Полный текст (711 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ليضلوا بها الناس عن شريعة ربهم. أفلم يعلم هؤلاء الذين عموا أو تعاموا أن في الشريعة الإسلامية نصوصًا كثيرةً وافيةً في تنظيم المعاملات في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ بل إن أطول آية في القرآن كانت في المعاملة بين الناس في بيعهم وشرائهم الحاضر والمؤجل وبيان وسائل حفظ ذلك من كتابة وإشهاد ورهن واقرؤوها إن شئتم في آخر سورة البقرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية، أفليس هذا أكبر دليل على أن الشريعة تنظيم للعبادة وتنظيم للمعاملة ففي العبادات أمر ونهي وفي المعاملات أمر ونهي وفي العبادات ترغيب وترهيب ووعد ووعيد وفي المعاملات كذلك ترغيب وترهيب ووعد ووعيد ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥] ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ - الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ - وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣]
فكما أن على المؤمن أن يسير في عبادته على الحدود الشرعية من غير تجاوز ولا تقصير فكذلك يجب عليه أن يسير على الحدود الشرعية في معاملة الناس من بيع وشراء وتأجير واستئجار وإرهان وارتهان وبذل وأخذ وغير ذلك لأن الكل شريعة الله تعالى فهو مسؤول عن معاملته كما هو مسؤول عن عبادته قال الله تعالى ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ - فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦ - ٧]
فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في طلب المال سيروا في طلبه على هدى ربكم لا على أهواء أنفسكم ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢] وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ولا والذي نفسي بيده لا يُسْلِم عبد حتى يُسْلِم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه يا نبي الله قال غشمه وظلمه ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث» . إن في هذا الحديث لعبرة لمن كان له قلب إنه يدل بوضوح على أن كثرة الدنيا وتنعيم العبد بها ليس علامة على أن الله يحبه فإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب وهاهم الكفار يتمتعون بما يتنعمون به في الدنيا وهم أعداء الله وموضع سخطه وبغضه ولكن العلامة
стр. 527
على محبة الله للعبد هو الدين الذي يلتزم به العبد شرائع الله في عباداته ومعاملاته وآدابه وأخلاقه فإذا رأيت الرجل ذا دين فإن الله يحبه لأن الله لا يعطي الدين إلا من يحب ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]
وهذا الحديث يدل بوضوح على أن من كسب مالًا على وجه محرم فهو خاسر مهما ربح لأنه إما أن ينفق هذا المال في حاجاته الدنيوية وإما أن يتصدق به لطلب الثواب في الآخرة وإما أن يبقى بعده بدون إنفاق ولا صدقة وقد بيَّن النبي ﷺ حكم هذه الثلاث بأنه إن أنفقه لم يبارك له فيه وإن تصدق به لم يقبل منه وإن بقي بعده كان زاده إلى النار. هذه نتائج من اكتسب المال بطريق محرم أضف إلى هذه النتائج نتيجة الطمع وإغراق القلب في طلب المال استمع إلى قول النبي ﷺ الثابت عنه في الصحيحين يقول «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض قيل وما بركات الأرض قال زهرة الدنيا» ثم قال ﷺ «إن هذا المال خضرة حلوة من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو وإن أخذه بغير حقه أو قال ومن لم يأخذه بحقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة» . أخذ المال بحقه أن يكتسبه بطريق مباح وأخذ المال بغير حقه أن يأخذه بطريق غير مباح والميزان لكون الطريق مباحًا أو غير مباح ليس هو الهوى النفسي ولا القانون الوضعي وإنما هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فما أحله الله ورسوله فهو الحق وما حرمه الله ورسوله فهو غير الحق. وصدق رسول الله ﷺ وبرهنت الوقائع على صدقه فإن الناس يشاهدون من يكتسب المال بالطرق المحرمة قد ملأ صدره الطمع وأحرق نفسه الشح أيديهم مملوءة من المال وقلوبهم خالية منه يقول الناس إنهم أغنياء وهو أشد في طلب المال من الفقراء لأنه كما قال النبي ﷺ «كالذي يأكل ولا يشبع» .
يشاهدون من يأكل الربا لا يقلع عنه ولا يفتر في طلبه. يشاهدون من يتحيل على أكل الربا وقد زين له سوء عمله فرآه حسنًا لا يرعوي عن تَحَيُّلِه ولا يتوانى في ذلك. يشاهدون من يكذب في السلعة أو ثمنها منهمكًا في عادته السيئة لا يقلع عنها. يشاهدون من يعامل بالغش والتغرير والتمويه على الناس لا يزال مستمرًا في عمله. يشاهدون من يأخذ الرشوة
стр. 528
على أعماله الملزم بها من قبل الوظيفة فيتوانى في القيام بعمله حتى يضطر الناس إلى بذل الرشوة له يشاهدونه مشغوفًا بهذا العمل ومنهمكًا فيه. يشاهدون من يربحون من وراء المناجشات في المساهمات العقارية في الأراضي أو غيرها لا يتورعون عن الكسب بهذه الطريق المحرمة يُرى الواحد منهم يزيد في قطع الأراضي من الأرض التي له فيه شركة لا لغرض في القطعة ولكن من أجل رفع ثمنها ليزيد ربحه الذي هو في الحقيقة خسران. فكيف يليق بالمؤمن وهو يعلم بهذه العقوبات ويشاهد تلك النتائج أن يسعى لكسب المال من طريق محرم كيف يرضى أن يخسر دينه من أجل الكسب الظاهري في دنياه كيف يليق به أن يجعل الوسيلة غايةً والغاية وسيلةً ألم يعلم أن المال وسيلة لقيام الدين والدنيا وأن اكتسابه بطريق محرم هدم للدين والدنيا.
فاتقوا الله أيها المؤمنون وأطيعوا الله ورسوله لعلكم تفلحون وفقني الله وإياكم للبصيرة في دينه والعمل بما يرضيه وحمانا من أسباب سخطه ومعاصيه وغفر لنا وللمسلمين إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 529
[الخطبة الثانية في بيع ثمار النخيل]
الخطبة الثانية
في بيع ثمار النخيل الحمد لله الكريم المنان المتفضل على عباده بأصناف النعم وأنواع الإحسان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الديان وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالهدى والرحمة وصلاح القلوب والأبدان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من النعم العظيمة نعم الدنيا ونعم الدين نعم كثيرة وافرة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] اشكروا الله على هذه النعم فإن الشكر سبب لمزيدها وبقائها وإن كفر النعم سبب لنقصها وزوالها قال الله تعالى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وقال سبحانه ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]
أيها الناس إن شكر الله على نعمته هو القيام بطاعته أن تفعلوا ما أمركم الله به وتتركوا ما نهاكم عنه سواء في كتابه أو في سنة رسوله ﷺ فإن من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا. إن العاصي ليس بشاكر لربه ولو قال شكرًا لله بلسانه فأيُّ فائدة لشكر الإنسان ربه بلسانه وهو مقيم على معصيته أفلا يخشى من شكر ربه بلسانه وهو مقيم على معصيته أن يقال له كذبت إنك لم تشكر ربك حق شكره.
أيها الناس إن أكبر نعمة أنعم الله عليكم أن هداكم للإيمان والإسلام مخلصين لله تعالى متبعين لرسوله ﷺ وقد كان قوم يتخبطون العشواء في دينهم ما بين مغضوب عليهم علموا الحق واستكبروا عنه، وضالين جهلوا الحق فلم يهتدوا إليه. وإن من نِعَم الله عليكم هذا الأمن والاستقرار وقد أصيب قوم بالخوف والقلق والقتال وإن من نعم الله عليكم ما يسره لكم من أنواع الأرزاق تأتيكم رغدًا من كل مكان وقد كان قوم لا يستطيعون لقمة العيش إلا بتعب وعناء وربما ماتوا من الجوع والإقلال. وإن من نعم الله عليكم ما أخرجه لكم من ثمرات النخيل والأعشاب تتفكهون بها رطبًا جنيًّا وتدخرونها تمرًا وزبيبًا فاعتبروا بما فيها من
стр. 530
قدرة الله وحكمته ورحمته حيث أخرجها لكم من هذه الجذوع والغصون مأكولًا طريًّا شهيًّا ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] فاشكروا الله تعالى على هذه النعم واستعينوا بها على طاعته وإياكم أن تكون نعم الله عليكم سببًا لأشركم وبطركم وفسوقكم عن أمر ربكم فإن ذلك أقوى معول لهدمها وأقوى سبب لزوالها.
أيها الناس إن من شكر الله على نعمته بهذه الثمار أن تتمشوا في بيعها وشرائها على ما سَنَّه رسول الله ﷺ ابتغاءً لثواب الله واتباعًا لشريعته وطلبًا للخير والبركة في أموالكم ولقد بيَّن رسول الله ﷺ متى تباع هذه الثمار وكيف تباع فقال رسول الله ﷺ «لا تتبايعوا هذه الثمار حتى يبدو صلاحها ولا تبيعوا الثمر بالتمر» نهى رسول الله ﷺ البائع والمشتري عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها لأنها قبل صلاحها أكثر عرضةً للآفات وأزيد نموًّا فتحصل الجهالة فيما زاد ونهى عن بيع الثمر بالتمر لأن ذلك ربًا أو وسيلةً إليه.
والصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر والصلاح في العنب أن تظهر فيه الحلاوة ويطيب أكله فمن باع شيئًا من ثمار النخيل والأعناب على شجره قبل بدو صلاحه فقد عصى نبيه محمدًا ﷺ والبيع باطل والثمرة للبائع لا يحل للمشتري أن يتصرف فيها بشيء والثمن للمشتري لا يحل للبائع أن يتصرف فيه بشيء.
وبيع ثمار النخيل على شجره ينقسم ثلاثة أقسام أحدها أن يبيعه تفريدًا كل نخلة وحدها فإن كان فيها لون ولو واحدة جاز بيعها وإلا وجب الانتظار حتى تلون.
القسم الثاني أن يبيعه أنواعًا كل نوع وحده جميعًا مثل أن يبيع السكري كله جملة واحدة فإن كان فيه لون ولو في نخلة واحدة منه جاز بيعه جميعًا تبعًا للملون منه وإلا وجب الانتظار به حتى يظهر فيه اللون.
القسم الثالث أن يبيع البستان كله جملةً واحدةً بجميع أنواعه فإن كان اللون قد ظهر في جميع الألوان ولو في نخلة واحدة من كل نوع جاز بيعه وإلا وجب الانتظار فيما لم يظهر اللون في نوعه حتى يلون. فإذا كان البستان ثلاثة أنواع برحيًّا وسكريًّا وأمهات حمام فباعه جميعًا جملةً واحدةً ولم نجد شيئًا ملونًا من البرحى فإن البيع يصح في السكري وأمهات الحمام دون البرحى ولا يجوز إبدال ثمرة نخلة بثمرة نخلة أخرى سواءً كانت من نوعها أم لا وسواءً كانت
стр. 531
أقل منها أم أكثر وسواءً كان مع أحدهما زيادة دراهم أم لا. لأنه لا يجوز بيع الثمر بالتمر خرصًا لكن لو جدّ شخص ثمرة نخلة لشخص آخر غلطًا فقال له خذ ثمرة نخلتي وأن أضمن ثمن ما حددته للبائع فرضي بذلك فلا بأس.
وإذا حدث عيب في الثمر بعد بيعه فإن كان بسبب من المشتري فلا ضمان على البائع مثل أن يكون المشتري غير عارف بالخرف فيخرفها فتختلف من خرفه أو يؤخر جدها عن وقته فيصيبها مطر أو غيره فلا ضمان على البائع وإن كان العيب مجرد قضاء وقدر لا سبب من العبد فيه كالغُبير والحشف الحاصل من شدة الحر فضمان نقصها على البائع لقول النبي ﷺ «إذا بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا بم تأخذ مال أخيك بغير حق» فيقوم النقص على البائع ويسقط من الثمن بقسطه فإذا كان النقص ربعًا أسقط عن المشتري ربع الثمن وإن كان أقل أو أكثر أسقط عنه بنسبته وعلى هذا فلو اشترى شخص ثمرة نخلة بمائتين ثم باعها على شخص آخر بثلثمائة ثم نقصت النصف فإن المشتري الثاني يأخذ مائة وخمسين من المشتري الأول نصف ما دفع إليه والمشتري الأول يأخذ مئة فقط من الذي باع عليه لأنها نصف ما دفع إليه ولا يحل له أن يجعل المئة والخمسين كلها على البائع لأن ذلك ظلم حيث رجع عليه بثلاثة أرباع الثمن وهذه مسألة جهلها كثير من الناس حيث ظنوا أن النقص كله يكون على البائع الأول ولم يتفطنوا أن النقص بالنسبة. وإذا حدث العيب في الثمرة وأحب المشتري أن يردها ويأخذ الثمن فله الحق في ذلك إلا أن يكون قد شرط عليه عند العقد أنه إن حدث بها عيب تثمن بدون رد وقَبِلَ فإنه يثمن له ولا يردها لأن المسلمين على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا. وإذا كان العيب موجودًا عند البيع ورضي به المشتري فلا شيء له على البائع ولو زاد العيب فيما بعد لأنه دخل على بصيرة. وإذا كانت الثمرة سليمةً عند البيع فشرط على المشتري أنه إن حدث بها عيب فالبائع برئ منه فالشرط باطل ولا يبرأ البائع به لأن هذا الشرط غرر وجهالة.
أيها الناس لقد اعتاد كثير من أهل البساتين أن يبيعوا ثمرة بساتينهم مساهمةً على الشركاء ثم يخرج عليها الشركاء تفريدًا وفي رأينا أن عدم البيع عليهم أحلَّ لأن الغالب فيما بيع على الشركاء أن يحصل فيه المناجشة من أجل زيادة الثمن طلبًا للربح وقد «نهى رسول الله ﷺ عن
стр. 532
النجش» ولا خير في كسب من ورائه وقد نهى عنه رسول الله ﷺ . ولأن بعض العلماء حرم بيع الثمار على النخيل بربح لأنها ليست من ضمان المشتري وقد «نهى النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن» فالأولى بيع ثمار النخيل على ذوي الحاجات تفريدًا لأنه أبعد عن الوقوع في هذه الأمور.
إن هؤلاء المناجشين وإن زاد كسبهم بهذه الطريقة المحرمة فإنه ينقص إيمانهم لأنهم وقعوا في معصية الله ورسوله وتنقص كذلك بركة أموالهم لأن المال إذا خالطه المحرم محق بركته وربما يحصل فيهم أو في أهلهم آفات وأمراض تلتهم أموالهم بالعلاج أو يحصل نقص في سعر التمر فيلحقهم من الخسارة أكثر مما أدركوا من الربح وهم بمناجشتهم يضيقون على أهل العوائز حيث تزيد عليهم الأثمان بسبب مناجشة هؤلاء الجشعين.
وفقني الله وإياكم للورع عما يضرنا والزهد فيما لا ينفعنا والرغبة فيما يقربنا إليه وجعلنا هداةً مهتدين مصلحين صالحين إنه جواد كريم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. . .
стр. 533
[الخطبة الثالثة في الربا والتحيل عليه]
الخطبة الثالثة
في الربا والتحيل عليه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك به وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واحذروا أسباب سخطه وعقابه احذروا ما حذركم الله منه إن كنتم مؤمنين واحذروا الربا فإنه من أسباب لعنة الله تعالى ومقته إن الربا من أكبر الكبائر التي حذر الله تعالى عنها في كتابه وحذر رسول الله ﷺ عنها في سنته وأجمع المسلمون على تحريمها. اسمعوا قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] اسمعوا قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٢] واسمعوا قول الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ - يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٦] اسمعوا هذه الآيات العظيمة وما تتضمن من التحذير من الربا والوعيد عليه اسمعوا هذه الآيات وافهموها وعوها ونفذوها فإن لم تفهموها فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون أو طالعوا ما قاله المفسرون فيها إن كنتم تقدرون لقد قال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ في تفسير الآية الثالثة: ذكر الظالمين أهل الربا والمعاملات الخبيثة وأخبر أنهم يجازون بحسب أعمالهم فكما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين عوقبوا في البرزخ والقيامة بأنهم لا يقومون من قبورهم أو يوم بعثهم ونشورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس أي من الجنون والصرع. ولقد صدق رحمه الله تعالى فإن المرابين كالمجانين لا يعون موعظةً ولا يرعوون عن معصية نسأل الله لنا ولهم الهداية.
стр. 534
أيها الناس اسمعوا ما صح عن رسول الله ﷺ من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء؛ رواه مسلم، اسمعوا ما صح عنه من حديث سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ «رأى في منامه نهرًا من دم فيه رجل قائم وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رماه الرجل الذي على شط النهر بحجر في فمه فرده حيث كان فجعل الرجل الذي في نهر الدم كلما جاء ليخرج رماه الرجل الذي على شط النهر بحجر في فمه فيرجع كما كان فسأل النبي ﷺ عن هذا الرجل الذي رآه في نهر الدم فقيل هذا آكل الربا» رواه البخاري. اسمعوا ما رواه أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ أتى ليلة أسري به على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء أكلة الربا» . واسمعوا ما جاء في الحديث: «الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه» رواه الحاكم وله شواهد.
أيها المسلمون: لقد بيَّن رسول الله ﷺ لأمته الربا أين يكون وكيف يكون بيانًا شافيًا واضحًا إلا لمن به مرض أو عمى لقد قال رسول الله ﷺ «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء» رواه مسلم. وفي لفظ له «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» . لقد بين النبي ﷺ أن هذه الأصناف الستة إذا بيع الشيء منها بجنسه مثل أن يباع الذهب بالذهب فلا بد فيه من شرطين اثنين أحدهما أن يتساويا في الوزن والثاني أن يتقابض الطرفان في مجلس العقد فلا يتفرقا وفي ذمة أحدهما شيء للآخر فلو باع شخص ذهبًا بذهب يزيد عليه وزنًا ولو زيادة يسيرة فهو ربا حرام والبيع باطل ولو باع ذهبًا بذهب مثله في الوزن ولكن تفرقا قبل القبض فهو ربا حرام والبيع باطل. وبين رسول الله ﷺ أن هذه الأصناف الستة إذا بيع أحدها بجنس آخر فلا بأس أن يكون أحدهما أكثر من الآخر ولكن لا بد من التقابض من الطرفين في مجلس العقد بحيث لا يتفرقان وفي ذمة أحدهما للآخر شيء. فلو باع ذهبًا بفضة وتفرقا قبل القبض فهو ربا حرام والبيع باطل.
أيها الناس لقد كان التعامل سابقًا بالذهب والفضة وأصبح التعامل الآن بالأوراق
стр. 535
النقدية بدلًا عنها والبدل له حكم المبدل فلا يجوز التفرق قبل القبض إذا أبدلت أوراقًا نقديةً بجنسها أو بغير جنسها فلو قلت لشخص خذ هذه الورقة ذات المئة اصرفها لي بورقتين ذواتى خمسين فإنه يجب أن تسلم وتستلم قبل التفرق فإن تأخر القبض من الطرفين أو أحدهما فقد وقعا في الربا. ولقد صار من المعلوم عند الناس أنك لو أخذت من شخص مائة ريال من النقد الورقي بمئة وعشرة مؤجلة إلى سنة أو أقل أو أكثر لكان ذلك ربًا وهذا حق فإن هذه المعاملة من الربا الجامع بين ربا الفضل وربا النسيئة بين الربا المقصود والذريعة ولكن من المؤسف أن كثيرًا من المسلمين صاروا يتحيلون على هذا الربا بأنواع من الحيل. والحيلة أن يتوصل الشخص إلى الشيء المحرم بشيء ظاهره الحل فيستحل محارم الله بأدنى الحيل.
وإن الحيلة على محارم الله تعالى خداع ومكر إنها خداع ومكر يخادع بها العبد ربه يخادع بها من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور أفيظن هذا المخادع الذي لاذ بخديعته أن أمره سيخفى على الله أفلا يقرأ قول الله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] أليس في نيته وقرارة نفسه أنه يريد ما حرم الله ولكن يكسوه بثوب من الخداع والمكر لا ينطلي إلا على مثله ممن جعل الله على بصره غشاوة.
إن الحيل على الربا كثيرة ولكن أكثرها شيوعًا أن يجيء الرجل لشخص فيقول له إني أريد كذا وكذا من الدراهم فهل لك أن تدينني العشر أحد عشر أو اثني عشر أو أقل أو أكثر حسب ما يتفقان عليه ثم يذهب الطرفان إلى صاحب دكان عنده بضاعة مرصوصة معدة لتحليل الربا قد يكون لها عدة سنوات إما خام أو سكر أو زر أو هيل أو غيرها مما يتفق عند صاحب الدكان أظن أن لو وجدا عنده أكياس سماد يقضيان بها غرضهما لفعلا فيشتريها الدائن من صاحب الدكان شراءً صوريًّا لا حقيقيًّا أقول شراءً صوريًّا لا حقيقيًّا لأنه لم يقصد السلعة من الأصل بل لو وجد أي سلعة يقضي بها غرضه لاشتراها ثم هو لا يقلب السلعة ولا يمحصها ولا يكاسر في الثمن وربما كانت السلعة معيبةً أفسدها طول الزمن أو أكلتها الأرضة وهو لا يعلم ثم بعد هذا الشراء الصوري يتصدى لقبضها الصوري أيضًا فيعدها وهو بعيد عنها وربما أدرج يده عليها تحقيقًا للقبض كما يقولون ثم يبيعها على المدين بالربح الذي اتفقا عليه ولا أدري هل يتصدى المدين لقبضها ذلك القبض الصوري قبل بيعها على
стр. 536
صاحب الدكان فإذا اشتراها صاحب الدكان سلم للمدين الدراهم وخرج بها قال شيخ الإسلام ابن تيمية ص ١٠٩ من كتاب إبطال التحليل لقد بلغني أن من الباعة من أعد بزًّا لتحليل الربا فإذا جاء الرجل إلى من يريد أن يأخذ منه ألف بألف ومائتين ذهب إلى ذلك المحلل فاشترى منه المعطي ذلك البز ثم يعيده للآخذ ثم يعيده الآخذ إلى صاحبه وقال فيه أيضًا فيا سبحان الله العظيم أيعود الربا الذي قد عظم الله شأنه في القرآن وأوجب محاربة مستحله ولعن آكله وموكله وكاتبه وشاهديه وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره إلى أن يستحل بأدنى سعي من غير كلفة أصلًا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب وقد ذكر شيخ الإسلام هذه المسألة أيضًا في الفتاوى جمع ابن قاسم ص ٤٤١ ج ٢٩ وقال هي من الربا الذي لا ريب فيه مع أنه ذكر في مسألة التورق قولين لأهل العلم هل تجوز أم لا تجوز.
أيها الإخوة المسلمون إن هذه الحيلة الربوية التي شاعت بين الناس تتضمن محاذير، الأول: أنها خداع ومكر وتحيل على محارم الله والحيلة لا تحلل الحرام ولا تسقط الواجب ولقد قال بعض السلف في أهل الحيل يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون.
المحذور الثاني: أنها توجب التمادي في الباطل فإن هذا المتحيل يرى أن عمله صحيح فيتمادى فيه أما من أتى الأمر الصريح فإنه يشعر أنه وقع في هلكة فيخجل ويستحي من ربه ويحاول أن ينزع من ذنبه ويتوب إلى ربه.
المحذور الثالث: أن السلعة تباع في محلها بدون قبض ولا نقل وهذا معصية لرسول الله ﷺ فعن زيد بن ثابت ﵁ «أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع» يعني في المكان الذي اشتريت فيه حتى يحوزها التجار إلى رحالهم رواه أبو داود والدارقطني ويشهد له حديث ابن عمر ﵄ قال «كان الناس يتبايعون الطعام جزافًا بأعلى السوق فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه» رواه البخاري.
وقد يتعلل بعض الناس فيقول إن عد هذه الأكياس قبض لها فنقول إذا قدرنا أنه قبض فهل هو نقل وحيازة والنبي ﷺ نهى عن بيع السلع حتى تحاز إلى الرحال ثم هل جاء في السنة أن مجرد العد قبض إن القبض هو أن يكون الشيء في قبضتك وذلك بحيازته إلى محلك
стр. 537
بالإضافة إلى عده أو كيله أو وزنه إن كان يحتاج إلى ذلك.
فيا عباد الله اتقوا الله تعالى واحذروا التحيل على محارمه واعدلوا عن المعاملات الحرام إلى المعاملات الحلال إما بطريق الإحسان إلى المحتاجين بإقراضهم وإما بالسَّلَم الذي تسمونه الكتب تعطونه دراهم بسلعة في ذمته يسلمها لكم وقت حلولها وإما ببيع السلعة التي يحتاجها بعينها إذا كان يحتاج لسلعة معينة كفلاح يحتاج لمكينة وهي عندك فتبيعها عليه بثمن مؤجل أكثر من ثمنها حاضرًا وكشخص محتاج لسيارة فتبيعها عليه بثمن مؤجل أكثر من ثمنها حاضرًا.
والمعاملات البديلة عن تلك المعاملة المحرمة كثيرة ومن أراد استيضاحها فليسأل عنها أهل العلم. وفقني الله وإياكم للهدى والتقى والعفاف والغنى وحمانا مما يغضبه إنه جواد كريم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 538
[الخطبة الرابعة في التحذير من الربا في الذهب]
الخطبة الرابعة
في التحذير من الربا في الذهب إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك به وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد: فقد قال الله ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨] هكذا يقرر الله تعالى هذه الكلية العامة الشاملة لكل إنسان، إن كل إنسان خُلِق ضعيفًا، خُلِق ضعيفًا في نشأته ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ - مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨ - ١٩] نطفة صبابة من الماء المهين. وخلق ضعيفًا في عِلْمه ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] فعِلْمه قليل ومحفوف بآفتين جهل قبل العلم ونسيان بعده فهو لا يعلم الغيب ولا يعلم المستقبل حتى في تصرفاته الخاصة ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] خلق ضعيفًا في تصرفه وإدراكه قد يتصور البعيد قريبًا والقريب بعيدًا والنافع ضارًّا والضار نافعًا ولا يدرك النتائج التي تتمخص عن تصرفاته.
ومن أجل هذا الضَّعْف وهذا القصور رحم الله الخَلْق بإرسال الرسل وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط فيسيروا على صراط الله المستقيم ويستنيروا بهدى الله العليم الحكيم ولئلا يبتدعوا تشريعات من عند أنفسهم يسلكون بها المتاهات في الظلم والجور والنزاع والخلاف أو يسنوا أنظمةً متناقضةً فوضويةً إن أصلحت جانبًا من الحياة أفسدت جوانب أو يتبعوا أهواءهم ويطلقوا حرياتهم في تصرفاتهم وفي معاملاتهم ولا يمكن لشخص أن يطلق حريته بدون قيود إلا كان ذلك على حساب حرية الآخرين.
ولقد عمي قوم أو تعاموا عن الحق حيث ظنوا أو زعموا أن شرائع الله تعالى إنما جاءت لإصلاح العبادات والأخلاق دون المعاملات فاتبعوا أهواءهم في معاملاتهم فشرعوا القوانين وتصرفوا كما يشاؤون فشاركوا الله تعالى في شرعه وعتوا عن أمره في شريعته ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ - لِيَوْمٍ عَظِيمٍ - يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦] أفلا يرجع هؤلاء إلى رشدهم
стр. 539
ويتبعون سبيل ربهم ويلتزمون بشريعته ويقفون عند حدود ويقولون سمعنا وأطعنا ولا يكونون كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون أو قالوا سمعنا وعصينا.
أيها الناس إن شريعة الله نظمت للناس طرق معاملاتهم فيما بينهم كما نظمت طرق أخلاقهم ومعاملاتهم مع ربهم فالواجب على كل مؤمن بالله واليوم الآخر أن يدين لله بالطاعة في عباداته وأخلاقه ومعاملاته ولا يكون كالذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض يدين لله في عباداته وأخلاقه ويتبع هواه في معاملاته فإنه مسؤول عن ذلك كله وكم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ من وعد لمن استقام في معاملاته على أمر الله ووعيد على من تعدى فيها حدود الله.
أيها الناس لقد حرم الله تعالى الربا في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ وأجمع على ذلك علماء المسلمين في كل عصر وفي كل مصر لم يختلف منهم في تحريمه اثنان قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] وأي جرم في المعاملة أبلغ من معاملة يكون فيها الإنسان معلنًا بحرب الله ورسوله. وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هو سواء» (رواه مسلم) . ولقد بيَّن رسول الله ﷺ ما يكون فيه الربا وكيف يكون ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ «أن النبي ﷺ قال الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواءً بسواء يدًا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» . وله من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال «فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء» .
فبيَّن رسول الله ﷺ في هذا الحديث أنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب إلا بشرطين.
الأول أن يكونا سواء في الوزن لا يزيد أحدهما على الآخر والثاني أن يكون ذلك يدًا بيد بمعنى أن يسلم كل واحد من الطرفين لصاحبه ما بادله به قبل أن يتفرقا فإن زاد أحدهما على الآخر فهو ربا والعقد باطل وإن تفرقا قبل القبض من الطرفين فالعقد باطل وهو من الربا أيضا وهكذا إذا بيعت الفضة بالفضة أو البر بالبر أو الشعير بالشعير أو التمر بالتمر أو الملح
стр. 540
بالملح فلا بد من هذين الشرطين التساوي والقبض من الطرفين فلو باع صاعًا من بر بصاع منه وزيادة فهو ربا ولو كانت القيمة واحدة وعلى هذا فإذا كان عند امرأتين حلي وأحبت إحداهما أن تبادل الأخرى فلا يجوز إلا أن يوزن حلي كل واحدة منهما فيكونا سواء وأن تتقابضا قبل التفرق، وأجاز بعض العلماء التبادل مع زيادة أحدهما على الآخر إذا كان مع الناقص شيء يقابل الزيادة أما إذا بيع الذهب بالفضة فإنه لا يشترط التساوي وإنما يشترط التقابض قبل التفرق بحيث يقبض البائع الثمن كاملًا ويقبض المشتري ما اشتراه كاملًا فلو باع شخص سوارين من ذهب بمائتي ريال وكل واحد يساوي مئةً فأعطاه المشتري مئة ريال وأخذ السوارين وقال آتي لك بعد قليل ببقية الثمن فهذا حرام عليهما ولا يصح البيع إلا في سوار واحد فقط أما السوار الثاني فبيعه باطل لأن ما يقابله من الثمن لم يقبض.
ولقد بلغني أن الصواغ وتجار الحلي يبيعون الحلي بالدراهم ولا يقبضون الثمن من المشتري وهذا حرام عليهم وحرام على المشتري وهو من الربا الملعون فاعله على لسان محمد ﷺ وفي ظني أن بعضهم لا يدري عن حكم هذه المسألة وإلا فلا أظن أن مؤمنًا بالله واليوم الآخر يعلم أن هذا ربًا ثم يتعامل به لا سيما وإن في التقابض سلامةً من الربا ومصلحةً للطرفين فالبائع ينتفع بنقد الثمن ويسلم من مماطلة المشتري أو نسيانه أو إعساره والمشتري يفك ذمته بتسليم الثمن وخلو ذمته من الطلب. وقد يفتي بعض المتعاملين بهذا نفسه فيقول أنا لم أبع ذهبًا بفضة وإنما بعت ذهبًا بقرطاس فنقول هذه الفتوى غلط فإن هذه الأوراق جعلت نقدًا وعملةً بين الناس بمقتضى قرار الحكومة فلها حكم ما جعلت بدلًا عنه فإذا جعلت بدلًا عن الريالات الفضية كان لها حكم الفضة وكل أحد يعلم بأن هذه الأوراق النقدية ليس لها قيمة باعتبار كونها ورقًا فالأسواق مملوءة من قصاصات الورق التي بقدر ورقة النقد وليس لها قيمة أصلًا بل هي ملقاة في الزبل للإتلاف والإحراق. فاتقوا الله عباد الله وسيروا في عباداتكم ومعاملاتكم وجميع تصرفاتكم على شريعة الله ولا تتبعوا أهواءكم فإن الله يقول ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]
стр. 541
اللهم اهدنا صراطك المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين اللهم جنبنا صراط أصحاب الجحيم صراط المغضوب عليهم والضالين اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل إنك تهتدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 542
[الخطبة الخامسة في حكم بيع البيوت المرهونة]
الخطبة الخامسة
في حكم بيع البيوت المرهونة الحمد لله الغني الحميد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو على كل شيء شهيد وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالرحمة والقول السديد والعمل الرشيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس فإن مما أسسته الحكومة وفقها الله تعالى صندوق بنك التنمية العقاري تريد من جملة ما تريد من ذلك توفير المساكن الحديثة لشعبها ولكن مع الأسف الشديد أن بعض الناس استغل ذلك استغلالًا سيئًا يتضمن الكذب والخداع وأكل المال بالباطل ومخالفة مقتضى التعاقد مع هذا الصندوق بطرق ملتوية لا يجدر بالمؤمن بالله واليوم الآخر أن تصدر منه وسبق أن بيَّنَّا صورةً من هذه الاستغلالات السيئة مثل الذين يقدمون طلبات بأسماء مزورة يجعل الطلب باسم زوجته وهو له أو باسم ولده وليس لولده لكن يفعل ذلك تزويرًا وقد ارتدع عن ذلك من شاء الله هدايته وفتح بصيرته وأزال عنه غشاوة الطمع ثم وفق الله الحكومة إلى إلغاء هذه الصورة فيما نسمع.
ثم أحدث الناس قضية أخرى وهي بيع البيوت التي استقرضوا لها من البنك ورهنوها إياه سمعت بهذا من عدة أشهر وكنت أقدم رِجْلًا وأؤخر أخرى في الكلام فيه نظرًا لقلة وجوده من جهة وتمعنًا في تصوره وتطبيقه على القواعد الشرعية من جهة أخرى حتى علمت الآن أنه شائع كثير في بلدنا وغيرها يبيع المستقرض هذا البيت الذي رهن أرضه وما عليها للبنك والتزم بالقرض في ذمته وحيث علم هؤلاء أن بيع المرهون لا يصح إلا بإذن من المرتهن صاحب الحق وأن البنك لا يسمح ببيعه وكُتَّاب العدل لا يفرغون للمشتري صاروا يكذبون على كُتَّاب العدل ويخادعونهم فيذهب البائع والمشتري إلى كاتب العدل ويدعي البائع أنه أجره البيت أو وكله عليه بقدر المدة التي يستوفي بها البنك قرضه ووكله أيضًا بدفع قسط القرض إلى البنك كل سنة. والله تعالى يعلم أنه لا تأجير ولا وكالة وإنما هو بيع مغلف بكذب وخداع. ألم يعلم هؤلاء أن الله سيسألهم عما نطقوا به ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] هكذا يقول الله ويقول بعدها ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] أفلا يذكر هؤلاء سكرة الموت لعلها توقظهم من سكرة الطمع والجشع المفضية
стр. 543
إلى التلاعب بالعقود وخداع المسؤولين ألم يعلم هؤلاء أنهم سيسألون يوم القيامة أين عقد التأجير وأين عقد الوكالة الذين خدعتم به عباد الله حتى كتبوه في الصكوك الشرعية وأنتم كاذبون عليهم ألم يعلم هؤلاء أنهم سيسألون عن ذلك فلا يستطيعون الجواب ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] لماذا لم يكن عند هؤلاء شجاعة وجرأة وصراحة فيقولوا بعنا ويقول المشترون اشترينا إنهم لا يستطيعون ذلك لأنهم يعلمون أنه مخالف لمقتضى العقد الصادر بينهم وبين صندوق بنك التنمية وإنهم سيمنعون وأن الأمناء ذوي العلم من كتاب العدل لن يفرغوا لهم فلجئوا إلى تلك الطرق الملتوية ومن يخادع فإنما يخدع نفسه.
أيها الناس إن هذا التصرف أعني بيع البيوت المرهونة لصندوق بنك التنمية يتضمن مفاسد منها:
١ - عدم الوفاء بالعقد الجاري بين الصندوق والمستقرض فإن عقد الرهن - كما هو معلوم عند أهل العلم - يستلزم منع بيع المرهون إلا برضا المرتهن صاحب الحق حتى ولو باعه بشرط البقاء على الرهن. وعدم الوفاء بالعقد معصية لله تعالى لا ينبغي أن يقع من مؤمن قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]
٢ - الكذب بإظهار عقود غير صدق فهو يكتب للمشتري أنه أَجَّره أو وَكَّله وليس ثَمَّ تأجير ولا توكيل.
٣ - خداع المسؤولين من كُتَّاب العدل وغيرهم والسخرية الفعلية بهم.
٤ - ما قد يترتب على ذلك من الخصومات والنزاع في المستقبل فقد يعتري البيت تلف أو يحصل كساد في العقار فلا يتمكن المشتري من تسديد القرض للصندوق. والصندوق سيرجع على البائع الذي كان القرض باسمه كما هو مقتضى البند السادس في وثيقة عقد القرض فإذا كان الصندوق سيرجع على البائع بالنقص وقد باعه فإن كان قد التزم به للمشتري صار الثمن مجهولًا لأنه لا يُدْرى ماذا يكون النقص الذي سيغرمه البائع وإن لم يلتزم به المشتري أفضى إلى المنازعات والخصومات بين البائع والمشتري أو بين ورثتيهما إن ماتا أو بين أحدهما وورثة الآخر أو بين البائع والصندوق. وكل عقد فيه جهالة أو يفضي إلى النزاع
стр. 544
والخصومات فإن الشرع ينهى عنه.
أيها الإخوة قد تقولون إني ضيقت عليكم والله سبحانه يعلم أني ما أردت التضييق عليكم وإنما أردت أن تتمشى معاملاتكم على النهج المستقيم والتقيد بالشرع القويم وأن تبنى على الصراحة والصدق والبيان فقد قال النبي ﷺ في المتبايعين «إن صدقا وبَيَّنَا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» وليس في هذا تضييق وأمامنا هنا طريقان للمعاملة الحلال ولله الحمد.
١ - فإما أن يعجل صاحب البيت تسديد الأقساط ليفك رهنه ويبيعه بعد ذلك.
٢ - وإما أن يستأذن في بيعه من له حق الإذن في الصندوق فإذا أذن له في بيعه جاز بيعه وحينئذ تكون المعاملة واضحةً صريحةً لا التواء فيها ولا خداع.
وإني لأرجو الله تعالى أن يوفق المسؤولين في الصندوق أن يفسحوا للناس في البيع إذا كان في ذلك مصلحة للناس بلا مضرة إنه هو الجواد الكريم.
فاتقوا الله تعالى عباد الله واستقيموا في عباداتكم وآدابكم ومعاملاتكم على شريعة الله واحذروا المعاصي فإنها بها زيغ القلوب وحلول النكبات وفوات المطلوب.
اللهم وفقنا لما تحب وترضى وهيئ لنا من أمرنا رشدًا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 545
[الخطبة السادسة في التحذير من التعدي على الغير في ماله]
الخطبة السادسة
في التحذير من التعدي على الغير في ماله الحمد لله الذي يقضي بالحق ويحكم بالعدل وهو أحكم الحاكمين حكم بالعدل وأمر به وحرم على نفسه الظلم وحرمه على عباده وهو أرحم الراحمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين وجامع الخلق ليوم لا ريب فيه ليفصل بينهم بحكمه وهو خير الفاضلين وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخيرته من الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا طيب الذات والأسماء والصفات والأفعال لا يقبل إلا الطيب من الأقوال والأعمال والأموال ألا وإن الطيب من الأموال ما اكتسبه الإنسان من طريق حلال ثم أنفقه فيما يرضي الكبير المتعال أما المال الذي اكتسبه من حرام فليس بطيب فلا يقبله الله منه. فعن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من يحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه لا والذي نفسي بيده لا يُسْلِم أو لا يَسْلَم عبد حتى يُسْلِم أو يَسْلَم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه قال غشمه وظلمه ولا يكسب عبد مالًا حرامًا فيتصدق به فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث.
» أيها المسلمون إن في هذا الحديث لعبرةً وموعظةً لمن كان له قلب أنه يدل على أن كثرة الدنيا وتنعيم العبد بها لا يدل على محبة الله العبد لأن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولكن الدين في العبد هو الدليل على محبة الله فإن الله لا يعطي الدين إلا من يحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه وإن هذا الحديث ليدل على أن كسب الحرام خسارة لا ربح فيه للعبد فإن تصدق به لم يقبل منه وإن أنفقه لم يبارك له فيه وإن خلفه بعده كان زاده إلى النار كيف يليق بحال المؤمن أن يسمع مثل هذا ثم يكتسب المال من طريق حرام وهو يعلم أنه محرم وكيف يليق به أن يذهب دينه من أجل دنياه كيف يليق به أن يجعل
стр. 546
الوسيلة غاية والغاية وسيلة ألم يعلم أن المال وسيلة لقيام الدين والدنيا وأن اكتسابه بطريق محرم هدم للدين والدنيا.
إن اكتساب المال بالغش كسب حرام واكتسابه بالكذب كسب حرام واكتسابه بالربا وقلب الدين كسب حرام واكتسابه بالدعاوي الباطلة كسب حرام يقول النبي ﷺ «من غش فليس منا» ويقول ﷺ «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» «ولعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء» «وقال لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وقال النبي ﷺ «من حلف على مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان» «وتخاصم رجلان عند النبي ﷺ في أرض فقال للمدعي ألك بينة قال لا قال فلك يمينه فقال يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه فقال النبي ﷺ ليس لك منه إلا يمينه فلما أراد أن يحلف قال النبي ﷺ لئن حلف على مال ليأكله ظلمًا ليلقين الله وهو عنه معرض فأدرك الرجل مخافة الله فرد أرضه» .
أيها الناس لقد قَلَّ الورع في هذا الزمان وأصبح المال غايةً بعد أن كان وسيلةً أصبح الرجل لا يهمه إلا كسب المال ولا يهمه من أين اكتسبه من حرام أو حلال وهذا كما أنه نقص في الدين فهو نقص في العقل والتدبير كيف تتجاوز الحلال إلى الحرام وأنت ترى المال يذهب وأنت عنه تنقل كيف ترضى أن تكدس المال لغيرك عليك إثمه والتعب في تحصيله ولغيرك غنمه وثمرات عاقبته هل رأيت أحدًا قبلك خَلَد للمال أو خُلِّد المال له فاتق الله أيها المؤمن وأجمل في الطلب فإن رزق الله لا يدرك بمعصيته وإنما يدرك بطاعته ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]
أيها الناس لقد كثرت في المحاكم الخصوم وصار الناس يتباهون أيهم يغلب في الخصومة وهو يرى أن الحق لغيره ولكنه يدعي ما ليس له أو ينكر ما يجب عليه ظلمًا وعدوانًا ثم يعلل نفسه بأن القاضي حكم له يظن أن حكم القاضي يقلب الحلال حرامًا والحرام حلالًا ولكن الأمر ليس كذلك فالقاضي يحكم بالظاهر وليس له إلا ما يسمع من الخصمين وأما الباطن فإلى الله تعالى هو الذي يحكم به يوم تبلى السرائر ولا يوجد للظالم من قوة ولا ناصر قال
стр. 547
النبي ﷺ «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي به بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» .
أيها المسلمون إن بعض الناس لما غلت الأراضي والبيوت صاروا يدعون ما ليس لهم وينكرون ما كان عليهم ومن هؤلاء من يكون شريكًا في أرض فيتولى بعض الشركاء بيعها أو تصبيرها وهو عالم بذلك وراض به في أول الأمر ومقتنع حتى إذا تغيرت الأمور أتى بالحجج التي قد تنفعه في الدنيا ولكن لا تنفعه في الآخرة وسوف يأتي يوم القيامة حاملًا لكل شبر ظلمه كما قال النبي ﷺ «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين» يا ويح الظالم يوم القيامة ويا ويله يأتي في ذلك اليوم العسير الشديد حاملًا مَظلمَته مُطوَّقًا بها من سبع أرضين وقد فارقها في الدنيا لم يخلد لها ولم تخلد له.
فاتقوا الله أيها المسلمون وخافوا عقابه ولا تغرنكم الحياة الدنيا فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 548
[الخطبة السابعة في تحريم مال الغير بغير رضاه]
الخطبة السابعة
في تحريم مال الغير بغير رضاه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك به وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله أنزل على نبيه ﷺ ما أنزل من الوحي وكان مما أنزل قوله تعالى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]
فالقرآن العظيم بيان لكل ما يحتاج الناس إليه في أمور دينهم ودنياهم فكما جاء بتنظيم معاملة الإنسان مع ربه وهي العبادة جاء كذلك بتنظيم معاملة الإنسان مع بني جنسه وغيرهم من المخلوقات فجاء بتنظيم البيع والشراء والإجارة والمساقاة والمزارعة والرهن والوقف والهبة والميراث والنكاح والقصاص وغيرها من ارتباط الناس بعضهم ببعض ولقد كانت القاعدة العامة لتلك المعاملات هي اتباع العدل فيها والابتعاد عن الظلم بحيث يعامل الشخص غيره على وفق الشريعة بما يحب أن يعامله به فلا يبغي ولا يعتدي وبهذا يتحقق الإيمان ويفوز العبد بدخول الجنة والنجاة من النيران قال النبي ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وقال ﷺ «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» .
أيها المسلمون إن من أهم العدل في المعاملات أن يكون التعامل بالرضى طوعًا بدون إكراه لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فالبيع لا يكون إلا عن تراض فمن أكره على بيع ملكه بغير حق فالبيع باطل ولا يحل للمشتري أن ينتفع بالمبيع بل الواجب عليه رده إلى صاحبه حتى تطيب نفسه ببيعه ومن أكره على إجارة ملكه بغير الحق فالإجارة باطلة ولا يحل للمستأجر أن ينتفع بالمستأجر بل الواجب عليه أن يتخلى عنه ويرده لصاحبه إلا أن يرضى ببقائه بالأجرة وإن من الناس اليوم من أصروا على البقاء فيما استأجروه من بيوت ودكاكين مع أن أصحابها
стр. 549
لا يرضون بذلك لأنهم كانوا استأجروها برخص وارتفعت الأجرة ارتفاعًا فاحشًا ومن المعلوم أن أحدًا لا يرضى أن يغبن هذا الغبن الفاحش حتى المستأجرون أنفسهم لو كانت الأملاك لهم ما رضوا أن يبقى أحد فيها بأجرة لا ترضيهم فكيف يرضون لأنفسهم أن يفعلوه مع غيرهم وقد قال النبي ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ولقد أعلن النبي ﷺ في أعظم اجتماع شهده مع أمته أعلن عام حجه حيث قال «إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت قالوا نعم» . فيا عباد الله لا يحل مال امرئ مسلم سواءً كان ذلك من أعيان الأموال أو من منافعها إلا برضًى منه فكونوا عبادًا للَّه تعالى لا عبيدًا لأهوائكم ومطامعكم أفترضون أيها الإخوة إذا بعثتم يوم القيامة أن تؤخذ حسناتكم لأصحاب هذه البيوت والمحلات التي أصررتم على البقاء فيها بدون رضاهم ثم إن كان في حسناتكم ما يكافئ مظالم هؤلاء وإلا أخذ من سيئاتهم وطرح عليكم ثم طرحتم في النار. أفترضون أيها الإخوة أن تبقوا في بيوت بدون رضا أهلها وقد قال كثير من أهل العلم إن صلاتكم فيها في هذه الحال باطلة. أفترضون أيها الإخوة أن ينقطع جوابكم عند السؤال يوم القيامة إذا سئلتم لماذا بقيتم في أملاك غيركم بدون رضا أصحابها. نعم إنه سينقطع جوابكم حينئذ لأنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ما يبيح لكم البقاء في أملاك غيركم بدون رضاهم وإن لبعض الناس شبهةً في بقائهم في أملاك غيرهم بدون رضاهم حيث يحتجون بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ويقولون إن الحكومة وفقها الله قررت زيادةً معلومةً منعت أصحاب العقارات من تجاوزها ولكن هذه كلمة حق أريد بها باطل فالحكومة لم تأمرهم أن يبقوا في أملاك غيرهم ولو أن المستأجر خرج من البيت أو الدكان المستأجر ما منعته وإنما أَمْر الحكومة موجه إلى أصحاب العقارات فعلى أصحاب العقارات أن يصبروا على أَمْر الحكومة ولا يعارضوه امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ بالصبر ولكن لا يجوز للمستأجر المستنفع أن يبقى على إجارة يرى أن فيها هضمًا لأخيه حيث زادت الإجارات زيادةً فاحشةً بل وزادت جميع قيم الأشياء حتى في الأطعمة غير المدعمة بمعونة الحكومة وفي الألبسة الكمالية والضرورية كلها قد زادت زيادةً فاحشةً عما كانت عليه قبل سنوات إن صح التعبير بأن ذلك زيادة
стр. 550
والتعبير الأصح أن ذلك لكثرة النقود ورواجها.
وإن من أهم العدل أن يكون التعامل بالبيان والصدق فلقد قال النبي ﷺ في البيعين «إن صدقا وبَيَّنَا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما مُحِقَت بركة بيعهما» وقال «من غشنا أو من غش فليس مني» والغش كتمان العيب أو إظهار السلعة بمظهر طيب وهي رديئة ولقد ابتلي كثير من الناس بالغش مع أنه من كبائر الذنوب التي لا تكفرها الصلوات الخمس ولا الجمعة ولا رمضان فإن هذه العبادات الجليلة لا تكفر ما بينها من الكبائر والغش من كبائر الذنوب أفترضى أيها المؤمن ببراءة النبي ﷺ منك من أجل عَرَض تصيبه من الدنيا أفترضى أن ينعم المؤمنون المجتنبون لكبائر الإثم بتكفير سيئاتهم بصلاتهم وصيامهم وأنت لا يكفر غشك بل يبقى سيئةً في صحائف أعمالك أفترضى أن تستلب زيادةً من مال أخيك بغير حق أفترضى أن تعامل أخاك بما لا تحب أن يعاملك به. اتق الله في نفسك وإذا طوعت لك نفسك أن تغش إخوانك فتذكر قول نبيك «من غش فليس مني» تذكر أنه بريء منك بهذا الغش ومَرِّن نفسك على الصدق في المعاملة وبيان السلعة على ما هي عليه من طيب ورداءة، فإن الله يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 551
[الخطبة الثامنة في إنفاق المال في طرق الخير بوقف أو غيره]
الخطبة الثامنة
في إنفاق المال في طرق الخير بوقف أو غيره إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك به وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الدين والدنيا فلقد أرسل الله إليكم رسولًا يتلو عليكم آيات ربكم ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة فبقي دينه متلوًّا في كتاب الله غير مبدل ولا مغير ومأثورًا فيما صح من سنة رسول الله ﷺ وأفاض عليكم المال لتستعينوا به على طاعته وتتمتعوا به في حدود ما أباحه لكم فهو قيام دينكم ودنياكم فاعرفوا حقه وابذلوه في مستحقه ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]
أيها المسلمون إن مالكم في الحقيقة ما قدمتموه لأنفسكم ذخرًا لكم عند ربكم ليس مالكم ما جمعتموه فاقتسمه الوارث بعدكم فإنكم سوف تخلفونه وتدعونه كما قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]
فسوف تنتقلون عن الدنيا أغنياء عما خلفتم فقراء إلى ما قدمتم وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ «قال أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه قال فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر» . وفي الترمذي عن عائشة ﵂ «أنهم ذبحوا شاةً فتصدقوا بها سوى كتفها فقال النبي ﷺ بقي كلها غير كتفها» .
أيها المسلمون إن من إنفاق المال في طرق الخير أن يتصدق به المرء صدقةً منجزةً على الفقراء والأقارب فيملكونها ويتصرفون فيها تصرف المالك في ملكه وذلك من أفضل الأعمال وأربح التجارة لما نزل قوله تعالى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] «جاء أبو طلحة - وكان له حديقة قِبلة مسجد النبي ﷺ تسمى بيرحاء كان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب - فقال يا رسول الله إن الله أنزل هذه الآية وإن أحب مالي إليَّ بيرحاء
стр. 552
وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال النبي ﷺ بخ بخ ذاك مال رابح ذاك مال رابح وقد سمعت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه» .
ومن إنفاق المال في طرق الخير أن يصرفه في بناء المساجد والمشاركة فيها فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال «من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله تعالى بنى الله له بيتًا في الجنة» فالمساجد يصلي فيها المسلمون ويأوي إليها المحتاجون ويذكر فيها اسم الله بتلاوة كتابه وسنة رسوله والفقه في دينه وفي كل ذلك أجر لبانيها والمشارك فيها.
ومن إنفاق المال في طرق الخير أن ينفقه في المصالح العامة كإصلاح الطرق وتأمين المياه «فإن الصحابة حين قدموا المدينة كان فيها بئر تسمى بئر رومة لا يحصلون الماء منها إلا بثمن فاشتراها عثمان ﵁ فقال النبي ﷺ من حفر رومة له الجنة فحفرها ﵁.
» ومن إنفاق المال في طرق الخير تحبيسه وإنفاق غلته فيما يقرب إلى الله وهو الوقف والسبيل ففي الصحيحين «أن عمر بن الخطاب ﵁ أصاب أرضًا بخيبر لم يصب مالًا أنفس عنده منه فجاء إلى النبي ﷺ يستشيره فيها ويستأمره فقال النبي ﷺ إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» وللبخاري «تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمره» وللنسائي «احبس أصلها وسبل ثمرتها» فتصدق به عمر في سبيل الله وفي الرقاب والمساكين والضيف وابن السبيل وذي القربى.
فإذا سبل الإنسان ملكه صار وقفًا محبوسًا لا يباع ولا يوهب ولا يورث وإنما يصرف فيما جعله الواقف فيه ما لم يكن إثمًا. والمقصود بالوقف أمران عظيمان أولهما التقرب إلى الله وابتغاء الأجر والثواب منه ببذل غلة الوقف فيما يرضيه تعالى. وثانيهما نفع الموقوف عليهم والإحسان إليهم وإذا كان المقصود به التقرب فإنه لا يجوز الوقف إذا كان فيه معصية لله ورسوله إذ لا يتقرب إلى الله إلا بطاعته. فلا يجوز الوقف على بعض الأولاد دون بعض لأن الله أمر بالعدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] وقال النبي ﷺ «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» . والوقف على بعض الأولاد دون بعض مناف للعدل إلا أن يكون التخصيص بصفة استحقاق فتوجد في أحدهم دون الآخر مثل أن يوقف على الفقير من أولاده أو على
стр. 553
طالب العلم منهم فلا بأس. فإذا أوقفه على الفقير منهم فلاحظ فيه للغني حال غناه وإذا أوقفه على طالب العلم فلاحظ فيه لغير طالب العلم حال تخليه عن الطلب.
ولا يجوز أن يوقف شيئًا من ماله وعليه دين لا وفاء له من غير ما وقفه حتى يوفي دينه لأن ذلك إضرار بغريمه ووفاء الدين أهم لأنه واجب والوقف تطوع. ولا يجوز أن يوصي بوقف شيء بعد موته على بعض ورثته دون بعض لأن الله قسم المال بين الورثة وقال ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١] وفي الآية ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] وبين أن ذلك من حدوده وتوعد من تعداها وقال النبي ﷺ «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» .
فإذا قال أوصيت بداري وقفًا على ذريتي وله ورثة غير الذرية كان ذلك خروجًا عن فريضة الله وإخلالًا بوصية الله وتعديًا لحدوده ومعصيةً لرسوله.
أيها المسلمون إذا كان المقصود بالوقف هو التقرب إلى الله ونفع الموقوف عليهم فالذي ينبغي أن ينظر الإنسان فيما هو أقرب إلى الله وأنفع لعباده ولينظر في النتائج المترتبة على وقفه وليتجنب ما يكون سببًا للعداوة والقطيعة وليعلم أن إنفاق المال في حال الحياة والصحة خير وأفضل وأعظم أجرًا لا سيما إذا كان في صالح مستمر كبناء المساجد وإصلاح الطرق وتأمين المياه وطبع الكتب النافعة أو شرائها وتوزيعها على من ينتفع بها وإعانة في زاوج فقير يحصنه ويحصن زوجته وربما يولد بينهما صالح ينفع المسلمين فهو مصلحة وأجر لمن أعانه على زواجه ولو قدر أنه ولد بينهما فاسد لم يضر المعين شيئًا لأنه لم يعنه من أجل طلب مثل هذا الولد. وفي صحيح مسلم «أن رجلًا قال يا رسول الله أي الصدقة أفضل وفي لفظ أعظم أجرًا قال أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان» . وصدق رسول الله ﷺ إن الصدقة في حالة الصحة أفضل لأنها صدقة من شخص يخاف الفقر ويأمل طول البقاء فهو شحيح بالمال لذلك بخلاف من جعل تنفيذ المال بعد يأسه من الحياة وانتقال المال للوارث. وقد تصدق الله على عباده بثلث أموالهم يوصون بها بعد موتهم لأقاربهم غير الوارثين أو للفقراء أو لبناء المساجد أو غيرها من طرق الخير والبر.
стр. 554
وإذا أوصى بشيء من ماله فله الرجوع في وصيته له إبطالها وله أن يغير تنافيذها وينقصها ويزيدها في حدود ثلث المال. فالوصية أوسع من الوقف من هذه الناحية لأن الإنسان يستطيع إبطالها وتغييرها ومن ناحية جوازها ولو كان على الإنسان دين لأنها لا تضر أهل الطلب لأن الموصي إذا مات وعليه دين قدم قضاء الدين على الوصية. أما الوقف فينفذ في الحال وليس للواقف إبطاله ولا تغييره ولا الزيادة في تنافيذه أو النقص ولا يجوز لمن عليه دين لا وفاء إلا برضا الغرماء.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 555
[الفرع الثامن في النكاح]
[الخطبة الأولى في الحث على النكاح وتذليل العقبات التي تحول دونه]
الفرع الثامن
في النكاح الخطبة الأولى
في الحث على النكاح وتذليل العقبات التي تحول دونه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك به وأشهد أن محمدًا عبده الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. إن الزواج نعمة عظيمة مَنَّ الله بها على عباده ذكورهم وإناثهم أحله لهم بل أمرهم به ورغبهم فيه فقال ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وقال النبي ﷺ «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» «وقال النبي في الرد على قوم قال أحدهم أنا أصلي الليل أبدًا وقال الثاني أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال الثالث أنا أعتزل النساء فلا أتزوج فقال النبي ﷺ أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» . وكما أن النكاح سنة خاتم النبيين فهو كذلك سنة المرسلين من قبل قال الله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] ففي النكاح امتثال أمر الله ورسوله وبامتثال أمر الله ورسوله حصول الرحمة والفلاح في الدنيا والآخرة. وفي النكاح اتباع سنن المرسلين ومن اتبع سنن المرسلين في الدنيا حشر معهم في الآخرة. وفي النكاح قضاء الوطر وفرح النفس وسرور القلب. وفي النكاح تحصين الفرج وحماية العرض وغض البصر والبعد عن الفتنة وفي النكاح تكثير الأمة الإسلامية وبالكثرة تقوى الأمة وتهاب بين الأمم وتكتفي بذاتها عن غيرها إذا استعملت طاقاتها فيما وجهها إليها الشرع.
وفي النكاح تحقيق مباهاة النبي ﷺ بأمته يوم القيامة فقد قال ﷺ «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم يوم القيامة» . وفي النكاح تكوين الأسر وتقريب الناس بعضهم لبعض فإن
стр. 556
الصهر شقيق النسب قال الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] وفي النكاح حصول الأجر والثواب بالقيام بحقوق الزوجة والأولاد والإنفاق عليهم. والنكاح سبب للغنى وكثر الرزق ليس كما يتوهمه الماديون وضعاف التوكل يقول الله ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] وفي الحديث عن النبي ﷺ «ثلاثة حق على الله عونهم وذكر منهم الناكح يريد العفاف» وقال أبو بكر ﵁ أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى وقال ابن عباس ﵄ رغبهم الله تعالى في التزويج ووعدهم عليه الغنى فقال ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]
فالنكاح صلاح للفرد وصلاح للمجتمع في الدين والأخلاق والحاضر والمستقبل وهو كذلك درء للمفاسد الناتجة عن تركه وعدم المبالاة فيما يحول دونه من عقبات. لقد كان ينبغي لنا أن نهتم بدراسة العقبات التي تحول دونه لنتلافى النتائج السيئة التي تترتب على فقده وإن أهم هذه العقبات ثلاث:
إحداها: عزوف كثير من الشباب ذكور وإناث عن الزواج أي أن كثيرًا من الشباب الذكور والإناث لا يرغبون في الزواج بحجة أن الزواج يحول بينهم وبين دراستهم وهذه حجة داحضة فإن النكاح لا يمنع من المضي في الدراسة والنجاح فيها والتحصيل بل ربما يكون عونًا على ذلك فإن الصالح إذا وفق زوجةً صالحةً وسادت بينهما رُوح المودة صار كل واحد منهما عونًا للآخر على دراسته وعلى مشاكل حياته وأكثر الناس تتكلل زواجاتهم بالتوفيق ولله الحمد وكم من شباب ذكور وإناث مَنَّ الله عليهم بالزواج فرأوا من الراحة وتفرغ الفكر والنفس للدراسة ما كان عونًا لهم عليها فعلى الشباب الذين اغتروا بهذه الحجة أن يعيدوا النظر مرةً بعد أخرى حتى يصححوا من خطئهم وليسألوا زملاءً لهم تزوجوا فرأوا الخير والطمأنينة من وراء الزواج وبهذا تتذلل هذه العقبة. وماذا ينفع المرأة إذا أكملت دراسةً ليست بحاجة إليها وفاتتها سعادة النكاح وعقمت من الأولاد وأصبحت رملى من الأرامل لم تسعد في حياتها ولا أولاد لها يذكرونها بعد موتها.
العقبة الثانية التي تحول دون الزواج ومصالحه العظيمة احتكار بعض الأولياء الظلمة
стр. 557
لبناتهم ومن لهم ولاية تزويجهن أولئك الأولياء الذين لا يخافون الله ولا يرعون أمانتهم ولا يرحمون من تحت أيديهم أولئك الأولياء الذين اتخذوا من ولايتهم على تلك المرأة الضعيفة موردًا للكسب المحرم وأكل المال بالباطل تجد الخاطب الكفء في دينه وخلقه يخطب منهم فيفكرون ويقدرون ثم يقولون الكلمة الأخيرة البنت فائتة لغيرك، البنت صغيرة، شاورتها فأبت. أقوالًا كاذبةً يفترونها ليردوا ذلك الخاطب الكفء إما لعقد نفسية تثقل عليهم الإجابة وإما لطلب مال يحصلونه من وراء ولايتهم وإما لعداوة شخصية بينهم وبين الخاطب والولاية دين وأمانة يجب النظر فيها إلى مصلحة المولى عليه لا إلى أغراض الولي. إن دفع الخاطب الكفء في دينه وخلقه بمثل هذه الأقوال الكاذبة إنما هو معصية لله ورسوله وخيانة للأمانة وإضاعة لعمر المرأة التي تحت ولايته وسوف يحاسبون على ذلك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. أفلا يكون عند هؤلاء دين ورحمة؟ أفلا يفكرون لو أن أحدًا منعهم من الزواج مع رغبتهم فيه فماذا يكون رد الفعل منهم أفلا يعتبرون بذلك فيمن تحت أيديهم من النساء الراغبات في الزواج وهم يمنعوهن الأكفاء خُلُقًا ودِينًا. سبحان الله ماذا جنى هؤلاء الأولياء على أنفسهم وماذا جَنَوْا على من تحت ولايتهم ولقد أوجد أهل العلم تذليلًا لهذه العقبة حيث قالوا إن الولي إذا امتنع من تزويج موليته كفئًا ترضاه فإن ولايته تزول إلى من بعده فمثلًا لو امتنع أبو المرأة من تزويجها كفئًا في دينه وخلقه وقد رضيته ورغبت فيه فإنه يزوجها أولى الناس بها بعده فيزوجها أولى الناس بها ممن يصلح للولاية من إخوتها أو أعمامها أو بنيهم. نعم لو كان الخاطب غير كفء في دينه أو عفته فرضيته المرأة وأبى وليها فله الحق في ذلك ولا إثم عليه ولو بقيت لم تتزوج إلى الموت لأن إباءه لمصلحتها ومن مقتضى أمانته.
العقبة الثالثة التي تحول دون الزواج ومصالحه العظيمة غلاء المهور ونفقات الزواج وتزايدها حتى صار الزواج من الأمور المستحيلة أو الشاقة جدًّا لدى كثير من الراغبين في الزواج إلا بديون تشغل ذمته فتجعله أسيرًا لدائنه. وإن تذليل هذه العقبة أن يفكر ذو الرأي من الأولياء ما هو المقصود بالنكاح وما هي مكانة المرأة التي جعلك الله وليًّا عليها هل المقصود بالنكاح المال وهل المرأة سلعة تباع أو تمنع بحسب ما يبذل فيها من المال؟ كل هذا لم يكن فليس المقصود بالنكاح المال وإنما المال وسيلة إليه. وليست المرأة سلعة بل هي أكرم
стр. 558
من السلعة هي أمانة عظيمة وجزء من أهله وإذا فكرنا هذا التفكير وبلغنا هذه النتيجة عرفنا أن المال لا قيمة له وأن المغالاة في المهور ونفقات الزواج لا مبرر لها فلنرجع إلى ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه فقد قال عمر بن الخطاب ﵁ ألا لا تغلوا في صداق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي ﷺ ما أصدق رسول الله ﷺ امرأةً من نسائه ولا أُصْدِقَتِ امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية وإن الرجل ليغل في صداق امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول كلفت إليك علق القربة أي تكلفت دفع كل شيء عندي إليك حتى علق القربة وهو الحبل الذي تعلق به. فإذا رجعنا إلى ما كان عليه السلف الصالح من تقليل المهور تيسرت أمور الزواج وعظمت بركاته وانتفع بذلك الرجال والنساء. إن هذه المغالاة في المهور توجب تعطل كثير من الرجال والنساء عن النكاح أو محاولة الزواج من الخارج الذي قد يسبب له مصاعب ومتاعب كثيرة وربما يحصل به تغيير المجتمع في عاداته وأحواله وربما في عبادته لأن للخلطة تأثيرًا كثيرًا في تغيير هذه الأمور.
أيها المسلمون إن كثيرًا من الأولياء الآباء وغيرهم يشترطون على الزوج الخاطب مالًا يدفعه إليهم وسيكون هذا المال بالتأكيد على حساب مهر المرأة وهذا أكل للمال بالباطل فالمهر كله للزوجة قال الله تعالى ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] فأضاف الصداق إليهن. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها وما كان بعد عصمة النكاح أي بعد عقده فهو لمن أعطيه» .
فاتقوا الله عباد الله ودعوا مهور النساء لهن ولا تشترطوا لأنفسكم شيئًا منه فإن ذلك اقتطاع بغير حق وسبب للتلاعب بولاية النكاح حيث يلاحظ الولي هذا الشرط فيزوج من يعطيه أكثر ويمنع من لا يعطيه ضاربًا بمصلحة موليته عرض الحائط وهذا إهدار للأمانة وخيانة للولاية فأدوا الأمانة واحفظوا الولاية ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . إلخ.
стр. 559
[الخطبة الثانية في انحلال بعض العقبات التي تحول دون النكاح]
الخطبة الثانية
في انحلال بعض العقبات التي تحول دون النكاح إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك به وأشهد أن محمدًا عبده الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون فالزواج آية من آيات الله تعالى تجد الرجل يتزوج من قوم لا صلة بينه وبينهم ثم يصبحون بهذا الزواج يتواصلون ويتزاورون كأنهم أقرباء ولهذا قرن الله تعالى الصهر بالنسب وهو القرابة فقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] والزواج نعمة من الله تعالى أحله الله تعالى لعباده بل أمرهم به وحثهم عليه على لسان رسوله ﷺ أمر الله بالنكاح المتزوجين والمزوجين فقال تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] وقال تعالى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] وحث عليه النبي ﷺ بقوله يا «معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» وقال ﷺ «إني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» وكما أن النكاح سُنَّةُ النبي ﷺ وطريقته فهو سنة المرسلين من قبله قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] ففي النكاح امتثال أمر الله ورسوله وفي النكاح اتباع سنة النبي ﷺ ومن سبقه من الرسل وفي النكاح قضاء الوطر وسرور القلب وفرح النفس وفي النكاح تحصين الفرج وحماية العرض وفي النكاح غض البصر والبعد عن الفتنة وفي النكاح بقاء النوع الإنساني وعمارة الأرض وفي نكاح المسلمين تكثير الأمة الإسلامية وقوتها واكتفاؤها بنفسها وفي النكاح تحقيق مباهاة النبي ﷺ حيث يباهي الأنبياء بأمته يوم القيامة وفي النكاح تكوين الأسر وتقريب بعض الناس من بعض وقوة الروابط والصلات بينهم وفي النكاح قيام بحقوق الزوجية
стр. 560
يؤجر به كل من الزوجين إذا قام به لله وفي النكاح حصول الأولاد والأجر بتربيتهم والقيام عليهم فالنكاح صلاح للأمة كلها للفرد والجماعة للرجال والنساء في الدين والدنيا والحاضر والمستقبل.
ولقد سر الناس كلهم كثرة الزواج في هذه الأيام لما يحصل به من المصالح التي سمعتم بعضها الآن نسأل الله تعالى أن يبارك للجميع وعليهم وأن يجعل عاقبتهم حميدةً وحياتهم سعيدةً حياة عفاف وإيمان وعمل صالح ورزق طيب واسع وذرية طيبة. لكن بقي عقبتان نرجو الله تعالى أن ييسر تذليلهما على أيدي المخلصين المؤمنين.
العقبة الأولى المغالاة في المهور والزيادة فيها إلى حد كبير أصبح عسيرًا على كثير من الناس وهذا من أكبر العوائق عن النكاح وهو خلاف السنة فإن السنة تخفيف المهر وتسهيله وهو من أسباب بركة النكاح والوئام بين الزوجين فإن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونةً «وقد تزوج رجل في عهد النبي ﷺ امرأةً بنعلين فأجاز النبي ﷺ نكاحه» «وقال لرجل التمس ولو خاتمًا من حديد فلم يجد شيئًا فقال النبي ﷺ هل معك شيء من القرآن قال نعم سورة كذا وكذا فقال النبي ﷺ زوجتكما أو قال ملكتكها بما معك من القرآن» «وقال له رجل يا رسول الله إني تزوجت امرأةً على أربع أواق يعني مئةً وستين درهمًا فقال النبي ﷺ على أربع أواق كأنما تنحتون الفضة من عُرْض هذا الجبل» ، وقال أمير المؤمنين عمر ﵁ لا تغلوا صدق النساء يعني مهورهن فإنها لو كانت مكرمةً في الدنيا أو تقوى في الآخرة كان أولاكم بها رسول الله ﷺ فيا أيها الغني القادر لا تغال في المهر ولا تفاخر في الزيادة فيه فإن في مجتمعك من إخوانك من لا يستطيع مباراتك وإذا دخلت على أهلك فأعطهم من المال ما شئت ثم أنتم أيها الأولياء لا تجعلوا المال غرضكم وعوضكم من بناتكم ومن ولاكم عليه من النساء فتشترطوا لأنفسكم شيئًا من المهر تثقلون به كاهل الزوج وتحرمون المرأة منه اجعلوا غرضكم أن تعيش المرأة عند رجل صالح ذي دين وخلق تحيا معه حياةً سعيدةً في ظل الدين والأخلاق ولقد أعجبني رجلان فاضلان من هنا أما أحدهما فخطبت منه ابنته فاشترط على الخاطب أن لا يدفع مهرًا سوى كذا، مهر قليل جدًّا سماه للخاطب وأما الثاني فدفع الخاطب إليه المهر وكان مهرًا متوسطًا فأخذ منه أبو الزوجة أقل ما يمكن أن تجهز به المرأة ورد
стр. 561
الباقي على الخاطب وهكذا تكون الرجولة وتقدير المسؤولية والنظر للعواقب والمستقبل ومن المعلوم أن هذين الرجلين الفاضلين لن يقصرا في تجهيز ابنتيهما بما يليق بأمثالهما وهكذا ينبغي أن يكون كل ولي ينظر لمصلحة الزوجة لا للمال فالمال عرض يزول ويعود فكم من غني افتقر ومن فقير اغتنى.
أما العقبة الثانية فهي ما حدث في هذه الأيام من الإسراف البالغ في الولائم يدعو الزوج وأهل المرأة جمعًا كبيرًا يحضر منهم من يحضر ويتخلف من يتخلف وأكثر من يحضر لا يحضر إلا مجاملةً أو قيامًا بما أوجب الله عليه من الحضور إذا كانت الوليمة وليمة الزوج ذلك أن الزوج إذا دعاك إلى وليمته في العرس كان واجبًا عليك أن تحضر إلا لعذر شرعي ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله.
وإن هذا الإسراف البالغ في الولائم لممَّا نهى الله عنه وفاعله معرض نفسه لعدم محبة الله له قال الله تعالى ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] فهل ترضى أيها المؤمن أن تفعل شيئًا لا يحبك الله من أجله هل ترضى أن تقع فيما نهاك الله عنه هل ترضى أن تخرج بعملك هذا عن طريق عباد الرحمن الذين ﴿إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] هل ترضى أن تجعل نفسك عرضة للناس باللوم والذم فإن الناس نراهم يلومون ويذمون من يسرف في هذه الولائم بل يعدون ذلك من السفه حيث أضاع ماله وأتعب أهله وأتعب بدنه وفكره في أمر يكون به مسرفًا ونرى الناس يمدحون ويثنون على من اقتصد في ذلك. وإن الإسراف في هذه الولائم يوجب أن تمتهن نعمة الله بهذا الطعام من عيش ولحم وغيرهما حيث لا تؤكل فترمى في الأسواق أو تضاع في البراري وكل هذا مخالف للشرع والعقل والرشد فإن العقل والرشد حسن التصرف في كل ما تفعل فاتقوا الله عباد الله واشكروا نعمة الله عليكم إن كنتم إياه تعبدون واذكروا زمانًا كان الواحد يتمنى فيه لقمةً أو تمرةً يسد بها جوعته وما من شيء ينتهي إلا انتهى.
وفقني الله وإياكم لصلاح ديننا ودنيانا ورزقنا القصد في الفقر والغنى وحمانا من البخل والإسراف إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 562
[الخطبة الثالثة فيما أحيطت به نعمة النكاح من مفاسد أحدثها الناس]
الخطبة الثالثة
فيما أحيطت به نعمة النكاح من مفاسد أحدثها الناس إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك به وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
عباد الله لقد سر الناس كثرة الزواج في هذا العام والذي قبله سرهم ذلك لأنه تنفيذ لأمر الله تعالى واتباع لرسله الكرام عليهم الصلاة والسلام وتمتع بما أباح الله تعالى لعباده من نيل الشهوة وإمضاء لما تقتضيه الغريزة والفطرة وتحصيل للمصالح العظيمة التي تترتب عليه في الفرد والمجتمع وحجاب دون المفاسد التي تحصل بفقده فالنكاح نعمة يسر بها كل مؤمن ولكن هذه النعمة الكبيرة أحيطت بأمور ربما تحولها إلى نقمة وكارثة، أحيطت بالمغالاة الزائدة في المهور، وأحيطت بالإسراف البالغ في الولائم، وأحيطت بالأعمال المنحرفة في الزفاف، أحيطت بالمغالاة الزائدة في المهور حتى بلغ حدًّا لا يطيقه إلا القليل من الناس وكثير منهم لا يحصل عليه إلا بديون تثقل كاهله وتشغل ذمته وتأسر عزته لدائنه وإن المغالاة في المهور من أكبر العوائق عن النكاح والحوائل دونه وهي خلاف السنة فإن السنة تخفيف المهر وتقليله وتخفيفه من أسباب بركة النكاح والوئام بين الزوجين فأعظم النكاح بركةً أيسره مؤونةً وقد «تزوج رجل في عهد النبي ﷺ امرأةً على نعلين فأجاز النبي ﷺ نكاحه» «وقال لرجل يريد أن يتزوج امرأةً التمس ولو خاتمًا من حديد فلم يجد شيئًا فزوجه النبي ﷺ بما معه من القرآن» ، فيا من مَنَّ الله عليه بالمال انظر إلى من دونك إذا كان يسيرًا عليك أن تبذل الكثير ففي الميدان من لا يتيسر عليه ذلك إن النكاح ليس عقدًا خاصًّا لك حتى تبيح لنفسك الحرية فيما
стр. 563
تبذل فيه إن النكاح حاجة الناس كلهم فإذا أردت أن تتصرف فيه بشيء فانظر ماذا يترتب على هذا التصرف بالنسبة لغيرك لتكون مؤمنًا حقًّا تهتم بأمور إخوانك المؤمنين وتحب لهم ما تحب لنفسك.
إن المغالاة في المهور لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة لكان أولى الناس بها رسول الله ﷺ وما أعطى رسول الله ﷺ امرأةً من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقيةً ونصف وهي تساوي مئةً وأربعين ريالًا فقط، يا من مَنَّ الله عليه بالغنى قلل ما تبذله من المهر وإذا دخلت على زوجتك وأعجبتك فابذل لها ما شئت ربما تبذل كثيرًا فإذا دخلت عليها ولم تعجبك ندمت على ما بذلت فاتق الله تعالى في نفسك وفي مالك وفي إخوانك. ويا أيها الأولياء لا تجعلوا همكم المال فتنظروا من يبذل أكثر أو من يشترط لكم من المال أكثر إن الأمانة أن تنظروا إلى مصلحة المرأة أن تزوجوها من تعيش معه عيشةً سعيدةً في ظل الإيمان والعمل الصالح والأخلاق الحميدة فذلك رأس المال أما عرض الدنيا فمهما كثر فهو قليل وزائل.
عباد الله ولقد أحيطت نعمة الزواج بالإسراف البالغ في الولائم من أهل الزوجة والزوج مشتركين أو منفردين يدعون جمعًا كبيرًا يحضر منهم من يحضر ويتخلف من يتخلف وأكثر من يحضر لا يحضر إلا على إغماض إما مجاملةً أو قيامًا بما أوجب الله تعالى من إجابة وليمة الزوج إن هذا الإسراف وقوع فيما نهى الله تعالى عنه وتعرض لكراهة الله تعالى للعبد فإن الله تعالى يقول ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] وإن هذا الإسراف عدول عن الطريق الوسط الذي هو طريق عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وإن هذا الإسراف خروج عن آداب القرآن حيث يقول الله تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] فهل ترضى أيها المؤمن أن تقع فيما نهاك الله عنه من الإسراف هل ترضى أن تُعَرِّض نفسك لكراهة الله لك هل ترضى أن تعدل بنفسك عن طريق عباد الرحمن هل ترضى أن تخرج عن آداب القرآن التي هي أعلى الآداب وأكملها إن هذا الإسراف كما أنه محذور شرعًا فهو ممقوت عادةً فإن الناس يلومون من يسرف هذا الإسراف وينظرون إليه نظرة الساخر الناقص لمن يحاول
стр. 564
أن يكمل نقصه بمثل هذه الولائم المسرفة إن هذا الإسراف كما أنه محذور شرعًا وممقوت عادةً فهو سفه عقلًا لما فيه من إتلاف المال وإضاعة الوقت وشغل البال واتعاب الأبدان وامتهان النعمة إننا نرى الكثير من هذه الأطعمة واللحوم تبقى لا يأكلها أحد وقد سمعنا من بعض الناس أنها تلقى على الزبالات وجوانب الطرق والمتورع من الناس من يحملها إلى البر ويرمي بها هناك فهل هذا من الرشد هل هذا من شكر النعمة أفلا يذكر هؤلاء أن الناس كانوا منذ عهد قريب يتمنى الواحد لقمةً أو تمرةً يسد بها جوعته.
عباد الله: ولقد أحيطت نعمة الزواج بأعمال منحرفة في الزفاف فلقد سمعنا أن بعض الناس أضاعوا ليلة العرس الحياء من الله والحياء من عباد الله أضاعوا دينهم بإضاعة الحياء فإن الحياء كما قال النبي ﷺ شعبة من الإيمان، سمعنا أنه يحصل في بعض الزواجات دخول بعض السفهاء مع النساء لالتقاط صورة اللقاء بين الزوجين وسمعنا أن بعض النساء أيضًا يحملن آلات التصوير لتصوير الحفل واللقاء بين الزوج وزوجته فيا سبحان الله ما أدري كيف بلغ الأمر بهؤلاء إلى هذا التدهور وكيف انحدروا إلى الهاوية بهذه السرعة كيف خرجوا عن الحدود الشرعية والمروءات المرعية إلى عادات أخذوها من الكفار أو من مقلدي الكفار كيف يدع هؤلاء ما يأمرهم به دينهم وما عليه مجتمعهم من الحياء والحشمة والبُعْد عن أسباب الفتنة إلى ما كانت عليه المجتمعات الفاسدة التي عثا بها الشر والفساد فيقلدونهم ذلك التقليد الأعمى فمثلهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً صم بكم عمي فهم لا يعقلون.
عباد الله تصوروا عظم الفتنة وفداحتها في هذا التصوير في غمرة الفرح بالعرس وتحت سيطرة نشوة النكاح وفي وسط التبرج ونكهة الطيب وتصوروا عظم الفتنة وفداحتها حينما تلتقط هذه الصور في تلك الحال لتكون بأيدي الناس يعرضونها على من شاؤوا ويتمتعون بالنظر إلى الجميل منها متى شاؤوا ويشمتون بالقبيح منها متى شاؤوا هل يرضى أحد منكم أن تكون صورة ابنته أو أخته أو زوجته بأيدي الناس ينظرون إليها كيف شاؤوا هل يرضى عاقل أن تكون صورته في أول لقاء بينه وبين زوجته معروضةً يتداولها الناس بينهم إن هذا مما تنكره الفطر وتسفهه العقول فارجعوا عباد الله إلى فطركم وعقولكم وتَفَكَّروا هل لهذا العمل المنكر ما يبرره
стр. 565
إن هذا العمل لا يزيد الزوجين ألفةً في القلوب ولا صحةً في الأجسام ولا سعةً في الرزق ولا حمدًا بين الناس بل هو شر وفتنة لا خير فيه.
ولقد حذر النبي ﷺ من التصوير وقال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» وقال «كل مصور في النار يَجْعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم» ولعن المصورين والتصوير الفوتغرافي بالكمرة داخل في هذا الوعيد عند بعض أهل العلم فليحذرِ المصور أن يُعَرِّض نفسه لعذاب الله ولعنته.
فاتقوا الله عباد الله ولا تحيطوا نعمة الله بالزواج بأسباب نِقَمه وعذابه وتعاونوا على البر والتقوى وخذوا على أيدي السفهاء واطروهم على الحق أطرًا ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]
وفقنا الله تعالى لما فيه الخير والسداد وجنبنا أسباب الشر والفساد إنه جواد كريم رؤوف رحيم.
следующие страницы →