← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30920

الضياء اللامع من الخطب الجوامع

ابن عثيمين

Полный текст (711 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

هكذا وأشار بإصبعه السبابة والوسطى. ومن الحقوق حقوق المساكين وهم الفقراء الذين أسكنهم الفقر وكلما كان المسكين أشد حاجة وأقوى تعففًا كان الإحسان إليه أفضل وأولى والساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله. ومن الحقوق الواجب مراعاتها حقوق الجار فإن كان قريبًا فله حقان حق الجوار وحق القرابة وإن كان أجنبيا لا قرابة بينك وبينه فله حق واحد حق الجوار ولذلك قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وقد عظمت السنة حق الجار حتى قال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» . وقال ﷺ : «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل: يا رسول الله لقد خاب وخسر من هذا قال: من لا يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه قال: شره» . وقال ﷺ : «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» . ومن الحقوق حقوق الصاحب بالجنب وهو الزوج فعلى كل واحد من الزوجين أن يقوم بمراعاة حقوق الآخر ويحسن عشرته. ومن الحقوق الواجب مراعاتها حق ابن السبيل وهو المسافر المحتاج فإن المسافر غريب بعيد عن أهله غير معروف بين الناس فحاجته للمساعدة أعظم من غيره. ومن الحقوق حقوق المملوكين من آدميين وغيرهم فالواجب على المؤمن مراعاة هذه الحقوق التي أمر الله بها ليكون بذلك قائمًا بطاعة الله محسنًا إلى عباد الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . إلخ.

стр. 492

[الخطبة الثانية في أن من تعرف إلى الله في الرخاء عرفه في الشدة] الخطبة الثانية في أن من تعرف إلى الله في الرخاء عرفه في الشدة الحمد لله ذي الفضل العظيم والخير الواسع العميم أنعم على عباده بنعم لا تحصى ودفع عنهم من النقم ما لا يعد ولا يستقصى وتفضل عليهم بالعمل الصالح وجازاهم عليه أفضل الجزاء وأشهد أن لا إله إلا الله الملك العلي الأعلى وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي وصل بفضل ربه إلى أعلى مكان يصله الورى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتعرفوا إلى ربكم في الرخاء يعرفكم في الشدة تعرفوا إليه بالقيام بطاعته رغبة في ثوابه وبالابتعاد عن معصيته خوفًا من عقابه. إن رخاء العيش وطيب الحال من النعم التي تستوجب الشكر على العباد والقيام بطاعة المنعم الجواد وإن الإنسان في حال الرخاء يستطيع أن يعمل ما لا يمكنه القيام به في حال الشدة لأنه معافى في بدنه وآمن في بلده ومترف في جسده ولكن هذه الأحوال لا تدوم فقد يعقبها شدة فيصبح مريضًا بعد العافية وخائفًا بعد الأمن وجائعًا بعد الشبع والترف فإذا كان العبد متعرفًا إلى ربه في حال الرخاء عرفه الله في حال الشدة فلطف به وأعانه على شدائده ويسر أموره. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ - وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٢ - ٤] ولقد ضرب النبي ﷺ لأمته مثلًا على ذلك فيما قصه علينا من نبأ «ثلاثة ممن كانوا قبلنا انطلقوا فآواهم المبيت إلى غار فانحدرت صخرة من الجبل فسدت الغار عليهم فقال بعضهم لبعض إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال أحدهم اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا فنأى بي طلب الشجر يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أحدًا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي حتى استيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة قليلًا. وقال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين أي احتاجت فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي

стр. 493

بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنَّا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة إلا أنهم لا يستطيعون الخروج منها. وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك أجره وذهب فثمرت له أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري فقلت كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق فهو لك من أجرك فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت إني لا أستهزئ بك فأخذه كله واستاقه ولم يترك منه شيئًا اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون» . فالأول من هؤلاء ضرب مثلًا عظيمًا في البر بوالديه بقي طوال الليل والإناء على يده لم تطب نفسه أن يشرب منه ولا أن يسقي أولاده وأهله ولا أن ينغص على والديه نومهما حتى طلع الفجر. وأما الثاني فضرب مثلًا بالغًا في العفة الكاملة حيث تمكن من حصول مراده من هذه المرأة التي هي أحب الناس إليه ولكن لما ذكرته بالله تركها وهي أحب الناس إليه ولم يأخذ شيئًا مما أعطاها. وأما الثالث فضرب مثلًا في غاية الأمانة والنصح حيث نمى للأجير أجره فبلغ ما بلغ وسلمه إلى صاحبه ولم يأخذ على عمله شيئًا فكان من جزاء هذه الأعمال الصالحة التي تعرفوا بها إلى الله في حال الرخاء أن الله عرفهم في حال الشدة فأنقذهم من الهلاك. وهذه سنة الله في خلقه إلى يوم القيامة من تعرف إلى ربه في حال الرخاء عرفه في حال الشدة كما قال النبي ﷺ : «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة» . أيها الناس إن الشدائد أنواع منوعة وإن أعظم شدة يقع فيها الإنسان ما يكون من شدة الموت عند فراق المألوف واستقبال المخوف فإذا كان العبد ممن تعرف إلى الله في حال صحته وحياته عرفه سبحانه في حال شدته عند وفاته فهون الأمر عليه وأحسن له الخاتمة وانتقل من الدنيا على أحسن حال. وأما إن كان معرضًا عن الله لم يزده الرخاء إلا بطرًا وبعدًا عن الله تعالى فحري بأن يكله الله إلى نفسه ويتخلى عنه حال شدائده فتحيط به سيئاته ويموت على

стр. 494

أسوأ حال وأخبث مآل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ - لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦١ - ٦٣] اللهم وفقنا للتعرف إليك والقيام بطاعتك والطف بنا في الشدائد ويسر أمورنا إنك جواد كريم رؤوف رحيم.

стр. 495

[الخطبة الثالثة في شيء من سنن الفطرة] الخطبة الثالثة في شيء من سنن الفطرة الحمد لله الذي مَنَّ علينا بإكمال الدين وأمرنا باتباع هُدى الأنبياء والمرسلين وحذرنا من سبيل المخالفين العاصين و a أشهأأأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اقتدى بهداهم إلى يوم الدين وسلم تسليمًا. أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى واتبعوا نبيكم محمدًا ﷺ فإن هديه خير الهدي وسنته أقوم السنن وسبيله أهدى السبل اتبعوه في عبادته وأخلاقه لتسعدوا في الدنيا والآخرة وتفوزوا بالتجارة الرابحة فإنه ما ترك خيرًا إلا بينه لكم ورغبكم فيه ولا ترك شرًّا إلا بينه وحذركم عنه ولقد أدرك ذلك أقوام فتبعوه ونَجَوْا وأعرض عن ذلك أقوام خالفوه فهلكوا. أيها الناس لقد كان المسلمون خصوصًا في هذه البلاد إلى زمن قريب يتمسكون تمسكًا تامًّا بهدي النبي ﷺ في خصال الفطرة التي فطر الله عباده عليها فكانوا يستبقون لحاهم ويحفون شواربهم اقتداءً برسول الله ﷺ وأصحابه وامتثالًا لأمر نبيهم ﷺ ومن يطع الرسول فقد أطاع الله كانوا على ذلك وكانوا يعيبون من خالف هذا الأمر ويهجرونه ويرونه مخالفًا حتى دبَّ فيهم داء المخالفة والعصيان في هذا الأمر فتجاسروا على مخالفة النبي ﷺ في فِعْله وقوله في هذه الفطرة فبدؤوا قليلًا قليلًا يحلقون لحاهم حتى فشا ذلك فيهم وكثر وانقلبت الحال إلى أن يعاب من يستبقي لحيته فعاد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا وصارت الأمة الإسلامية لا تمثل أمة الإسلام في مظهرها حين ظهور الإسلام وقوة أهله. أيها المسلمون ثبت في الكتاب والسنة أن اللحية من سنن المرسلين الأولين والآخرين فهذا هارون ﷺ يقول لموسى ﷺ ﴿يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] وهذا رسول الله ﷺ ثبت عنه أنه كان كث اللحية أي كثيفها وأمر أمته بإعفائها وتوفيرها فقال ﷺ : «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب» (رواه البخاري ومسلم) . فالمشروع في حق الرجل المؤمن بالله ورسوله حقًّا المريد لنجاته يوم القيامة وطهارة قلبه وكمال إيمانه أن يبادر إلى امتثال أمر رسول الله ﷺ ويتوب من حلقها ليكون بذلك مقتديًا برسول الله ﷺ ممتثلًا لأمره

стр. 496

وليجدن من حلاوة الإيمان ولذة المتابعة ما يفوق ارتياحه لحلقها إن كان فيها راحة بأضعاف مضاعفة فإن حلاوة الإيمان لا يعادلها شيء. أيها المؤمنون لنتمثل أمر رسول الله ﷺ ولنتبع هديه ولتغلب جانب الهدى على جانب الهوى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] وفروا اللحى ولا تحلقوها وحفوا الشوارب بقصها ولا تبقوها وإياكم والإصرار على مخالفة رسول الله ﷺ فتكونوا من الفاسقين فإن الإصرار على المعصية نقص في الدين وضرر على القلب وربما يستهين المرء بالمعصية فتجره إلى معصية أخرى ثم الثانية إلى معصية ثالثة وهكذا حتى تتراكم عليه المعاصي فيهلك ولذلك حذر الله عباده مخالفة أمر رسوله فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] فحذرهم الله بأحد أمرين الفتنة في الدين وهي الضلال والزيغ أو العذاب الأليم. كيف تطيب نفس المؤمن بالإصرار على معصية الله ورسوله يعلم أن رسول الله ﷺ يأمر بشيء ثم يخالفه ويستمر في هذه المخالفة بتعليلات غير صحيحة إما تأويلات فاسدة وإما استهانة بهذه المعصية وتحقير لها ولقد حذر النبي ﷺ أمته من مُحقِّرات الذنوب وأخبر أن مثلها كمثل قوم نزلوا أرضًا فاحتطبوا فجاء كل واحد بعود فاجتمع من ذلك حطب كثير وأججوا به نارًا كبيرةً وقال «إن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» لأنه يقول هذا هين وهذا هين حتى تتراكم عليه الذنوب فتهلكه أيها المسلمون لقد أمر رسول الله ﷺ بتغيير الشيب وأمر بتجنب السواد فثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: «غيروا هذا الشيب» وجنبوه السواد فلا تصبغوا بالسواد شيب الرأس ولا شيب اللحية ولا الرجال ولا النساء ولكن غيروه بالحناء والكتم وبلون غير السواد الخالص ولا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنةً ورفعه بها درجةً وحط عنه بها خطيئةً. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] وفقني الله وإياكم لإخلاص النية وإصلاح العمل ورزقنا إيمانًا نقوى به على مخالفة الهوى واتباع الهدى إنه جواد كريم.

стр. 497

[الخطبة الرابعة في جمل من الآداب] الخطبة الرابعة في جمل من الآداب الحمد لله الذي وفق من شاء من عباده لمكارم الأخلاق وهداهم لما فيه فلاحهم وسعادتهم في الدنيا ويوم التلاق وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الكريم الخلاق وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الخلق على الإطلاق صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتأدبوا بما أدبكم الله به على لسان رسوله ﷺ فإن الله بعثه ليتمم مكارم الأخلاق فتممها بقوله وفِعْله وترك الأمة على طريق بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك مرتاب. إن الآداب التي شرعها الله على لسان رسوله ﷺ آداب شاملة عامة آداب في الأكل والشرب وآداب في اللباس والنوم وآداب في معاملة الناس وآداب في كل شيء. أما الآداب في الأكل والشرب فقد عَلَّم رسول الله ﷺ أمته أن يقولوا عند الأكل والشرب باسم الله وأخبر أن من لم يسم الله شاركه الشيطان في أكله وشربه وأمرهم أن يأكلوا باليمين ويشربوا باليمين ونهاهم عن الأكل بالشمال والشرب بالشمال وقال: «إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» . وأمر الآكل مع غيره أن يأكل مما يليه وقال: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها» . وأما اللباس فالسنة فيه أن يبدأ عند اللبس باليمين فيدخل يده اليمنى قبل اليسرى ورجله اليمنى في النعال والسراويل قبل اليسرى وأما عند الخلع فيبدأ باليسرى قبل اليمنى وإذا لبس شيئًا جديدًا فليحمد الله الذي رزقه إياه من غير حول منه ولا قوة ورغب النبي ﷺ أمته في لباس الثوب الجميل فقال «إن الله جميل يحب الجمال» . وحرم على ذكور أمته لباس الحرير والذهب وأن يكون لبس الرجل نازلًا عن كعبيه وقال «ما أسفل من الكعبين ففي النار» وقال «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» . وأما النوم فالسنة فيه أن ينام على الجنب الأيمن وأن ينام على طهارة ويذكر الله حتى يغلبه النوم ويقرأ آية الكرسي فإن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح. «وكان ﷺ إذا استيقظ من منامه يقول: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» . وقال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليقل الحمد لله الذي رد عليَّ

стр. 498

روحي وعافاني في جسدي وأذن لي بذكره» . وأما الآداب في معاملة الناس فقد جاء ﷺ بأكملها فحث على حسن الخلق وقال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» . وقال «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» وأمر بكل ما يجلب المودة والمحبة بين المؤمنين وجعل في ذلك أجرًا وخيرًا فقال ﷺ «والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» . وقال «إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام» . وأمر بالصدق في كل شيء وقال «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا» . وشملت الآداب الإسلامية كل شيء حتى الرجل عندما يريد أن يقضي حاجة بول أو غائط فقد جعل له آدابًا فعندما يريد الدخول إلى محل قضاء الحاجة يقول باسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث ويقدم رجله اليسرى وإذا خرج قدم رجله اليمنى وقال غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. ومن الآداب الإسلامية أن يستعمل الإنسان يده اليمنى عند الأخذ والعطاء فيأخذ بيمينه ويعطي بيمينه ولا يستعمل اليسار إلا عند الحاجة. فاتقوا الله أيها المسلمون وتأدبوا بما بلغكم من الآداب الإسلامية لترتقوا إلى الكمال الخلقي والتعاملي وتفوزوا بخير الدنيا والآخرة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.

стр. 499

[الخطبة الخامسة في بر الوالدين] الخطبة الخامسة في بر الوالدين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وقوموا بما أوجب الله عليكم من حقه وحقوق عباده ألا وإن أعظم حقوق العباد عليكم حق الوالدين وحق الأقارب فقد جعل الله ذلك في المرتبة التي تلي حق الله المتضمن لحقه وحق رسوله فقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] وبين العلة في ذلك إغراء للأولاد وحثًّا لهم على الاعتناء بهذه الوصية فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أي ضعفًا على ضعف ومشقةً على مشقة في الحمل وعند الولادة ثم في حضنه في حجرها وإرضاعه قبل انفصاله فقال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] ولقد جعل النبي ﷺ بر الوالدين مقدمًا على الجهاد في سبيل الله. ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله تعالى قال الصلاة على وقتها قلت ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله» . وفي صحيح مسلم أن «رجلًا أتى النبي ﷺ فقال أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله قال فهل من والديك أحد حي قال نعم بل كلاهما قال فتبغي الأجر من الله تعالى قال نعم قال فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما» . وفي حديث إسناده جيد أن «رجلًا قال يا رسول الله إني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه قال: هل بقي من والديك أحد قال نعم أمي قال قابل الله في برها فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد» . وقد أوصى الله تعالى بصحبة المعروف للوالدين في الدنيا وإن كانا كافرين بل وإن كان يأمران ولدهما المسلم أن يكفر بالله لكن لا يطيعهما في الكفر فقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ [لقمان: ١٥] أي بذلا جهدهما ﴿عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: ١٥] وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت

стр. 500

قدمت عليَّ أمي وهي مشركة وكان أبو بكر قد طلقها في الجاهلية فقدمت على ابنتها أسماء في المدينة بعد صلح الحديبية قالت أسماء فاستفتيت رسول الله ﷺ فقلت: «يا رسول الله قدمت علي أمي وهي راغبة أي راغبة في أن تصلها ابنتها أسماء بشيء أفأصل أمي يا رسول الله قال نعم صلي أمك» . أيها المسلمون إن بر الوالدين يكون ببذل المعروف والإحسان إليهما بالقول والفعل والمال أما الإحسان بالقول فأن تخاطبهما باللين واللطف مستصحبًا كل لفظ طيب يدل على اللين والتكريم وأما الإحسان بالفعل فأن تخدمهما ببدنك ما استطعت من قضاء الحوائج والمساعدة على شؤونهما وتيسير أمورهما وطاعتهما في غير ما يضرك في دينك أو دنياك والله أعلم بما يضرك في ذلك فلا تفت نفسك في شيء لا يضرك بأنه يضرك ثم تعصهما في ذلك. وأما الإحسان بالمال فأن تبذل لهما من مالك كل ما يحتاجان إليه طيبة به نفسك منشرحًا به صدرك غير متبع له بمنة ولا أذى بل تبذله وأنت ترى أن المنة لهما في ذلك في قبوله والانتفاع به. وإن بر الوالدين كما يكون في حياتهما يكون أيضًا بعد مماتهما فقد أتى رجل من بني سلمة إلى النبي ﷺ فقال «يا رسول الله هل بقي من بر أبويّ شيء أبرهما بعد موتهما قال نعم الصلاة عليهما يعني الدعاء لهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما أي وصيتهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما» (رواه أبو داود) . الله أكبر ما أعظم بر الوالدين وأشمله حتى إكرام صديقهما وصلته من برهما. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ أنه كان يسير في طريق مكة راكبًا على حمار يتروح عليه إذا مل الركوب على الراحلة فمر به أعرابي فقال أنت فلان بن فلان قال بلى فأعطاه الحمار وقال: اركب هذا وأعطاه عمامةً كانت عليه وقال اشدد بها رأسك فقالوا لابن عمر غفر الله لك أعطيته حمارًا كنت تروح عليه وعمامة تشد بها رأسك فقال ابن عمر إن هذا كان صديقًا لعمر وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن من أبر البر صلة الرجل أهل وُدّ أبيه» . أيها المسلمون هذا بيان منزلة البر وعظيم مرتبته أما آثاره فهي الثواب الجزيل في الآخرة والجزاء بمثله في الدنيا فإن مَن برّ بوالديه برّ به أولاده. وتفريج الكربات ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ «في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فدخلوه

стр. 501

فانطبقت عليهم صخرة فسدته عليهم فتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم أن يفرج عنهم فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا فنأى بي طلب الشجر يومًا فلم أرُح عليهما حتى ناما فحلبت غبوقهما فوجدتهما نائمين فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنَّا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت قليلًا وتوسل صاحباه بصالح من أعمالهما فانفرجت كلها وخرجوا يمشون» . وإن في بر الوالدين سعة الرزق وطول العمر وحسن الخاتمة فعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قال «من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه» . (إسناده جيد) وبر الوالدين أعلى صلة الرحم لأنهم أقرب الناس إليك رحمًا. أيها المسلمون إنه لا يليق بعاقل مؤمن أن يعلم فضل بر الوالدين وآثاره الحميدة في الدنيا والآخرة ثم يعرض عنه ولا يقوم به أو يقوم بالعقوق والقطيعة فلقد نهى الله تعالى عن عقوق الوالدين في أعظم حال يشق على الولد برهما فيها فقال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] ففي حال بلوغ الوالدين الكبر يكون الضعف البدني والعقلي منهما وربما وصلا إلى أرذل العمر الذي هو سبب للضجر والملل منهما وفي حال كهذه نهى الله الولد أن يتضجر أقل تضجر من والديه وأمره أن يقول لهما قولًا كريمًا وأن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة فيخاطبهما مخاطبة من يستصغر نفسه أمامهما ويعاملهما معاملة الخادم الذي ذل أمام سيده رحمةً بهما وإحسانًا إليهما ويدعو الله لهما بالرحمة كما رحماه في صغره ووقت حاجته فربياه صغيرًا. إن على المؤمن أن يقوم ببر والديه وأن لا ينسى إحسانهما إليه حين كان صغيرًا لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا وأمه تسهر الليالي من أجل نومه وترهق بدنها من أجل راحته وأبوه يجوب الفيافي ويتعب فكره وعقله وجسمه من أجل حصوله على معاشه والإنفاق عليه ولكل منهما بر بجزاء عمله. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال

стр. 502

«يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك» . وفقنا الله جميعًا لبر أمهاتنا وآبائنا ورزقنا في ذلك الإخلاص وحسن القصد والسداد إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 503

[الخطبة السادسة في صلة الأرحام] الخطبة السادسة في صلة الأرحام الحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا وأوجب صلة الأنساب وأعظم في ذلك أجرًا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها ليوم القيامة ذخرًا وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعظم الناس قدرًا وأرفعهم ذكرًا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قاموا بالحق وكانوا به أحرى وعلى التابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وصلوا ما أمر الله به أن يوصل من حقوقه وحقوق عباده صِلُوا أرحامكم والأرحام والأنساب هم الأقارب وليسوا - كما يفهم بعض الناس - أقارب الزوج أو الزوجة هم الأصهار فأقارب زوج المرأة أصهار لها وليسوا أنسابًا لها ولا أرحامًا وأقارب زوجة المرء أصهار له وليسوا أرحامًا له ولا أنسابًا إنما الأرحام والأنساب هم أقارب الإنسان نفسه كأمه وأبيه وابنه وابنته وكل من كان من بينه وبينه صلة من قبل أبيه أو من قبل أمه أو من قبل ابنه أو من قبل ابنته. صِلُوا أرحامكم بالزيارات والهدايا والنفقات صِلُوهم بالعطف والحنان ولين الجانب وبشاشة الوجه والإكرام والاحترام وكل ما يتعارف الناس من صلة. إن صلة الرحم ذكرى حسنة وأجر كبير إنها سبب لدخول الجنة وصلة الله للعبد في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ - وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ - وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ - جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ - سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٤] وفي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلًا قال «يا رسول الله أخبرني بما يدخلني الجنة ويباعدني من النار فقال النبي ﷺ لقد وفق أو قال: لقد هدي كيف قلت فأعاد الرجل فقال النبي ﷺ تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل ذا رحمك فلما أدبر قال النبي ﷺ : إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة» . صلة الرحم سبب لطول العمر وكثرة الرزق قال النبي ﷺ «من سره أن يبسط له في رزقه

стр. 504

وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» (متفق عليه) . وقال ﷺ : «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال الله نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك لك» . وقال ﷺ : «الرحم متعلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» (متفق عليه) . ولقد بين رسول الله ﷺ أن صلة الرحم أعظم أجرًا من العتق ففي الصحيحين عن ميمونة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت «يا رسول الله أشعرت أني أعتقت وليدتي قال أوفعلت قالت نعم قال أما أنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» . أيها الناس إن بعض الناس لا يصل أقاربه إلا إذا وصلوه وهذا في الحقيقة ليس بصلة فإنه مكافأة إذ إن المروءة والفطرة السليمة تقتضي مكافأة من أحسن إليك قريبًا كان أم بعيدًا يقول النبي ﷺ : «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل إذا قُطِعَتْ رحمه وصلها» (متفق عليه) فصِلُوا أرحامكم وإن قطعوكم وستكون العاقبة لكم عليهم فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إليّ وأحلم عليهم ويجهلون عليّ فقال إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملَّ - أي الرماد الحار - ولا يزال معك من الله ظهير عليهم أي معين عليهم ما دمت على ذلك» (رواه مسلم) . واحذروا أيها المؤمنين من قطيعة الرحم فإنها سبب للعنة الله وعقابه يقول الله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣] ويقول تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] وقد تكفل الله سبحانه للرحم بأن يقطع من قطعها حتى رضيت بذلك وأعلنته فهي متعلقة بالعرش تقول من قطعني قطعه الله. وعن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال «لا يدخل الجنة قاطع يعني قاطع رحم» (متفق عليه) . وأعظم القطيعة قطيعة الوالدين ثم من كان أقرب فأقرب من القرابة ولهذا قال النبي ﷺ «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاث مرات قلنا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين» سبحان الله ما أعظم عقوق الوالدين ما أشد إثمه إنه يلي الإشراك بالله تعالى إن عقوق الوالدين قطع برهما

стр. 505

والإحسان إليهما وأعظم من ذلك أن يتبع قطع البر والإحسان بالإساءة والعدوان سواء بطريق مباشر أم غير مباشر ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال «من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه» . استبعد الصحابة ﵃ أن يشتم الرجل والديه مباشرة ولعمر الله إنه لبعيد لأنه ينافي المروءة والذوق السليم فبيَّن النبي ﷺ أن ذلك قد لا يكون مباشرةً ولكن يكون عن طريق التسبب بأن يشتم الرجل والدي شخص فيقابله بالمثل ويشتم والديه. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله لعن الله من لعن والديه لعن الله من آوى محدثًا لعن الله من غير منار الأرض» (رواه مسلم) . فيا عباد الله يا من آمنوا بالله ورسوله انظروا في حالكم انظروا في أقاربكم هل قمتم بما يجب لهم عليكم من صلة هل أَلَنْتُم لهم الجانب هل أطلقتم الوجوه لهم وهل شرحتم الصدور عند لقائهم هل قمتم بما يجب لهم من محبة وتكريم واحترام هل زرتموهم في صحتهم توددًا وهل عدتموهم في مرضهم احتفاءً وسؤالًا هل بذلتم ما يجب بذله لهم من نفقة وسداد حاجة فلننظر. إن من الناس من لا ينظر إلى والديه اللذين أنجباه وربياه إلا نظرة احتقار وسخرية وازدراء يكرم امرأته ويهين أمه ويقرب صديقه ويبعد أباه إذا جلس عند والديه فكأنه على جمر يستثقل الجلوس ويستطيل الزمن اللحظة عندهما كالساعة أو أكثر لا يخاطبهما إلا ببطء وتثاقل ولا يفضي إليهما بسر ولا أمر مهم قد حرم نفسه لذة البر وعاقبته الحميدة. وإن من الناس من لا ينظر إلى أقاربه نظرة قريب لقريبه ولا يعاملهم معاملةً تليق بهم يخاصمهم في أقل الأمور ويعاديهم في أتفه الأشياء ولا يقوم بواجب الصلة لا في الكلام ولا في الفعال ولا في بذل المال تجده مثريًا وأقاربه محاويج فلا يقوم بصلتهم بل قد يكونون ممن تجب نفقتهم عليه لعجزهم عن التكسب وقدرته على الإنفاق عليهم فلا ينفق وقد قال أهل العلم كل من يرث شخصًا من أقاربه فإنه تجب عليه نفقته إذا كان محتاجًا عاجزًا عن التكسب وكان الوارث قادرًا على الإنفاق لأن الله تعالى يقول ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي مثل ما على الوالد

стр. 506

من الإنفاق فمن بخل بما يجب عليه من هذا الإنفاق فهو آثم مُحاسَب عليه يوم القيامة سواء طلبه المستحق منه أما استحيا وسكت. عباد الله اتقوا الله تعالى وصِلُوا أرحامكم واحذروا من قطيعتهم واستحضروا دائمًا ما أعد الله تعالى للواصلين من الثواب وللقاطعين من العقاب واستغفروا الله إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 507

[الخطبة السابعة في الحث على الصدق] الخطبة السابعة في الحث على الصدق وقصة كعب بن مالك وصاحبيه ﵃ الحمد لله الذي أمر بالصدق جميع المؤمنين ورفع ذكر الصادقين بين العالمين وأهان الكاذبين ووضع ذكرهم في الأسفلين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحكم العدل الملك الحق المبين وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الصادقين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وكونوا مع الصادقين اصدقوا مع الله واصدقوا مع عباد الله «فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» . أيها المسلمون إن الصدق بجميع أنواعه محمود إن الصادق محبوب إلى الله وإلى الخلق إن الله يرفع ذكره ويزيد أجره وإن أبين دليل على ذلك ما يحصل من ثناء الناس على الصادقين في حياتهم وبعد مماتهم أخبارهم مقبولة وأمانتهم موثوقة قد أفلح الصادقون وخاب الكاذبون. هذا كعب بن مالك ﵁ صدق الله ورسوله فرفع الله ذكره وأنزل في شأنه قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة «تخلف ﵁ عن غزوة تبوك فلم يخرج مع النبي ﷺ بلا عذر فلما رجع النبي ﷺ جاء المتخلفون من أهل النفاق يعتذرون كذبًا فيعذرهم ويكل سرائرهم إلى الله ثم جاء كعب فتبسم النبي ﷺ في وجهه تبسم المغضب وقال له ما خلفك فقال والله لقد علمت لو حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليّ ولئن حدثتك بصدق تجد عليّ فيه إني لأرجو عقبى ذلك من الله والله ما كان لي من عذر قال النبي ﷺ أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك وكان معه رجلان من المؤمنين تخلفا بدون عذر فنهى النبي ﷺ الناس عن كلامهم قال كعب ﵁ فاجْتَنَبَنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ولقد كنت أطوف في الأسواق فما يكلمني أحد وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم عليه وأقول في نفسي أحرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا حتى إذا طال ذلك عليّ من هجر المسلمين تسلقت حائط أبي قتادة وهو

стр. 508

ابن عمي وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فوالله ما رد عليّ السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله فسكت فأعدت عليه فسكت ثم أعدت فسكت فقال الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت فبينما أنا أمشي في أسواق المدينة إذا بنبطي معه كتاب من ملك غسان فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك فالْحَقْ بنا نواسك أي نجعلك مثلنا فقلت وهذا من البلاء فقصدت به التنور فسجرته به وصدق كعب إن هذا من البلاء والامتحان ولكن الإيمان الراسخ في قلب كعب والصدق الثابت في عقيدته منعاه أن يستجيب لهذه الدعوة المغرية التي جاءت في وقت مناسب لولا تثبيت الله لكعب بن مالك على أنه ﵁ كان في ذلك الوقت في أعز شبابه ابن ثلاث وثلاثين سنة قال كعب فلما مضت أربعون ليلة إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني يقول إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال اعتزلها ولا تقربها فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء فلبثنا عشر ليال حتى كمل لنا خمسون ليلة فبينما أنا جالس على ظهر بيت من بيوتنا على الحال التي ذكر الله قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت سمعت صارخًا على جبل سلع يقول بأعلى صوته أبشر يا كعب بن مالك فخررت ساجدًا لله عرفت أن الله قد جاء بالفرج بالتوبة علينا وانطلقت أقصد رسول الله ﷺ وتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بتوبة الله حتى دخلت المسجد فسلمت على النبي ﷺ والناس حوله فقال وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال من عند الله قلت يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت فوالله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي» . أيها المسلمون هذه والله الغبطة والنعمة والفائدة الكبيرة انظروا إلى هؤلاء الثلاثة الذين صدقوا فأدبهم الله بهذا الهجر من رسوله وأصحابه وانظروا إلى هذا الإيمان التام من الصحابة هجروا أقاربهم وبني عمهم امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ حتى إذا ضاقت الحال وتراكمت الكربات جاء الفرج من الله فتاب عليهم وأعلنت توبتهم في كتاب الله تتلوها الأمة إلى يوم القيامة أما الذين نافقوا وكذبوا فأنزل الله فيهم

стр. 509

﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦] أيها المسلمون اعتبروا بهذه الآيات وانظروا ما تختارون لأنفسكم فلن يرضى المؤمن إلا أن يكون من الصادقين المتقين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . إلخ.

стр. 510

[الخطبة الثامنة في التحذير من الكذب] الخطبة الثامنة في التحذير من الكذب الحمد لله مستحق الحمد وأهله يجزي الصادقين بصدقهم من رحمته وفضله ويجازي الكاذبين فيعاقبهم إن شاء بحكمته وعدله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في حكمه وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل خلقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه في هديه وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وكونوا مع الصادقين في عبادة الله ومع الصادقين في عباد الله اصدقوا الله تعالى في عبادته اعبدوه مخلصين له غير مرائين في عبادته ولا مسمعين امتثلوا أمره طلبًا للقرب منه والحصول على ثوابه اجتنبوا نهيه خوفًا من البعد عنه والوقوع في عقابه لا تبتغوا في عبادته أن يراكم الناس أو يسمعوكم فيمدحوكم عليها فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معه غيره تركه وشركه. اصدقوا النبي ﷺ في اتباعه ظاهرًا وباطنًا غير مقصرين في سنته ولا زائدين عليها اصدقوا الناس في معاملتهم أخبروهم بالواقع فيما تخبرونهم به وبينوا لهم الحقيقة فيما تعاملونهم به ذلك هو الصدق الذي أمركم الله به ورسوله يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] ويقول النبي ﷺ : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا» . لقد بيَّن رسول الله ﷺ في هذا الحديث أن للصدق غايةً وللصادق مرتبةً أما غاية الصدق فهي البر والخير ثم الجنة وأما مرتبة الصادق فهي الصديقية وهي المرتبة التي تلي مرتبة النبوة ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] وإن الصادق لمعتبر بين الناس في حياته ومماته فهو موضع ثقة فيهم في أخباره ومعاملته وموضع ثناء حسن وترحم عليه بعد وفاته. واحذروا أيها المسلمون من الكذب احذروا من الكذب في عبادة الله لا تعبدوا الله رياءً وسمعةً وخداعًا ونفاقًا واحذروا من الكذب في اتباع رسول الله لا تبتدعوا في شريعته ولا تخالفوه في هديه واحذروا من الكذب مع الناس لا تخبروهم بخلاف الواقع ولا تعاملوهم بخلاف الحقيقة. إن المؤمن لا يمكن أن يكذب لأن الكذب من خصال المنافقين

стр. 511

﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]- ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] إن المؤمن لا يمكن أن يكذب لأنه يؤمن بآيات الله يؤمن برسوله يؤمن بقول النبي ﷺ «إن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» ما أقبح غاية الكذب وما أسفل مرتبة الكاذب الكذب يفضي إلى الفجور وهو الميل والانحراف عن الصراط السوي ثم إلى النار ويا ويل أهل النار والكاذب سافل لأنه مكتوب عند الله كذابًا وبئس هذا الوصف لمن اتصف به إن الإنسان لينفر أن يقال له بين الناس يا كذاب فكيف يقر أن يكتب عند خالقه كذابًا وإن الكاذب لمحذور في حياته لا يوثق به في خبر ولا معاملة وإنه لموضع الثناء القبيح بعد وفاته ولقد قرن الله تعالى الكذب بعبادة الأوثان فقال تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] فهل بعد ذلك سبيل إلى أن يتخذ المؤمن الكذب مطيةً لسلوكه أو منهجًا لحياته لقد كان الكفار في كفرهم وأهل الجاهلية في جاهليتهم لا يمتطون الكذب ولا يتخذونه منهجًا لحياتهم أو بلوغ مآربهم هذا أبو سفيان ذهب قبل أن يسلم في ركب من قريش تجار إلى الشام فلما سمع بهم هرقل ملك الروم بعث إليهم ليسألهم عن النبي ﷺ قال أبو سفيان فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبًا لكذبت عنه أو عليه هكذا أيها المؤمنون الكفار في كفرهم وأهل الجاهلية في جاهليتهم يترفعون عن الكذب ويستحيون من أن يؤثر عليهم وينسب إليهم فكيف بكم أنتم أيها المؤمنون وقد حباكم الله تعالى بهذا الدين الكامل الذي يأمركم بالصدق ويرغبكم فيه ويبين لكم نتائجه وثمراته الطيبة وينهاكم عن الكذب ويحذركم منه ويبين لكم نتائجه وثمراته الخبيثة إن أبا سفيان في حال كفره تنزه أن يوصف بالكذب ولو مرة واحدة مع أنه كان يرى أن له مصلحة في كذبه عما يخبر به عن رسول الله ﷺ وإن بعض المنخدعين من هذه الأمة ليستمرئ الكذب ويفتي نفسه بحله إما لتهاون بالكذب وإما لاعتقاد فاسد يظن أن الكذب لا يحرم إلا إذا تضمن أكل مال وإما لطمع مادي يتمتع به في دنياه وإما لتقليد أعمى لا هداية فيه وكل ذلك خداع لنفسه وتضليل لفكره فالتهاون بالكذب عنوان الرذيلة فالكذبة الواحدة تخرق السياج الحائل بينك وبين

стр. 512

الكذب حتى لا يبقى دونه حائل فالكذب كغيره من المعاصي تستوحش منه النفس المطمئنة الراضية المرضية فإذا وقعت فيه مرةً هان عليها شأنه ثم تقع منه ثانيًا فيهون عليها أكثر حتى يصبح كأنه سجية وطبيعة فيكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتَب عند الله كذابًا. والكذب حرام وإن لم يكن فيه أكل لمال الغير بالباطل إذ لم يكن في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله ﷺ أن تحريمه مشروط بذلك ولكنه إذا تضمن أكل مال بالباطل كان أعظم جرمًا وأشد عقوبةً فعن عبد الله بن عمرو بن العاص «أن النبي ﷺ عدَّ الكبائر وفيها اليمين الغموس قيل وما اليمين الغموس قال التي يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها كاذب» (رواه مسلم) . وقال ﷺ «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال رجل وإن كان شيئًا يسيرًا قال وإن كان قضيبًا من أراك» (رواه أحمد ومسلم) . إن بعض الناس يكذب ليضحك به القوم فيألف ذلك لما يرى من ضحك الناس ويستمر على عمله فيهون عليه وقد جاء في الحديث «ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له» (أخرجه الثلاثة وإسناده قوي) . وإن بعض الناس يكذب على الصبيان لأنهم لا يوجهون إليه النقد ولكنه في الحقيقة أوقع نفسه في الكذب وفتح لهم باب التهاون به والتربي عليه وعن عبد الله بن عامر ﵁ أن «أمه دعته فقالت تعالى أعطك فقال النبي ﷺ ما أردت أن تعطيه قالت تمرًا فقال لها رسول الله ﷺ أما إنك لو لم تعطه شيئا لكتبت عليه كذبةً» (رواه أبو داود والبيهقي) . فاتق الله أيها المسلم اتق الله في نفسك واتق الله في مجتمعك واتق الله في دينك ألم تعلم أن الدين يظهر في أهله فإذا كان مظهر الأمة الإسلامية مظهر كذب وتقليد أعمى وأكل مال الغير بغير حق فأين المظهر الإسلامي أرأيت إذا ظهر المسلمون بهذا المظهر المشين أفلا يكونون سببًا للتنفير عن دين الإسلام ألا يكونون فريسةً لأراذل الأنام إن أعدائهم ليسخرون بهم ويضحكون إذا رأوهم على تلك الحال كذب في المقال وخيانة في الأمانة وغدر في العهد وفجور في الخصومة وإن أعدائهم ليفخرون عليهم إذا رأوهم يقلدونهم حتى في رذائل الأخلاق التي يحذرهم الإسلام منها فعجبًا وأسفًا لأمثال هؤلاء القوم الذين ألبسوا أنفسهم ما تعروا به أمام أعدائهم واتبعوا سبيل الهالكين وابتعدوا عن سبيل الذين أنعم الله عليهم

стр. 513

من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء واهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 514

[الخطبة التاسعة في التحذير من زلات اللسان] الخطبة التاسعة في التحذير من زلات اللسان الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علمًا وهو على كل شيء شهيد أحاط علمه بالظاهر والخفي والقريب والبعيد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد فهو الولي الحميد وأشهد أن محمدًا رسول الله وعبده أفضل العبيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في هديهم الرشيد وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واحفظوا ألسنتكم فإن حصائد اللسان هلاك الإنسان فعن معاذ بن جبل ﵁ قال قلت «يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة أو يباعدني من النار قال لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال ﷺ ألا أدلك على أبواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل - يعني تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] ثم قال ﷺ ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه قلت بلى يا رسول الله قال رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذورة سنامه الجهاد في سبيل الله ثم قال ﷺ ألا أخبرك بملاك ذلك كله قلت بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه وقال كف عليك هذا قلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» . أيها الناس إن حصائد اللسان هي أقواله المحرمة وهي أنواع كثيرة منها ما يوصل إلى الكفر ومنها دون ذلك فالاستهزاء بالله ودينه وكتابه ورسله وآياته وعباده الصالحين فيما فعلوا من عبادة ربهم كل هذا كفر بالله ومخرج عن الإيمان وهو من حصائد اللسان. والكذب والغيبة والنميمة والفحش والسب واللعن والقذف كل هذا من حصائد اللسان. وفي الحديث «إن الله ليبغض الفاحش البذيء» . أيها الناس لقد شاع في كثير من الناس أخلاق سيئة من حصائد اللسان فكثير من الناس لا يبالون بالكذب ولا يهتمون به ولم يَحْذَروا من قول النبي ﷺ «إن الكذب يهدي

стр. 515

إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» . كثير من الناس يظنون ظنونًا كاذبةً فيشيعها في الناس من غير مبالاة بها وربما كانت تسيء إلى أحد من المسلمين وتشوه سمعته وليس لها حقيقة فيبوء بإثم الكذب وإثم العدوان على أخيه المسلم ويخشى أن يكون ممن قال فيهم النبي ﷺ أن الرجل يتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها سبعين خريفًا في النار. وفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب «في رؤيا النبي ﷺ وأتاه ملَكان فمروا على رجل مستلق على قفاه وآخر قائم عليه بكلوب من حديد فإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه ومنخره وعينيه إلى قفاه ثم يفعل بالشق الآخر كذلك فما يفرغ منه حتى يعود الجانب الأول ضحيحًا فيرجع إليه فيشرشره كما فعل في المرة الأولى فقال الملَكان للنبي ﷺ هذا كذاب يكذب الكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة» . هؤلاء الذين ينقلون للناس ما يفكرون به من أوهام لا حقيقة لها ربما يكون في كلامهم إلقاءً للعداوة والبغضاء بين المسلمين فيتفكك المجتمع وتتفرق الجماعة من أجل أمور وهمية وظنون كاذبة. كثير من الناس ينقلون الكلام عنه غيرهم بمجرد الإشاعات وربما لو بحثت عن هذا النقل لوجدته كذبًا لا أصل له أو محرفًا أو مزيدًا أو منقوصًا والمؤمن العاقل هو الذي يتثبت في الأخبار ويتحرى في نقلها حتى لا ينقل إثمًا ولا كذبًا وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ «أن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها أي ما يتثبت ولا يعلم هل هي خير أو شر صدق أو كذب يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» . وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «كفى بالمرء إثمًا وفي رواية كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» فيا أيها المسلمون احفظوا ألسنتكم لا تطلقوا عنانها فتهلككم إذا أردتم الكلام في شيء فتذكروا قول الله تعالى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] وقوله ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» واعلموا أنكم محاسبون على كل كلمة تخرج من أفواهكم فما جوابكم يوم القيامة إذا سئلتم ألم تتكلم بكذا وكذا فمن أين وجدت ذلك وكيف تكلمت ولم تتبين الأمر. أيها المسلم لا تطلق لسانك بالقول لمجرد ظن توهمته أو خبر سمعته فلعلك أن يكون ظنك كاذبًا ولعل الخبر أن يكون كاذبًا وحينئذ تكون خاسرًا خائبًا. أعوذ بالله من

стр. 516

الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] إلى آخر السورة. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم وحماني وإياكم من الزلل في الأقوال والأفعال إنه جواد كريم.

стр. 517

[الخطبة العاشرة في التحذير من الغِيبة والنميمة] الخطبة العاشرة في التحذير من الغِيبة والنميمة الحمد لله جعل المؤمنين إخوةً يتعاونون بينهم على البر والتقوى ويحترم كل واحد منهم الآخر في نفسه وماله وعرضه «فكل المسلم على المسلم حرام» كما قال ذلك النبي المصطفى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسماء وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل البر والوفاء وعلى التابعين لهم بإحسان ما تتابع القطر والندى وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واحترموا حقوق إخوانكم المسلمين وذبوا عن إعراضهم كما تذبون عن دمائهم وأموالهم. أيها المسلمون لقد شاع بين كثير من المسلمين داءان عظيمان لكن السلامة منهما يسيرة على من يسرها الله عليه. أيها المسلمون فشا فينا داء الغِيبة وداء النميمة أما الغِيبة فهي ذكر الإنسان الغائب بما يكره أن يذكر فيه من عمل أو صفة فإن كثيرًا من الناس صار همه في المجالس أن يأكل لحم فلان وفلان. فلان فيه كذا وفيه كذا ومع ذلك لو فتشت لرأيته هو أكثر الناس عيبًا وأسوأهم خلقًا وأضعفهم أمانةً وإن مثل هذا الرجل يكون مشؤومًا على نفسه ومشؤومًا على جلسائه لأن جلساءه إذا لم ينكروا عليه صاروا شركاء له في الإثم وإن لم يقولوا شيئًا. أيها المسلمون لقد صور الله الإنسان الذي يغتاب إخوانه المسلمين بأبشع صورة مثلَّه بمن يأكل لحم أخيه ميتًا ويكفي قبحًا أن يجلس الإنسان على جيفة أخيه يقطع من لحمه ويأكله. أيها المسلمون إن الواجب عليكم إذا سمعتم من يغتاب إخوانه من المسلمين أن تمنعوه وتذبوا عن أعراض إخوانكم ألستم لو رأيتم أحدًا قائمًا على جنازة رجل من المسلمين يأكل لحمه، ألستم تقومون عليه جميعًا وتنكرون عليه. إن الغِيبة كذلك تمامًا كما قال الله تعالى ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] ولا يبعد أن يعاقب من يغتاب إخوانه يوم القيامة فيقربون إليه بصورة أموات ويرغم على الأكل منهم كما روي في ذلك حديث عن النبي ﷺ ولقد «مر النبي ﷺ ليلة المعراج بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقال مَنْ هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم

стр. 518

الناس ويقعون في أعراضهم» وقال ﵊ «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته يعني ولو كان في بيته» . أيها المسلمون إن كثيرًا من أهل الغِيبة إذا نُصِحوا قالوا نحن لا نكذب عليه هو يعمل كذا ولقد «قيل للنبي ﷺ أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه» فبيَّن لأمته ﷺ أن الغِيبة أن تعيب أخاك بما فيه أما إذا غبته بما ليس فيه فإن ذلك جامع لمفدستين البهتان والغِيبة. ولقد نص الإمام أحمد بن حنبل وفقهاء مذهبه على أن الغِيبة من كبائر الذنوب فاحذر أيها المسلم منها واشتغل بعيبك عن عيب غيرك وفتش نفسك هل أنت سالم فربما تعيب الناس وأنت أكثرهم عيبًا وإن كنت صادقًا في قولك مخلصًا في نصحك فوجدت في أخيك عيبًا فإن الواجب عليك أن تتصل به وتناصحه. هذا هو مقتضى الإخوة الإيمانية والطريقة الإسلامية. أما الداء الثاني الذي انتشر بين بعض الناس فهو داء النميمة وهي أن ينقل الكلام بين الناس فيذهب إلى الشخص ويقول قال فيك فلان كذا وكذا لقصد الإفساد وإلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين وهذه هي النميمة التي هي من كبائر الذنوب ومن أسباب عذاب القبر وعذاب النار قال النبي ﷺ «لا يدخل الجنة نَمَّام» «ومر بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أي في أمر شاق تركه عليهما أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» . أيها المسلمون إن الواجب على من نقل إليه أحد أن فلان يقول فيه كذا أن ينكر عليه وينهاه عن ذلك وليحذر منه فإن من نقل إليك كلام الناس فيك نقل عنك ما لم تقله قال الله تعالى ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ - هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١١] وفقني الله وإياكم لمحاسن الأخلاق وصالح الأعمال وجَنَّبَنا مساوئ الأخلاق ومنكرات الأعمال وهدانا صراطه المستقيم إنه جواد كريم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

стр. 519

[الخطبة الحادية عشرة في الحث على الأُلْفَة بين المسلمين والمودة] الخطبة الحادية عشرة في الحث على الأُلْفَة بين المسلمين والمودة الحمد لله الذي جعل المؤمنين أخوة في الإيمان فكانوا في شد بعضهم بعضًا وتعاونهم كالبنيان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الرحيم الرحمن وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الإنسان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أنكم أخوه في دين الله وأن هذه الإخوة أقوى من كل رابطة وصلة فيوم القيامة لا أنساب بينكم ولكن الأخِلَّاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين فنمّوا أيها المسلمون هذه الإخوة وقووا تلك الرابطة بفعل الأسباب التي شرعها الله لكم ورسوله اغرسوا في قلوبكم المودة والمحبة للمؤمنين فأوثق عُرَى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ومن أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك. أيها المسلمون إن الأمة لا تكون أمة واحدة ولا يحصل لها قوة ولا عزة حتى ترتبط بالروابط الدينية حتى تكون كما وصفها نبيها ﷺ بقوله المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. لقد أرست الشريعة أسس تلك الروابط والأواصر فشرع الله ورسوله للأمة ما يؤلف بينها ويقوي وحدتها ويحفظ كرامتها وعزتها ويجلب المودة والمحبة. شرع للأمة أن يسلم بعضهم على بعض عند ملاقاته فالسلام يغرس المحبة ويقوي الإيمان ويدخل الجنة قال ﷺ والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم وخير الناس من بدأهم بالسلام فإذا لقي أحدكم أخاه المسلم فليقل السلام عليكم وليرد عليه أخوه بجواب يسمعه فيقول وعليكم السلام ولا يكفي أن يقول أهلًا وسهلًا أو كلمة نحوها حتى يقول وعليكم السلام ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه المسلم لأن ذلك يوجب الكراهة والبغضاء والتفرق إلا أن يكون مجاهرًا بمعصية ويكون في هجره فائدة تردعه عن المعصية فالهجر بمنزلة الدواء إن كان نافعًا بإزالة المعصية أو تخفيفها كان مطلوبًا وإلا فلا. قال النبي ﷺ «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار» . وقال ﷺ «تعرض الأعمال على الله في كل اثنين وخميس فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا إلا امرءًا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا» .

стр. 520

وشرع للأمة أن يعود بعضهم بعضًا إذا مرض فعيادة المرضى تجلب المودة وترقق القلب وتزيد في الإيمان والثواب فمن عاد مريضًا ناداه مناد من السماء طبت وطاب ممشاك، ومن عاد أخاه المسلم لم يزل في جنى الجنة حتى يرجع وينبغي لمن عاد المريض أن لا يطيل الجلوس عنده إلا إذا كان يرغب ذلك وينبغي أن يذَكِّره بما أعد الله للصابرين من الثواب وما في المصائب من تكفير السيئات وأن لكل كربة فرجة ويفتح له باب التوبة والخروج من حقوق الناس واغتنام الوقت بالذكر والقراءة والاستغفار وغيرها مما يقرب إلى الله ويرشده إلى ما يلزمه من الوضوء إن قدر عليه أو التيمم وكيف يصلي فإن كثيرًا من المرضى يجهلون كثيرًا من أحكام الطهارة والصلاة ولا يحقرن أحدكم شيئًا من تذكير المريض وإرشاده فإن المريض قد رقت نفسه وخشع قلبه فهو إلى قبول الحق والتوجيه قريب. وأمر بالإصلاح بين الناس ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] وأخبر أن ذلك هو الخير ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «تعدل بين اثنين صدقة» . إن الإصلاح بين الناس رأب للصدع ولم للشعث وإصلاح للمجتمع كله وثواب عظيم لمن ابتغى به وجه الله إن الموفق إذا رأى بين اثنين عداوة وتباعدا سعى بينهما في إزالة تلك العداوة والتباعد حتى يكونا صديقين متقاربين. وأمر باجتماع المسلمين على كلمة الحق والتشاور بينهم في أمورهم حتى تتم الأمور وتنجح على الوجه الأكمل فإن الآراء إذا اجتمعت مع الفهم والدراية وحسن النية تحقق الخير وزال الشر بإذن الله تعالى. أيها المسلمون إن القاعدة الأصيلة بين المسلمين أن يسعوا في كل أمر يؤلف بين قلوبهم ويجمع كلمتهم ويوحد رأيهم وأن ينابذوا كل ما يضاد ذلك ومن أجل ذلك حرم على المسلمين أن يهجر بعضهم بعضا إلا لمصلحة شرعية وإنك لترى بعض المسلمين حريصا على الخير وجادا في فعله لكن غره الشيطان في هجر أخيه المسلم من أجل أغراض شخصية ومصلحة دنيوية ولم يعلم أن الإسلام الذي من الله به عليه أسمى وأعلى من أن تؤثر الأغراض الشخصية أو المصالح الدنيوية في الصلة بين أفراده وحرم على المسلمين أن يوقع العداوة بينهم

стр. 521

بالنميمة ويسعى في الإفساد يأتي إلى شخص فيقول له قال فيك فلان كذا وكذا فيلقي العداوة بينهما ولم يعلم أنه بنميمته هذه أصبح من المفسدين في الأرض المتعرضين لعقوبة الله فقد مر النبي ﷺ بقبرين فقال «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» . وقال ﷺ «لا يدخل الجنة نمام» . ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.

стр. 522

[الخطبة الثانية عشرة في شيء من مفاسد الزنا] الخطبة الثانية عشرة في شيء من مفاسد الزنا الحمد لله الذي أوضح لعباده طرق الهداية ويسر لهم أسباب النجاة والوقاية وأنزل كتابًا يشتمل على العلم والدراية وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في العبادة والولاية وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أيد الله به الدين ونصره بالحماية صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتدبروا كتابه وتفهموا لمعانيه وصدقوا أخباره واعلموا بما فيه ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] إن كتاب الله لم ينزل للتبرك بتلاوته ولا لطلب الأجر بتلك التلاوة بل هذا جزاء مما نزل من أجله إنما الأهم أنه نزل كما سمعتم كلام منزله لتتدبروا آياته بالتفهم والتفكير والعلم ثم تتذكروا بالموعظة بما فيها من أحكام رشيدة وحكم بالغة فكم من قارئ للقرآن والقرآن خصم له يوم القيامة. يقول النبي ﷺ «والقرآن حجة لك أو عليك» فهما أمران لا ثالث لهما إما أن يكون القرآن حجة لك يحاج دونك حتى تبلغ به الجنة وذلك حين تعمل به تصديقا وتطبيقا وإما أن يكون حجة عليك حينما تعرض عنه ولا تعمل به. أيها المسلمون إن من أحكام القرآن وهدايته الحث على التمسك بالأخلاق الفاضلة والآداب العالية والزجر عما يخل بالشرف والعفاف ومن أجل ذلك حرم الزنا وأخبر أنه فاحشة يستفحشه كل ذي فطرة قويمة وعقل سليم وحذر منه بعقوبة الدنيا والآخرة عقوبة الدنيا بالحد جلد مئة وتغريب عام أي تسفير عن البلد لمن كان غير متزوج والرجم بالحجارة إلى الموت لمن كان قد تزوج إن جريمة تؤدي إلى القتل لجريمة بالغة تعبر عن كون مرتكبها غير صالح للبقاء في المجتمع فهو جرثومة فاسدة يجب القضاء عليها حتى لا تفسد المجتمع كله. وأما عقوبة الزنا في الآخرة فقد قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا - يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا - إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] وفي صحيح البخاري «أن النبي ﷺ رأى في المنام ثقبا مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع فيه لغط وأصوات فاطلع فيه فإذا فيه رجال

стр. 523

ونساء عراة يأتيهم لهب من أسفل منهم فسأل عنهم فقيل له هم الزناة والزواني» . وقال ﷺ «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (متفق عليه) . وقال «إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان عليه كالظلة فإذا أقلع أي تاب رجع إليه الإيمان» (رواه أبو داود) . وقال إذا ظهر الزنا والربا في قرية أحلوا بأنفسهم عذاب الله (رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد) . أيها المسلمون إن الزنا بالإضافة إلى هذه العقوبات فيه مفاسد عظيمة يفسد القلب والفكر ويوجب الذل والعار ويضيع النسل ويخلط الأنساب وينشر الأمراض التناسلية فهو فساد في الدين والدنيا والفرد والمجتمع ومن ثم جاءت الآية الكريمة بالنهي عن قربانه فقال تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] والنهي عن قربانه نهي عن جميع الأسباب الموصلة إليه كاللمس والنظر فلا يحل للمؤمن أن يتمتع تمتعًا نفسيًّا أو جنسيًّا أعني سواء كان تمتعه بالنظر ونحوه مجرد راحة نفسية أو لأجل التمتع الجنسي والشهوة فكل ذلك حرام ولا يجوز في غير الزوجة قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧] أيها الناس إن كثيرًا من ذوي النفوس السافلة والإرادات الضعيفة غلبتهم نفوسهم حتى أطلقوا لها العنان في التمتع بالنظر إلى النساء فأصبحوا أسرى لأهوائهم المنحرفة حتى صدَّهم ذلك عن ذكر الله وعن مصالحهم فصار همهم التجول في الأسواق لغير غرض ولا حاجة سوى مطاردة أهوائهم التي لا ينالون من ورائها إلا الهم والأماني الكاذبة لعب الشيطان بعقولهم حتى أنزلهم إلى مشاركة البهائم ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠] أيها الناس إن على المجتمع أن يتتبع أمثال هؤلاء وينتشلهم مما وقعوا فيه بنصيحتهم وزجرهم وعقوبتهم ومنع الأسباب التي تغريهم ومن أهمها منع خروج النساء من البيوت إلا لحاجة لا يمكن قضاؤها من قبل الرجال إن على ولي كل امرأة من أب أو أخ أو عم أو أي ولي آخر يرعى حرمه من الفساد وأسبابه أن يمنعها من الخروج في حالة تُوقِع في الفتنة من التجمل والتطيب وأن يراعي حركاتها وسكناتها وسلوكها في المدرسة وفي البيت وغير ذلك كما

стр. 524

يراعي ذلك في أبنائه لأن الجميع في ذمته مسؤول عنهم حيث حمله الله مسؤوليتهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وفقني الله وإياكم لصالح الأعمال وحسن الآداب وجنبنا أسباب الشر والفساد وأصلح الله لنا النية والعمل والأهل والولد إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . إلخ.

стр. 525

[الفرع السابع في المعاملات] [الخطبة الأولى في التحذير من آكل المال بغير حق] الفرع السابع في المعاملات الخطبة الأولى في التحذير من آكل المال بغير حق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا. أما بعد: فقد قال الله تعالى ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨] هكذا يقرر الله هذه الكلية العامة الشاملة لكل إنسان أن كل إنسان خلق ضعيفا فهو ضعيف في نشأته فقد خلقه الله من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين وهو ضعيف في علمه ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] لا يعلم الغيب ولا يعلم المستقبل حتى في تصرفاته الخاصة ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] وهو ضعيف في تصوره وإدراكه قد يُتَصَوَّر القريب بعيدًا والبعيد قريبًا والضار نافعًا والنافع ضارًّا ولا يدرك النتائج التي قد تنتج عن تصرفاته وأعماله. ومن أجل هذا الضعف أرسل الله الرسل وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط فيسيروا على صراط الله المستقيم وتثبت شرائع الله بين الناس فلا يحتاجوا إلى تشريعات من عند أنفسهم يسلكون بها مسالك المتاهات في الظلم والجور والنزاع والخلاف. فجاءت شرائع الله منظمةً للناس ليس في العبادة فحسب ولكن في العبادة والمعاملة والآداب والأخلاق وكان أكمل تلك الشرائع وأشملها وأرعاها لمصالح العباد في كل زمان ومكان هذه الشريعة التي ختم الله بها الشرائع لتكون شريعةً للخلق كافة ومنهج حياة شاملًا إلى يوم القيامة وهي الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ خاتم النبيين والرسول من الله إلى الخلق أجمعين فجاءت تنظم للناس العبادات والمعاملات والآداب والأخلاق. ولقد ضل قوم عموا أو تعاموا عن الحق حيث زعموا أن هذه الشريعة إنما تنظم للناس العبادات والأخلاق دون جانب المعاملة وتنظيم الحياة فاتبعوا أهواءهم في معاملاتهم واتبعوا القوانين التي وضعها شياطين الخلق

стр. 526

ليضلوا بها الناس عن شريعة ربهم. أفلم يعلم هؤلاء الذين عموا أو تعاموا أن في الشريعة الإسلامية نصوصًا كثيرةً وافيةً في تنظيم المعاملات في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ بل إن أطول آية في القرآن كانت في المعاملة بين الناس في بيعهم وشرائهم الحاضر والمؤجل وبيان وسائل حفظ ذلك من كتابة وإشهاد ورهن واقرؤوها إن شئتم في آخر سورة البقرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية، أفليس هذا أكبر دليل على أن الشريعة تنظيم للعبادة وتنظيم للمعاملة ففي العبادات أمر ونهي وفي المعاملات أمر ونهي وفي العبادات ترغيب وترهيب ووعد ووعيد وفي المعاملات كذلك ترغيب وترهيب ووعد ووعيد ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥] ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ - الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ - وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣] فكما أن على المؤمن أن يسير في عبادته على الحدود الشرعية من غير تجاوز ولا تقصير فكذلك يجب عليه أن يسير على الحدود الشرعية في معاملة الناس من بيع وشراء وتأجير واستئجار وإرهان وارتهان وبذل وأخذ وغير ذلك لأن الكل شريعة الله تعالى فهو مسؤول عن معاملته كما هو مسؤول عن عبادته قال الله تعالى ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ - فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦ - ٧] فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في طلب المال سيروا في طلبه على هدى ربكم لا على أهواء أنفسكم ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ولا والذي نفسي بيده لا يُسْلِم عبد حتى يُسْلِم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه يا نبي الله قال غشمه وظلمه ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث» . إن في هذا الحديث لعبرة لمن كان له قلب إنه يدل بوضوح على أن كثرة الدنيا وتنعيم العبد بها ليس علامة على أن الله يحبه فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب وهاهم الكفار يتمتعون بما يتنعمون به في الدنيا وهم أعداء الله وموضع سخطه وبغضه ولكن العلامة

стр. 527

على محبة الله للعبد هو الدين الذي يلتزم به العبد شرائع الله في عباداته ومعاملاته وآدابه وأخلاقه فإذا رأيت الرجل ذا دين فإن الله يحبه لأن الله لا يعطي الدين إلا من يحب ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] وهذا الحديث يدل بوضوح على أن من كسب مالًا على وجه محرم فهو خاسر مهما ربح لأنه إما أن ينفق هذا المال في حاجاته الدنيوية وإما أن يتصدق به لطلب الثواب في الآخرة وإما أن يبقى بعده بدون إنفاق ولا صدقة وقد بيَّن النبي ﷺ حكم هذه الثلاث بأنه إن أنفقه لم يبارك له فيه وإن تصدق به لم يقبل منه وإن بقي بعده كان زاده إلى النار. هذه نتائج من اكتسب المال بطريق محرم أضف إلى هذه النتائج نتيجة الطمع وإغراق القلب في طلب المال استمع إلى قول النبي ﷺ الثابت عنه في الصحيحين يقول «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض قيل وما بركات الأرض قال زهرة الدنيا» ثم قال ﷺ «إن هذا المال خضرة حلوة من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو وإن أخذه بغير حقه أو قال ومن لم يأخذه بحقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة» . أخذ المال بحقه أن يكتسبه بطريق مباح وأخذ المال بغير حقه أن يأخذه بطريق غير مباح والميزان لكون الطريق مباحًا أو غير مباح ليس هو الهوى النفسي ولا القانون الوضعي وإنما هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فما أحله الله ورسوله فهو الحق وما حرمه الله ورسوله فهو غير الحق. وصدق رسول الله ﷺ وبرهنت الوقائع على صدقه فإن الناس يشاهدون من يكتسب المال بالطرق المحرمة قد ملأ صدره الطمع وأحرق نفسه الشح أيديهم مملوءة من المال وقلوبهم خالية منه يقول الناس إنهم أغنياء وهو أشد في طلب المال من الفقراء لأنه كما قال النبي ﷺ «كالذي يأكل ولا يشبع» . يشاهدون من يأكل الربا لا يقلع عنه ولا يفتر في طلبه. يشاهدون من يتحيل على أكل الربا وقد زين له سوء عمله فرآه حسنًا لا يرعوي عن تَحَيُّلِه ولا يتوانى في ذلك. يشاهدون من يكذب في السلعة أو ثمنها منهمكًا في عادته السيئة لا يقلع عنها. يشاهدون من يعامل بالغش والتغرير والتمويه على الناس لا يزال مستمرًا في عمله. يشاهدون من يأخذ الرشوة

стр. 528

على أعماله الملزم بها من قبل الوظيفة فيتوانى في القيام بعمله حتى يضطر الناس إلى بذل الرشوة له يشاهدونه مشغوفًا بهذا العمل ومنهمكًا فيه. يشاهدون من يربحون من وراء المناجشات في المساهمات العقارية في الأراضي أو غيرها لا يتورعون عن الكسب بهذه الطريق المحرمة يُرى الواحد منهم يزيد في قطع الأراضي من الأرض التي له فيه شركة لا لغرض في القطعة ولكن من أجل رفع ثمنها ليزيد ربحه الذي هو في الحقيقة خسران. فكيف يليق بالمؤمن وهو يعلم بهذه العقوبات ويشاهد تلك النتائج أن يسعى لكسب المال من طريق محرم كيف يرضى أن يخسر دينه من أجل الكسب الظاهري في دنياه كيف يليق به أن يجعل الوسيلة غايةً والغاية وسيلةً ألم يعلم أن المال وسيلة لقيام الدين والدنيا وأن اكتسابه بطريق محرم هدم للدين والدنيا. فاتقوا الله أيها المؤمنون وأطيعوا الله ورسوله لعلكم تفلحون وفقني الله وإياكم للبصيرة في دينه والعمل بما يرضيه وحمانا من أسباب سخطه ومعاصيه وغفر لنا وللمسلمين إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 529

[الخطبة الثانية في بيع ثمار النخيل] الخطبة الثانية في بيع ثمار النخيل الحمد لله الكريم المنان المتفضل على عباده بأصناف النعم وأنواع الإحسان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالهدى والرحمة وصلاح القلوب والأبدان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من النعم العظيمة نعم الدنيا ونعم الدين نعم كثيرة وافرة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] اشكروا الله على هذه النعم فإن الشكر سبب لمزيدها وبقائها وإن كفر النعم سبب لنقصها وزوالها قال الله تعالى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وقال سبحانه ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] أيها الناس إن شكر الله على نعمته هو القيام بطاعته أن تفعلوا ما أمركم الله به وتتركوا ما نهاكم عنه سواء في كتابه أو في سنة رسوله ﷺ فإن من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا. إن العاصي ليس بشاكر لربه ولو قال شكرًا لله بلسانه فأيُّ فائدة لشكر الإنسان ربه بلسانه وهو مقيم على معصيته أفلا يخشى من شكر ربه بلسانه وهو مقيم على معصيته أن يقال له كذبت إنك لم تشكر ربك حق شكره. أيها الناس إن أكبر نعمة أنعم الله عليكم أن هداكم للإيمان والإسلام مخلصين لله تعالى متبعين لرسوله ﷺ وقد كان قوم يتخبطون العشواء في دينهم ما بين مغضوب عليهم علموا الحق واستكبروا عنه، وضالين جهلوا الحق فلم يهتدوا إليه. وإن من نِعَم الله عليكم هذا الأمن والاستقرار وقد أصيب قوم بالخوف والقلق والقتال وإن من نعم الله عليكم ما يسره لكم من أنواع الأرزاق تأتيكم رغدًا من كل مكان وقد كان قوم لا يستطيعون لقمة العيش إلا بتعب وعناء وربما ماتوا من الجوع والإقلال. وإن من نعم الله عليكم ما أخرجه لكم من ثمرات النخيل والأعشاب تتفكهون بها رطبًا جنيًّا وتدخرونها تمرًا وزبيبًا فاعتبروا بما فيها من

стр. 530

قدرة الله وحكمته ورحمته حيث أخرجها لكم من هذه الجذوع والغصون مأكولًا طريًّا شهيًّا ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فاشكروا الله تعالى على هذه النعم واستعينوا بها على طاعته وإياكم أن تكون نعم الله عليكم سببًا لأشركم وبطركم وفسوقكم عن أمر ربكم فإن ذلك أقوى معول لهدمها وأقوى سبب لزوالها. أيها الناس إن من شكر الله على نعمته بهذه الثمار أن تتمشوا في بيعها وشرائها على ما سَنَّه رسول الله ﷺ ابتغاءً لثواب الله واتباعًا لشريعته وطلبًا للخير والبركة في أموالكم ولقد بيَّن رسول الله ﷺ متى تباع هذه الثمار وكيف تباع فقال رسول الله ﷺ «لا تتبايعوا هذه الثمار حتى يبدو صلاحها ولا تبيعوا الثمر بالتمر» نهى رسول الله ﷺ البائع والمشتري عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها لأنها قبل صلاحها أكثر عرضةً للآفات وأزيد نموًّا فتحصل الجهالة فيما زاد ونهى عن بيع الثمر بالتمر لأن ذلك ربًا أو وسيلةً إليه. والصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر والصلاح في العنب أن تظهر فيه الحلاوة ويطيب أكله فمن باع شيئًا من ثمار النخيل والأعناب على شجره قبل بدو صلاحه فقد عصى نبيه محمدًا ﷺ والبيع باطل والثمرة للبائع لا يحل للمشتري أن يتصرف فيها بشيء والثمن للمشتري لا يحل للبائع أن يتصرف فيه بشيء. وبيع ثمار النخيل على شجره ينقسم ثلاثة أقسام أحدها أن يبيعه تفريدًا كل نخلة وحدها فإن كان فيها لون ولو واحدة جاز بيعها وإلا وجب الانتظار حتى تلون. القسم الثاني أن يبيعه أنواعًا كل نوع وحده جميعًا مثل أن يبيع السكري كله جملة واحدة فإن كان فيه لون ولو في نخلة واحدة منه جاز بيعه جميعًا تبعًا للملون منه وإلا وجب الانتظار به حتى يظهر فيه اللون. القسم الثالث أن يبيع البستان كله جملةً واحدةً بجميع أنواعه فإن كان اللون قد ظهر في جميع الألوان ولو في نخلة واحدة من كل نوع جاز بيعه وإلا وجب الانتظار فيما لم يظهر اللون في نوعه حتى يلون. فإذا كان البستان ثلاثة أنواع برحيًّا وسكريًّا وأمهات حمام فباعه جميعًا جملةً واحدةً ولم نجد شيئًا ملونًا من البرحى فإن البيع يصح في السكري وأمهات الحمام دون البرحى ولا يجوز إبدال ثمرة نخلة بثمرة نخلة أخرى سواءً كانت من نوعها أم لا وسواءً كانت
следующие страницы →