← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30921

الفواكه الشهية في الخطب المنبرية والخطب المنبرية على المناسبات

عبد الرحمن السعدي

Полный текст (278 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ووبالا، ولكنه الاقتداء الضار يحسن كل قبيح، ويوقع صاحبه في الشر الصريح، أما قال أهل العلم: من جنى على لحية غيره فأزالها أو أزال جمالها على وجه لا يعود فعليه الدية كاملة؟! ثم هو مع ذلك يجني على نفسه ويجحد نعمة الله الشاملة، أما ترون وجوه الحالقين لها كيف يذهب بهاؤها وخصوصا عند المشيب، وتكون وجوههم كوجوه العجائز قد ذهبت محاسنها، وهذا من الشيء العجيب! فالله الله عباد الله في لزوم دينكم، ولا تختاروا عليه سواه، فإن فيه الخير والسعادة وكل جمال قد حواه، فوالله ما في الاقتداء بأهل الشر إلا الخزي والندامة، ولا في الاقتداء بنبيكم ﷺ إلا الصلاح والفلاح والكرامة، وإياكم أن تصبغوها بالسواد، فقد نهى عن ذلك خير العباد، فتوبوا إلى الله واستغفروه، وتمسكوا بالخير ولازموه، قبل أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله، يا ليتني حذرت من أهل الشر واقتديت برسول الله، يا ليتني أعود إلى الدنيا لأعمل صالحا وأتوب، فالآن فات كل مطلوب، وحصل كل مرهوب، وأحاطت بأهل المعاصي الخطايا والذنوب، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا - يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا - لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩]

стр. 72

[خطبة في كل معروف صدقة] ٢٨ - خطبة في كل معروف صدقة الحمد لله المعروف بالخير والكرم، والامتنان المجازي البر بالبر، وعلى الإحسان بالإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله الرحيم الرحمن، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الرسل وخلاصة الإنسان، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن مدار التقوى على فعل الخير واجتناب الشر والفساد، وعلى إخلاص الدين للمولى والإحسان إلى العباد، فلقد قال من أعطى جوامع الكلام: «كل معروف صدقة» فيالها من كلمة عظيمة جامعة للخيرات، وياله من كلام بليغ محيط بأصناف البر والبركات، فكما دخل في هذا الإحسان الديني يدخل فيه الإحسان الدنيوي، وكما يدخل فيه المعروف بالجاه والمقال، يدخل فيه المعاونات البدنية والإحسان بالمال، ويتناول المعروف إلى الصاحب والقريب، والمعروف إلى العدو والبعيد، فمن علم غيره علما أو أهدى له نصحا فقد تصدق عليه، ومن نبهه على

стр. 73

مصلحة دينية أو دنيوية أو حذره من مضرة فقد أحسن إليه. أيها العبد لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، وتباشر جليسك بالبشاشة وحسن الخلق، ولو أن تفرغ الدلو للمستقي والمتوضي، ولو أن تعطي صلة الحبل وتعير الإناء للمستجدي، وكلما كانت العارية أنفع كان أجرها أفضل، ومن المعروف إماطة الأذى عن الطريق، وعزل العظم والشوكة وجميع ما يؤذي، ومن المعروف هداية الأعمى في المساجد والطرق وهداية الحيران، وأن تسمع الأصم وتطعم الجائع وتسقي الظمآن، وتغيث المكروب واللهفان، ومن المعروف إعانة أصحاب الحوائج من الأقارب والأباعد والجيران، والعفو عمن ظلمك ومقابلة الإساءة بالإحسان، ومن المعروف الدعوة إلى طعام أو قهوة أو شراب، للأغنياء والفقراء والبعداء والأقراب، وسماحك لمن ينتفع بشيء من ملكك من ماشية ونخل وأشجار، بلبن أو خوص أو حطب أو ثمار، وإعانة المسلم بكتابة وعمل صنعة ونقل متاع، ومن المعروف بذل الفضل في المعاملات والمحاباة فيها فما شيء يترك ثوابه ولا يضاع، ومن المعروف الإحسان إلى المماليك من الآدميين وسائر الحيوانات، ففي كل كبد حراء أجر واكتساب للخيرات، ومن المعروف أن

стр. 74

تبذل لغيرك دواء نافعا أو تباشره بطب أو تصف له حمية أو دواء ناجعا، فكلما أوصلته إلى الخلق من البر والإحسان والتكريم، فأنه داخل في خطاب النبي الكريم، ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 75

[خطبة في العقل] ٢٩ - خطبة في العقل الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، فتبارك الله أحسن الخالقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين وإمام المتقين، اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واذكروا ما تفضل به عليكم من العقل الذي تميزتم به على كثير من المخلوقات، واحذروا أن تضيعوه أو تهملوه في وضعه في الأمور الضارة أو غير الأمور النافعات، فما أنعم الله على عبد نعمة فاستعملها فيما خلقت له إلا حفظها الله ونماها، ولا أهملها ووضعها في غير موضعها إلا سلبها وبقي عليه شقاها، فهذا العقل الذي منحكم الله إياه من أفضل العطايا، فما بالكم تستعملونه في ركوب الدنايا، خلق الله لكم العقول لتعقلوا بها ما ينفعكم من

стр. 76

المعارف والعلوم النافعة، وترتقوا بها إلى مدارج الفلاح بهمم قوية وقلوب واعية، فقاوموا بها ما يضركم من الأخلاق الرذيلة، فلا خير فيمن غلبت شهوته عقله فألقته في المهالك الوبيلة، فكروا في المصالح والمنافع فإذا توضحت فاسلكوها، وزاحموا بها النفوس العالية المقبلة على الخير ونافسوها، وإياكم أن تكون هممكم في تحصيل الأغراض الدنيئة فتخسروا عقولكم وتضيعوها، طوبى لمن كانت أفكاره حائمة حول ما يحبه الله، دائرة حول ما ينفع عباد الله، الإخلاص لله في كل الأمور شعاره، والإحسان المتنوع على الخلق دثاره، طوبى لمن كانت شهوته تبعا لعقله فآثر النافع وفاز بالسعادتين، وويل لمن غلبت شهوته عقله فاختار الرذائل فخسر الدنيا والدين، من ترك ما تهواه نفسه لله لم يجد فقده، وعوضه الله الإيمان والثواب، ومن تبع هواه وأعرض عما يحبه مولاه ابتلاه بالهموم وأنواع الأوصاب، سبحان من فاوت بين عباده بالعقول والهمم والأعمال، وباين بينهم في صفات النقص والكمال، وقسم بينهم الأخلاق كما قسم بينهم الأرزاق، فتبارك الله الواحد الملك الخلاق. من الله علي وعليكم بمحاسن الأعمال وأحاسنها، وحفظنا من أسافل الأخلاق وأراذلها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 77

[خطبة في قوله ﷺ قد أفلح من هدي للإسلام] ٣٠ - خطبة في قوله ﷺ «قد أفلح من هدي للإسلام. . .» إلخ الحمد لله الملك القهار، العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله الرحيم الغفار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين الأبرار، اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه البررة الأطهار. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى فإن تقوى الله عماد الدين، وحقه الواجب على الخلق أجمعين، قال ﷺ : «قد أفلح من هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنعه الله بما آتاه» . فجعل ﷺ هذه الثلاث عنوان الفلاح، وبها يحصل الخير والنجاح، فإن من جمع الله له هذه الثلاث فقد جمع له خير الدنيا والآخرة، وتمت عليه النعم الباطنة والظاهرة، وبها الحياة الطيبة في هذه الدار، والسعادة الأبدية في دار القرار. أما الهداية للإسلام، فإن الإسلام به العصمة والنجاة من طرق الجحيم، ولن يقبل الله من أحد دينا غير الاستسلام للرب العظيم. الإسلام هو الاستسلام الباطن والظاهر لله، وهو الانقياد الكامل لطاعة الله، الإسلام مقصوده القيام بحق الله وحق العباد، وروحه

стр. 78

الإخلاص لله والمتابعة للرسول في الهدي والرشاد، المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وأما الكفاف من الرزق فهو الذي يكفي العبد، ويكف قلبه ولسانه عن التشوف وسؤال الخلق، واغتباطه برزق الله والثناء على الله بما أعطاه من ميسور الرزق. فإن من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه وليلته فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، وأغبط الناس من عنده رزق يكفيه، وبيت يؤويه، وزوجة ترضيه، وسلم من الدين الذي يثقله ويؤذيه، فليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغني غني القلب، قال ﷺ : «من كانت نيته الآخرة جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه أمره ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له» ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن ما عند الله لا ينال عصيته، وإنما ينال بطاعته وخدمته، فاحمدوا الله عباد الله على الهداية للإسلام واشكروه على الكفاية من الرزق والغنى عن الآثام، وانظروا إلى من فضلتم عليه بالعافية والرزق والعقل والتوفيق، فإنه أحرى لشكر النعم والهداية لأقوم طريق، من الله

стр. 79

علينا وعليكم بالقيام بحقه والقناعة بميسور رزقه، إنه جواد كريم. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 80

[خطبة في نصائح نبوية] ٣١ - خطبة في نصائح نبوية الحمد لله الذي من على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، وخصه بجوامع الكلم وغرر الحكم، وجعل قبول وصاياه واتباع هديه داعيا لمحبة رب، العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الناصح البار الأمين، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله الطيبين وأصحابه الطاهرين، ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، وكونوا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فمن قبل نصائحه استقام على الصراط المستقيم، وأوصله ذلك إلى جنات النعيم، فقد قال ﷺ : «اتق الله حيثما كنت وأتبع الحسنة السيئة تمحها،

стр. 81

وخالق الناس بخلق حسن» ، ثلاث منجيات وثلاث مهلكات: فأما المنجيات فتقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر، أما المهلكات فهوى متبع وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه وهي أشدهن، ومن تواضع لله رفعه، فهو في نفسه صغير وفي أعين الناس عظيم، ومن تكبر وضعه الله فهو في أعين الناس صغير، وفي نفسه كبير، حتى لهو أهون عليهم من كلب وخنزير، بئس العبد عبد تخيل واختال، ونسي الكبير المتعال، بئس العبد عبد تجبر واعتدى، ونسي الجبار الأعلى، بئس عبد سهى ولهى ونسي المقابر والبلاء، بئس العبد عبد عتى وطغى، ونسي المبتدأ والمنتهى، بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين، بئس العبد عبد طمع يقوده، بئس العبد عبد هوى يضله، بئس العبد عبد رغب يذله، من التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس الدواوين ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وهو الإشراك بالله، يقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وديوان لا يتركه الله وهو ظلم العباد فيما بينهم حتى يقتص بعضهم من بعض، وديوان لا يعبأ الله به؛ ظلم العباد فيما بينهم وبين الله، فذاك إلى الله إن

стр. 82

شاء عذبه وإن شاء تجاوز عنه، من الله علي وعليكم بقبول النصائح، وحمانا من جميع الشرور والقبائح. ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 83

[خطبة في الاهتمام بصلاح القلب] ٣٢ - خطبة في الاهتمام بصلاح القلب الحمد لله الذي أصلح بلطفه الصالحين، وخلع عليهم خلع الإيمان واليقين، وحفظهم بعنايته مما يقبح ويشين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مالك يوم الدين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الأمين، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن مدار التقوى على إصلاح القلوب، فقد قال ﷺ : «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي " القلب» فمتى صلح القلب بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وصحح ذلك بالمعرفة وحسن الاعتقاد ثم توجه القلب إلى ربه بالإنابة والقصد وحسن الانقياد - فإن الجوارح كلها تستقيم على طريق الهدى والرشاد، فصلاح الجوارح ملازم لصلاح القلوب، فاغتنموا رحمكم الله إصلاحها بحسن النية في كل مطلوب، فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر ما أكنته القلوب،

стр. 84

فأخلصوا الأعمال لله في كل ما تأتون وما تذرون، وأنيبوا إلى ربكم واطمعوا في رحمته لعلكم ترحمون، فالعمل اليسير مع الإخلاص خير من الكثير مع الرياء، والثمرات الطيبة إنما تحصل لمن حقق النية واتقى، فمن أصلح باطنه. أصلح الله له الأحوال، وسدده في الأقوال والأفعال، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] وسلوا مولاكم أن يطهر قلوبكم من الغل والحقد، ومن الكبر والتعاظم على العباد والحسد، فقد قال- ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة من ولاه الله أمركم، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» طوبى لمن أخلص لله في أقواله وأفعاله، ورجا فضله في حاله ومآله، وطهر قلبه من البغضاء والعداوة للمسلمين، وتعاون معهم في أمور الدنيا والدين،

стр. 85

وويل لمن تعلق قلبه بأحد من المخلوقين، أو امتلأ من الغل والحقد على المؤمنين؛ أما الأول فإنه يسعى في علو الدرجات، وأما الآخر فإنه يتردى في مهاوي الهلكات. اللهم يا مصلح الصالحين أصلح فساد قلوبنا، ويا من بيده خزائن كلى شيء اسعفنا بمطلوبنا، ويا من يغفر الذنوب جميعا اغفر ذنوبنا واستر عوراتنا وعيوبنا إنك أنت الجواد الكريم. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 86

[خطبة عن الآيات المخوفة والتحذير من الذنوب] ٣٣ - خطبة عن الآيات المخوفة والتحذير من الذنوب الحمد لله الحكيم في خلقه ورزقه وتدبيره، الحميد في خفضه ورفعه وعطائه ومنعه وجميع تقديره، الغفور الرحيم لمن خشيه واتقاه، شديد النكال والعقوبة على من عانده وعصاه، وأشهد أنه لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ومختاره ومصطفاه، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله فإن تقوى الله بها حصول الخيرات وفيها دفع الشرور والمكروهات قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] وأخبر أن الدعاء سبب للإجابة بحصول المطلوب، وأن الذنوب أكبر الموانع لنزول الغيث، ونزع البركة من الأرض والثمار والحبوب، كيف تطمعون في حصول ما تحبون وأنتم مصرون على الذنوب

стр. 87

والجنايات، كيف ترجون حصول الغيث وأنتم مقيمون على الغش والخيانات، وقد برئ ﷺ من أهل الكذب والغش في كل المعاملات، أما سمعتم أن بخس المكاييل والموازين وبخس الناس أشياءهم أهلك الله به أهل مدين بالعذاب في الدنيا قبل الآخرة، وأن من لم يتب منها فعاقبته أفظع العواقب وقد باء بالصفقة الخاسرة، فوالله إن الحرام والغش ليستدرج صاحبه ثم يمحق محقا، وأن المكاسب الخبيثة مع إثم صاحبها لتنزع منها البركة حقا وصدقا، وأن المكاسب الطيبة ليصلح الله بها الأحوال، والورع عن الحرام خير لصاحبه في الحال والمآل، أما ترون الله يستعتبكم ويخوفكم بما يريكم من الآيات والشدة والنكال، ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ويصرفها عمن يشاء وهو شديد المحال؟! أما ترون الله يصرف عنكم أمورا وشرورا قد انعقدت أسبابها بما كسبت أيدي العباد لتتوبوا إليه وترجعوا عن الشر والفساد؟! أما علمتم أن المعاصي تخرب الديار العامرة، وتسلب النعم الباطنة والظاهرة؟! فكم لها من العقوبات والعواقب الوخيمة، وكم لها من الآثار والأوصاف الذميمة، وكم أزالت من نعمة، وأحلت من محنة ونقمة، فاتقوا الله عباد الله واحذروه، واعلموا أنكم لا بد أن تلاقوه، فيحاسبكم وينبئكم بما قدمتموه وأخرتموه. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 88

[خطبة في التوحيد] ٣٤ - خطبة في التوحيد الحمد لله الذي خلق المكلفين ليعبدوه، وأدر عليهم الأرزاق ليشكروه، ووضح لهم الأدلة والبراهين ليعرفوه، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي يتعين علينا أن لا ندعو غيره ولا نخافه ونرجوه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي فاق الرسل من جميع الوجوه، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه جميع الذين اتبعوه. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وأطيعوه، واحذروا جميع ما يسخطه وتتبعوا مراضيه، أما دلكم على وحدانيته بالآيات البينات، أما وضح لكم معرفته بالحجج والبراهين القاطعات، تعرف لكم بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا ونعمه الواسعة العظمى. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ - الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ - فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٨] ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ - وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١] ﴿خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ - ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ - ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٧ - ٩] وجعل له السمع والبصر والفؤاد وجميع

стр. 89

القوى فتبارك الله أحسن الخالقين، أحسن بقدرته المخلوقات، وزين السماء بالشمس والقمر والكواكب النيرات، ومهد الأرض وأودع فيها منافعها المتنوعات، وثبتها بالجبال الشم الشاهقات، أجرى فيها العيون والأنهار، وأخرج أصناف الزروع والأشجار والثمار، وجعلها متاعا للبشر وأنعامهم، فتبارك الكريم القهار، أسبغ على عباده النعم، وصرف عنهم المكاره والنقم، فكم له على عباده من الخير المدرار، فهو المتفرد بالعطاء والمنع والخفض والرفع، وهو الواحد الغفار، مجيب الدعوات، وفارج الكربات، ومغيث اللهفات، وسامع الأصوات بتفنن اللغات، فسبحان الحليم الستار، يعلم السر وأخفى، وإليه ترفع الحاجات والشكوى، وإليه ينتهي السائلون، وهو محل النجوى، ومزيل المكاره والشدائد والأخطار، يقول تعالى في الحديث القدسي: «إني والجن والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي خيري إليهم نازل وشرهم إلي صاعد أتحبب إليهم بالنعم، وأنا الغني عنهم ويتمتعون إلي بالمعاصي وهم الفقراء إلي» ، فاتقوا الله عباد الله وراقبوه، وتوبوا إليه كل وقت واستغفروه، وانظروا إلى كثرة نعمه عليكم، فاشتغلوا بالثناء عليه، والجؤا إلى الله وتوكلوا عليه. أجارنا الله وإياكم من النار وغفر لنا الذنوب والأوزار، وبارك لنا ولكم في القرآن العظيم.

стр. 90

[خطبة في نعيم البرزخ وعذابه] ٣٥ - خطبة في نعيم البرزخ وعذابه الحمد لله الذي لم يزل قائما بشؤون الخليقة على أحسن نظام، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل على الكمال والتمام، فهو الملك العظيم القدوس السلام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الأنام، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه البررة الكرام. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله، واعلموا أن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم، وأنكم عند انتقالكم من الدنيا لا بد أن يمتحنكم ويسألكم ويجازيكم، فمن كان في الدنيا ثابتا على الصراط المستقيم ثبته الله عند مماته وفي قبره وبشر بالفوز والنعيم، ومن كان في هذه أعمى معرضا عن الله فلا بد أن يلاقي ما قدمت يداه، قال ﷺ : «إذا قبر الميت أتاه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول المؤمن: ربي الله، فيقولان: له ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما

стр. 91

هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره. وأما الفاجر أو الكافر فإذا سأله الملكان من ربك وما دينك ومن نبيك قال: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيضربانه بمطرقة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنس والجن ولو سمعوها لصعقوا، فينادي مناد أن كذب عبدي فافرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فلا يزال معذبا إلى أن تقوم الساعة» . أما والله لو نشر لكم أهل القبور، فحدثوكم بما وصلوا إليه من عظائم الأمور لقالوا: قد وجدنا ما وعدنا الله ورسوله حقا ولم نفقد من أعمالنا مثقال ذرة من خير أو شر فأصبحنا مرتهنين صدقا، أما طائعنا فقد اغتبط بعمله ولقي الفوز والروح والريحان، وأما عاصينا فقد باء بالخيبة والحسرة والهوان، يتمنون الرجوع إلى الدنيا ليتوبوا، ويودون أن لو مكنوا ليعملوا صالحا وينيبوا، وأنتم إلى ما صاروا إليه

стр. 92

صائرون، وبكأس الحمام الذي يدور على الخليقة شاربون فتوبوا إلى ربكم ما دمتم في زمن الإمهال، وتقربوا إليه بما استطعتم من صالح الأعمال، ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣] إلى آخر السورة. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 93

[خطبة في فضل الإسلام] ٣٦ - خطبة في فضل الإسلام الحمد لله الذي جعل الإسلام مل الخليقة في دينها، ودنياها وأرشد فيه النفوس إلى هداها وحذرها من رداها، وأشهد أنه الرب العظيم، الذي لم يزل ربا وإلها، وأشهد أن محمد عبده ورسوله أعظم الخلق عند الله فضلا وقدرا وجاها، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما وبركة لا تنقضي ولا تتناها. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله واعلموا أن دين الإسلام هو الدين القيم الذي فيه صلاح العباد، وهو أعظم المنن من الكريم الوهاب، ولا يقبل الله من العباد سواه، وقد تكفل لسالكه بخير دينه ودنياه، فيه من المبادئ السامية، والأخلاق العالية والنظم العادلة ما تشتهيه الأنفس وتمتد إليه الأعناق، وقد تكفل بالحياة الطيبة لمتبعيه لحسنه وجماله، وفضائله التي فضل بها غيره وفاق، أليست عقائده الصحيحة أصح العقائد، وأصلحها للقلوب وأنفعها للأرواح؟ أليست أخلاقه أجمل الأخلاق، وبراهينه في غاية القوة والبيان والإيضاح؟ فهل أعظم وأنفع وأكمل من الاعتقاد اليقيني الذي لا ريب فيه أن تعلم أن لنا ربا عظيما تتضاءل عظمة المخلوقات كلها في عظمته وتضمحل إذا

стр. 94

نسبت إلى كبريائه ومجده وحكمته؟ له الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، أحاط بكل شيء علما ورحمة وقدرة وحكمة وحكما، وشمل كل موجود بحسن تدبيره إحكاما ونظاما وحسنا، قد أحسن ما خلقه، وأبدع ما صنعه، وأحكم ما شرعه، له العلو المطلق من جميع الوجوه، وهو الغاية في الكمال فلا نخشى غيره ولا نرجوه، يجيب الداعين، ويفرج الكربات عن المكروبين، من توكل عليه كفاه، ومن أناب إليه وتقرب إليه قربه وأدناه، ومن أوى إليه آواه، لا يأتي بالخير والحسنات إلا هو، ولا يكشف السوء والضراء سواه، يتودد إلى عباده بكل سبيل، ويسبغ عليهم من عطائه وكرمه الجزيل، لا يخرج عن خيره وجوده إلا المتمردون، ولا يعرض عن طاعته إلا الظالمون، فهل تصلح القلوب والأرواح إلا بالتأله إليه؟ وهل للعباد معاذ وملجأ إلا إليه؟ وكذلك يهدي هذا الدين لأحسن الأخلاق، والأعمال، على محاسن الآداب وطرق الكمال، لا خير ولا، فلاح ولا هدى إلا دل عليه، ولا شر ولا ضرر ولا فساد إلا حذر منه. أما حث على الصدق والعدل في الأقوال والأفعال؟ أما أمر بالإخلاص له في كل الأحوال؟ أما حث على الإحسان المتنوع لأصناف المخلوقات، وبالتواضع للحق وللخلق في كل الحالات؟ أما أمر بنصر المظلومين وإغاثة الملهوفين، وإزالة الضر عن المضطرين؟ أما رغب في حسن الخلق بكل طريق، على

стр. 95

القريب والبعيد والعدو والصديق؟ أما نهى عن الكذب والفحش والخيانات، وحث على رعاية الشهادات والقيام بالأمانات؟ أما حذر من ظلم الخلق في الدماء والأموال والأعراض والحقوق؟ أما زجر عن القطيعة والإساءة والعقوق؟ أما أمر بفعل الأسباب النافعة مع التوكل على المولى؟ أما حث على التآلف والاجتماع والمودة والإخاء؟ أما أمرنا أن نعد لأعدائنا ما نستطيعه من قوة نافعة وواقية؟ وأن نقوم بكل ما يقيم الدين ويصلح الدنيا بالوسائل الكافية؟ أما أباح لنا الطيبات من المآكل والمشارب والملابس والمعاملات؟ وحرم علينا الخبائث والمضار والمفاسد في كل الحالات؟ فأي صلاح ديني ودنيوي لم يرشد إليه هذا الدين، وأي ضرر وشر إلا بين طرقه وحذر عنه العالمين؟ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 96

[خطبة في عمل اليوم والليلة] ٣٧ - خطبة في عمل اليوم والليلة الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فما أعظمه ربا وملكا قديرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أرسله إلى جميع الثقلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الله تعالى جعل الأوقات والشهور تتكرر على العباد لتقوم وظائف الطاعات، وتنشط النفوس على الخيرات، لما مضت الأشهر الثلاثة الكرام، أولها رجب وآخرها شهر الصيام، أعقبها بالشهور الثلاثة شهور الحج إلى بيته الحرام، فكما أن من صام رمضان وقام غفرت له جميع الذنوب والآثام فمن حج البيت أو اعتمر غفرت ذنوبه فضلا من الملك العلام، فما يمضي على المؤمن وقت من الأوقات، إلا ولله عليه وظيفة من وظائف الطاعات، فإذا قام بها ووفاها كان من الذاكرين الله كثيرا

стр. 97

والذاكرات، المعد لهم المنازل العالية الطيبات، أليس من أجل نعمه على العباد أن جعل الليل والنهار يتناوبان كلما ذهب أحدهما خلفه الآخر؟ لإنهاض همم العاملين إلى الخيرات، فمن فاته الورد بالليل استدركه بالنهار، ومن فاته بالنهار استدركه بالليل على مدى الأوقات، ألا وإن شجرة الإيمان قد غرسها الله في قلوب المؤمنين، ورتب العبادات على اختلافها لتنميتها وتكميلها في كل وقت وحين، فلولا أعمال اليوم والليلة لذوى غرس الإيمان، فإليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفع ذلك إلى الملك الديان، فلقد سبق المفردون الذين لا تزال ألسنتهم تلهج بذكر الله إلى جنات النعيم، ولقد فاز المسارعون إلى الخيرات برفعة الدرجات والقرب من الرب الكريم، فيا ويح المعرضين عن ربهم ما أشد خسارهم وأشقاهم، ويا ندامة الغافلين لقد انفرطت أمور دينهم ودنياهم، فوالله إن ذكر الله لحياة الأرواح والقلوب، وإن القيام بخدمته ليوصل العبد إلى أجل مطلوب. أعانني الله وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، ووقانا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا بلطفه ورعايته. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] الآية. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 98

[خطبة في النصيحة] ٣٨ - خطبة في النصيحة الحمد لله الذي أوجب على عباده النصح في العبادات والمعاملات، وحذرهم من الغش والغل والخيانات، وأشهد أن لا إله إلا الله المعروف بجميل الهبات، وعظيم الصفات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الرسل الذي رفعه الله أعلى الدرجات، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وأصحابه، ومن تبعهم في كل الحالات. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وبترك مساخطه والإقبال على مراضيه، وتقربوا إليه بالنصيحة فيما يظهره أحدكم أو يخفيه، قال ﷺ : «الدين النصيحة "، ثلاثا، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» فأخبر ﷺ خبرا متضمنا للحث على النصيحة والترغيب فيها، إن الدين كله منحصر في النصيحة، أي ومن قام بالنصيحة كلها فقد قام بالدين، وفسره تفسيرا يزيل الأشكال، ويعم جميع الأحوال، أما النصيحة لله فهي القيام بحقه وعبوديته، وذلك يشمل ما يجب اعتقاده من

стр. 99

أصول الإيمان، وما يتعين القيام به من شرائع الإسلام وحقائق الإحسان، من أعمال القلوب والجوارح وأقوال اللسان، وهو فعل المأمور من الفرائض والنوافل، ونية القيام بما يعجز عنه منها. وأما النصيحة لكتاب الله فهي الإقبال بالكلية على تلاوته وتدبره وتعلم معانيه وتعليمها، وجملة ذلك وحاصله هو الإيمان بالله ورسوله وطاعة الله ورسوله. وأما النصيحة لأئمة المسلمين وهم ولاتهم من السلطان الأعظم إلى الأمير إلى القاضي إلى جميع من لهم ولاية كبيرة أو صغيرة، فهؤلاء لما كانت مهمتهم وواجباتهم أعظم من غيرهم وجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم ومقاماتهم، وذلك باعتقاد إمامتهم والاعتراف بولايتهم، ووجوب طاعتهم في المعروف، وحث الرعية على طاعتهم ولزوم أمرهم، وبذل ما يستطيعه الإنسان من نصيحتهم، وتوضيح ما خفي عليهم مما يحتاجون إليه في رعايتهم، كل أحد بحسب مرتبته، والدعاء لهم بالتوفيق والصلاح، فإن صلاحهم صلاح للرعية وللأمور،

стр. 100

واجتناب سبهم والقدح فيهم وإشاعة مثالبهم، فإن في ذلك شرا وضررا وفسادا كبيرا ومن رأى منهم مالا يحل فعليه أن ينبههم سرا لا علنا بلطف وعبارة تليق بالمقام، فإن هذا مطلوب في حق كل أحد وبالأخص ولاة الأمور، فتنبههم على هذا الوجه فيه خير. وأما النصيحة لعامة المسلمين فبمحبة الخير لهم وإيصاله إليهم بحسب الإمكان، وكراهة الشر لهم والسعي في دفعه بحسب القدرة، وتعليم جاهلهم ووعظ غافلهم، ونصحهم وإرشادهم في أمور دينهم ودنياهم، وكل ما تحب أن يفعلوا مع الإحسان؟ فافعله معهم، ومعاونتهم على البر والتقوى، ومساعدتهم في كل ما يحتاجونه، فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. فتبين بهذا أن النصيحة تشمل الدين كله أصوله وفروعه، وحقوق الله وحقوق عباده، فأين النصيحة ممن تهاون بحقوق الله فضيعها وعلى محارمه فتجرأ عليها؟! وأين النصيحة من أهل الخيانات وأصحاب الغش في المعاملات؟! وأين النصيحة ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ومن يتتبعون عورات المسلمين وعثراتهم؟! فهؤلاء عن النصيحة بمعزل، ومنزلهم منها أبعد منزل، طوبى للناصحين، ويا خسارة الغشاشين. من الله

стр. 101

علي وعليكم بالقيام بالنصيحة، وحفظنا من أسباب الخزي والفضيحة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 102

[خطبة في سنن الفطرة] ٣٩ - خطبة في سنن الفطرة الحمد لله الذي شرع لنا ما يقربنا إليه ويدنينا، ونهج لنا من الطرق ما يكفينا عن غيرها ويغنينا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهنا ومليكنا وناصرنا وهادينا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه الله بالهدى ودين الحق شرعة وتوحيدا ودينا، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أفضل الناس أخلاقا وأعمالا وعلما ويقينا. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله واشكروه على آلائه الباطنة والظاهرة، وتقربوا إليه بما يحبه ويرضاه من العقائد والأعمال والأخلاق الفاضلة، فقد شرع لكم من فطرة الإسلام ما يطهر الظواهر ويزكي القلوب، ويسر لكم كل سبب تدركون به المطلوب، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ - مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١] فهذه الفطرة الباطنة التي عمادها على الإخلاص والإقبال بالقلب عليه، وتمامها بترك الشرك قليله

стр. 103

وكثيرة وتحقيق الإنابة إليه، قولوا بألسنتكم وقلوبكم إذا أصبحتم وأمسيتم: أصبحنا وأمسينا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وملة أبينا إبراهيم ودين نبينا محمد ﷺ ، هذه الفطرة الباطنة التي تطهر القلب من الشرك والشك والشقاق والنفاق، وتنقيه من الغل والغش والحقد ومساوئ الأخلاق، وتملأ القلب علما ويقينا وعرفانا، وتوجهه إلى ربه إخلاصا وطمأنينة وبرا وإيمانا. أما الفطرة الظاهرة فقد حث الشارع على تنقية الجسد من الأوساخ والأنجاس والأوضار، ورغب في حلق العانة ونتف الإبط، وحف الشارب وإعفاء اللحية، وتقليم الأظفار، وأخبر أن الطهور الشرعي- وهو إزالة الأخباث والأحداث- شطر الإيمان؛ لما في ذلك من طهارة البدن من الأوضار والأدران، وأخبر ﷺ أن النكاح والحناء والتطيب من سنن المرسلين، وأن استدامة الطهور والمداومة عليه من أوصاف المؤمنين، وقال تعالى بعد ما ذكر الطهارة بالماء والتراب: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] فهذه الطهارة التي شرعها من أكبر نعمه على العباد، وبها تكفر الخطايا وتحصل العطايا الكثيرة يوم التناد، فمن توضأ وضوءا كاملا خرجت خطاياه مع الماء من تحت

стр. 104

الأظفار، ومن أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفرت ذنوبه، واستحق رضا الغفار، ومن توضأ فأحسن وضوئه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين- فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، وما ذلك بعزيز على فضل الكريم الغفار، وقال ﷺ : «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، إن أمتي يدعون غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» وقال: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» . رزقنا الله الاعتراف بنعمه وأياديه، ووفقنا للقيام بما يحبه ويرضيه. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٣١] الآية، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 105

[خطبة في البداءة باليمين] ٤٠ - خطبة في البداءة باليمين الحمد لله الذي فضل بعض المخلوقات على بعض بحكمته الشاملة، وخصص بعضها بأوصاف تميزت بها، فسبحان من اختص بالأوصاف الكاملة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في نعوته وفي أياديه التامة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى ونبيه المقتفى، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه النجبا. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن كمال التقوى وزينتها الاجتهاد في التأدب بالآداب الشرعية والتحقق بالإرشادات النبوية، قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله يعجبه التيمن في طهوره وترجله وتنعله، وفي شأنه كله» . قال العلماء: ينبغي للعبد إذا تطهر أن يبدأ باليمين من اليدين والرجلين قبل اليسار، وأن يجعل يمناه لأكله وشربه وأخذه وعطائه، فمن سمى الله عند أكله وشربه وتناول أكله وشربه بالأدب باليمين وحمد الله إذا فرغ- نال رضى رب العالمين، أو ناول أحدا شيئا أو تناول منه فليكن ذلك باليمين، ومن صافح غيره صافحه باليمين، ومن أدار على جماعة طعاما أو

стр. 106

شرابا أو طيبا أو غيرها بدأ بالأيمن فالأيمن، ولو كان الأيسر فاضلا والأيمن مفضولا، إلا أن يؤثر صاحب الحق غيره في بالتقديم، واحذروا من الأكل والشرب باليسار من غير عذر، فأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، فاحذروا من مشابهة الشيطان في أعماله، وإذا دخل أحدكم المسجد فليقدم رجله اليمنى، ويقول: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، فمن غفر له ورحم وفقه الله لتكميل العبادات، ومن عليه بما يفعل في المسجد من الطاعات، وإذا خرج من المسجد قدم رجله اليسرى، وقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك، ليكون متعلقا رجاؤه بربه في أمور دينه، ودنياه، فإن من سأل ربه وتوكل عليه رزقه من حيث لا يحتسب وكفاه، وإذا لبس لباسا بدأ بالجانب الأيمن، فإن كان جديدا قال: الحمد لله الذي كساني هذا اللباس ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، اللهم كما سترت وجملت ظاهري باللباس فجمل باطني بلباس التقوى، وإذا خلع ذلك بدأ بالجانب الأيسر، وليجعل يده اليسرى لمباشرة النجاسات والأوساخ والأقذار، كالاستنجاء والاستجمار والإستنثار. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]

стр. 107

[خطبة فيها آداب الشرع في السلام والتحية وغيرها] ٤١ - خطبة فيها آداب الشرع في السلام والتحية وغيرها الحمد لله الذي جعل الأدب الشرعي عنوان التوفيق، وهدى من شاء من خلقه لأقوم طريق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مبنية على الإخلاص والمحبة والتحقيق، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أخرج الله به المؤمنين من الكربات والظلمات والضيق، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والسوابق والتوفيق. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الآداب الشرعية أفضل الآداب، فاسلكوا سبلها لتحظوا من ربكم بجزيل الثواب، ألا وإن أصل الأدب مراقبة الله في السر والعلانية، والقيام بحقوقه وحقوق خلقه بنية وهمة عالية، فقد قال ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه» «إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام» «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه

стр. 108

فليسلم عليه» «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا دلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» واعلموا أن السلام الشرعي بالمشافهة والمكاتبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فاستبدل به الجهال الذين لا يعرفون قدر الآداب الشرعية ألفاظا استحسنوها وهي غير مرضية، فأين هذه الألفاظ التي لا فائدة فيها أصلا من تحية المسلمين التي تجمع أكمل الدعاء وأنفع الخير والثناء، وليسلم الراكب على الماشي، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، والماشي على الجالس، وإذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل سامعه: يرحمك الله، فإذا قال ذلك فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم، فإن حمد الله فشمتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه، وقال ﷺ : «لا خير في الجلوس في الطرقات» أي التي لا بيع فيها ولا شراء إلا لمن هدى السبيل، ورد التحية، وغض البصر، وأعان على الحمولة، ولم يؤذ الناس ولم يتتبع عوراتهم ويشتغل بالتفتيش عن أحوالهم، فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته وفضحه بين العباد وأظهر للناس عيوبه التي كان يخفيها، ومن تغافل عن عيوب الناس وأمسك لسانه عن تتبع أحوالهم التي لا يحبون

стр. 109

إظهارها سلم دينه وعرضه، وألقى الله محبته في قلوب العباد وستر الله عورته، فإن الجزاء من جنس العمل، وما ربك بظلام للعبيد. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.

стр. 110

[خطبة في حسن الخلق] ٤٢ - خطبة في حسن الخلق الحمد لله الرؤوف الرحيم، البر الجواد الكريم، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك العظيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الهادي إلى صراط مستقيم، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في كل أمر قويم. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى بالقيام بحقوقه وحقوق العباد، وبكمال المتابعة للرسول وقوة الإخلاص للرب الجواد، قال ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» ، فعاشروا رحمكم الله الخلق بالخلق الجميل، وبالتواضع لهم في كل كثير وقليل، واعقدوا قلوبكم عقدا جازما على محبة جميع المسلمين والتقرب بذلك إلى رب العالمين، واجتهدوا في تحقيقها ودفع ما ينافيها، واعملوا على كل ما يحققها ويكملها وينميها، واتخذوا المؤمنين إخوانا، وعلى الخير مساعدين وأعوانا، ومتى رأيتم قلوبكم منطوية على خلاف ذلك فبادروا إلى زواله، وسلوا ربكم أن لا يجعل فيها غلا للذين آمنوا تحظوا بنواله، وميزوا في هذه المحبة من لهم في الإسلام مقام جليل، كعلمائهم وولاتهم العادلين
следующие страницы →