← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30920

الضياء اللامع من الخطب الجوامع

ابن عثيمين

Полный текст (711 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

[الخطبة الثالثة في أمور أخبر بها النبي ﷺ محذرا منها] الخطبة الثالثة في أمور أخبر بها النبي ﷺ محذرا منها الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، شهادة له بصدقه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وملكه، وحكمه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي بلغ ما أنزل إليه من ربه على أكمل وجه وأتمه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعه في هديه وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واحذروا أسباب سخطه وعقابه، وتوبوا إلى ربكم بالرجوع عن معصيته إلى طاعته وعن أسباب سخطه إلى بلوغ مرضاته. احذروا ما حذركم منه نبيكم ﷺ فإنه الناصح الأمين المبلغ، فلقد حذركم ﷺ من أمور فيها هلاككم لتحذروها وبينها لكم لتعلموها وجاء عنه ﷺ التحذير من أمور أصبحتم اليوم واقعين فيها أو في أكثرها. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اتخذ الفيء دولا - والأمانة مغنما - والزكاة مغرما - وتعلم لغير الدين - وأطاع الرجل امرأته وعق أمه -وأدنى صديقه - وأقصى أباه - وظهرت الأصوات في المساجد - وساد القبيلة فاسقهم - وكان زعيم القوم أرذلهم - وأكرم الرجل مخافة شره - وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور - ولعن آخر هذه الأمة أولها. فارتقبوا عند ذلك ريحا حمراء وزلزلة وخسفا ومسخا وقذفا وآيات تتتابع كنظام قطع سلكه فتتابع» (رواه الترمذي) . وهذا الحديث وإن كان ضعيف السند لكن له شاهد من الحديث، وشاهد من الواقع، فإن الخصال المذكورة في هذا الحديث صارت في زمننا حقائق مشهودة ملموسة فاستمعوا. الخصلة الأولى: اتخاذ الفيء دولا، والفيء ما أفاءه الله على المؤمنين فإذا صرف عن أهله المستحقين له إلى آخرين لا يستحقونه من أهل الشرف والجاه والغنى والقوة فقد اتخذ دولا قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] الخصلة الثانية: اتخاذ الأمانة مغنما وهذه ذات معان كثيرة منها أن يخون المؤمن في أمانته التي اؤتمن عليها فينكرها أو يتصرف فيها كما يتصرف الغانم في غنيمته. الخصلة الثانية: اتخاذ الزكاة مغرما فيؤديها كأنها غرامة وضريبة خسرها لا يؤديها بطيب

стр. 632

نفس واحتساب أجر وتعبد لله وقيام بفريضة من فرائض الإسلام. ومن أجل اتخاذ الزكاة مغرما تجده يبخل بها ما يؤدي منها بتثاقل، ونقص وربما وضعها في غير أهلها. الخصلة الرابعة: أن يتعلم العلوم الشرعية لغير الدين فلا يتعلمها تقربا إلى الله ولا حفظا لشريعة الله ولا رفعا للجهل عن نفسه وعن عباد الله وإنما يتعلمها لنيل المال والشهادة والجاه والرئاسة. الخصلة الخامسة والسادسة: أن يطيع الرجل امرأته ويعق أمه، فإذا أمرته زوجته بشيء لبى جميع طلبها سريعا، وإذا أمرته أمه به أعرض أو تثاقل أو أتى به ناقصا. الخصلة السابعة والثامنة: أن يدني الرجل صديقه ويقصي أباه تجده ملازما لصديقه يظهره على أسراره ويستشيره في أموره أما مع أبيه، فمتباعد عنه كاتم عنه أسراه لا يأنس بالجلوس عنده ولا ينبسط بالتحدث معه. الخصلة التاسعة: ظهور الأصوات في المساجد حتى تصبح لا قيمة لها ولا احترام يزعق الناس فيها ويصرخون كما يزعقون في بيوتهم وأسواقهم غير مبالين ببيوت الله التي بنيت لعبادته وذكره. الخصلة العاشرة: أن يسود القبيلة فاسقهم أي أن يكون الفاسق العاصي لله ورسوله سيد قبيلته. إما لظهور الفسق فيهم، وكونه ذا قيمة في نفوسهم، فيكون السيد فيهم من بلغ غاية الفسق. وإما لكون الدين لا أثر له في السيادة والقيادة والأثر كله للمال والجاه فصاحبهما هو السيد وإن كان فاسقا. الخصلة الحادية عشرة: أن يكون زعيم القوم أرذلهم والزعيم الرئيس وكان ينبغي له أن يكون أعلى قومه دينا وخلقا ورجولة وشهامة ولكن تنعكس الأمور فيكون أرذل القوم في ذلك. الخصلة الثانية عشرة: أن يكرم الرجل مخافة شره فلا يكرم الرجل لأنه أهل للإكرام في دينه أو خلقه أو جاهه أو إحسانه إلى الناس بل هو خال عن ذلك كله فليس أهلا للإكرام ولكن لشره وعدوانه يكرمه الناس خوفا منه. الخصلة الثالثة عشرة: ظهور القينات والمعازف والقينات المغنيات والمعازف آلات العزف

стр. 633

والطرب. ولقد ظهرت القنيات والمعازف في زمننا الحاضر ظهورا فاحشا، ما ظهرت مثله قط ظهورا مسموعا بالآذان ومشهودا بالعيان في كل وقت، وفي كل مكان في البيت والسوق والدكان، وفي وقت الصلاة ومع الأذان حتى صارت المعازف متعة كثير من الناس، ومنتهى أنسهم أنسوا بما يصرفهم عن ذكر الله ونسوا ما خلقوا له من عبادة الله وتعلقت قلوبهم بمعصية الله وسيجدون غب هذا الأنس وحشة، وبعد هذا التعلق انقطاعا وزوالا. أيها المسلمون إن الحليم من الرجال ليقف حيران أمام هذا الانسياب الجارف إلى آلات اللهو والمعازف، وأمام هذا التغير السريع في مجتمعنا يجلس الواحد من رجل أو امرأة ليستمع إلى صوت مغن أو مغنية، أو يشاهد صورته غير مبال بذلك. إن الحليم ليقف حيران لا يدري أشيء ران على القلوب حتى التبس الأمر عليها وغشى بصائرها ما يمنع الرؤية فصارت لا ترى الحق وشكت في تحريم ذلك. أم شيء أزاغ القلوب فانصرفت عن الحق مع علمها به وارتكبت المعصية على بصيرة هما أمران أحلاهما مر. أيها المسلمون: إن كل من عرف نصوص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا يشك في تحريم المعازف حتى إن رسول الله ﷺ قرنها بالزنا والخمر والحرير. ففي صحيح البخاري عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة (يعني الفقير) فيقولوا ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» . قال ابن القيم ﵀ تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية: بيان تحريم رسول الله ﷺ الصريح لآلات اللهو والمعازف ثم ساق الأحاديث الدالة على ذلك وهي كثيرة ساقها في إغاثة اللهفان. أيها المسلمون: لقد كنا إلى زمن قريب ننكر آلات اللهو وتكسر أمام المساجد بعد صلاة الجمعة إتلافا لها ومنعا لانتشارها، فصار الوضع إلى ما ترون فلا أدري أنزل وحي بحلها لكم، فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أم أنها التبعية لأكثر الناس بلا روية فاقرءوا إن شئتم قول ربكم : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]

стр. 634

فاللهم عفوا وغفرا وهداية وصلاحا. الخصلة الرابعة عشرة: شرب الخمور وهي المسكرات من أي نوع كانت قال النبي ﷺ «كل مسكر خمر» ، ولقد شربت الخمر وكثر شاربوها حتى صارت في بعض بلاد المسلمين تباع علنا وتشرب بالأسواق، وربما سموها بغير اسمها خداعا وتزيينا في النفوس حتى سموها (الشراب الروحي) . ألا قاتلهم الله أين المتعة للروح في شراب يسلبها عقلها، ثم يعقب تلك السكرة هم وغم لا يزول إلا بالعودة للشرب ثانية وثالثة، حتى يقضي على العقل والجسم والروح فأين الشراب الروحي أنى يؤفكون. الخصلة الخامسة عشرة: أن يلعن آخر هذه الأمة أولها، واللعن إما أن يكون بلفظه، وقد وجد من هذه الأمة من يصب اللعنات على بعض السلف الصالح، وإما أن يكون بمعناه بالقدح في السلف الصالح وذمهم وذم طريقتهم واعتقاد أنها طريق رجعية لا تصلح لهذا العصر. أيها المسلمون إن هذه الخصال إذا حصلت فنحن مهددون بتلك العقوبة بريح عاصفة حمراء تحمل الرمال، وتدمر المساكن وبزلزلة تصدع الأرض، وتفسد العمران وبخسف تتغير به معالم الأرض، وتزول به جبال عن أماكنها، وبمسخ يمسخ به الإنسان قردا وخنزيرا، وبقذف بحجارة من السماء كما أرسل على قوم لوط، وبآيات أخر من العقوبات من حروب طاحنة وسيول جارفة وغير ذلك. فاتقوا الله عباد الله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥] اللهم جنبنا أسباب سخطك وعقابك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين وصلى الله عليه وعلى نبينا محمد وعلى آله وصحبته أجمعين.

стр. 635

[الخطبة الرابعة في شيء من المغيبات يكون قبل قيام الساعة] الخطبة الرابعة في شيء من المغيبات يكون قبل قيام الساعة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد: فقد قال الله لرسول ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا - عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا - لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٥ - ٢٨] أمر الله نبيه ﷺ وهو أشرف الخلق عنده أن يعلن للملأ بأنه ﷺ لا يعلم متى يقع ما يوعدون به من العذاب سواء ما يقع في القيامة أو عند الموت، لأنه ﷺ لا يعلم متى الساعة ولا متى يموتون، وإنما علم ذلك عند عالم الغيب والشهادة رب العالمين، ولكنه سبحانه قد يظهر على غيبه من يرتضيه من خلقه من الرسل ليبلغوا رسالات ربهم ولقد أظهر الله نبيه محمدا ﷺ على غيب كثير مجمل ومفصل فيما أوحاه إليه من الكتاب والسنة، وليس يعلم ﷺ إلا ما أوحاه إليه ربه فمن ذلك ما في صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله وحتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن، ويكثر الهرج (وهو القتل) وحتى يكثر فيكم المال، فيفيض حتى يهم رب المال من يقبض صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا إرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها» .

стр. 636

في هذا الحديث أخبر النبي ﷺ عن اثني عشرا أمرا يكون قبل قيام الساعة. أخبر أنه لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما واحدة، وفسر هذا بما جرى في زمن علي ومعاوية ﵄ حيث كان كل من الفئتين يدعو إلى ما يرى أنه الحق، فقتل منهم نحو سبعين ألفا على ما قيل. أخبر أنه لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون يزعم كل منهم أنه نبي، وقد ظهر كثير منهم ولا رسول بعد محمد ﷺ : ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] أخبر أنه لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم والمراد به العلم الشرعي علم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وكيفية قبضه أن يقبض العلماء كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» . أخبر النبي ﷺ أنه لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلازل وهي نوعان زلازل حسية تهز الأرض، فتدمر القرى والمساكن، وزلازل معنوية تزلزل الإيمان والعقيدة والأخلاق والسلوك، حتى يضطرب الناس في عقائدهم وأخلاقهم وسلوكهم، فيعود الحليم العاقل حيران، والحديث محتمل لكل منهما وهو في الأول أظهر. أخبر النبي ﷺ : أنه لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فيقرب أوله من آخره وذلك بكثرة الغفلة، وفشل الأعمال والأوقات حتى يمضي الزمن الكثير وما صنع الإنسان إلا شيئا قليلا، أو أن معناه سرعة إنجاز الأمور التي لا تنجز إلا بزمان كثير كما يشاهد في وسائل النقل، ووسائل الإعلام والله أعلم بما أراد رسوله. وأخبر النبي ﷺ : أنه لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، فتن الدين والدنيا أما فتن الدين فكل ما يصد عن الإيمان بالله والقيام بأمره واتباع هدي نبيه ﷺ من العقائد الفاسدة والأفكار الهدامة والسلوك المنحرف، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة بالاشتغال بالشهوات واللذائذ المحرمة. وأما فتن الدنيا فما يحصل من القتل والخوف والسلب والنهب وظهور الفتن، دليل على ضعف العلم الصحيح والإيمان الخالص والولاية العادلة. أخبر النبي ﷺ : أنه لا تقوم الساعة حتى يكثر القتل سواء كان ذلك بالحروب، أم بالاغتيالات وقد جرى ذلك. أخبر النبي ﷺ : أنه لا تقوم الساعة حتى يكثر المال، وقد كثرت الأموال وسوف تزداد حتى يهم الرجل من يقبض صدقته، وحتى يعرض الرجل المال على الرجل هبة أو صدقة، فيقول لا حاجة لي به. أخبر

стр. 637

النبي ﷺ : أنه لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان، سواء كان التطاول بجمال البنيان وتشييده والاعتناء به، أو بارتفاعه كل ذلك من التطاول وهو دليل على اشتغال الخلق في أحوال دنياهم دون أحوال دينهم، لأن التطاول في ذلك يشغل القلب والبدن، فيلهو به الإنسان عن مصالح دينه. أخبر النبي ﷺ : أنه لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول ليتني مكانه. قال العلماء لما يرى من الأمور العظام التي يفضل الموت عليها من عظيم البلاء ورئاسة الجهلاء وخمول العلماء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم واستحلال الحرام. أخبر النبي ﷺ : أنه لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ويختل نظام سيرها فيعلم الناس حينئذ أنها تسير بتقدير الله وأمره فيؤمنون، ولكن الإيمان لا ينفع إلا من كان مؤمنا من قبل أو كاسبا في إيمانه خيرا. ثم أخبر النبي ﷺ : أن الساعة تقوم بغتة وضرب لذلك أربعة أمثال: تقوم والرجلان بينهما ثوب قد فلاه يتبايعانه، فلا يمكنهما البيع ولا طي الثوب. وتقوم والرجل قد انصرف بلبن ناقته ليشربه فلا يتمكن من شربه. وتقوم والرجل يصلح حوض إبله ليسقيها فلا يسقي فيه. وتقوم وقد رفع اللقمة إلى فمه فلا يطعمها. فاتقوا الله عباد الله وآمنوا برسوله وأعدوا ليوم القيامة عدته قبل أن يفاجئكم الموت فلا تدركون النجاة ولا الغوث. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب. . إلخ.

стр. 638

[الخطبة الخامسة في التحذير مما يكون في بعض الصحف والمجلات] الخطبة الخامسة في التحذير مما يكون في بعض الصحف والمجلات إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واحذروا الفتن ما ظهر منها وما بطن احذروا ما يفتنكم عن دينكم وشرفكم وأخلاقكم فإن الفتن تسري إلى القلوب، فتصدها عن ذكر الله وعن الصلاة. تسري إلى القلوب النقية البيضاء فتكسبها شبهة وظلمة. تسري إلى القلوب التي تلين لذكر الله، وتخشع لعظمته فتكسبها قسوة واستكبارا. تسري إلى القلوب فتفتك بها كما يسري السم إلى الجسم فيفتك به. احذروا أيها المؤمنون الفتن كلها، لا تقولوا نحن مؤمنون نحن مستقيمون ولن تؤثر علينا أسباب الفتن، لا تقولوا هكذا فإن سهام إبليس نافذة لقد أمر الرسول ﷺ بالفرار من الدجال خوفا من فتنته، فقال ﷺ : «من سمع بالدجال فلينأ عنه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه بما يبعث به من الشبهات» (رواه أبو داود) ، إن هذا الحديث أيها المؤمنون لعلم نهتدي به في كل مواقع الفتن، أن نبتعد عنها وإن كنا نظن أننا نخرج منها بسلام فإن الرجل لا يأمن على نفسه الفتنة. أيها المؤمنون: لقد كثرت في عصرنا هذا أسباب الفتن وتنوعت أساليبها، وانفتحت أبوابها من كل ناحية، فتحت الدنيا فتنافسها كثير من الناس فأهلكتهم، وجاءت الوسائل الإعلامية ما بين مسموعة ومشاهدة، وفي وقت كثر فيه الفراغ فعكف الناس عليها، فضاعت بها مصالح دينهم ودنياهم وأردتهم. إن وسائل الإعلام في الصحف والمجلات وغيرها لوسائل فعالة في المجتمع عقيدة وسلوكا وأخلاقا. إن استعملت في الخير وتبصير الناس في دينهم ومصالح دنياهم، كانت من أفضل الوسائل وأنفعها، وإن استعملت في ضد ذلك كانت من أضر الوسائل وأفسدها. وإن من المؤسف أن يكون في هذه الوسائل الإعلامية - الصحف والمجلات وغيرها - من المؤسف أن يكون فيها ما يدعو إلى الشر والفساد إلحاد في آيات الله، وتحريف لكتاب الله ودعوة إلى انحطاط الأخلاق والتحلل من الفضيلة. لقد كنت أسمع الكثير عن ذلك أسمع الكثير عن مجلات

стр. 639

الأخلاق والتحلل من الفضيلة. لقد كنت أسمع الكثير عن مجلات معينة وكنت أقدم رجلا وأؤخر أخرى عن إضاعة الوقت في قراءة مثل هذه المجلات حتى رأيت من الواجب أن أمر مرورا عابرا على شيء من تلك الصحف لأعرف ما فيها من شر أتقيه وأحذر منه فأتحت الفرصة لنفسي في المرور على مجلة النهضة التي تصدر في الكويت وتدخل إلى بلادنا وتباع في أسواقنا وتقع في أيدي شبابنا من ذكور وإناث فوجدت المنظر شرا من المسمع. وجدت أقوالا نابية في الحب والغرام منظومة ومنثورة. وجدت صورا من النساء جميلة تثير الشهوة وتفتن القلب إلى حد أنها أجرت مسابقة لعرض الأجمل من النساء والمعبر عنها بملكة الجمال فصورت أجمل من تقدم لها على الغلاف بصورة مغرية. وجدت تصوير عناق وضم بين رجل وامرأة تحت عنوان (رسول الحب) وتحته قصيدة كلها غرام بالحب. وجدت أزياء وأشكالا من الألبسة على تلك الصور لا يقرها دين سماوي ولا ضمير شريف. وجدت دعاية للتدخين عليها صور الرجال ونساء في أيديهم سجائر. وجدت هذا كله في لمحة سريعة لسبعة أعداد فقط وما فاتني من صفحاتها وأعدادها الأخرى أكثر هذه المجلة أنموذج واحد من كثير من المجلات التي ربما تكون أقبح من هذه وأخبث. فيا أيها المواطنون يا أيها المؤمنون إنني أدعوكم باسم الإيمان بالله وباسم الإسلام وبكل وصف تستحقونه من شرف وفضيلة أن لا تتسرب إلى بيوتكم وإلى أيديكم مثل هذه المجلات التي تصرفكم عن الصراط المستقيم وتحرفكم عن أخلاقكم وقيمكم إن كل ما يعرض فيها لا بد أن يؤثر على من قرأها مقتنعا بها وبما تنشره من أفكار ومظاهر. فاتقوا الله عباد الله وإياكم أن تبذلوا الأموال في شرائها والمساهمة فيها فإن في ذلك مفاسد كثيرة منها إضاعة المال حيث يبذله فيما لا نفع فيه بل فيه مضرة وقد جعل الله المال للناس قياما تقوم به مصالح دينهم ودنياهم: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] فمن صرف المال في غير ذلك فقد غيره عما خلق من أجله وصرفه في غير محله وصدق عليه أنه أضاعه وارتكب ما نهى عنه رسول الله ﷺ من إضاعة المال ومن مفاسدها إضاعة الوقت الذي هو عند العقلاء أثمن من المال لأنه ظرف العمل ونتيجته وسعادة المرء وشقاوته وهو مسؤول عنه كما يسأل عن المال فعن ابن مسعود ﵁ أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 640

قال «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وماذا عمل فيما علم» (رواه الترمذي وقال غريب قال الألباني ولكنه صحيح لشواهده) ولو أمضى الإنسان وقته في قراءة ما ينفعه كالقرآن وتفسيره والحديث وشرحه وتاريخ حياة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين لحصل له خير كثير وكسب عمره في هذه الدنيا. ومن مفاسد هذه المجلات ما يحدث للقلب من هيام في الحب وإغراق في الخيال الذي لا حقيقة له فيه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. يسيح قلبه في خيال فارغ لا يحصل به إلا قلق النفس وتشتيت الفكر ونسيان مصالح دينه ودنياه. ومن مفاسدها تأثيرها على الفكر والأخلاق والعادات حيث يألف ما يقرؤه من أفكار منحرفة وما يشاهده من مظاهر فاتنة في الصور وأزياء الألبسة وغيرها فيتأثر بذلك الفرد والمجتمع وينطبعان بهذا الطابع الفاسد. ومن مفاسدها إغراء ناشريها على نشرها وتقوية رصيدهم المالي لينشروا ما هو أفظع من ذلك وأقبح متى سنحت لهم الفرصة فيكون المشتري والمشترك والمتقبل لها مشاركا في نشر الفساد وعليه من إثمه نصيب. فيا أيها المؤمنون قاطعوا هذه المجلات وجانبوها وإياكم واقتناءها واحذروها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥] أعاذني الله وإياكم من مضلات الفتن وحمانا جميعا بقوته وعزته من الزيغ والزلل وجعلنا دعاة إلى الخير والرشاد نهاة عن الشر والفساد. إنه هو الكريم الجواد وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 641

[القسم السادس في أحوال القيامة] [الخطبة الأولى في بعض أهوال يوم القيامة] القسم السادس في أحوال القيامة الخطبة الأولى في بعض أهوال يوم القيامة الحمد لله الملك القهار العزيز الجبار خلق السماوات والأرض وما بينهما من غير تعب ولا اضطرار وأنزل على عبده في الكتاب والفرقان: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٦ - ٧] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أقوم الناس طاعة بفعل المأمور وترك المحظور صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحشر والنشور وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وفكروا في دنياكم وآخرتكم في حياتكم وموتكم في حاضركم ومستقبلكم فكروا في هذه الدنيا فيمن مضى من السابقين الأولين منهم والآخرين ففيهم عبرة لمن اعتبر عمروا في هذه الدنيا فعمروها وكانوا أكثر منا أموالا وأولادا وأشد منا قوة وتعميرا فذهبت بهم الأيام كأن لم يكونوا وأصبحوا خبرا من الأخبار وأنتم على ما ساروا عليه سائرون وإلى ما صاروا إليه صائرون سوف تنتقلون عن هذه الدنيا إلى القبور بعد القصور وسوف تنفردون بها بعد الاجتماع بالأهل والسرور سوف تنفردون بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر إلى يوم النشور وحين ذلك ينفخ في الصور فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة بلا نعال وعراة بلا ثياب وغرلا بلا ختان حدث النبي ﷺ بهذا الحديث فقالت عائشة «يا رسول الله الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض فقال ﷺ يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض» . وصدق رسول الله ﷺ إن الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض إن الأمر أشد من أن ينظر الرجال إلى النساء أو النساء إلى الرجال إنه أعظم من أن تسأل الأم عن ولدها والابن عن أبيه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢] هنالك قلوب واجفة وأبصار خاشعة هنالك تنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال فيأخذ المؤمن كتابه بيمينه ويأخذ الكافر كتابه بشماله من وراء ظهره فأما من

стр. 642

أوتي كتابه بيمينه فيقول فرحا وسرورا ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول حزنا وغما ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] ويدعو ثبورا وهناك توضع الموازين فتوزن فيها أعمال العباد من خير وشر ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] في ذلك اليوم يموج الناس بعضهم في بعض ويلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون فيقول الناس ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى عليهم الصلاة والسلام وكلهم يقدم عذرا ثم يأتون إلى عيسى ﷺ فيقول لست لها ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتون إلى النبي ﷺ فيقول مفتخرا بنعمة الله أنا لها فيستأذن من ربه ويخر له ساجدا ويفتح الله عليه من محامده وحسن الثناء وعليه ما لم يفتحه على أحد قبله فيدعه الله ما شاء الله أن يدعه ثم يقول يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه. وفي ذلك اليوم ينزل الله للقضاء بين عباده وحسابهم فيخلو بعبده المؤمن وحده ويضع عليه سترة ويكلمه ليس بينه وبينه ترجمان فيخبره بما عمل من ذنوبه حتى يقر ويعترف فيظهر الله عليه فضله فيقول قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وفي ذلك اليوم الحوض المورود لمحمد ﷺ ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من ريح المسك طوله شهر وعرضه شهر وآنيته كنجوم السماء كثرة وإضاءة لا يرده إلا المؤمنون به المتبعون لسنته من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين. في ذلك اليوم تدنى الشمس من الخلق حتى تكون قدر ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمهم العرق إلجاما. ويظل الله من يشاء في ظله يوم لا ظل إلا ظله. في ذلك اليوم يقول الله يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير كله في يديك فيقول أخرج بعث النار من ذريتك قال وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون فعند ذلك يشيب الصغير. في ذلك اليوم يوضع الصراط على متن جهنم أدق من الشعرة وأحد من السيف وترسل

стр. 643

الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر الناس عليه على قدر أعمالهم تجري بهم أعمالهم فمنهم من يمر كلمح البصر ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر بزحف ومنهم ما بين ذلك ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول يا رب سلم سلم. قال النبي ﷺ «فأكون أول من يجوز أن يعبر من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم» . وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة تأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكروس في النار. في ذلك اليوم يتفرق الناس إلى فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ - وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦] فاتقوا الله عباد الله وخذوا لهذا اليوم عدته فإنه مصيركم لا محالة وموعودكم لا ريب فيه وإنه على عظمه وشدته وهوله ليكون يسيرا على المؤمنين المتقين لأن الله يقول: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] فآمنوا بالله واتقوه واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه. اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم خفف عنا أهوال ذلك اليوم واجعلنا فيه من السعداء وألحقنا بالصالحين يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 644

[الخطبة الثانية في عذاب النار] الخطبة الثانية في عذاب النار الحمد لله مستحق الحمد وأهله الجازي خلقه جزاء دائرا بين فضله وعدله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه وحكمه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل خلقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومتبعي هديه وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون اتقوا النار بطاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فإنه لا نجاة لكم من النار إلا بهذا. اتقوا النار فإنها دار البوار دار البؤس والشقاء والخزي والعار دار من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ساكنوها شرار خلق الله تعالى من الشياطين وأتباعهم قال الله تعالى مخاطبا لإبليس: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ - لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥] دار فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف وغيرهم من طغاة الخلق وفجارهم دار عبد الله بن أبي وأحزابه من منافقي هذه الأمة وخونتها. هؤلاء سكانها كفار فجرة وطغاة ظلمة ومنافقون خونة ولئن سألتم عن مكانها فإنها في أسفل السافلين وأبعد ما يكون عن رب العالمين فهي دار عقاب الله فأبعدت عن رحمة الله وعن دار أولياء الله يؤتى بها يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حرها شديد وقعرها بعيد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنم قالوا يا رسول الله إنها أي نار الدنيا لكافية قال إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: «كنا عند النبي ﷺ فسمعنا وجبة أي صوت شيء سقط فقال النبي ﷺ أتدورن ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال حجر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفا يعني سبعين سنة فالآن حين انتهى إلى قعرها» (رواه مسلم) . وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: يقال لليهود والنصارى وهم الذين يتسمون الآن بالمسيحيين «يقال لليهود والنصارى ماذا تبغون فيقولون عطشنا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار قال الله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] عباد الله ما ظنكم بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف عام لم يأكلوا فيها أكلة ولم يشربوا فيها شربة قد تقطعت أكبادهم جوعا واحترقت

стр. 645

أجوافهم عطشا ثم انصرف بهم إلى النار وهم يطمعون في الشراب فلا يجدون إلا النار يلقون فيها: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] قد ملأها الله غيظا وحنقا عليهم: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] يلقون فيها أفواجا يقابلون بالتقريع والتوبيخ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ - قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ - وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ - فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٨ - ١١] هذا ما يقابلون به عند دخولهم النار توبيخ وتقريع وإهانة وتنديم فتتقطع قلوبهم أسفا وتذوب أكبادهم كمدا وحزنا ولكن لا ينفعهم ذلك فإذا دخلوها فما أعظم عذابهم وما أشد عقابهم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] طعامهم الزقوم وهو شجر خبيث مر الطعم نتن الريح كريه المنظر يتزقمونه تزقما لكراهته وقبحه ولكن يلجئون إلى ذلك لشدة جوعهم فلا يسمنهم ولا يغني من جوع. وفي الحديث عن النبي ﷺ : قال اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معيشتهم» (رواه النسائي والترمذي وقال حسن صحيح) فإذا ملئوا بطونهم من هذا الطعام الخبيث الذي لا يسمن ولا يغني من جوع التهبت أكبادهم عطشا فلا يهيأ لهم الشراب وإنهم ليستغيثون: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] وهو الرصاص المذاب ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] حتى تتساقط لحومها ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] يشربونه على كره واضطرار شرب الهيم وهي الإبل العطاش التي لا تروى من الماء فإذا سقط في أجوافهم قطع أمعاءهم هذا شرابهم كالمهل في حرارته وكالصديد في نتنه وخبثه قال الله تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ - مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ - يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٥ - ١٧] أما لباسهم فلباس الشر والعار ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩] على قدر أبدانهم لا تقيهم حر جهنم ولكن تزيدها اشتعالا فيها وحرارة ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠] في عذاب مستمر دائم ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] وكلما خبت نارها زادها الله سعيرا

стр. 646

﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى - نَزَّاعَةً لِلشَّوَى - تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى - وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٨] يرتفع بهم لهبها إلى أعلاها: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] ينوع عليهم العذاب فلا يستريحون فيقولون: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] والله لا يطعمون في التخفيف الدائم ولا في الانقطاع ولو ساعة وإنما يسألون أن يخفف عنهم يوما واحدا من العذاب ولكن لا تجيبهم الملائكة إلا بالتوبيخ والتهكم تقول لهم ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٥٠] أي بالأدلة الواضحات فيقولون بلى فتقول الملائكة ﴿فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] فلن يستجاب لهم لأنهم لم يستجيبوا للرسل حين دعوهم إلى الله وعبادته في الدنيا وحينئذ يتمنون الموت من شدة العذاب فيقولون ﴿يَا مَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] وهو خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] أي ليهلكنا ويميتنا فيقول لهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ويقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] يتوجهون إلى رب العالمين ذي العظمة والجلال والعدل في الحكم والفعال فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ - رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٧] فيقول لهم أحكم الحاكمين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ - إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ - فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١١٠] عباد الله قال النبي ﷺ : «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل يعني القدر» . ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا. وقال ﷺ : «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة أي يغمس فيها ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط هل مر بك نعيم قط فيقول لا والله يا رب» . إنه والله لينسى كل نعيم مر به في الدنيا وقد غمس في النار غمسة واحدة فكيف به وهو مخلد فيها أبدا. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا - إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩] ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤]

стр. 647

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا - وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا - رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٥ - ٦٨] اللهم أنجنا من النار وأدخلنا الجنة دار المتقين الأبرار واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين إنك أنت الغفور الرحيم.

стр. 648

[الخطبة الثالثة في نعيم الجنة] الخطبة الثالثة في نعيم الجنة الحمد لله الذي جعل جنات الفردوس لعباده المؤمنين نزلا ونوع لهم الأعمال الصالحة ليتخذوا منها إلى تلك الجنات سبلا وجعل ميعاد دخولها يوم القدوم عليه وضرب مدة الحياة الفانية دونه أجلا أودعها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وكملها بدوام نعيمها فأهلها خالدون فيها أبدا لا يبغون عنها حولا. والحمد لله الذي أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ولم يترك عباده هملا غير مأمورين ولا منهيين فقامت الحجة وانتفت الشبهة وبانت الطريق لمن أراد سلوكها غير أنه بحكمته زين لهم هذه الدار فكانت فتنة افتتن بها قوم فغفلوا عما أريد بهم ونسوا دار القرار وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له فاطر السماوات والأرض وجامع الناس ليوم الميعاد والعرض ليجزيهم بما عملوا من خير وشر: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه بعثه الله تعالى للإيمان مناديا وإلى دار السلام داعيا وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا وفرض على العباد طاعته والقيام بحقوقه وسد جميع الطرق إلى الجنة فلم يفتحها لأحد إلا من طريقه فبلغ رسالة ربه ونصح لعباده حتى لحق بالرفيق الأعلى وترك أمته على المحجة البيضاء فسلكها الراغبون في جنات النعيم وعدل بها المخذولون إلى طريق الجحيم فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ - الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ - وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٥] سارعوا إلى جنة لا يفنى نعيمها ولا يبيد وليس في نعيمها انقطاع ولا تنغيص ولا تنكيد ساكنوها أفضل عباد الله الرسل والأنبياء والأولياء والأصفياء والصالحون والشهداء إخوانا على سرر متقابلين قد نزع الله ما في صدورهم من الغل فكانت صفاء وطهر الله ألسنتهم من السوء فقالت صوابا: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا - إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] يتحدثون

стр. 649

بينهم فيما جرى عليهم في الدنيا وما من الله به عليهم من الهدى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ - فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ - إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٨] لهم فيها أزواج مطهرة من كل عيب ودنس خيرات الأخلاق حسان الوجوه قاصرات الطرف مقصورات في الخيام كأنهن الياقوت والمرجان أنشأهن الله إنشاء كاملا بديعا فجعلهن أبكارا دائما عربا يتحببن إلى أزواجهن بتحسين الظاهر والباطن أترابا على سن واحدة: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ - لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ - سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٦ - ٥٨] لهم فيها فواكه كثيرة منها يأكلون قطوفها دانية يتناولها من اشتهاها بكل سهولة قائما وقاعدا وعلى كل حال لا مقطوعة ولا ممنوعة كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى يطوف عليهم ولدان مخلدون منعمون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا يطوفون عليهم بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون بآنية من فضة وأكواب كانت قوارير، قوارير من فضة قدروها تقديرا مقدرة ما يشتهيه الشارب بحيث لا تزيد على مقدار ما يشتهيه فيبقى منه فضلة ولا تنقص عما يريده فيحتاج إلى تكملة وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] يحل الله عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا ويتجلى لهم فينظرون إليه فلا يجدون نعيما أكمل من النظر إلى الله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا. أيها المسلمون إن هذه الدار مضمونة لكل من آمن بالله واستقام على أمره سامعا مطيعا راغبا فيما عند الله زاهدا فيما يبعده عن الله:

стр. 650

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ - نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ - نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢] فبؤسا لقوم آثروا الدنيا عليها فباعوا عيشا لا يفنى ولا يزول بعيش زائل مملوء بالتنكيد إن أضحك قليلا أبكى كثيرا وإن سر يوما أحزن شهورا آماله آلام وحقائقه أحلام وأوله مخاوف وآخره متالف بؤسا لقوم نعموا في الدنيا كأنما خلقوا لها وسلكوا في تحصيلها كل طريق من حلال أو حرام كأنما خلدوا لها وهم يعلمون ما فيها من الهموم والأحزان ومن تقلبات الأحوال وتغيرات الأزمان بؤسا لقوم نسوا الآخرة وأهملوها وتركوا أوامر الله وأضاعوها غدا يقال لهم: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة: ١٤] اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أهل الجنات وأن تباعدنا عن النار دار الهلكات وأن تتوفانا على الإيمان والتوحيد وتعيذنا من الكفر والشرك والتنديد إنك جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 651

[القسم السابع في مواضيع مختلفة] [الخطبة الأولى في التوبة وشروطها] القسم السابع في مواضيع مختلفة الخطبة الأولى في التوبة وشروطها الحمد لله الملك الوهاب الرحيم التواب خلق الناس كلهم من تراب وهيأهم لما يكلفون به مما أعطاهم من الألباب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بلا شك ولا ارتياب وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أنزل عليه الكتاب تبصرة وذكرى لأولي الألباب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآب وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله ربكم وتوبوا إليه فإن الله يحب التوابين واستغفروه من ذنبوكم فإنه خير الغافرين توبوا إلى ربكم مخلصين به بالإقلاع عن المعاصي والندم على فعلها والعزم على أن لا تعودوا إليها فهذه التوبة النصوح التي أمرتم بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم: ٨] ليست التوبة أن يقول الإنسان بلسانه أتوب إلى الله أو اللهم تب علي وهو مصر على معصية الله. وليست التوبة أن يقول ذلك وهو متهاون غير مبال بما جرى منه من معصية وليست التوبة أن يقول ذلك وهو عازم على أن يعود إلى معصية ربه ومخالفته. أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل غلق باب التوبة عنكم فإن الله يقبل التوبة من عبده ما لم يغرغر بروحه فإذا بلغت الروح الحلقوم فلا توبة: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا - وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨] فبادروا أيها المسلمون بالتوبة فإنكم لا تدرون متى يفاجئكم الموت ولا تدرون متى يفاجئكم عذاب الله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ - أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ - أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩] عباد الله هل أمنتم مكر الله يمدكم بالنعم المتنوعة وأنتم تبارزونه بالمعاصي. أما ترون ما وقع بالعالم في كثير منهم من الضيق في العيش والمحن. إن المجاعة والطوفان ونقص المحاصيل والقحط أحاطت بكثير

стр. 652

من البلاد ولا يزال المفكرون يبحثون في تأمين الغذاء للعالم أفلا تخافون أن يحل ذلك بكم. إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] إن من عظم العقوبات قسوة القلوب ومرضها وإن الكثير الآن قلوبهم قاسية يسمعون المواعظ والزواجر ويقرءونها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وكأنهم لا يسمعون الجيد منهم إذا سمع الموعظة وعاها حين سماعها فقط فإذا فارقها خمدت نار حماسه واستولت الغفلة على قلبه وعاد إلى ما كان عليه من عمل يسمع المواعظ تقرع أذنيه في عقوبة تارك الصلاة وإضاعتها: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا - إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠] ولكنه لا يتوب وكأنه لا يسمع. يسمع المواعظ في عقوبة مانع الزكاة ومن يتبع الرديء من ماله فيزكي به: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ - الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧] زكاة النفس بالبراءة من الشرك وزكاة المال حيث قدموا الشح على البذل في طاعة الله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] يسمعون هذا كله وهم مصرون على منع الزكاة يحرمون أنفسهم خيرات أموالهم ويدخرونها لغيرهم وفي الحديث ما ظهرت الفاحشة في قوم لوط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله تعالى إلا جعل بأسهم بينهم. أيها الناس إنه لا توبة مع الإصرار كيف يكون الإنسان تائبا من ذنب وهو يصر عليه وكيف يكون تائبا من الغش وهو لا يزال يغش في بيعه وإجارته وجميع معاملاته كيف يكون تائبا من الغيبة أكل لحوم الناس وهو يغتابهم في كل مجلس سنحت له الفرصة فيه كيف يكون تائبا من أكل أموال الناس بغير حق وهو يأكلها تارة بدعوى ما ليس له وتارة بإنكار ما عليه وتارة بالكذب في البيع وغيره وتارة بالبقاء في ملك غيره رضاه وتارة بالربا الصريح أو التحيل عليه بقول النبي ﷺ «من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض

стр. 653

فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات» . أيها المسلمون إن التوبة الكاملة كما تتضمن الإقلاع عن الذنب والندم على فعله والعزم على ألا يعود إليه تتضمن كذلك العزم على القيام بالمأمورات ما استطاع العبد فبذلك يكون من التوابين الذين استحقوا محبة الله ورضاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فتوبوا أيها المسلمون إلى ربكم واستغفروه بطلب المغفرة منه بألسنتكم وقلوبكم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] بادروا بالتوبة قبل أن يأخذكم الموت فيحال بينكم وبينها وتموتون على معصية الله. إن بعض الناس تغره الأماني ويغره الشيطان فيسوف بالتوبة ويؤخرها حتى يقسو قلبه بالمعصية والإصرار عليها فتغلق دونه الأبواب أو يأخذه الموت قبل المهلة في وقت الشباب. اللهم وفقنا للمبادرة بالتوبة من الذنوب والرجوع إلى ما يرضيك عنها في السر والعلانية فإنك علام الغيوب. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. . . . الخ.

стр. 654

[الخطبة الثانية في التوبة وشروطها أيضا] الخطبة الثانية في التوبة وشروطها أيضا الحمد لله الملك الوهاب الغفور التواب يتوب على التائبين مهما عظمت ذنوبهم إذا تابوا إليه ويبدل سيئاتهم حسنات إذا أصلحوا أعمالهم وأنابوا إليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا ربكم وتوبوا إليه توبوا إليه بالرجوع إليه من معصيته إلى طاعته ومن البعد عنه إلى التقرب إليه ومن رجس الذنوب إلى التطهر منها فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. إن التوبة من الذنوب واجبة على الفور لا يجوز تأخيرها أو التكاسل فيها فإن تأخير التوبة ذنب يحتاج إلى توبة. التوبة واجبة لأن الله أمر بها في كتابه وأمر بها رسوله ﷺ ورتب عليها الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] وقال النبي ﷺ : «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مئة مرة» (رواه مسلم) وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (رواه البخاري) . أيها المسلمون إن التوبة إلى الله واجبة على الفور لأن أوامر الله ورسوله كلها على الفور إذا لم يقم دليل على جواز تأخيرها. وتأخير التوبة سبب لتراكم الذنوب والرين على القلوب في الحديث عن النبي ﷺ : «أن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها وإن زاد زادت حتى يغلف بها قلبه فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه» . ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] أيها المسلمون توبوا إلى الله توبة نصوحا يمحو الله بها ذنوبكم ويكفر عنكم سيئاتكم ويرفع درجاتكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]

стр. 655

وإن التوبة لن تكون نصوحا مقبولة حتى يتم فيها خمسة شروط: لن تكون مقبولة حتى تكون خالصة لله بأن يكون الباعث لها حب الله تعالى وتعظيمه ورجاء ثوابه والخوف من عقابه فلا يريد بها تزلقا إلى مخلوق ولا عرضا من الدنيا. ولن تكون التوبة مقبولة حتى يكون نادما أسفا على ما فعل من المعصية بحيث يتمنى أنه لم يفعل المعصية لأن هذا الندم يوجب الانكسار بين يدي الله والإنابة إليه. ولن تكون التوبة مقبولة حتى يقلع عن المعصية فإن كانت المعصية بفعل محرم تركه في الحال وإن كانت بترك واجب فعله في الحال إن كان ما يمكن قضاؤه وإن كانت مما يتعلق بحقوق الخلق تخلص منها وأداها إلى أهلها واستحلهم منها فلا تصح التوبة من الغيبة وهو مستمر عليها ولا تصح التوبة من الربا وهو مستمر على التعامل به. إن كثيرا من الناس عندما تنصحه ليلقع من المعصية يقابلك بقول الله يعيننا على أنفسنا ونعم ما قال فإن الله إذا لم يعن العبد فلا خلاص له ولكنها كلمة حق أريد بها باطل أريد بها الاعتذار عن الاستمرار في المعصية وليست بعذر لأن العبد مأمور مع الاستعانة بالله أن يحرص على ما ينفعه قال النبي ﷺ احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز. فلا تقبل التوبة من ترك صلاة الجماعة مثلا وهو مستمر على ترك الجماعة ولا تقبل التوبة من الغش والخيانة وهو مقيم على ذلك. إن من يدعي التوبة من ذنب وهو مقيم عليه فتوبته استهزاء بالله لا تزيده من الله إلا بعدا كمن اعتذر إليك من فعل شيء وهو مقيم عليه فإنك لا تعتبره إلا مستهزئا بك لاعبا عليك. فاتقوا الله أيها المسلمون وتوبوا إلى ربكم وأقلعوا من ذنوبكم واعزموا أن لا تعودوا في المستقبل فلن تكون التوبة مقبولة حتى يعزم التائب أن لا يعود في المستقبل لأنه لم يعزم على ذلك فتوبته مؤقتة يتحين فيها الفرص المواتية لا تدل على كراهيته للمعصية وهربه منها إلى طاعة الله . وأن تكون التوبة مقبولة حتى تصدر في زمن قبولها وهو ما قبل حضور الأجل وطلوع الشمس من مغربها فإن كانت التوبة بعد حضور الأجل ومعاينة الموت لم تقبل قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] وقال النبي ﷺ : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر يعني بروحه» (رواه أحمد

стр. 656

والترمذي وقال حديث حسن) . وإذا كانت التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لم تقبل لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] والمراد بذلك طلوع الشمس من مغربها إذا رآها الناس طالعة منه آمنوا أجمعون فلا ينفع نفسا إيمانها إذا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: «لا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه» (قال ابن كثير حسن الإسناد) وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» (رواه مسلم) . فتوبوا أيها المسلمون إلى الله وأسلموا له وثقوا بأن التوبة النصوح تجب ما قبلها من الذنوب مهما عظمت قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ - وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ - أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ - أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ - أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ - بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٩] اللهم وفقنا للتوبة النصوح التي تمحو بها ما سلف من ذنوبنا وتيسر بها أمورنا وترفع بها درجاتنا إنك جواد كريم.

стр. 657

[الخطبة الثالثة في حقوق الرعية والرعاة] الخطبة الثالثة في حقوق الرعية والرعاة الحمد لله القهار القوي العزيز الجبار ذلت لعظمته الصعاب وحسرت عن بلوغ غاية حكمته الألباب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والكبرياء والاقتدار وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأطهار وعلى التابعين لهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله شرع لعباده على لسان أفضل خلقه شريعة كاملة في نظامها وتنظيمها كاملة في العبادات والحقوق والمعاملات كاملة في السياسة والتدبير والولايات جعل الولاية فيها فرض كفاية سواء كانت تشريعية كالقضاء أو تنفيذية كالإمارة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فلا بد من ولي أمر ولا بد من طاعته وإلا فسد الناس وقال ﷺ : «لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم» (رواه أحمد في المسند ص ١٧٧ ج٢) وقال «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» (رواه أبو داود ص ٣٤ ج٢) فأوجب النبي ﷺ التأمير في السفر مع أنه اجتماع عارض غير مستقر فكيف بالاجتماع الدائم المستقر. وجاءت هذه الشريعة الكاملة التي أوجبت الولاية لقيام الناس بالعدل جاءت بواجبات على الولاة وعلى الرعية وألزمت كل واحد منها بالقيام بها حتى يستتب الأمن ويحل النظام والتآزر بين الحاكمين والمحكومين. أما حقوق الولاة على رعيتهم فهي النصح والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة بسلوك أقرب الطرق إلى توجيههم وإرشادهم وأن لا يتخذ من خطئهم - إذا أخطأوا - وهم معرضون للخطأ كغيرهم من بني آدم لكن لا يتخذ من هذا الخطأ سلما للقدح فيهم ونشر عيوبهم بين الناس فإن هذا يوجب التنفير عنهم وكراهيتهم وكراهية ما يقومون به من أعمال وإن كانت حقا ويوجب بالتالي التمرد عليهم وعدم السمع والطاعة وفي ذلك تفكيك المجتمع وحدوث الفوضى والفساد. ومن حقوق الولاة على رعيتهم السمع والطاعة بامتثال ما أمروا به وترك ما نهوا عنه ما لم يكن في ذلك مخافة لشريعة الله فإن كان في ذلك مخالفة لشريعة الله فلا سمع لهم ولا طاعة

стр. 658

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وفي الصحيحين عن علي بن أبي طالب ﵁ قال «بعث النبي ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار فلما خرجوا غضب عليهم في شيء فقال أليس قد أمركم رسول الله ﷺ بأن تطيعوني قالوا بلى قال فاجمعوا لي حطبا فجمعوا له ثم دعا بنار فأضرمها فيه ثم قال عزمت عليكم لتدخلنها فقال لهم شاب منهم إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها فرجعوا إلى النبي ﷺ فأخبروه فقال لهم رسول الله ﷺ لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف» . وقال ﷺ : «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» . وقال عبادة بن الصامت ﵁ «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله قال إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان» . أيها الناس إن من طاعة ولاة الأمور التي أمر بها أن يتمشى المؤمن على أنظمة حكومته المرسومة إذا لم تخالف الشريعة فمن تمشى على ذلك كان مطيعا لله ورسوله ومثابا على عمله ومن خالف ذلك كان عاصيا لله ورسوله وآثما بذلك. أما حقوق الرعية على ولاتهم فالمسؤولية كبيرة والأمر خطير فليس المقصود بالولاية بسط السلطة ونيل المرتبة إنما المقصود بها تحمل مسؤولية عظيمة تتركز على إقامة الحق بين الخلق بنصر دين الله وإصلاح عباد الله دينيا ودنيويا فيجب على الولاة صغارا أو كبارا إخلاص النية لله سبحانه والاستعانة به في جميع أمورهم على ما حملهم من هذه الأمانة وعليهم أن يطبقوا أحكامه بحسب استطاعتهم على الشريف والوضيع والقريب والبعيد لا يحابوا شريفا لشرفه ولا قريبا لقربه متمشين في ذلك على ما رسم لهم نبيهم ﷺ حيث قال معلنا ومقسما وهو البار الصادق بدون قسم: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» فمن قام بذلك من ولاة الأمور الصغيرة أو الكبيرة كان مطيعا لله ورسوله مؤديا لأمانته نائلا ثواب الله ورضا الخلق عليه فإن الله يحب المقسطين قال النبي ﷺ : «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» . رواه مسلم. وقال: «أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى مسلم

стр. 659

وعفيف متعفف ذو عيال» . رواه مسلم. فاتقوا الله أيها المسلمون من ولاة ورعية وقوموا بما أوجب الله عليكم ليستتب الأمن ويحصل التآلف فإن تفرطوا يسلط الله بعضكم على بعض فتسلط الولاة على الرعية بالظلم وإهمال الحقوق وتسلط الرعية على الولاة بالمخالفة والفوضى والاعتزاز بالرأي فلا ينضبط الناس ولا يصلح لهم حال. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.

стр. 660

[الخطبة الرابعة في الأطوار التي مر بها المسجد الأقصى] الخطبة الرابعة في الأطوار التي مر بها المسجد الأقصى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس فلقد مضى على احتلال اليهود المسجد الأقصى أكثر من ثماني سنوات وهم يعيثون به فسادا وبأهله عذابا وفي هذه الأيام أصدرت محكمة يهودية حكما بجواز تعبد اليهود في نفس المسجد الأقصى ومعنى هذا الحكم الطاغوتي إظهار شعائر الكفر في مسجد من أعظم المساجد الإسلامية حرمة. إنه المسجد الذي أسري برسول الله ﷺ إليه ليعرج من هناك إلى السماوات العلى إلى الله جل وتقدس وعلا. إنه لثاني مسجد وضع في الأرض لعبادة الله وتوحيده ففي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال قلت «يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال المسجد الأقصى قلت كم بينهما قال أربعون سنة» . إنه لثالث المساجد المعظمة في الإسلام التي تشد الرحال إليها لطاعة الله وطلب المزيد من فضله وكرمه قال النبي ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ والمسجد الأقصى» . إنه المسجد الذي يقع في الأرض المقدسة المباركة مقر أبي الأنبياء إبراهيم وابنيه سوى إسماعيل. مقر إسحاق ويعقوب إلى أن خرج وبنيه إلى يوسف في أرض مصر فبقوا هنالك حتى صاروا أمة بجانب الأقباط الذين يسومونهم سوء العذاب حتى خرج بهم موسى ﷺ فرارا منهم وقد ذكر الله بني إسرائيل بهذه النعمة الكبيرة وذكرهم موسى نعم الله عليهم بذلك وبغيره إذ جعل فيهم أنبياء وجعلهم ملوكا وآتاهم ما لم يؤت أحد من العالمين في وقتهم وأمرهم بجهاد الجبابرة الذين استولوا على الأرض المقدسة وبشرهم بالنصر حيث قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] وإنما كتبها الله لهم لأنهم في ذلك الوقت أحق الناس بها حيث هم أهل الإيمان والصلاح والشريعة القائمة: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ - إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦] ولكنهم نكلوا عن الجهاد

стр. 661

: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [المائدة: ٢٢] وقالوا: ﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولنكولهم عن الجهاد ومواجهتهم نبيهم بهذا الكلام النافر حرم الله عليهم الأرض المقدسة فتاهوا في الأرض ما بين مصر والشام أربعين سنة لا يهتدون سبيلا حتى مات أكثرهم أو كلهم إلا من ولدوا في التيه فمات هارون وموسى عليهما الصلاة والسلام وخلفهما يوشع فيمن بقي من بني إسرائيل من النشء الجديد وفتح الله عليهم الأرض المقدسة وبقوا فيها حتى آل الأمر إلى داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام فجدد بناء بيت المقدس وكان يعقوب قد بناه قبل ذلك. ولما عتا بنو إسرائيل عن أمر ربهم وعصوا رسله سلط الله عليهم ملكا من الفرس يقال له بختنصر فدمر بلادهم وبددهم قتلا وأسرا وتشريدا وخرب بيت المقدس للمرة الأولى ثم اقتضت حكمة الله بعد انتقامه من بني إسرائيل أن يعودوا إلى الأرض المقدسة وينشأوا نشأ جديدا وأمدهم بأموال وبنين وجعلهم أكثر نفيرا فنسوا ما جرى عليهم وكفروا بالله ورسوله ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠] فسلط الله عليهم بعض ملوك الفرس والروم مرة ثانية واحتلوا بلادهم وأذاقوهم العذاب وخربوا بيت المقدس وتبروا ما علوا تتبيرا. كل هذا بسبب ما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله ورسله عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] ثم بقي المسجد الأقصى بيد النصارى من الروم من قبل بعثة النبي ﷺ بنحو ثلثمائة سنة حتى أنقذه الله من أيديهم بالفتح الإسلامي على يد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ في السنة الخامسة عشرة من الهجرة فصار المسجد الأقصى بيد أهله ووارثيه بحث وهم المسلمون: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] وبقي في أيدي المسلمين حتى استولى عليه النصارى من الفرنج أيام الحروب الصليبية في الثالث والعشرين من شعبان سنة ٤٩٢ هـ فدخلوا القدس في نحو مليون مقاتل وقتلوا من المسلمين نحو ستين ألفا ودخلوا المسجد واستولوا على ما فيه من ذهب وفضة وكان يوما عصيبا على المسلمين

стр. 662

أظهر النصارى شعائرهم في المسجد الأقصى فنصبوا الصليب وضربوا الناقوس وحلت فيه عقيدة إن الله ثالث ثلاثة - أن الله هو المسيح ابن مريم والمسيح ابن الله - وهذا والله من أكبر الفتن وأعظم المحن وبقي النصارى في احتلال المسجد الأقصى أكثر من تسعين سنة حتى استنقذه الله من أيديهم على يد صلاح الدين الأيوبي يوسف بن أيوب ﵀ في ٢٧ رجب سنة ٥٨٣هـ، وكان فتحا مبينا ويوما عظيما مشهودا أعاد الله فيه إلى المسجد الأقصى كرامته وكسرت الصلبان ونودي فيه بالأذان وأعلنت فيه عبادة الواحد الديان ثم إن النصارى أعادوا الكرة على المسلمين وضيقوا على الملك الكامل ابن أخي صلاح الدين فصالحهم على أن يعيد إليهم بيت المقدس ويخلوا بينه وبين البلاد الأخرى وذلك في ربيع الآخر سنة ٦٢٦هـ، فعادت دولة الصليب على المسجد الأقصى مرة أخرى وكان أمر الله مفعولا واستمرت أيدي النصارى عليه حتى استنقذه الملك الصالح أيوب ابن أخي الكامل سنة ٦٤٢هـ، وبقي في أيدي المسلمين وفي ربيع الأول سنة ١٣٨٧هـ ـ احتله اليهود أعداء الله ورسوله بمعونة أوليائهم من النصارى ولا يزال تحت سيطرتهم ولن يتخلوا عنه وقد قالت رئيسة وزرائهم فيما بلغنا إن كان من الجائز أن تتنازل إسرائيل عن تل أبيب فليس من الجائز أن تتنازل عن أورشليم القدس نعم لن تتنازل إسرائيل عن القدس إلا بالقوة ولا قوة إلا بنصر من الله ولا نصر من الله إلا بعد أن ننصره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وإن نصرنا لله لا يكون بالأقوال البراقة والخطب الرنانة التي تحول القضية إلى قضية سياسية وهزيمة مادية ومشكلة إقليمية وإنها والله لمشكلة دينية إسلامية للعالم الإسلامي كله، إن نصر الله لا يكون إلا بالإخلاص له والتمسك بدينه ظاهرا وباطنا والاستعانة به وإعداد القوة المعنوية والحسية بكل ما نستطيع ثم القتال لتكون كلمة الله هي العليا وتطهر بيوته من رجس أعدائه. أما أن نحاول طرد أعدائنا من بلادنا ثم نسكنهم قلوبنا بالميل إلى منحرف أفكارهم والتلطخ بسافل أخلاقهم أما أن نحاول طردهم من بلادنا ثم يلاحقهم رجال مستقبل أمتنا يتجرعون أو يستمرئون صديد أفكارهم ثم يرجعون يتقيؤونه بيننا. أما أن نحاول طردهم من بلادنا ثم نستقبل ما يرد منهم من أفلام فاتنة وصحف مضلة. أما أن نحاول طردهم من

стр. 663

بلادنا مع ممارسة هذه الأمور فذلك التناقض البين والمسلك غير السليم والفجوة السحيقة بيننا وبين النصر: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١] نعم أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر لا كما قال بعض المذيعين أيام الحرب مع اليهود في عام ٨٧هـ غدا تغني أم كلثوم في قلب تل أبيب. صلى الله على رسوله وسلم لقد صلى غداة فتح مكة ثماني ركعات إما شكرا لله تعالى على الفتح خاصة أو تعبدا بصلاة الضحى والعبادة من الشكر وهكذا حال الفاتحين في الإسلام يعقبون الفتح بالشكر والتقوى فاتقوا الله أيها المسلمون وأنيبوا إلى ربكم وأقيموا شريعته وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. اللهم انصر الإسلام والمسلمين وطهر المسجد الأقصى من اليهود والنصارى والمنافقين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين إنك جواد كريم.

стр. 664

[القسم الثامن في سيرة النبي ﷺ وخلفائه] [الخطبة الأولى في مجمل سيرة النبي ﷺ ] القسم الثامن في سيرة النبي ﷺ وخلفائه الخطبة الأولى في مجمل سيرة النبي ﷺ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وتعلموا من سيرة النبي ﷺ ما يكون به عبرة لكم واطلاع على حكمة ربكم في تقديره وتشريعه. فلقد بعث الله نبيه ﷺ وهو خاتم النبيين وإمامهم وأفضلهم في أشرف بقاع الأرض في أم القرى ومقصد العالمين فدعا إلى توحيد الله تعالى ثلاث عشرة سنة كلها في مكة وحدث له في تلك المدة تلك الآية الكبرى أن أسرى الله به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به في تلك الليلة من الأرض إلى السماوات العلى بصحبة جبريل الروح الأمين فارتقى به سماء سماء حتى بلغ سدرة المنتهى ووصل إلى مستوى سمع فيه صريف أقلام القضاء والتدبير وفي تلك الليلة فرض عليه الصلوات الخمس فصلاهن فريضة على ركعتين ركعتين إلا المغرب فثلاث ركعات لتوتر صلاة النهار وبقي على ذلك ثلاث سنوات قبل الهجرة ولما هاجر زيدت الظهر والعصر والعشاء فصارت أربعا أربعا للمقيمين وبقيت ركعتين للمسافرين وفي السنة الأولى من الهجرة شرع الله للمسلمين الأذان والإقامة وفي السنة الثانية فرضت مقادير الزكاة وبينت الأنصباء وفرض الله صيام رمضان وفي السنة التاسعة فرض الله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا. ولقد أذن الله تعالى لرسوله ﷺ بالقتال بعد الهجرة حيث كان للإسلام دولة وللمسلمين قوة ففي رمضان من السنة الثانية كانت غزوة بدر الكبرى حين خرج النبي ﷺ بثلثمائة وبضعة عشر رجلا من أصحابه لأخذ عير قريش الذي توجه أبو سفيان من الشام إلى مكة فبعث أبو سفيان إلى أهل مكة يستصرخهم لإنقاذ عيرهم فخرجوا بصناديدهم وكبرائهم ما بين تسعمائة وألف رجل فجمع الله بين رسوله ﷺ وبينهم على غير ميعاد في بدر فنصره

стр. 665

الله عليهم وقتل منهم سبعين رجلا من بينهم الكبراء والرؤساء وأسر سبعين وكان في ذلك مشركو قريش بنحو ثلاثة آلاف رجل ليأخذوا بالثأر من النبي ﷺ فلما علم النبي ﷺ بهم خرج إليهم فقاتلهم بنحو سبعمائة من أصحاب وكان النصر لهم حتى ولى المشركون الأدبار إلا أن الرماة الذين جعلهم النبي ﷺ في ثنية الجبل يحمون ظهور المسلمين ولا يبرحون عن مكانهم تركوه حين ظنوا أن المعركة انتهت بظهور هزيمة المشركين ولكن الفرسان من المشركين كروا على المسلمين حين رأوا الثنية خالية فانتكس الأمر وصار كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وفي ربيع الأول من السنة الرابعة كانت غزوة بني النضير وهم إحدى قبائل اليهود الثلاث الذين كانوا في المدينة وعاهدوا النبي ﷺ حين قدمها فنقضوا العهد فخرج إليهم النبي ﷺ فتحصنوا بحصونهم: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] وخرجوا منها أذلة فنزل بعضهم في خيبر وبعضهم في الشام. وفي شوال من السنة الخامسة كانت غزوة الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ من مشركي قريش وغيرهم بتحريض من اليهود من بني النضير الذين أرادوا أن يأخذوا بالثأر من النبي ﷺ حين أجلاهم من المدينة فعسكروا حول المدينة بنحو عشرة آلاف مقاتل فضرب النبي ﷺ الخندق على المدينة من الناحية الشمالية فحماها الله تعالى من الأعداء فأرسل الله عليهم ريحا شرقية عظيمة باردة: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] وفي ذي القعدة من هذه السنة حاصر النبي ﷺ بني قريظة آخر قبائل اليهود في المدينة فقتل رجالهم وسبى ذريتهم ونساءهم لنقضهم العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ فأورث الله نبيه والمؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم.

стр. 666

وفي ذي القعدة من السنة السادسة كانت غزوة الحديبية التي كانت فيها بيعة الرضوان حين خرج النبي ﷺ بنحو ألف وثلثمائة رجل من أصحابه يريد العمرة فصده المشركون عن ذلك مع أن عادتهم أن لا يصد أحد عن البيت فأرسل إليهم عثمان بن عفان ليفاوضهم فأشيع أنه قد قتل فبايع النبي ﷺ أصحابه لقتال قريش وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا - وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ١٨ - ١٩] وفي محرم من السنة السابعة كانت غزوة خيبر وهي حصون اليهود ومزارعهم في الحجاز فغزاهم النبي ﷺ فيها لنقضهم العهد وتحريضهم كفار قريش وغيرهم على قتال النبي ﷺ فحاصرهم حتى فتح الله عليه فغنم النبي ﷺ أرضهم وقسمها بين المسلمين. وفي رمضان من السنة الثامنة كانت غزوة فتح مكة حين نقضت قريش العهد الذي كان بينها وبين النبي ﷺ في الحديبية فخرج إليهم في نحو عشرة آلاف من أصحابه ففتح الله عليهم وطهر أم القرى من الشرك وأهله ودخل الناس به في دين الله أفواجا. غير أن هوازن وثقيف ظنوا أن النبي ﷺ قد فرغ من قتال قريش ولا ناهية له فاجتمعوا له في حنين فخرج إليهم في شوال من السنة الثامنة لقتالهم في نحو اثني عشر ألفا وأعجب بعض الناس بكثرتهم وقالوا لن نغلب اليوم من قلة فأراهم الله تعالى أن النصر من عنده لا بسبب الكثرة وأنزل في ذلك: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ - ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦] وفي السنة التاسعة من شهر رجب كانت غزوة تبوك حين بلغ النبي ﷺ أن الروم قد جمعوا له يريدون غزوه فخرج ﷺ إليهم في زمن عسرة وفي أيام شدة الحر وطيب الثمار وقت الرطب والمسافة بعيدة فنزل في تبوك نحو عشرين يوما ولم يكن قتال ثم رجع إلى

стр. 667

المدينة وأقام فيها وكاتب من حوله من زعماء الكفار يدعوهم إلى الإسلام وصارت الوفود تأتي إليه من كل وجه يعلنون إسلامهم ويتعلمون منه دينهم. هكذا كانت حياة النبي ﷺ حياة جهاد وعمل ودعوة إلى الله ودفاع عن دينه حتى توفاه الله بعد أن أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على المؤمنين وكانت وفاته يوم الاثنين في الثاني عشر أو الثالث عشر من شهر ربيع الأول. فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم إلى يوم الدين.

стр. 668

[الخطبة الثانية في مبدأ حياة النبي ﷺ ] الخطبة الثانية في مبدأ حياة النبي ﷺ الحمد لله الذي أرسل الرسل مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه بالحق المبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به على عباده من إرسال الرسل وإنزال الكتب ونشر الحق بين الخلق فإن العقل البشري لا يمكن أن يهتدي إلى معرفة الخالق تفصيلا ولا يمكنه أن يتعبد لله بما لا يدركه تحصيلا ولا يمكنه أن يعامل غيره بطريق الحق والعدل إلا بالوحي الذي بين الله به كيف يعرف العبد ربه وكيف يقيم عبادته وكيف يعامل غيره فكان الرسل عليهم الصلاة والسلام مبينين لعبادة الخلاق ومتممين لمكارم الأخلاق. كان الناس على ملة واحدة دين أبيهم آدم فلما كثروا تفرقت كلمتهم واختلفت آرائهم فبعث الله إليهم رسله ليقوم الناس بالقسط فبدأ الله الرسالة بنوح ﵊ وختمها بمحمد ﷺ . فمحمد ﷺ خاتم النبيين وأفضلهم أرسله الله تعالى على حين فترة من سلالة إسماعيل بن إبراهيم من صميم العرب فكان أكرم الناس نسبا وأطيبهم مولدا فولد ﷺ بمكة في يوم الاثنين في الثاني من شهر ربيع الأول وقيل في الثامن وقيل في التاسع وقيل في العاشر وقيل في الثاني عشر وقيل في السابع عشر وقيل في الثاني والعشرين في العام الذي أهلك الله به أصحاب الفيل اللذين أرادوا هدم الكعبة فأنزل الله فيهم سورة من القرآن. ولدته أمه آمنة من أبيه عبد الله بن عبد المطلب وقد رأت أمه قبل ولادته أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام فمات أبوه في المدينة قبل أن يولد ﷺ وماتت أمه بالأبواء في طريق المدينة وهو في السادسة من عمره فكفله جده عبد المطلب ثم مات ورسول الله ﷺ في الثامنة من عمره فنشأ ﷺ يتيم الأبوين والجد ولكن الله تعالى آواه وهو نعم المولى ونعم النصير فيسر الله له عمه أبا طالب شقيق أبيه فضمه إلى عياله وأحسن كفالته وأحبه حبا شديدا وبارك الله

стр. 669

له بسبب النبي ﷺ في ماله وحاله. ولقد اشتغل ﷺ بما اشتغل به الأنبياء من قبل، اشتغل يرعى الغنم وما من نبي إلا رعى الغنم ليعتاد بذلك حسن الرعاية والتصريف فيما يكون راعيا له في المستقبل ثم اشتغل ﷺ بالتجارة فاشتهر عند الناس بالصدق والأمانة وحسن المعاملة ثم لما بلغ الخامسة والعشرين من عمره تزوج خديجة ﵂ ولها أربعون سنة وقد تزوجت قبله برجلين وكانت ﵂ من شريفات نساء العرب موصوفة بالعقل والحزم والذكاء ورزقها الله منه ابنين وبنات أربع وكان أولاده كلهم منها إلا إبراهيم فإنه من أم ولده مارية القبطية وكلهم ماتوا في حياته إلا فاطمة. ولم يتزوج عليها ﷺ حتى ماتت ﵂ في السنة العاشرة من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنين فتزوج بعدها عائشة. وكان ﷺ معظما في قومه محترما يحضر معهم في مهمات الأمور فحضر حلف الفضول الذي تعاقدوا به على درء المظالم ورد الحقوق إلى أهلها وكان حكما في قريش عند نزاعها في وضع الحجر الأسود في مكانه حين هدمت الكعبة فتنازعوا أيهم يضع الحجر مكانه فقيض الله لهم رسول الله ﷺ فحكموه بينهم وانقادوا لقضائه فبسط ﷺ رداءه ووضع الحجر فيه ثم قال لأربعة من رؤساء قريش ليأخذ كل واحد منكم بجانب من هذا الرداء فحملوه حتى إذا أدنوه من موضعه أخذه ﷺ بيده الكريمة فوضعه في مكانه فكان له ﷺ بهذا الحكم العادل شرف كبير ونبأ عظيم وكان صلوات الله وسلامه عليه محفوظا من عبادة الأوثان وشرب الخمور وعمل الميسر. ولما بلغ الأربعين من عمره جاءه الوحي من الله تعالى فكان أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب الله إليه الخلاء وهو الانفراد عن ذلك المجتمع الفوضوي في عقيدته وعبادته فكان يخلو بغار حراء وهو الجبل الذي عن يمين الداخل إلى مكة من طريق الشرائع ويتعبد فيه «حتى نزل عليه الوحي هناك فجاءه جبريل فقال اقرأ فقال ما أنا بقارئ أي لا أحسن القراءة وفي الثالثة قال له جبريل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] فرجع النبي ﷺ إلى أهله يرجف فؤاده لأنه رأى أمرا عظيما لم يكن معهودا له من قبل فدخل على خديجة فقال لها وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل رحمك وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري

стр. 670

الضيف وتعين على نوائب الحق» . فاستدلت ﵂ بأفعاله الجميلة على أن حكمة الله تأبى أن يلحق العار والخزي مثل هذا. وبنزول هذه الآيات على محمد ﷺ صار نبيا فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] وبذلك صار نبيا رسولا إلى جميع الثقلين فدعا إلى الله وبشر وأنذر فخص وعم فأنذر عشيرته الأقربين ثم بقية الخلق أجمعين حتى أكمل الله به الدين وأتم به النعمة على المؤمنين وأظهر دينه ونصره وهم نعم المولى ونعم النصير وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . الخ.
следующие страницы →