← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30920

الضياء اللامع من الخطب الجوامع

ابن عثيمين

Полный текст (711 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

آخرين ضلالا وعمى وخسارا، والجواب على ذلك أن هذا هو ما نطق به القرآن، وهو حق، وها نحن نرى في الأمور الحسية ما يشهد لذلك نرى بعض الطعام يكون لشخص غذاء يزداد به جسمه صحة ونموا، ويكون لشخص آخر داء يزداد به جسمه مرضا وضعفا، فهكذا الأمور المعنوية، فالقرآن إذا أقره المؤمن ازداد به إيمانا لتصديقه بأخباره واعتباره بقصصه وتطبيقه لأحكامه امتثالا لأمر الله واجتنابا لنهيه، فيزداد بذلك علما وهدى وصلاحا. وإذا قرأه ضعيف الإيمان ومن في قلبه مرض ازداد رجسا إلى رجسه لتشككه في صحة أخباره أو غفلته عن الاعتبار بقصصه، فيمر بها كأنها قصص عابرة وأساطير أمم غابرة لا توقظ له ضميرا، ولا تحرك له إرادة. أو استكباره عن تطبيق أحكامه وتهاونه بها، فلا يمتثل أوامره، ولا يجتنب نواهيه تقديما لهواه على طاعة مولاه، فيكون القرآن خسارة له؛ لأن الحق بان له، فخالفه، فكان بذلك خاسرا. أيها الناس يقول الله تعالى في الآية الأولى مما سقناه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] إن ما يحصل للعبد من فضل الله ورحمته بهذا القرآن العظيم من الهدى والرحمة والموعظة، وشفاء ما في الصدور لهو الجدير بأن يفرح به العبد؛ لأنه سعادة دنياه وأخرته ليس من الجدير بالعبد أن يفرح بحطام من الدنيا يحصله على حساب عمل الآخرة، فليس المال مخلدا لأصحابه، ولا أصحابه بمخلدين له، أما ما يحصل من فضل الله ورحمته بهذا القرآن الكريم فهو الخالد الباقي لأصحابه، وهو خير مما يجمعون من الدنيا كلها؛ لأن غايته الوصول إلى الجنة، وقد قال النبي ﷺ : «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها» . هكذا يقول أعلم الخلق بما عند الله، وهو الناصح الأمين الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، موضع السوط في الجنة وهو مقدار متر فأقل خير من الدنيا كلها وما فيها، ليس للدنيا التي عشت فيها فقط، ولكنها الدنيا من أولها إلى آخرها موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا وما فيها متاع زائل كحلم نائم أما ما في الجنة، فباق لا يزول: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧] أيها الناس إن كثيرا منكم يسمعون ما يتلى من كتاب الله تعالى، وما يؤثر من سنة رسوله ﷺ من الأخبار الصادقة والأحكام العادلة يسمعون ذلك من الخطباء والوعاظ في المساجد

стр. 387

وغيرها ولكنهم للأسف الشديد لا يزدادون بذلك إيمانا، ولا قبولا للحق، ولا انقيادا لطاعة، وربما يصرخون بأنهم لا يفعلون ما به يؤمرون، ولا يتركون ما عنه يزجرون، فيصرون على الإثم وهم يعلمون. فسبحان الله! سبحان الله! أهذه حال من يزعم أنه مؤمن بالله واليوم الآخر، موقن بالثواب والعقاب؟ بل أهذه حال المسلم والإسلام هو الاستسلام لله ظاهرا وباطنا والانقياد لطاعته، أفيريد هؤلاء أن تكون أحكام الله وشرائعه تابعة لأغراضهم، وما يشتهون؟ أم يريدون أن يكونوا ممن قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، فإن شر الدواب عند الله الصم البكم الذي لا يعقلون، ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهو معرضون. أفيرضى هؤلاء أن يشابهوا من قال الله فيهم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء: ٤٦] وأن يخرجوا عن طريق المؤمنين الذين قالوا: سمعنا، وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، أفلا يتعظ هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] ؟ أيها الناس كثير منكم يسمعون أوامر الله ورسوله في الصلاة، وما يتعلق بها وفي الزكاة وفي الصيام وفي الحج وفي بر الوالدين وفي صلة الأرحام (الأقارب) وفي حسن الجوار وفي العدل في معاملة الناس، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يسمعون أوامر الله تعالى في ذلك عليه، ويسمعون التوجيهات الشرعية في البيع والإجارة والنكاح والطلاق والخصومات وغيرها، ويتجاهلون كل ما يسمعون من تلك الأوامر وهذه التوجيهات، ويسيرون على ما تمليه عليه أهواؤهم، فيكونون في ذلك مما اتخذ إلهه هواه. وكثير منكم يسمعون نواهي الله ورسوله عن التهاون بشأن الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويسمعون نهي الله ورسوله عن عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وإساءة الجوار في معاملة الناس بالكذب والغش وغيرها وعن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعن الربا والتحيل عليه وعن الميسر والمكاسب المحرمة بجميع وسائلها يسمعون النهي عن ذلك كله، ويتجاهلون ما يسمعون، ويتجاسرون على فعل ما عنه يزجرون متناسين بذلك عظمة من عصوه وشدة عقابه كأنهم لم يقرؤا قول الله تعالى

стр. 388

: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٣] مغترين بإمهال الله لهم، واستدراجه إياهم بنعمة كأنهم لم يسمعوا قول النبي ﷺ «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] إن هؤلاء الذين يسمعون الحق، ويعرضون عنه محرومون من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] ولهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى - قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا - قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦] فيا أيها الناس يا عباد الله اتقوا ربكم اخضعوا لأوامره، وإن خالفت أهواءكم، واجتنبوا نواهيه، وإن وافقت أهواءكم لا تريدوا أن تجعلوا الحق تابعا لأهوائكم، بل اجعلوا أهواءكم تبعا للحق وهو ما جاء به رسول الله ﷺ ، فإن ذلك الخير والبركة والصلاح والرشد: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١] لو اتبع الحق أهواء الناس لصارت أمورهم فوضى، كل واحد يريد أن يستقل برأيه، ويكون متبوعا، ولكن الله تولى بيان ذلك في كتابه وسنة رسوله ﷺ : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] اللهم اجعلنا ممن اختاروا هداهم على هواهم، ورضوا بشريعتك، واطمأنوا بها، وانشرحت لها صدورهم، فلم يبغوا عنها حولا، ولم يرضوا بها بديلا، اللهم أرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم لا تجعلنا ممن زين له سوء عمله، فرآه حسنا، فأصبح من الخاسرين أعمالا، الضالين طريقا، واهدنا صراطك المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إنك جواد كريم.

стр. 389

[القسم الرابع في الفقه] [الفرع الأول في الصلاة] [الخطبة الأولى في فضل الصلاة وكفر تاركها] القسم الرابع في الفقه وهو فروع الفرع الأول في الصلاة الخطبة الأولى في فضل الصلاة وكفر تاركها الحمد لله الذي فرض الفرائض على عباده من غير فقر إليهم، ولا احتياج، وأعطى القائمين بها أكمل الأجر وأفضل الثواب، وعاقب المعرضين عنها والمفرطين فيها بما يستحقونه من العقاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من غير شك ولا ارتياب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعباد، أتم الله به النعمة على المؤمنين، وأصلح به أحوال الدنيا والدين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله تعالى رضي لكم دينا لم يرض لكم دينا سواه، رضي لكم الإسلام ومن يتبع غير الإسلام، فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. رضي لكم الإسلام، وهو الاستسلام لله تعالى، والانقياد له ظاهرا وباطنا في العقيدة والقول والعمل، ليس الإسلام عقيدة فحسب، ولكن الإسلام عقيدة، وقول، وعمل، إن الإسلام كما لا يكون بالعمل وحده لا يكون كذلك بالعقيدة وحدها. يقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام» . يقول: بني الإسلام، ومعنى ذلك أن هذه الأصول هي دعائم الإسلام التي لا يمكن أن يقوم إلا بها، كما لا يقوم البناء إلا بأساسه. أيها الناس من هذا الحديث يتبين لنا أن الصلاة ركن من أركان الإسلام بل هي ركنه الأعظم بعد الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ولقد روي عن رسول الله ﷺ أنها عمود الدين حيث قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» . هذه الصلاة التي فرضها الله على رسوله، وعلى أمته: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] كتابا أي: فريضة موقوتا، موقوتا بوقت لكل صلاة وقتها التي لا تصح إلا فيه إلا أن يكون، ثم عذر الصلاة التي فرضها الله على رسوله مباشرة بدون واسطة

стр. 390

فرضها عليه في أعلى مكان يصل إليه بشر، وفي أفضل وقت مر على رسول الله ﷺ فرضها عليه ليلة المعراج، وهو فوق السموات السبع، وفرضها أول ما فرضها على النبي ﷺ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، وهذا دليل واضح على محبة الله لها وعنايته بها، وأنها جديرة بأن يستوعب المسلم فيها جزءا كبيرا من وقته؛ لأنها الصلة بينه وبين ربه وخالقه يجد فيها راحة نفسه وطمأنينة قلبه، ولذلك كانت قرة عين الرسول ﷺ فرضها الله على عباده خمسين صلاة في كل يوم وليلة ولكنه ﵎ خفف عنهم، فكانت خمسا بالفعل وخمسين في الميزان، ففي هذه الخمس مصالح الخمسين وثواب الخمسين. أفلا تشكرون أيها المسلمون ربكم على هذه النعمة الكبيرة التي أولاكم بها، وتقومون بواجبها، فتؤدونها في أوقاتها بأركانها وواجباتها وشروطها، ثم تكملونها بمكملاتها؟ أيها المسلمون إن الصلاة صلة بينكم وبين ربكم، فالمصلي إذا قام في صلاته، استقبله الله بوجهه، فإذا قرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قال الله: حمدني عبدي، وإذا قرأ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] قال الله: مجدني عبدي، وإذا قرأ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قال هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قرأ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] الخ) ، قال الله تعالى: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل. أفتجد أيها المسلم صلة أقوى من تلك الصلة؟ يجيبك ربك على قراءتك آية آية وهو، فوق عرشه، وأنت في أرضه؛ عناية بصلاتك، وتحقيقا لصلاتك. ولهذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا صلاها على الوجه الذي أمر به؛ لأنه اصطبغ بتلك الصلة التي حصلت له مع ربه، فقوي إيمانه، واستنار قلبه، وتهذبت أخلاقه. أيها المسلمون، إن من حافظ على الصلوات، وأداها على الوجه المشروع كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ولقد شبه رسول الله ﷺ هذه الصلوات الخمس بنهر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم وليلة خمس مرات، فهل يبقى بعد هذا الاغتسال من وسخه شيء، كلا. فهذه الصلوات الخمس تغسل الذنوب عن المصلي غسلا، فيكون نقيا بها من الذنوب فهي كفارة لما بينهن من الذنوب ما اجتنبت الكبائر. أيها المسلمون إن ما ذكرناه من هذه الفضائل للصلوات الخمس ليس على سبيل

стр. 391

الاستيعاب، ولكنه قليل من كثير. ومن عجب أن يجهل قوم من المسلمين قدر هذه الصلوات، أو يتجاهلوه، ويتغافلوا عنه حتى كانت الصلاة في أعينهم من أزهد الأعمال وأقلها قدرا، وصاروا لا يقيمون لها وزنا في حساب أعمالهم، ولا يبذلون لها وقتا من ساعات أعمارهم لا بل ربما يسخر بعض منهم بها، فيتخذونها سخربة وهزوا ولعبا، ويسخر ممن يصليها نسأل الله السلامة، فأي دين يا عباد الله لهذا؟ أي دين يا عباد الله لشخص يدع هذا العمل يدع الصلاة مع يسر عملها وقلة ما تشغل من وقت وكثرة ثوابها وعظم مصالحها ومنافعها على القلب والبدن والفرد والجماعة، والقول والعمل؟ فهي عون للمرء على عمله كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وكان النبي ﷺ إذا أهمه أمر قام إلى الصلاة. أي دين لشخص يدع الصلاة، وهي التي جاء الوعيد في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله ﷺ على من تهاون بها، أو تغافل عنها؟ قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠] وهذه الآية ظاهرة في أن من أضاع الصلاة، واتبع الشهوات، فليس بمؤمن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [مريم: ٦٠] وقال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] وأخبر النبي ﷺ أن من لم يحافظ على هذه الصلوات، فليس له نور ولا برهان ولا نجاة يوم القيامة، ويحشر مع أئمة الكفر فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف. فأي دين لشخص يدع الصلاة وهو يؤمن بهذا الوعيد على مضيعها والغافل عنها. قد يقول أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ وردنا على هذا أن نقول: قولك هذا لا يكفيك عند الله حتى تستسلم، وتنقاد لشريعة الله تعالى، فإن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الأعمال. ونقول له: المنافقون يقولون: لا إله إلا الله ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] والمنافقون يقولون للرسول ﷺ إذا جاءوا إليه: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] والمنافقون يصلون ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] أفترى أنهم كانوا مسلمين وناجين من النار؟ لا، استمع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]- ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥] وإذا أراد أن يجادل، ويلبس، فإن لدينا نصا صريحا في كفر تارك الصلاة، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة» . وقال: «العهد الذي بيننا وبينهم

стр. 392

الصلاة، فمن تركها، فقد كفر» . وقال عبد الله بن شقيق كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وهذا الكفر الذي ذكره النبي ﷺ ، ورآه الصحابة ﵃ ليس كفر نعمة كما قال بعضهم، ولا أنه خصلة من خصال الكفر كما قاله آخرون، ولكنه الكفر الأكبر المخرج عن دين الإسلام. فإن النبي ﷺ قال الكفر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية وفرق بين (الكفر) المعرف باللام يعني الدال على الكفر المطلق وبين (كفر) المنكر في الإثبات. ولنا دليل مركب من دليلين على أن تارك الصلاة كافر كفرا أكبر مخرجا عن الملة هو أن النبي ﷺ نهى عن منازعة ولاة الأمور أمرهم قال: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان» . وقال ﷺ : «شرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، قالوا يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة» . ومن هذين الدليلين نأخذ أن ترك الصلاة يبيح منابذة الأئمة، فيكون كفرا بواحا. فترك الصلاة ردة عن الإسلام، وكفر بالله والردة عن الإسلام لها أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة. أما أحكام الدنيا، فإن المرتد ينفسخ نكاحه من زوجته، وتحل لغيره، ويكون استمتاعه بها استمتاعا بامرأة أجنبية منه وأولاده منها بعد ردته ليسوا أولادا شرعيين، ويجب قتله إذا استمر على ردته، ولا يغسل؛ لأنه لا يطهره الماء، وهو كافر، ولا يصلى عليه، ولا يستغفر له، ولا يدعى له بالرحمة، ولا يدفن مع المسلمين، ويكون ماله في بيت مال المسلمين لا يرثه أقاربه، وأما أحكام الآخرة، فإنه يحرمك دخول الجنة، ويدخل النار خالدا فيها أبدا. فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا على صلواتكم، فماذا يبقى من دينكم إذا ضيعتموها، فإن آخر ما تفقدون من دينكم الصلاة. قال الإمام أحمد: كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء. اللهم اجعلنا مقيمي الصلاة، ومن علينا بالتوفيق لما تحب، وترضى يا جزيل الهبات، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين إنك أنت الغفور الرحيم.

стр. 393

[الخطبة الثانية في التحذير من إضاعة الصلاة] الخطبة الثانية في التحذير من إضاعة الصلاة الحمد لله الذي جعل الصلاة عمادا للدين وقرة عين للمؤمنين ونجاة للعاملين انشرحت بها صدور أولياء الله، وضاقت بها صدور أعداء الله، فهي روضة من رياض العمل الصالح متعة للنفوس وطهرة للقلوب، فسبحان من فاوت بين عباده بمحبتها وإقامتها، فهذا محب لها قائم بها على الوجه المرضي لله، وذلك معرض عنها مضيع لها خاسر دينه ودنياه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين، حافظوا على الصلوات، وأقيموها، ودوموا عليها، ولازموها، واعتنوا بحدودها وحقوقها، ولا تضيعوها. حافظوا على الصلاة، فإنها أكبر أركان دينكم بعد الشهادتين، فلقد بني الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام. حافظوا على الصلاة، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وذلك لما يحصل للقلب بها من النور والبرهان الذي سيكون سببا للبعد عن الفحشاء والمنكر، حافظوا على الصلاة، فإنها صلة بين العبد وبين ربه، فإن المصلي قائم بين يدي الله يناجي ربه بكلامه، وذكره ودعائه، والخضوع له، والتعظيم قيام وقعود وركوع وسجود وقراءة وذكر وتسبيح ودعاء، فهي روضة عبادات منوعة من كل عبادة فيها زوجان حافزوا على الصلاة، فإنها تكفير لسيئاتكم، وتطهير من ذنوبكم. قال النبي ﷺ «الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» . وقال ﷺ : «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا. حافظوا على الصلوات، فإن من حافظ على الصلوات الخمس ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة» . حافظوا على الصلوات أيها المسلمون، فإن الصلاة نور في القلب، ونور في الوجه، ونور في القبر، ونور يوم القيامة. عباد الله لا تضيعوا الصلاة، فتكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أضاعوا الصلاة، وأهملوها، فأما شهوات

стр. 394

أبدانهم، فحافظوا عليها، واتبعوها. يضيعون الصلاة لحطام من الدنيا لا يبقى لهم، ولا يبقون له، والصلاة هي التي تبقى لهم، ويجدونها أمامهم، أو يضيعون الصلاة لراحة أبدانهم بالنوم، ولم يعلموا أن راحة أبدانهم التي يضيعون بها ما أوجب الله عليهم سوف تكون تعبا وعذابا عليهم يوم القيامة في يوم يود المجرم فيه لو يفتدي من عذابه ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه، لا تضيعوا الصلاة فإن الصلاة هي العهد التي بين العبد وبين الكفر، فمن تركها فهو كافر، أي دين له إذا ترك الصلاة؟ أي عبادة وأي خضوع لله وقد ترك صلاة وقتها قصير وعملها يسير وفضلها كثير؟ إذا ترك هذا العمل مع سهولته، وقلة زمنه، وكثرة فضله، فأي عمل يرجى أن يقوم به بعد ذلك؟ فآخر ما يفقده الإنسان من دينه الصلاة. أيها المسلمون أيها المؤمنون بالله ورسوله، حافظوا على صلواتكم، ولا تضيعوها، فإنها عون لكم على أمور دينكم ودنياكم: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] قال ابن مسعود ﵁ من سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر، فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. أيها المسلمون إن من المؤسف والخطأ أن يتمتع الإنسان بنعم الله قائما وقاعدا ونائما ويقظا، يتمتع بالأمن والرخاء ووفور المال والولد والأخلاء، ثم لا يقوم بشكر الله، ولا يخضع لأوامر الله ينام إلى الضحى لا يصلي الفجر، ويسمع النداء، فلا يقوم إلى المسجد. وإن هذا لو دعي إلى حطام من الدنيا لأجاب، ولو وعد بشيء زهيد لما نام عنه، ولا غاب. اللهم ارزقنا القيام بطاعتك على الوجه الذي يرضيك عنا، واغفر لنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

стр. 395

[الخطبة الثالثة فيما يتهاون به بعض الناس من شؤون الصلاة] الخطبة الثالثة فيما يتهاون به بعض الناس من شؤون الصلاة الحمد لله الذي أحكم ما شرعه، وأتقن ما صنعه، حد لعباده الحدود، وشرع لهم الشرائع، وبين لهم كل ما يحتاجون إليه من أمر الدين والدنيا، فسبحانه من رب رحيم وإله حكيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله فرض عليكم فرائض، فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها. فرض عليكم الفرائض لتصلوا بها إلى أسمى الغايات، وأعلى الدرجات في روضات الجنات، ولتنجوا بها من عذاب النار، والهلكات. فرض عليكم الصلوات الخمس، وأمركم بإقامتها، والمحافظة عليها، فأدوها كما أمرتم أدوها بشروطها وأركانها وواجباتها وأكملوها بمستحباتها، ولا تتهاونوا بها، فتكونوا من الخاسرين. أيها الناس، إن كثيرا من المسلمين يتهاونون في صلاتهم، فلا يؤدونها في الوقت المحدد لها. فوقت الظهر من زوال الشمس، وهو تجاوزها لوسط السماء، وعلامته ابتداء زيادة الظل بعد انتهاء قصره يمتد وقتها من الزوال إلى دخول وقت العصر وذلك بأن يكون ظل الشيء مساويا له من ابتداء ظل الزوال، وينتهي وقت العصر باصفرار الشمس في حال الاختيار وبغروب الشمس في حال الضرورة، ثم يدخل وقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر حوالي ساعة ونصف من الغروب، ثم يدخل وقت العشاء إلى نصف الليل. أربع صلوات أوقاتها متوالية لا فصل بينها كلما خرج وقت صلاة دخل وقت أخرى. ووقت الفجر من طلوع الفجر الصادق، وهو البياض المعترض في الأفق على طلوع الشمس، وهي منفصلة عن بقية الصلوات بينها وبين العشاء من نصف الليل إلى طلوع الفجر وبينها وبين الظهر من طلوع الشمس إلى زوالها. قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وهذه تستوعب أوقات الصلوات الأربع الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم فصل، وقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني صلاة الفجر سماها الله قرآنا لطول القراءة فيها: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]

стр. 396

فلا يحل للمسلم أن يقدم من صلاته جزءا قبل الوقت، ولا أن يؤخر منها جزءا بعده، فكيف بمن يؤخرون جميع الصلاة عن وقتها كسلا وتهاونا وإيثارا للدنيا على الآخرة، ويتنعمون بنومهم على فراشهم، ويتمتعون بلهوهم، ومكاسبهم كأنما خلقوا للدنيا، كأنهم لا يقرءون القرآن كأنهم لا يقرءون قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥] وكأنهم لا يقرءون: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠] كأني بهم لم تبلغهم أحاديث النبي ﷺ في وعيد من أضاع الصلاة، أو لم يبالوا بذلك لقد قال النبي ﷺ : «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله» . أي: كأنما أصيب بفقد أهله وماله، فسبحان الله! ما أعظم الأمر! وما أفدح الخسارة الذي تفوته صلاة العصر! كأنما فقد أهله، وماله، فأصبح أعزب بعد التأهل وفقيرا بعد الغنى، هكذا قال النبي ﷺ ، وما ينطق عن الهوى، تصوروا لو أن شخصا من بيننا كان له أموال وأهل، وكان مسرورا في ماله وبين أهله، ثم أصيب بجائحة أتلفت أمواله، وأهلكت أهله، فماذا تكون حالة الناس بالنسبة له؟ إنهم لا بد أن يرحموه، ولا بد أن يواسوه في هذه المصيبة، ويقدمون له أنواع العزاء ومع ذلك، وللأسف الشديد نرى كثيرا من الناس تفوتهم صلاة العصر وصلوات أخرى كثيرة، ولا يحزنون لذلك، ولا يبالون بما حدث، وإخوانهم المسلمون يشاهدونهم على ذلك، فلا يرحمونهم، ولا يخوفونهم من عذاب الله وعقابه الذي يعمهم جميعا إذا لم يقوموا بما أوجب الله عليهم. وكثير من المصلين يتهاونون بستر العورة وقد قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] قال العلماء محددين للعورة: عورة الرجل كل ما بين السرة والركبة، وعورة المرأة البالغة جميع بدنها ما عدا الوجه فإنه عورة في النظر وليس عورة في الصلاة، فلا يجب عليها أن تستره في الصلاة إلا أن يراها رجل غير زوج، ولا محرم، فيجب عليها ستره حينئذ من أجل أن لا ينظر إليها لا من أجل الصلاة. فاتقوا الله عباد الله، وتستروا في الصلاة بثوب مباح طاهر لا يصف لون الجلد من ورائه، واحذروا التهاون في ذلك، فإن كثيرا من المترفين يلبسون ثيابا ناعمة رهيفة أو صافية لا تستر؛ لأن لون الجلد يبين من ورائها، وليس عليهم إلا سراويل قصيرة لا تصل إلى الركبة، فيبين لون

стр. 397

الفخذ من تحت الثوب وهؤلاء لم يأتوا بواجب الستر الذي هو من شروط الصلاة، فعليهم أن يطولوا السراويل من السرة إلى الركبة ليستروا بذلك عورتهم. وإن مما يتهاون به بعض الناس الخشوع في الصلاة وهو حضور القلب وسكون الأعضاء، فأما حضور القلب فكثير من الناس من حين ما يدخل في الصلاة يبدأ قلبه يتجول يمينا وشمالا في التفكير والهواجيس، ومن عجب أنه كان لا يفكر في هذه الأمور قبل أن يدخل في الصلاة، وأعجب من ذلك أنها أمور لا فائدة منها غالبا، فهي لا تهمه في شؤون دينه ولا دنياه، ولكن الشيطان يجلبها إليه ليفسد عليه صلاته، ولهذا تجده يخرج من صلاته، وما استنار بها قلبه، ولا قرت بها عينه، ولا انشرح بها صدره، ولا قوي بها إيمانه؛ لأنها صارت عبارة عن حركات كحركات الآلة الأتوماتيكية. وإن هذه الداء أعني الهواجيس في الصلاة لداء مستفحل ومرض منتشر ليس بين عامة الناس ولكن بين عامة الناس وخواصهم حتى ذوي العلم والعبادة، إلا من شاء الله تعالى، ولكن لكل داء دواء، ولله الحمد، فإذا أحس الإنسان بذلك، فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليستحضر أنه بين يدي الله الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، وليتدبر ما يقول في صلاته، وما يفعل، فلعل الله أن يذهب عنه ما يجد. وأما سكون الجوارح فكثير من المصلين لا تسكن جوارحه، تجده يعبث بيديه أو رجليه أو عينيه أو رأسه، يحرك يده ينظر إلى ساعته يعبث في لحيته يقدم رجله، ويردها يرفع بصره إلى السماء، ورفع البصر إلى السماء في الصلاة ينافي الآدب مع الله، ولذلك كان حراما، وحذر منه النبي ﷺ تحذيرا بالغا، وقال فيه قولا شديد، فقال ﷺ : «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم» ، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: «لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم» . فاتقوا الله عباد الله، واحذروا أن تتعرضوا لعقوبة الله. أما الحركة التي لمصلحة الصلاة، فهذه لا بأس بها بل هي مطلوبة، ولذلك أخر النبي ﷺ ابن عباس ﵄ حينما صلى معه، فوقف على يساره، فأخذ برأسه من ورائه، فجعله عن يمينه. فإذا تحرك المصلي لتعديل الصف أو للقرب منه أو للدخول في الصف المقابل له، أو جر أخاه لسد الخلل بينهما، فكل ذلك جائز بل مطلوب؛ لأنه من تكميل الصلاة. فاتق الله أيها المسلم في صلاتك اتخذها عبادة لا عادة، اخشع فيها لربك، وأحضر قلبك

стр. 398

وأسكن جوارحك، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] وفقني الله وإياكم للقيام بعبادته والإخلاص له والمتابعة لرسوله، ووقانا من الزيغ والفتن إنه جواد كريم رؤوف رحيم.

стр. 399

[الخطبة الرابعة في صفة الصلاة] الخطبة الرابعة في صفة الصلاة الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، وأقيموا الصلاة، فإن الصلاة عمود دينكم، ولن يقوم البنيان بدون عموده، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، أقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. أقيموا الصلاة كما أمرتم صلوا كما صلى رسول الله ﷺ . أسبغوا الوضوء، واستقبلوا القبلة، قوموا لله مخلصين، فاستقبلوا وجهه بقلوبكم وبيته بأبدانكم، واعلموا أن الله قبل وجه المصلي، اطمئنوا في صلاتكم، لا تصلوها وأنتم عجالى، فلا صلاة بدون طمأنينة. «دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فصلى صلاة لا يطمئن فيها، ثم جاء، فسلم على النبي، فرد ﵇، وقال: " ارجع فصل فإنك لم تصل ". فرجع، فصلى كصلاته الأولى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ ، فقال: " ارجع فصل فإنك لم تصل ". ثلاثا ردده النبي ﷺ ثلاثا لعله يقيم صلاته، ولأجل أن يزداد شغفه بتعليم النبي ﷺ ، ولذلك قال الرجل: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا، فعلمني، فقال النبي ﷺ : " إذا قمت للصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تطمئن قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» . أيها المسلمون إن من صلى بدون طمأنينة فلا صلاة له، وإن صلى مئة مرة، كما قال رسول ﷺ لهذا الرجل: «ارجع فصل فإنك لم تصل» . اقرأوا الفاتحة في كل ركعة، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، واقرأوا معها في الفجر سورة من طول المفصل وفي المغرب من قصاره أحيانا ومن طواله أيضا، فقد كان النبي ﷺ ربما قرأ في المغرب بسورة طويلة قرأ مرة بالأعراف، ومرة بالصافات، ومرة بحم الدخان، ومرة بسورة محمد، ومرة بالمرسلات. واقرأوا في الظهر والعصر والعشاء الآخرة من أوساط المفصل.

стр. 400

طوال المفصل من ق إلى عم وأوساطه من عم إلى الضحى، وقصاره من الضحى إلى آخر القرآن. ارفعوا أيديكم عند تكبيرة الإحرام إلى المناكب أو إلى الأذنين، ثم ضعوا اليمنى على مفصل كف اليسرى بعد التكبير على صدوركم، وانظروا موضع سجودكم، ولا تلتفتوا في الصلاة، ولا ترفعوا أبصاركم إلى السماء، فقد قال ﷺ : «لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء، أو لا ترجع إليهم» . استفتحوا الصلاة بعد ذلك، فقولوا: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد. أو قولوا: سبحانك اللهم وبحمدك. . إلى آخره. تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، ثم اقراوا الفاتحة والسورة، ثم اركعوا مكبرين، وارفعوا أيديكم عند الركوع وضعوها على ركبكم مفرقة الأصابع، وجافوها عن جنوبكم، واعتدلوا في ركوعكم، فسووا ظهوركم، وساووها مع رؤوسكم، فقد كان ﷺ يسوي ظهره ورأسه، لا ينزل رأسه، ولا يرفعه، وعظموا ربكم في ركوعكم، فقولوا: سبحان ربي العظيم، وكرروا ذلك، وكان ﷺ يكثر في ركوعه وسجوده من قوله: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، ارفعوا من الركوع، قائلين: سمع الله لمن حمده، ورافعين أيديكم إلى المناكب أو إلى الأذنين، وبعد القيام قولوا: اللهم ربنا لك ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. والمأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده لقول النبي ﷺ : " إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد ". ثم اسجدوا مكبرين، ولا ترفعوا أيديكم عند السجود، اسجدوا على الأعضاء السبعة الجبهة مع الأنف واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ضعوا أيديكم حال السجود على الأرض وأصابعها نحو القبلة مضموما بعضها إلى بعض محاذية لمكان الجبهة والأنف، أو محاذية للمنكب اعتدلوا في سجودكم، فارفعوا البطون عن الفخذين والفخذين عن الساقين، ونحوا اليدين عن الجنبين، فقد كان النبي ﷺ ينحيها حتى يرى بياض إبطه، إلا إذا كان الإنسان مأموما، فإنه لا ينحيها إذا كان يؤذي من بجنبه، وارفعوا الذراعين عن الأرض، فإن النبي ﷺ نهى عن بسطها على الأرض، وقولوا: سبحان ربي الأعلى

стр. 401

وكرروها، وقولوا: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، ولا تسجدوا على لباس عليكم من ثوب، أو مشلح، أو غترة، إلا لحاجة كشدة حرارة الأرض، وخشونتها أو نحو ذلك، ثم ارفعوا من السجود مكبرين، واجلسوا على قدم الرجل اليسرى، وانصبوا قدم الرجل اليمنى، وضعوا اليد اليمنى على فخذ الرجل اليمنى، أو على ركبتها، وضموا منها الخنصر والبنصر، وحلقوا إبهامها مع الوسطى، وحركوا السبابة عند الدعاء، وضعوا اليد اليسرى على فخد الرجل اليسرى أو ركبتها مضمومة أصابعها إلى بعض، وقولوا: ربي اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، واجبرني، وعافني، ثم اسجدوا السجدة الثانية مكبرين، واصنعوا كما صنعتم في السجدة الأولى قولا وفعلا، ثم صلوا الركعة الثانية بدون استفتاح، ولا تعوذ كالركعة الأولى، ثم اجلسوا للتشهد، واصنعوا في جلوسكم كما فعلتم في الجلوس بين السجدتين، وقولوا: التحيات لله والصلوات. . الخ. فإن كانت الصلاة ركعتين، فأكملوا التشهد، وسلموا على اليمين السلام عليكم ورحمة الله، وإن زدتم وبركاته، فلا بأس، وسلموا على اليسار: السلام عليكم ورحمة الله، وإن كانت الصلاة أكثر من ركعتين، فقوموا بعد التشهد الأول مكبرين، وارفعوا أيديكم عند القيام، وصلوا ما بقي من صلاتكم على صفة ما سبق في الركعة الثانية، إلا أنكم تقتصرون على الفاتحة، وتجلسون للتشهد الأخير متوركين بأن تنصبوا قدم الرجل اليمنى، وتخرجوا الرجل اليسرى من تحت ساقها، وتستقروا على الأرض. أيها المسلمون هذه صفة الصلاة، فأقيموها، وأتقنوها لعلكم تفلحون فقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ - الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١] بارك الله لي ولكم. . الخ.

стр. 402

[الخطبة الخامسة في الحث على إقامة الصلاة مع الجماعة] الخطبة الخامسة في الحث على إقامة الصلاة مع الجماعة الحمد لله الذي فرض الصلاة على عباده رحمة بهم وإحسانا، وجعلها صلة بينه وبينهم ليزدادوا بذلك إيمانا، وكررها كل يوم حتى لا يحصل لهم الجفاء، ويسرها عليهم حتى لا يحصل لهم التعب والعناء، وأجزل لهم ثوابها، فكانت بالفعل خمسا، وبالثواب خمسين فضلا منه وامتنانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالقنا، ومولانا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أخشى الناس لربه سرا، وإعلانا الذي جعل الله قرة عينه في الصلاة، فنعم العمل الصلاة لمن أراد به فضلا، ورضوانا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين، عباد الله: إن الصلاة عمود دينكم وقوامه، فلا دين لمن لا صلاة له، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. إقامة الصلاة إيمان، وتركها كفر من حافظ عليها كانت له نورا في قلبه، ونورا في وجهه، ونورا في قبره، ونورا في حشره، وكانت له نجاة يوم القيامة، وحشر مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور، ولا نجاة يوم القيامة، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف. أيها المسلمون، كيف تضيعون الصلاة وهي الصلة بينكم وبين ربكم إذا لم يكن بينكم وبين ربكم صلة، فأين العبودية، وأين المحبة لله والخضوع له؟ لقد خاب، وخسر قوم إذا سمعوا داعي الدنيا وزهرتها لبوا له سراعا، وإذا سمعوا منادي الله يدعو: حي على الصلاة حي على الفلاح تثاقلوا عنه، وولوا أدبارا. أيها المسلمون ألم تعلموا أن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة صلاته، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله. يا أمة محمد أقيموا صلاتكم ما دمتم في زمن المهلة تعرفوا إلى الله في الرخاء يعرفكم في الشدة، فإن من ينسى الله نسيه، ومن أضاع أمره أضاعه. يا أمة محمد من منكم عنده أمان من الموت حتى يتوب، ويصلي أليس كل منكم يخشى الموت ولا يدري متى يأتيه؟ لا يدري أيصبحه أم يمسيه؟ ألم يكن الموت يأخذ الناس بغتة وهم لا يشعرون؟ أما هجم على أناس

стр. 403

في دنياهم غافلون؟ أما بغت أناسا خرجوا من بيوتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون؟ فمن منكم أعطي أمانا أن لا تكون حاله كحال هؤلاء؟ أيها المسلمون، وماذا بعد الموت الذي لا تدرون متى يفاجئكم؟ إنه ليس بعده عمل، ولا استعتاب ليس بعده سوى الجزاء على العمل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] أيها المسلمون، أيها المؤمنون بمحمد ﷺ ، وما أنزل عليه من ربه إن مما أوجب الله عليكم في صلاتكم أن تؤدوها في المساجد في جماعة المسلمين: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] هذه هي طريقة النبي ﷺ وأصحابه. قال عبد الله بن مسعود ﵁ صاحب رسول الله ﷺ من سره أن يلقى الله غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدي، وإنهن من سنن الهدي، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر، فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. أيها المسلمون إن الصلاة مع الجماعة في المساجد من واجبات صلاتكم، ومن إقامتها والمحافظة عليها، المصلي مع الجماعة قائم بما فرض الله عليه والمتخلف عن الجماعة، بلا عذر عاص لربه مخاطر بصلاته، فإن من علماء المسلمين من يقول عن من ترك الصلاة مع الجماعة بدون عذر: فصلاته باطلة، قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وقاله الإمام أحمد في رواية عنه: المصلي مع الجماعة هو الكيس الحازم الحائز للغنيمة، فإن الصلاة مع الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، والمتخلف عن الجماعة بلا عذر كسول مهمل محروم تشبه حاله حال المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] وقال فيهم نبيهم ﷺ : «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، والذي نفس محمد بيده لو يجد أحدهم عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» . أقسم

стр. 404

النبي ﷺ بأن الواحد من هؤلاء المنافقين المتخلفين عن الجماعة لو وجد شيئا زهيدا من الدنيا لحضر الصلاة، وإن كثيرا من المتخلفين عن الجماعة لو كان له شغل من الدنيا وقت طلوع الفجر مثلا لوجدته حريصا عليه حاضرا في وقته. الصلاة مع الجماعة نشاط وطمأنينة، والتخلف عنها كسل وإسراع بها غالبا بدون طمأنينة ينقرها المصلي نقر الغراب، وربما أخرها عن وقتها. صلاة الجماعة تجلب المودة والألفة، وتنير المساجد بذكر الله، وتظهر بها شعائر الإسلام. في صلاة الجماعة تعليم الجاهل وتذكير الغافل ومصالح كثيرة. أرأيتم لو لم تكن الجماعة مشروعة، وحاش لله أن يكون ذلك، فماذا تكون حال المسلمين؟ الأمة متفرقة، والمساجد مغلقة، وليس للأمة مظهر جماعي في دينهم، ومن أجل ذلك كان من حكمة الله ورحمته أن أوجبها على المسلمين، فاشكروا الله أيها المسلمون على هذه النعمة، وقوموا بهذا الواجب، واستحيوا من ربكم أن يفقدكم حيث أمركم، واحذروا عقابه ونقمته أن يجدكم حيث نهاكم. أعانني الله وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وجمعنا في هذه الدنيا على طاعته وفي الأخرى في دار كرامته، وهدانا صراطه المستقيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . الخ.

стр. 405

[الخطبة السادسة في مسؤولية الإمام والمأموم] الخطبة السادسة في مسؤولية الإمام والمأموم إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، وتعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله لتعبدوا ربكم على بصيرة وبرهان، فإنه لا يستوي الذين يعلمون لا يستوي من يعبد الله، وهو يعلم كيف يعبده، ويعلم أنه يعبده على شريعة الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ومن يعبده، وهو يجهل ذلك، ومتى علمتم حدود ما أنزل الله، فاتقوا الله في التزامها ما استطعتم، وطبقوها كما علمتم: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] ولا تأخذكم في ذلك لومة لائم أو انتقاد منتقد: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣] أيها الناس إن من حدود ما أنزل الله على رسوله حدود صلاة الجماعة حيث حد للإمام فيها والمأموم ما لم يكن محدودا في حالة الانفراد، وكل واحد منهما مسؤول عما يختص به. فمن مسؤوليات الإمام أن يحرص على إكمال الصلاة. بحيث تكون مثل صلاة النبي ﷺ في أصحابه ﵃، فإنها أتم صلاة، وأخفها كما قال أنس بن مالك ﵁ «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ » ، فالإمام لو صلى وحده لكان له الخيار بين أن يقتصر على أقل واجب في الصلاة، وبين أن يفعل أعلى مطلوب فيها، ولكنه إذا صلى بالجماعة، لم يكن مخيرا في ذلك، بل يجب عليه أن يراعي من خلفه بحيث يتمكنون من فعل أدنى الكمال في صلاتهم؛ لأنه لا يصلي لنفسه فحسب، وإنما يصلي لنفسه ولمن خلفه، فليتق الله فيهم، ولا يحرمهم من فعل أدنى الكمال خلفه، وإن ترقى إلى أن تكون صلاته كصلاة النبي ﷺ فهو أكمل وأطيب. ومن مسؤوليات الإمام أيضا أن يحرص على إقامة الصفوف وتسويتها بالقول وبالفعل إذا لم يفد القول. فيأمرهم بتسوية الصفوف وإقامتها، ويؤكد ذلك عليهم، ويتوعدهم على مخالفتها، ويسويها بيده إن لم ينفع ذلك كما كان نبينا وإمامنا وقدوتنا يفعل ذلك، فعن أنس بن مالك

стр. 406

رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» . متفق عليه وللبخاري من إقامة الصلاة، ولأبي داود «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق» ، وله من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ ، قال: «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات الشيطان» يعني الفضاء بين الرجلين، فإن الشيطان يدخل فيه من بين أهل الصف، قال ﷺ : «ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله» . وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: «أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: " أقيموا صفوفكم، وتراصوا» . وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رآنا أنا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوما، فقام حتى كاد يكبر، فرأى رجلا باديا صدره من الصف، فقال: عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن بين وجوهكم» . أي: بين قلوبكم كما في رواية لأبي داود، وهذا وعيد شديد على من لا يسوون الصفوف أن يخالف الله بين قلوبهم، فتختلف وجهات نظرهم، وتضيع مصالحهم بسبب اختلافهم، وعن البراء بن عازب ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا، ومناكبنا، ويقول: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» . وقال النعمان بن بشير ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ يسوي - يعني صفوفنا - إذا قمنا للصلاة، فإذا استوينا كبر ". رواهما أبو داود، فانظروا قوله: فإذا استوينا كبر هذه الجملة الشرطية تجدوها صريحة في أنه ﷺ لا يكبر للصلاة، حتى تستوي الصفوف، ولقد أدرك ذلك الخلفاء الراشدون والأئمة المتبعون لرسول الله ﷺ ، ففي الموطأ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يأمر بتسوية الصف، فإذا جاؤه، فأخبروه أن قد استوت كبر، وكان قد وكل رجالا بتسوية الصفوف، وقال مالك بن أبي عامر كنت مع عثمان بن عفان، فقامت الصلاة، وأنا أكلمه يعني في حاجة حتى جاء رجال كان قد وكلهم بتسوية الصفوف، فأخبروه أن الصفوف قد استوت، فقال لي: استو في الصف، ثم كبر، فهذا فعل رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين لا يكبرون للصلاة حتى تستوي الصفوف، أفليس من الجدير بنا أن يكون لنا فيهم أسوة أن نأمر بتسوية الصفوف وإقامتها، وأن ننتظر، فلا نكبر للصلاة حتى نراهم قد استووا على الوجه المطلوب، وأن لا نخشى في ذلك لومة لائم، أو تضجر متضجر؟ لكن مع الأسف أن كثيرا من الأئمة فتح الله علينا

стр. 407

وعليهم لا يولي هذا الأمر عناية، وغاية ما عنده أن يقولها كلمة على العادة استووا اعتدلوا، فلا يشعر نفسه بالمقصود منها لا يبال من خلفه بها، ولا يأتمرون بها، تجده يقول ذلك، وهم باقون على اعوجاجهم، وتباعد بعضهم من بعض، ولو أن الإمام شعر بالمقصود، ونظر إلى الصفوف بعينه، وانتظر حتى يراهم قد استووا استواء كاملا، ثم كبر لبرئت ذمته وخرج من المسؤولية. هذه بعض من مسؤوليات الإمام في إمامته. أما المأموم، فإنه لو كان يصلي وحده لكان مخيرا بين أن يقتصر على أدنى واجب في صلاته، أو أن يطول فيها، ولكنه إذا كان مع الإمام، فقد ارتبطت صلاته بصلاة إمامه، فلا يجوز أن يتقدم على الإمام بالتكبير، ولا القيام ولا القعود ولا الركوع ولا السجود، ولا يأتي بذلك مع الإمام أيضا، وإنما يأتي به بعده متابعا له، فلا يتأخر عنه، قال النبي ﷺ : «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار؟» وقال أيضا: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون» . ومن مسؤوليات المأموم المحافظة على تسوية الصفوف، وأن يحذر من العقوبة على من لم يسوها، وأن يحافظ على المراصة فيها، وسد خللها، والمقاربة بينها، ووصلها بتكميل الأول فالأول، وأن يحذر من عقوبة قطع الصفوف، فإن من قطع صفا قطعه الله، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: «لو يعلم الناس ما في النداء (يعني الأذان) والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه (يعني يقترعوا عليه) لاستهموا» ، وقال: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها» ، وقال ﷺ : «أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص، فليكن في الصف المؤخر» . رواه أبو داود ورأى في أصحابه تأخرا، وفي لفظ: «رأى قوما في مؤخر المسجد، فقال: تقدموا، فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» . فهل ترضى أيها المسلم لنفسك أن تكون في شر الصفوف، وهو آخر الصفوف مع تمكنك من أولها؟ هل ترضى لنفسك أن تعرضها للعقوبة بالتأخر عن مقدم الصفوف، حتى يؤخرك الله في جميع مواقف الخير؟ هل ترضى لنفسك أن لا تصف بين يدي ربك كما تصف الملائكة عند ربها يتراصون في الصف، ويكملون الصفوف المقدمة؟ ما من إنسان يرضى لنفسه

стр. 408

بذلك إلا وقد رضي لها بالخسران، فتقدموا أيها المسلمون إلى الصفوف، وأكملوا الأول، فالأول، وتراصوا فيها، وتساووا بأيدي إخوانكم، إذا جذبوكم لتسوية الصف أو التراص فيها لتتموا صلاتكم، وتمتثلوا أمر نبيكم، وتقتفوا أثر سلفكم الصالح، ومن وجد الصف تاما، ولم يجد له مكانا فيه، فليصل خلفه، ولا حرج عليه، ومن صلى وحده خلف الصف، وهو يجد مكانا فيه، فلا صلاة له، وإذا اجتمع ثلاثة، فصلى بهم أحدهم، فليتقدم عليهم وإذا كانوا يصلون على بساط ونحوه لا يتسع لتقدم الإمام عليهم، فليصلوا صفا واحدا، ويكون الإمام بينهما مساويا لهما أحدهما عن يمينه، والثاني عن يساره، وإذا اجتمع اثنان، وأرادا الصلاة جماعة صلى الإمام عن يسار المأموم والمأموم عن يمينه مستويين لا يتقدم الإمام عن المأموم لا قليلا، ولا كثيرا. فاتقوا الله لعلكم تفلحون: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ - وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٢ - ١٣٦] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.

стр. 409

[الخطبة السابعة في صلاة الكسوف] الخطبة السابعة في صلاة الكسوف الحمد لله الملك القهار العظيم الجبار، خلق الشمس والقمر، وسخر الليل والنهار، وأجرى بقدرته السحاب يحمل بحار الأمطار، فسبحانه من إله عظيم، خضعت له الرقاب، ولانت لقوته الصعاب، توعد بالعقوبة من خرج عن طاعته: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله، واشكروه على ما سخر لكم من مخلوقاته، فلقد سخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ - وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ - وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤] سخر لكم الشمس والقمر دائبين لتعلموا بمنازل القمر عدد السنين والحساب، ولتتنوع الثمار بمنازل الشمس بحسب الفصول والأزمان. سخرهما يسيران بنظام بديع وسير سريع ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] لا يختلفان علوا، ولا نزولا، ولا ينحرفان يمينا، ولا شمالا، ولا يتغيران تقدما، ولا تأخرا عما قدر الله تعالى لهما في ذلك: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] فالشمس والقمر آيتان من آيات الله الدالة على كمال علمه وقدرته وبالغ حكمته وواسع رحمته، آيتان من آياته في عظمهما، آيتان من آياته في نورهما وإضاءتهما: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ - لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠] لقد أرجف الماديون بصانعي الأقمار الصناعية، وعظموهم، وأنزلوهم المنزلة العالية مع حقارة ما صنعوا، وخلله، وتلفه، وغفلوا عن تعظيم من خلق صانعي هذه الأقمار، وعلمهم كيف يصنعونها، وخلق لهم موادها، ويسرها لهم. غفلوا عن تعظيم من خلق الشمس والقمر دائبين

стр. 410

آناء الليل والنهار، وأعرضوا عن الفكر فيما فيهما من القدرة العظيمة والحكمة البالغة لذوي العقول والأبصار. إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله مخلوقان من مخلوقات الله، ينجليان بأمره، وينكسفان بأمره، فإذا أراد الله تعالى أن يخوف عباده من عاقبة معاصيهم ومخالفتهم كسفهما باختفاء ضوئهما كله أو بعضه إنذارا للعباد، وتذكيرا لهم لعلهم يحدثون توبة، فيقومون بما يجب عليهم من أوامر ربهم، ويبعدون عما حرم عليهم من نواهي الله ، ولذلك كثر الكسوف في هذا العصر، فلا تكاد تمضي السنة حتى يحدث كسوف في الشمس أو القمر أو فيهما جميعا، وذلك لكثرة المعاصي والفتن في هذا الزمن، فلقد انغمس أكثر الناس في شهوات الدنيا، ونسوا أهوال الآخرة، وأترفوا أبدانهم، وأتلفوا أديانهم أقبلوا على الأمور المادية المحسوسة، وأعرضوا عن الأمور الغيبية الموعودة التي هي المصير الحتمي والغاية الأكيدة: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٦٠] أيها الناس إن كثيرا من أهل هذا العصر تهاونوا بأمر الكسوف، فلم يقيموا له وزنا، ولم يحرك منهم ساكنا، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم وجهلهم بما جاء عن رسول الله ﷺ ، واعتمادهم على ما علم من أسباب الكسوف الطبيعية، وغفلتهم عن الأسباب الشرعية والحكمة البالغة التي من أجلها يحدث الله الكسوف بأسبابه الطبيعية. فالكسوف له أسباب طبيعية يقر بها المؤمنون والكافرون، وله أسباب شرعية يقر بها المؤمنون، وينكرها الكافرون، ويتهاون بها ضعيفو الإيمان، فلا يقومون بما أمرهم به رسول الله ﷺ من الفزع إلى الصلاة والذكر والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق. لقد كسفت الشمس في عهد النبي ﷺ مرة واحدة في آخر حياته في السنة العاشرة من الهجرة حين مات ابنه إبراهيم ﵁ بعد أن ارتفعت بمقدار رمحين أو ثلاثة من الأفق، وذلك في يوم شديد الحر، فقام النبي ﷺ فزعا إلى المسجد، وأمر ينادي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في المسجد رجالا ونساء، فقام فيهم النبي ﷺ ، وصفوا خلفه، فكبر، وقرأ الفاتحة وسورة طويلة بقدر سورة البقرة يجهر بقراءته، ثم ركع طويلا جدا، ثم رفع، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قرأ الفاتحة وسورة طويلة لكنها أقصر من الأولى، ثم ركع ركوعا

стр. 411

طويلا دون الأول، ثم رفع، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا، ولك الحمد، وقام قياما طويلا نحو ركوعه، ثم سجد سجودا طويلا جدا نحوا من ركوعه، ثم رفع، وجلس جلوسا طويلا، ثم سجد سجودا طويلا، ثم قام إلى الركعة الثانية، فصنع مثل ما صنع لكنها دونها في القراءة والركوع والسجود والقيام، ثم تشهد، وسلم، وقد تجلت الشمس، ثم خطب خطبة عظيمة بليغة، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد: فإن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، فينظر من يحدث منهم توبة، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فافزعوا إلى الصلاة، وإلى ذكر الله ودعائه، واستغفاره» . وفي رواية: «فادعوا الله، وكبروا، وتصدقوا، وصلوا حتى يفرج الله عنكم» . وفي رواية حتى ينجلي. وقال: «يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وايم الله - يعني والله - لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم، ما من شيء لم أكن رأيته، إلا رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار رأيت النار يحطم بعضها بعضا، فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع، ورأيت فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه - يعني أمعاءه - ورأيت فيها امراة تعذب في هرة لها ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ولقد رأيتكم تفتنون في قبوركم، كفتنة الدجال يؤتى أحدكم، فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن، فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا، وآمنا، واتبعنا، فيقال: نم صالحا، فقد علمنا إن كنت لموقنا، وأما المنافق، أو المرتاب، فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا، فقلته» . " ثم ذكر الدجال، وقال: «لن تروا ذلك حتى تروا أمورا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتساءلوا بينكم هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا، وحتى تزول جبال عن مراتبها» . أيها المسلمون إن فزع النبي ﷺ للكسوف، وصلاته هذه الصلاة، وعرض الجنة والنار عليه فيها، ورؤيته لكل ما نحن لاقوه من أمر الدنيا والآخرة، ورؤيته الأمة تفتن في قبورها، وخطبته، والذكر، والدعاء، والاستغفار، والتكبير، والصدقة بل أمر بالعتق أيضا. لأن كل هذه لتدل على عظم الكسوف، وأن صلاة الكسوف مؤكدة جدا، حتى قال بعض العلماء: إنها واجبة، وأن من لم يصلها، فهو آثم، فصلوا أيها المسلمون رجالا ونساء عند كسوف الشمس أو القمر، كما صلى

стр. 412

نبيكم ﷺ ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان بقراءة جهرية. ومن فاتته الصلاة مع الجماعة، فليقضها على صفتها، ومن دخل مع الإمام قبل الركوع الأول، فقد أدرك الركعة، ومن فاته الركوع الأول، فقد فاتته الركعة؛ لأن الركوع الثاني لا تدرك به الركعة. وفقني الله وإياكم لتعظيمه، والخوف منه، ورزقنا الاعتبار بآياته، والانتفاع بها إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . الخ.

стр. 413

[الفرع الثاني في اللباس] [الخطبة الأولى فيما يحرم من اللباس] الفرع الثاني في اللباس الخطبة الأولى فيما يحرم من اللباس إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم عليكم بما أخرجه لكم من طيبات الرزق واللباس: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] لقد بين الله تعالى فوائد هذا اللباس بأنه زينة، ومواراة للسوأة أي: ستر للعورة، ولم يجعل الله للإنسان ساترا طبيعيا من أصل الخلقة ليتذكر الإنسان أنه دائما في عورة ومحتاج إلى الستر، فينتقل من معرفة الحاجة إلى الستر الحسي للعورة الحسية إلى معرفة الحاجة إلى الستر المعنوي للعورة المعنوية، وهي عورة نقص الدين والأخلاق، فيسترها بتكميل دينه وأخلاقه. ولقد دلت النصوص أن اللباس بقسميه لباس الزينة، ولباس الحاجة جائز، والأصل فيه الحل إلا ما قام الدليل على تحريمه قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] قاله إنكارا على من يحرمون شيئا من اللباس والطعام بغير دليل. ولقد بين رسول الله ﷺ لأمته ما لا يجوز لهم من اللباس بيانا ظاهرا. فمن ذلك لباس ما يختص بالكفار سواء كان لباسا شاملا للجسم كله أو لعضو منه، فكل لباس يختص بالكفار، ولا يلبسه غيرهم، فإنه لا يجوز للمسلم لبسه لقول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» . فإن التشبه بهم يقتضي شعور المتشبه بأنهم أعلى منه، فيعجب بهم، وبصنيعهم حتى يؤدي به ذلك إلى إعجابه بعقائدهم وأعمالهم. ومن ذلك لباس الرجل ما يختص بالمرأة، ولباس المرأة ما يختص بالرجل، فكل لباس يختص بالرجل سواء كان شاملا لجميع الجسم كالقميص، أم مختصا بعضو منه كالسراويل والحذاء وغيرها، فإنه لا يجوز للمرأة أن تلبسه، وكل لباس يختص بالمرأة

стр. 414

فإنه لا يجوز للرجل لبسه، لأن النبي ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. ومن ذلك لباس ما يقصد به الفخر والخيلاء من ثوب أو سروال أو نعل أو غيرها؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يفخر أحد على أحد، فيتظاهر بالرفعة والعلو عليه، وما يدري هذا المفتخر، فلعل الأحوال تتغير، فيحل محل من افتخر عليه في الفقر والإعواز، ويحل الثاني محله في الغنى والوجود وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «بينما رجل يمشي في حلة (إزار ورداء) تعجبه نفسه، مرجل رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» . وفي الحديث عن ابن عمر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من تعظم في نفسه، واختال في مشيته، لقي الله، وهو عليه غضبان» . ومن ذلك أن ينزل لباس الرجل إلى ما تحت الكعبين سواء كان قميصا أم سروالا أم مشلحا لقول النبي ﷺ : " ما أسفل من الكعبين فهو في النار". فإن جره خيلاء كانت العقوبة أعظم وأشد لقول النبي ﷺ : «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» . وقال النبي ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» . ومن ذلك لباس الرجل الحرير الطبيعي فكل لباس من حرير سواء كان ثوبا، أم سروالا، أم شرابا، أم غترة، أم طاقية، أم غيرها، فهو حرام على الرجال. ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» . وقال: «إنما يلبس الحرير من لا أخلاق له» . ومن ذلك لبس الرجل الذهب، فلا يجوز للرجل أن يلبس ذهبا لا خاتما، ولا سوارا، ولا أزرارا، ولا غيره ففي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل، فنزعه وطرحه، وقال: " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار، فيجعلها في يده» ، فقال الناس للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ خذ خاتمك انتفع به، فقال: والله لا آخذه، وقد طرحه رسول الله ﷺ . وفي سنن النسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن رجلا قدم من نجران إلى رسول الله ﷺ وعليه خاتم من ذهب، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، وقال: " إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار» . وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من مات من أمتي، وهو يتحلى بالذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة» . (رواه أحمد) . وعن علي بن أبي طالب ﵁ «أن النبي ﷺ أخذ

стр. 415

حريرا وذهبا، فقال: " هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» . (رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم) . ومن ذلك لبس خاتم الخطبة الذي يسمونه (الدبلة) فهو سيء للرجال والنساء؛ لأن هذه العادة سرت من النصارى، قاله محدث الشام في عصره الألباني قال: ويرجع ذلك إلى عادة قديمة يضع الرجل العروس الخاتم على رأس إبهام العروسة المرأة، ويقول: باسم الرب، ثم يضعه على رأس السبابة، ويقول: باسم الابن يعنون بالأب الله، وبالابن عيسى تعالى الله عن قولهم، ثم يضعه على رأس الوسطى، ويقول باسم روح القدس، وعندما يقول آمين يضعه في البنصر حيث يستقر. أيها المسلم إذا كانت هذه العادة متلقاة من النصارى فكيف ترضى لنفسك بصفتك مسلما أن تقلدهم فيها، وتتشبه بهم، وقد علمت أن نبيك ﷺ قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» . كيف تذهب بعقلك إلى هذه الخرافة التي لا حقيقة لها، فليست الدبلة بالتي تجلب المودة، وليس عدمها بالذي يطرد المودة. وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» . وفسر العلماء التولة بأنها شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والدبلة شبيهة بالتولة؛ لأنهم يعتقدون أنها رابطة بين الزوج وزوجته، وهي بعيدة من ذلك فليست بربط شرعي؛ لأن الربط الشرعي بين الزوجين يكون بعقد النكاح، وليست ربطا كونيا؛ لأنها لا تأثير لها حسا سوى ما يقع في وهم لابسيها بناء على عقيدة لا أصل لها، ولا تعجبوا أن تكون التولة نوعا من الشرك، وذلك لأن الخلق والأمر كله لله وحده، فوضع السببية في الأسباب إلى الله وحده، فمن جعل شيئا ما سببا لشيء لم يجعله الله سببا له، فقد شارك الله فيما يختص به. إذن فخاتم الخطبة (الدبلة) إن كان من ذهب فهو حرام سيئ على الرجل من جهتين، من جهة أنه ذهب، ومن جهة العقيدة الفاسدة والتقليد الأعمى الذي مصدره من النصارى، وإن كان غير ذهب أو استعملته الأنثى فهو سيء من جهة واحدة. ومن اللباس المحرم لبس الرجل والمرأة ما لا يستر من الثياب ما يجب ستره كلبس الرهيف الذي لا يستر، والقصير، ويتضح ذلك في الرجال في أيام الصيف حيث يلبسون سروايل قصيرة يبدو منها بعض الفخذ، وثيابا رهيفة عليها لا تستر، وهذا غير ساتر في الصلاة

стр. 416

فلا تصح الصلاة حينئذ، فيقعون في خطر عظيم حيث يصلون صلاة لا تنفعهم. ويتضح في النساء حيث تلبس خمارا رهيفا، وتخرج إلى السوق، فتبدو كأنها غير ساترة وجهها. فاتقوا الله أيها المسلمون، واستعينوا بنعم الله على طاعته، ولا تجعلوا هذه النعم وسيلة للأشر والبطر والرفاهية الموقعة في الاثم: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣١ - ١٣٢] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.

стр. 417

[الخطبة الثانية في بعض ما يحرم من اللباس] الخطبة الثانية في بعض ما يحرم من اللباس عن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] في هذه الآية الكريمة بين الله تعالى ما من به على عباده حيث أنزل عليهم ثلاثة أنواع من الألبسة نوعان حسيان ونوع معنوي، فأما النوعان الحسيان فهما لباس ضروري يواري الإنسان به عورته يكسو به بدنه لا بد له منه ولباس ريش، ويقال: رياش وهو لباس الجمال والزينة الزائد عن اللباس الضروري، وأما النوع المعنوي، فهو لباس التقوى تقوى الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، وهذا اللباس خير من النوعين الحسيين ذلك؛ لأنه يواري سوأة الإنسان في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ - وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا - ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٥] إن هذا اللباس هو الزينة التي أخرج الله لعباده، وأحلها لهم، وأنكر على من يحرمها بدون برهان: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] إن في إضافة هذه الزينة إلى الله ووصفها بأنه الذي أخرجها لهم لأكبر برهان على أنه ليس من حقنا أن نتحكم بهذه الزينة في تحليل أو تحريم، وإنما حكمها إلى الله وحده؛ لأنه الذي أخرجها لعباده وحده، وليس من حقنا كذلك أن نستعملها كما نشاء، وإنما نستعملها على الوجه الذي حدد لنا بدون تعد: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] لقد حدد الله لنا استعمال هذا اللباس نوعا، وكيفا حلا وحرمة لئلا نتجاوز بها إلى حد لا يليق بنا أما الحل، فإن الحلال من هذا اللباس هو الأصل؛ لأن الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]

стр. 418

واللباس مما خلق الله لنا في الأرض، فهو حل لنا حتى يقوم دليل على تحريمه، ولهذا كان الحل من اللباس أكثر بكثير من المحرم، وأما المحرم فهو قليل بالنسبة إليه؛ لأن عطاء الله سبحانه أوسع من منعه، ولا يمنع إلا لحكمة بالغة اقتضت المنع. فمن المحرم لباس الصور، ولباس ما فيه صورة؛ لأن «عائشة ﵂ اشترت نمرقة، والنمرقة الوسادة أو المخدة، وكان فيها تصاوير، فجاء النبي ﷺ ، فلما رآها قام على الباب، ولم يدخل، قالت: فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنبت؟ فقال رسول الله ﷺ " ما بال هذه النمرقة؟ " فقلت: اشتريتها لك لتقعد عليها، وتوسدها، فقال رسول الله ﷺ : " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم " ثم قال: " إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» . رواه البخاري ومسلم. النبي ﷺ قام على الباب، ولم يدخل؛ لأن في البيت مخدة فيها صورة ظهرت كراهية ذلك على ملامح وجهه حتى أعلنت أم المؤمنين عائشة التوبة من أجل ما رأت في وجهه. ومن أمة محمد ومن المؤمنين من يصطحبون الصور في ملابسهم فيلبسون الصور، أو يلبسون ما فيه الصور نعم لقد غزانا أعداء الإسلام بفتنة هذه الصور، فأتونا بها من كل فج، ورمونا بها من كل ناحية، وضعوا هذه الصور في ملابسنا، فكان في بعض الأقمشة صور الحيوانات الكبيرة أو الصغيرة بالتلوين تارة، وبوضع قصاصات أو مطاط على صورة حيوان تارة، وتجدون ذلك ظاهرا في الألبسة الجاهزة، وصنعوا لنا حليا من الذهب أو غيره على صورة الحيوانات على صورة فراشة أو سمكة لتلبسه، فتفارقنا الملائكة بلبسه، صنعوا لنا ذلك كله، وأكثروا علينا ليهون علينا أمره، وننسى أمر الله ورسوله فيه، أو نتهاون في أمر الله ورسوله، وإن لباس هذه المصورات محرم بيعها وشراؤها محرم؛ لأنه إعانة على الإثم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢] وكما لا يجوز للمسلم أن يلبس الصورة، أو ما فيه صورة، فإنه لا يجوز له أن يلبسها صبيه الصغير ذكرا أم أنثى. والخلاص من ذلك إذا كانت عند الإنسان الآن أن يقطع رأسها إن كانت حليا أما إن كانت في قماش فإن كانت ملصقة إلصاقا قلعها، أو قلع رأسها، وإن كانت مرسومة باللون وضع على الرأس لونا يطمسه. وفي صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي «أن علي بن أبي طالب ﵁ قال له: ألا أبعثك على ما بعثني عليه

стр. 419

رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» . ومن المحرم أيضا ما يحرم على الرجال خاصة، وهو لبس ما نزل عن الكعبين من سروايل أو قميص أو مشلح أو غيرها لقول النبي ﷺ : «ما أسفل من الكعبين من إزار ففي النار» . رواه البخاري. وقال ابن عمر ﵄ ما قال رسول الله ﷺ في الإزار فهو في القميص، فلا يحل للرجل أن ينزل شيئا من ثيابه أسفل من الكعبين؛ لأن النبي ﷺ توعد على ذلك بالنار، ولا وعيد إلا على فعل محرم. ولقد ظن بعض الناس أن هذا الحديث فيمن نزل ثيابه خيلاء. والخيلاء أن يتخيل الشخص لنفسه منزلة عالية، فيتعاظم في نفسه، ويعجب بها ظن أن هذا الحديث، فيمن نزل ثيابه خيلاء؛ لأن النبي ﷺ : «قال من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه» . فاراد أن يحمل ذاك المطلق على هذا القيد، ولكن هذا ليس بصحيح، فإن الوعيد فيهما مختلف وسببه مختلف، الوعيد فيمن جر ثوبه خيلاء أن الله لا ينظر إليه، والوعيد فيمن نزل ثوبه عن كعبيه أن ما نزل في النار، فالعقوبة جزئية، والعقوبة الأولى، أن الله لا ينظر إليه، وهو أعظم من تعذيب جزء من بدنه بالنار، وأما السبب فمختلف أيضا، فأحدهما أنزله إلى أسفل من الكعبين، والثاني جره خيلاء، وهذا أعظم، ولذلك كانت عقوبته أعظم. وقد قال علماء أصول الفقه: إنه إذا اختلف السبب والحكم في الدليلين لم يحمل أحدهما على الآخر. فلا يحل للرجل أن ينزل شيئا من ثيابه تحت الكعبين سواء كان ذلك سراويل أم قميصا أم مشلحا أم غيرها، فإن فعل فعقوبته أن يعذب موضع النازل بالنار، ولا يحل له أن يجر شيئا من ذلك خيلاء، فإن فعل فعقوبته أن لا ينظر الله إليه بل في صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قالها ثلاثا، فقال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» . ودخل شاب من الأنصار على عمر بن الخطاب ﵁ يثني عليه مع الناس حين طعن ﵁، فلما أدبره إذا إزاره يمس الأرض، فقال: ردوا علي الغلام، فردوه عليه، فقال يا ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك. فائدتان في رفع الثوب ينبه عليهما أمير المؤمنين عمر ﵁ بقاء الثوب، حيث لا تتلف الأرض أسفله. وتقوى الله ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] قد يقول متهور: أنا لا أبالي إذا أتلف أسفل ثوبي وجوابنا

стр. 420

فهل لا تبالي أيضا إذا أضعت تقوى الله، واستعنت بنعمه على معاصيه، فانقلبت النعم نقما والمتعة ألما؟ فاتقوا الله عباد الله، واستعينوا بنعمه على طاعته، واحفظوا حدوده، وأقيموا فرائضه، واعبدوه حق عبادته ما استطعتم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . الخ.

стр. 421

[الخطبة الثالثة في تحريم لبس الذهب على الرجال] الخطبة الثالثة في تحريم لبس الذهب على الرجال الحمد لله الولي الحميد الواسع المجيد، حكم عباده كونا وشرعا بما يريد، فقضى لهم ما تقتضيه حكمته، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم رحمة بهم، وهو أرحم الراحمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الخلق أجمعين أعلم الخلق بالله، وأتقاهم لله، وأنصحهم لعباد الله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. أما بعد: أيها المسلمون اتقو الله تعالى، وتدرعوا بلباس التقوى، فلباس التقوى ذلك خير. لباس التقوى لباس يقيكم من النار، ويكون سببا لرزقكم، وتيسير أموركم في هذه الدار. إن لباس التقوى ما يقي به المرء محارم الله تعالى، ويستعين به على طاعته لتكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة (العاقبة للمتقين) . وإن من الناس من خلعوا لباس التقوى في لباس ما حرم الله عليهم من الزينة كأنهم شاركوا الرب سبحانه في التحليل والتحريم، فأحلوا لأنفسهم ما حرم الله عليهم، أو نابذوا الله تعالى في المعصية، فاجترؤا على معصية الله غير مبالين بذلك. لقد لبس قوم الذهب، لبسوه في أيديهم خواتيم وأسورة، ولبسوه في أعناقهم قلائد وسلاسل ولبسوه في صدورهم أزارير ومرصعات سبحان الله رجال يتحلون بالذهب لينزلوا عن كمالهم الذي وهبهم الله إياه إلى نقص النساء: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] نزلوا بأنفسهم ليشاركوا النساء فيما خصهن الله به من الزينة تلك الزينة التي خصت بها المرأة لتتجمل بها لزوجها، فيرغب فيها، ولتجبر بها ما كان فيها من نقص. إن مقتضى الرجولة أن يكون الرجل كاملا برجولته يتطلب ما به كمال رجولته من شهامة وكرم ونظر في شؤون دينه ودنياه، وليس بحاجة أن ينزل بنفسه إلى مستوى النساء، وتتبع مثل هذه السفاسف التي تبعده عما هيئ له من الشئون العظيمة المثمرة في حياته الخاصة وحياة مجتمعه. أيها المسلمون لقد حرم رسول الله ﷺ لباس الذهب على ذكور أمته فروى الإمام أحمد وأصحاب السنن عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ أخذ حريرا وذهبا فقال: «هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» . قف، وتأمل قوله ﷺ على ذكور أمتي فإن هذه

стр. 422

الإضافة تقتضي تأكيدا على المسلم في التزامه بهذا الحكم، وتجنبه لما حرمه رسوله إذا كان من أمته. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل، فنزعه، وطرحه، وقال: " يعمد أحدكم على جمرة من نار، فيجعلها في يده " فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به، فقال: لا والله لا أخذه، وقد طرحه رسول الله ﷺ » . وفي سنن النسائي عن أبي سعيد ﵁ «أن رجلا قدم من نجران على رسول الله ﷺ وعليه خاتم من ذهب، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، وقال: " إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار» . وروى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من مات من أمتي وهو يتحلى بالذهب حرم الله لباسه في الجنة» . فهل بعد هذه الأدلة الواضحة خيار للرجل في لباس الذهب والتحلي به. مرة يصرح النبي ﷺ بأنه حرام، ومرة يصرح بأنه جمرة من نار يجعلها الإنسان في يده، ومرة يقول: من مات وهو يتحلى به حرم الله عليه لباسه في الجنة، أفبعد هذا يختار مؤمن أن يلبس ذهبا؟ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] فاتق الله أيها المؤمن، وتجنب ما حرم الله عليك، وتب إلى ربك قبل موتك، فتصدق بما تلبسه من ذهب على أهلك أو غيرهم من قراباتك، والذي أرى أن نتصدق به على غير أهلك حتى يبعد عنك، فلا تسول لك نفسك فيما بعد أن ترجع إليه لكونك تشاهده عليهم، وإن أفظع من ذلك أن يلبس الرجل خاتما يكتب عليه اسم زوجته، وتلبس زوجته خاتما يكتب عليه اسم زوجها عمل لا أصل له عند المسلمين، وإنما أصله من النصارى حين يضع الرجل للتزوج الخاتم على رأس إبهام الزوجة في اليد اليسرى، ويقول: باسم الأب، ثم ينقله في السبابة، ويقول: باسم الابن، ثم ينقله في الوسطى، ويقول: باسم روح القدس، وهذا إله النصارى؛ لأنهم يقولون إن الله ثالث ثلاثة، ثم ينقله إلى البنصر، قائلا: آمين، فيستقر في البنصر التي بين الوسطى والخنصر، فكيف يسوغ للمؤمن أن يتلقى عادة كان أصلها من النصارى؟ وينقلها إلى المسلمين، وهم مأمورون بمجانبتهم، والبعد عنهم حتى قال النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم. فهذه العادة السيئة هي سيئة في نفسها، فإن اقترن بها عقيدة فاسدة

стр. 423

ازدادت سواء قد يقترن بها اعتقاد أنها صلة ورابطة بين الزوج وزوجته، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله أن ذلك سبب يوجب المحبة والصلة، وليس في معلومنا أنها سبب طبيعي للصلة والمحبة، فإذا انتفى السببان الشرعي والطبيعي لم يبق لجعلها سببا سوى الوهم والخيال الذي لا ينبغي للعاقل فضلا عن المؤمن أن يبني تصرفه، وعمله عليهما، وكم من شخص لبس اسم زوجته ولبست اسمه، وانفصمت عرى المحبة والصلة بينهما، وكم من أشخاص لا يعرفون هذه العادات، أو عرفوها، وحكموا عقولهم، فلم يفعلوها، وكانت المحبة والصلة بينهم وبين زوجاتهم على أعلى ما يكون. فاتقوا الله عباد الله، وترسموا هدي رسول الله ﷺ وهدي أصحابه، فإن هديهم خير هدي، وطريقتهم أكمل طريقة، وإياكم وهذه التقاليد العمى التي لا خير فيها فليس كل جديد مقبولا ولا كل قديم مرفوضا وإنما العدل قبول الحق كيفما كان. وبعد، فإننا لنأسف كل الأسف أن يأخذ أقوام من هذه الأمة المسلمة بكل ما ورد عليهم من عادات وتقاليد وشعارات من غير أن يتأنوا فيها، وينظروا إليها بنظر الشرع والعقل ينظروا فيها هل تخالف شريعة الله أم لا. إذا كانت تخالف شريعة الله رفضوها، واجتنبوها كما يرفض الجسم السليم جرثومة المرض، ثم نصحوا من كان متلبسا من إخوانهم المسلمين الذين وردوا بها، ونقلوها إلى مجتمعاتهم بدون تأمل أو نظر. فهذه حقيقة المؤمن أن يكون قوي الشخصية نافذ العزيمة بصير التكفير صالحا مصلحا، وإذا كانت هذه العادات والتقاليد والشعارات الواردة إلينا لا تخالف الشريعة، فلينظر إليها بنظر العقل. فلننظر ما نتيجتها في الحاضر أو المستقبل القريب أو البعيد، فإنها قد لا يكون له تأثير ملموس في الحاضر لكن لها تأثير مرتقب في المستقبل، ومتى سرنا بهذا الاتجاه، وعلى هذا الخط فمعنى ذلك أننا نسير على بصيرة وفي اتجاه سليم موفق بإذن الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 424

[الخطبة الرابعة في التحذير من تشبه الرجل بالمرأة] الخطبة الرابعة في التحذير من تشبه الرجل بالمرأة الحمد لله الحكيم العليم الرب العظيم خلق، وقدر، وأعطى كل شيء خلقه، ثم هدى، ويسر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلي الأعلى له الحكم، فلا مضاد لحكمه ولا مبدل لكلماته وهو السميع العليم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على الخلق أجمعين أهدى الناس طريقا وأقومهم دعوة، وأفصحهم بيانا، وأنصحهم قصدا وإرادة، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه واتباعه المتمسكين بهديه المتبعين لشريعته المبتعدين عن اتباع الشهوات والأهواء المخالفة لذلك. أما بعد: ففي هذا الأسبوع عرضت في التلفزيون وقائع الحفلات التي أقيمت في الأندية في مدن القصيم، وشاهد الناس من بين وقائع هذه الحفلات ما يقوم فيه الشباب بتمثيل المرأة في لباسها عباءة مقطع ملون خمار على الرأس، وفي كلامها وهيئتها تمثيلا متقنا كأنه المرأة تماما سبحان الله! سبحان الله! لقد كنت أتحاشى أن أتكلم عن هذا الموضوع من على هذا المنبر، ولكن إذا لم يكن إلا الأسنة مركب فما حيلة المضطر إلا ركوبها، لقد كنت أفضل أن يكون الكلام بيني وبين القائمين بهذه الأدوار ولكن لما أصبح الأمر شائعا بين الناس الذين شاهدوا ذلك، أو سمعوا عنه كان لزاما علينا أن نبين ذلك بيانا شائعا مثلا بمثل ووفاء بعهد الله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وحذر العقوبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] وكتمان العلم إخفاؤه عندما تدعو الحاجة إلى بيانه جوابا لسؤال أو اقتضاء الحال. أيها المسلمون إن مما يقضى به العجب، ولا ينقضي به أن يقوم شاب رجل فضله الله على المرأة ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فينزل نفسه مختارا إلى درجة المرأة ليمثلها في لباسها وهيئتها وكلامها على أن هذا الشاب لو قيل له: يا شبيه المرأة لاستشاط غضبا، ورأى ذلك مسبة له، فالله أكبر ما هذا التناقض يغضب من قول يشبه به بالمرأة، ويراه مسبة له له، ثم يحقق بنفسه تلك المشابهة، والفعل أبلغ من القول؛ لأنه أمر واقع. إن تمثيل الشاب لدور المرأة لا يجدي نفعا، ولا يدفع ضررا، ولا يحل مشكلة، إن المشاهدين له سيكونون ثلاثة أصناف، صنف يسخر به

стр. 425

، ويحتقره، وصنف يعجب بما شاهده منه من إتقان دور التمثيل، وصنف ثالث يخطر في نفوسهم أشياء أخرى، أما أن يكون صنف رابع يفكر في إصلاح المجتمع بناء على ما شاهد، فأظنه معدوما أو كقطرة من بحر. إن إصلاح المجتمع لا يكون بمثل هذه الطرق المحرمة، إن الطرق المحرمة فاسدة بنفسها «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» والفاسد بنفسه لا يمكن أن يكون وسيلة للإصلاح كما أن الماء النجس لا يطهر. لقد أصلح الله تعالى بنبيه محمد ﷺ وخلفائه الراشدين الذين خلفوه في العلم والإيمان والدعوة والعمل أصلح الله بهم شعوبا وأمما، وما سلكوا هذه الطريق وأمثالها في الدعوة إلى الله وإصلاح عباده. أفلا يجدر بنا إن كنا صادقين في الدعوة إلى الله وإصلاح عباده أن نسلك طريق نبينا محمد ﷺ وخلفائه الراشدين، لا أن ندعو إلى الله تعالى وإصلاح عباده بما نعصي الله به. إن تمثيل الرجل لدور المرأة كما أنه لا يصلح الأمة، ولا يحل مشاكلها، فهو أيضا خطير من الناحية الشرعية، فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» ، وعن أبي هريرة ﵁، قال: «لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل» . (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم) إن النبي ﷺ تكلم بهذا الكلام، وهو يعني ما يقول، ويدرك تماما خطر ما يقول ليس بتكلم بكلام لغو عابر لا يقصد معناه، ولا يدرك خطره كلا أبدا. إن معنى ما يقول هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وما أعظم خطر الطرد والإبعاد عن رحمة الله على من طرد، وأبعد إنه الخسارة في الدنيا والآخرة، إنه تخلي الله عن العبد حتى يخلو به شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء، فلا يوفق لخير أبدا، قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀: لقد خاب، وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض. إن القائم بتمثيل دور المرأة في مثل هذه المناسبات كما عرض نفسه لهذا الخطر العظيم - الطرد والإبعاد عن رحمة الله - عرض الحاضرين أيضا لمثل ذلك الخطر، فإن من أقام مع العاصي حين معصيته مختارا للإقامة كان مثله وبهذا الوعيد الشديد والخطر
следующие страницы →