخلت عليهم الملائكة من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
فيا عباد الله اشكروا نعمة الله عليكم وما سخر لكم في السماوات والأرض وقوموا بعبادته حبا وتعظيما واستعانة فله الفضل والإحسان أولا وآخرا والحمد لله رب العالمين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 347
[الخطبة العاشرة في الإيمان بالقدر]
الخطبة العاشرة
في الإيمان بالقدر الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا: ودبر عباده على ما تقتضيه حكمته وكان لطيفا خبيرا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وكان على كل شيء قديرا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله وآمنوا برسوله فالإيمان أن يؤمن العبد بالله وملائكته وكتبه ورسله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ومن الإيمان أن تؤمن بقضاء الله وقدره فآمنوا بأن الله بكل شيء عليم علم ما كان في الماضي وما سيكون في المستقبل علم ذلك جملة وتفصيلا لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] آمنوا بكمال علم الله وسعة علمه وآمنوا بكمال حفظه وتمام رعايته وأنه كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ما سيكون إلى يوم القيامة فإن أول ما خلق الله القلم قال له أكتب قال رب وماذا أكتب قال أكتب ما هو كائن فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] أيها المسلمون آمنوا بمشيئة الله في عموم ملكه فإنه ما من شيء في السماوات أو في الأرض إلا وهو ملك لله : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] وما من شيء في ملكه إلا وهو بمشيئته وإرادته فبيده الملك وبيده مقاليد السماوات والأرض ما من شيء يحدث من رخاء وشدة وخوف وأمن وصحة ومرض وقلة وكثرة إلا بمشيئته .
وآمنوا أيها المسلمون بعموم خلق الله لكل ما في السماوات والأرض: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] فإن الله خالق السماوات والأرض ومدبرهما وخالق الإنسان ومدبره فللإنسان عزيمة وإرادة وله قدرة وعمل والذي أودع
стр. 348
فيه تلك العزيمة وخلق فيه تلك القدرة هو الله ولو شاء لسلبه الفكر فضاعت إرادته ولو شاء لسلبه القدرة فما استطاع العمل.
أيها المسلمون: إن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة لا يتم الإيمان إلا به لكنه ليس حجة للإنسان على فعل معاصي الله أو التهاون بما أوجب الله وجه ذلك أن الله أعطاك عقلا تتمكن به من الإرادة وأعطاك قدرة تتمكن بها من العمل فلذلك إذا سلب عقل الإنسان لم يعاقب على معصية ولا ترك واجب وإذا سلب قدرته على الواجب لم يؤاخذ بتركه.
إن الاحتجاج بالقدر على المعاصي أو ترك الواجبات حجة داحضة باطلة أبطلها الله في كتابه ويبطلها العقل والواقع.
أبطلها الله في كتابه فقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ولو كان القدر حجة لم ترتفع بإرسال الرسل لأن القدر ثابت مع إرسال الرسل. وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فلو كان الاحتجاج بالقدر حجة صحيحة وعذرا مستقيما لما أذاق الله المحتجين به على شركهم بأسه لأن الله لا يظلم أحدا.
إن الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي وترك الواجبات حجة داحضة يبطلها العقل وذلك لأن المحتج بالقدر ليس عالما بالقدر فيبني عمله عليه فكيف يحتج بما ليس له تأثير في فعله إذ لا تأثير للشيء في فعل الفاعل حتى يكون عالما بهذا المؤثر.
ولو أن أحدا اعتدى على شخص بأخذ ماله أو قتله وقال هذا شيء بقضاء الله وقدره لم يقبل المعتدي عليه ولا الناس عذره فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر من غيره إذا اعتدى عليه ويحتج به لنفسه إذا اعتدى على حق الله.
إن الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي وترك الواجبات حجة داحضة يبطلها الواقع فإن كل شخص يرغب الوظيفة إذا سمع بمسابقة عليها سعى في ذلك حتى يصل إلى الوظيفة وإن وصوله إلى الوظيفة حاصل بقضاء الله وقدره بلا شك ومع ذلك فقد سعى للوصول إليها بما يستطيع من الأسباب ولم يترك العمل للوصول إليها فلماذا يترك ما أوجب الله عليه وهو قادر على فعله عالم أنه يوصله إلى رضوان الله والجنة ثم يحتج بالقضاء والقدر لماذا لم يسع للوصول
стр. 349
إلى الجنة كما سعى للوصول إلى الوظيفة وإلى المعيشة وإننا في أيام الامتحان لنرى الطلاب الذين يريدون النجاح يسهرون الليل ويتعبون النهار في المراجعة ليصلوا إلى النجاح وما أحد منهم يريد النجاح فيترك المراجعة احتجاجا بالقضاء والقدر فكيف يصح أن يترك الإنسان ما أوجب الله عليه وهو يعلم أنه يوصله إلى رضوان الله والجنة ثم يحتج بالقضاء والقدر.
وإننا لنرى الشخص يحجب عن نوع معين من الطعام يضره أكله ونفسه تشتهيه فيتركه خوفا من مضرته ولا يمكن أن يقدم عليه ويحتج بالقضاء والقدر فلماذا يقدم على المعصية وهي تضره ثم يحتج بالقضاء والقدر؟ إن الإنسان العاقل كلما تأمل الواقع وقاس الأمور بعقله ونظر في كتاب الله وسنة رسوله علم علما يقينا أن لا حجة للإنسان بقضاء الله وقدره على ما يفعله باختياره وأن الاحتجاج بذلك على ترك الواجب أو على فعل المحرم حجة داحضة باطلة لا يفعلها إلا الباطلون المكابرون.
أما الأمور غير الاختيارية كالموت والمرض وسقوط شيء على الإنسان حتى يقتله أو نحو ذلك فهذا حجة للإنسان ولذلك لا يؤاخذ الله المجنون على ما ترك من الواجبات أو فعل من المحرمات ولا يؤاخذ الله العبد على ما فعله من محرم جاهلا به أو ناسيا لأنه ليس مختارا لفعله لو علم بتحريمه.
فاتقوا الله أيها المسلمون وآمنوا بقضاء الله وقدره واجعلوه وسيلة لكم إلى الاستعانة بالله وطلب الهداية منه لأن بيده أزمة الأمور ومقاليدها فإن الصحابة ﵃ قالوا للنبي ﷺ أفلا ندع العمل ونتكل على القضاء قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى - وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (رواه البخاري) فاتقوا الله عباد الله ولا تجعلوا قدر الله حجة لكم على شريعته ومخالفته فتضلوا ضلالا بعيدا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
стр. 350
[الخطبة الحادية عشرة حقيقة الإيمان وعلاماته]
الخطبة الحادية عشرة
حقيقة الإيمان وعلاماته الحمد لله الذي يقضي بالحق ويحكم بالعدل ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم يقدر الأمور بحكمة ويحكم بالشرائع لحكمة وهو الحكيم العليم أرسل الرسل مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وليقوم الناس بالقسط ويؤتوا كل ذي حق حقه من غير غلو ولا تقصير وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وانصروا الله ينصركم وأطيعوه يثبتكم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] أيها الناس: إن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي ولكن الإيمان ما وقر في القلب ورسخ فيه وصدقته الأعمال بفعل الطاعات واجتناب المعاصي.
إن كل واحد يستطيع أن يقول إنه مسلم بل يرتقي إلى أعلى ويقول إنه مؤمن كل واحد يستطيع أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
المنافقون وهم في الدرك الأسفل من النار يذكرون الله. المنافقون يأتون إلى النبي ﷺ ويقولون نشهد إنك لرسول الله. المنافقون يحلفون للنبي ﷺ وأصحابه إنهم لمنهم وما هم منهم ولكن كل هذه الشهادات والأيمان لم تنفعهم فهم في الدرك الأسفل من النار تحت كل مشرك وكل دهري وكل يهودي وكل نصراني لأن هذه الشهادات والأيمان لم تصدر عن يقين وإيمان ولا عن قبول واذعان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] فالإيمان عقيدة راسخة قبل كل شيء تنتج قولا سديدا وعملا صالحا تنتج الحب لله ورسوله والإخلاص في توحيد الله واتباع رسوله ﷺ الإيمان جد وعمل ومثابرة ومصابرة وحبس للنفس على ما تكره من طاعة الله ومنع لها عما تحب من معصية الله.
إن للإيمان علامات كثيرة ذكرها الله في كتابه وذكرها رسول الله ﷺ في سنته نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]
стр. 351
ونذكر أيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ - وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ - أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٦] فبالله عليكم أيها المسلمون من منا بهذه المثابة، من منا إذا ذكر الله وجل قلبه خوفا من الله وتعظيما له، من منا إذا تليت عليهم آيات ربهم زادتهم إيمانا واستبشروا بها لما يجدون في نفوسهم من حلاوة التصديق بها والامتثال لأحكامها، من منا قام بتحقيق التوكل على الله والاعتماد عليه وعدم التعلق بالمخلوقين، من منا أقام الصلاة على الوجه المطلوب بالمحافظة عليها واتقان حدودها، من منا قام بالانفاق مما رزقه الله من بذل زكاة وسد حاجة الأهل والأقارب والمعوزين؟ لنفكر أيها الناس في حال المسلمين إننا إذا فكرنا في حال المسلمين اليوم لا في هذه الجزيرة فحسب ولكن في جميع البلاد الإسلامية نجد مسلمين بلا إسلام ومؤمنين بلا إيمان إلا أن يشاء الله نجد ذلك من القمة إلى من لا يجد اللقمة الكل مقصر والكل غير قائم بما يجب عليه من حقوق لله تعالى أو لعباد الله.
إننا نجد في الأمة الإسلامية تقصيرا في الإيمان واليقين ونجد تقصيرا في الأخلاق الفاضلة وحمايتها ونجد تقصيرا في الأعمال.
إننا نجد تقصيرا في الإيمان واليقين لأننا نجد بعص الناس ولا سيما بعض من عاش فترة في بلاد الكفر ونهل من صديد أفكارهم الملوثة وثقافتهم المزيفة نجد في هؤلاء من في قلوبهم شك وريب فيما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب تجدهم في شك من وجود الملائكة وفي شك من وجود الجن وفي شك من صحة رسالة محمد ﷺ لا بل بعضهم في شك من وجود الله تعالى وجود خالقه سبحان الله!! يشك في وجود خالقه ولا يشك في وجود نفسه إن كل من شك في وجود الله يجب أن يشك في وجود نفسه أولا لأنه لم يخلقه أحد سوى الله .
نجد من المسلمين اليوم من إذا ذكر الله عنده لم يتحرك قلبه أبدا ولا كأن شيئا ذكر عنده فضلا عن أن يوجل قلبه.
نجد من المسلمين اليوم من إذا تليت عليهم آيات الله لم يزدادوا إيمانا
стр. 352
بل يزدادون رجسا إلى رجسهم فيسخرون بها ويستكبرون عن أحكامها.
نجد من المسلمين اليوم من لا يتوكلون على الله تعالى وإنما يعتمدون على الأسباب المادية المحضة اعتمادا كليا ولهذا تجدهم لا يسيرون في طلب رزقهم على شريعة الله ظنا منهم أن الأخذ بالطرق الشرعية يضيق موارد الرزق فلذلك تجدهم يسعون لتحصيل الرزق بكل وسيلة حلالا كانت أم حراما.
وتجد من المسلمين اليوم من اعتمد على أعداء الله في أمنه وسلامه حتى آل الأمر بهم إلى أن أطاعوهم في بعض الأمور المخالفة لشريعة الله تعالى والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ - فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨] نجد هؤلاء الذين أطاعوا هؤلاء الأعداء في بعض الأمور المخالفة للشريعة إنما سلكوا هذا المسلك المنحرف لضعف توكلهم على الله وقوة اعتمادهم على غيره.
انبهروا من قوة هؤلاء الأعداء المادية فظنوا أن كل شيء بأيديهم ونسوا أن الذي خلق هؤلاء هو أشد منهم قوة وأن قوة هؤلاء المبهورين لو أرادها وجدوها في التوكل على الله تعالى والأخذ بأسباب نصره من تطبيق دينه والتزام شريعته في أنفسهم وفيمن ولاهم عليه لأنهم إذا فعلوا ذلك كان الله معهم ومن كان الله معه فلن يغلب: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] نجد من المسلمين اليوم من لا يقيمون الصلاة ولا يحافظون عليها فلا يصلون مع الجماعة ولا يأتون بشروطها وأركانها وواجباتها فلا يبالون بالطهارة أتقنوها أم فرطوا فيها ولا يصلون في الوقت ولا يطمئنون في القيام والقعود والركوع والسجود لا بل من الناس الذين قالوا إنهم مسلمون من لا يصلي بل من يسخر ويستهزيء بمن يصلي.
نجد من المسلمين من هو جماع مناع لا ينفق مما رزقه الله فلا زكاة ولا صدقة ولا إنفاق كاملا على من يجب عليه الإنفاق عليه ومع ذلك تجده يبذل الكثير من ماله فيما لا ينفعه بل فيما حرم الله عليه أحيانا.
إن المسلمين اليوم في حال يرثى لها والشكوى إلى الله تضييع لفرائض الله وتعد لحدود الله وتهاون في شريعة الله ونسيان لذكره وأمن من مكره واعتناء بما خلق لهم وغفلة عما خلقوا
стр. 353
له ولهذا سلط عليهم أعداؤهم فاستذلوهم واستهانوا بهم وتلاعبوا بهم سياسيا واقتصاديا حتى صاروا كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون فإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا وفي انتظار فريضة من فرائضك التي مننت بفرضها علينا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد.
ولم يكن له كفوا أحد يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم نسألك أن تحبب إلينا الإيمان وتزينه في قلوبنا وترسخه فيها وأن تكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وتباعدها عنا وأن تهئ للأمة الإسلامية من أمرها رشدا ولاة صالحين يقضون بالحق وبه يعدلون لا يخافون في الله لومة لائم لا يحابون قريبا لقربه ولا قويا لقوته وأن تحفظ علينا ديننا وتثبتنا عليه إلى الممات إنك جواد كريم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . الخ.
стр. 354
[الخطبة الثانية عشرة في الحذر من أعداء المسلمين]
الخطبة الثانية عشرة
في الحذر من أعداء المسلمين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الإسلام التي لا يعدلها نعمة تلك النعمة التي ضل عنها كثيرا من الناس وهداكم الله تعالى بمنه إليها تلك النعمة التي عشتم عليها وعاش عليها آباؤكم فلم يجر ولله الحمد على بلادكم استعمار مستعمر جاس خلال الديار بجنوده وعتاده فخرب الديار وأفسد الأديان والأفكار اشكروا الله تعالى على هذه النعمة وحافظوا على بقائها واستمرارها واسألوا الله الثبات عليها وإياكم إياكم أن تتعرضوا لما يزيلها ويسلبها منكم فتخسروا دنياكم وآخرتكم.
عباد الله إن الإسلام منذ بزغ نجمه وأعداؤه يحاولون القضاء عليه بكل ما يستطيعون من قوة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] فلقد حاول أعداء الإسلام أن يقضوا عليه في عهد النبي ﷺ ثم في عهد خلفائه الراشدين ثم في العصور التالية إلى وقتنا هذا حاولوا القضاء على الإسلام وبني الإسلام بالعنف والصراع المسلح تارة وبالمكر والخداع والخطط الهدامة تارة أخرى ولسنا مجازفين عندما نقول ذلك فبين أيديكم التاريخ يشهد بما نقول وبين أيديكم شهادة أعظم وأصدق وهي شهادة الله تعالى في كتابه وكفى بالله شهيدا وليست هذه المحاولة من أعداء المسلمين من صنف واحد منهم ولكن من سائر أصناف الأعداء من المشركين واليهود والنصارى وسائر الكفار والمنافقين، اسمعوا ما قال الله تعالى في المشركين وهم يفتنون الناس عن دينهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]
стр. 355
وقال في اليهود والنصارى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] وقال فيهم أيضا: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقال في سائر الكفار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ - بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩ - ١٥٠] وقال في المنافقين: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا - وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٨ - ٨٩]
فهذه أيها المسلمون شهادة الله تعالى على أعدائكم بما يريدون منكم وما يحاولونه من صدكم عن دينكم وأي شهادة أعظم من شهادة الله وأي شهادة أصدق من شهادته فهو العليم بنيات عباده وأحوالهم وإن التاريخ في ماضيه البعيد لن يخفي ما شهد الله تعالى به عليهم كما نطق به في وقته الحاضر على ألسنة قادة الكفر السياسيين والمفكرين قال أحد رؤساء الوزارة البريطانية سابقا: لن تستطيع أوروبة السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان ما دام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين.
وقال الحاكم الفرنسي في الجزائر قبل استقلالها. لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن ويتكلمون بالعربية فيجب أن نزيل القرآن من وجودهم ونقتلع العربية من ألسنتهم.
هكذا يغري قادة الكفر بإزالة القرآن من الوجود وهم لا يعنون إزالة نسخ القرآن من أيدي المسلمين إنما يريدون أن يزيلوا من المسلمين روح القرآن والعمل به حتى لا يبقى بين المسلمين من القرآن إلا رسمه ولا من الإسلام إلا اسمه.
وقال رئيس جمعيات المنصرين في مؤتمر القدس المنعقد قبل أكثر من أربعين عاما يخاطب جماعة التنصير إن مهمتكم ليس في إدخال المسلمين في النصرانية إن مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها.
هذا أيها المسلم كلام قادة الكفر في الغرب فماذا عن كلام قادة الكفر في الشرق؟ لقد كتبت إحدى الصحف الشيوعية في روسيا تقول: من المستحيل تثبيت الشيوعية قبل سحق الإسلام نهائيا.
فكفار الشرق والغرب كلهم أعداء للإسلام كلهم
следующие страницы →