Полный текст (278 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
شرابا أو طيبا أو غيرها بدأ بالأيمن فالأيمن، ولو كان الأيسر فاضلا والأيمن مفضولا، إلا أن يؤثر صاحب الحق غيره في بالتقديم، واحذروا من الأكل والشرب باليسار من غير عذر، فأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، فاحذروا من مشابهة الشيطان في أعماله، وإذا دخل أحدكم المسجد فليقدم رجله اليمنى، ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، فمن غفر له ورحم وفقه الله لتكميل العبادات، ومن عليه بما يفعل في المسجد من الطاعات، وإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى، وقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك، ليكون متعلقا رجاؤه بربه في أمور دينه، ودنياه، فإن من سأل ربه وتوكل عليه رزقه من حيث لا يحتسب وكفاه، وإذا لبس لباسا بدأ بالجانب الأيمن، فإن كان جديدا قال: الحمد لله الذي كساني هذا اللباس ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، اللهم كما سترت وجملت ظاهري باللباس فجمل باطني بلباس التقوى، وإذا خلع ذلك بدأ بالجانب الأيسر، وليجعل يده اليسرى لمباشرة النجاسات والأوساخ والأقذار، كالاستنجاء والاستجمار والإستنثار. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]
стр. 107
[خطبة فيها آداب الشرع في السلام والتحية وغيرها]
٤١ - خطبة فيها آداب الشرع في السلام والتحية وغيرها الحمد لله الذي جعل الأدب الشرعي عنوان التوفيق، وهدى من شاء من خلقه لأقوم طريق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مبنية على الإخلاص والمحبة والتحقيق، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أخرج الله به المؤمنين من الكربات والظلمات والضيق، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والسوابق والتوفيق.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الآداب الشرعية أفضل الآداب، فاسلكوا سبلها لتحظوا من ربكم بجزيل الثواب، ألا وإن أصل الأدب مراقبة الله في السر والعلانية، والقيام بحقوقه وحقوق خلقه بنية وهمة عالية، فقد قال ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه» «إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام» «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه
стр. 108
فليسلم عليه» «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا دلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» واعلموا أن السلام الشرعي بالمشافهة والمكاتبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فاستبدل به الجهال الذين لا يعرفون قدر الآداب الشرعية ألفاظا استحسنوها وهي غير مرضية، فأين هذه الألفاظ التي لا فائدة فيها أصلا من تحية المسلمين التي تجمع أكمل الدعاء وأنفع الخير والثناء، وليسلم الراكب على الماشي، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، والماشي على الجالس، وإذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل سامعه: يرحمك الله، فإذا قال ذلك فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم، فإن حمد الله فشمتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه، وقال ﷺ : «لا خير في الجلوس في الطرقات» أي التي لا بيع فيها ولا شراء إلا لمن هدى السبيل، ورد التحية، وغض البصر، وأعان على الحمولة، ولم يؤذ الناس ولم يتتبع عوراتهم ويشتغل بالتفتيش عن أحوالهم، فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته وفضحه بين العباد وأظهر للناس عيوبه التي كان يخفيها، ومن تغافل عن عيوب الناس وأمسك لسانه عن تتبع أحوالهم التي لا يحبون
стр. 109
إظهارها سلم دينه وعرضه، وألقى الله محبته في قلوب العباد وستر الله عورته، فإن الجزاء من جنس العمل، وما ربك بظلام للعبيد. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 110
[خطبة في حسن الخلق]
٤٢ - خطبة في حسن الخلق الحمد لله الرؤوف الرحيم، البر الجواد الكريم، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك العظيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الهادي إلى صراط مستقيم، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في كل أمر قويم.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى بالقيام بحقوقه وحقوق العباد، وبكمال المتابعة للرسول وقوة الإخلاص للرب الجواد، قال ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» ، فعاشروا رحمكم الله الخلق بالخلق الجميل، وبالتواضع لهم في كل كثير وقليل، واعقدوا قلوبكم عقدا جازما على محبة جميع المسلمين والتقرب بذلك إلى رب العالمين، واجتهدوا في تحقيقها ودفع ما ينافيها، واعملوا على كل ما يحققها ويكملها وينميها، واتخذوا المؤمنين إخوانا، وعلى الخير مساعدين وأعوانا، ومتى رأيتم قلوبكم منطوية على خلاف ذلك فبادروا إلى زواله، وسلوا ربكم أن لا يجعل فيها غلا للذين آمنوا تحظوا بنواله، وميزوا في هذه المحبة من لهم في الإسلام مقام جليل، كعلمائهم وولاتهم العادلين
стр. 111
وعبادهم، فتمام محبة الله محبة أوليائه، بحسب مقاماتهم وعملهم واجتهادهم، ووطنوا نفوسكم على ما ينالكم من الناس من الأذى، وقابلوه بالإحسان، وتقربوا بذلك إلى الله راجين فضل الكريم المنان، فمن كمال حسن الخلق أن تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتحسن الخلق لمن أبغضك وهجرك، فإن الجزاء من جنس العمل، فمن عفي عن عباد الله عفى الله عنه، ومن سامحهم سامحه الله، ومن أغضى معائبهم ومساويهم ستر الله عليه، فاجعل كبير المسلمين بمنزلة أبيك وصغيرهم بمنزلة ابنك ونظيرهم محل أخيك، وتكلم مع كل أحد منهم بما يناسب الحال؛ فمع العلماء بالتعلم، وبالتعليم مع الجهال، ومع الصغار باللطف، ومع الفقراء بالرحمة والعطف، ومع النضراء بالآداب والظرف. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 112
[خطبة في مفاتيح الخير والشر]
٤٣ - خطبة في مفاتيح الخير والشر الحمد لله الفتاح العليم، الملك العظيم، الرب الحكيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، البر الرحيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قال الله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في هديهم القويم.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى بفعل الخير وترك العصيان، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فقد قال ﷺ : «إن هذا الخير والشر خزائن ولهذه الخزائن مفاتيح، فطوبى لمن كان مفتاحا للخير مغلاقا للشر، وويل لمن كان مغلاقا للخير مفتاحا للشر» بهذا الذي ذكر المصطفى توزن الرجال، وبه يعرف أهل النقص من أهل الكمال، فكونوا رحمكم الله مفاتيح للخيرات، مغاليق للشرور والآفات، فمن كان منكم مخلصا لله ناصحا لعباد الله، ساعيا في الخير بحسب إمكانه فذاك مفتاح للخير حائز للسعادة، ومن كان بخلاف ذلك فهو مغلاق للخير، وقد تحققت له الشقاوة،
стр. 113
من الناس من إذا اجتمع بهم في مجالسهم حرص على إشغالهم فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ومنهم من يشغلهم بما يضر وما لا يغني، فهذا قد حرمهم الخير وأشقاهم، ومنهم من يسعى في تقريب القلوب وجمع الكلمة والائتلاف، ومنهم من يسعى في إثارة الفتن والشقاق والتنافر والخلاف، ومنهم من يجتهد في قلع ما في قلوبهم من البغضاء، ومنهم من يلهب في قلوبهم الشحناء، ومنهم من يحث على الجود والكرم والسماحة، ومنهم من يدعو إلى البخل والشح والوقاحة، ومنهم من يتنوع في فعل المعروف في بدنه وقوله وماله، ومنهم من لا يعرف المعروف ولو قل، فلا تسأل عن سوء حاله، ومنهم من مجالسه مشغولة بالغيبة والنميمة والوقيعة في الناس، ومنهم من ينزه نفسه عن ذلك وينزه الجلاس، ومنهم من تذكر رؤيته بالله، ويعين العباد في مقاله وحاله على طاعة الله، ويأمرهم بالقيام بالحقوق الواجبة والمسنونة، ومنهم المثبط عن الخير وأحواله غير مأمونة، فتبارك الذي فاوت بين العباد هذا التفاوت العظيم، فهذا كريم على الله وعلى خلقه، وهذا لئيم، وهذا مبارك على من اتصل به، وهذا داع إلى كل خلق ذميم، وهذا مفتاح للبر والتقوى وطرق الخيرات، وهذا مغلاق لها ومفتاح للشرور والآفات، وهذا
стр. 114
مأمون على النفوس والأعراض والأموال، وهذا خائن لا يوثق به في حال من الأحوال وهذا قد سلم المسلمون من لسانه ويده وهذا لم يسلم منه أحد وربما سرت أذيته على أهله وولده أجارني الله وإياكم من منكرات الأعمال والأخلاق والأهواء، وعافانا من كل شر قاصر ومتعد ومن البلوى، ورزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 115
[خطبة في الحث على مؤونة الأقارب وغيرهم]
٤٤ - خطبة في الحث على مؤونة الأقارب وغيرهم الحمد لله الذي كرم بني آدم، وفضلهم على كثير من المخلوقات، ويسر لهم من ألطاف بره وأسباب كرمه ما به ينتفعون ويرتفعون درجات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كامل الأسماء والصفات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى من جميع البريات، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه الذين فضلوا الأمة بالعلوم النافعة والأعمال الصالحات.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى واعلموا أن من أجل القربات وأفضل الطاعات القيام بمؤنة البنين والبنات، والإخوان والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وجميع القرابات، فقد قال ﷺ : «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فم امرأتك» ، و «من عال جاريتين حتى يغنيهما الله كانتا له حجابا من النار» «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر» «أنا وكافل اليتيم له أو لغيره
стр. 116
في الجنة كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا، «خير بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت فيه يتيم يساء إليه» فما أعظم توفيق من قام بكفالة أحد من أقاربه العاجزين، وما أولاه بالأجر والثواب والخلف من رب العالمين، فإنه في عبادة وثواب متزايد، كلما أطعمهم وكساهم، وهو في جهاد كلما سعى في الكسب لهم وضمهم إليه وآواهم، وقد يفتح الله له بسببهم طرقا من الخير وأبوابا، وينزل له البركة ويعطيه خلفا عاجلا وأجرا وثوابا، فإنما ينصر الناس ويرزقون بعاجزيهم وضعفائهم، وإنما ترحمون برحمتهم إياهم وكثرة سؤالهم ودعائهم، أما تحبون أن يحسن الله إليكم إذا أحسنتم إليهم؟ أما ترغبون أن يكرمكم مولاكم إذا آويتموهم وتفضلتم عليهم؟ أما تغتنمون أدعيتهم لكم في كل الأحوال؟ أما علمتم أن من فرج عنهم كربة فرج الله عنه يوم القيامة الشدائد والأهوال؟ ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن شرح صدر قريبه المحتاج يسر الله أمره، وغفر له يوم فقره وفاقته. ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 117
[خطبة في الحث على تدبر القرآن الكريم]
٤٥ - خطبة في الحث على تدبر القرآن الكريم الحمد لله الذي قال لنبيه المصطفى، منوها بعظمة القرآن وما فيه من الرحمة والنور والهدى: ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى - إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى - تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا - الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى - لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى - وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى - اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ١ - ٨] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك المولى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المختار من الخليقة المجتبى، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه البررة الأخيار النجبا.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى بمراعات العلم وتحقيق التقى، وتدبروا هذا الكتاب العزيز فإنه مبارك، فيه الرحمة والشفا، فهو الهدى الذي يهدي من الضلالة، وينير الحقائق الصحيحة في ظلم الجهالة، يهدي إلى معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويبين الطريق الموصل إلى فضله وأفضاله، ويوضح
стр. 118
الأحكام كلها في العبادات والمعاملات، ويبين الحقوق في جميع التعلقات، وهو الشفاء من الأمراض البدنية والقلبية، وبه العصمة والنجاة في الأمور الدينية والدنيوية، وهو المزيل لأمراض الشبهات وأمراض الشهوات، بما فيه من البراهين القاطعة، والمواعظ المؤثرة والتذكيرات، وهو الموصل إلى المعارف الجليلة والعلم واليقين الكاشف للحقائق كلها بالتوضيح الكامل والبراهين، فيه نبأ الأولين والآخرين، وفيه الحكم العادل بين الخلق أجمعين، وفيه من دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ما تطمئن به القلوب، وفيه التفاصيل العظيمة النافعة الموصلة إلى كل مطلوب، كتاب عظيم هيمن على الكتب السابقة حتى أحاط بها وحواها، وحكم بالحق في كل ما تنازعت فيه الأمم، أولاها وأخراها، أعيا ببلاغته وحسن نظمه جميع البلغاء، وحير بحسن أسلوبه وما كشفه من غيوبه أفئدة العقلاء، وأصلح بهدايته العقائد والأخلاق والأعمال، وهدى للتي هي أقوم وأصلح وأنفع، في كل الأحوال، كتاب حفظه الله من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حميد رحيم رحمان، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه فقد هدي إلى
стр. 119
صراط مستقيم. اللهم اجعل القرآن العظيم لقلوبنا ضياء، ولأسقامنا دواء، ولذنوبنا ممحصا، وعن النار مخلصا، واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك يا رب العالمين.
стр. 120
[خطبة في وجوب العدل في كل شيء]
٤٦ - خطبة في وجوب العدل في كل شيء الحمد لله الذي أوجب العدل في كل الأحوال، وحرم الظلم في الدماء والأعراض والحقوق والأموال، وأشهد أن لا إله إلا كامل الأوصاف وواسع النوال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي فاق جميع العالمين في العدل والفضل والإفضال، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه خير صحب وأشرف آل.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى واعلموا أن مدار التقوى على القيام بالعدل في حقوق الله وحقوق العباد، فإن التوحيد غاية العدل والشرك أعظم الظلم وأشنع الفساد، إذا كان الله هو الذي خلقك ورزقك وعافاك وأعطاك فمن العدل الواجب أن يكون معبودك، وإليه ترجع في رغباك ورهباك، فمن أظلم ممن سوى المخلوق الناقص الفقير بالرب الغني الكامل القدير. إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] الآية. قد أمر الله ورسوله
стр. 121
بالعدل بين الناس في جميع الحقوق، ونهى عن الظلم والجور والفسوق. بالعدل تعمر الأسباب الدينية والدنيوية، ويتم التعاون على المصالح الكلية والجزئية، والعدل واجب في الولايات كلها والمعاملات، وهو أن تؤدي ما عليك كاملا كما تطلبه تاما من كل الجهات. فمتى عدل الرعاة والمعاملون في المعاملات صلحت الأمور واتسعت دائرة الأسباب والتجارات، ومتى رفع من المعاملة روح العدل والأمانة وحل محله البخس والغش والتطفيف والخيانة، فمنع الإنسان ما عليه واستوفى ماله. ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ - الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ - وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ - أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ - لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ١ - ٥] ويل لهم مما يترتب على البخس والتطفيف من العقوبات، وما يرفع بذلك من الخيرات والبركات، وما يتوقف بسببه كثير من المعاملات النافعات، كل معاملة فقدت العدل فهي معاملة ضارة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] وقال ﷺ : «ليس منا من غشنا» . فالغش والمعاملات الجائرة ليست من الدين، وصاحبها متعرض لعقوبة رب العالمين. والعدل يكون في الحقوق الزوجية، فعلى كل واحد من الزوجين معاشرة
стр. 122
الآخر بالمعروف، فمتى قام كل منهما بما عليه التأمت الزوجية، وتم لهما حياة سعيدة طيبة، وحصلت الراحة وحلت البركة، ونشأت العائلة نشأة حميدة، ومتى لم يقم كل منهما بالحق الذي، عليه، تكدرت الحياة، وتنغصت اللذات، وطال الخصام وتعذر الوئام، قال ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. فالإمام راع على الناس ومسئول عن رعيته. والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته. والمرأة راعية على بيت زوجها هي مسئولة عن رعيتها، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» فذكر ﷺ الولايات كلها كبارها وصغارها، وأخبر أن من تولى ولاية فهو مسئول عنها، وهل عدل فيها وسلك المأمور به فله الثواب، أو ظلم فيها وجار فعليه العقاب. العدل تقوم به الولايات، وتصلح به الأفراد والجماعات، وتمشي به الأحوال في كل الأوقات. سلك الله بنا وبكم سبيل العدل والإنصاف، وأعاذنا وإياكم من الجور والأعتساف، وبارك لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 123
[خطبة في معرفة الله وتوحيده]
٤٧ - خطبة في معرفة الله وتوحيده الحمد لله الذي أوجب على العباد معرفته بأسمائه وصفاته، وأسبغ عليهم نعمه وأمرهم أن يستدلوا بآياته، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي لا يلجأ العبد إلا إليه في كل مهماته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف برياته، اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه مدى الدهر وأوقاته.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وأنيبوا إليه، واستغفروه من جميع الذنوب، ثم توبوا إليه، فإنه الودود الغفور لمن لجأ إليه، وتعرفوا إليه بمعرفة أسمائه وصفاته، وتحببوا إليه بطاعته والثناء عليه وذكر آلائه، فإنه الرب العظيم، الذي ملأت عظمته قلوب أوليائه، وحنت إلى وداده ومحبته أفئدة أصفيائه، موصوف بصفات الكمال، منعوت بنعوت الجلال والجمال، منزه عن العيوب والنقائص والمثال، هو كما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، وفوق ما يصفه أحد من الخلق في كل الأحوال، حي لا يموت، قيوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، بصير يرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء
стр. 124
على الصخرة الصماء، سميع يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، تمت كلماته صدقا وعدلا، وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبها ومثلا، وتعالت ذاته أن تشبه شيئا من الذوات أصلا، ووسعت الخليقة أفعاله حكمة ورحمة وعدلا، وعم البرية جوده ومواهبه رحمة وإحسانا وفضلا، لخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد، أول ليس قبله شيء، آخر ليس بعده شيء، ظاهر ليس فوقه شيء، باطن دونه شيء، أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، ونعوته أوصاف كمال وجلال وجمال وتحميد، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، ومرشد للعقول إلى الوصول إليه، لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، ولا ترك الإنسان سدى ولا عاطلا، وإنما خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكره إلى كرامته، تعرف إلى عباده بأنواع التعرفات، وصرف لهم الآيات ونوع الدلالات، ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب، ومد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب، فأتم عليهم نعمه السابغة، وأقام عليهم حجته البالغة، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، فتبارك الله الملك الجواد، وتعالى من شمل خيره جميع العباد.
стр. 125
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من المخلوقات، ولو كان فيهما إله غير الله لفسدت الأرض والسماوات، ملجأ المضطرين، وملاذ المستجيرين، وغياث المستغيثين، ومجيب دعوات الداعين، وقرة عيون المحبين، وأنيس المستوحشين، وهو الغني عن جميع العالمين، ميسر الأمور، وشارح الصدور، ومحكم الأحكام والمقدور، ومدبر المخلوقات ومصرف الدهور، اضمحلت في عظمته وكبريائه عظمة الملوك والعظماء، وتلاشت لديه مقدرة الأقوياء، وعلوم العلماء، وافتقرت إليه جميع الخليقة في كل شئونها الأغنياء منهم والفقراء، من توكل عليه كفاه، ومن دعاه أجابه، وأفاض عليه عطاياه، ومن اعتز به أسعده وتولاه، ومن انتصر به نصره على عداه، ومن اتقاه جعل له مخرجا وفرجا، وسهل أمور دينه ودنياه. ماله ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى - اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٧ - ٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 126
[خطبة في أحكام فقهية]
٤٨ - خطبة في أحكام فقهية الحمد لله الملك الحق المبين. وأشهد أن لا إله إلا الله مالك يوم الدين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين وإمام المتقين، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وانتبهوا ونبهوا إخوانكم على ما يحتاجونه من مسائل الأحكام، فمن ذكر أخاه مسألة واحدة كتب له الأجر عند الملك العلام. واعلموا أن الأصل طهارة الأشياء كلها، فمن أصابه ماء من ميزاب أو رطوبة. أو وطئ روثا أو أرضا لا يدري عنها فجميع ذلك محكوم له بالطهارة. ومن صلى وهو محدث ناسيا حدثه أعاد الصلاة. ومن صلى وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة جهلها أو نسيها ولم يدر عنها حتى فرغ فلا إعادة عليه. ومن عدم الماء أو تضرر باستعماله تيمم بالتراب، وعليه أن يستوعب بالمسح جميع وجهه وكفيه وينوي بتيممه جميع حدث عليه. ومن كان مريضا وقد تلوث بدنه وثيابه بالنجاسة فإن كان يقدر على خلعها وجب عليه ألا يصلي إلا على طهارة،
стр. 127
ومن كان لا يقدر على ذلك فليصل على حسب حاله، وصلاته تامة لا إعادة عليه. ومن أدرك من صلاة الجمعة ركعة أتمها جمعة، وإن أدرك أقل من ركعة نواها وصلاها ظهرا. ومن كانت عليه فوائت يقضيها فليبادر إلى قضائها مرتبا. وقد نهى ﷺ عن النفل في ثلاثة أوقات: من الفجر حتى ترتفع الشمس قيد رمح، ومن صلاة العصر إلى غروب الشمس، وعند زوال الشمس حتى تزول، إلا ما استثناه الشارع. ومن جاء منكم والإمام راكع فعليه أن يكبر تكبيرة الإحرام وهو قائم قبل أن يهوي إلى الركوع، فإن كبر وهو يهوي ففريضته غير صحيحة. ومن فاته شيء من الصلاة فلا يحل له أن يقوم لقضاء ما فاته حتى يفرغ الإمام من التسليم، فإن قام قبل أن يسلم التسليمة الثانية ولم يعد انقلبت صلاته نفلا. ومن جاء منكم والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، وكذلك في غير الخطبة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 128
[خطبة الجزاء من جنس العمل]
٤٩ - خطبة الجزاء من جنس العمل الحمد لله الذي من حكمته جعل الجزاء من جنس الأعمال، وأرى العباد من ذلك نموذجا ليحدوهم به إلى أكمل الخصال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الكرم والجلال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي فاق الخلق في كل كمال، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه خير صحب وأشرف آل.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، واعلموا أن الله بحكمته قضى أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر ليعرف العباد أنه حليم عليم رؤوف رحيم، وليرغبوا في الخير ويحذروا من أسباب العذاب الأليم، فقد قال ﷺ : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» ، إن الله طيب لا يقبل من الأعمال والأقوال والنفقات إلا طيبا، إن الله طيب نظيف يحب النظافة، جواد يحب الجود، كريم يحب الكرم، وما نقصت صدقة من مال بل تزيده، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد إلا رفعه الله، ومن أحسن إلى
стр. 129
الخلق أحسن الله إليه، ومن عفى عنهم عفى الله عنه، ومن غفر لهم غفر الله له، ومن تكبر عليهم وضعه الله، ومن يسر عن معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، ومن أنفق لله أخلف الله عليه، ومن أمسك عما عليه أتلفه الله، وما ظهر الغلول وأكل المال بغير حق في قوم إلا أوقع في قلوبهم الرعب وابتلاهم الله بالذل، وما نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، وما نكث قوم العهد إلا سلط عليهم الأعداء، وما فشى في قوم الزنا إلا كثر فيهم الوبا والموت، وما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم، ومن وصل رحمه وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، ومن أوى إلى الله آواه الله، ومن استحيا من الله استحيا الله منه، ومن أعرض عن الله أعرض الله عنه، ومن تقرب إلى الله تقرب الله منه أكثر من ذلك، ومن أشبع مسلما من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقاه على ظمأ سقاه من حلل الجنة، ومن نصر أخاه المسلم نصره الله، ومن خذله خذله الله، ومن تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته وأظهر عيوبه،
стр. 130
ومن سترهم وأغضى عن معائبهم ستره الله، ومن يستعفف يعفه ومن يستغن يغنه الله، ومن يصبر يصبره الله، ومن أقال مسلما بيعته أقاله الله عثرته يوم القيامة، ومن أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله، ومن فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته، ومن جمع متحابين جمع الله بينه وبين أحبته. من الله علي وعليكم بالقيام بالأسباب النافعة، وحمانا وإياكم من الأسباب الضارة. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 131
[خطبة في الصدق]
٥٠ - خطبة في الصدق الحمد لله الذي أمر بالصدق في الأقوال والأفعال، وأثنى على الصادقين بالفضل والكمال. وأشهد أن لا إله إلا الله الكبير المتعال، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من نطق وقال، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل.
أما بعد: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، قد أمر الله بالصدق في عدة آيات، وأثنى على الذين يرعون العهد والأمانات، وأخبر بما لهم من الثواب الجسيم، فقال ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩] وقال ﷺ : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عنه الله صديقا» . فأخبر ﷺ أن الصدق يهدي إلى البر، والبر اسم جامع لكل خير وطاعة وإحسان إلى الخلق، والصدق عنوان الإسلام وميزان الإيمان وعلامة الكمال،
стр. 132
وإن لصاحبه المقام الأعلى عند الملك المتعال، بالصدق يصل إلى منازل الأبرار، وبه تحصل النجاة من الآفات وعذاب القبر وعذاب النار، بالصدق يكون العبد معتبرا عند الله وعند الخلق، قال ﷺ : «البيعان بالخيار فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» ، فالبركة مقرونة بالصدق والبيان، والتلف والمحق مقرون بالكذب والكتمان، والمشاهدة أكبر شاهد على ذلك والعيان، لا تجد صادقا إلا مرموقا بين الناس بالمحبة والثناء والتعظيم، ولا كذابا إلا ممقوتا بهذا الخلق الأثيم، الصادق يطمئن إلى قوله العدو والصديق، والكاذب لا يثق به بعيد ولا قريب، الصادق الأمين مؤتمن على الأموال والحقوق والأسرار، ومتى حصل منه كبوة أو عثرة فصدقه يقيه العثار، والكاذب لا يؤمن على مثقال ذرة، ولو فرض أحيانا لم يحصل به الثقة والاستقرار، ما كان الصدق في لا زانه، ولا الكذب في شيء إلا شانه، الصدق طريق الإيمان، والكذب بريد النفاق، اللهم تفضل علينا بالصدق في أقوالنا وأفعالنا وجميع أحوالنا، إنك جواد كريم، رؤوف رحيم.
стр. 133
[خطبة في الاستقامة]
٥١ - خطبة في الاستقامة الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي ليس لفضله منتهى ولا مدد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خير مولود وأشرف ولد، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما بغير عدد.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وتقربوا إليه، واستقيموا إليه، واسلكوا كل طريق يوصلكم إليه، فقد «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: " قل آمنت بالله ثم استقم» ، فجمع ﷺ في هذه الوصية أصول الخير وفروعه، بلفظ موجز واضح مثمر للسعادة والفلاح وجميع المصالح، فقوله: " آمنت بالله " أي أعترف من صميم قلبي أنه ربي وإلهي الذي لا رب لي سواه، ولا معود لي إلا إياه، وأنه الموصوف بصفات الكمال، المنزه عن العيوب والنقائص والمثال، الأول الذي ليس قبله شيء، الآخر الذي ليس بعده شيء، الظاهر الذي ليس فوقه شيء،
стр. 134
الباطن الذي ليس دونه شيء، المحيط بكل شيء رحمة وعلما وقدرة ومشيئة وحكما، الحميد في أسمائه وأوصافه وأفعاله. الحكيم في خلقه وشرعه وعطائه ومنعه، الرحمن الرحيم، الجواد الكريم، الذي شمل العباد بواسع نواله، يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن، يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويعطي سائلا، ويرفع أقواما ويضع آخرين، بيده ملكوت كل شيء، وإليه مرجع كل حي، ليس للعباد غنى عن طاعته والافتقار إليه، ولا لهم ملجأ ومعاذ وملاذ ولا اضطرار إلا إليه، فمن آمن بالله على الوجه الذي جاء عن رسول الله واستقام على شرع الله فقد استقام على الصراط المستقيم، واستحق الفوز في جنات النعيم. ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولا بمجرد الأقوال الخالية من الأعمال، إنما الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وأثمر الخشية من علام الغيوب. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، وتمام الاستقامة بمعرفة الخير
стр. 135
والاجتهاد في فعله، ومعرفة الشر والاجتهاد في تركه، فليجاهد العبد نفسه في تحقيق التقوى، ويستعين بالملك الأعلى، ونسأل الله الثبات إلى الممات، وأن يحفظه الله من فتن الشبهات والشهوات. ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] وبارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 136
[خطبة في التعرف إلى الله]
٥٢ - خطبة في التعرف إلى الله الحمد لله ذي الألطاف الواسعة والنعم، وكاشف الشدائد والمكاره والنقم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجود والكرم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي فضل على جميع الأمم، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم في طريقهم من الأمم.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى وتعرفوا إلى الله في الرخاء يعرفكم في الشدة، وتقربوا إليه بطاعته يجلب لكم السعادة ويدفع عنكم المشقة، فمن اتقى الله وحفظ حدوده وراعى حقوقه في حال رخائه عرفه الله في شدته ورعى له تعرفه السابق، وكان معه ومحل طمعه ورجائه، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ - لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] فكان ليونس مقدمة صدق نجي بها، ويعين الله ما يتحمله المتحملون، فمن عامل الله في حال صحته وشبابه وقوته عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته، ومن كان مطيعا لله لاهجا بذكره في حال السراء أغاثه الله وأنقذه من المكاره والضراء، لا سيما عند انتقاله
стр. 137
من الدنيا في تلك الشدائد والكروب، فإن الله يلطف به ويثبته فيخرج من الدنيا على غاية المطلوب، ولقي ربه وهو راض عنه حيث قدم رضى ربه على كل محبوب، ومن نسي الله في حال قوته وصحته ولم يتب إلى ربه ولا تاب من زلته- فلا يلومن إلا نفسه حين وقوعه في كربه وشدته وشقوته، قال ﷺ فيما يحكي عن ربه: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه» . والمؤمن المتقي إذا حضره الموت فبشر بالسعادة أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، والمعرض الغافل إذا بشر بالشقاء كره لقاء الله وكره الله لقاءه ". ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 138
[خطبة في وجوب دفع الأذية عن الناس]
٥٣ - خطبة في وجوب دفع الأذية عن الناس الحمد لله الذي جعل الإحسان أكبر الأسباب لنيل الكرامات، وأذية الخلق والإضرار بهم موجب للعقوبات، وأشهد أن لا إله إلا الله كامل الأسماء والصفات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف المخلوقات، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أولي الفضل والكرامات.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن من توفيق العبد وسعادته كف أذيته عن المسلمين، ومن شقاوته عدم مبالاته في إيصال الضرر للعالمين، وقد أخبر ﷺ أن إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، ومن عزل حجرا أو شوكة أو عظما عن طريق الناس فقد سعى لنفسه بالأمان، وقال ﷺ : «بينما رجل يمشي بطريق إذ وجد غصن شوكة فأزاله فشكر الله له فغفر له وأدخله الجنة» ، فرحم الله عبدا كف أذيته عن الناس فلم يؤذهم بالتخلي في طرقهم ومساجدهم ومجالسهم، وما أحسن توفيق من رفع الأذى عنهم في جميع أحوالهم وتصرفهم، وازجروا من رأيتموه يتخلى في مغاسل المساجد فإنه موجب للعنة
стр. 139
اللاعنين، وقد باء فاعل ذلك بالإثم وأذية المؤمنين، قال ﷺ : «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل» وإياكم وكشف العورات بمرأى أحد أوقات التخلي والاغتسال، كما يفعل ذلك من لا يخشى الله من المتهاونين الأرذال، فقد لعن الناظر والمنظور وحق عليهم الوبال، أفلا يستحي أحدكم أن يكون أسوأ حالة من البهائم، فيبدي عورته والناس ينظرون، وهذا من أعظم الجرائم، فإن الله يمقت أشد المقت على كشف العورات، فمن فعل ذلك فقد باء بغضب من الله وحقت عليه العقوبات، عافاني الله وإياكم من جميع البليات، وستر منا العيوب والعورات، وأمننا من المخاوف والروعات، وسلك بنا مسلك أهل الأدب والحيا والصيانات. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] الآية. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 140
[خطبة في الوتر وغيره]
٥٤ - خطبة في الوتر وغيره الحمد لله مفضل الأعمال بعضها على بعض، والمتصرف في الأمور كلها بالإحكام والحكم في الطول والعرض، مالك السماوات والأرض، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا يقدر أحد على القدح في حكمته ولا النقض، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد أهل السماوات والأرض، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحساب والعرض.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، فإن أصل التقى القيام بالواجبات، وكمال التقوى وزينتها تحليتها بالمستحبات، وخصوصا ما حث عليه الشارع من نوافل الصلاة المؤكدات، فقد حث على الوتر وفضله تفضيلا، وأمر به وأخبر عن فضله وثوابه إجمالا وتفصيلا، فقال: «يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر، فمن لم يوتر فليس منا» . وإن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، وهي ما بين أن تصلوا العشاء والفجر، فمن شاء أن يوتر من أول الليل أو وسطه أو
стр. 141
آخره، ومن طمع أن يقوم من آخر الليل فليوتر آخره، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل، ومن شاء أن يوتر بواحدة أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة ركعة فلا بأس، وله أن يسردها، وأن يسلم من كل ركعتين، فكله ثبت عن النبي ﷺ ، ومن نام عن الوتر أو نسيه أو غيره من الصلوات قضاه إذا استيقظ وذكره. ومن دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، ليتعجل من ربه أجره مرتين. ومن توضأ في ليل أو نهار فليصل ركعتين خفيفتين. ومن حافظ على ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة تطوعا بنى الله له بيتا في الجنة؛ أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، فهذه الرواتب التي لا ينبغي للعبد أن يتركها ومن تركها لعذر قضاها. ومن هم بأمر ديني أو دنيوي فليصل ركعتين من غير الفريضة وليدع ربه بدعاء الاستخارة المعروف، وليستشر في ذلك من هو بالنصح والخبرة معروف، فلا ندم من استشار ولا خاب من استخار، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 142
[خطبة في الصلاة علي النبي ﷺ ]
٥٥ - خطبة في الصلاة علي النبي ﷺ الحمد لله الذي جعل حق نبيه مقدما على حقوق العالمين. وأوجب علينا الإيمان به وطاعته وتقديم محبته على الخلق أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] لهذا وجب لنبينا علينا حقوق كثيرة، ومن تلك الحقوق الإكثار من الصلاة والسلام عليه في جميع الأوقات، وتجب الصلاة عليه في الخطبة والصلاة، وتتأكد في يوم الجمعة وليلتها، وفي أول الدعاء وآخره، وعند ذكر سيد المخلوقات، ومن سمع المؤذن قال مثل ما يقول ثم قال: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، ومن صلى على النبي ﷺ حلت عليه شفاعته- ﷺ ، وأولى الناس به وأحقهم بشفاعته أعظمهم إخلاصا لله، وأكثرهم صلاة وسلاما عليه. ومن دخل
стр. 143
المسجد فليقل: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وعند الخروج يقول ذلك ويقول: وافتح لي أبواب فضلك. وما جلس قوم مجلسا ثم تفرقوا ولم يذكروا الله ويصلوا على النبي ﷺ إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة يوم القيامة. ومن أكثر من الصلاة والسلام عليه كفاه الله همه وقضى حاجته وغفر له ذنبه، ومن صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفع له عشر درجات. وكل أمر ذي بال حلي بذكر الله والصلاة على النبي ﷺ أحل فيه البركة، وكل أمر ذي بال لا يذكر الله فيه ولا يصلى فيه على النبي ﷺ فهو أجذم ممحوق البركة، فالإكثار من الصلاة عليه فيها غفران الزلات، وتكفير السيئات وإجابة الدعوات، وقضاء الحاجات وتفريج المهمات والكربات، وحلول الخيرات والبركات، ورضى رب الأرض والسماوات، وهي نور لصاحبها في قبره، منجية من الشرور والآفات، وفيها القيام ببعض حقه وتنمية محبته في القلب التي هي من أشرف القربات، وهي من أسباب الهداية إلى صراط مستقيم، وهي دعاء وسؤال للرب الرحيم، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 144
[خطبة في تيسير طريق الجنة والنجاة من النار]
٥٦ - خطبة في تيسير طريق الجنة والنجاة من النار الحمد لله الذي فاوت بين عباده في العقول والهمم والإرادات، ورفع بعضهم فوق بعض درجات. وأشهد أن لا إله إلا الله كامل الأسماء والصفات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل المخلوقات، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم في كل الحالات.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، فتقوى الله وقاية من العذاب، وطريق إلى الفوز والثواب. عباد الله، قد بين الله ورسوله لكم مراتب الخير والشر وثوابه، وفتح لكم طريق البر وأبوابه، وأبان لكم أن من قصد رضوانه وسلك السبيل فلابد أن يوفقه ويوصله إلى كل فضل جزيل، ومن تولى عن مولاه واتبع شيطانه وهواه ولاه الله ما تولى لنفسه وخذله وأضله وأعماه، فلا يهلك على الله إلا الطغاة المتمردون، ولا يخرج عن رحمته إلا من أبى أن يسلك ما سلكه الصادقون، فهذه الشرائع التي شرعها لكم المولى ويسرها لكم قوموا بها بجد واجتهاد، يصلح لكم أحوالكم، «قال معاذ بن جبل: يا رسول الله أخبرني بعمل
стр. 145
يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: " لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» أي فمن قام بهذه الشرائع الخمس وكملها استحق دخول الجنة والنجاة من النار، ثم قال له مبينا لأمته أبواب الخير: «ألا أدلكم على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل " ثم تلا قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] ثم قال: " ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله " ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله "؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بلسان نفسه فقال: " كف عليك هذا " قلت: يا رسول الله: إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: " ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخيرهم إلا حصائد ألسنتهم» فمن ملك لسانه فأشغله بما يقرب إلى الله- من قراءة وذكر ودعاء واستغفار، وحبسه عن الكلام المحرم من غيبة أو نميمة أو كذب وكل ما يسخط الجبار- فقد وفق للخير والثواب، وسلم من الشر والعقاب. فانظروا رحمكم الله ما أسهل هذه
следующие страницы →