← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30920

الضياء اللامع من الخطب الجوامع

ابن عثيمين

Полный текст (711 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» . للصائم فرحتان يفرحهما فرحة بنعمتين نعمة الله عليه بالصيام، ونعمته عليه بإباحة الأكل والشراب، والنكاح، وأما فرحه عند لقاء ربه، فيفرح بما يجده من النعيم المقيم في دار السلام. وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ : «أنه قال: إن في الجنة بابا يقال له: الريان يدخل منه الصائمون لا يدخله غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، ولم يفتح لغيرهم» . وقال النبي ﷺ : « (ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) » . عباد الله اغتنموا شهر رمضان بكثرة العبادة والصلاة والقراءة والإحسان على الخلق بالمال والبدن والعفو عنهم، واستكثروا فيه من أربع خصال اثنتان ترضون بهما ربكم، واثنتان لا غنى لكم عنهما، فأما اللتان ترضون بهما ربكم، فشهادة أن لا إله إلا الله والاستغفار، وأما اللتان لا غنى لكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتستعيذون به من النار. عباد الله احفظوا صيامكم عن النواقص، والنواقض احفظوه عن اللغو والرفث، وقول الزور، وهو كل قول محرم وعمل الزور، وهو كل عمل محرم، فمن لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، ومن لم يحفظ صيامه، فرب صائم ليس له إلا الجوع والظمأ. اجتنبوا الكذب والفحش والغش والخيانة، اجتنبوا الغيبة والنميمة، اجتنبوا الأغاني المحرمة، واللهو المحرم، فعلا، وسماعا، فإن كل هذه من منقصات الصيام. قوموا بما أوجب الله عليكم من الصلاة في أوقاتها وأدائها مع الجماعة قوموا بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الحكمة من الصيام التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] عباد الله قوموا شهر رمضان، فإن من قامه إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، واعلموا أن صلاة التروايح هي قيام رمضان، ولكن سميت تراويح؛ لأنهم كلما صلوا أربع ركعات استراحوا قليلا صلوا هذه التراويح بطمأنينة بخشوع وحضور قلب، فإنها صلاة لا مجرد حركات، والمقصود منها التعبد لا سرد ركعات، وإن كثيرا من الناس يتهاون بهذه التراويح من الأئمة وغير الأئمة، أما الأئمة، فكثير منهم يسرع بها إسراعا مخلا بكثير من السنن بل ربما يخل

стр. 457

بالأركان، وأما غير الأئمة، فيفرطون فيها بالترك، وعدم الصبر مع الإمام، وقد قال النبي: «من قام مع الإمام حتى ينصرف من الوتر، وإذا قمتم من آخر الليل، وأحببتم الصلاة، فصلوا ركعتين ركعتين بدون وتر؛ لأن الوتر لا يعاد مرة ثانية» . واعلموا أن أفضل عدد تصلى به التراويح ما ثبت عن النبي ﷺ ، وهو إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان لا يزيد في رمضان، ولا غيره على إحدى عشر ركعة» . وقال ابن عباس ﵄: «كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة» . (رواه مسلم) وصح عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر أبي بن كعب، وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة (رواه مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف، وهو ثقة ثبت عن السائب بن يزيد وهو صحابي) فهذا العدد جاءت به سنة النبي ﷺ ، واتبعه فيها عمر ومع ذلك لو صلاها الإنسان ثلاثا وعشرين أو تسعا وثلاثين كما كان السلف في ذلك اختلاف، ولكن الذي ينكر على بعض الناس هو الإسراع المفرط الذي تذهب به الطمأنينة، وتفوت به مكملات الصلاة، وربما واجباتها. واجتهدوا أيها المسلمون في قراءة القرآن، فإنه كلام ربكم، فلكم الشرف في تلاوته والأجر، ولكم بالعمل به الحياة الطيبة وطيب الذكر، ولكم بكل حرف منه عشر حسنات، وإذا مررتم بآية سجدة، فاسجدوا في آية ساعة من ليل أو نهار كبروا عند السجود، وقولوا في السجود: سبحان ربي الأعلى، وادعوا، وإذا سجدتم للتلاوة في الصلاة، فكبروا عند السجود، وعند الرفع منه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ - اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ - الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١ - ٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.

стр. 458

[الخطبة الثانية في صوم رمضان ومن يجب عليه] الخطبة الثانية في صوم رمضان ومن يجب عليه إن الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما أنعم به عليكم من مواسم الخيرات، وما حباكم به من الفضائل والكرامات، وعظموا تلك المواسم، واقدروها قدرها بفعل الطاعات والقربات واجتناب المعاصي والموبقات، فإن تلك المواسم ما جعلت إلا لتكفير سيئاتكم وزيادة حسناتكم ورفعة درجاتكم. عباد الله: لقد استقبلتم شهرا كريما، وموسما رابحا عظيما لمن وفقه الله فيه للعمل الصالح استقبلتم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن شهرا تضاعف فيه الحسنات، وتعظم فيه السيئات أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، جعل الله صيام نهاره فريضة من أركان إسلامكم، وقيام ليله تطوعا لتكميل فرائضكم، من صامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن أتى فيه بعمرة كان كمن أتى بحجة، فيه تفتح أبواب الجنة، وتكثر الطاعات من أهل الإيمان، وتغلق أبواب النار، فتقل المعاصي من أهل الإيمان، وتغل الشياطين، فلا يخلصون إلى أهل الإيمان بمثل ما يخلصون إليهم في غيره. أيها الناس صوموا لرؤية هلال رمضان، ولا تقدموا عليه بصوم يوم أو يومين؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك إلا من كان عليه قضاء من رمضان الماضي، فليقضه أو كان له عادة بصوم، فليصمه مثل من له عادة بصوم يوم الاثنين أو الخميس، فصادف قبل الشهر بيوم أو يومين، أو كان له عادة بصيام أيام البيض، ففاتته، فليس عليه بأس بصيامها قبل رمضان بيوم أو يومين، ولا تصوموا يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كان في ليلته ما يمنع رؤية الهلال من غيم أو فتر أو نحوهما. ففي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» . ومن حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ «فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» . وقال عمار بن

стр. 459

ياسر ﵁: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد عصى أبا القاسم ﷺ . ومن رأى الهلال يقينا، فليخبر به ولاة الأمور، ولا يكتمه. وإذا أعلن في إذاعتكم ثبوت دخول رمضان، فصوموا، وإذا أعلن فيها ثبوت دخول شوال، فأفطروا؛ لأن إعلان ولاة الأمور ذلك حكم به. «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فأخبره أنه رأى الهلال، فقال: " أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " قال: نعم، فقال النبي ﷺ : " فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا» . وصوم رمضان أحد أركان الإسلام فرضه الله على عباده، فمن أنكر فريضته فهو كافر؛ لأنه مكذب الله ورسوله وإجماع المسلمين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فالصوم واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم ذكرا كان أم أنثى، ليست حائضا ولا نفساء. فلا يجب الصوم على كافر، فلو أسلم في أثناء رمضان لم يلزمه قضاء ما مضى منه، ولو أسلم في أثناء يوم من رمضان أمسك بقية اليوم، ولم يلزمه قضاؤه. ولا يجب الصوم على صغير لم يبلغ لكن إذا كان لا يشق عليه أمر به ليعتاده، فقد كان الصحابة ﵃ يصومون أولادهم حتى إن الصبي ليبكي من الجوع، فيعطونه لعبة يتلهى بها إلى الغروب. ويحصل بلوغ الصغير، إن كان ذكرا بواحد من أمور ثلاثة: أن يتم له خمس عشرة سنة، أو تنبت عانته، أو ينزل منيا باحتلام، أو غيره، وتزيد الأنثى بأمر رابع، وهو الحيض، فمتى حصل للصغير واحد من هذه الأمور، فقد بلغ، ولزمته فرائض الله وغيرها من أحكام التكليف إذا كان عاقلا. ولا يجب الصوم على من لا عقل له كالمجنون والمعتوه ونحوهما، فالكبير المهذري لا يلزمه الصوم، ولا الإطعام عنه، ولا الطهارة، ولا الصلاة؛ لأنه فاقد التمييز فهو بمنزلة الطفل قبل تمييزه. ولا يجب الصوم على من يعجز عنه عجزا دائما كالكبير والمريض مرضا لا يرجى برؤه، ولكن يطعم بدلا عن الصيام عن كل يوم مسكينا بعدد أيام الشهر لكل مسكين ربع صاغ نبوي من البر أي: أن الصاع يكفي لأربعة فقراء عن أربعة أيام، والأحسن أن يجعل مع الطعام شيئا يأدمه من لحم أو دهن. وأما المريض بمرض يرجى برؤه، فإن كان الصوم لا يشق عليه، ولا يضره وجب عليه أن يصوم؛ لأنه لا عذر له، وإن كان الصوم يشق

стр. 460

عليه لا يضره، فإنه يفطر، ويكره له أن يصوم، وإن كان الصوم يضره، فإنه يحرم عليه أن يصوم، ومتى برئ من مرضه قضى ما أفطر، فإن مات قبل برئه، فلا شيء عليه. والمرأة الحامل التي يشق عليها الصوم لضعفها أو ثقل حملها يجوز لها أن تفطر، ثم تقضي إن تيسر لها القضاء قبل وضع الحمل أو بعده إذا طهرت من النفاس، والمرضع التي يشق عليها الصوم من أجل الرضاع أو بنقص لبنها من الصوم نقصا يخل بتغذية الولد تفطر، ثم تقضي في أيام لا مشقة فيها ولا نقص. والمسافر إن قصد بسفره التحيل على الفطر، فالفطر حرام عليه، ويجب عليه الصوم، وإن لم يقصد بسفره التحيل على الفطر فهو مخير بين أن يصوم، وبين أن يفطر، ويقضي عدد الأيام التي أفطر، والأفضل له فعل الأسهل عليه، فإن تساوى عنده الصوم والفطر، فالصوم أفضل؛ لأنه فعل النبي ﷺ ، ولأنه أسرع في إبراء ذمته، وأخف من القضاء غالبا، وإن كان الصوم يشق عليه بسبب السفر كره له أن يصوم، وإن عظمت المشقة به حرم أن يصوم؛ لأن «النبي ﷺ خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، والناس ينظرون، فقيل له: بعد ذلك إن بعض الناس قد صام، فقال: " أولئك العصاة أولئك العصاة» . ولا فرق في المسافر بين أن يكون سفره عارضا لحاجة، أو مستمرا في غالب الأحيان مثل أصحاب سيارات الأجرة (التكاسي) أو غيرها من السيارات الكبيرة، فإنهم متى خرجوا من بلدهم، فهم مسافرون يجوز لهم ما يجوز للمسافرين الآخرين من الفطر في رمضان وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، والجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء عند الحاجة، والفطر لهم أفضل من الصيام، إذا كان الفطر أسهل لهم، ويقضونه في أيام الشتاء؛ لأن أصحاب هذه السيارات لهم بلد ينتمون إليها، وأهل فيها يأوون غليهم، فمتى كانوا في بلدهم فهم مقيمون، وإذا خرجوا منها، فهم مسافرون لهم ما للمسافرين، وعليهم ما على المسافرين. ومن سافر في أثناء اليوم في رمضان، وهو صائم، فالأفضل أن يتم صومه يومه، فإن كان فيه مشقة، فليفطر، ثم يقضيه. ولا يتقيد السفر بزمن، فمن خرج من بلده مسافرا، فهو على سفر حتى يرجع إلى بلده، ولو أقام مدة طويلة في البلد التي سافر إليها إلا أن يقصد بتطويل مدة الإقامة التحيل للفطر، فإنه يحرم عليه الفطر، ويلزمه الصوم؛ لأن فرائض الله تعالى لا تسقط بالتحيل عليها.

стр. 461

ولا يجب الصوم على الحائض والنفساء، ولا يصح منهما إلا إن تطهرا قبل الفجر، ولو بلحظة، فيجب عليهما الصيام، ويصح منهما، وإن لم تغتسلا إلا بعد طلوع الفجر، ويلزمهما قضاء ما أفطرتا من الأيام. أيها المسلمون لقد رغب النبي ﷺ في قيام هذا الشهر، وقال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . وإن صلاة التراويح من قيام رمضان، فأقيموها، وأحسنوها، وقوموا مع إمامكم حتى ينصرف، فإن من قام مع الإمام، حتى ينصرف كتب له قيام ليلة تامة، وإن كان نائما على فراشه. وإن على الأئمة أن يتقوا الله في هذه التروايح، فيراعوا من خلفهم، ويحسنوا الصلاة لهم، فيقيمونها بتأن وطمأنينة، ولا يسرعوا فيها، فيحرموا أنفسهم ومن وراءهم الخير، أو ينقروها نقر الغراب لا يطمئنون في ركوعها وسجودها وقعودها والقيام بعد الركوع فيها على الأئمة أن لا يكون هم الواحد منهم أن يخرج قبل الناس، أو أن يكثر عدد التسليمات دون إحسان الصلاة، فإن الله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] لم يقل: أيكم أسرع نهاية، أو أكثر عملا، وقد كان نبيكم ﷺ ، وهو أحرص الناس على الخير والأسوة الحسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة لا في رمضان ولا في غيره. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: «كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة» . وقد صح عنه ﷺ أنه قام بأصحابه في رمضان، ثم ترك ذلك خشية أن تفرض على الناس، فيعجزوا عنها. وصح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما في الناس بإحدى عشرة ركعة، فهذا العدد الذي قام به النبي ﷺ ، وواظب عليه، واتبعه فيه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ هو أفضل عدد تصلى به التراويح، ولو زاد الإنسان رغبة في الزيادة لا رغبة عن السنة بعد أن تبينت له لم ينكر عليه لو زود ذلك عن بعض السلف، وإنما ينكر الإسراع الفاحش الذي بفعله بعض الأئمة، فيفوت الخير عليه وعلى من خلفه. وفقني الله وإياكم لاغتنام الأوقات بالطاعات، وحمانا من فعل المنكر والسيئات، وهدانا صراطه المستقيم، وجنبنا صراط أصحاب الجحيم، وجعلنا ممن يصوم رمضان، ويقومه إيمانا بالله، واحتسابا لثواب الله إنه جواد كريم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولكافة المسلمين من كل ذنب. . الخ.

стр. 462

[الخطبة الثالثة في المفطرات] الخطبة الثالثة في المفطرات الحمد لله الذي بين لعباده الحرام والحلال. وحد لهم الحدود بينة المعالم، فلا غموض فيها، ولا إشكال. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الكبير المتعال، أشهد أن محمدا عبده ورسوله أتقى الخلق لله وأهداهم في المقال والفعال. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ما تعاقبت الأيام والليالي وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما أبان لكم من معالم الدين، والتزموا طاعته وتقواه سيرة النبيين والمرسلين، فإن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحد حدودا، فلا تعتدوها، وإن مما حد الله، وأوضحه، وأبانه، وأظهره ذلك الصيام الذي هو أحد أركان الإسلام بين الله متى ابتداء الصوم وانتهاؤه شهريا، ومتى ابتداؤه، وانتهاؤه يوميا، فقال في الشهر: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فإذا تبين الفجر إما بمشاهدته إن كان الإنسان في فضاء، وإما بسماع المؤذنين الذين يؤذنون على طلوع الفجر دخل وقت الصيام إلى غروب الشمس لقول النبي ﷺ للصحابة ﵃: «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» . وقال: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأشار إلى المشرق، وأدبر النهار من هاهنا، وأشار إلى المغرب، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم» . أيها الناس: إن المفطرات التي تجنب في الصيام سبعة أنواع: الأول الجماع، وهو أعظم المفطرات، وفيه الكفارة المغلظة إذا حصل في نهار رمضان ممن يجب عليه الصيام وكفارته عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. الثاني إنزال المني باختياره بتقبيل أو لمس أو ضم أو استمناء أو غير ذلك، فأما إنزال المني بالاحتلام، فلا يفطر؛ لأنه من نائم، والنائم لا اختيار له. الثالث الأكل والشرب، وهو إيصال الطعام والشراب إلى جوفه سواء كان ذلك الطعام والشراب حلالا أم حراما نافعا أم غير نافع، وسواء كان عن طريق الفم أم طريق الأنف لقول النبي ﷺ : «بالغ في الاستنشاق» . يعني في الوضوء إلا أن تكون

стр. 463

صائما فدل هذا على أن الداخل من الأنف كالداخل من الفم، فأما شم الروائح، فلا يفطر؛ لأنه ليس للرائحة جرم يدخل إلى الجوف. الرابع ما كان بمعنى الأكل والشرب مثل الإبر المغذية وهي التي يستغنى بها عن الطعام والشراب؛ لأنها بمعناهما فأما غير المغذية، وهي التي للتداوي وتنشيط الجسم، فإنها لا تفطر سواء أخذت مع العرق أم مع العضلات لأنها ليست بمعنى الأكل والشرب. الخامس من المفطرات إخراج الدم بالحجامة لقول النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم» . ولا يفطر بخروج الدم بالرعاف ونحوه؛ لأنه بغير اختياره. ولا يفطر بخروج الدم من قلع السن أو الضرس؛ لأنه غير مقصود لكن لا يبلع الدم لأن بلع الدم حرام على الصائم وغيره. ولا يفطر بشق الجرح لإخراج القيح منه، ولو خرج منه دم. فأما سحب الدم من الصائم ليحقن في شخص آخر محتاج له، فإنه يفطر؛ لأنه كثير يؤثر على البدن كما تؤثر الحجامة، وعلى هذا فلا يجوز لمن صومه واجب أن يمكن من سحب الدم منه، إلا أن يكون لشخص مضطر لا يمكن صبره إلى الغروب، ويرجى انتفاعه بهذا الدم، فله أن يمكن من سحب الدم منه لهذا المضطر، ويأكل، ويشرب، ويقضي يوما مكانه. السادس من المفطرات القيء وهو إخراج ما في معدته من الطعام أو الشراب إذا تعمده، فأما إن هاجت معدته، وخرج الطعام بدون تعمد منه، فلا يفطر لقول النبي ﷺ : «من ذرعه القيء أي: غلبه فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض» . وهذه المفطرات الستة لا يفطر بها الصائم إلا إذا فعلها عالما ذاكرا مختارا، فلا يفطر إن فعلها جاهلا مثل أن يفعل شيئا من المفطرات يظن أنه لا يفطر وهو يفطر، أو يظن أن الفجر لم يطلع وهو طالع، أو يظن أن الشمس قد غربت، وهي لم تغرب، فليس عليه في ذلك حرج ولا قضاء لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «أفطرنا على عهد النبي ﷺ في يوم غيم، ثم طلعت الشمس» ، ولم تذكر أن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء، ولو أمرهم لذكرته لأهميته، وما كان الله ليضيع على عباده حكما واجبا بدون بيان لكن متى علم أنه في نهار وجب عليه التوقف عن تناول المفطر، فإن استمر في تناول المفطر بطل صومه.

стр. 464

ولا يفطر إذا فعل شيئا من المفطرات ناسيا لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقول النبي ﷺ «من نسي وهو صائم، فأكل، أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله، وسقاه» لكن إذا ذكر، أو ذكر وجب عليه التوقف عن تناول المفطر، فإن استمر بطل صومه حتى لو كان الشيء في فمه، فبلعه بعد ذكره بطل صومه، ومن رأى صائما يأكل أو يشرب ناسيا، فليذكره فإن ذلك من التعاون على البر والتقوى. ولا يفطر إذا حصل عليه شيء من المفطرات بغير اختياره، فلو طال إلى جوفه غبار أو تسرب إليه ماء عند المضمضة أو الاستنشاق بغير اختياره، فصومه صحيح ولا شيء عليه. النوع السابع من المفطرات خروج دم الحيض أو النفاس، فمتى خرج ذلك، ولو قبل الغروب بلحظة بطل الصوم، ولو أحست بحركته قبل الغروب، ولم يخرج إلا بعده ولو بزمن قليل فالصوم صحيح لأنه لا يبطل إلا بخروجه. ويجوز للصائم أن يتكحل بأي كحل شاء، وأن يقطر دواء في عينه أو أذنه، وأن يداوي جروحه، وأن يتطيب بالبخور وغيره لكن لا يستنشق دخان البخور، فيدخل إلى جوفه، ويجوز للصائم أن يفعل ما يخفف عنه الحر، والعطش كالتبرد بالماء، وبل الثوب، ونحوه، فقد روى الإمام مالك عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: «لقد رأيت رسول الله ﷺ يصب الماء على رأسه من العطش أو من الحر يعني وهو صائم» . وبل ابن عمر ثوبه، وألقاه على بدنه. ويجوز للصائم أن يتسوك في أول النهار وآخره، وهو سنة له كما هو سنة لغيره، ويتأكد عند الصلاة والضوء والقيام من النوم، وأول ما يدخل بيته. والسنة أن يفطر على رطب، فإن لم يكن فتمر، فإن لم يكن فماء، فإن لم يكن فعلى أي طعام أو شراب حلال، فإن غربت الشمس وهو في مكان ليس عنده شيء نوى الفطر بقلبه، ولا يمص أصبعه كما يفعله بعض العوام. واحفظوا أيها المسلمون صيامكم من اللغو والرفث وقول الزور وفعله، فإن من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. أقيموا الصلاة في أوقاتها مع الجماعة، أكثروا من الصلاة والذكر وقراءة القرآن والصدقة وغيرها من الطاعات، اجتنبوا ما حرم الله عليكم من الغيبة والنميمة والغش والكذب والسب والشتم، وإن سابكم أحد، فقولوا: إني صائم، ابتعدوا عن استماع المعازف وآلات اللهو من الراديو أو غيره، فإن الصوم جنة يتقي بها الصائم الآثام، وينجو بها من النار، فمن تجرأ على المحرمات، أو تهاون بالواجبات في

стр. 465

صيامه نقص ذلك من أجره.: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.

стр. 466

[الخطبة الرابعة في التراويح] الخطبة الرابعة في التراويح الحمد لله الذي من على عباده بمواسم الخيرات ليغفر لهم بذلك الذنوب، ويكفر عنهم السيئات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأرض والسماوات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف المخلوقات صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان مدى الأوقات، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، وقوموا رمضان فإن من قامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ألا وإن صلاة التروايح من قيام رمضان، ولكنها سميت تراويح؛ لأن الناس في السلف الصالح كانوا كلما صلوا أربع ركعات استراحوا قليلا. فصلوا صلاة التروايح بطمأنينة بخشوع وحضور قلب، فإنها صلاة وعبادة ليست مجرد حركات وعمل لا يدري الإنسان ما يقوله فيه، وما يفعل، والمقصود بها التعبد لا سرد الركعات، وإن كثيرا من الناس يتهاون بها الأئمة وغير الأئمة. أما الأئمة فكثير منهم يسرع بها إسراعا مخلا بكثير من السنن، بل ربما يخل بالأركان، وأما غير الأئمة فكثير من الناس يفرطون فيها، فلا يصلونها ومنهم من يصلي بعضها، وينصرف قبل إمامه، وهذا حرمان لفضيلتها، وقد قال النبي ﷺ : «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» ، فاصبروا حتى يكمل الإمام صلاته، وأوتروا معه، وإذا قمتم من آخر الليل، وأردتم أن تصلوا، فصلوا ركعتين ركعتين، ولا تعيدوا الوتر؛ لأن الوتر لا يعاد مرة ثانية في الليلة ". واعلموا رحمكم الله أن خير الهدي هدي محمد ﷺ كما كان ﷺ يعلن ذلك في خطبة الجمعة، وصدق رسول الله ﷺ ، فإن خير الهدي هديه ﷺ ، وكان من هديه في قيام الليل أن لا يزيد على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة لا في رمضان، ولا في غيره، فقد سئلت عائشة ﵂ كيف كانت صلاة النبي ﷺ ، فقالت: «كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة» (متفق عليه) . وقال ابن عباس ﵄: «كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة» . (رواه مسلم) . وصح عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه أمر أبيّ بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة (رواه مالك في الموطأ عن محمد بن يوسف وهو ثقة ثبت عن السائب بن يزيد وهو صحابي) فهذا العدد أعني

стр. 467

الإحدى عشرة هو ما جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، واتبعه على ذلك عمر ﵁ فهو خير الهدي، وأكمله، وأتمه، وأحسنه، وقد قال الله : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] ولم يقل: ليبلوكم أيكم أكثر عملا، وأحسن العمل، وأتمه ما كان أقوى إخلاصا لله، وأشد اتباعا لرسول الله ﷺ ، فتكون التروايح بإحدى عشرة، أو بثلاث عشرة ركعة هو الأفضل والأحسن، ومع ذلك لو صلاها الإنسان ثلاثا وعشرين، أو ثلاثا وأربعين أو تسعا وثلاثين أو سبع عشرة أو تسع عشرة ما أنكر عليه؛ لأن الناس اختلفوا في ذلك، ولكن الفاصل بينهم عند الخلاف هو سنة رسول الله ﷺ ، وإنما الذي ينكر ما يفعله بعض الناس من السرعة العظيمة المخلة المتعبة والإمام راع، فيمن يصلي خلفه، فعليه أن يفعل ما هو الأكمل في حقهم، ولا يسرع بهم ذلك الإسراع المخل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] أيها المسلمون إن مما أنعم الله به على عباده في هذا العصر مكبرات الصوت التي تبلغ صوت الإمام لمن خلفه، فيسمعه جميع أهل المسجد، وينشطون في صلاتهم لذلك، ولكن بعض الناس استعمله استعمالا سيئا، فرفعه على المنارة، وهذا حرام؛ لأنه وقوع فيما نهي عنه النبي ﷺ حين خرج على أصحابه وهم يصلون، ويجهرون بالقراءة، فقال: «كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن» . ولأنه أذية للمصلين حوله في المساجد والبيوت حيث يشوش عليهم القراءة والدعاء، فيحول بينهم وبين ربهم، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ويمكن حصول منفعة مكبر الصوت بدون مضرة بأن يفصل عن المنارة، ويوضع سماعات في داخل المسجد تنفع المصلين، ولا تؤذي من كان خارج المسجد. اللهم ارزقنا اتباع نبينا، وتوفنا على ملته، واحشرنا في زمرته، واسقنا من حوضه، وأدخلنا في شفاعته، واجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم ارزقنا اغتنام أوقات شهر رمضان بالعمل الصالح المقرب إليك، وزودنا بالتقوى للقيام بين يديك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين إنك أنت الغفور الرحيم.

стр. 468

[الخطبة الخامسة في العمل في العشر الأواخر من رمضان] الخطبة الخامسة في العمل في العشر الأواخر من رمضان الحمد لله الذي وفق برحمته من شاء من عباده، فعرفوا أقدر مواسم الخيرات، وعمروها بطاعة الله، وخذل من شاء بحكمته، فعميت منهم القلوب والبصائر، وفرطوا في تلك المواسم، فباءوا بالخسائر، وأشهد أن الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الحكيم القاهر، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أقوم الناس بطاعة ربه في البواطن والظواهر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله تعالى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، فهما خزائن الأعمال ومراحل الآجال يودعهما الإنسان ما قام به فيهما من عمل، ويقطعهما مرحلة مرحلة حتى ينتهي به الأجل، فانظروا رحمكم الله ماذا تودعونهما، فستجد كل نفس ما عملت، وتعلم ما قدمت وأخرت في يوم لا يستطيع به الخلاص مما فات: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ - بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ - وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٣ - ١٥] أيها الناس لقد قطعتم الأكثر من شهر الصيام، ولم يبق منه إلا اليسير من الليالي والأيام فمن كان منكم قام بحقه، فليتم ذلك، وليحمد الله عليه، وليسأله القبول، ومن كان منكم فرط فيه، وأساء، فليتب إلى ربه، فباب التوبة مفتوح غير مقفول. أيها الناس إنكم في العشر الأخيرة من هذا الشهر الكريم، فاغتنموه بطاعة الله المولى العظيم أحسنوا في أيامه الصيام، ونوروا لياليه بالقيام، واختموه بالتوبة والاستغفار وسؤال الله العفو والعتق من النار كم أناس تمنوا إدراك هذا العشر، فأدركهم المنون، فأصبحوا في قبورهم مرتهنين لا يستطيعون زيادة في صالح الأعمال ولا توبة من التفريط والإهمال، وأنتم قد أدركتموها بنعمة الله في صحة وعافية، فاجتهدوا فيها بالعمل الصالح والدعاء لعلكم تصيبون نفحة من رحمة الله تعالى، فتسعدوا بها في الدنيا والآخرة. عباد الله لقد كان نبينا ﷺ يعظم هذا العشر، ويخصه بالاعتكاف في المسجد تفرغا لعبادة ربه، وتحريا لليلة القدر التي قال الله عنها في كتابه: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] ومعنى ذلك أنها خير من ثلاثين ألف ليلة أو قريبا منها خير منها في بركتها، وما يفيض فيها المولى الكريم على عباده من الرحمة والغفران وإجابة الدعاء وقبول الأعمال.

стр. 469

فاجتهدوا عباد الله في طلبها كما كان نبيكم ﷺ يفعل، فإنه كان إذا دخل العشر شد المئزر، وأحيا ليله بعبادة ربه نعم كان يفعل ذلك، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر الذي هو أتقى الناس وأخشاهم لله تعالى فكيف بنا نحن المفرطين المذنبين. فاجتهدوا عباد الله في طلب تلك الليلة الشريفة المباركة، وتحروا خيرها وبركتها بالمحافظة على الصلوات المفروضة وكثرة القيام وأداء الزكاة وبذل الصدقات وحفظ الصيام وكثرة الطاعات واجتناب المعاصي والسيئات والبعد عن العداوة بينكم والبغضاء والمشاحنات، فإن الشحناء من أسباب حرمان الخير في ليلة القدر، فقد خرج النبي ﷺ ليخبر أصحابه بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين أي: تخاصما، وتنازعا، فرفعت بسبب ذلك. واحرصوا على قيام الليل مع الإمام في أول الليل وآخره، وإذا قمتم من منامكم، فقولوا: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، واذكروا الله، وادعوه، وتطهروا، وافتتحوا القيام بركعتين خفيفتين امتثالا لأمر النبي ﷺ ، واتباعا له، ولتحلوا عنكم عقد الشيطان التي يعقدها على كل نائم، فإذا استيقظ، وذكر الله انحلت عقدة، فإذا تطهر انحلت الثانية، فإذا صلى انحلت الثالثة فأصبح نشيطا طيب النفس، ومن جاء وقد شرع الإمام في القيام، ولم يصل الركعتين الخفيفتين في بيته، فإنه يدخل مع الإمام، ولا يصليهما لئلا ينفرد بصلاة وحده عن الجماعة. وأطيلوا القيام في الليل أطيلوا القراءة، وتدبروها، وأطيلوا الركوع، والقيام بعده وأطيلوا السجود والجلوس بين السجدتين، واجعلوا القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين مقاربا للركوع والسجود، ولا تفعلوا كما يفعل كثير من الناس يطيلون الركوع، ويقصرون عنه القيام بعده، ويطيلون السجود، ويقصرون عنه الجلوس بين السجدتين، فإن ذلك خلاف السنة. قال البراء بن عازب ﵁: «كان ركوع النبي ﷺ وسجوده وإذا رفع رأسه من الركوع وبين السجدتين قريبا من السواء» . أكثروا في الركوع من تعظيم الله بقول: سبحان ربي العظيم وغيرها مما ورد، وأكثروا من تحميد الله والثناء عليه في القيام بعد الركوع حتى يكون مقاربا للركوع، وأكثروا من الدعاء في السجود بعد قول: سبحان ربي الأعلى وغيرها مما ورد، فدعاء الله في السجود حري بالإجابة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأكثروا من الدعاء في الجلوس بين السجدتين حتى يكون مقاربا للسجود. وأحضروا قلوبكم

стр. 470

في صلواتكم فرضها ونفلها، وأخلصوا في دعائكم، وألحوا على ربكم، فإنه يحب الملحين في الدعاء لمحبته للجود والكرم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] اللهم وفقنا للدعاء ومن علينا بالإجابة. اللهم تقبل دعاءنا وعباداتنا، وتجاوز عن تقصيرنا وسيئاتنا. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين إنك أنت الغفور الرحيم. وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 471

[الفرع الخامس في الحج والأضحية] [الخطبة الأولى في فرضية الحج وشروطها] الفرع الخامس في الحج والأضحية الخطبة الأولى في فرضية الحج وشروطها الحمد لله الذي فرض الحج على عباده إلى بيته الحرام، ورتب على ذلك جزيل الأجر ووافر الإنعام، فمن حج البيت، فلم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه نقيا من الذنوب والآثام والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة دار السلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من صلى، وزكى، وحج، وصام، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى، وأدوا ما فرضه الله عليكم من الحج إلى بيته حيث استطعتم إليه سبيلا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقال النبي ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» . وأخبر ﷺ أن الإسلام بني على هذه الخمس فلا يتم إسلام عبد حتى يحج، ولا يستقيم بنيان إسلامه حتى يحج. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من له جدة (أي غنى) ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. ففريضة الحج ثابتة بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وبإجماع المسلمين عليها إجماعا قطعيا، فمن أنكر فريضة الحج، فقد كفر، ومن أقر بها، وتركها تهاونا فهو على خطر. فإن الله يقول بعد ذكر إيجابه على الناس: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] كيف تطيب نفس المؤمن أن يترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه، وهو يعلم أنه من فرائض الإسلام، وأركانه كيف يبخل بالمال على نفسه في أداء هذه الفريضة وهو ينفق الكثير من ماله فيما تهواه نفسه؟ وكيف يوفر نفسه عن التعب في الحج وهو يرهق نفسه في التعب في أمور دنياه؟ وكيف يتثاقل فريضة الحج وهو لا يجب في العمر سوى مرة واحدة؟ وكيف يتراخى ويؤخر أداءه وهو لا يدري لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه.

стр. 472

فاتقوا الله عباد الله، وأدوا ما فرضه الله عليكم من الحج تعبدا لله تعالى، ورضا بحكمه وسمعا وطاعة لأمره إن كنتم مؤمنين: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] إن المؤمن إذا أدى الحج والعمرة بعد بلوغه مرة واحدة، فقد أسقط الفريضة عن نفسه، وأكمل بذلك أركان إسلامه، ولم يجب عليه بعد ذلك حج ولا عمرة إلا أن ينذر الحج أو العمرة، فيلزمه الوفاء بما نذر لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» . أيها المسلمون إن من تمام رحمة الله ومن بالغ حكمته أن جعل لفرائضه حدودا وشروطا لتنضبط الفرائض، وتتحدد المسؤولية، وجعل هذه الحدود والشرائط في غاية المناسبة للفاعل والزمان والمكان، ومن هذه الفرائض الحج، فله حدود وشروط، ولا يجب على المسلم إلا بها، فمنها البلوغ، ويحصل في الذكور بواحد من أمور ثلاثة: إنزال المني أو تمام خمس عشرة سنة أو نبات العانة. وفي الإناث بهذه الثلاثة وزيادة أمر رابع، وهو الحيض فمن لم يبلغ فلا حج عليه ولو كان غنيا لكن لو حج صح حجه تطوعا، وله أجره، فإذا بلغ أدى الفريضة؛ لأن حجه قبل البلوغ لا يسقط به الفرض؛ لأنه لم يفرض عليه بعد فهو كما لو تصدق بمال ينوي به الزكاة قبل أن يملك نصابه. وعلى هذا فمن حج ومعه أبناؤه أو بناته الصغار، فإن حجوا معه كان له أجر، ولهم ثواب الحج، وإن لم يحجوا فلا شيء عليه ولا عليهم. ومن شروط وجوب الحج أن يكون مستطيعا بماله وبدنه؛ لأن الله تعالى شرط ذلك للوجوب في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فمن لم يكن مستطيعا، فلا حج عليه، فالاستطاعة بالمال أن يملك الإنسان ما يكفي لحجة زائدا عن حوائج بيته، وما يحتاجه من نفقة وكسوة له ولعياله وأجرة سكن لمدة سنة، وقضاء ديون حالة، فمن كان عنده مال يحتاجه لما ذكر لم يجب عليه الحج، ومن كان عليه دين حال لم يجب عليه الحج حتى يوفيه. والدين كل ما ثبت في ذمة الإنسان من قرض وثمن مبيع وأجرة وغيرها، فمن كان في ذمته درهم واحد حال فهو مدين، ولا يجب عليه الحج حتى يبرأ منه بوفاء أو إسقاط؛ لأن قضاء الدين مهم جدا، حتى إن الرجل ليقتل في سبيل الله شهيدا، فتكفر عنه الشهادة كل شيء إلا الدين، فإنها لا تكفره، وحتى إن الرجل ليموت، وعليه الدين، فتعلق نفسه بدينه حتى يقضى عنه.

стр. 473

أما الدين المؤجل، فإن كان موثقا برهن يكفيه لم يسقط به وجوب الحج، فإذا كان على الإنسان دين قد أرهن به طالبه ما يكفي الدين، وبيده مال يمكنه أن يحج به، فإنه يجب عليه الحج؛ لأنه قد استطاع إليه سبيلا، أما إذا كان الدين المؤجل غير موثوق برهن يكفيه فإن الحج لا يجب عليه حتى يبرأ من دينه. والاستطاعة بالبدن أن يكون الإنسان قادرا على الوصول بنفسه إلى البيت - أي مكة - بدون مشقة، فإن كان لا يستطيع الوصول إلى البيت، أو يستطيع الوصول لكن بمشقة شديدة كالمريض، فإن كان يرجو الاستطاعة في المستقبل انتظر حتى يستطيع، ثم يحج، فإن مات حج عنه من تركته، وإن كان لا يرجو الاستطاعة في المستقبل كالكبير والمريض والميؤوس من برئه، فإنه يوكل من يحج عنه من أقاربه أو غيرهم، فإن مات قبل التوكيل حج عنه من تركته. وإذا لم يكن للمرأة محرم، فليس عليها حج؛ لأنها لا تستطيع السبيل إلى الحج، فإنها ممنوعة شرعا من السفر بدون محرم. قال ابن عباس ﵄ سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل، فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : انطلق فحج مع امرأتك، فأمره النبي ﷺ أن يحج مع امرأته» مع أنه قد كتب مع الغزاة، ولم يستفصل منه النبي ﷺ هل كانت امرأته شابة، أو كان معها نساء أو لا، وهو دليل على أن المرأة يحرم عليها السفر على أي حال وعلى أي مركوب طائرة أو سيارة إلا بمحرم وهو زوجها، وكل من يحرم عليه نكاحها تحريما مؤبدا كالأب، وإن علا، والابن وإن نزل، والأخ وابن الأخ، وإن نزل وابن الأخت، وإن نزل، والعم والخال سواء كان ذلك من نسب أو رضاع، وكأب الزوج، وإن علا، وابنه، وإن نزل، وزوج البنت، وإن نزلت، وكزوج الأم، وإن علت إذا كان قد دخل بها. ولا بد أن يكون المحرم بالغا عاقلا، فمن كان دون البلوغ لا يكفي أن يكون محرما؛ لأن المقصود من المحرم حفظ المرأة وصيانتها وهيبتها، وذلك لا يحصل بالصغير. أيها المسلمون من رأى نفسه أنه قد استكمل شروط وجوب الحج، فليؤده، ولا يتأخر، فإن أوامر الله ورسوله على الفور بدون تأخير، والإنسان لا يدري ما يحصل في المستقبل، وقد يسر الله، وله الحمد لنا في هذه البلاد ما لم ييسره لغيرنا من سهولة الوصول إلى البيت، وأداء

стр. 474

المناسك، فقابلوا هذه النعمة بشكرها، وأداء فريضة الله عليكم قبل أن يأتي أحدكم الموت، فيندم حين لا ينفع الندم. واسمعوا قول الله : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ - وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ - أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ - أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ - أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٤ - ٥٨] ومن حج على الوجه الشرعي مخلصا لله متبعا لرسول الله ﷺ ، فقد تم حجه سواء كان قد تمم له، أم لا أما ما توهمه بعض العوام أن من لم يتمم، فلا حج له فهو غير صحيح، فلا علاقة بين التميمة والحج. وفقني الله وإياكم للقيام بفرائضه والتزام حدوده، وزودنا من فضله وكرمه وحسن عبادته ما تكمل به فرائضنا، وتزداد به حسناتنا، ويكمل به إيماننا، ويرسخ به ثباتنا إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 475

[الخطبة الثانية في الاستنابة في الحج عن الغير] الخطبة الثانية في الاستنابة في الحج عن الغير الحمد لله الذي شرع العبادات لتزكية النفوس وتكميل الإيمان، ونوعها ما بين بدنية ومالية، وجامعة بين الأموال والأبدان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلى الإنس والجان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الحج من أفضل العبادات وأعظمها ثوابا، فقد صح عن النبي ﷺ أن قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» وأنه قال: «من حج فلم يرفث، ولم يفسق رجع كما ولدته أمه» . يعني نقيا من الذنوب. وأن الحج عبادة بدنية، وإن كان فيها شيء من المال كالهدي، فهي في ذاتها عبادة بدنية يطلب من العبد فعلها بنفسه، وقد جاءت السنة بالاستنابة فيها في الفريضة حال اليأس من فعلها ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ «أن امرأة قالت: " يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم» . ذلك في حجة الوداع «وأن امرأة أخرى قالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: " نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم قال: اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» . فمن كان قادرا على الحج بنفسه، فإنه لا يصح أن يوكل من يحج عنه، وقد تساهل كثير من الناس في التوكيل في حج التطوع حتى أصبح لا يحدث نفسه أن يحج إلا بالتوكيل يوكل غيره أن يحج عنه، فيحرم نفسه الخير الحاصل له بالحج بنفسه من أجر تعب العبادة، وما يكون فيها من ذكر ودعاء وخشوع ومضاعفة أعمال ولقاءات نافعة وغير ذلك اعتمادا على توكيله من يحج عنه، وقد منع الإمام أحمد ﵀ في إحدى الروايتين عنه من توكيل القادر من يحج عنه في التطوع، فلا ينبغي للمسلم أن يتساهل في ذلك بل يحج بنفسه إن شاء، أو يعين الحجاج بشيء من المال ليشاركهم في الأجر من غير أن ينقص من أجورهم شيء. أيها الناس إن الحج عبادة من العبادات يفعلها العبد تقربا إلى الله تعالى وابتغاء لثواب الآخرة، فلا يجوز للعبد أن يصرفها إلى تكسب مادي يبتغي بها المال، وإن من المؤسف أن كثيرا

стр. 476

من الناس الذين يحجون عن غيرهم إنما يحجون من أجل كسب المال فقط، وهذا حرام عليهم، فإن العبادات لا يجوز للعبد أن يقصد بها الدنيا يقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] ويقول تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] فلا يقبل الله تعالى من عبد عبادة لا يبتغي بها وجهه، ولقد حمى رسول الله ﷺ أماكن العبادة من التكسب للدنيا، فقال ﷺ : «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك» . فإذا كان هذا فيمن جعل موضع العبادة مكانا للتكسب يدعى عليه أن لا يربح الله تجارته، فكيف بمن جعل العبادة نفسها غرضا للتكسب الدنيوي كأن الحج سلعة، أو عمل حرفة لبناء بيت، أو إقامة جدار تجد الذي تعرض عليه النيابة يكاسر ويماكس هذه دراهم قليلة، هذه لا تكفي زد أنا أعطاني فلان كذا، أو أعطي فلان حجة بكذا، أو نحو هذا الكلام مما يقلب العبادة إلى حرفة وصناعة، ولهذا صرح فقهاء الحنابلة ﵏ بأن تأجير الرجل ليحج عن غيره غير صحيح، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: من حج ليأخذ المال، فليس له في الآخرة من خلاق لكن إذا أخذ النيابة لغرض ديني مثل أن يقصد نفع أخيه بالحج عنه، أو يقصد زيادة الطاعة والدعاء والذكر في المشاعر، فهذا لا بأس به وهي نية سليمة. إن على الذين يأخذون النيابة في الحج أن يخلصوا النية لله تعالى وأن تكون نيتهم قضاء وطرهم بالتعبد حول بيت الله وذكره ودعائه مع قضاء حاجة إخوانهم بالحج عنهم وأن يبتعدوا عن النية الدنيئة بقصد التكسب بالمال فإن لم يكن في نفوسهم إلا التكسب بالمال فإنه لا يحل لهم أخذ النيابة حينئذ. ومتى أخذ النيابة بنية صالحة، فالمال الذي يأخذه كله له، إلا أن يشترط عليه رد ما بقي. وكذلك يجب عليه أن ينوي العمرة والحج لمن وكله؛ لأن هذا هو المعروف بين الناس إلا أن يشترط لنفسه أن العمرة له، فله ما شرط، ولا يحل لمن أخذ النائبة أن يوكل غيره فيها لا بقليل، ولا بكثير إلا برضا من صاحبها الذي أعطاه إياها وثواب الأعمال المتعلقة بالنسك كلها لمن وكله، أما مضاعفة الأجر بالصلاة والطواف الذي يتطوع به خارجا عن النسك وقراءة القرآن لمن حج لا للموكل، ويجب على الوكيل في الحج والعمرة أن يجتهد

стр. 477

في إتمام أعمال النسك القولية والفعلية؛ لأنه أمين على ذلك فليتق الله تعالى فيها ما استطاع، ويقول في التلبية: لبيك عن فلان، فإن نسيه نواه بقلبه، وقال: لبيك عمن أنابني في هذه العمرة، أو في هذا الحج. فيا عباد الله اتقوا ربكم، ولا تجعلوا الدنيا أكبر همكم، ولا تحولوا عبادة ربكم إلى قصد المادة، فترجعوا بالصفقة الخاسرة، وفقني الله وإياكم للإخلاص في القصد والإصلاح في العمل، وهدانا صراطه المستقيم إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 478

[الخطبة الثالثة في صفة الحج والعمرة] الخطبة الثالثة في صفة الحج والعمرة الحمد لله الذي بعث محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين وقدوة للعاملين وحجة على العباد أجمعين، واختار له دينا قيما مبنيا على الإخلاص لله والتيسير، فليس فيه حرج، ولا شدة، ولا تعسير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق، فأتقن، وشرع، فأحكم وهو خير الحاكمين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس، فإنكم تستقبلون في هذه الأيام السفر إلى بيت الله الحرام، ترجون من ربكم مغفرة الذنوب والآثام، وتأملون الفوز بالنعيم المقيم في دار السلام، وتؤمنون بالخلف العاجل من ذي الجلال والإكرام. أيها المسلمون إنكم تتوجهون في زمان فاضل إلى أمكنة فاضلة ومشاعر معظمة تؤدون عبادة من أجل العبادات لا تريدون بذلك فخرا ولا رياء ولا نزهة ولا طربا، وإنما تريدون وجه الله والدار الآخرة، فأدوا هذه العبادة كما أمرتم من غير غلو ولا تقصير ليحصل لكم ما أردتم من مغفرة الذنوب، والفوز بالنعيم المقيم، قوموا في سفركم وإقامتكم بما أوجب الله عليكم من الطهارة والصلاة وغيرهما من شعائر الدين. إذا وجدتم الماء، فتطهروا به للصلاة، فإن لم تجدوا ماء، فتيمموا صعيدا طيبا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم عنه. أدوا الصلاة جماعة، ولا تتشاغلوا عنها بأشغال يمكنكم قضاؤها بعد الصلاة صلوا الرباعية قصرا، فصلوا الظهر والعصر والعشاء الآخرة على ركعتين من خروجكم من بلدكم إلى رجوعكم إليها، إلا أن تصلوا خلف إمام يتم الصلاة، فأتموها أربعا. اجمعوا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير حسبما يتيسر لكم إن كنتم سائرين، أما إن كنتم مقيمين في مكة أو منى أو غيرها، فالسنة ألا تجمعوا، وإن جمعتم فلا بأس. تخلقوا بالأخلاق الفاضلة من الصدق والسماحة وبشاشة الوجه، والكرم بالمال والبدن والجاه، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين، واصبروا على المشقة والأذى، فإن الله مع الصابرين. وقد قيل: إنما سمي السفر سفرا؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال. فإذا وصلتم الميقات، فاغتسلوا، وتطيبوا في أبدانكم في الرأس واللحية، والبسوا ثياب الإحرام غير مطيبة إزارا ورداء أبيضين للذكور وللنساء ما شئن من الثياب غير متبرجات

стр. 479

بزينة. ولا تجاوزوا لميقات بدون إحرام، أحرموا من أول ميقات تمرون به؛ لأن النبي ﷺ وقت المواقيت، وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ومن كان في الطائرة، فليتهيأ للإحرام من قبل، ثم ينوي الإحرام، إذا حاذى الميقات قبل مجاوزته. سيروا بعد الإحرام إلى مكة ملبين بتلبية النبي ﷺ لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، يرفع الرجال أصواتهم بذلك. فإذا بلغتم البيت، فطوفوا به طواف العمرة سبعة أشواط، واعلموا أن جميع المسجد مكان للطواف القريب من الكعبة والبعيد حتى من وراء زمزم لكن القرب أفضل، إذا لم يكن زحام ومشقة. فإذا أكملتم الطواف، فصلوا ركعتين خلف مقام إبراهيم قريبا منه إن تيسر أو بعيدا. ثم اسعوا بين الصفا والمروة سعي العمرة سبعة أشواط تبتدئون بالصفا، وتختمون بالمروة. ومن سعى قبل الطواف فسعيه غير صحيح، إلا أن يكون ناسيا أو جاهلا. فإذا أكملتم السعي، فقصروا رؤوسكم من جميع جوانب الرأس لا من جانب منه كما يفعله بعض الناس، وتقصر المرأة من أطرافه بقدر أنملة، وبذلك تمت العمرة، وحللتم الحل كله. فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة، فأحرموا بالحج من مكانكم الذي أنتم فيه، فاغتسلوا، وتطيبوا، والبسوا ثياب الإحرام، وأحرموا بالحج، وسيروا ملبين إلى منى، وصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصرا بلا جمع تصلون الظهر والعصر والعشاء على ركعتين، وتؤدون كل صلاة وحدها في وقتها اقتداء برسول الله ﷺ ، فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع، فسيروا ملبين إلى عرفة وصلوا بها الظهر والعصر على ركعتين جمع تقديم، ثم تفرغوا لذكر الله ودعائه والتضرع إليه مستقبلي القبلة، ولو كان الجيل خلفكم رافعي قلوبكم وأيديكم إلى ربكم مؤملين منه إجابة دعائكم ومغفرة ذنوبكم. وتأكدوا من الوقوف داخل عرفة، فإن كثيرا من الحجاج ينزلون خارج حدودها، ولا يقفون فيها، ومن لم يقف بعرفة، فلا حج له وعرفة كلها موقف كما قال النبي ﷺ «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف» . فكل نواحي عرفة موقف إلا بطن الوادي وادي عرنة. فإذا غربت الشمس، فسيروا إلى مزدلفة، وصلوا بها المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين، وأوتروا، وبيتوا بها حتى تصلوا الفجر، ثم ادعوا الله سبحانه، واستغفروه، وكبروه، ووحدوه إلى أن تسفروا

стр. 480

جدا. ثم سيروا إلى منى كما فعل النبي ﷺ ، وقد رخص النبي ﷺ للضعفة أن يدفعوا من مزدلفة في آخر الليل. فإذا وصلتم إلى منى، فابدؤوا برمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات كل حصاة أكبر من الحمص قليلا، والقطوها من حيث شئتم، وكبروا مع كل حصاة، واعلموا أن الحكمة من رمي الجمرات هي إقامة ذكر الله وتعظيمه، ولذلك يكبر الرامي عند رميه، ولستم ترمون شياطين كما يظن بعض الناس، وإنما ترمون هذه الأحجار في هذه الأماكن تعظيما لله ، واقتداء برسول الله ﷺ ، فإذا رميتم، فاذبحوا الهدي إن تيسر، ولا يجزئ منه لا من يجزئ في الأضحية، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة، إذا رجعتم، ويجوز صيام الأيام الثلاثة قبل الطلوع، ويجوز في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، ويجوز صيام الأيام السبعة بعد رجوعكم متتابعة ومتفرقة. وإذا ذبحتم الهدي المتيسر، فاحلقوا رؤوسكم، والنساء يقصرن، وإذا رميتم، وحلقتم حل لكم كل شيء من محظورات الإحرام إلا النساء، فتلبسون ثيابكم، وتطيبون، ثم تنزلون إلى مكة، فتطوفون بالبيت للحج، وتسعون له بين الصفا والمروة، وبذلك تحلون الحل كله، فيحل لكم جميع محظورات الإحرام حتى النساء. أيها المسلمون إن الحجاج يوم العيد يؤدون مناسك عظيمة، ولذلك سماه الله يوم الحج الأكبر إنهم يرمون جمرة العقبة، ثم يذبحون هديهم، ثم يحلقون رؤوسهم، أو يقصرون، ثم يطوفون بالبيت، ويسعون بين الصفا والمروة والأكمل أن يفعلوها يوم العيد على هذا الترتيب، فإن قدموا بعضها على بعض، فلا حرج، فإن النبي ﷺ ما سئل يوم العيد عن شيء قدم، ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج تيسيرا على العباد ورحمة بهم، ولو أخرتم الطواف والسعي حتى تنزلوا من منى، فلا حرج غير أنكم لا تتمتعون بالنساء قبل ذلك، وإن أخرتم ذبح الهدي إلى اليوم الثالث عشر، وذبحتموه بمكة، فلا حرج. أيها الناس: بيتوا بمنى ليلتين الحادية عشرة والثانية عشرة، وارموا الجمار الثلاث في اليومين بعد زوال الشمس ابدؤا برمي الجمرة الأولى الشرقية، فارموها بسبع حصيات، وكبروا مع كل حصاة، ثم تقدموا عن الزحام، وقفوا مستقبلي رافعي أيديكم إلى ربكم تدعونه دعاء طويلا، ثم ارموا الجمرة الوسطى بسبع حصيات، وكبروا مع كل حصاة، ثم تقدموا عن الزحام، وادعوا الله دعاء طويلا وأنتم إلى القبلة رافعي أيديكم، ثم ارموا جمرة العقبة بسبع حصيات، وكبروا مع كل حصاة، وانصرفوا بعد ذلك بدون وقوف للدعاء، فإن النبي ﷺ وقف بعد

стр. 481

وكبروا مع حصاة وانصرفوا بعد ذلك بدون وقوف للدعاء، فإن النبي ﷺ وقف بعد رمي الجمرة الأولى والوسطى ولم يقف بعد رمي جمرة العقبة. ولا ترموا قبل زوال الشمس في الأيام التي بعد العيد لأن النبي ﷺ كان لا يرمي فيها إلا بعد الزوال ولكم الرمي إلى الغروب. وإذا كان الزحام شديدًا جاز لكم أن تؤخروا الرمي إلى الليل لأن النبي ﷺ وقَّت أول الرمي دون آخره وأذن للضعفة أن يدفعوا من مزدلفة قبل الفجر خوفًا عليهم من الزحام. وارموا بأنفسكم ولا توكلوا أحدًا يرمي عنكم لأن الرمي عبادة واجبة على الذكور والإناث، فيجب على المرء أن يؤديها بنفسه إلا عند الضرورة مثل أن يكون مريضًا أو كبيرًا أو امرأة حاملًا تخاف على نفسها أو حملها من الزحام فيجوز التوكيل حينئذ فيرمي الوكيل الجمرة الأولى عن نفسه ثم يرميها عن موكله ثم يرمي الثانية عن نفسه ثم عن موكله ثم يرمي الثالثة عن نفسه ثم عن موكله. فإذا رميتم الجمار في اليوم الثاني عشر فقد تم الحج، فمن شاء تعجل فخرج من منى قبل غروب الشمس ومن شاء تأخر فبات بمنى ليلة الثالث عشر ورمى الجمار من الغد بعد الزوال وهذا أفضل لأنه فعل النبي ﷺ ، ولأنه أكثر عملًا حيث يحصل المبيت والرمي في الثالث عشر. وطوفوا للوداع إذا أردتم ثم السفر إلى بلدكم بعد تمام أفعال الحج كلها؛ لأن طواف الوداع ليس بعده شيء من أفعال الحج، ولقد سمعت أن بعض الناس ينزل فيطوف للوداع ثم يخرج إلى منى فيرمي الجمرات ثم يستمر في سفره وهذا خطأ مخالف لأمر النبي ﷺ وفعله، فإن النبي ﷺ أمر أن يكون آخر عهد الناس بالبيت. ومن رمى بعد الوداع فقد جعل آخر عهده بالجمار لا بالبيت، ولأن النبي ﷺ طاف بعد أن أتم جميع أفعال النسك. والوداع واجب على كل خارج من مكة من حاج أو معتمر إلا الحائض والنفساء فليس عليهما وداع. وإذا رجعتم إلى بلادكم فاشكروا نعمة ربكم وأنيبوا إليه والزموا طاعته ولا تعيدوا سيئاتكم لصفحاتكم بعد أن محيت بالحج أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.

стр. 482

[الخطبة الرابعة في محظورات الإحرام] الخطبة الرابعة في محظورات الإحرام إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله - بحكمته ورحمته - فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها فرض عليكم تعظيم شعائره وحرماته ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] ألا وإن من شعائر الله مناسك الحج والعمرة ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] فعظموا هذه المناسك فإنها عبادة عظيمة ونوع من الجهاد في سبيل الله. سألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ هل على النساء جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة. عظموا هذه المناسك بالقيام بما أوجب الله عليكم والبعد عما حرم الله عليكم ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] عظموا هذه المناسك بالإخلاص فيها لله تعالى والاتباع لنبيكم محمد ﷺ . قوموا بما أوجب الله عليكم من الطهارة والصلاة جماعة في أوقاتها والنصح للمسلمين. واجتنبوا ما حرم الله عليكم من المحرمات العامة من الفسوق بجميع أنواعه اجتنبوا الكذب والغش والخيانة والغيبة والنميمة والاستهزاء بالمسلمين والسخرية منهم. واجتنبوا الاستماع إلى المعازف والأغاني المحرمة. اجتنبوا كل ما يلهيكم عن إكمال مناسككم وإتمامها. واجتنبوا ما حرمه الله عليكم تحريمًا خاصًّا بسبب الإحرام وهي محظورات الإحرام. فاجتنبوا الرفث وهو الجماع ومقدماته من اللمس والتقبيل والنظر بشهوة والتلذذ. فالجماع أعظم محظورات الإحرام وأشدها تأثيرًا. من جامع قبل التحلل الأول فسد حجه ولزمه انهاؤه وقضاءه من العام المقبل وفدية بدنة ينحرها ويتصدق بها على الفقراء في مكة أو مني. واجتنبوا الأخذ من الشعر والرأس فإن الله يقول ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وألحق جمهور العلماء شعر بقية البدن بشعر الرأس وقاسوا عليه إزالة الأظفار وقالوا لا يجوز للمحرم أن يأخذ شيئًا

стр. 483

من شعره أو أظافره إلا أن ينكسر ظفره فيؤذيه فله أخذ ما يؤذيه. فمن حلق رأسه أو شيئًا منه فعليه فدية يفدي بها نفسه من العقوبة وهي إما صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو شاة يذبحها ويتصدق بها على المساكين ويكون الإطعام والذبح في مكة أو في مكان فعل المحظور. واجتنبوا قتل الصيد فإن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] سواء كان الصيد طائرًا كالحمام أم سائرًا كالظباء والأرانب فمن قتل صيدًا متعمدًا فعليه الجزاء وهو إما ذبح ما يماثله من الإبل أو البقر أو الغنم فيتصدق به على المساكين في مكة أو منى وإما تقويمه بدراهم ليتصدق بما يساويها من الطعام على المساكين في مكة أو منى لكل مسكين ربع صاع من البر أو نصفه من غيره وإما أن يصوم عن كل طعام مسكين يومًا. وأما قطع الشجر فلا تعلق له بالإحرام فيجوز للمحرم وغير المحرم قطع الشجر إذا كان خارج أميال الحرم مثل عرفة ولا يجوز إذا كان داخل أميال الحرم مثل مزدلفة ومنى ومكة إلا ما غرسه الآدمي بنفسه فله قطعه ويجوز للإنسان أن يضع البساط على الأرض في منى أو مزدلفة أو غيرهما من أرض الحرم ولو كان فيها حشيش أخضر إذا لم يقصد بذلك إتلافه. واجتنبوا عقد النكاح وخطبة النساء فإنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال «لا يَنْكِح المحرم ولا يُنْكِح ولا يخطب» . فلا يجوز للمحرم أن يتزوج سواء كان رجلًا أم امرأةً ولا أن يزوج غيره ولا أن يخطب امرأة. واجتنبوا الطيب بجميع أنواعه دهنًا كان أم بخورًا فقد قال النبي ﷺ «لا تلبسوا ثوبًا مسه الزعفران» . وقال في الرجل الذي مات بعرفة وهو محرم «اغسلوه بماء سدر ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يُبْعَث يوم القيامة ملبيًا» ، والحنوط هو الطيب الذي يجعل في قطن على منافذ الميت ومواضع سجوده فلا يجوز للمحرم أن يدهن بالطيب أو يتبخر به أو يضعه في أكله أو شرابه أو يتنظف بصابون مطيب ويجوز له أن يغتسل ويزيل ما لوثه من وسخ. وأما التطيب عند عقد الإحرام فهو سنة ولا يضر بقاؤه بعد عقد الإحرام. فقد قالت عائشة ﵂ «كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم» وقالت كأني أنظر إلى وبيص المسك أي بريقه في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم.

стр. 484

واجتنبوا تغطية الرأس بما يغطي به عادة ويلاصقه كالعمامة والغتره والطاقية فقد قال النبي ﷺ في المحرم الذي مات «لا تخمروا رأسه» أي لا تغطوه فأما ما لم تجر العادة بكونه غطاء كالعفش يحمله المحرم على رأسه فلا بأس به إذا لم يقصد به الستر وكذلك ما لا يلاصق الرأس كالشمسية ونحوها لا بأس به لأن المنهى عنه تغطية الرأس لا تظليله. وعن أم الحصين ﵂ قالت حججت مع النبي ﷺ حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالًا وأحدهما آخذ بحظام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. وتحريم تغطية الرأس خاص بالذكور دون الإناث. واجتنبوا من اللباس ما منع منه رسول الله ﷺ حيث «سئل ﷺ عما يلبس المحرم فقال لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البُرْنس ولا السراويل ولا الخفاف» وقال «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل» وتحريم هذا اللباس خاصٌّ بالذكور دون الإناث فلا يجوز للرجل إذا أحرم أن يلبس القميص مثل ثيابنا هذه ولا ما كان في معناه كالفنيلة والصدرية والكوت ولا يلبس العمامة ولا ما في معناها كالغترة والطاقية ولا يلبس البُرْنس ولا ما في معناه كالمشلح ولا يلبس السراويل سواء كان من ذوات الأكمام الطويلة أو القصيرة ولا يلبس الخفاف ولا ما بمعناها كالشراب ونحوها، فأما لبس الساعة في اليد أو تقلدها في العنق أو لبس النظارة في العين أو السماعة في الأذن أو الخاتم في الإصبع أو الحزام للفلوس أو لربط الإزار أو التلفف بالبطانية ونحوها عن البرد فلا بأس بذلك كله لأنه ليس داخلًا فيما نهى عنه لفظًا ولا معنًى فيكون مباحًا. فأما ربط الرداء بالمشبك فإن ربطه بمشابك متواصلة حتى صار كالقميص فالأقرب أنه ممنوع لأنه يشبه أو يقارب القميص الذي نهى عنه رسول الله ﷺ وإن ربطه بمشبك واحد فقط فلا بأس به إذا كان يؤذيه بانخلاعه إذا لم يربطه وإلا فالأولى تركه. أما الأنثى فتلبس ما شاءت من الثياب المباحة قبل الإحرام غير متبرجة بزينة. ولا يجوز للذكور ولا للإناث لبس القفازين وهما شراب اليدين ولا يجوز للمرأة لبس النقاب وهو ما يغطي به الوجه ويفتح للعينين والأفضل لها كشف وجهها إلا أن يراها أحد من الرجال غير المحارم فيجب عليها تغطيته. ويجوز للرجل وللمرأة تغيير ثياب الإحرام إلى

стр. 485

ثياب أخرى سواء غيرها لوسخ أو نجاسة أو غير ذلك. فاتقوا الله عباد الله واحفظوا نسككم من نواقصه ونواقضه ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 486

[الخطبة الخامسة في الأضحية] الخطبة الخامسة في الأضحية الحمد لله الذي شرع لعباده التقرب إليه بذبح القربان وقرن النحر له بالصلاة في محكم القرآن وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل والامتنان وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى على كل إنسان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتقربوا إليه بذبح الأضاحي فإنها سنة أبيكم إبراهيم الذي أمرتم باتباع ملته وسنة نبيكم محمد ﷺ فقد كان النبي ﷺ يضحي منذ هجرته إلى المدينة عن محمد وآل محمد فكانت الأضحية مشروعة بكتاب الله وبسنة رسول الله وبإجماع علماء المسلمين وبها يشارك أهل البلدان حجاج البيت في بعض شعائر الحج فالحجاج يتقربون إلى الله بذبح الهدايا وأهل البلدان يتقربون إليه بذبح الضحايا وهذا من رحمة الله بعباده حيث لم يحرم أهل البلدان الذين لم يقدر لهم الحج من بعض شعائره. فضحوا أيها المسلمون عن أنفسكم وعن أهليكم تعبدًا لله تعالى وتقربًا إليه واتباعًا لسنة رسوله ﷺ . والواحدة من الغنم تجزئ عن الرجل وأهل بيته الأحياء والأموات والسُّبع من البعير أو البقرة يجزئ عما تجزئ عنه الواحدة من الغنم فيجزئ عن الرجل وأهل بيته الأحياء والأموات ومن الخطأ أن يضحي الإنسان عن أمواته من عند نفسه ويترك نفسه وأهله الأحياء وأشد خطأً من ذلك من يضحي عن الميت أول سنة يموت ويسميها أضحية الحفرة ويعتقد أنها واجبة وأنها لا يشرَّك فيها أحد وهي في الحقيقة بدعة لا أصل لها في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله ﷺ ولا في عمل الصحابة ﵃ فيما نعلم وقد حذر النبي ﷺ أمته من البدع وقال: «كل بدعة ضلالة» . ومن كان عنده وصايا بأضاحي فليعمل بها كما ذكر الموصي فلا يدخل مع أصحابها أحدًا في ثوابها ولا يخرج منهم أحدًا وإن نسي أصحابها فلينوها عن وصية فلان فيدخل فيها كل من ذكر الموصي وإذا كان ريع الوصية لا يكفي للأضحية فتبرع الوصي بتكميلها للموصى فهو على خير وإن لم يتبرع فلا إثم عليه ويؤخرها للسنة الثانية. ولا تجزئ الأضحية إلا من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ضأنها ومعزها لقوله

стр. 487

تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] فلا يضحي بغيرها ولو كان أغلى منها كالظباء، ولا تجزئ الأضحية إلا بما بلغ السن المعتبر شرعًا وهي ستة أشهر في الضأن وسنة في المعز وسنتان في البقر وخمس سنوات في الإبل فلا يضحي بما دون ذلك لقول النبي ﷺ لا تذبحوا إلا مُسنَّة (وهي الثنية) إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن. ولا تجزئ الأضحية إلا بما كان سليمًا من العيوب التي تمنع من الإجزاء فلا يضحي بالعوراء البين عورها وهي التي نتأت عينها العوراء أو انخسفت. ولا بالعرجاء البين ضلعها وهي التي لا تستطيع المشي مع السليمة. ولا بالمريضة البين مرضها وهي التي ظهرت آثار المرض عليها بحيث يعرف من رآها أنها مريضة من جرب أو حمى أو جروح أو غيرها. ولا بالهزيلة التي لا مخ فيها لأن النبي ﷺ سئل ماذا يجتنب من الأضاحي فأشار بيده وقال أربع: العرجاء البين ظلعها والعوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقى. فقيل للبراء بن عازب ﵁ راوي هذا الحديث: إني أكره أن يكون في الأذن نقص أو في القرن نقص أو في السن نقص فقال البراء: ما كرهت فَدَعْه ولا تحرمه على أحد. فهذه العيوب الأربعة مانعة من الإجزاء دل على ذلك الحديث وقال به أهل العلم ويلحق بها ما كان مثلها أو أشد فلا يضحي بالعمياء ولا بمقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين ولا بالمبشومة حتى يزول الخطر عنها ولا بما أصابها أمر تموت به كالمجروحة جرحًا خطيرًا أو المنخنقة والمتردية من جبل ونحوها مما أصابها سبب الموت لأن هذه العيوب بمعنى العيوب الأربعة التي تمنع من الإجزاء بنص الحديث. فأما العيوب التي دون هذه فإنها لا تمنع من الإجزاء فتجزئ الأضحية بمقطوعة الأذن أو مشقوقتها مع الكراهة لحديث علي ﵁ قال «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء» وكل هذه الصفات شقوق في الأذن وتجزئ الأضحية بمكسورة القرن مع الكراهة لحديث عتبة بن عبد السلمي «أن النبي ﷺ نهى عن المستأصلة» وهي التي ذهب قرنها من أصله وتجزئ الأضحية بمقطوعة الذنب من الإبل والبقر والمعز مع الكراهة قياسًا على مقطوعة الأذن ولأن في بعض ألفاظ حديث علي ﵁ «أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نضحي ببتراء» .

стр. 488

فأما مقطوعة الألية من الضأن فلا تجزئ في الأضحية فإن كانت من نوع لا ألية له من أصل الخلقة فلا بأس بها. وتجزئ الأضحية بما نشف ضرعها من كبر أو غيره إذا لم تكن مريضة مرضًا بينًا وتجزئ الأضحية بما سقطت ثناياها أو انكسرت. وكلما كانت الأضحية أكمل في ذاتها وصفاتها وأحسن منظرًا فهي أفضل فاستكملوها واستحسنوها وطيبوا بها نفسًا واعلموا أن الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها لأنها شعيرة من شعائر الله وليس المقصود منها مجرد اللحم الذي يؤكل ويفرق بل أهم مقصود فيها ما تتضمنه من تعظيم الله بالذبح له وذكر اسمه عليها ولقد أصاب الناس في عهد النبي ﷺ في سنة من السنين مجاعة وقت الأضحى ولم يأمرهم النبي ﷺ بترك الأضحية وصرف ثمنها إلى المحتاجين بل أقرهم على الأضاحي وقال لهم: «من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة في بيته شيء فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله نفعل كما فعلنا في العام الماضي فقال النبي ﷺ : كلوا واطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان في الناس جهد فأردت أن تعينوا فيها» (رواه البخاري ومسلم) . ولا تذبحوا ضحاياكم إلا بعد انتهاء صلاة العيد وخطبتيها فإن ذلك أفضل وأكمل اقتداءً بالنبي ﷺ فإنه كان يذبح أضحيته بعد الصلاة والخطبة. قال جندب بن سفيان البجلي ﵁ «صَلَّى النبي ﷺ يوم النحر ثم خطب ثم ذبح» (رواه البخاري) . ولا يجزئ الذبح قبل تمام صلاة العيد لقول النبي ﷺ «من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى» . واذبحوا ضحاياكم بأنفسكم إن أحسنتم الذبح وقولوا بسم الله والله أكبر وسموا من هي له عند ذلك اقتداءً بالنبي ﷺ فإن لم تحسنوا الذبح فاحضروه فإنه أفضل لكم وأبلغ في تعظيم الله والعناية بشعائره قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ - الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥] وفقني الله وإياكم لتعظيم شعائره والعمل بشريعته والوفاة عليها إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 489

[الفرع السادس في الأخلاق والآداب] [الخطبة الأولى في شيء من حقوق الله تعالى وحقوق الخلق] الفرع السادس في الأخلاق والآداب الخطبة الأولى في شيء من حقوق الله تعالى وحقوق الخلق الحمد لله العليم الخبير القوي العزيز الحكيم خلق كل شيء فأتقنه صنعًا وتقديرًا وشرع الشرائع فأحكمها عملًا وتنظيمًا فسبحانه من إله عظيم وخالق حكيم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة من العذاب الأليم والفوز بدار النعيم المقيم وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين وحجة على العباد أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم القويم وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله لم يخلقكم عبثًا ولن يترككم سدًى وإنما خلقكم لحكمة بالغة وشرع لكم شرائع كاملة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا خلقكم وسترجعون إليه وشرع لكم الدين وستحاسبون عليه فاستعدوا للقاء ربكم وأعدوا الجواب عما سيسألكم يقول الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ - فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ - وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٦ - ٩] أيها الناس إن لربكم عليكم حقًّا وإن لأنفسكم عليكم حقًّا وإن للخلق عليكم حقًّا فأعطوا كل ذي حق حقه حتى تخرجوا من الدنيا وقد غنمتم الدنيا والآخرة ولا تفرطوا في هذه الحقوق فتخسروا الدنيا والآخرة. أيها الناس لقد ذكر الله حقوقه وحقوق عباده في كثير من آيات القرآن الكريم وإن من أجمع الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] إن أعظم الحقوق عليك هو حق الله تعالى الذي خلقك فسواك. وأمدك بالرزق ورباك وسخر كل شيء لمنفعتك ومصلحتك ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] وما بكم من نعمة فمن الله وإن حقه عليك أن تعبده ولا تشرك به شيئًا بأن تقوم بكل ما يحبه ويرضاه محبةً له وتعظيمًا له وطلبًا لثوابه وخوفًا من عقابه لا تقدم على عبادته النفس

стр. 490

ولا الولد ولا الأهل ولا المال لأن كل هذا يزول وتبقى عبادته ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] ولقد فرط كثير من الخلق في عبادة الله فمنهم من عبد الأوثان ومنهم من عبد الجاه ومنهم من عبد المال كما قال النبي ﷺ : «تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة» . أفرط كثير من الناس في محبة الدنيا فشغلته عن طاعة الله وصارت أكبر همه ومبلغ علمه شغلت قلبه عند منامه وشغلت قلبه في يقظته وشغلت قلبه عند أكله وشربه وفي ممشاه ومجلسه وحتى في عبادته وصلاته قلبه مشغول بها يسعى لها بكل طريق ويحتال لتحصيلها بكل وجه وهذا الانشغال التام سوف يؤثر على عبادة الله ويصرف القلب عن الاتجاه إليه ولم يذكر الله حقوق الرسل في هذه الآية لأن حقوقهم من حقوق الله حيث إنهم رسله القائمون بإبلاغ وحيه ودينه إلى الخلق وبعد ذلك ذكر الله حقوق الوالدين لأن حقهما عليك أعظم حقوق القرابة لأن لهما عليك من الفضل والإحسان ما ليس لغيرهما من القيام بالمؤونة والتربية والتعب الجسمي والفكري من أجل راحتك كما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] إنهما يسهران لتنام ويتعبان لتستريح ويجوعان لتشبع ولن يعرف قدر الوالدين إلا من رزق الأولاد. «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه قال هل بقي من والديك أحد قال أمي قال قابل الله في برها فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد» . «وجاءه آخر يستشيره في الجهاد فقال النبي صلى الله وعليه وسلم: ألك والدان قال: نعم قال: الزمهما فإن الجنة تحت أرجلهما» . وكلما يكون بر الوالدين في الحياة يكون أيضًا بعد الممات فقد «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما قال: نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما» . وبعد حقوق الوالدين حقوق الأقارب من جهة الأب أو من جهة الأم. قال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» . ومن الحقوق حقوق اليتامى وهم الذين مات آباؤهم قبل بلوغهم فانكسرت قلوبهم بفقد القائم عليهم الموجه لهم فكان من محاسن الإسلام الأمر بالإحسان إليهم بالقول والفعل حتى يجبر ما بهم من النقص حتى قال النبي ﷺ أنا وكافل اليتيم في الجنة

стр. 491

هكذا وأشار بإصبعه السبابة والوسطى. ومن الحقوق حقوق المساكين وهم الفقراء الذين أسكنهم الفقر وكلما كان المسكين أشد حاجة وأقوى تعففًا كان الإحسان إليه أفضل وأولى والساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله. ومن الحقوق الواجب مراعاتها حقوق الجار فإن كان قريبًا فله حقان حق الجوار وحق القرابة وإن كان أجنبيا لا قرابة بينك وبينه فله حق واحد حق الجوار ولذلك قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وقد عظمت السنة حق الجار حتى قال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» . وقال ﷺ : «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل: يا رسول الله لقد خاب وخسر من هذا قال: من لا يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه قال: شره» . وقال ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» . ومن الحقوق حقوق الصاحب بالجنب وهو الزوج فعلى كل واحد من الزوجين أن يقوم بمراعاة حقوق الآخر ويحسن عشرته. ومن الحقوق الواجب مراعاتها حق ابن السبيل وهو المسافر المحتاج فإن المسافر غريب بعيد عن أهله غير معروف بين الناس فحاجته للمساعدة أعظم من غيره. ومن الحقوق حقوق المملوكين من آدميين وغيرهم فالواجب على المؤمن مراعاة هذه الحقوق التي أمر الله بها ليكون بذلك قائمًا بطاعة الله محسنًا إلى عباد الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . إلخ.

стр. 492

[الخطبة الثانية في أن من تعرف إلى الله في الرخاء عرفه في الشدة] الخطبة الثانية في أن من تعرف إلى الله في الرخاء عرفه في الشدة الحمد لله ذي الفضل العظيم والخير الواسع العميم أنعم على عباده بنعم لا تحصى ودفع عنهم من النقم ما لا يعد ولا يستقصى وتفضل عليهم بالعمل الصالح وجازاهم عليه أفضل الجزاء وأشهد أن لا إله إلا الله الملك العلي الأعلى وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي وصل بفضل ربه إلى أعلى مكان يصله الورى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتعرفوا إلى ربكم في الرخاء يعرفكم في الشدة تعرفوا إليه بالقيام بطاعته رغبة في ثوابه وبالابتعاد عن معصيته خوفًا من عقابه. إن رخاء العيش وطيب الحال من النعم التي تستوجب الشكر على العباد والقيام بطاعة المنعم الجواد وإن الإنسان في حال الرخاء يستطيع أن يعمل ما لا يمكنه القيام به في حال الشدة لأنه معافى في بدنه وآمن في بلده ومترف في جسده ولكن هذه الأحوال لا تدوم فقد يعقبها شدة فيصبح مريضًا بعد العافية وخائفًا بعد الأمن وجائعًا بعد الشبع والترف فإذا كان العبد متعرفًا إلى ربه في حال الرخاء عرفه الله في حال الشدة فلطف به وأعانه على شدائده ويسر أموره. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ - وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٤] ولقد ضرب النبي ﷺ لأمته مثلًا على ذلك فيما قصه علينا من نبأ «ثلاثة ممن كانوا قبلنا انطلقوا فآواهم المبيت إلى غار فانحدرت صخرة من الجبل فسدت الغار عليهم فقال بعضهم لبعض إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال أحدهم اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا فنأى بي طلب الشجر يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أحدًا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي حتى استيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة قليلًا. وقال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين أي احتاجت فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي

стр. 493

بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنَّا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة إلا أنهم لا يستطيعون الخروج منها. وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك أجره وذهب فثمرت له أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري فقلت كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق فهو لك من أجرك فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت إني لا أستهزئ بك فأخذه كله واستاقه ولم يترك منه شيئًا اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون» . فالأول من هؤلاء ضرب مثلًا عظيمًا في البر بوالديه بقي طوال الليل والإناء على يده لم تطب نفسه أن يشرب منه ولا أن يسقي أولاده وأهله ولا أن ينغص على والديه نومهما حتى طلع الفجر. وأما الثاني فضرب مثلًا بالغًا في العفة الكاملة حيث تمكن من حصول مراده من هذه المرأة التي هي أحب الناس إليه ولكن لما ذكرته بالله تركها وهي أحب الناس إليه ولم يأخذ شيئًا مما أعطاها. وأما الثالث فضرب مثلًا في غاية الأمانة والنصح حيث نمى للأجير أجره فبلغ ما بلغ وسلمه إلى صاحبه ولم يأخذ على عمله شيئًا فكان من جزاء هذه الأعمال الصالحة التي تعرفوا بها إلى الله في حال الرخاء أن الله عرفهم في حال الشدة فأنقذهم من الهلاك. وهذه سنة الله في خلقه إلى يوم القيامة من تعرف إلى ربه في حال الرخاء عرفه في حال الشدة كما قال النبي ﷺ : «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة» . أيها الناس إن الشدائد أنواع منوعة وإن أعظم شدة يقع فيها الإنسان ما يكون من شدة الموت عند فراق المألوف واستقبال المخوف فإذا كان العبد ممن تعرف إلى الله في حال صحته وحياته عرفه سبحانه في حال شدته عند وفاته فهون الأمر عليه وأحسن له الخاتمة وانتقل من الدنيا على أحسن حال. وأما إن كان معرضًا عن الله لم يزده الرخاء إلا بطرًا وبعدًا عن الله تعالى فحري بأن يكله الله إلى نفسه ويتخلى عنه حال شدائده فتحيط به سيئاته ويموت على

стр. 494

أسوأ حال وأخبث مآل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ - لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦١ - ٦٣] اللهم وفقنا للتعرف إليك والقيام بطاعتك والطف بنا في الشدائد ويسر أمورنا إنك جواد كريم رؤوف رحيم.

стр. 495

[الخطبة الثالثة في شيء من سنن الفطرة] الخطبة الثالثة في شيء من سنن الفطرة الحمد لله الذي مَنَّ علينا بإكمال الدين وأمرنا باتباع هُدى الأنبياء والمرسلين وحذرنا من سبيل المخالفين العاصين و a أشهأأأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتدى بهداهم إلى يوم الدين وسلم تسليمًا. أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى واتبعوا نبيكم محمدًا ﷺ فإن هديه خير الهدي وسنته أقوم السنن وسبيله أهدى السبل اتبعوه في عبادته وأخلاقه لتسعدوا في الدنيا والآخرة وتفوزوا بالتجارة الرابحة فإنه ما ترك خيرًا إلا بينه لكم ورغبكم فيه ولا ترك شرًّا إلا بينه وحذركم عنه ولقد أدرك ذلك أقوام فتبعوه ونَجَوْا وأعرض عن ذلك أقوام خالفوه فهلكوا. أيها الناس لقد كان المسلمون خصوصًا في هذه البلاد إلى زمن قريب يتمسكون تمسكًا تامًّا بهدي النبي ﷺ في خصال الفطرة التي فطر الله عباده عليها فكانوا يستبقون لحاهم ويحفون شواربهم اقتداءً برسول الله ﷺ وأصحابه وامتثالًا لأمر نبيهم ﷺ ومن يطع الرسول فقد أطاع الله كانوا على ذلك وكانوا يعيبون من خالف هذا الأمر ويهجرونه ويرونه مخالفًا حتى دبَّ فيهم داء المخالفة والعصيان في هذا الأمر فتجاسروا على مخالفة النبي ﷺ في فِعْله وقوله في هذه الفطرة فبدؤوا قليلًا قليلًا يحلقون لحاهم حتى فشا ذلك فيهم وكثر وانقلبت الحال إلى أن يعاب من يستبقي لحيته فعاد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا وصارت الأمة الإسلامية لا تمثل أمة الإسلام في مظهرها حين ظهور الإسلام وقوة أهله. أيها المسلمون ثبت في الكتاب والسنة أن اللحية من سنن المرسلين الأولين والآخرين فهذا هارون ﷺ يقول لموسى ﷺ ﴿يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] وهذا رسول الله ﷺ ثبت عنه أنه كان كث اللحية أي كثيفها وأمر أمته بإعفائها وتوفيرها فقال ﷺ : «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب» (رواه البخاري ومسلم) . فالمشروع في حق الرجل المؤمن بالله ورسوله حقًّا المريد لنجاته يوم القيامة وطهارة قلبه وكمال إيمانه أن يبادر إلى امتثال أمر رسول الله ﷺ ويتوب من حلقها ليكون بذلك مقتديًا برسول الله ﷺ ممتثلًا لأمره
следующие страницы →