Полный текст (711 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ونذكر أيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ - وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ - أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٦] فبالله عليكم أيها المسلمون من منا بهذه المثابة، من منا إذا ذكر الله وجل قلبه خوفا من الله وتعظيما له، من منا إذا تليت عليهم آيات ربهم زادتهم إيمانا واستبشروا بها لما يجدون في نفوسهم من حلاوة التصديق بها والامتثال لأحكامها، من منا قام بتحقيق التوكل على الله والاعتماد عليه وعدم التعلق بالمخلوقين، من منا أقام الصلاة على الوجه المطلوب بالمحافظة عليها واتقان حدودها، من منا قام بالانفاق مما رزقه الله من بذل زكاة وسد حاجة الأهل والأقارب والمعوزين؟ لنفكر أيها الناس في حال المسلمين إننا إذا فكرنا في حال المسلمين اليوم لا في هذه الجزيرة فحسب ولكن في جميع البلاد الإسلامية نجد مسلمين بلا إسلام ومؤمنين بلا إيمان إلا أن يشاء الله نجد ذلك من القمة إلى من لا يجد اللقمة الكل مقصر والكل غير قائم بما يجب عليه من حقوق لله تعالى أو لعباد الله.
إننا نجد في الأمة الإسلامية تقصيرا في الإيمان واليقين ونجد تقصيرا في الأخلاق الفاضلة وحمايتها ونجد تقصيرا في الأعمال.
إننا نجد تقصيرا في الإيمان واليقين لأننا نجد بعص الناس ولا سيما بعض من عاش فترة في بلاد الكفر ونهل من صديد أفكارهم الملوثة وثقافتهم المزيفة نجد في هؤلاء من في قلوبهم شك وريب فيما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب تجدهم في شك من وجود الملائكة وفي شك من وجود الجن وفي شك من صحة رسالة محمد ﷺ لا بل بعضهم في شك من وجود الله تعالى وجود خالقه سبحان الله!! يشك في وجود خالقه ولا يشك في وجود نفسه إن كل من شك في وجود الله يجب أن يشك في وجود نفسه أولا لأنه لم يخلقه أحد سوى الله .
نجد من المسلمين اليوم من إذا ذكر الله عنده لم يتحرك قلبه أبدا ولا كأن شيئا ذكر عنده فضلا عن أن يوجل قلبه.
نجد من المسلمين اليوم من إذا تليت عليهم آيات الله لم يزدادوا إيمانا
стр. 352
بل يزدادون رجسا إلى رجسهم فيسخرون بها ويستكبرون عن أحكامها.
نجد من المسلمين اليوم من لا يتوكلون على الله تعالى وإنما يعتمدون على الأسباب المادية المحضة اعتمادا كليا ولهذا تجدهم لا يسيرون في طلب رزقهم على شريعة الله ظنا منهم أن الأخذ بالطرق الشرعية يضيق موارد الرزق فلذلك تجدهم يسعون لتحصيل الرزق بكل وسيلة حلالا كانت أم حراما.
وتجد من المسلمين اليوم من اعتمد على أعداء الله في أمنه وسلامه حتى آل الأمر بهم إلى أن أطاعوهم في بعض الأمور المخالفة لشريعة الله تعالى والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ - فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨] نجد هؤلاء الذين أطاعوا هؤلاء الأعداء في بعض الأمور المخالفة للشريعة إنما سلكوا هذا المسلك المنحرف لضعف توكلهم على الله وقوة اعتمادهم على غيره.
انبهروا من قوة هؤلاء الأعداء المادية فظنوا أن كل شيء بأيديهم ونسوا أن الذي خلق هؤلاء هو أشد منهم قوة وأن قوة هؤلاء المبهورين لو أرادها وجدوها في التوكل على الله تعالى والأخذ بأسباب نصره من تطبيق دينه والتزام شريعته في أنفسهم وفيمن ولاهم عليه لأنهم إذا فعلوا ذلك كان الله معهم ومن كان الله معه فلن يغلب: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] نجد من المسلمين اليوم من لا يقيمون الصلاة ولا يحافظون عليها فلا يصلون مع الجماعة ولا يأتون بشروطها وأركانها وواجباتها فلا يبالون بالطهارة أتقنوها أم فرطوا فيها ولا يصلون في الوقت ولا يطمئنون في القيام والقعود والركوع والسجود لا بل من الناس الذين قالوا إنهم مسلمون من لا يصلي بل من يسخر ويستهزيء بمن يصلي.
نجد من المسلمين من هو جماع مناع لا ينفق مما رزقه الله فلا زكاة ولا صدقة ولا إنفاق كاملا على من يجب عليه الإنفاق عليه ومع ذلك تجده يبذل الكثير من ماله فيما لا ينفعه بل فيما حرم الله عليه أحيانا.
إن المسلمين اليوم في حال يرثى لها والشكوى إلى الله تضييع لفرائض الله وتعد لحدود الله وتهاون في شريعة الله ونسيان لذكره وأمن من مكره واعتناء بما خلق لهم وغفلة عما خلقوا
стр. 353
له ولهذا سلط عليهم أعداؤهم فاستذلوهم واستهانوا بهم وتلاعبوا بهم سياسيا واقتصاديا حتى صاروا كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون فإنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا وفي انتظار فريضة من فرائضك التي مننت بفرضها علينا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد.
ولم يكن له كفوا أحد يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم نسألك أن تحبب إلينا الإيمان وتزينه في قلوبنا وترسخه فيها وأن تكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان وتباعدها عنا وأن تهئ للأمة الإسلامية من أمرها رشدا ولاة صالحين يقضون بالحق وبه يعدلون لا يخافون في الله لومة لائم لا يحابون قريبا لقربه ولا قويا لقوته وأن تحفظ علينا ديننا وتثبتنا عليه إلى الممات إنك جواد كريم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . الخ.
стр. 354
[الخطبة الثانية عشرة في الحذر من أعداء المسلمين]
الخطبة الثانية عشرة
في الحذر من أعداء المسلمين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الإسلام التي لا يعدلها نعمة تلك النعمة التي ضل عنها كثيرا من الناس وهداكم الله تعالى بمنه إليها تلك النعمة التي عشتم عليها وعاش عليها آباؤكم فلم يجر ولله الحمد على بلادكم استعمار مستعمر جاس خلال الديار بجنوده وعتاده فخرب الديار وأفسد الأديان والأفكار اشكروا الله تعالى على هذه النعمة وحافظوا على بقائها واستمرارها واسألوا الله الثبات عليها وإياكم إياكم أن تتعرضوا لما يزيلها ويسلبها منكم فتخسروا دنياكم وآخرتكم.
عباد الله إن الإسلام منذ بزغ نجمه وأعداؤه يحاولون القضاء عليه بكل ما يستطيعون من قوة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] فلقد حاول أعداء الإسلام أن يقضوا عليه في عهد النبي ﷺ ثم في عهد خلفائه الراشدين ثم في العصور التالية إلى وقتنا هذا حاولوا القضاء على الإسلام وبني الإسلام بالعنف والصراع المسلح تارة وبالمكر والخداع والخطط الهدامة تارة أخرى ولسنا مجازفين عندما نقول ذلك فبين أيديكم التاريخ يشهد بما نقول وبين أيديكم شهادة أعظم وأصدق وهي شهادة الله تعالى في كتابه وكفى بالله شهيدا وليست هذه المحاولة من أعداء المسلمين من صنف واحد منهم ولكن من سائر أصناف الأعداء من المشركين واليهود والنصارى وسائر الكفار والمنافقين، اسمعوا ما قال الله تعالى في المشركين وهم يفتنون الناس عن دينهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]
стр. 355
وقال في اليهود والنصارى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] وقال فيهم أيضا: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] وقال في سائر الكفار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ - بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩ - ١٥٠] وقال في المنافقين: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا - وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٨ - ٨٩]
فهذه أيها المسلمون شهادة الله تعالى على أعدائكم بما يريدون منكم وما يحاولونه من صدكم عن دينكم وأي شهادة أعظم من شهادة الله وأي شهادة أصدق من شهادته فهو العليم بنيات عباده وأحوالهم وإن التاريخ في ماضيه البعيد لن يخفي ما شهد الله تعالى به عليهم كما نطق به في وقته الحاضر على ألسنة قادة الكفر السياسيين والمفكرين قال أحد رؤساء الوزارة البريطانية سابقا: لن تستطيع أوروبة السيطرة على الشرق ولا أن تكون هي نفسها في أمان ما دام هذا القرآن موجودا في أيدي المسلمين.
وقال الحاكم الفرنسي في الجزائر قبل استقلالها. لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن ويتكلمون بالعربية فيجب أن نزيل القرآن من وجودهم ونقتلع العربية من ألسنتهم.
هكذا يغري قادة الكفر بإزالة القرآن من الوجود وهم لا يعنون إزالة نسخ القرآن من أيدي المسلمين إنما يريدون أن يزيلوا من المسلمين روح القرآن والعمل به حتى لا يبقى بين المسلمين من القرآن إلا رسمه ولا من الإسلام إلا اسمه.
وقال رئيس جمعيات المنصرين في مؤتمر القدس المنعقد قبل أكثر من أربعين عاما يخاطب جماعة التنصير إن مهمتكم ليس في إدخال المسلمين في النصرانية إن مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها.
هذا أيها المسلم كلام قادة الكفر في الغرب فماذا عن كلام قادة الكفر في الشرق؟ لقد كتبت إحدى الصحف الشيوعية في روسيا تقول: من المستحيل تثبيت الشيوعية قبل سحق الإسلام نهائيا.
فكفار الشرق والغرب كلهم أعداء للإسلام كلهم
стр. 356
يريدون القضاء عليه لأنه هو الذي يخيفهم ويرعبهم كما أقر به أحد رؤساء الوزارة البريطانية في كلامه السابق وقال أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الفرنسية قبل أكثر من ست وعشرين سنة إن الخطر الذي يهددنا تهديدا مباشرا وعنيفا هو الخطر الإسلامي.
ولا تعجبوا أيها الإخوة من تصريح هؤلاء بالخوف من الإسلام فإن الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] وجماعة الكفر لم يخافوا من المسلمين اليوم لأن المسلمين اليوم في حال يرثى لها من الضعف والذل ليس لهم هيبة ولا منهم خوف بسبب تفرقهم في دينهم وإعراض الكثيرين منهم عنه، وإنما يخاف جماعة الكفر من الإسلام نفسه فوالله لو أن المسلمين طبقوا الإسلام عقيدة وعملا لملكوا مشارق الأرض ومغاربها قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ - إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦]
أيها المسلمون: إذا كان قادة الكفر في الشرق والغرب يخافون ذلك الخوف من دينكم فيسحاولون سلبه عنكم بكل وسيلة كما فعلوا ويفعلون.
وإن من أكبر الوسائل وأعظمها خطرا سفر الشباب إلى بلاد الكفر حيث يذهب إليهم شباب ناشئ في عنفوان شبابهم وفي وقت تطلعهم إلى الاستقلال الفكري والعملي قابل للتوجيه الجديد فكرا وسلوكا غير متحصن بحصانة قوية من علم أو دين أو تجربة تغره المظاهر وتجذبه الدعاية وتجترفه الشبهة التي تلقي بين يديه في دينه وسلوكه وعاداته يذهب هؤلاء الشباب إلى بلاد الكفر لا ذهاب الدعاة إلى الإسلام المرشدين للخلق ولكن ذهاب التلميذ المستلهم المتلقف لما يلقى إليه وبطبيعة التلمذة سيكون قابلا لما يلقى إليه على علاته عاجزا نفسيا أو اضطراريا عن مناقشة أستاذه فليقل ما شاء وإن الخطر على هؤلاء الذاهبين إليهم كما يكون في حقول التعليم يكون كذلك في إقامتهم في بلاد كفر لا يسمعون فيها أذانا ولا يشاهدون مساجد تقام فيها شعائر الإسلام وإنما يسمعون أجراس النواقيس ويشاهدون معابد اليهود والنصارى ومسارح اللهو ومعاقل الخمر والفساد وعبادة المادة فيرجع الكثير من هؤلاء وقد انقلب في دينه رأسا على عقب ولوثوا أدمغتهم بقذارة الكفر والإلحاد والشك في دين الإسلام ورسوله وشريعته.
فيا أيها الشاب المسلم يا من ولدت في الإسلام وربيت عليه يا من عشت بين أبوين مسلمين على الفطرة يا
стр. 357
من ترددت في أرض المسلمين صباحا ومساء تسمع الأذان وتصلي مع المسلمين يدوي في جوك خمس مرات في اليوم والليلة قول الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح أنت الآن على مقربة من الشهادة الإعدادية أو التوجيهية شهادة المتوسطة أو الثانوية فلا تلق بدينك إلى التهلكة تذهب إلى بلاد كفر لا تسمع فيها مؤذنا ولا تشهد جماعة ولا ترى مساجد يذكر فيها اسم الله تعالى وإنما هو الكفر واللهو والغفلة والاعراض عن الله تعالى أهلها كما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] يتمتعون بما أوتوا من زهرة الدنيا فإذا ماتوا فالنار والعذاب يقال لهم إذا عرضوا عليها: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠]
أيها الشاب المسلم ألم تعلم أن هذه الحياة الدنيا التي تعيشها ليست هذه الحياة سواء عشتها هنا أو هناك ألم تر ما فيها من تنغيص وكدر ومحن وفتن ألم تر الموت يتخطف شبابا وكهولا وشيوخا صباحا ومساء.
إنما الحياة يا أخي حياة الآخرة كما قال ربك : ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى - يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٣ - ٢٤] وكما قال نبيك ﷺ «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» .
أتدري ما مقدار السوط؟ إنه يبلغ حوالي متر واحد وهو في الجنة خير من الدنيا كلها من أولها إلى آخرها بكل ما فيها من زهرة وترف وجاه ورئاسة وملك لأن نعيم الجنة يبقى وزهرة الحياة تفنى.
أيها الشاب المسلم لقد سمعت وقرأت عن قادة الكفر ماذا يريدون لدينك من القضاء عليه ودينك غنما يتمثل بك أنت فأنت محله وأنت حامله وسيحاولون أن ينزعوه من قلبك فتصبح خاليا من الدين خاويا من الحياة.
فهل تطيب نفسك أن تسلم إليهم قيادها ليوجهوك كيف شاؤا؟ لعلك تغتر بالأماني فتقول أنا ولله الحمد مؤمن فلا يمكن أن تخدعني دعاياتهم وهذا قول طيب لكن الإنسان يشعر بأنه قوي على التخلص من البلاء حين يكون في عافية منه بعيدا عن مواقعه فإذا قرب منه وابتلي به تغيرت حاله وضعفت قوته ونفد صبره فلم يمكنه تخليص نفسه.
стр. 358
استمع إلى قول النبي ﷺ : «من سمع بالدجال فلينأ عنه (أي فليبعد عنه) فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه بما يبعث به من الشبهات» وهكذا نقول لك أيها الشاب بالنسبة لذهابك إلى بلاد الكفر تظن أنك تقوى على التخلص من البلاء بما في قلبك من الإيمان وأنت في بلاد الإسلام ولكن إذا حللت في بلاد الكفر فقد تتغير الحال فابعد عن الشر تقرب من السلامة.
وانظر إلى من ذهب من الشباب إلى بلاد الكفر وهو مستقيم على دينه فرجع من بلاد الكفر منحرفا عنه متغيرا في عقيدته منسلخا عن عبادته ذهب إلى بلاد الكفر وهو يفخر بالإسلام ورجع وهو يسخر به ذهب إلى بلاد الكفر وهو يقيم الصلاة ويقوم بشرائع الإسلام فرجع لا يقيم الصلاة ولا يقوم بشرائع الإسلام أفلا تخشى إذا ذهبت إلى بلاد الكفر أن يصيبك مثل ما أصاب هذا فتخسر دنياك وآخرتك.
أيها الشاب المسلم إن بقاءك في بلادك وهجرك لبلاد الكفر لا يفقدك العلم ولا ينقصك الاستزادة منه فهذه حكومتك وفقها الله تعالى وزادها رشدا وصلاحا وحماية وإصلاحا قد هيأت لك بما أنعم الله به عليها من مال يذلل لها المصاعب ويلبي لها المطالب هيأت لك كليات في جامعات تغنيك عن السفر إلى بلاد الكفر وتبقيك في دار الإسلام قريبا من أهلك وأقاربك وأصدقائك في راحة تامة وطمأنينة وأمن على دينك ولك فيمن تخرجوا منها واحتلوا المراكز اللائقة ولم يفتهم شيء مما قدر لهم من الدنيا لك فيهم أسوة ولك فيمن ذهبوا إلى بلاد الكفر فتغيرت أديانهم عبرة.
ففكر أيها الشاب المسلم بهذا الأمر الخطير تفكيرا جديا بعيد المدى ولا تعدل بسلامة دينك شيئا فهو رأس مالك بل هو حياتك وحكمة وجودك كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]
اللهم هيء لنا من أمرنا رشدا اللهم احفظ علينا ديننا وثبتنا عليه إلى الممات فإنه عصمة أمرنا اللهم أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
стр. 359
[الخطبة الثالثة عشر اتخاذ الحذر من الأعداء بمقابلتهم بمثل سلاحهم]
الخطبة الثالثة عشر
اتخاذ الحذر من الأعداء بمقابلتهم بمثل سلاحهم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتيقظوا لما يريده أعداء المسلمين من القضاء على الإسلام بكل وسيلة وما يدبرونه من مكايد يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.
أيها المسلمون لقد تنوعت أساليب أعداء المسلمين في محاولة القضاء على دينهم ووجهوا إليه ألوانا من الأسلحة وغزوا المسلمين من كل جهة.
غزوا المسلمين بالسلاح العسكري وغزوهم بالسلاح الفكري وغزوهم بالسلاح الخلقي وغزوهم بالسلاح العاطفي. غزوا المسلمين بالسلاح العسكري فاعلنوا الحرب على المسلمين وشنوا الغارة عليهم بأقوى الأسلحة التي تمنكهم الفرصة من استعمالها.
وغزوا المسلمين بالسلاح الفكري فأفسدوا أفكارا من المسلمين وعقيدة يحاولون تشكيك المسلمين في دينهم وزعزعة العقيدة من قلوبهم بما ينشرونه من كتب ورسائل وما يلقونه من خطب ومقالات بالطعن في الإسلام وقادته أحيانا وبتزيين ما هم عليه من الباطل أحيانا فإن اعتنق المسلم ما هم عليه من الكفر والضلال فذلك غاية مناهم وتمام رضاهم قال الله تعالى وهو العالم بما تخفي الصدور: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] وقال عالم الغيب والشهادة: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]
وإذا لم يعتنق المسلم ما هم عليه من الكفر والضلال اقتنعوا منه بالشك في دينه والارتياب وفي ذلك خروجه من الدين فإن الشك في الدين كفر ولقد صرح بعضهم بذلك فقالوا إننا نستبعد من المسلم أن يدخل في ديننا ولكن يكفينا أن يشك في دينه ثم يخرج منه إلى أي دين يشاء لأنهم يعلمون أن عز الإسلام هو ذلهم.
وغزوا المسلمين بالسلاح الخلقي فنشروا بين المسلمين ما تفسد به أخلاقهم وتسفل به
стр. 360
آدابهم وتكسد به قيمتهم، نشروا فيهم ما يثير الغرائز والشهوة إما بالأغاني والألحان وإما بالكلمات الماجنة والقصص الخليعة وإما بالصور الفاتنة حتى يصبح المسلم فريسة لشهوته يتحلل من كل خلق فاضل وينزل إلى مستوى البهائم ولا يكون له هم سو إشباع غريزته من حلال أو حرام وبذلك ينسى دينه ويهدر كل فضيلة وينطلق مع شهوته ولذاته إلى غير حدود شرعية ولا عرفية فينكر للشرع والعادة.
وغزوا المسلمين بالسلاح العاطفي سلاح المحبة والعطف فيتظاهرون بمحبة المسلمين والولاء لهم والعطف عليهم ومراعاة مصالحهم حتى يغتر بهم من يغتر من المسلمين وتنزع من قلوبهم العاطفة الدينية فيميلون إلى هؤلاء الأعداء بالمودة والآخاء والقرب والولاء وينسون قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ - فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٢] وينسون قول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية) .
أيها المسلمون إنه يجب علينا مع هذه التوجيهات الإلهية الصادرة عن علم وحكمة ورحمة أن لا نتجاهل دليلا واقعيا يوجب علينا الحذر من أعدائنا ومن موالاتهم ذلك هو ما حصل للإسلام من عز وتمكين فإن أعداءنا لن ينسوا ذلك العز الذي أسقط دولهم وأزال سلطانهم واجتاح بلادهم وظهر على دينهم حتى يأخذوا بالثأر منه بشتى الوسائل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
أيها المسلمون: إن أعداء الإسلام لا ينحصرون في طائفة معينة ولا حزب معين إن الكافرين كلهم أعداء الإسلام وأولياء بعضهم بعضا يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]
فالكفر جنس تحته أنواع ولكل نوع منه أمة تدين به ما بين يهود ونصارى ومجوس وصابئين ومشركين ودهريين وكلهم أولياء بعضهم لبعض لاتفاقهم على الخروج عن طاعة الله تشابهت قلوبهم واختلفت
стр. 361
عباراتهم وأساليبهم فقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقال اليهود إن الله فقير وقالت النصارى إن الله ثالث ثلاثة وقال اليهود يد الله مغلولة وقالت النصارى إن الله هو المسيح بن مريم.
أيها المسلمون إن علينا أن ننتبه وعلينا أن نحذر وإن علينا أن نعتبر بالأحداث وإن علينا أن نكون أقوياء في التخطيط والعمل فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير.
إن علينا أن نعد لأعدائنا لكل نوع من هجومهم سلاحه المقابل له حتى نتمكن من صد هجماتهم في كل وجه وأن نتدرع بالحذر البالغ خصوصا في هذا العصر فإن هذا هو ما أمر الله به قال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]
هكذا يقول الله في دفاعهم ويقول في طلبهم: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] اللهم إنا نسألك أن تنصرنا على أنفسنا حتى نستقيم على أمرك ونسألك أن تنصرنا على أعدائنا حتى نسعد بظهور دينك ونسألك اليقظة في الأمور والحكمة في التدبير وحسن العاقبة والمصير.
اللهم اجعلنا ممن يحبون فيك ويوالون ويبغضون من تمقت ويعادون وهب لنا من لدنك رحمة واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.
стр. 362
[الخطبة الرابعة عشرة في شيء من أسباب النصر على الأعداء وإبطال كيدهم]
الخطبة الرابعة عشرة
في شيء من أسباب النصر على الأعداء وإبطال كيدهم الحمد لله الذي أرسل بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله والحمد لله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض وتصريف الأمور كما يشاء تصريفا لا يخرج عن فضله أو عدله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو أن نكون بها ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل خلقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وكل من اهتدى بهديه وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله وكونوا مع الصادقين فاصدقوا الله في نياتكم واصدقوا الله في أقوالكم واصدقوا الله في أعمالكم عاملوا الله بصدق وعزيمة اعبدوه حق عبادته قوموا بأمره ما استطعتم وانصروا الله ينصركم ولا تتخلوا عن طاعته فيتخلى عنكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما ربك بظلام للعبيد. أيها المسلمون إن أعداء الإسلام يكيدون له من كل وجه ويغزونه من كل ناحية غزوه من ناحية الفكر والعقيدة فصرفوا الأفكار عن اعتدالها وغيروا العقيدة عن وجهها وأدخلوا على الدين قوانين وأحكاما تناقض أحكام الإسلام وقوانينه.
وغزوا الإسلام من ناحية الأخلاق والمثل العليا فأفسدوا الأخلاق وهدموا المثل وغزوا الإسلام من الناحية العسكرية فقاتلوا المسلمين وحاربوهم ولم يزالوا كذلك كلما حانت لهم الفرصة ووجدوا الغفلة من المسلمين.
أيها المسلمون وإن علينا أن نحذر وعلينا أن ننتبه وعلينا أن نعرف الداء لنعرف الدواء علينا أن نقف لهؤلاء الأعداء لنرد كيدهم في نحورهم مستعينين في ذلك بالله ومستعملين جميع الأسباب المادية والمعنوية لقمع تحركاتهم ودحر مكايدهم إن علينا أن نلتزم عند مجابهة هؤلاء الأعداء بأمور.
أولها إخلاص النية لله بأن ننوي بذلك إعلاء كلمة الله وتثبيت شريعته وتحكيم رسوله ﷺ فإن هذه هي النية الخالصة الصادقة.
وثانيها صدق العزيمة وقوة التنفيذ لأوامر الله تعالى في المنشط والمكره والعسر واليسر كما حصل للصحابة ﵃ مع نبيهم ﷺ فلقد حصل عليهم في غزوة أحد ما حصل من التعب والجهد والمشقة واستشهاد من استشهد منهم ولما هم المشركون بعد انصرافهم أن يرجعوا إليهم ليقضوا عليهم ندب
стр. 363
النبي ﷺ المسلمين إليهم فأجاب المسلمون إلى ذلك مع ما فيهم من الجراح والتعب استجابوا لذلك طاعة الله ورسوله ورجاء لفضل الله ورضوانه فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢] وهكذا جرى لهم عندما رجعوا من غزوة الأحزاب بعد طول الحصار والمشقة ودخلوا المدينة مقبلين على الأهل والراحة وعزم النبي ﷺ على غزو اليهود بني قريظة قال: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فخرجوا في الحال إلى بني قريظة وهكذا كان الصحابة ﵃ في صدق العزيمة لا يثنينهم التعب والنصب عن امتثال أمر الله ورسوله ولذلك حقق الله لهم النصر على عدوهم فكانت العاقبة لهم والعاقبة للمتقين.
أيها المسلمون هذا أمران إخلاص النية وصدق العزيمة الأمر الثالث اجتناب معصية الله تعالى فإن المعصية من أكبر أسباب الخذلان في الدنيا والآخرة ولقد حصل للصحابة ﵃ في أحد ما حصل من جراء معصية واحدة فقط حصلت من بعضهم حين قال لهم النبي ﷺ لا تبرحوا مكانكم فلما رأوا المسلمين هزموا الكفار تخلى بعضهم عن هذا المكان الذي عينه لهم رسول الله ﷺ فحصلت الهزيمة وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] هذا ما حصل من أجل معصية واحدة من البعض فكيف بمن عصوا الله في كثير من أمورهم بل اعتقدوا أن التزام الدين والتمسك به رجعية تنافي التقدم.
الأمر الرابع أن لا نعجب بأنفسنا بقوتنا أو بكثرتنا فإن الإعجاب بالنفس سبب للحرمان لأن معناه اعتماد الإنسان على قوته ونسيانه الله تعالى والإنسان مهما بلغ من القوة فهو ضعيف إلا بتقوية الله له ولقد كانت كلمة قالها بعض الصحابة يوم حنين حين بلغوا اثنى عشر الف مقاتل فقالوا لن نغلب اليوم من قلة فأراهم الله تعالى أن النصر من عنده فقال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ - ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ - ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧]
стр. 364
الأمر الخامس أن نعد العدة لأعدائنا بما استطعنا من قوة معنوية وحسية وأن يكون إعدادنا بصمت وحكمة حتى تأتي الحاجة ولقد كان رسول الله ﷺ يعد العدة لأعدائه وإذا أراد أن يغزو غزوة ورى بغيرها حتى لا يعلم أعداؤه بما يريد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين. . الخ.
стр. 365
[الخطبة الخامسة عشرة في تحقيق نصر الله تعالى لمن ينصره]
الخطبة الخامسة عشرة
في تحقيق نصر الله تعالى لمن ينصره إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى وكونوا مع الصادقين اصدقوا الله تعالى في عقائدكم وفي نياتكم في أقوالكم وفي أفعالكم عاملوا الله تعالى كما أمركم أن تعاملوه به واعبدوه مخلصين له الدين التزموا شريعته غير مغالين ولا مفرطين انصروا الله تعالى بالانتصار على أنفسكم الأمارة بالسوء والتغلب على أهوائكم التي تهوي بكم إلى النار انصروا الله تعالى بالغيرة لدينه وحمايته والذود عنه فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]- ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]- ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]- ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]- ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ - إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦]
فيا أمة القرآن يا أمة محمد ﷺ يا أمة التوحيد والإيمان إن ما سمعتم من هذه الآيات الكريمة وهذه الوعود المؤكدة الصادقة إنها لكلام ربكم العليم القدير القوي العزيز ولقد صدق الله وعده وأنجز نصره وهزم الأحزاب وحده لقد كان ذلك حينما كانت الأمة الإسلامية قائمة بالشرط المشروط عليها للنصر تؤمن بالله ورسوله وتعبد الله وحده لا تشرك به شيئا تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالنصر من عند الله لأنها تؤمن بأن لله وحده عاقبة الأمور لا ترهب الأعداء ولا تخاف من قواهم المادية وإنما تقابل عددهم بشجاعة وعددهم بما هو أقوى وأعتى وأفكارهم وتصرفاتهم الماكرة بما هو أدهى وأنكى ممتثلين
стр. 366
بذلك أمر الله ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] معتمدين في ذلك على الله : ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] مؤمنين بقول من بيده ملكوت السماوات والأرض وهو يجير ولا يجار عليه: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]
ولهذا أتم لهم النصر في مواطن تزيغ فيها الأبصار وتنحسر الأفكار وتنقطع الحيل وإني ضارب لكم في ذلك مثلين أحدهما نصر في الدفاع والخلاص والثاني نصر في الطلب والغلبة.
أما الأول ففي غزوة الأحزاب حين تألب الأحزاب من قريش ومن مالأهم من كفار العرب على رسول الله ﷺ وحاصروا المدينة في نحو عشرة آلاف مقاتل ونقضت يهود بني قريظة العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ فكان الأعداء على المدينة كما وصفهم الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا - هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١] وحاصروا النبي ﷺ والمؤمنين قرابة شهر وأصاب المسلمين من الجوع والتعب والبرد ما كان من أعظم الابتلاء فدعا عليهم رسول الله ﷺ فقال اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم ثم أرسل الله تعالى عليهم ريحا شرقية باردة شديدة لم تبق لهم خيمة ولا نارا ولا قرارا «قال حذيفة بن اليمان ﵁ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ في غزوة الخندق فصلى رسول الله ﷺ هويا من الليل في ليلة ذات ريح شديدة وقر يعني بردا فقال النبي ﷺ ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة فلم يتقدم أحد من شدة البرد والجوع والخوف، أعادها ﷺ الثانية والثالثة ثم قال يا حذيفة قم فآئتنا بخبر القوم فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني باسمي فقال يا حذيفة اذهب فآئتنا بخبر القوم ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا قال فمضيت كأنما أمشي في حمام أي في جو دافئ هادئ لا برد ولا ريح فدخلت في القوم والريح وجنود الله تعالى تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قرارا ولا تبقي خيمة ولا نارا فإذا أبو سفيان - وكان يومئذ كافرا - يصلي ظهره بالنار فأردت أن أرميه ولو رميته لأصبته فذكرت قول النبي ﷺ قال فرجعت إلى النبي ﷺ وأنا أمشي في مثل الحمام يعني في جود دافئ هادئ فأخبرته بخبر
стр. 367
القوم فلما فرغت أصابني البرد فألبسني رسول الله ﷺ من فضل عباءة كان يصلي فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال النبي ﷺ قم يا نومان ثم تفرق الأحزاب خائبين خاسرين كما قال الله ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] وحينئذ قال النبي ﷺ الآن نغزوهم ولا يغزوننا نحن نسير إليهم.»
أما يهود بني قريظة الذين نقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ وهم آخر قبائل اليهود في المدينة فخرج إليهم النبي ﷺ بعد رجوعه فورا وحاصرهم نحو عشرين ليلة حتى نزلوا على حكم النبي ﷺ فحكم فيهم النبي ﷺ سيد الأوس سعد بن معاذ ﵁ فقال ﵁ أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذريتهم وتقسم أموالهم فقال النبي ﷺ لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة فجيء بالمقاتلة مكتفين فضربت أعناقهم وكانوا بين السبعمائة والثمانمائة وسبيت نساؤهم وذريتهم وغنمت أموالهم كمال قال تعالى فيهم: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦]- أي من حصونهم - ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا - وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦ - ٢٧]
هذا مثال لنصر الله تعالى للمؤمنين في الدفاع والخلاص مما لا طاقة لهم به.
أما نصره إياهم في الطلب والغلبة فقد ذكر المؤرخون أن سعد بن أبي وقاص ﵁ الذي فتح الله تعالى على يديه أكثر بلاد فارس وقال فيه النبي ﷺ اللهم أجب دعوته وسدد رميته لما تابع الفرس يفتح بلادهم بلدا بلدا فوصلوا إلى نهر دجلة عبروها إلى عاصمتهم المدائن ولم يتركوا للمسلمين جسورا ولا سفنا فلما وصل سعد إلى النهر بعساكر الإيمان أخبرهم أنه عازم على العبور إلى الفرس على ظهر الماء فاقتحم بفرسه النهر وهو يجري ويقذف بالزبد واقتحم الناس معه ولم يتخلف أحد منهم فجعلت خيولهم تعوم بهم في الماء وهم يتحدثون على ظهورها كأنما تمشي على ظهر الأرض فإذا تعب فرس أحد منهم قيض الله له مثل الصخرة الكبيرة يقف عليها ليستريح حتى عبروا النهر فلما رآهم الفرس ولوا هاربين وتركوا بلادهم وأموالهم غنيمة للمسلمين وتحقق قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ولما وصل خمس الغنمية إلى عمر رضي الله
стр. 368
عنه في المدينة ونظر إليه قال إن قوما أدوا هذا لأمناء فقال له علي ﵁ إنك عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعوا.
فهذا مثال من نصر الله تعالى للمؤمنين في طلبهم لعدوهم وغلبتهم عليه بما لا طاقة لهم به فمن يتصور أن النهر ممتلأ ماء يمشي عليه المجاهدون بخيولهم حتى يعبروا إلى الجانب الآخر ولكن ذلك ليس بعزيز على الله تعالى فإنه القادر على كل شيء ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]
اللهم هيئ لهذه الأمة نصرا عزيزا تعز به أهل طاعتك وتذل به أهل معصيتك وتعلي به كلمتك إنك على كل شيء قدير اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 369
[الخطبة السادسة عشرة في تخلف النصر عمن لم يقم بأسبابه]
الخطبة السادسة عشرة
في تخلف النصر عمن لم يقم بأسبابه الحمد لله حمدا كثيرا كما يحب ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وإليه المنتهى وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن النصر من عند الله وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ولما كانت الأمة الإسلامية قائمة بشريعة الله حافظة لحدود الله مجاهدة في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا كانت منصورة ظافرة فتحت مشارق الأرض ومغاربها وكان لها السلطة والسيطرة على الأمم لأنها تقاتل لله وبالله وفي الله إخلاص لله تعالى واعتماد عليه والتزام بشريعته فلما اختلفت أهواؤها وتفرقت كلمتها وتشبعت مناهجها دب فيها الضعف وتكالبت عليها الأعداء وغزوها من كل جانب وبكل سلاح غزوها من ناحية الفكر والعقيدة فغيروا الأفكار وأفسدوا العقيدة، غزوها من ناحية الأخلاق والمثل العليا فأفسدوا الأخلاق وهدموا المثل، غزوها من ناحية المنهج والسلوك فضيعوها في متاهات الجهل والخرافات والبدع وفرقت الأمة دينها وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وأبدلوا القوانين الشرعية الإلاهية بقوانين وضعية طاغوتية فحكموا بغير ما أنزل الله بل زعموا أن الحكم بما أنزل الله قد انقضى وقته وانقرض أهله فلا يطابق هذا العصر ولا يناسب أهله وما هو إلا رجعية وتخلف إلى الوراء: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]
فلما بلغت الأمة إلى هذا المستوى انحطت معنويتها ونزعت من قلوب أعدائها هيبتها وتسلط الأعداء عليها بقوة السلاح فغزوها غزوا عسكريا في حرب التتار وفي حرب الصليبيين النصارى وفي حرب الصهيونيين اليهود وفي حروب أخرى هناك وهناك.
وفي هذا الأسبوع تبجح رئيس وزراء اليهود بانتصاراته التي قال إنها أسعد أيامه مفتخرا برفع العلم اليهودي على أرض فلسطين قبل أكثر من ثلاثين عاما ومفتخرا بتوحيد القدس مدينة المسجد الأقصى لصالح الأمة اليهودية بعد أن كانت مقسومة بين اليهود والعرب وكان المسجد الأقصى في القسم العربي فاستولى اليهود عليه قبل عشرة أعوام وعلى أراض أخرى من أراضي العرب.
стр. 370
أيها المسلمون إن لنا أن نتساءل لماذا سلطت هذه الأمة اليهودية على أمة العرب حتى استحلت من بلادها ومقدساتها ولكن علينا أن نتصور تصورا صريحا قبل الجواب والصراحة وإن كانت مرة في بعض الأحيان لكنها هي الوسيلة للحكم الصحيح كشق الجرح يؤلم المريض لكنه الوسيلة للعلاج الناجح.
وعلينا بعد التصور الصريح أن نحكم بالعدل والعقل ولو على أنفسنا.
إننا إذا نظرنا إلى تسليط هؤلاء اليهود على العرب وجدناه من عند أنفسهم كما قال الله تعالى في الجواب على سؤال المصابين يوم أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ثم ختم الآية بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] إشارة إلى أنه قادر على أخذ أعدائهم، فهل تدرون ما هذا الذي كان من عند أنفسهم إنها معصية واحدة في أمر تنظيمي كانت من أسباب هذه المصيبة فلو تصورنا حال العرب اليوم تصورا صريحا وحكمنا حكما عدلا مبنيا على العقل بعيدا عن تيارات العاطفة لوجدنا في العرب اليوم ما هو من أكبر أسباب الخذلان والهزيمة ففي العرب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر وفي العرب من يشرك بالله بدعاء المخلوقين وتعظيمهم والتعلق بهم كما يفعل ذلك في الله وفي العرب من لا يقيم الصلاة ولا يؤتي الزكاة وفي العرب من لا يصوم رمضان ولا يحج البيت وفي العرب من يحكم بغير ما أنزل الله ويرى أن الحكم بما أنزل الله قد انتهى وقته وانقرض أهله وأنه غير صالح لهذا العصر وفي العرب من تباع الخمور في اسواقهم وتشرب علانية كما حدثني بذلك من أثق به وفي العرب من لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر وفي العرب من لا يقيم الحدود التي أوجب الله في الجرائم ويرى أن ذلك همجية ووحشية إلى غير ذلك من المعاصي والمنكرات.
فإذا كانت معصية واحدة من بعض المجاهدين في غزوة أحد من أسباب مصيبة الهزيمة فما بالكم أيها الإخوة بهذه الفظائع التي توجد في بعض البلاد العربية اليوم.
إن الطمع في النصر بدون أسبابه طمع في غير محله إنه كالطمع في الأولاد بدون نكاح وكالطمع في الأشجار بدون غرس أو في ربح التجارة بدون اتجار.
إننا متى صدقنا الله تعالى في الجهاد في سبيله فكان قتالنا لتكون كلمة الله هي العليا
стр. 371
وشريعته هي الحكم فنقيم على أرض الله تعالى دولة إيمانية تؤمن بالله واليوم الآخر وتعمل صالحا فتقوم بأمر الله وتحكم بشريعة الله وتوالي من والى الله وسوله وتعادي من عادى الله ورسوله وتتمشى في ظاهرها وباطنها على ما مشى عليه عباد الله الصالحون من سلف هذه الأمة فستكون العاقبة لنا وسيورثنا الله أرضهم وديارهم وأموالهم كما أورثها سلف هذه الأمة: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ - إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦]
اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم أن تنصر الإسلام والمسلمين وتخذل الشرك والمشركين وتدمر أعداء الدين اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى عن المنكر إنك على كل شيء قدير.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 372
[الخطبة السابعة عشرة في ذكر الله تعالى]
الخطبة السابعة عشرة
في ذكر الله تعالى الحمد لله المذكور بكل لسان المشكور على كل إحسان خلق الخلق ليعبدوه وأظهر لهم آياته ليعرفوه ويسر لهم طرق الوصول إليه ليصلوه فهو ذو الفضل العظيم والخير الواسع العميم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة واصيلا كونوا من أولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم كونوا من الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب وتنفرج الكروب بذكر الله يحصل النصر ويثبت الله القلب في مواطن الفزع ولذلك أمر الله تعالى بذكره عند مقابلة الأعداء في الحرب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] إن ذكر الإنسان لربه يملأ قلبه سرورا ويكسو وجهه نورا ويذكره الله به يقول الله تعالى في القرآن الكريم ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] ويقول تعالى في الحديث القدسي الذي رواه النبي ﷺ عنه «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» وقال النبي ﷺ «سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا» وقال ﷺ «مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت» وسئل ﷺ من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» وقال ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» وأمر أن يلقن الميت إياها عند موته، وإن من أكبر ذكر الإنسان لها عند موته أن يكون مكثرا لها في حياته فإن من أكثر من شيء ألفه.
وقال ﷺ «أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها» .
وقال ﷺ «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل» .
وقال «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك»
стр. 373
وقال ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» وقال ﷺ : «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر» وقال: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلى مما طلعت عليه الشمس» وقال ﷺ : «أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة فسأله سائل من جلسائه كيف يكسب أحدنا ألف حسنة قال يسبح الله مائة تسبيحة فتكتب له ألف حسنة» .
فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من هذه المكاسب العظيمة من أعمال يسيرة أكثروا من ذكر الله بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم ليكن ذكر الله تعالى في قلوبكم قياما وقعودا وعلى جنوبكم كونوا متذكرين دائما لعظمته وجلاله وكمال أسمائه وصفاته وأفعاله ففي كل شيء له آية تذكركم به وتبرهن على وحدانيته وعظمته وقدرته وتبرز بها آثار رحمته وحكمته.
اذكروا الله تعالى بألسنتكم بقول لا إله إلا الله، سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر واعلموا أن كل قول من الخير تريدون به وجه الله فهو من ذكر الله.
اذكروا الله تعالى بجوارحكم بفعل الطاعات وترك المعاصي فإن كل فعل أو ترك تقومون به طاعة لله وتقربا إليه فهو من ذكر الله.
أكثروا من ذكر الله تعالى ولا تكونوا ممن أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا.
أكثروا من ذكر الله قبل أن يحال بينكم وبينه إما بالموت أو بالعجز أو بحرمانكم منه عقوبة على غفلتكم.
لا يشغلنك أيها المسلم عن ذكر الله مال ولا بنون فإنما المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا والباقيا الصالحات كل عمل صالح وعلى رأسها قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عباد الله إن ذكر الله تعالى غنيمة وربح وإن الغفلة عن ذكره غرم وخسارة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
والترة النقص والحرمان.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم اجعلنا في أهلنا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرت من الذين اغتنموا أوقاتهم بالباقيات الصالحات واعصمنا يا مولانا من الغفلة عن ذكرك ومن التشاغل بما لا يقربنا إليك ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك الوهاب واغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم.
стр. 374
[القسم الثالث في التفسير]
[الخطبة الأولى في تفسير آيات من سورة ق]
القسم الثالث
في التفسير الخطبة الأولى
في تفسير آيات من سورة ق الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا أنزله هدى للمتقين وعبرة للمتعظين فأحيا به القلوب وأصلح به الأعمال وذكر به من الغفلة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: فلقد كان رسول الله ﷺ يعظ الناس بهذا القرآن الذي جعله الله تعالى نورا وهداية فلا شيء أشفى لمرض القلوب من القرآن ولا شيء أقوم للأحوال من القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] لقد كان النبي ﷺ يخطب الناس بسورة ق والقرآن المجيد لأنها سورة عظيمة ذكر فيها المبدأ والمعاد مبدأ الإنسان منذ خلقه الله وذكر أحواله وأعماله وغايته.
ابتدأ الله هذه السورة بالانكار على المكذبين الذين كذبوا رسوله محمدا ﷺ وانكروا ما جاء به من البعث والحساب وقالوا أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد. فبين الله تعالى أنهم حينما كذبوا بالحق لما جاءهم اختلط عليهم الأمر والتبست عليهم الحقائق فهم في أمر مريج وهكذا كل من كذب بالحق لا بد أن تلتبس عليه الحقائق وتختلط عليه الأمور فلا يعرف الحق من الباطل ولا الصالح من الفاسد.
ولقد نبه الله هؤلاء المكذبين بالبعث على قدرته على ذلك بما يشاهدونه من هذه المخلوقات العظيمة الدالة على قدرته البالغة: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ - وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [ق: ٦ - ٧]- وهي الجبال - ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ - تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٧ - ٨]
ففي مد الأرض وبناء السماء وتزيين الأرض بالنبات البهيج وتزيين السماء بالنجوم النيرة في كل هذا كله تبصرة وذكرى يتبصر بعقله ويتذكر بفكره تمام قدرة الله تعالى وحكمته ونبه سبحانه على قدرته على البعث بما يشاهده الناس من إنزال المطر من السماء وإخراج النبات به من البساتين والحبوب: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ - رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ١٠ - ١١] ثم حذر الله هؤلاء المكذبين مما فعله بالمكذبين السابقين الذين حق عليهم وعيد الله بعذابه ونكاله بهم وقرر الله قدرته على إعادة الخلق مرة ثانية بقدرته على
стр. 375
الخلق الأول فتقرر بهذا قدرته تعالى على البعث بالأدلة العقلية والحسية.
ثم بين الله في هذه السورة حال الإنسان من أول خلقه وعلم الله سبحانه بتلك الحال وقربه منه وأنه سبحانه يعلم ما توسوس به نفس الإنسان فضلا عما يعمله ويظهره ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وبين الله تعالى أن مع كل إنسان ملكين يتلقيان ما يعمله من قول أو فعل ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ - مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨] رقيب حاضر يكتب كل ما يلفظ به وكل ما يفعله ونهاية هذا الإنسان فراق دار العمل إلى دار الآخرة فراق الدنيا إلى الآخرة.
: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] إنها سكرة فراق الأهل إنها سكرة فراق المال إنها سكرة فراق الدار، الدار التي ألفها منذ خروجه من بطن أمه إنها سكرة فراق العمل الذي كان يؤمله ويتمناه لا أقول العمل من أجل الدنيا التي هو حينذاك مودع لها ولكنه العمل من أجل الآخرة التي هو حينذاك مستقبل لها: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ - لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠]
إنها سكرة الموت بالحق لا سكرة الهوى ولا سكرة الخمر واللذة: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] وتهرب ولكن لا مفر من الموت ولا مهرب: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] إنه ملاقيكم من أمامكم وهل يمكن أن تفر مما هو ملاق لك؟ ثم يبين الله تعالى في هذه السورة حال يوم القيامة يوم الحساب والجزاء.
: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ - وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ - لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٠ - ٢٢] في الدنيا نسيت يوم القيامة وغفلت عنه حتى فاجأك: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] وفي ذلك اليوم تحضر الأعمال ويجازى العامل ويلقى في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب الذي جعل مع الله آلها آخرا: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق: ٢٦] وفي ذلك اليوم تقرب الجنة للمتقين غير بعيد يسكنها كل من خشي الرحمن بالغيب وجاب بقلب منيب.
فيا عباد الله اتقوا الله تعالى اعملوا لذلك اليوم واستعدوا له فإنه اليوم الذي يحق لكل عاقل أن يعمل له ولكل حلزم أن يستعد له.
وفقني الله وإياكم لاغتنام الأوقات والسعي في الأعمال الصالحات واجتناب الخطايا والسيئات إنه قريب مجيب الدعوات.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم. . الخ.
стр. 376
[الخطبة الثانية في تفسير بعض الآيات من سورة الطور]
الخطبة الثانية
في تفسير بعض الآيات من سورة الطور الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا بل جعله قيما يهدي للتي هي أقوم لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ما اتخذ صاحبة ولا ولدا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي زاده الله هدى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتبصروا فيما جرى للأنبياء من أممهم المكذبين وملإ قومهم الظالمين حيث كذبوا رسلهم وعابوهم ورموهم بكل باطل وانتقصوهم قالوا لأنبيائهم إنهم سحرة وقالوا إنهم مجانين ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ - أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣]
وكذلك المكذبون لرسول الله ﷺ وصفوه بكل قول قبيح هم أحق به منه فقالوا عما جاء به من القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]- ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨]
ولكن الله يدافع عنه ويؤيده وينصره ويجعل العاقبة له.
وفي سورة الطور من الدفاع عنه وتأييده ما يدل على كمال عناية الله به ونصره له لقد قالوا عن النبي ﷺ إنه كاهن ومجنون ليحولوا بينه وبين القيام بدعوته ويفتروا من همته وعزيمته وينفروا الناس عنه وعن شريعته فقال الله ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] نعم ما هو بما أنعم الله به عليه من النبوة كاهنا ولا مجنونا بل هو نبي صادق أكمل الناس عقلا وأحسنهم تصرفا وقالوا عن النبي ﷺ إنه شاعر ننتظر به الموت والهلاك كما مات من قبله الشعراء فقال الله لنبيه ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: ٣١] انتظروا فليس ريب المنون خاصا بي دونكم فأنا متربص بكم الهلاك وإن الهلاك إليهم أسرع ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور: ٣٢] هل عقولهم تملي عليهم مثل هذا القول الفاسد لا لأن كل عاقل يعرف أن القرآن ليس بشعر وأن الهلاك لا يختص به من جاء به ولكنهم قوم طاغون معتدون ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣] أي تقول القرآن وجاء به من عنده وكذبه على الله.
قال تعالى ردا عليهم ببيان حالهم ثم تحديهم ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] فهم يعلمون أن رسول الله ﷺ لم يتقول هذا القرآن ولا يمكن أن يتقوله لأنه قوال الخالق ولا يمكن
стр. 377
للمخلوق أن يأتي بمثله ولكن الحامل لهم على هذه الدعوى الباطلة كفرهم وجحودهم ثم تحداهم الله تعالى إن كانوا صادقين فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] أي مثل القرآن في البلاغة والهداية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والعقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة ولقد عجزوا على ذلك مع أنهم أمراء البيان وملوك الفصاحة ولما تحداهم الله تعالى وأظهر عجزهم عن القدح في آيته الشرعية القرآن تحداهم سبحانه بالآية الكونية فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] يعني هل خلقوا من غير خالق هل خلقوا صدفة بدون سبب؟ أمر لا يمكن لن كل مخلوق فله خالق وكل حادث فله محدث وإذا كان لا بد من خالق لهم فهل هم الذين خلقوا أنفسهم؟ أمر لا يمكن أيضا لا يمكن لأي شخص أن يدعي أنه خلق نفسه كيف وهو قبل أن يوجد معدوم ولا يمكن لأحد أن يدعي أنه خلق غيره أيضا لا يمكن لأحد أن يدعي أن يطور الجنين في بطن أمه نطفة ثم علقة ثم إنسانا حيا نفخت فيه الروح وإذا ثبت أنهم لم يحدثوا صدفة ولم يخلقوا أنفسهم تعين أن خالقهم هو الله كما أقروا بذلك ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] ثم انتقل الله من تحديهم فيما يتعلق بخلق أنفسهم إلى ما يتعلق بخلق أعظم وأكبر فقال: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٦] لا لم يخلقوا السماوات والأرض ولا يمكن أن يدعو ذلك بل هم يقرون بأن خالق السماوات والأرض هو الله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٢٥]
إذا كانوا يقرون بأن الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض هو الله فلماذا لا يصدقون رسوله ﷺ الذي جاء بالوحي منه وأيد بالآيات البينات ﴿بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] بل هم في أمر مريج مضطرب وشك وريب.
ثم قال تعالى في سياق تحدي هؤلاء المكذبين ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٣٧] يمنعونها عمن يشاؤن ويعطونها من يشاؤن فيدعون أنهم لم يعطوك النبوة وأنك كاذب فيها.
لا ليس عندهم خزائن الله وإنما خزائن الله عنده وفضل الله يؤتيه من يشاء ﴿أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] هل لهم السيطرة والسلطان والملك فيحجرون على الناس في تصرفهم لا ليست لهم السيطرة ولا السلطان ولا الملك فنفى الله عنهم السلطتين سلطة البذل والعطاء وسلطة السيطرة والقوة إذن فهم لا يستطيعون أن يمنعوا فضل الله أو يعطوه غير من أراد الله.
قال جبير بن مطعم ﵁ «سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ
стр. 378
هذه الآيات كاد قلبي أن يطير» وكان سماعه لذلك من أكبر ما حمله على الإسلام فأسلم ﵁.
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨] أخبار السماء فيسمعوا أنك على الوصف الذي ذكروه من الكهانة والجنون والسحر والشعر والكذب لا ليس لهم سلم يستمعون فيه فإن كابروا وادعوا ذلك فالبينة على المدعي ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] حجة ظاهرة على دعواه ولن يستطيعوا ذلك أبدا.
وكان هؤلاء المكذبون للرسول العائبون له بما هو أحق به من العيب قد عابوا الله من قبل فسموا الملائكة بنات الله فليس بغريب عليهم إذا عابوا الله أن يعيبوا رسوله وهذه - والله أعلم - هي المناسبة في ذكر هذه الآية: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] في سياق عيبهم لرسول الله ﷺ وبعد أن أبطل الله في هذه الآيات الكريمات ما أدعاه المكذبون لرسوله تحداهم بالمطالبة ببيان سبب هذا التكذيب فقال سبحانه: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ [الطور: ٤٠] عوضا عن الإيمان بما جئت به واتباعه ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] فيريدون أن يتخلصوا مما طلبت بالتكذيب لا بل الرسول ﷺ هو الذي يعطيهم ويتألفهم على الإسلام ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤١] ما علموا من الغيب فيرون رسالتك معارضة لما عندهم فينكرونها خوفا من إبطال ما علموا من الغيب وكتبوه لا ليس عندهم علم من الغيب ولا كتابة فهم أمة أمية جاهلة فكان مقتضى العقل وحسن التصرف أن يفرحوا بما جاء به رسول الله ﷺ يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطور: ٤٢] وهذا هو الواقع فإنهم لا يريدون بما وصفوا به رسول الله ﷺ إلا الكيد به وبدينه والقضاء عليه ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الطور: ٤٢] من أجل كفرهم وجحودهم ﴿هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] وحدهم المقضي عليهم بالذل والهلاك ولما كان ما جاء به الرسول ﷺ كله دعوة إلى توحيد الله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
قال الله في ختام هذا الدفاع عن رسوله ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الطور: ٤٣] يلجأون إليه ويعبدونه من دون الله حتى يحيدوا عن طريق الرسول ﷺ لا ليس لهم إله سوى الله وما اتخذوه من الأوثان آلهة فليست آلهة حقيقية لأنها ناقصة معيبة: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: ٤٣] أن يكون مثل أصنامهم وأوثانهم ولما بين الله أن هؤلاء المكذبين ينكرون الآيات الشرعية ويكذبوها بين أنهم ينكرون الآيات الكونية أيضا فقال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ [الطور: ٤٤] قطعا من العذاب يسقط من السماء ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤] فهو أمر
стр. 379
عادي لا نخاف منه ولا يبالي به وهذا غاية ما يكون من العناد والطغيان.
أجارني الله وإياكم من النار وجنبنا طريق المنافقين والكفار وهدانا صراطه المستقيم. . الخ.
стр. 380
[الخطبة الثالثة في تفسير آيات من سورة الواقعة]
الخطبة الثالثة
في تفسير آيات من سورة الواقعة الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين ونبراسا منيرا للمهتدين فكان شفاء لما في الصدور ومصلحا لجميع الأمور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على جميع النبيين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتدبروا كتاب ربكم الذي أنزله الله رحمة بكم وموعظة لكم وإصلاحا لدينكم ودنياكم ولا تعرضوا عنه فتبوؤا بالخسارة وقسوة القلوب والبعد عن خشية علام الغيوب.
إن القرآن موعظة من ربكم وشفاء لما في صدوركم ولا شيء أبلغ موعظة منه لمن تدبر القرآن وتفكر معناه ولقد كان رسول الله ﷺ يخطب به في الجمعة كثيرا قالت أم هشام ﵂ ما أخذت ق إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس.
أيها المسلمون إن من أعظم المواعظ ما جاء في سورة الواقعة تلك السورة العظيمة التي تحدثت عن أحوال الناس يوم القيامة وحالتهم عند مفارقة الدنيا.
ابتدأ الله هذه السورة بجملة شرطية عن وقوع الساعة حذف جوابها ليذهب الذهن في تقديره كل مذهب ويسلك في تفخيمه كل طريق.
يقول الله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] وهي يوم القيامة يعني إذا وقعت رأيت أهوالا عظيمة وأحوالا متباينة ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤] عظيما ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ﴾ [الواقعة: ٥] ففتتت تفتيتا دقيقا ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٦] بعد أن كانت جبالا متماسكة صلبة ثابتة.
وفي هذا اليوم ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف سابقون وأصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة.
فالسابقون في هذه الدنيا إلى الطاعات هم السابقون يوم القيامة إلى الكرامة والجنات وهم المقربون إلى فاطر السماوات والأرض في دار لا يفنى نعيمها ولا يبلى جديدها ولا يتكدر صفوها نعيمها دائم وسرورها قائم ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ - مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ - يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ - بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ - لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٥ - ١٩] هذا شرابهم أما طعامهم ففاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وأما نساؤهم فحور ذو بياض حسن صاف عين حسنات العيون منظرا وخلقة كأمثال اللؤلؤ المكنون في صدفه في غاية
стр. 381
الصفاء.
وأما مجتمعهم فمجتمع كامل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] لا يسمعون فيها لغوا من القول وهو ما لا فائدة فيه ولا تأثيما كلاما يأثمون بل كلامهم ذكر لله وتسبيح له وتحدث بينهم بما أنعم الله عليهم في الدنيا (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين) : ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ - الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤ - ٣٥]
هؤلاء هم السابقون إلى طاعة ربهم يقومون بالواجبات والمستحبات ويتركون المحرمات والمكروهات فكان نعيمهم أكمل النعيم وأحوالهم أكمل الأحوال.
أما الصنف الثاني فهم أصحاب اليمين وهم من أهل الجنة ولكنهم أقل حالا من السابقين ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨] شوكه فليس فيه شوك ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] من التمر من أسفله إلى أعلاه.
وهذا السدر والطلح ليس مشابها لما في الدنيا الاسم هو الاسم ولكن الحقيقة غير الحقيقة قال الله تعالى في الحديث القدسي أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ولأصحاب اليمين نعيم دائم ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ - لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣] يعني لا تنقطع في وقت من الأوقات كما تنقطع فواكه الدنيا ولا ممنوعة عن مبتغيها كما تمنع فواكه الدنيا.
أما جلوسهم ففي فرش مرفوعة وأما نساؤهم فقد أنشأ الله الحور منهن إنشاء بدون ولادة وأنشأ نساء الدنيا من أهل الدنيا إنشاء جديدا فجعلهن أبكارا لا يرجعن ثيبات أبدا كلما عاد إليها زوجها وجدها بكرا.
ومن تمام النعيم أن جعلهن الله عربا يتحببن إلى أزواجهن بالتلطف والمداراة أترابا على سن واحدة حتى لا تفخر واحدة على الأخرى أو ترى نفسها دون الثانية.
أما الصنف الثالث وهم أصحاب الشمال فلا تسأل عن حالهم إنها حال البؤس والشقاء والعناء في سموم هواء حار من النار يلفح وجوههم ويدخل في مسام جلودهم وليس عندهم ما يبرد السموم سوى ماء حميم شديد الحرارة ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ - يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٠] كما أنهم ليس لهم ما يحجب هذا السموم سوى ظل من يحموم واليحموم هو الدخان الأسود الحالك ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٤] ليس فيه وقاية ولا نفع فهذا مكانهم وموضع إقامتهم أما طعامهم وشرابهم فإن الله يقول
стр. 382
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ - لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٢] وهو شجر خبيث الطعم قبيح المنظر منتن الريح ليس فيه ما يحبب الأكل منه ولذلك يتزقمونه تزقما فيبتلعونه بشدة ومشقة فيملئون بطونهم منه وحينئذ يحترقون عطشا فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه إذا دنا منهم ويقطع أمعاءهم إذا حل فيها ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وإنهم ليشربون هذا الماء الحميم شرب الهيم وهي الإبل المصابة بهيام الماء فهي تشرب ولا تروى أبدا ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة: ٥٦]
أما في آخر السورة فقسم الله فيها الناس عند حضور الأجل وانقطاع الأمل وتلاشي الحيل والرحيل من دار العمل قسم الله الناس إلى ثلاثة أقسام فقال تعالى ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ - فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ - فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ - فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ - وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ - إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ - فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٦]
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من السابقين والمقربين ومن التالين لكتابك والمنتفعين.
اللهم ارزقنا الزهادة في الدنيا والرغبة في الآخرة وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد المصطفى المختار وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.
стр. 383
[الخطبة الرابعة في تفسير سورة العصر]
الخطبة الرابعة
في تفسير سورة العصر الحمد لله الذي من على عباده المؤمنين بدين يجمع كلمتهم، ويوحد صفوفهم، وأوجب عليهم أن يكونوا إخوانا للحق ناصرين وفي سبيل إقامته وإزالة ما يحول دون تحقيقه متعاونين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي وعد بنصر الحق وهو أصدق القائلين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين جمع الله به بعد الفرقة، وألف به بعد الخلاف، ونصر به الذلة، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى أصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فقال الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] فأقسم الله تعالى بالعصر وهو الدهر الذي هو ميدان العاملين ومضمار المتسابقين، الدهر الذي يختلف الناس في استهلاكه اختلافا كبيرا. فمنهم من يستهلكه في طاعة مولاه، وإصلاح أمته، وهؤلاء هم الرابحون، ومنهم من يذهب عليه سبهللا، ومنهم من يستهلكه في معاصي الله، وإفساد أمته، وكلاهما من الخاسرين. أقسم الله بهذا العصر على أن كل إنسان من بني آدم، فهو في خيبة وخسر مهما كثر ماله وولده وعظم قدره، وشرفه إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة: أحدهما الإيمان، ويشمل كل ما يقرب إلى الله تعالى من اعتقاد صحيح وعلم نافع. الثاني: العمل الصالح، وهو كل قول أو فعل يقرب إلى الله بأن يكون فاعله لله مخلصا ولمحمد ﷺ متبعا. الثالث: التواصي بالحق وهو التواصي على فعل الخير والحث عليه والترغيب فيه. الرابع التواصي بالصبر بأن يوصي بعضهم بعضا بالصبر على فعل أوامر الله، وترك محارم الله، وتحمل أقدار الله والتواصي بالحق والتواصي بالصبر يتضمنان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين بهما قوام الأمة وصلاحها ونصرها وحصول الشرف والفضيلة لها. فلقد جعلنا الله خير أمة أخرجت للناس وبين أسباب ذلك فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
فاتقوا الله أيها المسلمون، وحققوا هذه الفضيلة التي فضلتم بها على العالمين، فتآمروا
стр. 384
بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، واجتمعوا على ذلك، وأصلحوا أنفسكم وأهليكم وجيرانكم، واعلموا أنه ما اجتمع قوم على حق بنية خالصة وعمل صالح، إلا كلل اجتماعهم بالنجاح، وحصلوا على مقصودهم، ولن يتخلف النجاح عنهم إلا لأحد أمرين، إما نقص في إخلاصهم بأن يكون لأحدهم غرض غير ما اجتمعوا عليه، إما لخلل في عملهم بأن لم يسلكوا الطرق الموصلة إلى المقصود على وجه صحيح. ولو تأملتم ذلك لوجدتموه ظاهرا في كل عمل تقومون به إذا اجتمعم عليه، وأحسنتم النية، وسلكتم طريق الحكمة في الوصول إلى مقصودكم كانت النتيجة حصول المقصود على الوجه المطلوب بل ربما تكون النتيجة على وجه أفضل مما يتوقع.
إذن فالواجب أن يكون المسلمون يدا واحدة وصفا واحدا وقلبا واحدا فيما فيه خيرهم وصلاحهم واستقامة دينهم ودنياهم، فبذلك يصلون إلى عزهم الذي كتب الله لهم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]
فشدوا أيها المسلمون أيديكم بعضها ببعض، وكونوا كما وصفكم نبيكم بالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه. خذوا على أيدي السفهاء، واطروهم على الحق أطرا، واعلموا أنكم بذلك لهم راحمون، وإليهم محسنون؛ لأن رحمة الخلق الحقيقية، والإحسان الحقيقي إليهم هو أن تمنعهم مما يضرهم، وأن ترشدهم إلى ما فيه خيرهم واستقامة دينهم وباستقامة الدين تستقيم الدنيا والدين.
واعلموا أنه ما قام أحد بأمر يريد به ثواب الله وإصلاح عباد الله، إلا أعطاه الله ما تمناه عليه من الثواب سواء حصل إصلاح الغير أم لم يحصل، إذن فالأجدر بنا أن لا نتوانى، وأن لا نكسل في العمل على ما يصلح العباد والبلاد راجين بذلك ثواب الله قاصدين به إصلاح عباد الله؛ لأننا إذا سلكنا ذلك فنحن بحول الله رابحون، ومن عذابه وعقابه ناجون إن شاء الله.
وفقنا الله وإياكم للعمل بما فيه صلاحنا وصلاح أمتنا، وجعلنا وإياكم ممن غنموا أوقاتهم، واكتسبوها، واستهلكوها في طاعة الله، وعمروها، وأعاذنا وإياكم من الخيبة والخسران، وجنبنا الإثم والفسوق والعصيان. أقول قولي هذا، وأستغفر الله. . . الخ.
стр. 385
[الخطبة الخامسة في الحث على التمسك بكتاب الله والتحذير من مخالفته]
الخطبة الخامسة
في الحث على التمسك بكتاب الله والتحذير من مخالفته الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجا، أنزله قيما يهدي للتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذي يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا، ماكثين فيها أبدا، وينذر به قوما لدا خصمين حججا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ينال بها مخلصها من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أقوم الناس في عبادة ربه، وأسدهم منهجا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن بهداهم اهتدى، فنجا، وسلم تسليما.
أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ - قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨] أيها الناس إن هذه الموعظة التي جاءتكم من ربكم هو كتاب الله، وما تضمنه من أخبار صادقة نافعة وأحكام عادلة مصلحة للخلق ليس في دينهم، فحسب ولكن في دينهم ودنياهم إنه موعظة يتعظ بها العبد، فيستقيم على أمر الله، ويسير على نهجه وشريعته. إنه شفاء لما في الصدور، وهي القلوب شفاء لها من مرض الشك والجحود والاستكبار عن الحق أو على الخلق إنه شفاء لما في الصدور من الرياء والنفاق والحسد والغل والحقد والبغضاء والعداوة للمؤمنين. إنه شفاء لما في الصدور من الهم والغم والقلق، فلا عيش أطيب من عيش المتعظين بهذا القرآن المهتدين به، ولا نعيم أتم من نعيمهم، ولهذا قال بعض السلف: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف يعنون ما فيهم من شرح الصدور بالإيمان بالله والسرور بطاعته وعبادته. إن هذا القرآن هدى ومنار للسالكين، يخرجون به من الظلمات إلى النور، ويهتدون به إلى خالقهم، وإلى دار كرامته، فهو هدي علم وتوفيق ورحمة، لكن للمؤمنين به، أما المكذبون به، والمستكبرون عنه، فلا يزيدهم إلا عمى وخسارا: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]
أيها الناس قد تتساءلون كيف يكون الكلام الواحد لقوم هدى وشفاء ورحمة ولقوم
стр. 386
آخرين ضلالا وعمى وخسارا، والجواب على ذلك أن هذا هو ما نطق به القرآن، وهو حق، وها نحن نرى في الأمور الحسية ما يشهد لذلك نرى بعض الطعام يكون لشخص غذاء يزداد به جسمه صحة ونموا، ويكون لشخص آخر داء يزداد به جسمه مرضا وضعفا، فهكذا الأمور المعنوية، فالقرآن إذا أقره المؤمن ازداد به إيمانا لتصديقه بأخباره واعتباره بقصصه وتطبيقه لأحكامه امتثالا لأمر الله واجتنابا لنهيه، فيزداد بذلك علما وهدى وصلاحا. وإذا قرأه ضعيف الإيمان ومن في قلبه مرض ازداد رجسا إلى رجسه لتشككه في صحة أخباره أو غفلته عن الاعتبار بقصصه، فيمر بها كأنها قصص عابرة وأساطير أمم غابرة لا توقظ له ضميرا، ولا تحرك له إرادة. أو استكباره عن تطبيق أحكامه وتهاونه بها، فلا يمتثل أوامره، ولا يجتنب نواهيه تقديما لهواه على طاعة مولاه، فيكون القرآن خسارة له؛ لأن الحق بان له، فخالفه، فكان بذلك خاسرا.
أيها الناس يقول الله تعالى في الآية الأولى مما سقناه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] إن ما يحصل للعبد من فضل الله ورحمته بهذا القرآن العظيم من الهدى والرحمة والموعظة، وشفاء ما في الصدور لهو الجدير بأن يفرح به العبد؛ لأنه سعادة دنياه وأخرته ليس من الجدير بالعبد أن يفرح بحطام من الدنيا يحصله على حساب عمل الآخرة، فليس المال مخلدا لأصحابه، ولا أصحابه بمخلدين له، أما ما يحصل من فضل الله ورحمته بهذا القرآن الكريم فهو الخالد الباقي لأصحابه، وهو خير مما يجمعون من الدنيا كلها؛ لأن غايته الوصول إلى الجنة، وقد قال النبي ﷺ : «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» . هكذا يقول أعلم الخلق بما عند الله، وهو الناصح الأمين الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، موضع السوط في الجنة وهو مقدار متر فأقل خير من الدنيا كلها وما فيها، ليس للدنيا التي عشت فيها فقط، ولكنها الدنيا من أولها إلى آخرها موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا وما فيها متاع زائل كحلم نائم أما ما في الجنة، فباق لا يزول: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]
أيها الناس إن كثيرا منكم يسمعون ما يتلى من كتاب الله تعالى، وما يؤثر من سنة رسوله ﷺ من الأخبار الصادقة والأحكام العادلة يسمعون ذلك من الخطباء والوعاظ في المساجد
стр. 387
وغيرها ولكنهم للأسف الشديد لا يزدادون بذلك إيمانا، ولا قبولا للحق، ولا انقيادا لطاعة، وربما يصرخون بأنهم لا يفعلون ما به يؤمرون، ولا يتركون ما عنه يزجرون، فيصرون على الإثم وهم يعلمون.
فسبحان الله! سبحان الله! أهذه حال من يزعم أنه مؤمن بالله واليوم الآخر، موقن بالثواب والعقاب؟ بل أهذه حال المسلم والإسلام هو الاستسلام لله ظاهرا وباطنا والانقياد لطاعته، أفيريد هؤلاء أن تكون أحكام الله وشرائعه تابعة لأغراضهم، وما يشتهون؟ أم يريدون أن يكونوا ممن قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، فإن شر الدواب عند الله الصم البكم الذي لا يعقلون، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهو معرضون. أفيرضى هؤلاء أن يشابهوا من قال الله فيهم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء: ٤٦] وأن يخرجوا عن طريق المؤمنين الذين قالوا: سمعنا، وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، أفلا يتعظ هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] ؟
أيها الناس كثير منكم يسمعون أوامر الله ورسوله في الصلاة، وما يتعلق بها وفي الزكاة وفي الصيام وفي الحج وفي بر الوالدين وفي صلة الأرحام (الأقارب) وفي حسن الجوار وفي العدل في معاملة الناس، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسمعون أوامر الله تعالى في ذلك عليه، ويسمعون التوجيهات الشرعية في البيع والإجارة والنكاح والطلاق والخصومات وغيرها، ويتجاهلون كل ما يسمعون من تلك الأوامر وهذه التوجيهات، ويسيرون على ما تمليه عليه أهواؤهم، فيكونون في ذلك مما اتخذ إلهه هواه. وكثير منكم يسمعون نواهي الله ورسوله عن التهاون بشأن الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويسمعون نهي الله ورسوله عن عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وإساءة الجوار في معاملة الناس بالكذب والغش وغيرها وعن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعن الربا والتحيل عليه وعن الميسر والمكاسب المحرمة بجميع وسائلها يسمعون النهي عن ذلك كله، ويتجاهلون ما يسمعون، ويتجاسرون على فعل ما عنه يزجرون متناسين بذلك عظمة من عصوه وشدة عقابه كأنهم لم يقرؤا قول الله تعالى
стр. 388
: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٣] مغترين بإمهال الله لهم، واستدراجه إياهم بنعمة كأنهم لم يسمعوا قول النبي ﷺ «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]
إن هؤلاء الذين يسمعون الحق، ويعرضون عنه محرومون من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] ولهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى - قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا - قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]
فيا أيها الناس يا عباد الله اتقوا ربكم اخضعوا لأوامره، وإن خالفت أهواءكم، واجتنبوا نواهيه، وإن وافقت أهواءكم لا تريدوا أن تجعلوا الحق تابعا لأهوائكم، بل اجعلوا أهواءكم تبعا للحق وهو ما جاء به رسول الله ﷺ ، فإن ذلك الخير والبركة والصلاح والرشد: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] لو اتبع الحق أهواء الناس لصارت أمورهم فوضى، كل واحد يريد أن يستقل برأيه، ويكون متبوعا، ولكن الله تولى بيان ذلك في كتابه وسنة رسوله ﷺ : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
اللهم اجعلنا ممن اختاروا هداهم على هواهم، ورضوا بشريعتك، واطمأنوا بها، وانشرحت لها صدورهم، فلم يبغوا عنها حولا، ولم يرضوا بها بديلا، اللهم أرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم لا تجعلنا ممن زين له سوء عمله، فرآه حسنا، فأصبح من الخاسرين أعمالا، الضالين طريقا، واهدنا صراطك المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إنك جواد كريم.
стр. 389
[القسم الرابع في الفقه]
[الفرع الأول في الصلاة]
[الخطبة الأولى في فضل الصلاة وكفر تاركها]
القسم الرابع في الفقه وهو فروع
الفرع الأول
في الصلاة الخطبة الأولى
في فضل الصلاة وكفر تاركها الحمد لله الذي فرض الفرائض على عباده من غير فقر إليهم، ولا احتياج، وأعطى القائمين بها أكمل الأجر وأفضل الثواب، وعاقب المعرضين عنها والمفرطين فيها بما يستحقونه من العقاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من غير شك ولا ارتياب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعباد، أتم الله به النعمة على المؤمنين، وأصلح به أحوال الدنيا والدين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله تعالى رضي لكم دينا لم يرض لكم دينا سواه، رضي لكم الإسلام ومن يتبع غير الإسلام، فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. رضي لكم الإسلام، وهو الاستسلام لله تعالى، والانقياد له ظاهرا وباطنا في العقيدة والقول والعمل، ليس الإسلام عقيدة فحسب، ولكن الإسلام عقيدة، وقول، وعمل، إن الإسلام كما لا يكون بالعمل وحده لا يكون كذلك بالعقيدة وحدها. يقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام» . يقول: بني الإسلام، ومعنى ذلك أن هذه الأصول هي دعائم الإسلام التي لا يمكن أن يقوم إلا بها، كما لا يقوم البناء إلا بأساسه.
أيها الناس من هذا الحديث يتبين لنا أن الصلاة ركن من أركان الإسلام بل هي ركنه الأعظم بعد الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولقد روي عن رسول الله ﷺ أنها عمود الدين حيث قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» . هذه الصلاة التي فرضها الله على رسوله، وعلى أمته: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] كتابا أي: فريضة موقوتا، موقوتا بوقت لكل صلاة وقتها التي لا تصح إلا فيه إلا أن يكون، ثم عذر الصلاة التي فرضها الله على رسوله مباشرة بدون واسطة
стр. 390
فرضها عليه في أعلى مكان يصل إليه بشر، وفي أفضل وقت مر على رسول الله ﷺ فرضها عليه ليلة المعراج، وهو فوق السموات السبع، وفرضها أول ما فرضها على النبي ﷺ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، وهذا دليل واضح على محبة الله لها وعنايته بها، وأنها جديرة بأن يستوعب المسلم فيها جزءا كبيرا من وقته؛ لأنها الصلة بينه وبين ربه وخالقه يجد فيها راحة نفسه وطمأنينة قلبه، ولذلك كانت قرة عين الرسول ﷺ فرضها الله على عباده خمسين صلاة في كل يوم وليلة ولكنه ﵎ خفف عنهم، فكانت خمسا بالفعل وخمسين في الميزان، ففي هذه الخمس مصالح الخمسين وثواب الخمسين. أفلا تشكرون أيها المسلمون ربكم على هذه النعمة الكبيرة التي أولاكم بها، وتقومون بواجبها، فتؤدونها في أوقاتها بأركانها وواجباتها وشروطها، ثم تكملونها بمكملاتها؟
أيها المسلمون إن الصلاة صلة بينكم وبين ربكم، فالمصلي إذا قام في صلاته، استقبله الله بوجهه، فإذا قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قال الله: حمدني عبدي، وإذا قرأ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قال الله: مجدني عبدي، وإذا قرأ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قال هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قرأ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] الخ) ، قال الله تعالى: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل. أفتجد أيها المسلم صلة أقوى من تلك الصلة؟ يجيبك ربك على قراءتك آية آية وهو، فوق عرشه، وأنت في أرضه؛ عناية بصلاتك، وتحقيقا لصلاتك. ولهذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا صلاها على الوجه الذي أمر به؛ لأنه اصطبغ بتلك الصلة التي حصلت له مع ربه، فقوي إيمانه، واستنار قلبه، وتهذبت أخلاقه.
أيها المسلمون، إن من حافظ على الصلوات، وأداها على الوجه المشروع كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ولقد شبه رسول الله ﷺ هذه الصلوات الخمس بنهر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم وليلة خمس مرات، فهل يبقى بعد هذا الاغتسال من وسخه شيء، كلا. فهذه الصلوات الخمس تغسل الذنوب عن المصلي غسلا، فيكون نقيا بها من الذنوب فهي كفارة لما بينهن من الذنوب ما اجتنبت الكبائر.
أيها المسلمون إن ما ذكرناه من هذه الفضائل للصلوات الخمس ليس على سبيل
следующие страницы →