← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30920

الضياء اللامع من الخطب الجوامع

ابن عثيمين

Полный текст (711 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

[الخطبة السابعة في الصبر على الأذى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] الخطبة السابعة في الصبر على الأذى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر واصبروا على ما أصابكم إن ذلك من عزم الأمور، إن المعروف إذا لم يؤمر به ولم يحي بالعمل به والتواصي فيه ضاع واضمحل، فانهدم بذلك جانب من دينكم وصار العمل به بعد ذلك منكرا مستغربا بين الناس وإن المنكر إذا لم ينه عنه ويحذر الناس بعضهم بعضا منه شاع وانتشر بين الناس وأصبح معروفا لا ينكر ولا يستغرب وقيسوا ذلك بما انتشر بينكم من منكرات كنتم تنكرونها من قبل وتستغربون وجودها بينكم. إن كثيرا من الناس لا يشكون في فرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يمترون في فائدته للأمة ولدينها في الحاضر والمستقبل ولكنهم يتقاعسون عن ذلك، إما تهاونا وتفريطا، وإما اعتمادا على غيرهم وتسويفا، وإما جبنا يلقيه الشيطان في قلوبهم وتخويفا والله يقول: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] وإما يأسا من الإصلاح وقنوطا. أيها المسلمون ويا أيها المؤمنون إن تخويف الشيطان إياكم أولياءه أو تسليطهم عليكم لا ينبغي أن يمنعكم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ذلك أمر لا بد منه إلا أن يشاء الله امتحانا من الله وابتلاء إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر قائم مقام الرسل كما قال الله تعالى في وصف خاتمهم وسيدهم محمدا ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فإذا كان قائما مقام الرسل فلا بد أن يناله من الأذى ما يناله كما قد لاقى الرسل. ولقد لاقى الأنبياء والرسل من أقوالهم أشد الأذى وأعظمه حتى بلغ ذلك إلى حد القتل قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فهذا أول الرسل نوح عليه الصلاة

стр. 597

والسلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فكان ملؤهم وأشرافهم يسخرون منه ولكنه صامد في دعوته يقول: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ - فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٨ - ٣٩] حتى قالوا متحدين له ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] وقالوا مهددين له ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء: ١١٦] أي من المقتولين رجما بالحجارة. وهذا إبراهيم ﵊ خليل الرحمن وإمام الحنفاء لبث في قومه ما شاء الله، يدعوهم إلى الله تعالى، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤] فما ثنى ذلك عزمه ولا أوهنه عن دعوته، مضى في سبيل دعوته إلى ربه بعزم وثبات وأزال منكرهم بيده فغدا على أصنامهم فكسرها حتى جعلها جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون، فلما رجعوا إلى أصنامهم وعلموا أن الذي كسرها إبراهيم طلبوا أن يؤتى به ليوبخوه على أعين الناس فيشهد الناس ما يقول فهل جبن أن يقول قول الحق في هذا المقام العظيم كلا بل قال لهم موبخا: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ - أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧] فعزموا على تنفيذ ما هددوه به و ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨] فأضرموا نارا عظيمة وألقوا إبراهيم فيها وهي أشد ما تكون اتقادا ولكن رب العزة قال لها ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردا لا حر فيه وسلاما لا أذى فيه. وهذا موسى ﷺ ماذا حصل له من فرعون المتكبر الجبار دعاه موسى إلى الله العلي الأعلى وقال ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] فقال فرعون ساخرا به ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] وقال لملئه ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] ثم توعد موسى قائلا ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] فهل خاف موسى من ذلك وهل وهنت عزيمته عن الدعوة إلى الله ، بل مضى في ذلك حتى بين لفرعون من آيات الله ما يهتدي به أولو الألباب ولكن فرعون استمر في غيه واستكباره وقال مهددا موسى بالقتل ومتحديا له أن يدعو ربه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]

стр. 598

وقال لوزيره هامان ساخرا بالله رب العالمين: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ - أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] ولكن موسى ﷺ صبر على كل ما لاقاه من فرعون وقومه حتى كانت العاقبة له وكانت نتيجة فرعون وقومه ما ذكر الله: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ - كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ - وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ - كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٤ - ٢٨] وهذا عيسى ﵊ وأوذي من جانب اليهود فكذبوه ورموا أمه بالبغاء أي الزنا وعزموا على قتله واجتمعوا عليه فألقى الله شبهه على رجل فقتلوا ذلك الرجل وصلبوه وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧] قال الله تعالى مكذبا لما ادعوه من القتل والصلب: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨] وهذا خاتم الرسل وأفضلهم وسيدهم أعظم الخلق جاها عند الله هل سلم من الأذى في دعوته إلى الله وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر؟ لا بل ناله على ذلك من الأذى القولي والفعلي ما لا يصبر عليه إلا من كان مثله ولم ينته عن دعوته إلى الله ، دعاهم إلى عبادة إله واحد ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ - أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤ - ٥] وكانوا إذا رأوا النبي ﷺ اتخذوه هزوا وقالوا ساخرين به: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا - إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢] ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨] ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] فآذوا النبي ﷺ بكل ألقاب السوء والسخرية ولم يقتصروا على ذلك فحسب بل آذوه بالأذى الفعلي فكان أبو لهب وهو عمه وجاره يرمي بالقذر على باب النبي ﷺ فيخرج النبي ﷺ فيزيله ويقول «يا بني عبد مناف أي جوار هذا» . وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال «بينما النبي ﷺ قائم يصلي عند الكعبة وأبو جهل وأصحاب له جلوس إذ قال قائل منهم أيكم يذهب إلى جزور آل فلان أي ناقتهم فيجيء بسلاها ودمها وفرثها فيضعه على ظهر محمد إذا سجد فذهب أشقى القوم فجاء به فلما

стр. 599

سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه قال ابن مسعود ﵁ وأنا أنظر لا أغني شيئا لو كانت لي منعة فجعل أبو جهل ومن معه يضحكون حتى يميل بعضهم إلى بعض من الضحك ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءت ابنته فاطمة تسعى وهي جويرية حتى ألقته عنه فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قال اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش ثم سمى فلانا وفلانا» . وفي صحيح البخاري أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: «بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر ﵁ فأخذ بمنكبي عدو الله ودفعه عن النبي ﷺ وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم، ولما اشتد به الأذى من قومه خرج إلى الطائف رجاء أن يؤوه ويمنعوه من قومه فلقي منهم أشد ما يلقى من أذى، وقالوا اخرج من بلادنا وأغروا به سفاءهم يقفون له في الطريق ويرمونه بالحجارة حتى أدموا عقبيه قال النبي ﷺ فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب» . أيها المسلمون: إن هذا الصبر العظيم على هذا الأذى الشديد الذي لقيه النبي ﷺ وإخوانه لأكبر عبرة يعتبرها المؤمنون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ليصبروا على ما أصابهم ويحتسبوا الأجر من الله ويعلموا أن للجنة ثمنا ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]

стр. 600

[الفرع العاشر في الأمانة] [الخطبة الأولى في المحافظة على الأمانة] الفرع العاشر في الأمانة الخطبة الأولى في المحافظة على الأمانة الحمد لله الذي جعل الأمانة في قلوب الرجال بعد أن أبى عن حملها السماوات والأرض والجبال، جعل الأمانة في قلوب بني آدم ذكورا وإناثا لأنه ركب فيهم عقولا بها يفقهون وبصائر بها يهتدون فتحملوا الأمانة مخاطرين ليعلوا بأدائها إلى درجة المؤمنين المتقين أو لينزلوا بإضاعتها إلى أسفل السافلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، خلق فأتقن وشرع فأحكم وهو أحكم الحاكمين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بلغ رسالة ربه وأدى أمانته على الوجه الأكمل وعبد ربه حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وأدوا ما حملتم من الأمانة فحملتموه لقد عرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا أدوا الأمانة بالقيام بما أوجب الله عليكم من عبادته وحقوق عباده ولا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون لا تخونوا في ذلك بإفراط أو تفريط بزيادة أو نقص فإن الخيانة نقص في الإيمان وسبب للخسران والحرمان. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «لا إيمان لمن لا أمانة له» . وقال «آية المنافق ثلاث» - أي علامته التي يتميز بها وخلقه الذي يتخلق به - «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم» . وقال «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان ابن فلان» يرفع له هذا اللواء فضيحة له بين الخلائق وخزيا وعارا. أيها المسلمون: إن الأمانة في العبادة والمعاملة، فالأمانة في العبادة أن تقوم بطاعة الله تعالى مخلصا له متبعا لرسوله ﷺ تمتثل أوامره وتجتنب نواهيه تخشى الله في السر والعلانية تخشاه حيث يراك الناس وحيث لا يرونك لا تكن ممن يخشى الله في العلانية ويعصيه في السر فإن هذا هو الرياء ألم تعلم أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ألم تعلم أن الله أنكر على من هذه حاله بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧]- ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]

стр. 601

وأما الأمانة في المعاملة فأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به في النصح والبيان، وأن تكون حافظا لحقوقهم المالية وغير المالية من كل ما استؤمنت عليه لفظا أو عرفا. فتكون الأمانة بين الرجل وزوجته، يجب على كل منهما أن يحفظ الآخر في ماله وسره، فلا يحدث أحدا بذلك. فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه» . وتكون الأمانة بين الرجل وصاحبه، يحدثه بحديث سر يعلم أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد ثم يفشي سره ويحدث به الناس. وفي الحديث «إذا حدث الرجل رجلا بحديث ثم التفت فهو أمانة» لأن التفاته دليل على أنه لا يحب أن يسمعه أحد. وتكون الأمانة في البيع والشراء والإجارة والاستئجار، فلا يجوز للبائع أن يخون المشتري بنقص في الكيل أو الوزن أو زيادة الثمن أو كتمان العيب أو تدليس في الصفة، ولا يجوز للمشتري أن يخون البائع بنقص في الثمن أو إنكار أو مماطلة مع القدرة على الوفاء. ولا يجوز للمؤجر أن يخون المستأجر بنقص شيء من مواصفات الأجرة أو غير ذلك. ولا يجوز للمستأجر أن يخون المؤجر بنقص الأجرة أو إنكارها أو تصرف يضر المستأجر من دار أو دكان أو آلة أو مركوب. وتكون الأمانة في الوكالات والولايات، فيجب على الوكيل أن يتصرف بما هو أحسن ولا يجوز أن يخون موكله فيبيع السلعة الموكل في بيعها بأقل من قيمتها محاباة للمشتري، أو يشتري السلعة الموكل في شرائها بأكثر من قيمتها محاباة للبائع. وفي الولايات كل من كان واليا على شيء خاص أو عام فهو أمين عليه، يجب أن يؤدي الأمانة فيه، فالقاضي أمين والأمير أمين ورؤساء الدوائر ومديروها أمناء، يجب عليهم أن يتصرفوا فيما يتعلق بولايتهم بالتي هي أحسن في ولايتهم، وفيما ولوا عليه حسبما يستطيعون، وأولياء اليتامى وناظرو الأوقاف وأوصياء الوصايا كل هؤلاء أمناء يجب عليهم أن يقوموا بالأمانة بالتي هي أحسن. ألا وإن من الأمانة ما يتصل بالثقافة والإرشاد والتعليم فعلى القائمين على ذلك من

стр. 602

مخططي المناهج ومديري الأقسام والمشرفين عليها أن يراعوا الأمانة في ذلك باختيار المناهج الصالحة، والمدرسين الصالحين المصلحين، وتثقيف الطلبة علميا وعمليا دينا ودنيا عبادة وخلقا. وإن من الأمانة في ذلك حفظ الاختبار من التلاعب والتهاون حفظه في وضع الأسئلة، بحيث تكون في مستوى الطلبة عقليا وفكريا وعلميا؛ لأنها إن كانت فوق مستواهم أضرت بهم وحطمتهم وأضاعت كل عامهم الدراسي، وإن كانت الأسئلة دون مستواهم أضرت بمستوى الثقافة العامة في البلاد. وحفظ الاختبار وقت الإجابة على الأسئلة بحيث يكون المراقب فطنا حازما لا يدع فرصة للتلاعب ولا يحابي ابنا لقريب ولا لصديق لأنهم هنا على درجة واحدة، كلهم في ذمة المراقب وعهدته سواء. وحفظ الاختبار وقت تصحيح الأجوبة بحيث يكون التصحيح دقيقا لا يتجاوز فيه ما يسمح به النظام، حتى لا يظلم أحد على حساب الآخر ولا ينزل طالب إلا في المنزلة التي يستحقها. إننا إذا حافظنا على هذه الأمانة في الاختبار في مواضعه الثلاثة فهو من مصلحة الأمة كلها ومن مصلحة العلم فهو من مصلحة القائمين على الاختبارات بأداء الواجب عليهم وإبراء ذممهم، ومن مصلحة الطلبة حيث يحصلون على مستوى علمي رفيع ولا يكون حظهم من العلم بطاقة يحملونها أو لقبا لا يستحقون معناه، وهو من مصلحة العلم حيث يقوى ويزداد حقيقة، ولا يهمنا عند ضبط الاختبار أن يكون الناجحون قليلا؛ لأن العبرة بالكيفية لا بالكمية، وإذا كانوا قليلا في عام كانوا كثيرا في العام الذي يليه حيث يعتادون على الجد ويستعدون له. وفقني الله وإياكم لأداء الأمانة وإبراء الذمة وحفظنا من إضاعتها والتساهل فيها إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . إلخ.

стр. 603

[الخطبة الثانية فيما تكون فيه الأمانة] الخطبة الثانية فيما تكون فيه الأمانة الحمد لله الذي فرض على العباد أداء الأمانة، وحرم عليكم المكر والخيانة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من يرجو بها النجاة يوم القيامة وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي ختم به الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الموصوفين بالعدالة وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وأدوا الأمانة التي حملتموها وتحملتم مسئوليتها حملتموها بما وهبكم الله من العقل وأرسل إليكم من الرسل. أدوا الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا. أدوا الأمانة فإنكم عنها مسئولون وعلى حسب القيام بها. أو التفريط فيها مجزيون، فإما مغتبطون بها مسرورون، وإما نادمون في إضاعتها حزنون، أدوا الأمانة فيما بينكم وبين الله وأدوها فيما بينكم وبين عباد الله. أما أداؤها فيما بينكم وبين ربكم فأن تقوموا بطاعته مخلصين له الدين وتتعبدوا بما شرعه متبعين لرسوله غير زائدين عليه ولا ناقصين فلن يقبل الله عملا حتى يكون خالصا لوجهه موافقا لشرعه. وأما أداء الأمانة فيما بينكم وبين العباد فأن تقوموا بما أوجب الله عليكم من حقوقهم بحسب ما يقتضيه العمل الذي التزم به الإنسان نحو غيره من الناس. فولاة الأمور صغارا كانوا أو كبارا رؤساء أو مديرين أمانتهم أن يقوموا بالعدل فيما ولوا عليه، وأن يسيروا في ولايتهم حسبما تقتضيه المصلحة في الدين والدنيا وأن لا يحابوا في ذلك قريبا ولا صديقا ولا قويا ولا غنيا ولا شريفا، فلقد أقسم رسول الله ﷺ وهو الصادق بدون قسم لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع يدها. أقسم على ذلك علنا وهو يخطب الناس، حينما شفع إليه في رفع الحد عن المرأة التي من بني مخزوم، أقسم على ذلك تشريعا للأمة وتبيانا للمنهج السليم الذي يجب أن يسير عليه ولاة الأمور. وعلى ولاة الأمور أن يولوا الأعمال من هو أحق بها وأجدر وأقوم وأنفع. إن من خيانة الأمة وخيانة العمل أن يولى على المسلمين أحد وفيهم من هو خير منه في ذلك العمل.

стр. 604

والموظفون أمانتهم في وظائفهم أن يقوموا بها على الوجه المطلوب، وأن لا يتأخروا في أعمالهم أو يتشاغلوا بغيرها إذا حضروا مكان العمل وأن لا يتعدوا في أمر لا يعنيهم فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. إن بعض الموظفين يخدعون أنفسهم حينما يحدثونها إذا تأخروا عن واجبهم بأن هذه الأنظمة ليست أمورا دينية أو أن الأجرة أو الراتب الذي يأخذه من بيت المال ونحو ذلك، وهذه خدعة يغترون بها. أما النظام فما دام ولاة الأمور قد نظموه وهو لا يخالف الشريعة فإن الواجب طاعتهم فيه، وطاعتهم فيه من طاعة الله قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وأما الراتب الذي تأخذه من بيت المال فإنما تستحقه في مقابلة عمل، فإن قمت بالعمل كان الراتب حلالا لك وإلا فما الذي يحلله لك ويحرمه على الآخرين الذين ليسوا في وظيفة عن من لا يقوم بواجب وظيفته هو في استحقاق ما يستحقه من بيت المال ومن ليس بموظف على حد سواء. فاتق الله أيها المسلم، وقم بما يلزمك نحو وظيفتك طاعة لله واتقانا للعمل، وإبراء للذمة وتحليلا لراتب وظيفتك. وإن من واجب الأمانة في الوظيفة أن لا تقدم معاملة أحد على أحد أولى منه، لأنه قريبك أو صديقك أو أهدى إليك هدية أو دفع إليك رشوة، أو ترجو منه أن يسهل لك مهمة أخرى من قبله أو لغير ذلك من الاعتبارات غير الشرعية، فإن بعض الناس يتهاون بذلك وهو من خيانة الوظيفة ومن ظلم الخلق تجد شخصين يقدمان كل منهما معاملة فتنتهي معاملة أحدهما في أيام ولا تنتهي معاملة الثاني إلا في شهور من غير اعتبار شرعي يخول ذلك التقديم، ربما يتعلل بأن هذا شرس يجب أن يفتك منه أو نحو ذلك، وهذا غير مبرر للتقديم ولولا واجب العدالة لقلت إن الشرس ينبغي أن يؤخر عقوبة له على شراسته. ورعاة الأمور الذين شرفهم الله برعاية مصالح البلد ورزقهم من الوجاهة والحسب ما استحقوا به أن يكون رعاة لمصالح بلدهم أمانتهم، أن يقوموا بهذه الرعاية حق رعايتها، مشيرين فيما لا يستطيعون الإلزام به، وملزمين فيما لهم حق الإلزام به وأن يراعوا المصالح الدينية والدنيوية فيما رفع إليهم وما لم يرفع لأنهم، رعاة مصلحة البلد ومتى بذلوا الجهد مخلصين لله تعالى مبتغين مصلحة بلدهم سالكين سبيل الحكمة والعزم فسيوفقهم الله تعالى

стр. 605

ويهيئ لهم من المسئولين آذانا صاغية وأعمالا جادة فإن الله لا يضيع أجر المصلحين. وولاة الأمور الخاصة كالرجل في أهله وولده، أمانتهم أن يقوموا بتربية أولادهم وتوجيههم وإرشادهم ومراقبتهم مراقبة تامة، لا سيما في الوقت الذي تكثر فيه الفتن وتشتد فيه المنكرات، فإن الأمانة تحتم عليهم الرقابة أكثر مما إذا خفت الفتن وقلت المنكرات، ألسنا في أموالنا إذا كثرت السرقة وكثرت الخيانة نتحفظ فيها أكثر ونطلب لها المكان الأحرز فكذلك يجب علينا في أولادنا، بل ملاحظة أولادنا أوجب علينا من ملاحظة المال، لما في إهمالهم من الخطر علينا وعلى أنفسهم وعلى الأجيال المقبلة كلها، إن أولادنا وليس أموالنا هم الذين يصحبوننا في الجنة إذا تبعونا في الإيمان: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] إن كل واحد من الناس لا يرضى أن يكون منعما في الجنة وأولاده معذبين في النار. إننا نجزم أن الشخص لو رأى النار في الدنيا تأكل ولده أو قريبه لسعى بكل جهده في دفعها عنه، أفلا يعقل ويقيس كيف يرى ولده يسعى في المعاصي التي هي أسباب دخول النار ثم لا يبالي بذلك مع أن إهماله يوجب أن يعذب عليه لأنه عاص لله حيث قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] فاتقوا الله أيها المسلمون وأدوا أمانة الله التي حملتموها فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨] وفقني الله وإياكم لأداء الأمانة وحمانا جميعا من الإضاعة والخيانة وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 606

[الخطبة الثالثة في أمانة اختبار الطلاب] الخطبة الثالثة في أمانة اختبار الطلاب الحمد لله أحمده وأشكره وأتوب إليه سبحانه وأستغفره قضى بالحق وأمر بالعدل وهو السميع البصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قام بعبادة ربه ونصح أمته وبلغ البلاغ المبين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] وقال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] سبحان الله، ما أظلم الإنسان وما أجهله، تعرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فيمتنعن عن حملها ثم يأتي الإنسان فيتحملها نعم إن الإنسان هو الذي تحملها بما وهبه الله من عقل وما أعطاه من إرادة وتصرف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] إن الأمانة مسئولية عظيمة وعبء ثقيل على غير من خففه الله عليه، إنها التزام الإنسان بالقيام بحق الله وعبادته على الوجه الذي شرعه مخلصا له الدين وهي كذلك التزام بالقيام بحقوق الناس من غير تقصير، كما تحب أن يقوموا بحقوقك من غير تقصير، ونحن بني الإنسان قد تحملنا الأمانة وحملناها على عواتقنا والتزمنا بمسئوليتها وسنسأل عنها يوم القيامة، فيا ليت شعري ما هو الجواب إذ سئلنا في ذلك اليوم العظيم اللهم تثبيتا وصوابا. أيها المسلمون، إن الله أمرنا أن نؤدي الأمانات إلى أهلها وأمرنا إذا حكمنا بين الناس أن نحكم بالعدل، هذان أمران لا تقوم الأمانة إلا بهما، أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل، وإننا الآن على أبواب اختبارات الطلبة من ذكور وإناث وإن الاختبارات أمانة وحكم فهي أمانة حين وضع الأسئلة وأمانة حين المراقبة وحكم حين التصحيح. أمانة حين وضع الأسئلة يجب على واضعي الأسئلة مراعاتها بحيث تكون على مستوى الطلبة المستوى الذي

стр. 607

يبين مدى تحصيل الطالب في عام دراسته بحيث لا تكون سهلة لا تكشف عن تحصيل ولا صعبة تؤدي إلى التعجيز. والاختبارات أمانة حين المراقبة فعلى المراقب أن يراعي تلك الأمانة التي ائتمنته عليها إدارة المدرسة، ومن ورائها وزارة أو رئاسة وفوق ذلك دولة بل ائتمنه عليها المجتمع كله، فعلى المراقب أن يكون مستعينا بالله يقظا في رقابته مستعملا حواسه السمعية والبصرية والفكرية يسمع وينظر ويستنتج من الملامح والإشارات، على المراقب أن يكون قويا لا تأخذه في الله لومة لائم يمنع أي طالب من الغش أو محاولة الغش؛ لأن تمكين الطالب من الغش غش، وقد قال النبي ﷺ : «من غش فليس منا» . وتمكين الطالب من الغش ظلم لزملائه الحريصين على العلم، المجدين في طلبه، الذين يرون من العيب أن ينالوا درجة النجاح بالطرق الملتوية. إن المراقب إذا مكن أحدا من هؤلاء المهملين الفاشلين في دراستهم إذا مكنهم من الغش، فأخذ درجة نجاح يتقدم بها على الحريصين المجدين كان ذلك ظلما لهم وكان كذلك ظلما للطالب الغاش، وهو في الحقيقة مغشوش حيث انخدع بدرجة نجاح وهمية لم يحصل بها على ثقافة ولا علم، ليس له من ثقافته ولا علمه سوى بطاقة يحمل بها شهادة زيف لا حقيقة، وإذا بحثت معه في أدنى مسألة مما تنبئ عنه هذه البطاقة لم تحصل منه على علم. إن تمكين الطالب من الغش خيانة لإدارة المدرسة، وللوزارة أو الرئاسة التي من ورائها، وخيانة للدولة وخيانة للمجتمع كله. وإن تمكين الطالب من الغش أو تلقينه الجواب بتصريح أو تلميح ظلم للمجتمع، وهضم لحقه حيث تكون ثقافته مهلهلة يظهر فشلها عند دخول ميادين السباق، ويبقى مجتمعنا دائما في تأخر وفي حاجة إلى الغير، وذلك لأن كل من نجح عن طريق الغش لا يمكن - إذا رجع الأمر إلى اختياره - أن يدخل مجال التعليم والتثقيف لعلمه أنه فاشل فيه. وإن تمكين الطالب من الغش كما يكون خيانة وظلما من الناحية العلمية والتقديرية، يكون كذلك خيانة وظلما من الناحية التربوية لأن الطالب بممارسته الغش يكون مستسيغًا له هينًا في نفسه فيتربى عليه ويربى عليه أجيال المستقبل، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. إن على المراقب أن لا يراعي شريفا ولا قريبا لقرابته ولا غنيا لماله إن عليه

стр. 608

أن يراقب الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، عليه أن يؤدي الأمانة كما تحملها لأنه مسئول عنها يوم القيامة. ولربما قال مراقب إذا أديت واجب المراقبة إلى جنب من يضيع ذلك فقد أرى بعض المضايقات، فجوابنا عليه أن نقول اتق الله تعالى فيما وليت عليه واقرأ قول الله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] وقوله ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] أيها المسلمون: إن الاختبارات حكم حين التصحيح فإن المعلم الذي يقدر درجات أجوبة الطلبة، ويقدر درجات سلوكهم هو حاكم بينهم لأن أجوبتهم بين يديه بمنزلة حجج الخصوم بين يدي القاضي، فإذا أعطى طالبا درجات أكثر مما يستحق فمعناه أنه حكم له بالفضل على غيره مع قصوره، وهذا جور في الحكم، وإذا كان لا يرضى أن يقدم على ولده من هو دونه فكيف يرضى لنفسه أن يقدم على أولاد الناس من هو دونهم. إن من الأساتذة من لا يتقي الله تعالى في تقدير درجات الطلبة فيعطي أحدهم ما لا يستحق، إما لأنه ابن صديقه أو قريبه أو ابن شخص ذي شرف أو مال أو رئاسة، ويمنع بعض الطلبة ما يستحق إما لعداوة شخصية بينه وبين الطالب أو بينه وبين أبيه أو غير ذلك من الأسباب وهذا كله خلاف العدل الذي أمر الله به ورسوله فإقامة العدل واجبة بكل حال على من تحب ومن لا تحب، فمن استحق شيئا وجب إعطاؤه إياه ومن لا يستحق شيئا وجب حرمانه منه. أرسل النبي ﷺ عبد الله بن رواحة إلى اليهود في خيبر ليخرص عليهم الثمار والزروع ويضمنهم ما للمسلمين منها، فأراد اليهود أن يعطوه رشوة فقال ﵁ منكرا عليهم تطعموني السحت والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلى، يعني رسول الله ﷺ ولأنتم أبغض إليّ من عدتكم من القردة والخنازير ولا يحملني بغضي لكم وحبي إياه أن لا أعدل عليكم، فقالوا بهذا قامت السماوات والأرض. تأملوا رحمكم الله هذا الكلام العظيم من عبد الله بن رواحة ﵁ كان يحب النبي ﷺ أعظم من محبة أي إنسان، ويبغض اليهود أشد من بغض القردة والخنازير، حب بالغ للنبي ﷺ وبغض شديد لليهود يصرح بذلك ﵁ لليهود ثم يقول لهم لا يحملني بغضي لكم وحبي إياه أن لا أعدل عليكم رضي الله عنك وعن جميع الصحابة. إن العدل أيها الإخوة لا يجوز أن يضيع بين عاطفة الحب

стр. 609

وعاصفة البغض يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] ويقول سبحانه: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] ويقول تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] القاسطون هم الجائرون وهم من حطب جهنم والمقسطون هم العادلون وهم من أحباب الله، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» . وقال ﷺ : «أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال» (رواهما مسلم) . فاتقوا الله عباد الله وكونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين. وفقني الله وإياكم لأداء الأمانة والحكم بالعدل والاستقامة وثبتني وإياكم على الهدى وجنبنا أسباب الهلاك والردى. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 610

[الخطبة الرابعة في وجوب رعاية الأولاد والأهل] الخطبة الرابعة في وجوب رعاية الأولاد والأهل الحمد لله الذي من علينا بنعمة الأولاد، وفتح لنا من أسباب الهداية كل باب، ورغب في طرق الصلاح وحذر من طرق الفساد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الكريم الوهاب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الخلق بلا ارتياب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المآب وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الأولاد واعلموا أن هذه النعمة فتنة للعبد واختبار، فإما منحة تكون قرة عين في الدنيا والآخرة سرور للقلب وانبساط للنفس وعون على مكابد الدنيا وصلاح يحدوهم إلى البر في الحياة وبعد الممات، اجتماع في الدنيا على طاعة الله، واجتماع في الآخرة في دار كرامة الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] وإن من أسباب هذه المحنة أن يقوم الوالد من أم وأب والأب هو المسئول الأول، لأنه راع في أهله ومسئول عن رعيته أن يقوم كل من الوالدين على أولاده وفي أولاده بما يجب عليه من رعاية وعناية وتربية صالحة ليخلف بعده ذرية صالحة تنفعه وتنفع المسلمين فإن العبد متى أصلح ما بينه وبين ربه أصلح الله له ما بينه وبين الخلق ومع حسن النية والاستعانة بالله وكثرة دعائه، واللجوء إليه يحصل الخير الكثير والتربية الصالحة. يقول الله تعالى في وصف عباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] فوالله ما سألوا ذلك وقعدوا عن فعل الأسباب فإن العقل والشرع كل منهما يقتضي أنك إذا سألت الله شيئا فلا بد أن تفعل ما تقدر عليه من أسبابه فإن كل أحد لو سأل الله رزقا لسعى في أسبابه لأنه يعلم أن السماء لا تمطر ذهبا ولو سأل الله ذرية لسعى في حصول الزوجة لأن الأرض لا تنبت أولادا وهكذا إذا سأل الله صلاح ذريته، وأن تكون قرة عين له فلا بد أن يسعى بما يقدر عليه من أسباب ذلك؛ لتكون نعمة الأولاد منحة. أما الشطر الثاني من نعمة الأولاد فأن تكون محنة وعناء وشقاء وشؤما على أهلهم ومجتمعهم، وذلك فيمن لم يقم بما أوجب الله عليه لهم من رعاية وعناية وتربية صالحة، أهملهم فلم يبال بهم أكبر همه نحوهم حين كانوا شهوة قذفها في رحم الأم أضاع حق الله فيهم فأضاعوا حق الله فيه

стр. 611

لم يحسن إليهم بالتربية فلم يحسنوا إليه بالبر جزاء وفاقا ففاته نفعهم في الدنيا والآخرة، وأصبح من الخاسرين وليكونن من النادمين ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] لقد ضل أقوام اعتنوا بتنمية أموالهم ورعايتها وصيانتها وحفظها فأشغلوا أفكارهم وأبدانهم وانشغلوا بها عن راحتهم ومنامهم ثم نسوا أهلهم وأولادهم وما هي قيمة هذه الأموال بالنسبة للأهل والأولاد أليس من الأجدر بهؤلاء أن يخصصوا شيئا من قواهم الفكرية والجسمية لتربية أهلهم وأولادهم، حتى يكونوا بذلك شاكرين لنعمة الله ممتثلين لأمره حيث يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] لقد جعل الله لكم الولاية، وحملكم مسئولية الأهل، أمركم بأن تقوا أنفسكم وأهليكم تلك النار المزعجة، لم يأمركم أن تقوا أنفسكم فحسب بل أنفسكم وأهليكم، ومن عجب أن هؤلاء المضيعين لأمر الله في حق أولادهم وأهليهم لو أصابت نار الدنيا طرف من ولده أو كادت، لسعى بكل ما يستطيع لدفعها وهرع إلى كل طبيب للشفاء من حرقها، أما نار الآخرة فلا يحاول أن يخلص أولاده وأهله منها. أيها الناس: إن على كل واحد منا أن يراقب أهله وأولاده في حركاتهم وسكناتهم، في ذهابهم وإيابهم في أصحابهم وأخلائهم، حتى يكون على بصيرة من أمرهم، ويقين في اتجاهاتهم وسيرهم، فيقر ما يراه من ذلك صالحا وينكر ما يراه فاسدا ويكلمهم بصراحة ويأخذ منهم ويرد عليهم ولا يغضب فيجفوهم، ويعرض عنهم فإن ذلك يزيد من البلاء والفساد. إن الإنسان إذا لم يقم على مراقبة أهله وأولاده وتربيتهم تربية صالحة فمن الذي يقوم عليها؟ هل يقوم عليها أباعد الناس ومن لا صلة له فيهم، أو يترك هؤلاء الأولاد والأغصان الغضة تعصف بها رياح الأفكار المضللة، والاتجاهات المنحرفة والأخلاق الهدامة، فينشأ من هؤلاء جيل فاسد لا يرعى الله ولا للناس حرمة ولا حقوقا جيل فوضوي متهور لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا متحررا من كل رق إلا من رق الشيطان، منطلقا من كل قيد إلا من قيد الشهوة والطغيان، نعم لا بد أن تكون هذه هي النتيجة إلا أن يشاء الله. إن بعض

стр. 612

الناس يقول معتذرا أنا لا أستطيع تربية أولادي إنهم كبروا وتمردوا علي، وجوابنا على هذا أن تقول لو سلمنا هذا العذر جدلا أو حقيقة واقعة ثم فكرنا لوجدنا أنك أنت السبب في سقوط هيبتك من نفوسهم، لأنك أضعت أمر الله فيهم في أول أمرهم، فتركتهم يتصرفون كما يشاءون، لا تسألهم عن أحوالهم، ولا تأنس بالاجتماع إليهم، لا تجتمع معهم على غداء ولا عشاء ولا غيرهما، فوقعت الجفوة بينك وبين أولادك فنفروا منك ونفرت منهم فكيف تطمع بعد ذلك أن ينقادوا لك أو يأخذوا بتوجيهاتك، ولو أنك اتقيت الله في أول أمرك وقمت بتربيتهم على الوجه الذي أمرت لأصلح لك أمر الدنيا والآخرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] أيها الناس: لقد كانت المدارس تأخذ وقتا كثيرا من أوقات الأولاد، وتتحمل عبئا ثقيلا من تربيتهم، والآن وقد أوشكت المدارس على إغلاق أبوابها لهذا العام وأقبلت أيام عطلة الصيف فإن الأولاد سيجدون فراغا كبيرا، فكريا وزمنيا فعلينا أن نحاول ملء هذا الفراغ واستغلال هذه الفرصة من أعمال شبابنا بما يكون نافعا لهم، حتى لا تخمل أفكارهم أو يستغلوها بما يكون لغوا أو ضارا. إنه يمكن استغلال هذه الفرصة بقراءة الكتب النافعة كل بحسب طبقته، وما يتحمله عقله أو بمراجعة مقررات السنة التي نجح إليها أو بأعمال نافعة من بيع وشراء ومساعدة أبيه في أعماله. علينا أن نضاعف جهودنا في مراقبتهم وتربيتهم، وأن نشعر بأن العبء ثقيل علينا حتى ننمي هذه المضاعفة. وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أمر خطير يفعله بعض الطلاب في كتب دروسهم حين ينتهون منها، إنهم يرمون هذه الكتب في الأسواق تداس بالأرجل والنعال، بل يرمونها في المزابل مع الأقذار والأوساخ إنهم يرمون هذه الكتب غير مبالين بما فيها قد تكون كلام الله أو تفسيرا لكلام الله، أو حديثا عن رسول الله ﷺ أو شرحا لذلك، أو كلاما لأهل العلم يتضمن شرح أحكام الله، وكل هذا إهانة لهذه الكتب ووضع لقدرها. فعلى المؤمن أن يتقي ربه وأن يعظم ما أوجب الله عليه تعظيمه حتى يكون قائما بشكر الله ، ليزيده من فضله وإذا انتهى من هذه الكتب فليدخرها عنده أو يهدها لمن ينتفع بها،

стр. 613

أو يبعها، وإن لم تكن صالحة لذلك فليحرقها إن شاء إحراقا كاملا لا يبقى منها شيء، أما أن يرمي بهذه الكتب في المزابل والأسواق فهذا غير لائق وليس من شكر نعمة الله عليك الذي سهلها لك حتى أكملت دراستك بها. اللهم وفقنا للقيام بما أوجبت علينا من عبادتك، وحقوق عبادك واهدنا صراطك المستقيم، واغفر لنا وللمسلمين إنك أنت الغفور الرحيم.

стр. 614

[الخطبة الخامسة في حفظ وقت الشباب وقت عطلة المدارس] الخطبة الخامسة في حفظ وقت الشباب وقت عطلة المدارس إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما خولكم من الأموال والأولاد واعلموا أن هذه النعمة إما منحة يسعد بها الإنسان في دنياه وآخرته، وإما محنة تكون سببا لخسارته وشقوته، فإن راعى الإنسان هذه النعمة وقام بما أوجب الله عليه فيها فهي منحة وسعادة وإن ضيع واجب الله فيها وأهملها صارت محنة وشقوة. أيها الناس: في هذه الأيام يختتم الشباب عامه الدراسي الذي أمضى فيه جهدا كبيرا في النظر والعمل، وسوف يعاني من مشكلة الفراغ التي قال رسول الله ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» وهاتان النعمتان متوفرتان الآن لشبابنا فما أدري أيكون شبابنا من الكثير المغبون فيهما أم سيكون من ذوي الحزم والقوة الذين يربحون أوقات صحتهم وفراغهم؟ . أيها الناس إن هذا الفراغ الذي حصل للشباب بعد انقضاء العام الدراسي الذي كانوا فيه مشتغلين مستغلين أوقاتهم وقواهم العقلية والفكرية والجسمية، هذا الفراغ الذي حصل لا بد أن ينعكس آثاره على نفوسهم وتفكيرهم وسلوكهم، فإما أن يستغلوه في خير وصلاح، فيكون ربحا وغنيمة للفرد والمجتمع يربح فيه النفس والوقت ويستغل قواه فيما يسعده ويسعد أمته وإما أن يستغلوه في شر وفساد، فيكون خسارة وغبنا للفرد والمجتمع يخسر فيه نفسه ووقته، ويستغل قواه فيما يشقى به وتشقى به الأمة وإما أن يمضوا أوقاتهم ويضيعوها سدى لا يعملون ولا يفيدون يتجولون في الأسواق والمجالس بأذهان خاوية وأفكار ميتة ينتظرون طلوع الشمس وغروبها ووجبات غذائهم فتتجمد أفكارهم وتتبلد أذهانهم ويصيرون عالة على المجتمع. إن الشباب بعد الجهد الجهيد الذي أمضاه في عامه الدراسي إذا صارت العطلة فسيجد الفجوة الواسعة بين حالته وحالته بالأمس وسيحس بالفراغ النفسي والفكري سيقول

стр. 615

ماذا أعمل بماذا أمضي هذه العطلة ولكن الشباب المتطلع إلى المجد والعلى يستطيع أن يستغل هذه العطلة بما يعود عليه وعلى أمته بالخير. يمكن أن يستغل وقت العطلة بمذاكرة العلم ودراسته سواء في دروسه الرسمية الماضية أو المستقبلة، أو في دروس أخرى يتثقف بها ثقافة، فيقرأ في كتب التفسير القيمة السالمة من الزيغ في تحريف معاني القرآن ويقرأ في كتب الحديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم، ويقرأ في كتب التاريخ المعتمدة البعيدة عن الأهواء، لا سيما تاريخ صدر الإسلام كسيرة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، لأنها سيرة وسلوك تزيد القارئ علما بأحوال النبي ﷺ وخلفائه ومحبة لهم، وفقها في الدين والأسرار أحكامه وتشريعاته. وليحذر الشباب من النظر أو القراءة فيما يخشى منه على عقيدته وأخلاقه وسلوكه سواء كانت كتبا مؤلفة أو صحفا يومية أو مجلات أسبوعية، فإن كثيرا من الناس ينظر في مثل هذا أو يقرؤه يظن أنه واثق من نفسه ثم لا يزال الشر يتجارى به فلا يستطيع الخلاص منه. وإن الشباب إذا لم يمكنه استغلال العطلة بالقراءة والنظر، فإنه يمكنه أن يستغلها بالعمل البدني يكون مع أبيه في دكانه أو فلاحته أو مصنعه، أو أية مهنة مباحة يمارسها أو يشتغل في عمل حكومي أو شعبي ليكسب من ذلك ويفيد غيره، ويسلم من خمول الذهن وتبلبل الفكر واضطراب المنهج والسلوك فإن ذلك ينتج عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع. إن الشباب إذا لم يمكنه استغلال العطلة بالقراءة والنظر ولا بالعمل البدني فإنه يمكنه أن يقضي وقتا في رحلة يكسب بها استطلاعا على البلاد، وتعرفا على إخوانه ودعوة إلى دين الله بشرط أن يحافظ على دينه وخلقه، فيصلي الصلاة بوقتها على الوجه المطلوب ويتجنب كل رذيلة وخلق سافل، ويستصحب القرناء الصالحين الذين يذكرونه إذا نسي ويقومونه إذا اعوج. أيها الناس إننا نتحدث عن الشباب؛ لأنهم جيل المستقبل ورجال الغد، وأمانة في أعناق من فوقهم وفي أعناق أوليائهم بالذات، ولقد كان للمدرسة أثناء الدراسة دور كبير في حفظهم ورعايتهم، أما الآن فقد أصبح العبء الثقيل والمسئولية على أولياء أمورهم من الآباء والأمهات والأخوة والأعمام فعلى هؤلاء مراعاة أولادهم، وحمايتهم من ضياع الوقت وانحراف العمل والسلوك عليهم، أن يتفقدوهم كل وقت وأن يمنعوهم من معاشرة ومصاحبة من يخشى

стр. 616

عليهم منه الشر والفساد، فإنهم عنهم مسئولون وعلى إهمالهم رعايتهم وتأديبهم معاقبون. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨] أعانني الله وإياكم على أداء الأمانة وحسن التوجيه والرعاية ووهب لنا منه رحمة وجعلنا هداة مهتدين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . إلخ.

стр. 617

[الفرع الحادي عشر في القضاء والشهادة] [الخطبة الأولى في التحذير من الرشوة] الفرع الحادي عشر في القضاء والشهادة الخطبة الأولى في التحذير من الرشوة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وقوموا بما أوجب الله عليكم من أداء الأمانة في الأمور كلها قوموا بذلك مخلصين لله متبعين لأمره قاصدين بذلك إبراء ذمتكم وإصلاح مجتمعكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨] أيها المؤمنون: إن الأمانة ليست بالأمر الهين، إنها دين وذمة ومنهج وطريقة، إنها حمل ثقيل وعبء جسيم ومسئولية عظيمة إنها عرضت على السماوات والأرض والجبال، وما أعظمها قوة وصلابة فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وتحملتها أنت أيها الإنسان، تحملتها بما أنعم الله به عليك من العقل والفهم وبما أنزل الله إليك من الوحي والعلم، فبالعقل والفهم تدركون وتميزون وبالوحي والعلم تستنيرون وتهتدون، وبذلك كنتم أهلا لتحمل مسئولية الأمانة والقيام بأعبائها، فأدوا الأمانة كما حملتموها أدوها على الوجه الأكمل المطلوب منكم، لتنالوا بذلك رضا ربكم وصلاح مجتمعكم فإن بضياع الأمانة فساد المجتمع واختلال نظامه وتفكك أواصره. أيها المسلمون: إن من حماية الله لهذه الأمانة أن حرم على عباده كل ما يكون سببا لضياعها أو نقصها، فحرم الرشوة وهي بذل المال للتوصل به إلى باطل، إما بإعطاء الباذل ما ليس من حقه أو إعفائه مما هو حق عليه، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] ويقول سبحانه في ذم اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] والرشوة من السحت، كما فسر الآية به ابن مسعود وغيره وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي، وفي لفظ لعنة الله على الراشي والمرتشي. وهذا إما خبر من

стр. 618

النبي ﷺ أو دعاء على الراشي والمرتشي بلعنة الله، وهي الطرد والإبعاد عن رحمة الله كما لعن الشيطان فطرد وأبعد عن رحمة الله ، أيها المسلمون إن لعنة الله ورسوله لا تكون إلا على أمر عظيم ومنكر كبير وإن الرشوة لمن أكبر الفساد في الأرض، لأنها بها تغيير حكم الله وتضييع حقوق عباد الله وإثبات ما هو باطل ونفي ما هو حق. إن الرشوة فساد في المجتمع وتضييع للأمانة، وظلم للنفس يظلم الراشي نفسه ببذل المال لنيل الباطل ويظلم المرتشي نفسه بالمحاباة في أحكام الله يأكل كل منهما ما ليس من حقه ويكتسب حراما لا ينفعه بل يضره ويسحت ماله أو بركة ماله إن بقي المال. إن الرشوة تكون في الحكم فيقضى من أجلها لمن لا يستحق، أو يمنع من يستحق أو يقدم من غيره أحق بالتقديم، وتكون الرشوة في تنفيذ الحكم فيتهاون من عليه تنفيذه بتنفيذه من أجل الرشوة، سواء كان ذلك بالتراخي في التنفيذ، أو بعمل ما يحول بين المحكوم عليه وألم العقوبة إن كان الحكم عقوبة. إن الرشوة تكون في الوظائف والمسابقة فيها، فيقدم من أجلها من لا ينجح أو تعطى له أسئلة المسابقة قبل الامتحان فيولى الوظيفة من غيره أحق منه، وفي الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من استعمل رجلا من عصابة - أي من طائفة - وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» (رواه الحاكم وصحح إسناده) . وإن الرشوة تكون في تنفيذ المشاريع ينزل مشروع عمل في المناقصة فيبذل أحد المتقدمين رشوة، فيرسو المشروع عليه مع أن غيره أنصح قصدا وأتقن عملا ولكن الرشوة عملت عملها. وإن الرشوة تكون في التحقيقات الجنائية أو الحوادث أو غيرها، فيتساهل المحققون في التحقيق من أجل الرشوة، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول (رواه أبو داود ومن حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه) والغلول إثمه عظيم، فقد «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: استشهد مولاك أو قال: غلامك فلان، قال: بل يجر إلى النار في عباءة غلها» (رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح) . وأغرب من ذلك أن تدخل الرشوة في التعليم والثقافة، فينجح من أجلها من لا يستحق النجاح، أو تقدم له أسئلة الامتحان أو يشار إلى أماكنها من المقررات، أو يتساهل المراقب في مراقبة الطالب من أجلها فيتقدم هذا الطالب مع

стр. 619

ضعف مستواه العلمي ويتأخر من هو أحق منه لقوة مستواه العلمي. عباد الله لقد سمعتم عقوبة الراشي والمرتشي في الآخرة، وهي اللعن والطرد عن رحمة الله، وسمعتم شيئا من مفاسدها في المجتمع أفلا يكون في ذلك رادع عنها لكل مؤمن يخشى الله ويخاف عقابه، ولكل مخلص يحافظ على دينه ومجتمعه كيف يرضى أن يعرض نفسه لعقوبة الله كيف يرضى أن يذهب دينه وأمانته من أجل حطام من الدنيا لا يدري لعله لا يأكله فيموت قبل أن ينعم به، كيف يليق بالعاقل أن يسعى في فساد المجتمع وهلاكه. إن الأعمال أيها المسلمون دروس يأخذها الناس بعضهم من بعض، فإذا فشت الرشوة في جهة من جهاته انتشرت في بقية الجهات وصار على من عمل بها أولا وزرها ووزر من عمل بها مقتديا به إلى يوم القيامة. فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا على دينكم وأمانتكم، وفكروا قليلا أيما خير لكم أن تكونوا قائمين بالعدل، بعيدين عن الدناءة حائزين لرضا الله ومثوبته، أم تكونوا جائرين مخلدين إلى الأرض متعرضين لسخط الله وعقوبته. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا - إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . إلخ.

стр. 620

[الخطبة الثانية في التحذير من التهاون بالشهادة] الخطبة الثانية في التحذير من التهاون بالشهادة الحمد لله الملك العظيم العزيز الحكيم، له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يعلم ما تخفون وما تعلنون ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ - وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ١٩ - ٢٠] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الملك والحكم والتدبير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بين لأمته ما فيه خيرها وسعادتها وحذرها من سوء العاقبة والمصير صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى، وأقيموا الشهادة لله أقيموها لله وحده، لا تقيموها لقريب من أجل قرابته، ولا لصديق من أجل صداقته، ولا لغني من أجل غناه، ولا لفقير من أجل فقره، ولا تقيموها على بعيد من أجل بعده، ولا على عدو من أجل عدواته، أقيموا الشهادة لله وحده، أقيموها كما أمركم بذلك ربكم وخالقكم ومدبر أموركم والحاكم بينكم والعالم بسركم وعلانيتكم أقيموها كما قال الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥] أيها المسلمون: إن الشهادة أمرها عظيم وخطرها جسيم في تحملها وأدائها فلا يحل كتمانها ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ولا يحل أن يشهد إلا أن يكون عالما بما يشهد به علما يقينا، وأنه مطابق للواقع تماما فلا يحل أن يشهد بما لا يعلم، ولا بما يعلم أن الأمر بخلافه بل لا يحل أن يشهد، ولا بما يغلب على ظنه حتى يعلمه يقينا كما يعلم الشمس فعلى مثلها فليشهد أو ليترك. أيها المسلمون: إن من الناس اليوم من يتهاون بالشهادة فيشهد بالظن المجرد، أو بما لا يعلم أو بما يعلم أن الواقع بخلافه يتجرأ على هذا الأمر المنكر العظيم مراعاة لقريب، أو توددا لصديق أو محاباة لغني، أو عطفا على فقير يقول إنه يريد الإصلاح بذلك زين له سوء عمله فرآه حسنا

стр. 621

كما زين لغيره من أهل الشر والفساد سوء عمله فرآه حسنا فالمنافقون زين في قلوبهم النفاق: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] فقال الله فيهم: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢] عباد الأصنام زين في قلوبهم عبادتها، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وهي في الواقع لا تزيدهم من الله إلا بعدا. أيها الناس: إن كل مفسد ربما يدعي أنه مصلح أو ربما يظن أنه مصلح بسبب شبهة عرضت له فالتبس عليه الإفساد بالإصلاح أو بسبب إرادة سيئة زينت له، فاتبع هواه ولكن الصلاح كل الصلاح باتباع شريعة الله وتنفيذ أحكامه والعمل بما يرضيه. أيها المسلمون: إن من الناس من يشهد لشخص بما لا يعلم أنه يستحقه بل بما يعلم أنه لا يستحقه يدعي أنه عاطف عليه وراحم له بذلك والحق أن هذا الشاهد لم يرحم المشهود له ولم يرحم نفسه، بل أكسبها إثما بما شهد به وأكسب المشهود له إثما فأدخل عليه ما لا يستحقه وظلم المشهود عليه إن كان فاستخرج منه ما لا يجب عليه. إن من الناس من يشهد للموظف المهمل لوظيفته بمبررات لإهماله لا حقيقة لها فيشهد له بالمرض وهو غير مريض، أو يشهد له بشغل قاهر وهو غير مشغول، أو يشهد له بنقل أهله إلى مقر عمله الجديد وهو لم ينقلهم، أو باستئجاره سيارة وهو لم يستأجر، أو يشهد بأجرة أكثر مما استأجرها به، وكل هذا من الشهادة بالباطل. وإن من الناس من يشهد لشخص بأنه قام بالوظيفة منذ وقت كذا وهو لم يقم بها ولم يباشرها، يزعم الشاهد بذلك أنه يريد الإصلاح بنفع المشهود له ولم يدر أنه بهذه الشهادة ضر نفسه وضر المشهود له وأفسد على نفسه وعلى المشهود له ما أفسد من دينه. لقد قال الله تعالى بعد أن أمر بإقامة الشهادة بالقسط، قال: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] فلا تشهد لغني من أجل غناه ولا لفقير من أجل فقره، فإن الله أولى بهما بل أقم الشهادة لله وحده. أيها المسلمون: إن شهادة الإنسان بما لا يعلمه علما يقينا مثل الشمس أو بما يعلم أن الواقع بخلافه سواء شهد للشخص أو عليه هي من شهادة الزور التي حذر منها رسول الله ﷺ وجعلها من أكبر الكبائر، فقال ﷺ : «ثلاثا ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالوا بلى يا رسول الله قال

стр. 622

الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قالوا لا يسكت أو قالوا ليته سكت» . وقال أنس بن مالك ﵁ ذكر النبي ﷺ الكبائر، فقال «الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس، وقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قول الزور أو قال شهادة الزور» . أيها المسلمون: إن هذين الحديثين الصحيحين الثابتين عن رسول الله ﷺ ليتبين بهما تعظيم النبي ﷺ لشهادة الزور والتحذير منها، لقد عظم النبي ﷺ التحذير منها بقوله وفعله عظمه بفعله حيث كان يتحدث عن الشرك والعقوق متكئا، فلما ذكر شهادة الزور جلس ليبين فداحتها وعظمها. وعظمه بقوله حين جعل يكرر القول بها حتى قال الصحابة لا يسكت، أو تمنوا أن يسكت، وعظمه أيضا حين صدر القول عنها بأداة التنبيه (ألا) وحين فصلها في حديث أنس عما قبلها من الكبائر، وقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. أيها المسلمون: أيها المؤمنون بالله ورسوله أيها الراجون لرحمة الله أيها الخائفون من عذابه أيها المؤمنون بيوم الحساب يوم تقفون بين يدي الله لا مال ولا بنون تنظرون أيمن منكم فلا ترون إلا ما قدمتم وتنظرون أشأم منكم فلا ترون إلا ما قدمتم وتنظرون أمامكم فلا ترون إلا النار تلقاء وجوهكم. إنكم ستسألون عما شهدتم به وعمن شهدتم عليه أو شهدتم له فاتقوا واحذروا. أيها المؤمنون تصوروا رسول الله ﷺ وهو المبلغ عن الله القائم بأمر الله الناصح لعباده تصوروه وهو يعرض على أمته بنفسه أن ينبئهم بأكبر الكبائر ليحذروها ويبتعدوا عنها وتصوروه كأنه أمامكم كان متكئا ثم يجلس عند ذكر شهادة الزور وتصوروه يكرر ويؤكد أن شهادة الزور من أكبر الكبائر لو تصورتم ذلك لعرفتم حقيقة شهادة الزور. لقد تحدث النبي ﷺ عن الشرك والعقوق وهو متكئ لم يجلس، لأن الداعي إلى الشرك والعقوق ضعيف في النفوس لأنه مخالف للفطرة لكنه جلس حينما تحدث عن شهادة الزور لأن الداعي إليها قوي، وكثير فالقرابة والصداقة والغنى والفقر كلها قد تحمل ضعيف العقل والدين على أن يشهد بالزور، لكن المؤمن العاقل حينما يعلم أن النبي ﷺ يحذر من شهادة الزور هذا التحذير البليغ لا يمكنه أن يقدم على شهادة الزور، مهما كانت الأسباب والدواعي.

стр. 623

أيها المسلمون: إن شهادة الزور مفسدة للدين والدنيا وللفرد والمجتمع، إنها معصية لله ورسوله إنها كذب وبهتان وأكل للمال بالباطل فالمشهود له يأكل ما لا يستحق والشاهد يقدم له ما لا حق له فيه. إن شهادة الزور سبب لانتهاك الأعراض وإزهاق النفوس فإن الشاهد بالزور إذا شهد مرة هانت عليه الشهادة ثانية، وإذا شهد بالصغير هانت عليه الشهادة بالكبير لأن النفوس بمقتضى الفطرة تنفر من المعصية، وتهابها فإذا وقعت فيها هانت عليها وتدرجت من الأصغر إلى ما فوقه. أيها المسلمون: إن شهادة الزور ضياع للحقوق وإسقاط للعدالة وزعزعة للثقة والأمانة، وإرباك للأحكام وتشويش على المسئولين والحكام، فهي فساد الدين والدنيا والآخرة وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار» (رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد) . فالحذر الحذر أيها المسلمون من شهادة الزور، وإن زينها الشيطان في قلوبكم ولا تأخذكم في الله لومة لائم، ولا تصرفكم عن الحق ظنون كاذبة، أو إرادات آثمة فتشاقوا الله ورسوله وتتبعوا غير سبيل المؤمنين. وفقني الله وإياكم لإقامة الحق والعدل والبيان وجنبنا الباطل والجور والبهتان وحمانا عما يضرنا في ديننا ودنيانا إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 624

[القسم الخامس في الفتن] [الخطبة الأولى في شيء من الفتن قبل قيام الساعة] القسم الخامس في الفتن الخطبة الأولى في شيء من الفتن قبل قيام الساعة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واحذروا الفتن ما ظهر منها وما بطن احذروا كل ما يصدكم عن دينكم من مال وأهل وولد: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] احذروا فتنة القول، وفتنة العمل وفتنة العقيدة والآراء الهدامة والمشاهدات السيئة، فإن ذلك كله يصدكم عن دينكم ويوجب هلاككم انظروا إلى سلفكم الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، واسلكوا طريقهم فإنكم بذلك أمرتم وبذلك تفلحون إن تمسكتم. قد أخبر النبي ﷺ أمته بما سيكون إلى قيام الساعة، فأخبر النبي ﷺ أمته بفتن في آخر الزمان لعلهم يحذرون ويتقون ويرجعون إلى ما كان أسلافهم ويتمسكون. أخبر النبي ﷺ عن فتن الدين بما يحدث من المغريات المادية والفكرية، فقال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا» (رواه مسلم) . وأخبر النبي ﷺ عن فتنة الجهل والطمع والفوضى، فقال ﷺ : «يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج قالوا يا رسول الله وما الهرج قال القتل» (متفق عليه) لقد قبض العلم وقل العلماء الربانيون قل العلماء أهل الخشية لله وأهل الهداية إن العلم حقيقة هو العلم النافع الذي يكون صاحبه قدوة في الخير والصلاح، والزهد والورع واتباع سنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين، ولقد ظهرت الفتن شتى من كل نوع ومن كل وجه ظهر الطعن في الإسلام والتشكيك في الدين وتزهيد الناس فيه وسلب محبته من قلوب الناشئين، تصاعدت الفتنة من جزئيات الدين وفرعياته إلى أصوله وأركانه وتطورت الفتنة من الأفراد، والأقليات إلى أن نسبت إلى الزعماء والرؤساء وتلك طامة كبرى ومصيبة عظمى أن تتدرج الفتن هذا التدرج وتتوسع هذا التوسع في حجمها وشكلها.

стр. 625

نسأل الله الثبات والسلامة. «سأل حذيفة بن اليمان رسول الله ﷺ هل بعد الخير الذي جاء به من شر قال نعم وهل بعد هذا الشر من خير قال رسول الله ﷺ نعم، وفيه دخن قلت وما دخنه، قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر قلت فهل بعد ذلك من شر قال نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتا» . ولقد ألقي الشح والطمع في قلوب العباد حتى منعت الزكاة المفروضة والنفقات الواجبة وطمع الإنسان فيما ليس له به حق وكثرت الفوضى والقتل. لقد أخبر رسول الله ﷺ عن فتنة الأمانة وأنها سترفع فلا تكاد ترى أمينا يقول النبي ﷺ : «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه قال ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال إن في بني فلان رجلا أمينا ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان» (متفق عليه) . ولقد صدق رسول الله ﷺ لقد قبضت الأمانة فلا تكاد ترى أمينا ولقد صار الأمناء يعدون بالأصابع فترى القبيلة ليس فيها إلا أمين واحد وترى الرجل يعجبك في عقله وظرفه وجلده لكن ليس في قلبه إيمان، لأن الأمانة نزعت منه جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: «متى الساعة فقال إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال وكيف إضاعتها قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (رواه البخاري) . ألا وإن من الفتن الكبيرة العظيمة فتنة المال التي قل من يسلم منها قل من يأخذ المال من وجهه ويصرفه في وجهه فكان الحلال عند كثير من الناس ما حل في يده بأي طريق كان والمصروف منه ما صرفه في هواه ولو في الحرام. قال النبي ﷺ : «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن الحلال أم من الحرام» (رواه البخاري) . ولقد صدق رسول الله ﷺ فإن كثير من الناس لا يبالون بالمال من أي وجه اكتسبوه كأنما خلقوا للمال والدنيا ولا حساب عليهم في ذلك ولا عقوبة يكسبون المال بالغش وبالكذب وبالرشوة وبالربا صريحا أو خداعا وحيلة ويكتسبون المال بالدعاوي الباطلة فيدعون ما ليس لهم أو يجحدون ما كان عليهم ولا خير في مال عاقبته العذاب والنكال. فاحذروا أيها المسلمون هذه الفتن واجتنبوها فإنها إذا ظهرت عمت المجتمع كله وأصابت الصالح والفاسد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]

стр. 626

وقالت زينب أم المؤمنين ﵂: «استيقظ النبي ﷺ من النوم محمرا وجهه يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها، قيل أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث» (رواه البخاري) . ولقد أخبر النبي ﷺ أن الفرار من الفتن خير للعبد ولو أن يكون صاحب غنم فقال: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (رواه البخاري) . وأمر النبي ﷺ أمته أن يستعيذوا من الفتن في كل صلاة فقال ﷺ : «إذا تشهد أحدكم أي قرأ التحيات فليستعذ بالله من أربع يقول أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال، وأمر بالصلاة لمدافعة الفتن» كما في حديث أم سلمة ﵂، قالت: «استيقظ النبي ﷺ ليلة فزعا يقول سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن وماذا أنزل من الفتن من يوقظ صواحب الحجرات، يعني زوجاته لكي يصلين، رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» . اللهم نجنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن اللهم بصرنا بالحق وارزقنا الثبات عليه اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه يا رب العالمين. اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 627

[الخطبة الثانية في شيء من الفتن أيضا] الخطبة الثانية في شيء من الفتن أيضا إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وأنيبوا إليه واثبتوا على دينه واستقيموا إليه فإن دين الله دين الحق ووسيلة الصلاح في الدنيا والآخرة واحذروا الزيغ والضلال عنه فإن في ذلك الفساد والشقاوة في الدنيا والآخرة واحذروا الفتن احذروا الفتن ما ظهر منها وما بطن. إن الفتن كل ما يصد عن دين الله من مال أو أهل أو ولد أو عمل: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٥ - ١٦] اتقوا فتنة ينتشر شرها وفسادها إلى الصالحين كما أصاب الظالمين ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥] احذروا فتنة العقيدة الباطلة والآراء المنحرفة والأخلاق السافلة، واحذروا كل فتنة في القول أو في الفعل فإن الفتن أوبئة فتاكة سريعة الانتشار إلى القلوب والأعمال إلى الجماعة والأفراد، فتصيب الصالح والطالح في آثارها وعقوباتها. فلقد حذر النبي ﷺ أمته من الفتن، فقال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا» (رواه مسلم) . إنها فتن مظلمة لا نور فيها كقطع الليل المظلم تؤثر في عقيدة المسلم بين عشية وضحاها يصبح مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا؛ وذلك لأنها فتن قوية ترد على إيمان ضعيف أضعفته المعاصي وأنهكته الشهوات، فلا يجد مقاومة لتلك الفتن ولا مدافعة فتفتك به فتكا وتمزقه كما يمزق السهم رميته. أيها الناس إننا في هذا العصر، بما فتح علينا من الدنيا فتداعت علينا الأمم من أجلها فاختلطوا بنا. إننا بهذا الفتح الدنيوي لعلى مفترق طرق، وفي دور تحول نرجو ألا يكون تحورا فعلى دينكم أيها المؤمنون فاثبتوا ولطريق نبيكم ﷺ وسلفكم الصالح ﵃ فاسلكوا. يقول ربكم ﵎: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]

стр. 628

فهذه عباد الله وصية الله تعالى إليكم أن تتبعوا صراطه المستقيم وأن لا تتبعوا سبيلا يخالفه فتفرق بكم الطرق عن سبيله وتجترفكم الأهواء. أيها الناس: إن نسمع ونشاهد في كل وقت فتنا تترى علينا بدون فتور أو ضعف؛ لأنها -وللأسف - تجد مكانا متسعا ومربعا مرتعا فتنا توجب الإعراض عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ عن العلم بهما والعمل، فتنا تتوارد لا أقول من هناك فحسب ولكن من هناك ومن ههنا من أعدائنا ومن بني جلدتنا. نسمع (مثلا) من يدعو إلى اختلاط النساء بالرجال وإلغاء الفوارق بينهم، إما بصريح القول أو بالتخطيط الماكر البعيد والعمل من وراء الستار وكأن هذا الداعي يتجاهل، أو يجهل أن دعوته هذه خلاف الفطرة والجبلة التي خلق الله عليها الذكر والأنثى وفارق بينهما خلقة وخلقا، كأن هذا الداعي يتجاهل أو يجهل أن هذا خلاف ما يهدف إليه الشرع من بناء الأخلاق الفاضلة، والبعد عن الرذيلة فلقد شرع النبي ﷺ ما يوجب بعد المرأة عن الاختلاط بالرجل فكان يعزل النساء عن الرجال في الصلاة ويقول خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها لماذا؟ لماذا يكون شر صفوف النساء أولها أقرب إلى الرجال من آخرها، فكان شرها وآخرها أبعد عن الرجال من أولها فكان خيرها، إذن فكلما ابتعدت المرأة عن الاختلاط بالرجال فهو خير، وكلما قربت من ذلك فهو شر. كأن هذا الداعي إلى اختلاط النساء بالرجال يتجاهل أو يجهل ما حصل لأمة الاختلاط من الويلات والفساد وانحطاط الأخلاق وانتشار الزنا وكثرة أولاد الزنا حتى أصبحوا يتمنون الخلاص من هذه المفاسد فلا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. ونسمع من يدعو إلى سفور المرأة وتبرجها وإبراز وجهها ومحاسنها وخلع جلباب الحياء عنها يحاول أن تخرج المرأة سافرة بدون حياء، وكأن هذا الداعي يجهل أو يتجاهل أن الحياء من جبلة المرأة التي خلقت عليها، وأن الحياء من دينها الذي خلقت له. قال النبي ﷺ : «الحياء من الإيمان» . وقال: «مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» . كأن هذا الداعي إلى السفور يجهل أو يتجاهل ما يفضي إليه من الشر والفساد واتباع النساء

стр. 629

الجميلات ومحاولة غير الجميلة أن تجمل نفسها لئلا تبدو قبيحة مع من يمشي من الجميلات في السوق، فيبقي مجتمع النساء الإسلامي معرض أزياء. ومن عجب أني قرأت لكاتب من دعاة السفور كلاما ساق فيه حديثا ضعيفا، قال فيه: إنه حديث صحيح متفق على صحته وهذا الحديث رواه أبو داود «أن أسماء بنت أبي بكر ﵂: (دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه» . لكن هذا الحديث ضعيف لأنه غير متصل السند ولا موثوق بجميع رواته. ونسمع من الفتن ما يروجه أعداء الإسلام من الدعاية الكاذبة العارمة لتفخيمهم وترويج بضاعة مدنيتهم الزائفة وحضارتهم المنهارة يروجون ذلك باسم التقدم والرقي والتطور والتثقيف العالمي وما أشبه ذلك من العبارات الفخمة الجزلة التي تنبهر بها عقول كثير من الناس، فيصدقون بما يقال ثم يلهثون وراء هؤلاء الأعداء المروجين بالتقليد الأعمى والتبعية غير المعقولة، بدون تأمل أو نظر في الفوارق والعواقب: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦] فرويدك أيها المخدوع رويدك. إن كل شيء نافع في حضارة هؤلاء الذين أغرتك دعايتهم وغرتك إن كل نافع فيها إن قدر ففي الدين الإسلامي ما هو خير منه وأنفع، وأضبط للمجتمع وأجمع فارجع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وسيرته وسيرة خلفائه وسلف الأمة لترى فيها كل خير نافع للعالم في معاشهم ومعادهم في حاضرهم ومستقبلهم: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ارجع إلى ذلك لترى ما يحاول هؤلاء الأعداء بكل قواهم أن يصدوك عنه لأنهم يعلمون أنك لو طبقته تماما لملكت عواصم بلادهم: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] أيها المسلمون: أيها المؤمنون إن أعداءنا ليهونون هذه الفتن في نفوسنا فيجلبونها إلينا بعد أن أفسدتهم ليفسدونا بها كما فسدوا ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] وما زال الناس في عصرنا هذا يشاهدون ويسمعون كل وقت مظهرا جديدا من مظاهر الفتن كل فتنة يستنكرها الناس ويشمئزون حتى إذا لانت نفوس بعضهم إليها جاءت فتنة أخرى أعظم منها.

стр. 630

وإن السعيد لمن وقي الفتن ومن ابتلي بها فليصبر على دينه وليثبت عليه. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ «إن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه هذه فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» . فاتقوا الله عباد الله ولا تنخدعوا بهذه الفتن ولا بكثرة الداعين إليها فإن الهدى هدى الله ودين الله لا يتغير بتغير الزمن والباطل لا ينقلب حقا بكثرة الداعين إليه والعاملين به. اللهم أصلح لنا ديننا. . إلخ.

стр. 631

[الخطبة الثالثة في أمور أخبر بها النبي ﷺ محذرا منها] الخطبة الثالثة في أمور أخبر بها النبي ﷺ محذرا منها الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، شهادة له بصدقه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وملكه، وحكمه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بلغ ما أنزل إليه من ربه على أكمل وجه وأتمه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعه في هديه وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واحذروا أسباب سخطه وعقابه، وتوبوا إلى ربكم بالرجوع عن معصيته إلى طاعته وعن أسباب سخطه إلى بلوغ مرضاته. احذروا ما حذركم منه نبيكم ﷺ فإنه الناصح الأمين المبلغ، فلقد حذركم ﷺ من أمور فيها هلاككم لتحذروها وبينها لكم لتعلموها وجاء عنه ﷺ التحذير من أمور أصبحتم اليوم واقعين فيها أو في أكثرها. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتخذ الفيء دولا - والأمانة مغنما - والزكاة مغرما - وتعلم لغير الدين - وأطاع الرجل امرأته وعق أمه -وأدنى صديقه - وأقصى أباه - وظهرت الأصوات في المساجد - وساد القبيلة فاسقهم - وكان زعيم القوم أرذلهم - وأكرم الرجل مخافة شره - وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور - ولعن آخر هذه الأمة أولها. فارتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتتابع كنظام قطع سلكه فتتابع» (رواه الترمذي) . وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند لكن له شاهد من الحديث، وشاهد من الواقع، فإن الخصال المذكورة في هذا الحديث صارت في زمننا حقائق مشهودة ملموسة فاستمعوا. الخصلة الأولى: اتخاذ الفيء دولا، والفيء ما أفاءه الله على المؤمنين فإذا صرف عن أهله المستحقين له إلى آخرين لا يستحقونه من أهل الشرف والجاه والغنى والقوة فقد اتخذ دولا قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] الخصلة الثانية: اتخاذ الأمانة مغنما وهذه ذات معان كثيرة منها أن يخون المؤمن في أمانته التي اؤتمن عليها فينكرها أو يتصرف فيها كما يتصرف الغانم في غنيمته. الخصلة الثانية: اتخاذ الزكاة مغرما فيؤديها كأنها غرامة وضريبة خسرها لا يؤديها بطيب

стр. 632

نفس واحتساب أجر وتعبد لله وقيام بفريضة من فرائض الإسلام. ومن أجل اتخاذ الزكاة مغرما تجده يبخل بها ما يؤدي منها بتثاقل، ونقص وربما وضعها في غير أهلها. الخصلة الرابعة: أن يتعلم العلوم الشرعية لغير الدين فلا يتعلمها تقربا إلى الله ولا حفظا لشريعة الله ولا رفعا للجهل عن نفسه وعن عباد الله وإنما يتعلمها لنيل المال والشهادة والجاه والرئاسة. الخصلة الخامسة والسادسة: أن يطيع الرجل امرأته ويعق أمه، فإذا أمرته زوجته بشيء لبى جميع طلبها سريعا، وإذا أمرته أمه به أعرض أو تثاقل أو أتى به ناقصا. الخصلة السابعة والثامنة: أن يدني الرجل صديقه ويقصي أباه تجده ملازما لصديقه يظهره على أسراره ويستشيره في أموره أما مع أبيه، فمتباعد عنه كاتم عنه أسراه لا يأنس بالجلوس عنده ولا ينبسط بالتحدث معه. الخصلة التاسعة: ظهور الأصوات في المساجد حتى تصبح لا قيمة لها ولا احترام يزعق الناس فيها ويصرخون كما يزعقون في بيوتهم وأسواقهم غير مبالين ببيوت الله التي بنيت لعبادته وذكره. الخصلة العاشرة: أن يسود القبيلة فاسقهم أي أن يكون الفاسق العاصي لله ورسوله سيد قبيلته. إما لظهور الفسق فيهم، وكونه ذا قيمة في نفوسهم، فيكون السيد فيهم من بلغ غاية الفسق. وإما لكون الدين لا أثر له في السيادة والقيادة والأثر كله للمال والجاه فصاحبهما هو السيد وإن كان فاسقا. الخصلة الحادية عشرة: أن يكون زعيم القوم أرذلهم والزعيم الرئيس وكان ينبغي له أن يكون أعلى قومه دينا وخلقا ورجولة وشهامة ولكن تنعكس الأمور فيكون أرذل القوم في ذلك. الخصلة الثانية عشرة: أن يكرم الرجل مخافة شره فلا يكرم الرجل لأنه أهل للإكرام في دينه أو خلقه أو جاهه أو إحسانه إلى الناس بل هو خال عن ذلك كله فليس أهلا للإكرام ولكن لشره وعدوانه يكرمه الناس خوفا منه. الخصلة الثالثة عشرة: ظهور القينات والمعازف والقينات المغنيات والمعازف آلات العزف

стр. 633

والطرب. ولقد ظهرت القنيات والمعازف في زمننا الحاضر ظهورا فاحشا، ما ظهرت مثله قط ظهورا مسموعا بالآذان ومشهودا بالعيان في كل وقت، وفي كل مكان في البيت والسوق والدكان، وفي وقت الصلاة ومع الأذان حتى صارت المعازف متعة كثير من الناس، ومنتهى أنسهم أنسوا بما يصرفهم عن ذكر الله ونسوا ما خلقوا له من عبادة الله وتعلقت قلوبهم بمعصية الله وسيجدون غب هذا الأنس وحشة، وبعد هذا التعلق انقطاعا وزوالا. أيها المسلمون إن الحليم من الرجال ليقف حيران أمام هذا الانسياب الجارف إلى آلات اللهو والمعازف، وأمام هذا التغير السريع في مجتمعنا يجلس الواحد من رجل أو امرأة ليستمع إلى صوت مغن أو مغنية، أو يشاهد صورته غير مبال بذلك. إن الحليم ليقف حيران لا يدري أشيء ران على القلوب حتى التبس الأمر عليها وغشى بصائرها ما يمنع الرؤية فصارت لا ترى الحق وشكت في تحريم ذلك. أم شيء أزاغ القلوب فانصرفت عن الحق مع علمها به وارتكبت المعصية على بصيرة هما أمران أحلاهما مر. أيها المسلمون: إن كل من عرف نصوص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا يشك في تحريم المعازف حتى إن رسول الله ﷺ قرنها بالزنا والخمر والحرير. ففي صحيح البخاري عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة (يعني الفقير) فيقولوا ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» . قال ابن القيم ﵀ تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية: بيان تحريم رسول الله ﷺ الصريح لآلات اللهو والمعازف ثم ساق الأحاديث الدالة على ذلك وهي كثيرة ساقها في إغاثة اللهفان. أيها المسلمون: لقد كنا إلى زمن قريب ننكر آلات اللهو وتكسر أمام المساجد بعد صلاة الجمعة إتلافا لها ومنعا لانتشارها، فصار الوضع إلى ما ترون فلا أدري أنزل وحي بحلها لكم، فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أم أنها التبعية لأكثر الناس بلا روية فاقرءوا إن شئتم قول ربكم : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]

стр. 634

فاللهم عفوا وغفرا وهداية وصلاحا. الخصلة الرابعة عشرة: شرب الخمور وهي المسكرات من أي نوع كانت قال النبي ﷺ «كل مسكر خمر» ، ولقد شربت الخمر وكثر شاربوها حتى صارت في بعض بلاد المسلمين تباع علنا وتشرب بالأسواق، وربما سموها بغير اسمها خداعا وتزيينا في النفوس حتى سموها (الشراب الروحي) . ألا قاتلهم الله أين المتعة للروح في شراب يسلبها عقلها، ثم يعقب تلك السكرة هم وغم لا يزول إلا بالعودة للشرب ثانية وثالثة، حتى يقضي على العقل والجسم والروح فأين الشراب الروحي أنى يؤفكون. الخصلة الخامسة عشرة: أن يلعن آخر هذه الأمة أولها، واللعن إما أن يكون بلفظه، وقد وجد من هذه الأمة من يصب اللعنات على بعض السلف الصالح، وإما أن يكون بمعناه بالقدح في السلف الصالح وذمهم وذم طريقتهم واعتقاد أنها طريق رجعية لا تصلح لهذا العصر. أيها المسلمون إن هذه الخصال إذا حصلت فنحن مهددون بتلك العقوبة بريح عاصفة حمراء تحمل الرمال، وتدمر المساكن وبزلزلة تصدع الأرض، وتفسد العمران وبخسف تتغير به معالم الأرض، وتزول به جبال عن أماكنها، وبمسخ يمسخ به الإنسان قردا وخنزيرا، وبقذف بحجارة من السماء كما أرسل على قوم لوط، وبآيات أخر من العقوبات من حروب طاحنة وسيول جارفة وغير ذلك. فاتقوا الله عباد الله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥] اللهم جنبنا أسباب سخطك وعقابك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين وصلى الله عليه وعلى نبينا محمد وعلى آله وصحبته أجمعين.

стр. 635

[الخطبة الرابعة في شيء من المغيبات يكون قبل قيام الساعة] الخطبة الرابعة في شيء من المغيبات يكون قبل قيام الساعة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد: فقد قال الله لرسول ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا - عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا - لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٥ - ٢٨] أمر الله نبيه ﷺ وهو أشرف الخلق عنده أن يعلن للملأ بأنه ﷺ لا يعلم متى يقع ما يوعدون به من العذاب سواء ما يقع في القيامة أو عند الموت، لأنه ﷺ لا يعلم متى الساعة ولا متى يموتون، وإنما علم ذلك عند عالم الغيب والشهادة رب العالمين، ولكنه سبحانه قد يظهر على غيبه من يرتضيه من خلقه من الرسل ليبلغوا رسالات ربهم ولقد أظهر الله نبيه محمدا ﷺ على غيب كثير مجمل ومفصل فيما أوحاه إليه من الكتاب والسنة، وليس يعلم ﷺ إلا ما أوحاه إليه ربه فمن ذلك ما في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن، ويكثر الهرج (وهو القتل) وحتى يكثر فيكم المال، فيفيض حتى يهم رب المال من يقبض صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا إرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها» .
следующие страницы →