Полный текст (711 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الباقي على الخاطب وهكذا تكون الرجولة وتقدير المسؤولية والنظر للعواقب والمستقبل ومن المعلوم أن هذين الرجلين الفاضلين لن يقصرا في تجهيز ابنتيهما بما يليق بأمثالهما وهكذا ينبغي أن يكون كل ولي ينظر لمصلحة الزوجة لا للمال فالمال عرض يزول ويعود فكم من غني افتقر ومن فقير اغتنى.
أما العقبة الثانية فهي ما حدث في هذه الأيام من الإسراف البالغ في الولائم يدعو الزوج وأهل المرأة جمعًا كبيرًا يحضر منهم من يحضر ويتخلف من يتخلف وأكثر من يحضر لا يحضر إلا مجاملةً أو قيامًا بما أوجب الله عليه من الحضور إذا كانت الوليمة وليمة الزوج ذلك أن الزوج إذا دعاك إلى وليمته في العرس كان واجبًا عليك أن تحضر إلا لعذر شرعي ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله.
وإن هذا الإسراف البالغ في الولائم لممَّا نهى الله عنه وفاعله معرض نفسه لعدم محبة الله له قال الله تعالى ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] فهل ترضى أيها المؤمن أن تفعل شيئًا لا يحبك الله من أجله هل ترضى أن تقع فيما نهاك الله عنه هل ترضى أن تخرج بعملك هذا عن طريق عباد الرحمن الذين ﴿إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] هل ترضى أن تجعل نفسك عرضة للناس باللوم والذم فإن الناس نراهم يلومون ويذمون من يسرف في هذه الولائم بل يعدون ذلك من السفه حيث أضاع ماله وأتعب أهله وأتعب بدنه وفكره في أمر يكون به مسرفًا ونرى الناس يمدحون ويثنون على من اقتصد في ذلك. وإن الإسراف في هذه الولائم يوجب أن تمتهن نعمة الله بهذا الطعام من عيش ولحم وغيرهما حيث لا تؤكل فترمى في الأسواق أو تضاع في البراري وكل هذا مخالف للشرع والعقل والرشد فإن العقل والرشد حسن التصرف في كل ما تفعل فاتقوا الله عباد الله واشكروا نعمة الله عليكم إن كنتم إياه تعبدون واذكروا زمانًا كان الواحد يتمنى فيه لقمةً أو تمرةً يسد بها جوعته وما من شيء ينتهي إلا انتهى.
وفقني الله وإياكم لصلاح ديننا ودنيانا ورزقنا القصد في الفقر والغنى وحمانا من البخل والإسراف إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 562
[الخطبة الثالثة فيما أحيطت به نعمة النكاح من مفاسد أحدثها الناس]
الخطبة الثالثة
فيما أحيطت به نعمة النكاح من مفاسد أحدثها الناس إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك به وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
عباد الله لقد سر الناس كثرة الزواج في هذا العام والذي قبله سرهم ذلك لأنه تنفيذ لأمر الله تعالى واتباع لرسله الكرام عليهم الصلاة والسلام وتمتع بما أباح الله تعالى لعباده من نيل الشهوة وإمضاء لما تقتضيه الغريزة والفطرة وتحصيل للمصالح العظيمة التي تترتب عليه في الفرد والمجتمع وحجاب دون المفاسد التي تحصل بفقده فالنكاح نعمة يسر بها كل مؤمن ولكن هذه النعمة الكبيرة أحيطت بأمور ربما تحولها إلى نقمة وكارثة، أحيطت بالمغالاة الزائدة في المهور، وأحيطت بالإسراف البالغ في الولائم، وأحيطت بالأعمال المنحرفة في الزفاف، أحيطت بالمغالاة الزائدة في المهور حتى بلغ حدًّا لا يطيقه إلا القليل من الناس وكثير منهم لا يحصل عليه إلا بديون تثقل كاهله وتشغل ذمته وتأسر عزته لدائنه وإن المغالاة في المهور من أكبر العوائق عن النكاح والحوائل دونه وهي خلاف السنة فإن السنة تخفيف المهر وتقليله وتخفيفه من أسباب بركة النكاح والوئام بين الزوجين فأعظم النكاح بركةً أيسره مؤونةً وقد «تزوج رجل في عهد النبي ﷺ امرأةً على نعلين فأجاز النبي ﷺ نكاحه» «وقال لرجل يريد أن يتزوج امرأةً التمس ولو خاتمًا من حديد فلم يجد شيئًا فزوجه النبي ﷺ بما معه من القرآن» ، فيا من مَنَّ الله عليه بالمال انظر إلى من دونك إذا كان يسيرًا عليك أن تبذل الكثير ففي الميدان من لا يتيسر عليه ذلك إن النكاح ليس عقدًا خاصًّا لك حتى تبيح لنفسك الحرية فيما
стр. 563
تبذل فيه إن النكاح حاجة الناس كلهم فإذا أردت أن تتصرف فيه بشيء فانظر ماذا يترتب على هذا التصرف بالنسبة لغيرك لتكون مؤمنًا حقًّا تهتم بأمور إخوانك المؤمنين وتحب لهم ما تحب لنفسك.
إن المغالاة في المهور لو كان مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة لكان أولى الناس بها رسول الله ﷺ وما أعطى رسول الله ﷺ امرأةً من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقيةً ونصف وهي تساوي مئةً وأربعين ريالًا فقط، يا من مَنَّ الله عليه بالغنى قلل ما تبذله من المهر وإذا دخلت على زوجتك وأعجبتك فابذل لها ما شئت ربما تبذل كثيرًا فإذا دخلت عليها ولم تعجبك ندمت على ما بذلت فاتق الله تعالى في نفسك وفي مالك وفي إخوانك. ويا أيها الأولياء لا تجعلوا همكم المال فتنظروا من يبذل أكثر أو من يشترط لكم من المال أكثر إن الأمانة أن تنظروا إلى مصلحة المرأة أن تزوجوها من تعيش معه عيشةً سعيدةً في ظل الإيمان والعمل الصالح والأخلاق الحميدة فذلك رأس المال أما عرض الدنيا فمهما كثر فهو قليل وزائل.
عباد الله ولقد أحيطت نعمة الزواج بالإسراف البالغ في الولائم من أهل الزوجة والزوج مشتركين أو منفردين يدعون جمعًا كبيرًا يحضر منهم من يحضر ويتخلف من يتخلف وأكثر من يحضر لا يحضر إلا على إغماض إما مجاملةً أو قيامًا بما أوجب الله تعالى من إجابة وليمة الزوج إن هذا الإسراف وقوع فيما نهى الله تعالى عنه وتعرض لكراهة الله تعالى للعبد فإن الله تعالى يقول ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] وإن هذا الإسراف عدول عن الطريق الوسط الذي هو طريق عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وإن هذا الإسراف خروج عن آداب القرآن حيث يقول الله تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] فهل ترضى أيها المؤمن أن تقع فيما نهاك الله عنه من الإسراف هل ترضى أن تُعَرِّض نفسك لكراهة الله لك هل ترضى أن تعدل بنفسك عن طريق عباد الرحمن هل ترضى أن تخرج عن آداب القرآن التي هي أعلى الآداب وأكملها إن هذا الإسراف كما أنه محذور شرعًا فهو ممقوت عادةً فإن الناس يلومون من يسرف هذا الإسراف وينظرون إليه نظرة الساخر الناقص لمن يحاول
стр. 564
أن يكمل نقصه بمثل هذه الولائم المسرفة إن هذا الإسراف كما أنه محذور شرعًا وممقوت عادةً فهو سفه عقلًا لما فيه من إتلاف المال وإضاعة الوقت وشغل البال واتعاب الأبدان وامتهان النعمة إننا نرى الكثير من هذه الأطعمة واللحوم تبقى لا يأكلها أحد وقد سمعنا من بعض الناس أنها تلقى على الزبالات وجوانب الطرق والمتورع من الناس من يحملها إلى البر ويرمي بها هناك فهل هذا من الرشد هل هذا من شكر النعمة أفلا يذكر هؤلاء أن الناس كانوا منذ عهد قريب يتمنى الواحد لقمةً أو تمرةً يسد بها جوعته.
عباد الله: ولقد أحيطت نعمة الزواج بأعمال منحرفة في الزفاف فلقد سمعنا أن بعض الناس أضاعوا ليلة العرس الحياء من الله والحياء من عباد الله أضاعوا دينهم بإضاعة الحياء فإن الحياء كما قال النبي ﷺ شعبة من الإيمان، سمعنا أنه يحصل في بعض الزواجات دخول بعض السفهاء مع النساء لالتقاط صورة اللقاء بين الزوجين وسمعنا أن بعض النساء أيضًا يحملن آلات التصوير لتصوير الحفل واللقاء بين الزوج وزوجته فيا سبحان الله ما أدري كيف بلغ الأمر بهؤلاء إلى هذا التدهور وكيف انحدروا إلى الهاوية بهذه السرعة كيف خرجوا عن الحدود الشرعية والمروءات المرعية إلى عادات أخذوها من الكفار أو من مقلدي الكفار كيف يدع هؤلاء ما يأمرهم به دينهم وما عليه مجتمعهم من الحياء والحشمة والبُعْد عن أسباب الفتنة إلى ما كانت عليه المجتمعات الفاسدة التي عثا بها الشر والفساد فيقلدونهم ذلك التقليد الأعمى فمثلهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً صم بكم عمي فهم لا يعقلون.
عباد الله تصوروا عظم الفتنة وفداحتها في هذا التصوير في غمرة الفرح بالعرس وتحت سيطرة نشوة النكاح وفي وسط التبرج ونكهة الطيب وتصوروا عظم الفتنة وفداحتها حينما تلتقط هذه الصور في تلك الحال لتكون بأيدي الناس يعرضونها على من شاؤوا ويتمتعون بالنظر إلى الجميل منها متى شاؤوا ويشمتون بالقبيح منها متى شاؤوا هل يرضى أحد منكم أن تكون صورة ابنته أو أخته أو زوجته بأيدي الناس ينظرون إليها كيف شاؤوا هل يرضى عاقل أن تكون صورته في أول لقاء بينه وبين زوجته معروضةً يتداولها الناس بينهم إن هذا مما تنكره الفطر وتسفهه العقول فارجعوا عباد الله إلى فطركم وعقولكم وتَفَكَّروا هل لهذا العمل المنكر ما يبرره
стр. 565
إن هذا العمل لا يزيد الزوجين ألفةً في القلوب ولا صحةً في الأجسام ولا سعةً في الرزق ولا حمدًا بين الناس بل هو شر وفتنة لا خير فيه.
ولقد حذر النبي ﷺ من التصوير وقال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» وقال «كل مصور في النار يَجْعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم» ولعن المصورين والتصوير الفوتغرافي بالكمرة داخل في هذا الوعيد عند بعض أهل العلم فليحذرِ المصور أن يُعَرِّض نفسه لعذاب الله ولعنته.
فاتقوا الله عباد الله ولا تحيطوا نعمة الله بالزواج بأسباب نِقَمه وعذابه وتعاونوا على البر والتقوى وخذوا على أيدي السفهاء واطروهم على الحق أطرًا ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]
وفقنا الله تعالى لما فيه الخير والسداد وجنبنا أسباب الشر والفساد إنه جواد كريم رؤوف رحيم.
стр. 566
[الخطبة الرابعة فيما يجب على الولي من اختيار الكفء وتزويج موليته به]
الخطبة الرابعة
فيما يجب على الولي من اختيار
الكفء وتزويج موليته به إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وأدوا الأمانة التي حملكم الله تعالى إياها فيمن ولاكم الله عليه من النساء لأن من حملكم إياها سوف يسألكم عنها وهو أعلم بما تبدون وما تكتمون فأدوا الأمانة فيهن لا تتحكموا في مصيرهن ومستقبلهن لا تجعلوهن بينكم بمنزلة السلع إن أعطيتم بها ثمنًا يرضيكم بعتموها وإلا أمسكتموها إن أمانة النساء فيكم وإن مستقبلهن في دِينِهن ودنياهن أعظم وأجل من أن تنظروا فيهن إلى المال وإلى لعاعة من العيش تتمتعون بها على حساب أمانتكم. إن الواجب عليكم أن تنظروا إلى ما فيه خير المرأة وسعادتها في دينها ودنياها في نفسها وفي أولادها. إن الواجب عليكم أن تختاروا لها في النكاح كل ذي خُلُق فاضل ودين مستقيم وأن لا تمنعوا خاطبها إذا كان كفئًا في دينه ورضيته من النكاح بها فإن ذلك تضييع للأمانة ووقوع في المعصية فقد جاء في الحديث: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» . إن في الحديث توجيهًا وإرشادًا إلى أن ينظر إلى الخاطب من ناحيتين فقط لا ثالث لهما هما الدين والخلق لأنهما الأساس الذي به صلاح الدين وسعادة الحياة فصاحب الدين صالح بنفسه مصلح لمن يتصل به. اتصال المرأة به خير وفلاح إن أمسكها أمسكها بمعروف وإن فارقها فارقها بمعروف لأن عنده من الدين والتقوى ما يمنعه من ظلم المرأة والمطل بحقها وصاحب الخُلُق مستقيم في أخلاقه مُقوِّم لغيره يتلقى أهله بالبشر وطلاقة الوجه ويُعَوِّدُهم بأقواله وحاله على مكارم الأخلاق ومعالي الآداب.
أيها المسلمون إن أهم ما تجب العناية به والنظر إليه في الدين سلامة العقيدة وإقامة الصلاة فأما سلامة العقيدة فأن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله لم يذكر عنه ما يدل على شكه
стр. 567
وأن يكون معظمًا لله ورسوله ودينه لم يذكر عنه ما يدل على استهزائه بذلك فإن من شك في وجود الله أو في كونه هو الخالق وحده أو هو المعبود وحده فهو كافر ومن شك في كون محمد ﷺ رسول الله إلى الناس كافةً إلى يوم القيامة فهو كافر ومن استهزأ بالله أو رسوله أو دينه فهو كافر يقول الله تعالى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] وأما إقامة الصلاة فأدناه أن يأتي الرجل بالصلوات الخمس في أوقاتها بأدنى ما يجب فيها معتقدًا فريضتها فمن أنكر فرضية الصلوات الخمس أو بعضها فهو كافر لأنه مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين إلا أن يكون ممن أسلم قريبًا ولا يدري عن فرائض الدين فَيُعَلَّم ومن ترك الصلاة فهو كافر وإن كان يعتقد أنها فريضة لقوله تعالى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] وقول النبي ﷺ «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة» وفي حديث آخر أن النبي ﷺ قال «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» وقال عبد الله بن شفيق كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وهذا الكفر الذي جاء فيمن ترك الصلاة في الحديث عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة ﵃ هو الكفر الأكبر المخرج عن الإسلام الموجب للقتل في الدنيا والخلود في الآخرة في النار لأن النبي ﷺ «سئل عن قتال أئمة الجور والظلم هل يقاتلون فقال لا تقاتلوهم ما صَلُّوا» . فمَنَعَ من قتالهم إذا صَلُّوا وهذا يدل على جواز قتالهم إذا تركوا الصلاة ولا يجوز قتال الأئمة إلا إذا كفروا لقول عبادة بن الصامت ﵁ «بايعنا رسول الله ﷺ على أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان» . قال أمير المؤمنين عمر ﵁ لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة فلا يجوز تزويج من لا يؤمن بالله ورسوله بمسلمة ولا يجوز تزويج من يستهزئ بالله أو رسوله أو دينه بمسلمة ولا يجوز تزويج من لا يصلي بمسلمة لأن هؤلاء كفار. وقد قال الله تعالى في المهاجرات ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فمن زوج مسلمةً بكافر فالنكاح باطل لا تحل به الزوجة بل هي منه أجنبية فوطؤها إياها بمنزلة الزنا. فاتقوا الله أيها المسلمون واختاروا لبناتكم وابحثوا عن دين الخاطب قبل قبوله ولا تجعلوا عمدتكم المال فإن المال يجيء ويذهب فكم من فقير صار غنيًّا وكم من غني صار فقيرًا.
стр. 568
أيها المسلمون إن بعض الأولياء يتحكمون في بناتهم ومن تحت ولايتهم فيمنعونهن من الخُطَّاب الأكفاء مع رضا المرأة بالخاطب وهذا حرام عليهم لاعتدائهم على حقها إلا أن ترضى بشخص لا يرضى دينه مثل أن تطلب نكاح من يشرب الخمر أو يمارس من المعاصي ما يخل بالدين والشرف فله منعها من نكاحه ولو بقيت بلا زوج طول حياتها ولا إثم عليه في ذلك.
واعلموا أنه كما لا يجوز لكم منع النساء من النكاح فلا يجوز أن تُكْرِهوا النساء على نكاح من لا يردن نكاحه فإن النبي ﷺ نهاكم عن ذلك ولا فرق بين الأب وغيره وبين البكر وغيرها لأن النبي ﷺ لم يفرق بين البكر وغيرها إلا في صفة الإذن فقال «لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول الله وكيف إذنها قال أن تسكت» ففرق ﷺ بين البكر والثيب بأن البكر يكتفى بسكوتها لأنها تخجل في الغالب أن تنطق وأما الثيب فلا تخجل فلا بد من استئمارها وأخذ أمرها بذلك نطقًا ولم يفرق ﷺ بين الأب وغيره بل نص على الأب فيما رواه الإمام أحمد ومسلم حيث قال ﷺ «والبكر يستأمر أبوها.»
فاتقوا الله أيها المسلمون ولا تزوجوا النساء من غير أكفائهن ولا تمنعوهن منهم ولا تجبروهن على نكاح من لا يردنه ولا يكن همكم المال والدنيا فإن من السخف أن ينزل الرجل بنفسه فيزوج من أجل المال ويمنع من أجله إن من السخافة أن يقبل الشخص وترضى به المرأة فإذا جاء الجهاز قاصرًا عما يريدونه ردوا الجهاز ورجعوا عن قبول الرجل كأنما المقصود من النكاح المال وكأنما المرأة سلعة تباع وتشترى. إن شأن النكاح أسمى وأعظم من أن يكون القصد فيه المال ولذلك جعل الله سبحانه المصاهرة قسيمةً للنسب والقرابة فقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]
وفقني الله وإياكم للقيام بحقه وحقوق عباده وجعلنا ممن يقومون بالأمانة على الوجه الأكمل وهدانا صراطه المستقيم إنه جواد كريم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين. . . إلخ.
стр. 569
[الخطبة الخامسة في الحث على تخفيف المهور]
الخطبة الخامسة
في الحث على تخفيف المهور الحمد لله الذي خلق الناس من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها والحمد لله الذي يسر لعباده كل طريق يتمتعون به فيما أباح لهم من طيبات المناكح والأقوات واللباس والمساكن لتتم بذلك النعمة ويحصل الابتلاء، فمن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فكفره عليها وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً أدخرها ليوم تجزى فيه النفوس بما لها وعليها وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى ويسروا ييسر لكم واطرقوا سبل الإصلاح لتصلوا إلى الغاية. أيها الناس إن لدينا مشكلةً عويصةً معقدةً مشكلةً تهم الناس جميعًا لا يختلف منهم اثنان في طلب حلها وزوال مشكلها ألا وهي مشكلة الزواج فلقد أصبحت ذات تعقيد من أهمها مشكلة المهر أعني الجهاز فلقد أصبح في شكل خطير وارتفع في الزيادة إلى حد يصعب على أكثر الناس وكل ذلك بسبب المغالاة فيه والمفاخرة والمباهاة التي لا داعي لها ولا موجب فليست المرأة سلعةً تعرض للبيع ويقصد فيها ثمنها وإنما هي امرأة حرة كريمة أهم شيء لها أن تتفق مع زوج يكون قرة عينها وسعادة حياتها عونًا لها على طاعة الله ومثالًا تقتدي به في الأخلاق الفاضلة ومصلحًا ومربيًا لها ولمن يُقَدِّر الله بينهما من ذرية هذا هو غرض المرأة وعين مصلحتها أما المال فإنه عرض يزول ولا ينظر إليه إلا أصحاب الجشع من الأولياء أو ضعيفات العقول من بعض النساء وأشباههن من الرجال.
أيها الناس لقد بلغت المهور حدًّا لا يطاق عند أكثر الناس حتى كان الرجل الذي يريد الزواج يكدح المدة الطويلة ويتعب التعب الكثير ويذهب أول حياته وعنفوان شبابه طارقًا كل باب لتحصيل المال فلا يكاد يدرك مهرًا يحصل به المرأة. وذلك بسبب التزايد والمغالاة في المهور وهذا خلاف المشروع فإن المشروع في المهور تخفيفها وكلما كانت أقل فهي أفضل وأنفع وأعظم بركةً ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «أعظم النكاح بركةً أيسره مؤونةً» «وتزوجت امرأة على نعلين فأجاز نكاحها» وقال لرجل «التمس ولو خاتمًا من حديد فالتمس فلم يجد فزوجه على أن يعلمها شيئًا من القرآن» وقال له رجل «يا رسول الله إني تزوجت امرأةً على أربع أواق
стр. 570
من الفضة يعني مئةً وستين درهمًا فقال النبي ﷺ على أربع أواق كأنما تنحتون الفضة من عَرْض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك» وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لا تغلوا صدق النساء فإنها لو كانت مكرمةً في الدنيا أو تقوى في الآخرة لكان أولاكم بها رسول الله ﷺ .
أيها الناس: إن في ازدياد المهور تركًا للأفضل والأنفع ومن مفاسدها إغلاق باب النكاح أمام قاصديه من الرجال والنساء فكم في البيوت من فتيات يردن النكاح وكم في الأسواق من فتيان يريدونه ولكن حال دونهم تلك المهور الباهظة ومن مفاسد زيادة المهور تصعيب الحياة الزوجية وتنكيدها فإن الزوج إذا لم يتلاءم مع زوجته لا تسمح نفسه بفراقها إلا بتعب وتنكيد وربما يأبى أن يفارقها حتى تبذل له ما أعطاها وهذا وإن كان لا يجوز أعني لا يجوز أن يحدها على المفارقة بعوض إذا كانت مستقيمةً وقائمةً بالواجب نحوه ومن مفاسد ازدياد المهور أنها قد تضطر الإنسان إلى شغل ذمته بالديون. ومن مفاسدها أنها قد تضطر الإنسان إلى أن يتزوج بنساء لا يتلاءمن مع عادات البلاد وتقاليدها فيحصل من المشقة عليها وعليه ما هو معلوم.
إن القلوب إذا استولى اليأس عليها قنطت ولم تصل إلى مطلوبها وإن الناس إذا تخاذلوا واستبعدوا الأمور وقالوا هذا بعيد هذا لا يمكن فلن يصلوا إلى غاية ألستم كلكم تعرفون مضرة المغالاة في المهور وفائدة تسهيلها وتيسيرها فمن الأجدر بكم أن تتساعدوا في كل طريق تؤدي إلى رفع المغالاة وحلول التيسير من الأجدر بكم أن تشجعوا وتحثوا بقولكم وفعلكم على ذلك لو كان الناس يقابلون كل فكرة إصلاحية بالفتور واليأس والاستبعاد لما وصلوا إلى صلاح ولا إصلاح ولكن القلوب الحية والأُمَّة الواعية هي التي تقابل الفكرة الإصلاحية بالقوة والعزيمة الصادقة والتصميم على الوصول إلى الغاية المطلوبة ما دامت تؤمن بصحة القصد وسلامة السبيل وأنا أقول أن العادات الراسخة لا يمكن تغييرها دفعةً واحدةً ولكنه يمكن القضاء عليها بالتدريج ما دمنا مصممين على تغييرها بحول الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الآية.
стр. 571
[الخطبة السادسة في التحذير من أخذ الصور في الأعراس]
الخطبة السادسة
في التحذير من أخذ الصور في الأعراس إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروا نعمة الله عليكم بهذا الدين الذي أكمله لكم وأتم عليكم به النعمة وبعث به محمدًا ﷺ ليتمم به مكارم الأخلاق فكان هذا الدين دين عبادة ودين أخلاق ومعاملة ألا وأن من أفضل الأخلاق التي بعث بها نبيه خُلُق الحياء فإن الحياء من الإيمان والحياء خلق النبي ﷺ فكان حييًّا سخيًّا كريم الخُلُق.
إن الحياء من الله والحياء من الناس من صميم دِينكم فاستحيوا أيها المؤمنون من الله واستحيوا أيها المؤمنون من الناس لا تضيعوا دِينكم أيها المؤمنون بالتهور والتدهور والانحطاط.
لقد سمعنا أيها الناس أنه حصل زواج دخل فيه مع النساء بعض شباب دخلوا لأخذ صور للحفل وأن هؤلاء المصورين كانوا بين النساء يلتقطون صورهن فيا سبحان الله كيف بلغ بنا الحد إلى هذا التدهور وفي هذه السرعة الخاطفة تصوروا عظم الفتنة في تجول هؤلاء الشباب وأخذهم صور النساء وهم في غمرة الفرح بالعرس تحت سيطرة نشوة النكاح وفي ظل التبرج والتطيب ماذا يحصل للجميع من الفتنة إنها لفتنة كبيرة ومحنة عظيمة. أما يستحي هؤلاء من الله أولًا ومن الناس ثانيًا ما الذي سوغ لهم وما الذي أباح لهم أن يتجولوا بين النساء لأخذ صورهن هل يرضى أحد من الناس أن تؤخذ صورة ابنته أو أخته أو زوجته لتكون بين هؤلاء يعرضونها متى شاؤوا على من يريدون أو يستمتعون بالنظر إليها متى يشاؤون هل يرضى أحد أن تكون نساؤه محلًا للسخرية عند عرض صورتها إن كانت قبيحةً أو محلًا للفتنة عند عرضها إن كانت جميلةً.
عباد الله ما بالنا ننحدر إلى الهاوية في تقاليد الكفار وأشباه الكفار الذين لا دين لهم ولا أخلاق كيف ندع تقاليدنا المبنية على التستر والحياء بوحي من شريعة الله ورسوله إلى تقاليد جلبناها من غيرنا وغيرنا تلقاها من اليهود والنصارى المستعمرين لأراضيهم مدةً طويلةً من
стр. 572
الزمن كيف نرضى وقد سلم الله بلادنا من استعمار الأوطان أن تستسلم لاستعمار الأفكار والعقول والأديان كيف نرضى وقد مَنَّ الله علينا بالتقدم بهذا الدين أن نرجع إلى الوراء بتبرج الجاهلية الأولى وأعمال الكافرين كيف يليق بنا وقد أعطانا الله شهامة الرجولة وولاية العقل أن ننتكس فننقاد لسيطرة النساء والسفهاء.
أيها الناس إنكم إن سرتم وراء هذه التيارات بدون نظر ولا روية ولا تفكير في العواقب فسوف تندمون وستكون العاقبة وخيمةً وسيحل بالبلاد من العقوبة ما يعم الصالح والفاسد ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]
أيها الناس احذروا هذه التقاليد المنحرفة وهذه التيارات الجارفة الضالة وقابلوها بقوة الإيمان وسيطرة العقل لتندحر وتقبر في مهدها وإلا فهي كشرارة النار في المواد المشتعلة إن لقيت منكم قبولًا لها واتجاهًا إليها فأنتم ولله الحمد في بلاد محافظة على دِينها وعلى أخلاقها وعلى تقاليدها الطيبة فاحذروا أن تخرق سياجكم تلك العادات التي جاء بها من زُيِّن له سوء عمله فرآه حسنًا ومن سَنَّ سُنَّةً سيئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
إن أخذ صورة للزوج وزوجته عند أول لقاء لا يزيد الزوجين إيمانًا بالله ولا مودةً في القلب ولا صحةً في الجسم وإذا فُرِضَ أن المسألة من باب التقاليد المحضة أفليس من الأجدر بنا أن نعتز بتقاليدنا ونحمي كياننا ونربأ بأنفسنا عن أن نكون تبعًا لغيرنا هذا فضلًا عن كون هذه التقاليد هدمًا للأخلاق ونقصًا في الإيمان. إن أخذ الصور مع كونه سببًا للفتنة وتداول صور النساء فهو كذلك عرضة للعنة الله سبحانه والتعذيب بالنار لأن النبي ﷺ حذر من التصوير فقال ﷺ «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» وقال «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم» ولعن رسول الله ﷺ المصورين. وهذه الأحاديث ثابتة عن رسول الله ﷺ فليحذرِ المصور أن يكون داخلًا فيها فإنه معرض نفسه لذلك والصورة الفوتغرافية وإن كان من العلماء من أباحها فإن منهم من رأى أنها داخلة في الوعيد وقد قال ﷺ «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وقال «من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» . وحتى إذا كانت
стр. 573
الصور الفوتغرافية مباحة فإنها لا تحل إلا إذا لم يكن فيها محذور شرعي. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.
стр. 574
[الفرع التاسع في الجنايات والحدود والحسبة]
[الخطبة الأولى في عقوبة القاتل عمدا]
الفرع التاسع
في الجنايات والحدود والحسبة الخطبة الأولى
في عقوبة القاتل عمدا الحمد لله القوي العظيم الرءوف الرحيم يقضي بالحق ويحكم بالعدل وهو الحكيم العليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة من العذاب الأليم والفوز بالنعيم المقيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم على السراط المستقيم وسلم تسليما.
وأما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من حماية الدين والنفس والمال والعرض فلقد حمى الله لكم الدين بما أقام عليه من الآيات البينات حتى تتمسكوا به عن علم وبصيرة، وحماه لكم بما رتبه من الجزاء الوافر على فعل الحسنات لترغبوا فيها وتقيموها وحماه لكم بما حذركم به من عقوبة على المخالفات لترهبوا منها وتستقيموا على الأمر المطلوب منكم وحمى الله لكم الدين بما أقامه من الجهاد بالنفس والمال ولقد حمى الله لكم النفس فأكد تحريمها وحرمتها في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ وقرن القتل بالشرك فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى قوله، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقال النبي ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق» وذكر تمام الحديث، وقال النبي: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» (رواه البخاري) . وقال النبي: «لزوال الدنيا - يعني كلها - أهون عند الله من قتل رجل مسلم» . ومن أجل حرمة النفس وتحريمها رتب الله على قتلها عقوبات في الآخرة وعقوبات في الدنيا. أما عقوبات الآخرة فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] أربع عقوبات عظيمة كل واحدة منها توجل القلب وتفزع النفس - جهنم خالدا فيها فيا ويله ما أصبره على نار جهنم وقد فضلت على نار الدنيا كلها بتسعة وستين جزءا - وغضب الله عليه وبئسما حصل لنفسه من غضب الرب العظيم عليه - ولعنه فطرده وأبعده عن رحمته وأعد له عذابا
стр. 575
عظيما. ويل لقاتل المؤمن المتعمد ويل له من هذه العقوبات النار وغضب الجبار واللعنة والعذاب العظيم، وقال النبي ﷺ «أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء» . وقال ابن عباس ﵁ سمعت نبيكم يقول: «يأتي المقتول متعلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله باليد الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يأتي به إلى العرش فيقول المقتول يا رب هذا قتلني فيقول الله للقاتل تعست أي هلكت ويذهب به إلى النار» وقال النبي ﷺ «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار» . هذه أيها المؤمنون عقوبة قاتل النفس بغير حق في الآخرة.
أما عقوبته في الدنيا فالقصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] النفس بالنفس جزاء وفاقا كما أعدم أخاه المؤمن وأفقده حياته فجزاؤه أن يفعل به كما فعل ولقد جعل الله لولي المقتول سلطانا قدريا أي قدره في شرع الله وفي قضائه وقدره على قتل القاتل كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] فهذه الآية كما تدل على أن الله جعل لولي المقتول سلطانا شرعيا في قتل القاتل فقد يفهم منها أن الله جعل له أيضا سلطانا قدريا بحيث يكون قادرا على إدراك القاتل وقتله فيهيئ الله من الأسباب ما يتمكن به من إدراكه والله على كل شيء قدير وبكل شيء محيط.
أيها المسلمون وإن من حماية الله لأموالكم أن جعل عقوبة السارق قطع يده إذا تمت الشروط كما قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] حتى لو استعار منك شخص شيئا يساوي ما يقطع به السارق ثم جحده وقال ما استعرت منك شيئا فتثبت عليه العارية فإنها تقطع يده بسبب جحوده العارية. كما ثبت ذلك في الصحيحين «أن امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها فأهم قريشا شأنها فكلمه أسامة بن زيد فيها فقال أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فخطب الناس فقال إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله (يعني أقسم بالله) لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
стр. 576
أما حماية الله للأعراض فقد ذكر الله جانبا كبيرا منها في سورة الحجرات في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١] إلى آخر الآية التي بعدها. وقال النبي ﷺ «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» وأوجب الحد ثمانين جلدة على من قذف محصنا بالفاحشة وأوجب الحد على الزاني إن كان محصنا فيرجم بالحجارة حتى يموت.
وإن كان غير محصن وهو الذي لم يتزوج فحده مائة جلدة وتغريب عام٠ وأما حد اللواط وهو إتيان الذكر الذكر فإنه القتل بكل حال إذا كانا بالغين غير مجنون سواء كان متزوجين أو غير متزوجين لقول النبي ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وأجمع الصحابة ﵃ على مقتضى هذا الحديث.
فاحمدوا الله أيها المؤمنون على هذه الحماية لدينكم وأنفسكم وأموالكم وأعراضكم واسألوه أن يوفق المسلمين جميعا للقيام بشكره وامتثال أمره واجتناب نهيه فإن ذلك خيرهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . إلخ.
стр. 577
[الخطبة الثانية في التحذير من أخطار السيارات]
الخطبة الثانية
في التحذير من أخطار السيارات الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما وقضى بما يريد حكمة وحكما، أنعم بالنعم ابتلاء وامتحانا فمن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الرسل وخلاصة العبيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان على الرشد والتسديد وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وقيدوا نعمه عليكم بشكرها وحسن التصرف فيها فإن الشكر به ازدياد النعم وحسن التصرف فيها به تتمحض نعما. أما إذا كفرت النعم فذلك سبب زوالها ومعول هدمها. قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ - فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ - ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٧] وقال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]
أيها الناس هذان مثلان لبلدين أنعم الله عليهما بنضارة الدنيا ورغد العيش بدلوا نعمة الله كفرا فأعرضوا عن دين الله وارتكبوا محارم الله فأبدلهم الله بنعمه نقما وبرغد العيش نكدا أفتظنون أنكم إذا كفرتم بنعم الله ناجون وعما وقع فيه أولئك مسلمون كلا فسنن الله في عباده واحدة وليس بين الله وبين أحد من الناس نسبا فيراعيه واسمعوا قول الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا - اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣] وقول الله : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠] وقول الله سبحانه في الحكم العام الشامل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]
стр. 578
أيها الناس إن مما أنعم الله به علينا في هذا العصر تلك السيارات التي ملأت البلاد والبر وقادها الصغير والكبير والعاقل والسفيه فهل نحن شكرنا هذه النعمة وهل نحن أحسنا التصرف فيها؟ لننظر. لقد استعمل بعض الناس هذه السيارات في أغراضه السيئة والوصول إلى مآربه السافلة فصار يفر بها إلى البراري ليتناول ما تهواه نفسه بعيدا عن الناس وعن أيدي الإصلاح ويخرج بها عن البلد ليضيع ما أوجب الله عليه من إقامة الصلاة في وقتها فهل يصح أن يقال لمثل هذا إنه شاكر لنعمة الله وهل يصح أن نقول إنه سالم من عقوبة الله كلا فهو لم يشكر نعمة الله ولم يسلم من عقوبته وليس عقوبة الله للعبد أن تكون عقوبة دنيوية مادية فهناك عقوبة أشد وهي عقوبة قسوة القلب وكونه يرى ما هو عليه من انتهاك المحرمات وإضاعة الواجبات يراه وكأنه لم يفعل شيئا يعاقب عليه بعد موته فلا يكاد يقلع عنه.
ولقد استعمل بعض الناس هذه السيارات فلم يحسن التصرف فيها وكلها إلى قوم صغار السن أو صغار العقول تجده يقود السيارة وهو صغير السن لا يكاد يُرى من نافذتها وتراه يسوق السيارات وهو كبير السن لكنه صغير العقل متهور لا يراعي الأنظمة ولا يبالي بالأرواح، سرعة جنونية في البلد وخارج البلد ونعني بالسرعة الجنونية كل سرعة تزيد على ما كان ينبغي أن يسير عليه وتختلف بحسب المكان وازدحام السكان فليست السرعة في البلد كالسرعة خارجه وليست السرعة في مكان كثير المنعطفات والمنافذ الشارعة فيه كالسرعة في خط مستقيم ليس إلى جانبه منافذ وليست السرعة في مكان يكثر فيه الناس كالسرعة في مكان خال. تجده يسير مخالفا للأنظمة يحاول أن يجاوز من أمامه وهو لم يضمن السلامة يسير في الخط المعاكس لاتجاهه وهو لغيره فيوقع من قابله في الحيرة أو التلف.
إن كل عاقل ليعجب أن تعطي قيادة السيارات لهؤلاء الصغار الذين لا يستطيعون التخلص في ساعة الخطر وإن كل عاقل ليعجب من هؤلاء المتهورين الذين لا يراعون حرمة نظام الدولة ولا حرمة نفوس المسلمين مع أن الفرق في مراعاة النظام والسير المعتدل أمر بسيط فلو قدرنا أن شخصا أراد أن يسير بسرعة تبلغ مائة كيلو في الساعة فسار بسرعة تبلغ ثمانين فمعناه أنه لم يتأخر سوى اثنتي عشرة دقيقة في سير ساعة كاملة وست دقائق في سير
стр. 579
نصف ساعة وثلاث دقائق في سير ربع ساعة وما أيسر هذا التأخر الذي به وقاية النفس والمال من الخطر والذي يمكن أن يزول بأن يتقدم في مشيه بمقدار هذا التأخر. أيها الناس لقد كثرت الحوادث من أجل هذه الأمور كثرة فاحشة فأصبح المصابون بها ما بين كسير وجريح وميت ليس بالأفراد فحسب ولكن بالأفراد أحيانا وبالجملة أحيانا ثم يترتب على هذه الحوادث: خسائر مالية وخسائر روحية وندم وحسرة في قلوب مسببي هذه الحوادث إن كانت قلوبهم حية تخشى الله وترحم عباد الله وتريد أن تسلك مع الناس بالسيرة الحسنة.
إن النفس إذا فقدت بهذه الحوادث لزم من ذلك: ١- إخراج هذا الميت من الدنيا وحرمانه من التزود بالعمل الصالح والاستعتاب من العمل السيئ. ٢- فقد أهله وأصحابه بالتمتع معه في الحياة. ٣- إرمال زوجته وإيتام أولاده إن كان ذا زوجة وعيال. ٤- غرامة ديته تسلم إلى ورثته. ٥- وجوب الكفارة حقا لله تعالى فكل من قتل نفسا خطأ أو تسبب لذلك أو شارك فيه فعليه الكفارة فلو اشترك اثنان في حادث وتلف به شخص فعلى كل واحد منهما كفارة كاملة والكفارة عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد كما هو الواقع في عصرنا فصيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما يوما واحدا إلا من عذر شرعي فإن أفطر قبل إتمامهما ولو بيوم واحد من دون عذر وجب استئنافها من جديد وهذه الكفارة حق لله تعالى لا تسقط بعفو أهل الميت عن الدية فأهل الميت إذا عفوا عن الدية إنما يملكون إسقاط الدية إن رأوا في إسقاطها مصلحة وأما الكفارة فلا يملكون إسقاطها لأنها حق لله وهذه الكفارة أيضا تتعدد بتعدد الأموات بسبب الحادث فإن كان الميت واحدا فشهران وإن مات اثنان فأربعة أشهر وإن مات ثلاثة فستة أشهر وهكذا لكل نفس شهران متتابعان.
فاتقوا الله تعالى في أنفسكم واتقوا الله في إخوانكم المسلمين في أنفسهم وأموالهم واتقوا الله تعالى بطاعته وطاعة ولاة أموركم بالمعروف واعلموا أن مخالفة نظام الدولة ليس مخالفة لبشر فقط ولكن مخالفة للبشر ولخالق البشر فإن الله تعالى أمر بطاعة ولاة الأمور في غير معصية الله قال تعالى:
стр. 580
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]
وفقني الله وإياكم لطاعة الله ورسوله وطاعة ولاة الأمور والتمشي على ما فيه خيرنا وصلاحنا إنه جواد كريم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . إلخ.
стр. 581
[الخطبة الثالثة في الحدود ووجوب إقامتها]
الخطبة الثالثة
في الحدود ووجوب إقامتها الحمد لله القوي العظيم العزيز الرحيم العليم الحكيم شرع عقوبة المجرمين منعا للفساد ورحمة للعالمين وكفارة لجرائم الطاغين المعتدين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل النبيين وقائد المصلحين وأرحم الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما. أما بعد أيها الناس اتقوا الله تعالى واعرفوا نعمته عليكم بهذا الدين القويم الكامل الجامع بين الرحمة والحكمة رحمة في إصلاح الخلق وحكمة في سلوك الطريق الموصل إلى الإصلاح.
أيها الناس إن من طبيعة البشر أن يكون لهم إرادات متباينة ونزعات مختلفة فمنها نزعات إلى الحق والخير ومنها نزعات إلى الباطل والشر كما قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] وقال تعالى ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] ولما كانت النزعات إلى الباطل والشر في ضرورة إلى ما يكبح جماحها ويخفف من حدتها من وازع إيماني أو رادع سلطاني جاءت النصوص الكثيرة بالتحذير من الباطل والشر والترغيب في الحق والخير وبيان ما يترتب على الباطل والشر من مفاسد في الدنيا وعقوبة في الآخرة وما يترتب على الحق والخير من مصالح في الدنيا ومثوبات نعيم في الآخرة، ولكن لما كان هذا الوازع لا يكفي في إصلاح بعض النفوس الشريرة الموغلة في الباطل والشر وكبح جماحها والتخفيف من حدتها فرض رب العالمين برحمته وحكمته عقوبات دنيوية وحدودا متنوعة بحسب الجرائم لتردع المعتدي وتصلح الفاسد وتقيم الأعوج وتظهر الملة وتستقيم الأمة وتكفر جريمة المجرم فلا تجتمع له عقوبة الآخرة مع عقوبة الدنيا.
ففرض الله الحدود وأوجب على ولاة الأمور إقامتها على الشريف والوضيع والغني والفقير والذكر والأنثى والقريب منهم والبعيد ففي الحديث عن رسول الله ﷺ : «أقيموا حدود الله القريب والبعيد ولا تأخذكم في الله لومة لائم» ولقد قال النبي ﷺ لأسامة بن زيد ﵁ حين شفع إليه في امرأة من بني مخزوم كانت تستعير الشيء فتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها فشفع فيها أسامة ﵁ فأنكر عليه النبي ﷺ قال «أتشفع في حد من
стр. 582
حدود الله» ثم قام ﷺ فاختطب وقال «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله (أي أحلف بالله) لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (متفق عليه) . الله أكبر هكذا الحق أشرف النساء نسبا فاطمة بنت محمد سيدة نساء أهل الجنة ويقسم رسول الله ﷺ وهو الصادق البار أن لو سرقت لقطع يدها أين الثرى من الثريا أين هذا القول وما كان عليه الناس اليوم من المماطلات في إقامة الحدود والتعليلات الباردة والمحاولات الباطلة لمنع إقامة الحدود وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره.
» لقد فرض الله عقوبة القاذف الذي يرمي الشخص المحصن البعيد عن تهمة الزنا فيقول يا زاني أو يا زانية فمن قال له ذلك قيل له إما أن تأتي بالبينة الشرعية على ما قلت وإما حد في ظهرك فإذا لم يأت بها عوقب بثلاث عقوبات يجلد ثمانين جلدة ولا تقبل له شهادة أبدا ويحكم بفسقه فيخرج عن العدالة إلا أن يتوب ويصلح يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥]
وإنما أوجب الله عقوبته بتلك العقوبات حماية للأعراض ودفعا عن تهمة المقذوف البريء البعيد عن التهمة.
وفرض الله عقوبة الزاني وجعلها على نوعين نوع بالجلد مائة جلدة أمام الناس ثم ينفى عن البلد لمدة سنة كاملة وذلك فيما إذا لم يسبق له زواج تمتع فيه بنعمة الجماع المباح يقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ويقول النبي ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» . والنوع الثاني من عقوبة الزناة الرجم بالحجارة حتى يموت ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدعى له بالرحمة ويدفن مع المسلمين وتلك العقوبة فيمن سبق له زواج فيه بالجماع المباح وإن كان حين فعل الفاحشة لا زوج معه يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على منبر رسول الله ﷺ إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه
стр. 583
الكتاب فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل (يعني الحمل) أو الاعتراف هكذا أعلن أمير المؤمنين على منبر رسول الله ﷺ على الملأ حتى لا ينكر الرجم إذا لم يجدوا الآية في كتاب الله تعالى والله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت وقد نسخت آية الرجم من القرآن لفظا وبقي حكمها إلى يوم القيامة لتتميز هذه الأمة عن بني إسرائيل بالانقياد التام فبنو إسرائيل فرض عليهم رجم الزاني إذا أحصن ونصه في التوراة وحاولوا إخفاءه حين قرأ قارئهم التوراة عند رسول الله ﷺ وهذه الأمة نسخ الله لفظ آية الرجم فلا توجد فيه لفظا فعملوا بها لعلمهم ببقاء حكمها وتنفيذ رسولهم ﷺ وخلفائه الراشدين لهذا الحكم. وإنما كانت عقوبة الزاني المحصن بهذه الصورة المؤلمة دون القتل بالسيف لأن هذه العقوبة كفارة للذة محرمة اهتز لها جميع بدنه فكان من المناسب والحكمة أن تشمل العقوبة جميع بدنه بألم تلك الحجارة.
إن عقوبة الزاني بهذين النوعين من العقوبة لفي غاية الحكمة والمناسبة: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢] وإن إيجاب عقوبة الزاني من رجل أو امرأة لعين الرحمة للخلق لما فيه من القضاء على مفسدة الزنا المدمر للمجتمعات المفسد للأخلاق والسلوك الموجب لضياع الأنساب واختلاط المياه المحول للمجتمع الإنساني إلى مجتمع بهيمي لا يهتم إلا بملء بطنه وشهوة فرجه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢]
أما اللواط وهو جماع الذكر للذكر فلذلكم الفاحشة العظمى والجريمة النكراء هدم للأخلاق ومحق للرجولة وقتل للمعنوية وجلب الدمار وسبب للخزي والعار وقلب للأوضاع الطبيعية تمتع في غير محله واستحلال في غير حله الفاعل ظالم لنفسه حيث جرها إلى هذه الجريمة والمفعول به مع ذلك مهين لنفسه حيث رضي أن يكون مع الرجال بمنزلة النسوان لا تزول ظلمة الذل والهوان من وجهه حتى يموت أو يتوب توبة نصوحا يستنير بها قلبه ووجهه وكلاهما الفاعل والمفعول به ظالم لمجتمعه حيث نزلوا بمستوى المجتمع إلى هذه الحال المقلوبة التي لا ترضاها ولا البهائم ومن أجل مفاسده العظيمة كانت عقوبته أعظم من عقوبة الزنا
стр. 584
ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعو ل به» . واتفق الصحابة ﵃ على قتل الفاعل والمفعول به، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لم يختلف أصحاب رسول الله ﷺ في قتله سواء كان فاعلا أم مفعولا به ولكن اختلفوا كيف يقتل، فقال بعضهم يرجم بالحجارة، وقال بعضهم يلقى من أعلى شاهق في البلد، وقال بعضهم يحرق بالنار وإنما كانت هذه عقوبة تلك الفاحشة لأنها قضاء على تلك الجرثومة الفاسدة التي إذا ظهرت في المجتمع فيوشك أن تدمره تدمير النار للهشيم، ففي القضاء عليها مصلحة الجميع وحماية المجرمين أن يملى لهم في البقاء في الدنيا فيزدادوا إثما وطغيانا والله عليم حكيم.
اللهم إنا نسألك أن تحمينا وأمتنا عن مساوئ الأخلاق وعن موجبات سخطك وعقابك، وأن تهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.
стр. 585
[الخطبة الرابعة في أنواع الحدود]
الخطبة الرابعة
في أنواع الحدود الحمد لله القوي العظيم العزيز الحكيم شرع عقوبة المجرمين منعا للفساد ورحمة للعالمين وكفارة لجرائم الطاغين المعتدين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل النبيين وقائد المصلحين، وأرحم الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعرفوا نعمته عليكم وحكمته فيما شرع لكم من هذا الدين القويم الكامل الجامع بين الرحمة والحكمة رحمة في إصلاح الخلق وحكمة في سلوك الطريق الموصل إلى هذا الهدف.
أيها الناس إن من طبيعة البشر أن يكون لهم أفكار متباينة ونزعات مختلفة فمنها نزعات إلى الحق والخير ومنها نزعات إلى الباطل والشر كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] ولما كانت النفوس الشريرة والنزعات الباطلة والأعمال السيئة في حاجة ملحة إلى ما يكبح جماحها ويخفف من حدتها فرض رب العالمين برحمته وحكمته حدودا وعقوبات متنوعة بحسب الجرائم لتردع المعتدي وتصلح الفاسد وتقيم الأعوج وتكفر عن المجرم جريمته فلا يجمع له بين عقوبتي الدنيا والآخرة.
ففرض عقوبة القاذف الذي يصف المحصنين الأعفاء بالزنا فإذا قال المرء لرجل عفيف أو امرأة عفيفة عن الزنا يا زاني أو يا زانية طولب بالبينة التي تثبت ذلك فإن أتى بها وإلا جلد ثمانين جلدة ولم تقبل له شهادة أبدا وكان من الفاسقين إلا أن يتوب وإنما أوجب الله جلده ثمانين حماية للأعراض ودفعا عن تهمة المقذوف قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الآيتين. وفرض الله عقوبة الزاني إذا لم يكن محصنا بأن يجلد مائة جلدة أمام الناس وينفى عن البلد مدة سنة كاملة، أما إذا كان الزاني محصنا وهو الذي قد تزوج وجامع زوجته فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين. وإنما أوجب الله رجمه بالحجارة دون أن يقتل بالسيف لأن اللذة المحرمة شملت جميع بدنه فكان من الأنسب أن يرجم
стр. 586
بالحجارة لينال العقاب جميع بدنه قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وقال النبي ﷺ «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» وأما الرجم فكان متلوا في كتاب الله قرأه الصحابة ﵃ ولكن الله نسخ لفظه وبقي حكمه إلى يوم القيامة كما خطب بذلك عمر ﵁ في يوم الجمعة فقال إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده.
أيها المسلمون وإنما كانت عقوبة الزنا على هذا الوجه لأنه فاحشة مفسد للأخلاق والسلوك ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢] وإنه مفسد للمجتمع بضياع الأنساب واتباع الشهوات كالبهائم.
وأما اللواط وهو جماع الذكر بالذكر فهو الفاحشة العظمى والجريمة النكراء هدم للأخلاق ومحق للرجولة وقتل للمعنوية وجلب للدمار وسبب للخزي والعار، الفاعل ظلم نفسه حيث جرها إلى هذه الجريمة والمفعول به أهان نفسه حيث رضي أن يكون مع الرجال بمنزلة النسوان لا تزول ظلمة الذل والهوان من وجهه حتى يموت ولذلك كانت عقوبة اللواط القتل بكل حال سواء كان من محصن أم غير محصن يقتل الفاعل والمفعول به إذا كان راضيا وكان كل منهما بالغا غير مختل العقل لقول النبي ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» واتفق الصحابة على قتله قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لم يختلف أصحاب رسول الله ﷺ في قتله سواء كان فاعلا أم مفعولا به ولكن اختلفوا كيف يقتل فقال بعضهم يرجم بالحجارة وقال بعضهم يلقى من أعلى شاهق في البلد وقال بعضهم يحرق بالنار.
وفرض الله عقوبة السارق رجلا كان أو امرأة بقطع يده اليمنى من مفصل الكف قال تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقال النبي ﷺ «تقطع اليد يعني يد السارق في ربع دينار فصاعدا» وإنما فرض الله عقوبة السارق بقطع يده حفظا للأموال ومنعا للفوضى والعدوان في المجتمع.
стр. 587
وفرض عقوبة المحاربين لله ورسوله وهم قطاع الطرق الذين يعرضون للناس بالقوة فيأخذون أموالهم أو يجمعون بين أخذ المال وقتل النفس فقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] فإذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا بدون صلب وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم من مفصل الكف وأرجلهم اليسرى من مفصل العقب وإذا لم يأخذوا المال ولم يقتلوا بل أخافوا الناس فقط أبعدوا عن البلاد حتى ينكف شرهم فإن لم ينكف بذلك حبسوا. وإنما استحق قطاع الطريق هذه العقوبة لعظم جريمتهم وعدوانهم وإخلالهم بالأمن.
وأما شرب الخمر فجلد فيه النبي ﷺ الشارب نحو أربعين وجلد فيه أبو بكر أربعين وجلد فيه عمر أربعين في أول خلافته ثم لما عثا الناس في الخمر وفسقوا رفع الجلد فيها إلى ثمانين حين استشار الصحابة فقال عبد الرحمن أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر ﵁.
أيها المسلمون هذه هي الحدود والعقوبات جعلها الله مناسبة لجرائمها شرعها الله رحمة بالحق وصونا لدمائهم وأعراضهم وأموالهم وصلاحا لمجتمعهم وأمر بإقامتها فور ثبوتها فلا يجوز تأخير إقامة الحد بعد ثبوته إلا لعذر شرعي مثل المرض الذي يرجى زواله أو المرأة الحامل حتى تضع ويأمن حملها. وقد كان أعداء الإسلام والملحدون من المنتسبين إليه يعيبون الإسلام بهذه الحدود ويقولون إن هذا وحشية ولكنهم هم المعيبون الجاهليون وهم الوحشيون الأحمقون يضعون الرحمة في غير أهلها ويدافعون عن المجرم ليتمادى في جرمه فيكون المجتمع كالوحوش يعدو بعضهم على بعض وينتهك بعضه حرمة بعض بلا حدود ولا رادع وفي الواقع أكبر شاهد لذلك فالبلاد التي لا تقام فيها الحدود تنتشر فيها الفوضى ويسودها الخوف والذعر.
وإنا لنرجو للأمة الإسلامية أن يوفقها الله رجالا مخلصين لا تأخذهم في الله لومة لائم لا يراعون الأمم الكافرة ولا يخافون عيبها ولا إرجافها ولا يغترون بمدنيتها الزائفة الباطلة ولا يراعون شريفا لشرفه ولا قريبا لقربه يقيمون حدود الله ويغارون لحرماته حتى يستتب الأمن وتحصل البركات إنه جواد كريم.
стр. 588
[الخطبة الخامسة في التحذير من الخمر]
الخطبة الخامسة
في التحذير من الخمر الحمد لله الذي أباح لنا جميع الطيبات وحرم علينا الخبائث والمضرات أباح لنا الطيبات تفضلا منه وولاية وحرم علينا الخبائث والمضرات عناية منه ووقاية وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتمتعوا بما أحل لكم من الطيبات واشكروه عليها بالقيام بطاعته فإن الشكر سبب للمزيد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢] واجتنبوا ما حرم عليكم من المطاعم والمشارب لعلكم تفلحون فإن الله لم يحرمها عليكم إلا لضررها ولو كانت خيرا ما حرمها عليكم فإن الله ذو الفضل العظيم. فلم يحرم عليكم إلا ما فيه ضرر في دينكم أو دنياكم أو فيهما جميعا قال الله تعالى في وصف نبيكم ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
أيها المسلمون، أيها المؤمنون بمحمد ﷺ إن من الخبائث التي حرم الله عليكم على لسان نبيكم ﷺ بالوحي الذي أوحي إليه ذلكم الشراب الخبيث (الخمر) وهو كل شيء مسكر من مطعوم أو مشروب قال النبي ﷺ : «كل مسكر خمر» وقال عمر بن الخطاب ﵁ على منبر رسول الله ﷺ الخمر ما خامر العقل (متفق عليهما) ومعنى خامر العقل غطاه بالسكر والذهول فالخمر ليس من نوع معين مخصوص بل هو كل ما أسكر وغطى العقل واختل به التمييز سكرا وتلذذا.
أيها المسلمون إن الخمر حرام بكتاب الله تعالى حرام بسنة رسول الله ﷺ حرام بإجماع المسلمين إجماعا قطعيا معلوما بالضرورة من دين الإسلام لا خلاف فيه ولا نزاع ولا إشكال ولا لبس قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]
стр. 589
وقال النبي ﷺ «كل خمر (وفي رواية كل مسكر) حرام» (رواه مسلم) . وأجمع علماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وقديم الزمان وحديثه على أن الخمر حرام إجماعا قطعيا لا ريب فيه فمن قال إنها حلال فهو كافر يستتاب فإن تاب وأقر بتحريمها ترك وإلا قتل كافرا مرتدا لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وإنما يرمس بثيابه في حفرة بعيدة لئلا يتأذى المسلمون برائحته وأقاربه بمشاهدته ولا يرث أقاربه من ماله وإنما يصرف ماله في مصالح المسلمين ولا يدعى له بالرحمة ولا النجاة من النار لأنه كافر مخلد في نار جهنم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا - خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٦] أيها المسلمون إن من اعتقد أن الخمر حلال فهو مضاد لله مكذب لرسوله خارج عن إجماع المسلمين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] أما من شرب الخمر وهو يؤمن ويعتقد بأنها حرام ولكن سولت له نفسه بها فشربها فهو عاص لله فاسق عن طاعته مستحق للعقوبة عقوبته في الدنيا أن يجلد بما يراه ولاة الأمور رادعا له ولغيره بشرط أن لا ينقص عما جاء عن السلف الصالح. كان شارب الخمر في عهد النبي ﷺ يضرب نحو أربعين ولم يسنه بقدر معين بل كان الناس يقومون إليه فيضربونه بالأيدي والجريد والأردية والنعال فلما عثا الناس فيها وفسقوا جمع عمر الصحابة ﵃ فاستشارهم في عقوبة تكون أردع للناس الفاسقين بشربها فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁ أخف الحدود ثمانين فجعله عمر ثمانين، فإذا تكرر من الشارب الشرب وهو يعاقب ولا يرتدع، فقال ابن حزم: يقتل في الرابعة وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يقتل في الرابعة عند الحاجة إليه إذا لم ينته الناس بدون القتل وهذا عين الفقه؛ لأن الصائل على الأموال إذا لم يندفع إلا بالقتل قتل، فما بالكم بالصائل على أخلاق المجتمع وصلاحه وفلاحه؛ لأن ضرر الخمر لا يقتصر على صاحبه بل يتعداه إلى نسله ومجتمعه.
هذه عقوبة شارب الخمر في الدنيا أما عقوبته في الآخرة فقال أنس بن مالك ﵁: «لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه
стр. 590
وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له» (قال في الترغيب رواته ثقات) ، وقال ﷺ : «من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة» (رواه مسلم) ، وقال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر» (رواه أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم) ، وقال ﷺ : «مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن» (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح قاله في الترغيب) .
فاتقوا الله أيها المسلمون، واجتنبوا الخمر لعلكم تفلحون، فلقد وصفت الخمر بأقبح الصفات في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، وصفها الله بأنها رجس من عمل الشيطان وقرنها بالميسر والأزلام وعبادة الأوثان ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] وقال النبي ﷺ : «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر» (رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد) وصدق رسول الله ﷺ فإن الخمر مفتاح كل شر وجماع الإثم كله. إن شاربها يفقد عقله ويلتحق بالمجانين، إنه ربما يقتل نفسه وهو لا يشعر وربما يزني وهو لا يشعر وربما يعتدي على غيره وهو لا يشعر. روى البيهقي بإسناد صحيح «عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: (اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث) » ، كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس فأحبته امرأة غوية، فأرسلت إليه جارتها أن تدعوه لشهادة فجاء البيت ودخل معها فكانت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى وصل إلى امرأة وضيئة (أي حسناء جميلة) ، جالسة عندها غلام وإناء خمر فقالت له إنها ما دعته لشهادة وإنما دعته ليقع عليها أو يقتل الغلام أو يشرب الخمر، فلما رأى أنه لا بد من أحد هذه الأمور تهاون بالخمر فشربه فسكر ثم زنى بالمرأة وقتل الغلام، قال أمير المؤمنين عثمان: فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه. ومصداق ما قاله أمير المؤمنين ﵁ قول النبي ﷺ : «لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» (متفق عليه) ، (وللنسائي) : فإذا فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه فإن تاب تاب الله عليه، (وللحاكم) من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه.
أيها المسلمون إن الخمر نقص في الدين وضرر في العقل والنفس والمجتمع أما نقص الدين فقد بان لكم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وخلفائه الراشدين ما فيه كفاية
стр. 591
وأما ضررها في العقل فإنها تمحوه حين شربها إذا سكر وتضعف العقل بعد الصحو وربما أدى شربها إلى الجنون الدائم كما هو معلوم من أقوال أهل الطب.
وأما ضرر الخمر في النفس فإن شارب الخمر تجده دائما في ضيق وغم وقلق نفس كل كلمة تثيره وكل عمل يضجره لأن قلبه معلق بالخمر لا يسر إلا بتناولها ولا يفرح إلا بالاجتماع عليها فلا يتقن عملا ولا يثمر نتيجة.
وأما ضرر الخمر في المجتمع فهو إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس وقتل المعنويات العالية والأخلاق الفاضلة والإغراء بالزنا واللواط وكبائر الإثم والفواحش كما شهد بذلك الخبيرون بالجرائم وأسبابها.
فاتقوا الله عباد الله واسألوه العصمة من كبائر الإثم والفواحش والتوبة من جميع الإثم والمعاصي وتعاونوا على البر والتقوى ومنه الإثم والعدوان.
اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء ووفقنا للتوبة النصوح والإنابة إليك واغفر لنا ولجميع المسلمين إنك أنت الغفور الرحيم.
стр. 592
[الخطبة السادسة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
الخطبة السادسة
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله القوي العظيم الرقيب الشهيد يدبر خلقه كما يشاء بحكمته فهو الفعال لما يريد أحكم ما شرع وأتقن ما صنع فهو الولي الحميد حد لعباده حدودا ونظم لهم تنظيما وقال لهم ﴿هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فصار الناس على أقسام فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله وإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك القهار فلا ضد له ولا نديد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائم بأمر الله الناصح لعباد الله على الرشد والتسديد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]
عباد الله لا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور لا تغرنكم الأموال وكثرتها لا يغرنكم رغد العيش ونضارة الدنيا وزهرتها لا يغرنكم ما أنعم الله به عليكم من العافية والأمان ولا يغرنكم إمهاله لكم مع تقصيركم في الواجب والعصيان. إن اغتراركم بهذا من الأماني الباطلة والآمال الكاذبة: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]
عباد الله لقد انتشرت المعاصي في مجتمع الأمة الإسلامية وأصبح ما كان منكرا بالأمس معروفا اليوم، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات تعاملوا بالربا ومنعوا الزكاة ابتعدوا عن الحياء
стр. 593
وانتهكوا الحرمات صاروا كالبهائم يطلبون متع الدنيا وإن أضاعوا الدين صدوا عن سبيل الله واتبعوا سبل الكافرين زين لهم سوء أعمالهم فظنوا ذلك تحررا وتقدما وتطورا وما علموا أن ذلك هو الرق تحت قيود الهوى والتأخر عن الفضائل إلى الورى والتدهور إلى الهاوية والردى.
أيها المسلمون المؤمنون بمحمد ﷺ إن أسباب هذا التدهور ترجع إلى أمرين: أحدهما ضعف الدين في النفوس وقوة الداعي إلى الباطل والثانية ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمداهنة في دين الله وأن حماية الدين لا تكون إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر بما أمر الله به رسوله والنهي عما نهى الله عنه ورسوله بقصد النصيحة لله ولعباد الله.
أيها المسلمون إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على هذه الأمة التي هي أفضل الأمم وأكرمها على الله إن استقامت على دينه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤ - ١٠٥]
أيها المسلمون إنكم إن قمتم بهذا الذي أمركم الله به كنتم خير أمة أخرجت للناس وإن تركتم ذلك كنتم من شرار الأمم إنه لا نسب بين الله وبين عباده ولكن من اتقاه فهو الكريم عنده وأكرم الناس عند الله اتقاهم له. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر على فئة معينة من الناس إنه واجب على الناس جميعا قال النبي ﷺ «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» .
أيها المسلمون إن، منا من يظن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص بفئة معينة وهذا ظن فاسد فالنبي ﷺ قال «من رأى منكم منكرا» وهذا عام لكل من رأى المنكر يجب أن يغيره بيده بالضرب أو غيره فإن لم يستطع فبلسانه بالكلام والنصح والإرشاد أو الكلام مع ولاة الأمور إن لم ينفع الكلام معه وكل واحد منا يستطيع أن يتكلم مع المسئولين في منع المنكر، ويجب على المسئولين إذ بلغهم أن يقوموا بما أوجب الله عليهم من الإصلاح، ولأن يجتمعوا على ذلك لينالوا الفوز والفلاح إن عليهم أن يتركوا الدعة والسكون وأن يقوموا
стр. 594
لله مخلصين له الدين وسوف تكون العاقبة لهم إن العاقبة للمتقين.
أيها المسلمون، إن الأمة لا يمكن أن تكون أمة قوية مرموقة حتى تتحد في أهدافها وأعمالها ولن يمكنها ذلك حتى تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتكون على دين واحد في العقيدة والقول والعمل صراطا مستقيما صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض. أما إذا لم تقم بذلك فإنها تتفكك وتنفصم عراها يكون لكل واحد هدف ولكل واحد طريق وعمل يتفرقون أحزابا كل حزب بما لديهم فرحون ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]
أيها المسلمون، إذا لم نقم بأمر الله ونسعى في إصلاح مجتمعنا بالالتزام بدين الله فمن الذي يقوم ويسعى بذلك وإذا لم نتكاتف على منع الشر والفساد فكلنا هالك. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «قال رسول الله ﷺ إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرا فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون جليسه أو يأكل معه فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوبهم بعضهم على بعض ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكان يعتدون» ، ثم قال رسول الله ﷺ «والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم» ولما فتح المسلمون جزيرة قبرص فرق أهلها فبكى بعضهم إلى بعض فرئى أبو الدرداء ﵁ يبكي فقيل له ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، فقال ويحك ما أهون الخلق على الله إذا هم أضاعوا أمره بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى.
أيها المسلمون، إن من المؤسف المروع أن نرى مجتمعنا الإسلامي أمة محمد هكذا شعبا متفككا، لا يغارون لدين ولا يخافون من وبال، لا يتفقد الرجل أهله وولده ولا ينظر في جيرانه، بل تراه يرى المعاصي فيهم لا ينهاهم عنها ويرى التقصير في الواجب فلا يتداركه وهذا أيها المسلمون ينذر بالحظر لا سيما مع كثرة النعم والانغماس في الترف يقول الله : ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]
стр. 595
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]
اللهم ألهمنا رشدنا وهيئ لنا الخير واجمع كلمتنا على الحق وأبرم لأمتنا أمرا يؤمر فيه بالمعروف وينهى عن المنكر، يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . إلخ.
стр. 596
[الخطبة السابعة في الصبر على الأذى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
الخطبة السابعة
في الصبر على الأذى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر واصبروا على ما أصابكم إن ذلك من عزم الأمور، إن المعروف إذا لم يؤمر به ولم يحي بالعمل به والتواصي فيه ضاع واضمحل، فانهدم بذلك جانب من دينكم وصار العمل به بعد ذلك منكرا مستغربا بين الناس وإن المنكر إذا لم ينه عنه ويحذر الناس بعضهم بعضا منه شاع وانتشر بين الناس وأصبح معروفا لا ينكر ولا يستغرب وقيسوا ذلك بما انتشر بينكم من منكرات كنتم تنكرونها من قبل وتستغربون وجودها بينكم.
إن كثيرا من الناس لا يشكون في فرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يمترون في فائدته للأمة ولدينها في الحاضر والمستقبل ولكنهم يتقاعسون عن ذلك، إما تهاونا وتفريطا، وإما اعتمادا على غيرهم وتسويفا، وإما جبنا يلقيه الشيطان في قلوبهم وتخويفا والله يقول: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] وإما يأسا من الإصلاح وقنوطا.
أيها المسلمون ويا أيها المؤمنون إن تخويف الشيطان إياكم أولياءه أو تسليطهم عليكم لا ينبغي أن يمنعكم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ذلك أمر لا بد منه إلا أن يشاء الله امتحانا من الله وابتلاء إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر قائم مقام الرسل كما قال الله تعالى في وصف خاتمهم وسيدهم محمدا ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فإذا كان قائما مقام الرسل فلا بد أن يناله من الأذى ما يناله كما قد لاقى الرسل.
ولقد لاقى الأنبياء والرسل من أقوالهم أشد الأذى وأعظمه حتى بلغ ذلك إلى حد القتل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فهذا أول الرسل نوح عليه الصلاة
стр. 597
والسلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فكان ملؤهم وأشرافهم يسخرون منه ولكنه صامد في دعوته يقول: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ - فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٨ - ٣٩] حتى قالوا متحدين له ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] وقالوا مهددين له ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] أي من المقتولين رجما بالحجارة.
وهذا إبراهيم ﵊ خليل الرحمن وإمام الحنفاء لبث في قومه ما شاء الله، يدعوهم إلى الله تعالى، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤] فما ثنى ذلك عزمه ولا أوهنه عن دعوته، مضى في سبيل دعوته إلى ربه بعزم وثبات وأزال منكرهم بيده فغدا على أصنامهم فكسرها حتى جعلها جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون، فلما رجعوا إلى أصنامهم وعلموا أن الذي كسرها إبراهيم طلبوا أن يؤتى به ليوبخوه على أعين الناس فيشهد الناس ما يقول فهل جبن أن يقول قول الحق في هذا المقام العظيم كلا بل قال لهم موبخا: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ - أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧] فعزموا على تنفيذ ما هددوه به و ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨] فأضرموا نارا عظيمة وألقوا إبراهيم فيها وهي أشد ما تكون اتقادا ولكن رب العزة قال لها ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردا لا حر فيه وسلاما لا أذى فيه.
وهذا موسى ﷺ ماذا حصل له من فرعون المتكبر الجبار دعاه موسى إلى الله العلي الأعلى وقال ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] فقال فرعون ساخرا به ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] وقال لملئه ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] ثم توعد موسى قائلا ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] فهل خاف موسى من ذلك وهل وهنت عزيمته عن الدعوة إلى الله ، بل مضى في ذلك حتى بين لفرعون من آيات الله ما يهتدي به أولو الألباب ولكن فرعون استمر في غيه واستكباره وقال مهددا موسى بالقتل ومتحديا له أن يدعو ربه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]
стр. 598
وقال لوزيره هامان ساخرا بالله رب العالمين: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ - أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] ولكن موسى ﷺ صبر على كل ما لاقاه من فرعون وقومه حتى كانت العاقبة له وكانت نتيجة فرعون وقومه ما ذكر الله: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ - كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ - وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ - كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٤ - ٢٨]
وهذا عيسى ﵊ وأوذي من جانب اليهود فكذبوه ورموا أمه بالبغاء أي الزنا وعزموا على قتله واجتمعوا عليه فألقى الله شبهه على رجل فقتلوا ذلك الرجل وصلبوه وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧] قال الله تعالى مكذبا لما ادعوه من القتل والصلب: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]
وهذا خاتم الرسل وأفضلهم وسيدهم أعظم الخلق جاها عند الله هل سلم من الأذى في دعوته إلى الله وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر؟ لا بل ناله على ذلك من الأذى القولي والفعلي ما لا يصبر عليه إلا من كان مثله ولم ينته عن دعوته إلى الله ، دعاهم إلى عبادة إله واحد ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ - أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤ - ٥] وكانوا إذا رأوا النبي ﷺ اتخذوه هزوا وقالوا ساخرين به: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا - إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢] ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨] ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] فآذوا النبي ﷺ بكل ألقاب السوء والسخرية ولم يقتصروا على ذلك فحسب بل آذوه بالأذى الفعلي فكان أبو لهب وهو عمه وجاره يرمي بالقذر على باب النبي ﷺ فيخرج النبي ﷺ فيزيله ويقول «يا بني عبد مناف أي جوار هذا» . وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «بينما النبي ﷺ قائم يصلي عند الكعبة وأبو جهل وأصحاب له جلوس إذ قال قائل منهم أيكم يذهب إلى جزور آل فلان أي ناقتهم فيجيء بسلاها ودمها وفرثها فيضعه على ظهر محمد إذا سجد فذهب أشقى القوم فجاء به فلما
стр. 599
سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه قال ابن مسعود ﵁ وأنا أنظر لا أغني شيئا لو كانت لي منعة فجعل أبو جهل ومن معه يضحكون حتى يميل بعضهم إلى بعض من الضحك ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءت ابنته فاطمة تسعى وهي جويرية حتى ألقته عنه فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قال اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش ثم سمى فلانا وفلانا» . وفي صحيح البخاري أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: «بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر ﵁ فأخذ بمنكبي عدو الله ودفعه عن النبي ﷺ وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم، ولما اشتد به الأذى من قومه خرج إلى الطائف رجاء أن يؤوه ويمنعوه من قومه فلقي منهم أشد ما يلقى من أذى، وقالوا اخرج من بلادنا وأغروا به سفاءهم يقفون له في الطريق ويرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه قال النبي ﷺ فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب» .
أيها المسلمون: إن هذا الصبر العظيم على هذا الأذى الشديد الذي لقيه النبي ﷺ وإخوانه لأكبر عبرة يعتبرها المؤمنون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ليصبروا على ما أصابهم ويحتسبوا الأجر من الله ويعلموا أن للجنة ثمنا ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]
стр. 600
[الفرع العاشر في الأمانة]
[الخطبة الأولى في المحافظة على الأمانة]
الفرع العاشر
في الأمانة الخطبة الأولى
في المحافظة على الأمانة الحمد لله الذي جعل الأمانة في قلوب الرجال بعد أن أبى عن حملها السماوات والأرض والجبال، جعل الأمانة في قلوب بني آدم ذكورا وإناثا لأنه ركب فيهم عقولا بها يفقهون وبصائر بها يهتدون فتحملوا الأمانة مخاطرين ليعلوا بأدائها إلى درجة المؤمنين المتقين أو لينزلوا بإضاعتها إلى أسفل السافلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، خلق فأتقن وشرع فأحكم وهو أحكم الحاكمين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بلغ رسالة ربه وأدى أمانته على الوجه الأكمل وعبد ربه حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وأدوا ما حملتم من الأمانة فحملتموه لقد عرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا أدوا الأمانة بالقيام بما أوجب الله عليكم من عبادته وحقوق عباده ولا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون لا تخونوا في ذلك بإفراط أو تفريط بزيادة أو نقص فإن الخيانة نقص في الإيمان وسبب للخسران والحرمان. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «لا إيمان لمن لا أمانة له» . وقال «آية المنافق ثلاث» - أي علامته التي يتميز بها وخلقه الذي يتخلق به - «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم» . وقال «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان ابن فلان» يرفع له هذا اللواء فضيحة له بين الخلائق وخزيا وعارا.
أيها المسلمون: إن الأمانة في العبادة والمعاملة، فالأمانة في العبادة أن تقوم بطاعة الله تعالى مخلصا له متبعا لرسوله ﷺ تمتثل أوامره وتجتنب نواهيه تخشى الله في السر والعلانية تخشاه حيث يراك الناس وحيث لا يرونك لا تكن ممن يخشى الله في العلانية ويعصيه في السر فإن هذا هو الرياء ألم تعلم أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ألم تعلم أن الله أنكر على من هذه حاله بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]- ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]
следующие страницы →