← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30920

الضياء اللامع من الخطب الجوامع

ابن عثيمين

Полный текст (711 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[الخطبة الثالثة في تحريم لبس الذهب على الرجال] الخطبة الثالثة في تحريم لبس الذهب على الرجال الحمد لله الولي الحميد الواسع المجيد، حكم عباده كونا وشرعا بما يريد، فقضى لهم ما تقتضيه حكمته، وشرع لهم ما فيه مصلحتهم رحمة بهم، وهو أرحم الراحمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الخلق أجمعين أعلم الخلق بالله، وأتقاهم لله، وأنصحهم لعباد الله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. أما بعد: أيها المسلمون اتقو الله تعالى، وتدرعوا بلباس التقوى، فلباس التقوى ذلك خير. لباس التقوى لباس يقيكم من النار، ويكون سببا لرزقكم، وتيسير أموركم في هذه الدار. إن لباس التقوى ما يقي به المرء محارم الله تعالى، ويستعين به على طاعته لتكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة (العاقبة للمتقين) . وإن من الناس من خلعوا لباس التقوى في لباس ما حرم الله عليهم من الزينة كأنهم شاركوا الرب سبحانه في التحليل والتحريم، فأحلوا لأنفسهم ما حرم الله عليهم، أو نابذوا الله تعالى في المعصية، فاجترؤا على معصية الله غير مبالين بذلك. لقد لبس قوم الذهب، لبسوه في أيديهم خواتيم وأسورة، ولبسوه في أعناقهم قلائد وسلاسل ولبسوه في صدورهم أزارير ومرصعات سبحان الله رجال يتحلون بالذهب لينزلوا عن كمالهم الذي وهبهم الله إياه إلى نقص النساء: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨] نزلوا بأنفسهم ليشاركوا النساء فيما خصهن الله به من الزينة تلك الزينة التي خصت بها المرأة لتتجمل بها لزوجها، فيرغب فيها، ولتجبر بها ما كان فيها من نقص. إن مقتضى الرجولة أن يكون الرجل كاملا برجولته يتطلب ما به كمال رجولته من شهامة وكرم ونظر في شؤون دينه ودنياه، وليس بحاجة أن ينزل بنفسه إلى مستوى النساء، وتتبع مثل هذه السفاسف التي تبعده عما هيئ له من الشئون العظيمة المثمرة في حياته الخاصة وحياة مجتمعه. أيها المسلمون لقد حرم رسول الله ﷺ لباس الذهب على ذكور أمته فروى الإمام أحمد وأصحاب السنن عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ أخذ حريرا وذهبا فقال: «هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم» . قف، وتأمل قوله ﷺ على ذكور أمتي فإن هذه

стр. 422

الإضافة تقتضي تأكيدا على المسلم في التزامه بهذا الحكم، وتجنبه لما حرمه رسوله إذا كان من أمته. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل، فنزعه، وطرحه، وقال: " يعمد أحدكم على جمرة من نار، فيجعلها في يده " فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به، فقال: لا والله لا أخذه، وقد طرحه رسول الله ﷺ » . وفي سنن النسائي عن أبي سعيد ﵁ «أن رجلا قدم من نجران على رسول الله ﷺ وعليه خاتم من ذهب، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، وقال: " إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار» . وروى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من مات من أمتي وهو يتحلى بالذهب حرم الله لباسه في الجنة» . فهل بعد هذه الأدلة الواضحة خيار للرجل في لباس الذهب والتحلي به. مرة يصرح النبي ﷺ بأنه حرام، ومرة يصرح بأنه جمرة من نار يجعلها الإنسان في يده، ومرة يقول: من مات وهو يتحلى به حرم الله عليه لباسه في الجنة، أفبعد هذا يختار مؤمن أن يلبس ذهبا؟ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] فاتق الله أيها المؤمن، وتجنب ما حرم الله عليك، وتب إلى ربك قبل موتك، فتصدق بما تلبسه من ذهب على أهلك أو غيرهم من قراباتك، والذي أرى أن نتصدق به على غير أهلك حتى يبعد عنك، فلا تسول لك نفسك فيما بعد أن ترجع إليه لكونك تشاهده عليهم، وإن أفظع من ذلك أن يلبس الرجل خاتما يكتب عليه اسم زوجته، وتلبس زوجته خاتما يكتب عليه اسم زوجها عمل لا أصل له عند المسلمين، وإنما أصله من النصارى حين يضع الرجل للتزوج الخاتم على رأس إبهام الزوجة في اليد اليسرى، ويقول: باسم الأب، ثم ينقله في السبابة، ويقول: باسم الابن، ثم ينقله في الوسطى، ويقول: باسم روح القدس، وهذا إله النصارى؛ لأنهم يقولون إن الله ثالث ثلاثة، ثم ينقله إلى البنصر، قائلا: آمين، فيستقر في البنصر التي بين الوسطى والخنصر، فكيف يسوغ للمؤمن أن يتلقى عادة كان أصلها من النصارى؟ وينقلها إلى المسلمين، وهم مأمورون بمجانبتهم، والبعد عنهم حتى قال النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم. فهذه العادة السيئة هي سيئة في نفسها، فإن اقترن بها عقيدة فاسدة

стр. 423

ازدادت سواء قد يقترن بها اعتقاد أنها صلة ورابطة بين الزوج وزوجته، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله أن ذلك سبب يوجب المحبة والصلة، وليس في معلومنا أنها سبب طبيعي للصلة والمحبة، فإذا انتفى السببان الشرعي والطبيعي لم يبق لجعلها سببا سوى الوهم والخيال الذي لا ينبغي للعاقل فضلا عن المؤمن أن يبني تصرفه، وعمله عليهما، وكم من شخص لبس اسم زوجته ولبست اسمه، وانفصمت عرى المحبة والصلة بينهما، وكم من أشخاص لا يعرفون هذه العادات، أو عرفوها، وحكموا عقولهم، فلم يفعلوها، وكانت المحبة والصلة بينهم وبين زوجاتهم على أعلى ما يكون. فاتقوا الله عباد الله، وترسموا هدي رسول الله ﷺ وهدي أصحابه، فإن هديهم خير هدي، وطريقتهم أكمل طريقة، وإياكم وهذه التقاليد العمى التي لا خير فيها فليس كل جديد مقبولا ولا كل قديم مرفوضا وإنما العدل قبول الحق كيفما كان. وبعد، فإننا لنأسف كل الأسف أن يأخذ أقوام من هذه الأمة المسلمة بكل ما ورد عليهم من عادات وتقاليد وشعارات من غير أن يتأنوا فيها، وينظروا إليها بنظر الشرع والعقل ينظروا فيها هل تخالف شريعة الله أم لا. إذا كانت تخالف شريعة الله رفضوها، واجتنبوها كما يرفض الجسم السليم جرثومة المرض، ثم نصحوا من كان متلبسا من إخوانهم المسلمين الذين وردوا بها، ونقلوها إلى مجتمعاتهم بدون تأمل أو نظر. فهذه حقيقة المؤمن أن يكون قوي الشخصية نافذ العزيمة بصير التكفير صالحا مصلحا، وإذا كانت هذه العادات والتقاليد والشعارات الواردة إلينا لا تخالف الشريعة، فلينظر إليها بنظر العقل. فلننظر ما نتيجتها في الحاضر أو المستقبل القريب أو البعيد، فإنها قد لا يكون له تأثير ملموس في الحاضر لكن لها تأثير مرتقب في المستقبل، ومتى سرنا بهذا الاتجاه، وعلى هذا الخط فمعنى ذلك أننا نسير على بصيرة وفي اتجاه سليم موفق بإذن الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 424

[الخطبة الرابعة في التحذير من تشبه الرجل بالمرأة] الخطبة الرابعة في التحذير من تشبه الرجل بالمرأة الحمد لله الحكيم العليم الرب العظيم خلق، وقدر، وأعطى كل شيء خلقه، ثم هدى، ويسر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلي الأعلى له الحكم، فلا مضاد لحكمه ولا مبدل لكلماته وهو السميع العليم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على الخلق أجمعين أهدى الناس طريقا وأقومهم دعوة، وأفصحهم بيانا، وأنصحهم قصدا وإرادة، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه واتباعه المتمسكين بهديه المتبعين لشريعته المبتعدين عن اتباع الشهوات والأهواء المخالفة لذلك. أما بعد: ففي هذا الأسبوع عرضت في التلفزيون وقائع الحفلات التي أقيمت في الأندية في مدن القصيم، وشاهد الناس من بين وقائع هذه الحفلات ما يقوم فيه الشباب بتمثيل المرأة في لباسها عباءة مقطع ملون خمار على الرأس، وفي كلامها وهيئتها تمثيلا متقنا كأنه المرأة تماما سبحان الله! سبحان الله! لقد كنت أتحاشى أن أتكلم عن هذا الموضوع من على هذا المنبر، ولكن إذا لم يكن إلا الأسنة مركب فما حيلة المضطر إلا ركوبها، لقد كنت أفضل أن يكون الكلام بيني وبين القائمين بهذه الأدوار ولكن لما أصبح الأمر شائعا بين الناس الذين شاهدوا ذلك، أو سمعوا عنه كان لزاما علينا أن نبين ذلك بيانا شائعا مثلا بمثل ووفاء بعهد الله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وحذر العقوبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] وكتمان العلم إخفاؤه عندما تدعو الحاجة إلى بيانه جوابا لسؤال أو اقتضاء الحال. أيها المسلمون إن مما يقضى به العجب، ولا ينقضي به أن يقوم شاب رجل فضله الله على المرأة ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فينزل نفسه مختارا إلى درجة المرأة ليمثلها في لباسها وهيئتها وكلامها على أن هذا الشاب لو قيل له: يا شبيه المرأة لاستشاط غضبا، ورأى ذلك مسبة له، فالله أكبر ما هذا التناقض يغضب من قول يشبه به بالمرأة، ويراه مسبة له له، ثم يحقق بنفسه تلك المشابهة، والفعل أبلغ من القول؛ لأنه أمر واقع. إن تمثيل الشاب لدور المرأة لا يجدي نفعا، ولا يدفع ضررا، ولا يحل مشكلة، إن المشاهدين له سيكونون ثلاثة أصناف، صنف يسخر به

стр. 425

، ويحتقره، وصنف يعجب بما شاهده منه من إتقان دور التمثيل، وصنف ثالث يخطر في نفوسهم أشياء أخرى، أما أن يكون صنف رابع يفكر في إصلاح المجتمع بناء على ما شاهد، فأظنه معدوما أو كقطرة من بحر. إن إصلاح المجتمع لا يكون بمثل هذه الطرق المحرمة، إن الطرق المحرمة فاسدة بنفسها «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» والفاسد بنفسه لا يمكن أن يكون وسيلة للإصلاح كما أن الماء النجس لا يطهر. لقد أصلح الله تعالى بنبيه محمد ﷺ وخلفائه الراشدين الذين خلفوه في العلم والإيمان والدعوة والعمل أصلح الله بهم شعوبا وأمما، وما سلكوا هذه الطريق وأمثالها في الدعوة إلى الله وإصلاح عباده. أفلا يجدر بنا إن كنا صادقين في الدعوة إلى الله وإصلاح عباده أن نسلك طريق نبينا محمد ﷺ وخلفائه الراشدين، لا أن ندعو إلى الله تعالى وإصلاح عباده بما نعصي الله به. إن تمثيل الرجل لدور المرأة كما أنه لا يصلح الأمة، ولا يحل مشاكلها، فهو أيضا خطير من الناحية الشرعية، فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» ، وعن أبي هريرة ﵁، قال: «لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل» . (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم) إن النبي ﷺ تكلم بهذا الكلام، وهو يعني ما يقول، ويدرك تماما خطر ما يقول ليس بتكلم بكلام لغو عابر لا يقصد معناه، ولا يدرك خطره كلا أبدا. إن معنى ما يقول هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وما أعظم خطر الطرد والإبعاد عن رحمة الله على من طرد، وأبعد إنه الخسارة في الدنيا والآخرة، إنه تخلي الله عن العبد حتى يخلو به شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء، فلا يوفق لخير أبدا، قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀: لقد خاب، وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض. إن القائم بتمثيل دور المرأة في مثل هذه المناسبات كما عرض نفسه لهذا الخطر العظيم - الطرد والإبعاد عن رحمة الله - عرض الحاضرين أيضا لمثل ذلك الخطر، فإن من أقام مع العاصي حين معصيته مختارا للإقامة كان مثله وبهذا الوعيد الشديد والخطر

стр. 426

العظيم صار تشبه الرجل بالمرأة، وتشبه المرأة بالرجل من كبائر الذنوب التي لا بد فيها من توبة نصوح ورجوع إلى الله صحيح يندم فيه المرء على ما جرى منه، ويعزم على أن لا يعود. فاتق الله أيها الشاب المسلم في نفسك، واستغن بما أحل لك من التمثيليات التوجيهية أو الترفيهية المباحة، ولا تشغل نفسك بما يضرك، لا تغرنك الأماني، ولا تغرنك الدنيا، فبعد الشباب هرم قريب، أو موت أقرب، وبعد الموت بعث وجزاء: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣ - ١٢٤] وفقنا الله جميعا لما يحب، ويرضاه، وجنبنا ما فيه سخطه وعقابه، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله، وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 427

[الخطبة الخامسة في وجوب رعاية المرأة ومنعها من التبرج] الخطبة الخامسة في وجوب رعاية المرأة ومنعها من التبرج إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. الحمد لله الذي خلق كل شيء، فقدره تقديرا، وفاوت بين خلقه في ذواتهم وصنعاتهم وأعمالهم حكمة وتدبيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وكان الله على كل شيء قديرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى الخلق كافة بشيرا ونذيرا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] أيها الناس إن من هاتين الآيتين الكريمتين يتبين لنا مدى نقص المرأة في عقلها وتدبيرها، ففي الآية الأولى بيان نقص عقلها وإدراكها وإحاطتها حتى فيما تستشهد عليه، ويطلب منها رعايته وضبطه. وفي الآية الثانية بيان نقص تدبيرها وتصرفها، وأنها بحاجة إلى مسؤول يتولى القيام عليها، وهو الرجل لهذا وجب على الرجال رعاية النساء، والقيام عليهن لتكميل ما فيهن من نقص: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وإنه كلما عظم الخطر عظمت المسؤولية، وكلما كثرت أسباب الفتنة، وجبت قوة الملاحظة، وإننا في عصر عظم فيه الخطر، وكثرت أسباب الفتنة بما فتح علينا من زهرة الدنيا واتصالنا بالعالم الخارجي مباشرة أو بواسطة وسائل الإعلام وبسبب ضعف كثير من الرجال أو تهاونهم بالقيام بمسؤوليتهم تجاه نسائهم وقع كثير من النساء في شرك هذه الفتنة، وهاوية ذلك الخطر حتى إنك لترى المرأة الشابة تخرج من بيتها إلى السوق بألبسة مغرية، ألبسة جميلة إما قصيرة وإما طويلة ضيقة ليس فوقها إلا عباءة قصيرة أو طويلة يفتحها الهواء أحيانا، وترفعها هي نفسها عمدا أحيانا، تخرج بخمار تستر به وجهها لكنه أحيانا يكون رقيقا يصف لون جلد وجهها، وأحيانا تشده على وجهها شدا قويا بحيث تبرز مرتفعات وجهها كأنفها ووجنتها. تخرج لابسة من حلي الذهب ما لبست، ثم تكشف عن

стр. 428

ذراعيها حتى يبدو الحلي، كأنما تقول للناس: شاهدوا ما عَلَيَّ فتنة كبرى ومحنة عظمى. تخرج متطيبة بطيب قوي الرائحة يفتن كل من في قلبه مرض من الرجال، وربما خلع ثياب الحياء، فصار يلاحقها. تخرج من بيتها تمشي في السوق مشيا قويا كما يمشي أقوى الرجال وأشبهم كأنما تريد أن يعرف الناس قوتها ونشاطها، وتمشي كذلك في السوق مع صاحبتها تمازحها، وتضاحكها بصوت مسموع، وتدافعها بتدافع منظور. وتقف على صاحب الدكان تبايعه، وقد كشفت عن يديها وعن ذراعيها، وربما تمازحه، أو يمازحها، أو يضحك معها إلى غير ذلك مما يفعله بعض النساء من أسباب الفتنة والخطر العظيم والسلوك الشاذ الخارج عن توجيهات الإسلام وطريق أمة الإسلام. يقول الله تعالى لنساء نبيه ﷺ وهن القدوة: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] ويقول النبي ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن» . هكذا يقول النبي ﷺ : «وبيوتهن خير لهن» . خير لهن من أي شيء؟ من مساجد الله فكيف بخروجهن للأسواق؟ ويقول الله : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] فإذا كانت المرأة من العجائز ممنوعة من التبرج بالزينة، فكيف تكون الشابة التي هي محل الفتنة؟ ويقول الله : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فإذا كانت مأمورة بأن تضرب بالخمار، وهو ما تغطي به رأسها على جيبها ليستر ما قد يبدو من رقبتها، أو يربو على صدرها، فكيف تخالف المرأة المسلمة المؤمنة بالله ورسوله إلى محاولة إبداء وجهها وهو محل الفتنة والتعلق بها؟ ويقول الله سبحانه: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] وهو الخلخال الذي تلبسه برجلها وتخفيه بثوبها، فإذا ضربت برجلها على الأرض سمع صوته، فإذا كانت المرأة منهية أن تفعل ما يعلم به زينة الرجل المخفاة، فكيف بمن تكشف عن ذراعها حتى تشاهد زينة اليد؟ إن فتنة المشاهدة أعظم من فتنة السماع، ويقول النبي ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس» . ويعني بهم الظلمة من ذوي السلطة الذين يضربون الناس بغير حق، أما من يضربون الناس بحق لتقويمهم وتأديبهم، فليسوا من هؤلاء، وقد يكون المقصود من الحديث كراهة هذا النوع من السياط. أما النوع الثاني، فيقول فيه النبي ﷺ : «ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات

стр. 429

رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» . وصفهن النبي ﷺ بأنهن (كاسيات) أي: عليهن كسوة، ولكنهن (عاريات) لأن هذه الكسوة لا تستر إما لخفتها أو ضيقها أو قصرها (مائلات) عن طريق الحق (مميلات) لغيرهن بما يحصل منهن من الفتنة (رؤسهن كأسنمة البخت المائلة) بما يلففن عليهن من شعورهن، أو غيره حتى يكون كسنام البعير المائل. وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «أيما امرأة أصابت بخورا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» ، فمنعها من حضور المسجد للصلاة؛ لأنها أصابت بخورا، فكيف بمن تتطيب بما هو أطيب من البخور، وأشد جاذبية، ثم تخرج إلى الأسواق؟ وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» . لماذا كان ذلك؟ كان ذلك لأن آخر الصفوف أبعد عن الرجال، والاختلاط بهم هذا، وهو في العبادة والصلاة، فكيف بمن تلي الرجال، وتختلط بهم في الأسواق؟ هذه أيها المسلمون توجيهات الله سبحانه في كتابه، وتوجيهات رسوله ﷺ في سنته ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] هذه توجيهات الإسلام، أما طريق أهل الإسلام، فقد قالت أم سلمة ﵂ لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها. أفلا نأخذ أيها المسلمون بهذه التوجيهات الإسلامية ونعتبر بطريق أهل الإسلام؟! أفلا نتقي الله أفلا نتدارك ما وقع فيه كثير من النساء من مخالفة طريق أهل الإسلام ونلزمهن بالسلوك والصراط المستقيم؟! حتى يكون مجتمعنا مجتمعا إسلاميا في رجاله ونسائه، في عباداته وأخلاقه، لقد كان الكثير من النساء يخرجن من بيوتهن (في أيام الدراسة إما لشراء بعض الأدوات المدرسية، وإما للاتصال بزميلتها فيم يتعلق بالدراسة، أما الآن، وقد أغلقت المدارس أبوابها في هذا العام أو أوشكت) . فجدير بنسائنا أن يلزمن بيوتهن، وأن لا يخرجن على الأسواق، وسيجدن ذلك ثقيلا عليهن في أول الأمر، لكنهن سيألفن ذلك، ويخفف عليهن في النهاية، فيصرن ذوات الخدور وربات الحياء وإن على أولياء

стр. 430

أمورهن من الرجال أن يفطنوا لذلك، وأن يقوموا بما أوجب الله عليهم من رعاية وأمانة، حتى يصلح الله لهم الأمور، ويمنعهم من الفتنة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] اللهم وفقنا للتقوى والقول السديد، وأصلح لنا الأعمال، واغفر لنا الذنوب، واجعلنا ممن أطاعك، وأطاع رسولك، وفاز بثوابك، إنك جواد كريم، اللهم صل، وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 431

[الخطبة السادسة فيمن عليه مسؤولية رعاية المرأة] الخطبة السادسة فيمن عليه مسؤولية رعاية المرأة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانم إلى يوم الدين، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، وقوموا بما كلفكم الله به من رعاية أولادكم، وأهلكم خصوصا النساء، فإن النساء يحتجن إلى زيادة العناية بالرعاية؛ لأنهن ناقصات في العقل، وناقصات في الدين، ناقصات في العقل وفي التفكير وبعد النظر والعاطفة، تفكيرها مضطرب غير موزون، ونظرها قريب لا يتجاوز قدميها، وعاطفتها متداعية، كل سبب يجذبها، وكل هوى يطيح بها، وناقصة الدين؛ لأنها إذا حاضت لم تصل، ولم تصم، ولأنها تكثر اللعن، وتكفر العشير. أيها المسلمون، يا رجال الإسلام، اشكروا هذه النعمة التي حباكم الله بها، وقوموا بها على الوجه الأكمل. اسمعوا ربكم خالق الكون وعالم أسراره والمحيط بخفيه وظاهره ومستقبله وماضيه، اسمعوه، يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] فاعرفوا أيها الرجال هذا الفضل، وقوموا بحقه، لا تبخسوا أنفسكم حقها، وتنسوا الفضل، لا تغلبكم النساء على رجولتكم، ولا يلهينكم الشيطان عن رعاية أهليكم، ولا تشتغلوا بأموالكم عن قيمكم وأخلاقكم والحفاظ على عوراتكم وشرفكم. أيها المسلمون إن مشكلة النساء ليست بالمشكلة الهينة، وليست بالمشكلة الجديدة؛ لأنهن الفاسق منهن شرك الشياطين، وحبائل الشر تصيد بهن كل خفيف الدين مسلوب المروءة. قال النبي ﷺ : «إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان» . (رواه مسلم) . وقال: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان» . أي: زينها في نظر الرجال (رواه الترمذي، قال الألباني: وإسناده صحيح) . وقال ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» . (متفق عليه) . فاتقوا الله أيها المسلمون، واحذروا هذه الفتنة التي حذركم منها نبيكم ﷺ ، اقضوا على أسباب الشر قبل أن تقضي عليكم، وسدوا أبواب الفساد قبل أن تنهار عليكم.

стр. 432

أيها الناس إن كثيرا من النساء في هذا العصر قد لعب الشيطان بهن وبأفكارهن وتصرفاتهن تخرج الواحدة منهن إلى الأسواق بدون حاجة. وقد قال رسول الله ﷺ في النساء اللاتي يخرجن إلى الصلاة في المساجد، قال: «بيوتهن خير لهن» . وتخرج الواحدة منهن متزينة متطيبة متحلية، وقد قال: «إن المرأة إذا استعطرت، فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية ".» (رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح) وتخرج الواحدة منهن، فتمشي في السوق مشية الرجل، وترفع صوتها كما يتكلم الرجل، وتزاحم كما يزاحم الرجل، وتختلط مع الرجال بدون مبالاة هذا موجود في بعض النساء، ولا سيما في أماكن البيع، وكل هذا خطر عظيم، وضرر جسيم، ومخالف لما كان عليه السلف الصالح من هذه الأمة، «خرج النبي ﷺ من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال الرسول ﷺ للنساء: " استأخرن فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق، عليكن بحافات الطريق» . فكانت المرأة تلصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليعلق به. وقالت أم سلمة ﵂: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] خرج نساء الأنصار كأن على رؤسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها، وقالت عائشة ﵂ ما: رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فانقلب الرجال يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم، يتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة، إلا قامت إلى مرطها (١) المرحل (٢) فاعتجرت به (٣) تصديقا، وإيمانا بما أنزل الله في كتابه. أيها الناس إن الكثير يتساءلون على من تكون مسؤولية هذا التوسع في خروج النساء أعلى الجهات الحكومية أم على وجهاء البلد أم على الولي المباشر والحق أن كل واحد سواء كان جهة أم شخصا كل واحد عليه مسؤولية ذلك، ولكنها على الولي المباشر أكبر وأعظم وأقرب حلا، إذا وفقه الله للقيام بمسؤوليته، إن على كل واحد منا أن يمنع زوجته وابنته وأخته، وكل من في كفالته أن تخرج إلى السوق إلا من حاجة لا يمكنه أن يقضيها بنفسه عنها. وإذا خرجت فلتخرج غير متطيبة، ولا متبرجة، ولا لابسة ثياب زينة، وأن تخرج وعليها السكينة، وتخفي صوتها

стр. 433

وتحرص على أن يكون خروجها في الوقت الذي لا تزاحم فيه الرجال. ومتى عرف الرجل مسؤوليته أمام أهله، وخاف مقام ربه، وحرص على إصلاح عائلته ومجتمعه، فسيقوم بما أوجب الله عليه من الرعاية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . الخ.

стр. 434

[الخطبة السابعة في التحذير من فتنة النساء] الخطبة السابعة في التحذير من فتنة النساء إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، وقوموا بما أوجب الله عليكم: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] قوا أنفسكم وأهليكم هذه النار بفعل الوقاية منها، ولا يكون ذلك إلا بامتثال أمر الله ورسوله، واجتناب نهي الله ورسوله، والقيام بما أوجب الله علينا، وحملنا من الرعاية والحماية خصوصا في النساء، فإن النساء يحتجن إلى زيادة الرعاية لأنهن ناقصات في العقل وناقصات في الدين كما أخبر بذلك سيد المرسلين، ومن لا ينطق عن الهوى. وكما يشهد به الواقع المحسوس. فالمرأة قاصرة النظر والتفكير نظرها لا يتجاوز قدميها، وتفكيرها مضطرب لا يقر على شيء، كل شيء يغيره عاطفتها متداعية كل شيء يجذبها، ويميل بها. ولذلك جعل الله الرجال قوامين عليهن، فقال سبحانه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] فقوموا أيها الرجال بما جعلكم لله قوامين به، ولا تبخسوا أنفسكم حقها لا تغلبكم النساء على رجولتكم، ولا يلهينكم الشيطان عن رعاية أهليكم، ولا تنشغلوا بأموالكم عن أولادكم، ولا بمكاسبكم عن أخلاقكم وشرفكم. أيها المسلمون، إن كثيرا من النساء في هذا العصر قد لعب الشيطان بهن بأفكارهن وتصرفاتهن، وجنبهن طريق الهدى إلى طريق الهوى والردى تخرج الواحدة منهن إلى السوق بدون حاجة. وقد قال الرسول ﷺ : «بيوتهن خير لهن» . وتخرج الواجدة متزينة بالثياب والحلي ومتطيبة، وقد قال رسول الله ﷺ : «إن المرأة إذا استعطرت، فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا» . يعني زانية (رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح) . وتخرج الواحدة فتمشي في السوق مشية الرجل بقوة وجلد وترفع، صوتها كما يتكلم الرجل، وتزاحم كما يزاحم الرجل، وتخالط الرجال في السوق

стр. 435

وعند الدكاكين، وكل هذا مخالف لهدي السلف الصالح. فإن النبي ﷺ خرج من المسجد، وقد اختلط النساء على الرجال في الطريق، فقال النبي ﷺ للنساء: «استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق، عليكن بحافات الطريق، فكانت المرأة تلصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليعلق بها» . وقالت أم سلمة ﵂ لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] خرج نساء الأنصار كأن على رؤسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها، وقالت عائشة ﵂: " ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فانقلب الرجال يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم يتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة، إلا قامت إلى مرطها (١) المرحل (٢) فاعتجرت به (٣) تصديقا، وإيمانا بما أنزل الله في كتابه. أيها المسلمون، إن ترك الحبل على الغارب للنساء، وإطلاق سراحهن يخرجن متى شئن، وعلى أية كيفية أردن بدون مبالاة، ولا حياء من الله، ولا مراقبة له إنه لمن أكبر أسباب الشر والفساد وسقوط المروءة والأخلاق والسمعة السيئة للبلاد وحلول العذاب والعقاب، قال الله تعالى) : ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥] وقال النبي ﷺ : «إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان» . (رواه مسلم) وقال: «المرأة عورة، فإذا خرجت اسشترفها الشيطان» . أي: زينها في نظر الرجال (رواه الترمذي، وقال الألباني: إسناده صحيح) وقال ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (متفق عليه) . فاتقوا الله أيها المسلمون، واحذروا هذه الفتنة التي حذركم منها نبيكم ﷺ اقضوا على أسباب الشر قبل أن تقضي عليكم، وأغلقوا أبواب الفساد قبل أن تتكسر الأبواب. أيها الناس: إنه لا يستغرب إذا خرجت المرأة الشابة متزينة بثياب جميلة ليس فوقها سوى عباءة قصيرة أو مرفوعة إلى أعلى بدنها، ولا يستغرب إذا خرجت متطيبة بطيب يحرك

стр. 436

النفس، ولا يستغرب إذا خرجت مع رفيقتها في الأسواق تتدافعان، وتتمازحان، ولا يستغرب إذا وقفت على صاحب الدكان تقلب السلع، وهذه تصلح، وهذه لا تصلح، وهي تضحك عنده مع رفيقتها، ولا يستغرب إذا فسرت عن ذراعيها ليرى ما عليها من حلي وغيره، ولا يستغرب إذا ضربت برجليها ذات الجوارب المكعبة الطويلة، لا يستغرب مع هذا كله أو بعضه أن يطمع فيها من في قلبه مرض، فيلاحقها في سيارته، أو على قدميه، أو يلقي إليها كلاما - لأن الله يقول: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] والخضوع باللباس والفعل يطمع فيها من في قلبه مرض- لأنه ضعيف الإيمان والمراقبة لله، قليل الخوف من ربه، عادم المروءة في بني جنسه، وقد رأى مع ضعف إيمانه ومرض قلبه وانعدام مروءته ما يغريه من هذه المرأة، فأصبح صيد شركها وقتيل فتنتها. أيها الناس، لقد أصبحت مشكلة النساء مشكلة خطيرة لا ينبغي تجاهلها، أو السكوت عنها؛ لأنها إن بقيت على ما كانت عليه، فسيكون لها عاقبة وخيمة على البلد وأهلها أو سمعتها، أفلا يعقل المسؤولون عن أهليهم وعن بلادهم أن على كل واحد منهم مسؤولية أهله؟ فلا يمكنه أن ينصح امرأته وبنته وأخته وذات قرابته كما فعل رجال الأنصار حين أنزلت سورة النور، ثم ألا يمكنه أن يمنع نساءه من الخروج إلا لحاجة لا بد منها، ويلزمها إذا خرجت أن لا تخرج متبرجة أو متطيبة؟ ثم ألا يمكن من له بنات أو أخوات أو أقارب يدرسن أن يحثهن على بث الوعي بين الطالبات، وتحذيرهن من التجول في الأسواق وخروجهن بالزينة؟ إنه كله ممكن ويسير إذا صدق الإنسان ربه، وخلصت نيته، وقويت عزيمته. وإن على ولاة الأمور في البلد مسؤولية من في الأسواق من رجال ونساء ومنعهم من أسباب الشر والفتنة، والقبض على من قامت القرينة على اتهامه، والتحقيق معه، وإجراء ما يلزم من تأديبه. وإن على عامة الناس مساعدة ولاة الأمور في ذلك في ذلك بقدر ما يستطيعون من زجر من يرونها متبرجة، أومحاولة للفتنة، وإلقاء الأضواء على المشتبه فيهم ممن في قلوبهم مرض حتى لا يبقى لهم في مجتمعنا مكان. فإذا حرصنا على منع أسباب الفتنة من كثرة النساء في الأسواق وتبرجهن، وحرصنا على مقاومة من يلاحقهن، وإجراء اللازم من تأديبهم، وقمنا في ذلك لله وبالله مثنى وفرادى، فسوف

стр. 437

نلقى العون من الله والخير الكثير. اللهم طهر مجتمعنا من أسباب الفتن والفساد، وجنبنا موجبات الهلاك والعقاب، وهييء لنا من أمرنا رشدا، وأصلح لنا شؤوننا، واغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار يا ذا الجلال والإكرام. اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 438

[الخطبة الثامنة في التحذير من توسع النساء في التبرج] الخطبة الثامنة في التحذير من توسع النساء في التبرج إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، سلم تسليما. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وقوموا بما أوجب الله عليكم من رعاية أولادكم وأهليكم، قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة، فإنكم رعاتهم والمسؤولون عنهم، قال النبي ﷺ : «الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته» . أيها المسلمون يا رجال الإسلام، اذكروا هذه الأمانة العظيمة، واشكروا الله على هذه النعمة التي حباكم بها، وقوموا بها على الوجه الأكمل، اسمعوا قول ربكم خالق الكون وعالم أسراره والمحيط بخفيه وظاهره ومستقبله وماضيه وحاضره اسمعوه يقول ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] لم يجعلكم الله قوامين عليهن، إلا لعلمه بقصورهن عقلا ودينا، لقد أكد ذلك رسول الله ﷺ حين قال في النساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» . فاعرفوا أيها الرجال هذا الفضل، وقوموا بهذه الأمانة، ولا تغلبنكم النساء على رجولتكم، ولا يلهينكم الشيطان عن رعاية أهليكم، ولا تشتغلوا بأموالكم عن الحفاظ على ما هو أهم وأولى. أيها المسلمون عن مشكلة النساء ليست بالمشكلة التي يتهاون بها، وليست بالمشكلة الجديدة إنها مشكلة عظيمة يجب الاعتناء بها ودراسة ما يقضي على أسباب الشر والفساد، إنها مشكلة الوقت كله قديما وحديثا، لقد كانت مشكلة بني إسرائيل، وهي مشكلة هذه الأمة قال النبي ﷺ ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء. وهذا الحديث الثابت في الصحيحين يتضمن التحذير من هذه الفتنة العظيمة والسعي في القضاء على أسباب الشر قبل أن يستفحل. أيها المسلمون، إن مشكلة النساء عندنا هذا الزمن في التبرج والاختلاط والتسكع في الأسواق، وكل ذلك مما نهى عنه ورسوله، فالتبرج أن تستشرف المرأة للرجال باللباس

стр. 439

والزينة والقول والمشية، ونحو ذلك مما تظهر به نفسها للرجال، وتوجب لفت النظر إليها، ولقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] ولقد توسع النساء في التبرج باللباس، فصارت المرأة تلبس للسوق من أحسن اللباس، وتضع عليه عباة ربما تكون قصيرة لا تسترها، أو رهيفة، أو ترفعها المرأة عن أسفل جسمها، حتى يبيت جمال ثيابها وزينتها، وربما شدت العباءة بيديها من فوق عجيزتها، حتى يتبين حجمها، وكل هذا مما نهى الله عنه لقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] نهى الله النساء أن يضربن بأرجلهن، فيعلم الخلخال الذي تخفيه، فإذا كان الله نهى عن الضرب بالرجل خوفا من سماع الخلخال المستور، فكيف بمن تلبس جميل الثياب، ثم ترفع العباة عنه ليراه الناس بأعينهم، فيفتنهم، وإن الفتنة بما يرى أعظم من الفتنة بما يسمع ليس الخبر كالمعاينة. إذا كان الله نهى عن الضرب بالرجل؛ خوفا من سماع الخلخال، فكيف بمن تكشف عن ذراعيها لتظهر ما عليهما من الحلي والزينة ونعمومة اليد؟ كأنما تقول للناس: انظروا إلى نعومة يدي، وإلى ما عليها من الحلي والزينة. وإن من التبرج أن تخرج المرأة متعطرة متطيبة، فإن هذا خلاف أمر النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ ، قال: «وليخرجن تفلات» ، أي: غير متطيبات، وقال: «إذا خرجت إحداكن للمسجد، فلا تمس طيبا» ، وقال ﷺ : «إن المرأة إذا استعطرت، فمرت بالمجلس، فهي كذا وكذا يعني زانية» . (رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح) . ولقد كثرت الزينة والتطيب في أيام الأعراس تخرج النساء من بيوتهن في أحسن ثيابهن مما يثير، ويهيج الشر. وأما اختلاط النساء بالرجال، ومزاحمتهن لهم، فهذا موجود في كثير من محلات البيع والشراء، وهو خلاف الشرع، فلقد خرج النبي ﷺ من المسجد، وقد اختلط النساء مع الرجال في الطريق، فقال ﷺ للنساء: «استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق، عليكن بحافات الطريق» ، فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليعلق به، ولقد رغب النبي ﷺ أمته عن اختلاط النساء بالرجال حتى في أماكن العبادة، فقال ﷺ خير صفوف النساء ". يعني اللات يصلين مع الرجال «خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» ، وإنما كان آخر صفوفهن خيرا لبعده عن الرجال ومخالطتهم ورؤيتهم لهن، ألم يكن في هذا أوضح دليل على محبة الشرع لبعد المرأة عن الرجال واختلاطها بهم؟

стр. 440

وأما التسكع في الأسواق، والتمشي فيها، فما أكثر من يفعله من النساء تخرج المرأة من بيتها لغير حاجة، أو لحاجة يسيرة يمكن أن يأتي بها أحد من في البيت من الرجال أو الصبيان. ولقد قال رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن» . فبيت المرأة خير لها حتى في المسجد، فكيف بغيره، وأن هذا الحديث الصحيح ليدل على أنه يجوز للرجل أن يمنع المرأة من الخروج للسوق ما عدا المسجد، ولا إثم عليه في ذلك، ولا حرج. أما منعها من التبرج والتعطر عند الخروج، فإنه واجب عليه ومسئول عنه يوم القيامة. وعلى المرأة إذا خرجت أن تخرج بسكينة وخفض صوت، ولا تمشي كما يمشي الرجل بقوة تضرب الأرض برجلها، وتهز كتفيها، وترفع صوتها، قالت أم سلمة ﵂: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] خرج نساء الأنصار كأن على رؤسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها. هذه صفات نساء المؤمنين، فاقتدوا بهن لعلكم تفلحون، ولا تغرنكم الحياة الدنيا وزينتها، ولا يغرنكم من لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فإن هذا التبرج والثياب القصيرة والضيقة، إنما صنعت تقليدا لهم، وإن أعداءكم يعلمون أنهم لو دعوكم إلى الكفر ما كفرتم، ولو دعوكم إلى الشرك ما أشركتم، ولكن يرضون منكم أن يهدموا أخلاقكم ودينكم من جهات أخرى من جهة محقرات الذنوب التي يحقرونها في أعينكم، فتحتقرونها، وتؤاتونها حتى تنزل بكم إلى النار. قال النبي ﷺ : «إن الشيطان قد أيس أن تعبدوا الأصنام في أرض العرب، ولكنه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات، وهي الموبقات يوم القيامة» . فاتقوا الله أيها المسلمون، ولا تنخدعوا بما يقدمه لكم أعداؤكم إنكم الآن على مفترق طرق فتحت عليه الدنيا، وانهال عليكم الأعداء، قدم البعض منهم إلى بلادكم بعاداتهم السيئة وتقاليدهم المنحرفة، وسافر البعض منكم إلى بلادهم، وشاهدتموهم في وسائل الإعلام في الصحف والتليفزيون. فإما أن يكون في دينكم صلابة تتحطم عليها مكايد الأعداء، وفيكم قوة الشخصية الإسلامية، فلا تقتدون بهم، ولا تغترون بهم، وتتمسكون بما كان عليه أسلافكم الصالحون، فتنالون خير الدنيا والآخرة. وإما أن يكون الأمر بالعكس لين في الدين، وضعف في الشخصية، وانهيار أمام المثيرات، فتبوؤن بالصفقة الخاسرة: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]

стр. 441

، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ - وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.

стр. 442

[الخطبة التاسعة في التحذير من بعض ملابس النساء] الخطبة التاسعة في التحذير من بعض ملابس النساء إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، والتزموا بما أوجب الله عليكم من رعاية النفس والأهل والقيام بما شرعه الله لكم ورسوله، فإن ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون لقد حملكم الله تعالى رعاية أهليكم وأداء الأمانة فيهم، فلا مناص لكم عن ذلك، ولا تخلص لكم منه إلا بأن تقوموا به ما استطعتم. أيها المسلمون لقد شاع عند بعض الناس، وهان عليهم أن يلبسوا بناتهم لباسا قصيرا أو لباسا ضيقا بين مقاطع الجسم أو لباسا خفيفا يصف لون الجسم، وإن الذي يلبس بناته مثل هذه الألبسة، أو يقرهم عليها، فإنما يلبسهم لباس أهل النار كما صح ذلك عن النبي ﷺ حيث قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤسهن كأسنام البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن رائحتها، وإن ريحها ليوجد من مسافة كذا وكذا» ، أيها المسلم هل ترضى أن تكون ابنتك وثمرة فؤادك من أهل النار؟ هل ترضى أن تلبسها لباسا تتعرى به من الحياء مع أن الحياء من الإيمان؟ هل ترضى لابنتك أن تعرضها كما تعرض السلع مجملة فاتنة يتعلق بالنظر إليها كل سافل رذيل؟ هل ترضى أن تخرج من عادات أسلافك التي هي من آداب القرآن والسنة إلى عادات قوم أخذوها من اليهود والنصارى والوثنيين وعابدي الطبيعة؟ أما علمت أن هؤلاء القوم الذين غرقوا في بحر هذه المدنية الزائفة، واكتسوا بهذه الأكسية العارية، أما علمت أنهم الآن يئنون من وطأتها، وأنهم يتمنون بكل نفوسهم الخلاص من رجسها؛ لأنهم عرفوا غايتها، وجنوا ثمراتها، وبئس الغاية ما وصلوا إليه، وبئس الثمرة ما جنوا لأنفسهم. أيها المسلمون إننا إذا لم نقاوم هذه الألبسة، ونمنع منها بناتنا، فسوف تنتشر في بلدنا، وتعم الصالح والفاسد كالنار

стр. 443

إن أطفأتها من أول أمرها قضيت عليها، ونجوت منها، وإن تركتها تستعر التهمت ما تستطع مقاومتها، ولا الفرار منها، فيما بعد؛ لأنها تكون أكبر من قدرتك. لكن كيف نستطيع مقاومة هذه الألبسة؟ إننا نستطيع ذلك بأن يتأمل الإنسان بنظر العقل والإنصاف إلى منافع هذه الألبسة، ولا منفعة فيها وإلى مضارها، فإذا اقتنع من مضارها منع منها أهله وأقاربه الذين يستطيع أن يمنعهم، وينصح إخوانه بني وطنه عن لبسها، ويشينها في نفوس البنات الصغار، ويستعيبها عندهن لتتركز في نفوسهن كراهة هذه الألبسة وبغضها حتى يرين أن من لبسها فهو معيب. إن بعض الناس يتعللون بعلل غير صحيحة يقولون: إن عليهن سروالا ضافيا، ولكن هذه ليست بعلة صحيحة؛ لأن هذه السراويل ضيقة تبين حجم الأفخاذ والعجيزة بيانا كاملا تظهر مفاصلها مفصلا مفصلا، وتبين إن كانت البنت نحيفة أو سمينة، وكل هذا مما يوجب تعلق النفوس الخبيثة بها، ويدخلها في قول النبي ﷺ : «كاسيات عاريات» . ويقول بعض الناس: إن هذه البنت صغيرة، ولا حكم لعورتها، وهذه العلة ليست بموجبة للإباحة، وذلك لأن البنت إذا لبستها وهي صغيرة ألفتها وهي كبيرة، وإذا لبستها وهي صغيرة زال عنها الحياء، وهان عليها انكشاف أفخاذها وساقها؛ لأن هذه المواضع من البدن إذا كانت مستورة من أول الأمر، فإن المرأة تستعظم كشفها عند كبرها، وإذا كانت مكشوفة من أول الأمر لم يكن عظيما في نفسها كشفها فيما بعد، وهذا أمر معلوم بالعادة والحس أن الإنسان إذا اعتاد شيئا هان عليه كما أننا نرى الآن أن هذه الألبسة تلبسها بنات كبيرات ينبغي عليهن الاحتجاب؛ لأن البنت إذا بلغت مبلغا يتعلق بها النظر وتطلبها النفس، فإنها تحتجب، قال الزهري ﵀ وهو من أئمة التابعين: لا يصلح النظر إلى شيء ممن يشتهي النظر إليهن وإن كانت صغيرة. أيها المسلمون، ولقد شاع عند بعض النساء أن تلبس العباة، وتحتها ثياب جميلة، ثم ترفع العباة إلى نصف بدنها، فتبين ثيابها، ويحصل التبرج المنهي عنه، ولقد بين الله في كتابه العزيز أن التبرج من الرجس، فإن الله لما نهى أمهات المؤمنين عنه قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]

стр. 444

: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ - وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.

стр. 445

[الفرع الثالث في الزكاة] [الخطبة الأولى في الزكاة وما تجب فيه] الفرع الثالث في الزكاة الخطبة الأولى في الزكاة وما تجب فيه الحمد لله الذي أنعم علينا بالأموال، وأباح لنا التكسب بها عن طريق حلال، وشرع لنا تصريفها فيما يرضى الكبير المتعال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الإنعام والإفضال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أزهد الناس في الدنيا، وأكرمهم في بذلها على الإسلام صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، وأدوا ما أوجب الله عليكم في أموالكم التي رزقكم الله تعالى، فقد أخرجكم الله من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، ولا تملكون لأنفسكم نفعا، ولا ضرا، ثم يسر الله لكم الرزق، وأعطاكم ما ليس في حسابكم، فقوموا أيها المسلمون بشكره، وأدوا ما أوجب عليكم لتبرؤا ذممكم، وتطهروا أموالكم، واحذروا الشح والبخل بما أوجب الله عليكم، فإن ذلك هلاككم، ونزع بركة أموالكم، ألا وإن أعظم ما أوجب الله عليكم في أموالكم الزكاة التي هي ثالث أركان الإسلام، وقرينة الصلاة في محكم القرآن، وجاء في منعها والبخل بها الوعيد بالنيران. قال الله : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥] وقال النبي ﷺ في تفسير الآية الأولى: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع - وهي الحية الخالي رأسها من الشعر لكثرة سمها - مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول: أنا مالك أنا كنزك» . (رواه البخاري) . وقال في تفسير الآية الثانية ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسن ألف سنة حتى يقضي بين العباد (رواه مسلم) . وحق المال هو الزكاة. أيها المسلمون إنه والله لا يحمى على الذهب والفضة في نار كنار الدنيا

стр. 446

إنما يحمى عليها في نار أعظم من نار الدنيا كلها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا. أيها المسلمون إنه إذا أحمي عليها لا يكوى بها طرف من الجسم متطرف، وإنما يكوى بها الجسم من كل ناحية الجباه من الأمام والجنوب من الجوانب والظهور من الخلف. أيها المسلمون إن هذا العذاب ليس في يوم ولا في شهر ولا في سنة، ولكن في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. فيا عباد الله يا من آمنوا بالله ورسوله، يا من صدقوا بالقرآن، وصدقوا بالسنة ما قيمة الأموال التي تبخلون بزكاتها؟ وما فائدتها؟ إنها تكون نقمة عليكم، وثمرتها لغيركم، إنكم لا تطيقون الصبر على وهج النار، فكيف تصبرون على نار جهنم، فاتقوا الله عباد الله، وأدوا الزكاة طيبة بها نفوسكم أيها المسلمون، إن الزكاة واجبة في الذهب والفضة على أي حال كانت سواء كانت جنيهات وريالات، أم قطعا من الذهب والفضة، أم حليا من الذهب والفضة للبس، أو للبيع أو للتأجبير، فالذهب والفضة، جاءت نصوص الكتاب والسنة بوجوب الزكاة فيهما عموما بدون تفصيل، وجاءت نصوص من السنة خاصة في إيجاب الزكاة في الحلي، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ «أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: " أتعطين زكاة هذا، قالت: لا قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي ﷺ ، وقالت: هما لله ورسوله» . قال في بلوغ المرام (رواه الثلاثة وإسناده قوي) لكن لا تجب الزكاة في الذهب والفضة حتى يبلغا نصابا، فنصاب الذهب وزن أحد عشر جنيها سعوديا وثلاثة أسباع جنيه، فما دون ذلك لا زكاة فيه، إلا أن يكون للتجارة. ونصاب الفضة وزن ستة وخمسين ريالا سعوديا، فما دون ذلك لا زكاة فيه، أما مقدار الزكاة في الذهب والفضة فهو ربع العشر. وتجب الزكاة أيضا في الأوراق النقدية إذا بلغت ما يساوي ستة وخمسين ريالا سعوديا من الفضة وفيها ربع العشر. وتجب الزكاة في الديون التي للإنسان، وهي الأطلاب التي له على الناس إذا كانت من

стр. 447

الذهب أو الفضة أو الأوراق النقدية، وبلغت نصابا بنفسها أو بضمها إلى ما عنده من جنسها سواء كانت حالة أو مؤجلة، فيزكيها كل سنة، إن كانت على غنى لكن إذا شاء أدى زكاتها قبل قبضها مع ماله، وإن شاء انتظر حتى يقبضها، فيزكيها سنة واحدة عما مضى؛ لأنها قبل قبضها في حكم المعدوم. وتجب الزكاة في عروض التجارة إذا بلغت قيمتها نصابا بنفسها أو بضمها إلى ما عنده من الدراهم أو العروض، وهي كل مال أعده مالكه للبيع تكسبا، وانتظارا للربح من عقار وأثاث ومواشي وسيارات ومكائن وأطعمة وأقمشة وغيرها، فتجب عليه الزكاة فيها، وهي ربع عشر قيمتها عند تمام الحول، فإذا تم الحول وجب عليه أن يثمن ما عنده من العروض، ويخرج ربع عشر قيمتها سواء كانت القيمة مثل الثمن، أو أقل أو أكثر، فإذا اشترى سلعة بألف ريال مثلا، وكانت عند الحول تساوي ألفين وجب عليه زكاة ألفين، وإن كانت لا تساوي إلا خمسمائة لم يجب عليه إلا زكاة خمسمائة. ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، فلو تلف المال قبل تمام الحول أو نقص النصاب فلا زكاة فيه، ولو مات المالك قبل تمام الحول، فلا زكاة عليه، ولا على الورثة، فلو ورث الشخص مالا، فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول عنده، ويستثنى من ذلك ربح التجارة، ففيه الزكاة إذا تم حول رأس المال، وإن لم يتم الحول على الربح. ويستثنى من ذلك عروض التجارة، فإن حولها حول عوضها، إذا كان نقدا أو عروضا، فإذا كان عند الإنسان دراهم يتم حولها في رمضان، فاشترى بها في شعبان مثلا شيئا للتكسب والتجارة، فإنه يزكيه في رمضان، وإن كان لم يمض عليه إلا شهر واحد، ولا يجوز أن يؤجل زكاته على شعبان من السنة الثانية. ويستثنى من ذلك الأجرة، فإن زكاتها تجب وقت قبضها إذا كان قد مضى على عقد الاجارة حول. وإذا كان الشخص يملك المال شيئا فشيئا كالرواتب الشهرية، فلا زكاة على شيء منه حتى يحول عليه الحول، وإذا كان يشق عليه ملاحظة ذلك، فليزك الجميع في شهر واحد في السنة كل عام، فما تم حوله، فقد زكى في وقته، وما لم يتم حوله، فقد عجلت زكاته، ولا يضر تعجيل الزكاة، وهذا أريح، وأسلم من الاضطراب. وإذا كان للإنسان عقار يسكنه أو سيارة يركبها

стр. 448

أو مكينة لفلاحته، فلا زكاة عليه في ذلك لقول النبي ﷺ : «ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة» . وإذا كان له عقار يؤجره، أو سيارة يكدها في الأجرة، أو معدات يؤجرها، فلا زكاة عليه فيها، وإنما الزكاة فيما يحصل منها من الأجرة. واعلموا أيها المسلمون أن الزكاة لا تنفع، ولا تبرأ منها الذمة حتى توضع في الموضع الذي وضعها الله فيه مثل ذوي الحاجة من الفقراء والمساكين والغارمين الذين عليهم أطلاب لا يستطيعون وفاءها. فلا تحل الزكاة لغني، ولا لقوي مكتسب. وإذا أعطيتها شخصا يغلب على ظنك أنه مستحق، فتبين فيما بعد أنه غير مستحق أجزأت عنك والإثم عليه حيث أخذ ما لا يستحق. ويجوز أن تدفعها إلى أقاربك الذين لا تنفق عليهم إذا كانوا مستحقين لها. ويجوز أن تدفعها لشخص محتاج للزواج إذا لم يكن عنده ما يتزوج به، ولا يقضي بالزكاة دين على ميت، ولا يسقط بها دين على معسر، لا تصرف عن واجب سواها. وفقني الله وإياكم لأداء ما يجب علينا من مال وعمل على الوجه الذي يرضاه بدون عجز، ولا كسل، وزادنا من فضله ما نزداد به قربة إلى ربنا، ورفعة في درجاتنا إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 449

[الخطبة الثانية فيما يجب إخراجه من زكاة الثمار] الخطبة الثانية فيما يجب إخراجه من زكاة الثمار الحمد لله الذي من على عباده بما أخرج لهم من الزروع والثمار، وأنعم عليهم بمشروعية صرفها فيما يرضيه عنهم من غير إسراف، ولا إقتار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العزة والاقتدار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان آناء الليل والنهار، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما أمدكم به من أموال وبنين وجنات وعيون، أمدكم بثمرات النخيل تتفكهون بها رطبا ويسرا، ثم تدخرونها قوتا وتمرا، فهو الذي خلقها، وأوجدها وهو الذي نماها، وأصلحها، وهو الذي نوعها جودا ورداءة وقسمها، اشكروا الذي أبقاكم حتى أدركتم جناها، واشكروا الذي شرع لكم الإنفاق منها على ما يرضيه، وزكاها، أدوا ما أوجب الله عليكم فيها من الزكاة لتفوزوا بالخلف العاجل والثواب الجزيل من جزيل العطايا والهبات: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] عباد الله أتحسبون أن ما تخرجونه من الزكاة لا ينفعكم؟ أتحسبون أن ما تخرجونه من ذلك فائت عليكم غير مدخر لكم؟ أتحسبون أن ذلك غرم وخسارة؟ لا والذي خلق الحبة، وبرأ النسمة إن ما تخرجونه من ذلك هو ما تبقونه لأنفسكم في الحقيقة، وهو المال الرابح: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] وإن الذي تبقونه، وتبخلون به هو المال الزائل؛ لأنكم إما أن تأكلوه في حياتكم، فيفنى أو تتركوه لمن بعدكم بعد موتكم، فيغنمه الوارث البعيد، أو الأدنى هذا هو حقيقة ما تبقونه من المال وتلك حقيقة ما تقدمونه عند الملك العلام. «ذبح آل النبي ﷺ شاة، فتصدقوا بها، ولم يبق منها إلا الكتف، فدخل النبي ﷺ ، فقال: " ما بقي منها؟ " فقالت عائشة: ما بقي منها إلا كتفها، فقال النبي ﷺ : " بقي كلها إلا كتفها» . ﷺ ، وصدق رسول الله ﷺ ، فإن الذي بقي من الشاة حقيقة هو ما تصدقوا به؛ لأنه هو الذي سيجدونه مدخرا عند الله، أما ما أبقوه فسيفنى. عباد الله إن النفوس مجبولة على الشح، ولكن من يوق شح نفسه فقد أفلح. إن الشيطان يعدكم الفقر، ويأمركم بالبخل، ولا سيما البخل بالزكاة؛ لأن الزكاة ركن من أركان الإسلام فهو حريص على أن تبخلوا بها حريص على أن تمنعوها بالكلية، أو أن تمنعوا ما يجب فيها من قدر

стр. 450

أو وصف إنه يعدكم، ويمنيكم وما يعدكم الشيطان إلا غرورا. أيها المسلمون إننا في وقت جذاذ النخيل ووقت إخراج زكاتها، وإن الواجب عليكم أن تحاسبوا أنفسكم في الدنيا قبل أن تحاسبوا عليها في الآخرة. لقد بين النبي ﷺ لأمته ما يجب عليهم من زكاة الثمار بيانا ظاهرا لا إشكال فيه، بيانا تقوم به الحجة، وتزول به الشبهة، فقال صلوات الله وسلامه عليه: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» . وهذا بيان ما بعده بيان فالزكاة فيما سقي بالنضح أي: بالسواني والمكائن نصف العشر. سهم بين، ومقدار معلوم، قاله رسول الله ﷺ لأمته، وبلغه إليهم، فمات صلوات الله وسلامه عليه، وقد فرض إليهم الأمر، ووكلهم إلى ما عندهم من الدين والأمانة وربه سبحانه هو المتولي لحسابهم: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] أيها المسلم، حاسب نفسك، أخرج السهم الذي قدره الله لك ورسوله، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] أخرج نصف العشر من ثمار نخيلك مراعيا بذلك اختلاف الأنواع وقيمة الجيد منها، لا تبخل على نفسك، فربك لم يفرض الزكاة عليك إلا تكميلا لعبادتك، وتطهيرا لما لك، وإبراء لذمتك. أيها المسلمون إننا في زمن تختلف فيه أنواع النخيل اختلافا بينا ظاهرا، فبينما بعض النخيل يباع الكيلو منها بثلاث ريالات أو أكثر إذا ببعضها يباع الكيلو منه بنصف ريال أو أقل، ثم يغلب الشح بعض الناس، فيخرج زكاة النوع الأول من هذا النوع الثاني الذي نسبته إليه السدس، وهذا حيف بلا شك، فإن هذا ليس بإخراج لنصف العشر باعتبار النخل كله أرأيت لو كان لك سهم من بستان مقدار سهمك نصف العشر هل ترضى أن تأخذ من النوع الذي كيلوه بنصف ريال بدلا عن الذي كيلوه بثلاثة ريالات؟ لن ترضى أبدا إذن فكيف لا ترضاه لنفسك في الدنيا، ثم ترضاه لربك ولنفسك في الآخرة؟ أيها المسلمون إذا عرفتم أن الواجب نصف العشر سهم بين بنص رسول الله ﷺ ، فإن من العلماء من قال: يجب عليه أن يخرج زكاة كل نوع من ذلك النوع يخرج زكاة الطيب من الطيب، وزكاة المتوسط من المتوسط، وزكاة الرديء من الرديء، وهذا أمر شاق، ولا سيما مع كثرة الأنواع، ولذلك قال بعض العلماء: لا بأس أن يخرج عن الجيد من المتوسط بقدر القيمة.

стр. 451

وقال الإمام أحمد فيما رواه عنه ابنه وبعض الصحابة، إذا باع ثمره أو زرعه، وقد بلغ ففي ثمنه العشر أو نصفه، فجعل ﵀ الواجب في الثمن، إذا بيع، وهذا من أعدل ما يكون. أيها المسلمون إنني لا أتكلم بهذا لأن لى حظا في الزكاة، ولا لأسألكم عليه أجرا، ولكني أتكلم به إبراء لذمتي بإبلاغكم، وإبراء لذممكم بإخراج ما يجب عليكم، ولعلكم ستقولون: لماذا لم يتكلم عليه من قبلي؟ ولكن الواجب على هذا سهل فإن التباين الكثير وكثرة الأنواع الجيدة جدا لم يكن إلا من مدة سنين قليلة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ - الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧ - ٢٦٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.

стр. 452

[الخطبة الثالثة في زكاة الفطر والتكبير وصلاة العيد] الخطبة الثالثة في زكاة الفطر والتكبير وصلاة العيد الحمد لله الذي من علينا بشريعة الإسلام، وشرع لنا من العبادات ما تحصل به القربى إليه وعلو المقام، ونحمده أن من علينا بتيسير الصيام والقيام، وأثاب من فعلهما إيمانا واحتسابا بمغفرة الذنوب والآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من تعبد لله، وصلى، وصام صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم على الحق، واستقام، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا ربكم وحاسبوا أنفسكم ماذا عملتم في شهركم الكريم فإنه ضيف قارب الزوال، وأوشك على الرحيل عنكم، والانتقال، وسيكون شاهدا لكم أو عليكم بما أودعتموه من الأعمال، فابتدروا رحمكم الله ما بقي منه بالتوبة، والاستغفار، والاستكثار من صالح الأقوال، والأفعال، والابتهال إلى ذي العظمة، والجلال لعل ذلك يجبر ما حصل من التفريط والإهمال. لقد كانت أيام هذه الشهر معمورة بالصيام والذكر والقرآن ولياليه منيرة بالصلاة والقيام وأحوال المتقين فيه على ما ينبغي، ويرام، فمضت تلك الأيام الغرر، وانتهت هذه الليالي الدرر، كأنما هي ساعة من نهار، فنسأل الله أن يخلف علينا ما مضى منها بالبركة، فيما بقي، وأن يختم لنا شهرنا بالرحمة والمغفرة والعتق من النار والفوز بدار السلام، وأن يعيد أمثاله علينا، ونحن نتمتع بنعمة الدين والدنيا والأمن والرخاء إنه جواد كريم. عباد الله إن ربكم الكريم شرع لكم في ختام هذا الشهر عبادات جليلة يزداد بها إيمانكم، وتكمل بها عباداتكم، وتتم بها نعمة ربكم. شرع الله لنا زكاة الفطر والتكبير وصلاة العيد. أما زكاة الفطر فقد فرضها رسول الله ﷺ صاعا من طعام ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄، قال فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. وفي صحيح البخاري أيضا عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر. وقال ابن عباس ﵄ فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة

стр. 453

للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات. فأخرجوا أيها المسلمون زكاة الفطر مخلصين لله ممتثلين لأمر رسول الله ﷺ ، فقد فرضها رسول الله ﷺ على جميع المسلمين صغيرهم وكبيرهم حتى من في المهد، أما الحمل في البطن، فلا يجب الإخراج عنها إلا تطوعا، إلا أن يولد قبل ليلة العيد فيجب الإخراج عنه. أخرجوها صاعا عن كل شخص مما تطعمون من البر أو الرز أو التمر أو غيرها من طعام الآدميين، أخرجوها طيبة بها نفوسكم واختاروا الأطيب والأنفع فإنها صاع واحد في الحول مرة، فلا تبخلوا على أنفسكم بما تستطيعون. أخرجوها مما فرضه رسول الله ﷺ من الطعام، ولا تخرجوها من الدراهم، ولا من الكسوة، فمن أخرجها من ذلك لم تقبل منه؟ ولو أخرج عن الصاع ألف درهم، أو ألف ثوب لم يقبل؛ لأنه خلاف ما فرضه رسول الله ﷺ . وقد قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» . ادفعوها إلى الفقراء خاصة. والأقارب المحتاجون أولى من غيرهم. ولا بأس أن تعطوا الفقير الواحد فطرتين أو أكثر. ولا بأس أن توزعوا الفطرة الواحدة على فقيرين أو أكثر. ولا بأس أن يجمع أهل البيت فطرتهم في إناء واحد بعد كيلها، ويوزعوا منها بعد ذلك بدون كيل. وإذا أخذ الفقير فطرة من غيره، وأراد أن يدفعها عن نفسه أو عن أحد من عائلته، فلا بأس لكن لا بد أن يكيلها خوفا من أن تكون ناقصة إلا أن يخبره دافعها بأنها كاملة، فلا بأس أن يدفعها بدون كيل إذا كان يثق بقوله. أيها المسلمون أخرجوا زكاة الفطر يوم العيد قبل الصلاة عن تيسر لكم، فإنه أفضل، ولا بأس أن تخرجوها قبل العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز تقديمها على ذلك، ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، إلا من عذر مثل أن يأتي خبر ثبوت العيد فجأة، ولا يتمكن من إخراجها قبل الصلاة. ومن دفع زكاة الفطر إلى وكيل الفقير في وقتها برئت ذمته، ومن دفعها إلى وكيله هو ليدفعها للفقير، لم تبرأ ذمته، حتى يدفعها وكيله في وقتها إلى الفقير أو وكيله، والأفضل إخراج الفطرة في المكان الذي أنتم فيه في وقتها سواء كان بلدكم، أو غيره من بلاد المسلمين، لا سيما إذا كان مكانا فاضلا كمكة والمدينة، ولا بأس أن توكلوا من يخرجها عنكم في بلدكم، إذا سافرتم إلى غيره. هذه زكاة الفطر، أما التكبير، فقد شرع الله لنا التكبير عند إكمال العدة

стр. 454

فقال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فكبروا الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، اجهروا بذلك تعظيما لله، وإظهارا للشعائر، إلا النساء، فتكبرن سرا. وأما صلاة العيد فقد أمر بها رسول الله ﷺ الرجال والنساء حتى العواتق وذاوت الخدور اللآتي ليس لهن عادة بالخروج، وحتى الحيض يشهدن دعاء الخير، ودعوة المسلمين، ويعتزلن المصلى، فلا يجلسن في مصلى العيد؛ لأن مصلى العيد مسجد يثبت له جميع أحكام المساجد. وفي الصحيحين عن أم عطية ﵂، قالت: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض، فيعتزلن الصلاة، وفي لفظ المصلى، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، فقلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: " لتلبسها أختها من جلبابها» . فاخرجوا أيها المسلمون إلى صلاة العيد رجالا ونساء صغارا وكبارا تعبدا لله ، وامتثالا لأمر رسول الله ﷺ ، وابتغاء للخير، ودعوة المسلمين، فكم في ذلك المصلى من خيرات تنزل، وجوائز من الرب الكريم تحصل و، دعوات طيبات تقبل. وليخرج الرجال متنظفين متطيبين لابسين أحسن ثيابهم غير أنه لا يجوز لهم لبس الحرير، ولا شيء من الذهب، فإنهما حرام على الذكور. وليخرج النساء محتشمات غير متطيبات، ولا متبرجات بزينة. والسنة أن يأكل قبل الخروج إلى صلاة العيد تمرات وترا وثلاثا أو خمسا، أو أكثر إن أحب يقطعهن على وتر، قال أنس بن مالك ﵁ «كان النبي ﷺ لا يغدو يوم الفطر، حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترا» ، وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] وأما الخروج بالتمر إلى مصلى العيد، وأكله هناك بعد طلوع الشمس، فإنه من البدع، وكل بدعة ضلالة. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.

стр. 455

[الفرع الرابع في الصيام والقيام] [الخطبة الأولى في الاجتهاد في رمضان] الفرع الرابع في الصيام والقيام الخطبة الأولى في الاجتهاد في رمضان الحمد لله الذي من على عباده بمواسم الخيرات ليغفر لهم بذلك الذنوب، ويكفر عنهم السيئات، وليضاعف لهم به الأجور، ويرفع الدرجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واسع العطايا، وجزيل الهبات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل المخلوقات أتقى الناس لربه، وأخشاهم له في جميع الحالات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما توالت الشهور والأوقات، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما أنعم به عليكم من مواسم الخير والبركات، وما حباكم به من الفضائل والكرامات، واعرفوا قدر هذه المواسم بعمارتها بالطاعات وترك المحرمات. عباد الله لقد أظلكم شهر مبارك كريم وموسم رابح عظيم شهر تضاعف فيه الحسنات، وتعظم فيه السيئات شهر أوله رحمه، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار شهر أنزل الله فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيام نهاره فريضة، وقيام ليله تطوعا، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتقا له من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء أعطيت فيه هذه الأمة خمس خصال لم تعطهن أمة من الأمم قبلهم خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته، فيقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى، ويصيروا إليك، وتصفد فيه مردة الشياطين، فلا يخلصون إلى ما كان يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة منه. إنه شهر رمضان من صامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن أتى فيه بعمرة كان في الأجر كمن حج فيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : قال « (قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، والصوم جنة (يعني وقاية من الإثم والنار) فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد، أو قاتله، فليقل: إني صائم، والذي نفس محمد

стр. 456

بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» . للصائم فرحتان يفرحهما فرحة بنعمتين نعمة الله عليه بالصيام، ونعمته عليه بإباحة الأكل والشراب، والنكاح، وأما فرحه عند لقاء ربه، فيفرح بما يجده من النعيم المقيم في دار السلام. وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ : «أنه قال: إن في الجنة بابا يقال له: الريان يدخل منه الصائمون لا يدخله غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، ولم يفتح لغيرهم» . وقال النبي ﷺ : « (ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) » . عباد الله اغتنموا شهر رمضان بكثرة العبادة والصلاة والقراءة والإحسان على الخلق بالمال والبدن والعفو عنهم، واستكثروا فيه من أربع خصال اثنتان ترضون بهما ربكم، واثنتان لا غنى لكم عنهما، فأما اللتان ترضون بهما ربكم، فشهادة أن لا إله إلا الله والاستغفار، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتستعيذون به من النار. عباد الله احفظوا صيامكم عن النواقص، والنواقض احفظوه عن اللغو والرفث، وقول الزور، وهو كل قول محرم وعمل الزور، وهو كل عمل محرم، فمن لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، ومن لم يحفظ صيامه، فرب صائم ليس له إلا الجوع والظمأ. اجتنبوا الكذب والفحش والغش والخيانة، اجتنبوا الغيبة والنميمة، اجتنبوا الأغاني المحرمة، واللهو المحرم، فعلا، وسماعا، فإن كل هذه من منقصات الصيام. قوموا بما أوجب الله عليكم من الصلاة في أوقاتها وأدائها مع الجماعة قوموا بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الحكمة من الصيام التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] عباد الله قوموا شهر رمضان، فإن من قامه إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، واعلموا أن صلاة التروايح هي قيام رمضان، ولكن سميت تراويح؛ لأنهم كلما صلوا أربع ركعات استراحوا قليلا صلوا هذه التراويح بطمأنينة بخشوع وحضور قلب، فإنها صلاة لا مجرد حركات، والمقصود منها التعبد لا سرد ركعات، وإن كثيرا من الناس يتهاون بهذه التراويح من الأئمة وغير الأئمة، أما الأئمة، فكثير منهم يسرع بها إسراعا مخلا بكثير من السنن بل ربما يخل

стр. 457

بالأركان، وأما غير الأئمة، فيفرطون فيها بالترك، وعدم الصبر مع الإمام، وقد قال النبي: «من قام مع الإمام حتى ينصرف من الوتر، وإذا قمتم من آخر الليل، وأحببتم الصلاة، فصلوا ركعتين ركعتين بدون وتر؛ لأن الوتر لا يعاد مرة ثانية» . واعلموا أن أفضل عدد تصلى به التراويح ما ثبت عن النبي ﷺ ، وهو إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان لا يزيد في رمضان، ولا غيره على إحدى عشر ركعة» . وقال ابن عباس ﵄: «كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة» . (رواه مسلم) وصح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر أبي بن كعب، وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة (رواه مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف، وهو ثقة ثبت عن السائب بن يزيد وهو صحابي) فهذا العدد جاءت به سنة النبي ﷺ ، واتبعه فيها عمر ومع ذلك لو صلاها الإنسان ثلاثا وعشرين أو تسعا وثلاثين كما كان السلف في ذلك اختلاف، ولكن الذي ينكر على بعض الناس هو الإسراع المفرط الذي تذهب به الطمأنينة، وتفوت به مكملات الصلاة، وربما واجباتها. واجتهدوا أيها المسلمون في قراءة القرآن، فإنه كلام ربكم، فلكم الشرف في تلاوته والأجر، ولكم بالعمل به الحياة الطيبة وطيب الذكر، ولكم بكل حرف منه عشر حسنات، وإذا مررتم بآية سجدة، فاسجدوا في آية ساعة من ليل أو نهار كبروا عند السجود، وقولوا في السجود: سبحان ربي الأعلى، وادعوا، وإذا سجدتم للتلاوة في الصلاة، فكبروا عند السجود، وعند الرفع منه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ - اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ - الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١ - ٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.

стр. 458

[الخطبة الثانية في صوم رمضان ومن يجب عليه] الخطبة الثانية في صوم رمضان ومن يجب عليه إن الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما أنعم به عليكم من مواسم الخيرات، وما حباكم به من الفضائل والكرامات، وعظموا تلك المواسم، واقدروها قدرها بفعل الطاعات والقربات واجتناب المعاصي والموبقات، فإن تلك المواسم ما جعلت إلا لتكفير سيئاتكم وزيادة حسناتكم ورفعة درجاتكم. عباد الله: لقد استقبلتم شهرا كريما، وموسما رابحا عظيما لمن وفقه الله فيه للعمل الصالح استقبلتم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن شهرا تضاعف فيه الحسنات، وتعظم فيه السيئات أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، جعل الله صيام نهاره فريضة من أركان إسلامكم، وقيام ليله تطوعا لتكميل فرائضكم، من صامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن أتى فيه بعمرة كان كمن أتى بحجة، فيه تفتح أبواب الجنة، وتكثر الطاعات من أهل الإيمان، وتغلق أبواب النار، فتقل المعاصي من أهل الإيمان، وتغل الشياطين، فلا يخلصون إلى أهل الإيمان بمثل ما يخلصون إليهم في غيره. أيها الناس صوموا لرؤية هلال رمضان، ولا تقدموا عليه بصوم يوم أو يومين؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك إلا من كان عليه قضاء من رمضان الماضي، فليقضه أو كان له عادة بصوم، فليصمه مثل من له عادة بصوم يوم الاثنين أو الخميس، فصادف قبل الشهر بيوم أو يومين، أو كان له عادة بصيام أيام البيض، ففاتته، فليس عليه بأس بصيامها قبل رمضان بيوم أو يومين، ولا تصوموا يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كان في ليلته ما يمنع رؤية الهلال من غيم أو فتر أو نحوهما. ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» . ومن حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» . وقال عمار بن

стр. 459

ياسر ﵁: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ . ومن رأى الهلال يقينا، فليخبر به ولاة الأمور، ولا يكتمه. وإذا أعلن في إذاعتكم ثبوت دخول رمضان، فصوموا، وإذا أعلن فيها ثبوت دخول شوال، فأفطروا؛ لأن إعلان ولاة الأمور ذلك حكم به. «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فأخبره أنه رأى الهلال، فقال: " أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " قال: نعم، فقال النبي ﷺ : " فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا» . وصوم رمضان أحد أركان الإسلام فرضه الله على عباده، فمن أنكر فريضته فهو كافر؛ لأنه مكذب الله ورسوله وإجماع المسلمين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فالصوم واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم ذكرا كان أم أنثى، ليست حائضا ولا نفساء. فلا يجب الصوم على كافر، فلو أسلم في أثناء رمضان لم يلزمه قضاء ما مضى منه، ولو أسلم في أثناء يوم من رمضان أمسك بقية اليوم، ولم يلزمه قضاؤه. ولا يجب الصوم على صغير لم يبلغ لكن إذا كان لا يشق عليه أمر به ليعتاده، فقد كان الصحابة ﵃ يصومون أولادهم حتى إن الصبي ليبكي من الجوع، فيعطونه لعبة يتلهى بها إلى الغروب. ويحصل بلوغ الصغير، إن كان ذكرا بواحد من أمور ثلاثة: أن يتم له خمس عشرة سنة، أو تنبت عانته، أو ينزل منيا باحتلام، أو غيره، وتزيد الأنثى بأمر رابع، وهو الحيض، فمتى حصل للصغير واحد من هذه الأمور، فقد بلغ، ولزمته فرائض الله وغيرها من أحكام التكليف إذا كان عاقلا. ولا يجب الصوم على من لا عقل له كالمجنون والمعتوه ونحوهما، فالكبير المهذري لا يلزمه الصوم، ولا الإطعام عنه، ولا الطهارة، ولا الصلاة؛ لأنه فاقد التمييز فهو بمنزلة الطفل قبل تمييزه. ولا يجب الصوم على من يعجز عنه عجزا دائما كالكبير والمريض مرضا لا يرجى برؤه، ولكن يطعم بدلا عن الصيام عن كل يوم مسكينا بعدد أيام الشهر لكل مسكين ربع صاغ نبوي من البر أي: أن الصاع يكفي لأربعة فقراء عن أربعة أيام، والأحسن أن يجعل مع الطعام شيئا يأدمه من لحم أو دهن. وأما المريض بمرض يرجى برؤه، فإن كان الصوم لا يشق عليه، ولا يضره وجب عليه أن يصوم؛ لأنه لا عذر له، وإن كان الصوم يشق

стр. 460

عليه لا يضره، فإنه يفطر، ويكره له أن يصوم، وإن كان الصوم يضره، فإنه يحرم عليه أن يصوم، ومتى برئ من مرضه قضى ما أفطر، فإن مات قبل برئه، فلا شيء عليه. والمرأة الحامل التي يشق عليها الصوم لضعفها أو ثقل حملها يجوز لها أن تفطر، ثم تقضي إن تيسر لها القضاء قبل وضع الحمل أو بعده إذا طهرت من النفاس، والمرضع التي يشق عليها الصوم من أجل الرضاع أو بنقص لبنها من الصوم نقصا يخل بتغذية الولد تفطر، ثم تقضي في أيام لا مشقة فيها ولا نقص. والمسافر إن قصد بسفره التحيل على الفطر، فالفطر حرام عليه، ويجب عليه الصوم، وإن لم يقصد بسفره التحيل على الفطر فهو مخير بين أن يصوم، وبين أن يفطر، ويقضي عدد الأيام التي أفطر، والأفضل له فعل الأسهل عليه، فإن تساوى عنده الصوم والفطر، فالصوم أفضل؛ لأنه فعل النبي ﷺ ، ولأنه أسرع في إبراء ذمته، وأخف من القضاء غالبا، وإن كان الصوم يشق عليه بسبب السفر كره له أن يصوم، وإن عظمت المشقة به حرم أن يصوم؛ لأن «النبي ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، والناس ينظرون، فقيل له: بعد ذلك إن بعض الناس قد صام، فقال: " أولئك العصاة أولئك العصاة» . ولا فرق في المسافر بين أن يكون سفره عارضا لحاجة، أو مستمرا في غالب الأحيان مثل أصحاب سيارات الأجرة (التكاسي) أو غيرها من السيارات الكبيرة، فإنهم متى خرجوا من بلدهم، فهم مسافرون يجوز لهم ما يجوز للمسافرين الآخرين من الفطر في رمضان وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، والجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء عند الحاجة، والفطر لهم أفضل من الصيام، إذا كان الفطر أسهل لهم، ويقضونه في أيام الشتاء؛ لأن أصحاب هذه السيارات لهم بلد ينتمون إليها، وأهل فيها يأوون غليهم، فمتى كانوا في بلدهم فهم مقيمون، وإذا خرجوا منها، فهم مسافرون لهم ما للمسافرين، وعليهم ما على المسافرين. ومن سافر في أثناء اليوم في رمضان، وهو صائم، فالأفضل أن يتم صومه يومه، فإن كان فيه مشقة، فليفطر، ثم يقضيه. ولا يتقيد السفر بزمن، فمن خرج من بلده مسافرا، فهو على سفر حتى يرجع إلى بلده، ولو أقام مدة طويلة في البلد التي سافر إليها إلا أن يقصد بتطويل مدة الإقامة التحيل للفطر، فإنه يحرم عليه الفطر، ويلزمه الصوم؛ لأن فرائض الله تعالى لا تسقط بالتحيل عليها.
следующие страницы →