Полный текст (278 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
آخره، ومن طمع أن يقوم من آخر الليل فليوتر آخره، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل، ومن شاء أن يوتر بواحدة أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع أو إحدى عشرة ركعة فلا بأس، وله أن يسردها، وأن يسلم من كل ركعتين، فكله ثبت عن النبي ﷺ ، ومن نام عن الوتر أو نسيه أو غيره من الصلوات قضاه إذا استيقظ وذكره. ومن دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، ليتعجل من ربه أجره مرتين. ومن توضأ في ليل أو نهار فليصل ركعتين خفيفتين. ومن حافظ على ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة تطوعا بنى الله له بيتا في الجنة؛ أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، فهذه الرواتب التي لا ينبغي للعبد أن يتركها ومن تركها لعذر قضاها. ومن هم بأمر ديني أو دنيوي فليصل ركعتين من غير الفريضة وليدع ربه بدعاء الاستخارة المعروف، وليستشر في ذلك من هو بالنصح والخبرة معروف، فلا ندم من استشار ولا خاب من استخار، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 142
[خطبة في الصلاة علي النبي ﷺ ]
٥٥ - خطبة في الصلاة علي النبي ﷺ الحمد لله الذي جعل حق نبيه مقدما على حقوق العالمين. وأوجب علينا الإيمان به وطاعته وتقديم محبته على الخلق أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] لهذا وجب لنبينا علينا حقوق كثيرة، ومن تلك الحقوق الإكثار من الصلاة والسلام عليه في جميع الأوقات، وتجب الصلاة عليه في الخطبة والصلاة، وتتأكد في يوم الجمعة وليلتها، وفي أول الدعاء وآخره، وعند ذكر سيد المخلوقات، ومن سمع المؤذن قال مثل ما يقول ثم قال: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، ومن صلى على النبي ﷺ حلت عليه شفاعته- ﷺ ، وأولى الناس به وأحقهم بشفاعته أعظمهم إخلاصا لله، وأكثرهم صلاة وسلاما عليه. ومن دخل
стр. 143
المسجد فليقل: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وعند الخروج يقول ذلك ويقول: وافتح لي أبواب فضلك. وما جلس قوم مجلسا ثم تفرقوا ولم يذكروا الله ويصلوا على النبي ﷺ إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة يوم القيامة. ومن أكثر من الصلاة والسلام عليه كفاه الله همه وقضى حاجته وغفر له ذنبه، ومن صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفع له عشر درجات. وكل أمر ذي بال حلي بذكر الله والصلاة على النبي ﷺ أحل فيه البركة، وكل أمر ذي بال لا يذكر الله فيه ولا يصلى فيه على النبي ﷺ فهو أجذم ممحوق البركة، فالإكثار من الصلاة عليه فيها غفران الزلات، وتكفير السيئات وإجابة الدعوات، وقضاء الحاجات وتفريج المهمات والكربات، وحلول الخيرات والبركات، ورضى رب الأرض والسماوات، وهي نور لصاحبها في قبره، منجية من الشرور والآفات، وفيها القيام ببعض حقه وتنمية محبته في القلب التي هي من أشرف القربات، وهي من أسباب الهداية إلى صراط مستقيم، وهي دعاء وسؤال للرب الرحيم، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 144
[خطبة في تيسير طريق الجنة والنجاة من النار]
٥٦ - خطبة في تيسير طريق الجنة والنجاة من النار الحمد لله الذي فاوت بين عباده في العقول والهمم والإرادات، ورفع بعضهم فوق بعض درجات. وأشهد أن لا إله إلا الله كامل الأسماء والصفات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل المخلوقات، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم في كل الحالات.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، فتقوى الله وقاية من العذاب، وطريق إلى الفوز والثواب. عباد الله، قد بين الله ورسوله لكم مراتب الخير والشر وثوابه، وفتح لكم طريق البر وأبوابه، وأبان لكم أن من قصد رضوانه وسلك السبيل فلابد أن يوفقه ويوصله إلى كل فضل جزيل، ومن تولى عن مولاه واتبع شيطانه وهواه ولاه الله ما تولى لنفسه وخذله وأضله وأعماه، فلا يهلك على الله إلا الطغاة المتمردون، ولا يخرج عن رحمته إلا من أبى أن يسلك ما سلكه الصادقون، فهذه الشرائع التي شرعها لكم المولى ويسرها لكم قوموا بها بجد واجتهاد، يصلح لكم أحوالكم، «قال معاذ بن جبل: يا رسول الله أخبرني بعمل
стр. 145
يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: " لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» أي فمن قام بهذه الشرائع الخمس وكملها استحق دخول الجنة والنجاة من النار، ثم قال له مبينا لأمته أبواب الخير: «ألا أدلكم على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل " ثم تلا قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] ثم قال: " ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله " ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله "؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بلسان نفسه فقال: " كف عليك هذا " قلت: يا رسول الله: إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: " ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخيرهم إلا حصائد ألسنتهم» فمن ملك لسانه فأشغله بما يقرب إلى الله- من قراءة وذكر ودعاء واستغفار، وحبسه عن الكلام المحرم من غيبة أو نميمة أو كذب وكل ما يسخط الجبار- فقد وفق للخير والثواب، وسلم من الشر والعقاب. فانظروا رحمكم الله ما أسهل هذه
стр. 146
الشرائع وأيسرها، وما أعظم ثوابها وأجرها وما أكملها. ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 147
[خطبة في الرضى بالقدر]
٥٧ - خطبة في الرضى بالقدر الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وكفى بالله وليا ونصيرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله فقد فاز المتقون، واعتمدوا على ربكم في كل ما به تتصرفون، واعلموا أن كل شيء بقضاء قدره من يقول للشيء كن فيكون، ألا وإن الاعتقاد في القضاء والقدر أحد أصول الإيمان، وبتحقيقه يتحقق للعبد الربح ويسلم من الخسران، فإن هذا الاعتقاد إذا وقر في القلوب نشط العاملين في أعمالهم، ورقاهم إلى مدارج الكمال في كل أحوالهم، فمن آمن حق الإيمان بالله وعلم أن كل شيء بقدره وقضاه ثبت الله قلبه للرضى والتسليم وهداه، ومن استعان بالله معتمدا بقلبه عليه أعانه، ومن لجأ إليه واحتمى بحماه حماه وعصمه وصانه، ومن تحمل في سبيله الأثقال والمشاق سهلها عليه
стр. 148
وهونها، ومن قصد نحوه صادقا كفاه كل مؤنة وزين في قلبه مسالك الخير وحسنها، كيف يرهب الخلق في رضى الخالق من يعلم أن الأجل محتوم؟ وكيف يخشى الفقر فيما ينفق من ماله في الخير من تيقن أن الرزق مقسوم؟ كيف لا يطمئن إلى كفاية الله ورزقه من يعلم أن الله تكفل بأرزاق الخليقة؟ كيف لا يثق بوعد من قال: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] ؟ وهو الذي بيده خزائن الملك على الحقيقة، كيف يتسخط العبد المصائب والمكاره والله هو الذي قدرها؟ كيف لا يحتسب له ثوابها ويرجو ذخرها من يعلم أن الله هو الذي أجراها ودبرها؟ ألا وإن الإيمان بقضاء الله وقدره يوجب الطمأنينة إلى الله في كل الحالات، ويسهل على العبد اقتحام الصعاب والأهوال الملمات، قال ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» . ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 149
[خطبة في التقوى]
٥٨ - خطبة في التقوى الحمد لله الذي فاوت بين عباده في العقول والهمم والإرادات، ورفع بعضهم فوق بعض بالإيمان والعلم ولوازمهما درجات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الذات، ولا سمي له في الأسماء ولا مثيل له في الصفات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف البريات، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم في كل الحالات.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى فتقوى الله وقاية من الشر والعذاب، وسبب موصل للخير والثواب. عباد الله: قد بين الله لكم مراتب الخير وثوابه، وحضكم على ذلك وسهل لكم طرقه وأسبابه، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وإلى قوله: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] فوصف المتقين بالقيام بحقوقه وحقوق عباده وبالتوبة والاستغفار، ونفى عنهم الإقامة على الذنوب والإصرار، وقال معاذ بن جبل ﵁ «يا رسول الله: أخبرني بعمل يدخلني الجنة وينجيني من النار. قال ﷺ : " لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله
стр. 150
عليه تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت» ، أي فمن قام بهذه الشرائع الخمس حق القيام استحق النجاة من النار ودخول دار السلام، ثم لما رآه شديد الرغبة في الخير وضح له وللأمة الأسباب التي توصل إلى خيري الدنيا والآخرة، والأبواب التي تفضي إلى النعم الباطنة والظاهرة- فقال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة» أي: وقاية في الدنيا من الذنوب، ووقاية في الآخرة من جميع الكروب، «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل " ثم تلا قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]- حتى بلغ- ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] ثم قال: "ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر: الإسلام وعموده: الصلاة وذروة سنامه: الجهاد في سبيل الله " ثم قال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: " كف عليك هذا " قلت يا رسول الله: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخيرهم إلا حصائد ألسنتهم؟!» فمن ملك لسانه فأشغله بما يقربه إلى الله من علم وقراءة وذكر ودعاء واستغفار، وحبسه عن الكلام المحرم من غيبة ونميمة وكذب
стр. 151
وشتم وكل ما يسخط الجبار- فقد ملك أمره كله واستقام على الصراط المستقيم. ومن أطلق لسانه فيما يضره استحق العذاب الأليم. فانظروا رحمكم الله ما أسهل هذه الشرائع وأيسرها، وما أعظم ثوابها عند الله وأكملها. فجاهدوا نفوسكم على تحقيقها وإكمالها، وسلوا ربكم الإعانة على أقوالها وأفعالها. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 152
[خطبة في المنجيات والمهلكات]
٥٩ - خطبة في المنجيات والمهلكات الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه وسلطانه، ولا مثل له في أسمائه وصفاته، وبره وإحسانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المؤيد ببرهانه، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأعوانه.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واسلكوا سبيل السلامة والنجاة، واحذروا سبل العطب والأمور المهلكات، فقد قال ﷺ : «ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأما المنجيات: فتقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط، والقصد في الغنى والفقر، وأما المهلكات: فهوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه، وهي أشدهن» . فياله من كلام جامع لمسالك الخيرات، محذر عن موانع الهلكات. أما تقوى الله في السر والعلانية، فهي ملاك الأمور، وبها حصول الخيرات واندفاع الشرور، فهي مراقبة الله على الدوام، والعلم بقرب الملك العلام، فيستحي من ربه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده في
стр. 153
كل ما يقرب إلى رضاه، وأما قول الحق في الغضب والرضى، فإن ذلك عنوان على الصدق والعدل والتوفيق، وأكبر برهان على الإيمان وقهر العبد لغضبه وشهوته، فإنه لا ينجو منها إلا كل صدّيق، فلا يخرجه الغضب والشهوة عن الحق، ولا يدخلانه في الباطل، بل الصدق عام لأحواله كلها وشامل، وأما القصد في الفقر والغنى فإن هذا علامة على قوة العقل وحسن التدبير، وامتثال لإرشاد الرب القدير في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فهذه الثلاث جمعت كل خير متعلق بحق الله، وحق النفس، وحقوق العباد، وصاحبها قد فاز بالقدح المعلى والهدى والرشاد، وأما الثلاث المهلكات فأولاهن هوى متبع، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] فإن الهوى يهوي بصاحبه إلى أسفل الدركات، وبالهوى تندفع النفوس إلى الشهوات الضارة المهلكات، وأما الشح المطاع فقد أحضرت النفوس شحها، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ومن انقاد لشحه فأولئك هم الخاسرون، فإن الشح يحمل على البخل ومنع الحقوق، ويدعو إلى الضرر والقطيعة والعقوق، أمر الشح أهله بالقطيعة فقطعوا، ودعاهم إلى منع الحقوق الواجبة فامتثلوا، وأغراهم
стр. 154
بالمعاملات السيئة من البخس والغش والربا ففعلوا، فهو يدعو إلى كل خلق رذيل، وينهى عن كل خلق جميل، وأما إعجاب المرء بنفسه فإنه من أعظم المهلكات وفظائع الأمور، فإن العُجب باب إلى الكبر والزهو والغرور، ووسيلة إلى الفخر والخيلاء واحتقار الخلق الذي هو من أعظم الشرور، فهذه الثلاث: الهوى المتبع والشح المطاع والإعجاب بالنفس، من جمعها فهو من الهالكين، ومن اتصف بها فقد باء بغضب من الله واستحق العذاب المهين، فطوبى لمن كان هواه تبعا لمراضي الله، وطوبى لمن وقي شح نفسه فكان من المفلحين، وعرف نفسه حقيقة فتواضع للحق وخفض جناحه للمؤمنين. من الله علي وعليكم بمكارم الأخلاق ومعاليها، وحفظنا من مضارها ومساوئها، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
стр. 155
[خطبة واعظة]
٦٠ - خطبة واعظة الحمد لله الخالق ومن سواه مخلوق، الرازق وغيره عبد فقير مرزوق. أحمده على ما له من الصفات وأسأله أن يعيننا على أداء الحقوق. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل بريته، اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم في سنته.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى وإياكم والاغترار بالأماني والآمال، فإنكم على وشك النقلة والارتحال، أين من جمع الأموال ونماها؟! وافتخر على أقرانه وتمتع بلذاته وباهى؟! أما ترون القبر قد حواه والتراب قد أكله وأبلاه، ولم يبق له إلا ما قدمت يداه، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ - فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الانشقاق: ٦ - ٧]- إلى قوله - ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٢] كتاب ينطق بما جرى شفاها، كتاب عرف بجميع الأعمال حسنها وسيئها وجلاها، تعرض خائنة الأعين على من قد رآها، وخافية الصدور وصاحبها قد أخفاها، لا يغادر كبيرة ولا صغيرة
стр. 156
إلا أحصاها، فحينئذ يغتبط المتقون بكتب أعمالهم التي قدموها، ويقولون لمعارفهم مبتهجين بالأعمال الصالحة التي أسلفوها: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ - إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ - فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ - فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ - قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٣] ويقال لهم ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول حين أيقن بالشقاء الأبدي والعذاب السرمدي ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ - وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ - يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ - مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ - هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٩] فيقال للزبانية عند ذلك: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ - ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ - ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٢] والسبب الذي أوصله إلى هذا العذاب الفظيع والعقاب الشديد والموضع المريع أنه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على طعام المسكين، ضيع حق الله فتجرأ على الكفر والفسوق والعصيان، وضيع حقوق المحتاجين بالقسوة والبخل وعدم الإحسان، يا له من يوم يخسر فيه المبطلون، ويفوز فيه المتقون، ويربح فيه العاملون. ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل: ١١١] أجارني الله وإياكم من النار، ومن علينا بالرحمة والمغفرة، فإنه الكريم الستار.
стр. 157
[خطبة في معرفة الله]
٦١ - خطبة في معرفة الله الحمد لله الولي الحميد، المبدىء المعيد، الفعال لما يريد، الذي تفرد بكل كمال وجلال وجمال، فهو الغني المجيد، وتوحد بالألوهية والربوبية، فلا ضد له في ذلك ولا نديد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الجلال في عظمته وكبريائه، وأوصاف التمجيد، وذو الإكرام الذي ملأت مهابته ومحبته قلوب صفوة العبيد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي هدى أمته إلى كل فعل جميل وقول سديد، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعهم في الهدى الرشيد.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله وراقبوه، واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه. لقد تعرف لكم بأسمائه الحسنى وصفاته، وتحبب إليكم بنعمه المتواترة وآلائه. أخبركم أنه أحاط بكل شيء رحمة وعلما، وحكمة واقتدارا، وأنه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، إعذارا لكم وإنذارا، وأنه يحب المحسنين والمتقين، كي نسارع إلى تحقيق التقوى ونتسابق إلى الإحسان. ويحب الصابرين ترغيبا لنا في الصبر على المكاره وعلى الطاعات
стр. 158
وعن العصيان، وأنه المتفرد بسوابغ النعم ليجذب العباد إلى محبته وشكره والثناء عليه، وصارف المكاره والنقم ليعلموا أنه لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه. وأنه الله الذي لا إله إلا هو، ولا يستحق العبادة سواه، ليعبدوه ويستعينوا به، فإنه من توكل على الله كفاه، ويسر له أمور دينه ودنياه. أخبرهم أنه المانع المعطي، والنافع الضار، وأنه الغفور الرحيم، الحليم الستار، كي يستدفعوا به المكاره ويستجلبوا منه المنافع والمسار، ويرغبوا إليه في كل ما نابهم في الإعلان والإسرار. وأخبرهم أنه العزيز المقتدر الملك الجبار، ليخضعوا لعظمته ويستولي عليهم الذل والانكسار. وتعرف إليهم باسمه الباسط الفتاح الرزاق، ليتعلقوا بخزائن جوده الواسع الذي لا ينقص على تنوع الإنفاق. ، وتقدس عن كل نقص وعن ند وضد ومثال، وتبارك من عظمت صفاته، وكثرت خيراته، وتوالت آلاؤه الجزال، ولا إله إلا الله الذي لا شريك له في ربوبيته، ولا نديد له في ألوهيته، ولا سمي له في أسمائه، ولا مثيل له في صفاته، ولا نظير له في حكمته، ولا عديل له في سعة علمه ورحمته، ولا سبيل للعباد للإحاطة ببعض أوصافه، ولا يحصي أحد ثناء عليه من أهل أرضه وسمائه. بسم الله الرحمن الرحيم.
стр. 159
﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى - إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى - تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا - الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى - لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى - وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى - اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ١ - ٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 160
[خطبة في التوحيد]
٦٢ - خطبة في التوحيد الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور النهار على الليل والليل على النهار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سيد الرسل وإمام الأبرار، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه الأطهار.
أما بعد: أيها الناس، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] من الذي أوجدكم من العدم؟ وغمركم بسوابغ النعم؟ من الذي صرف عنكم المكاره والمضار والنقم؟ من الذي أعطاكم العقول والأسماع والأبصار؟ من الذي سخر لكم الليل والنهار؟ من الذي فلق الحب عن الزروع وعن الأشجار وعن النوى؟ من الذي أحيا الأرض بعد موتها بما أنزل عليها من غيث السماء؟ من الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء؟ من الذي أمسك السماوات
стр. 161
والأرض عن الزوال؟ من الذي أحكم خلقها وأحسن نظامهما فلا يرى فيها خلل ولا إخلال؟ من الذي فجر الأرض بالأنهار والعيون. وأخرج الثمار اللذيذة والفواكه الشهية من يابس الغصون؟ أما ذلك إبداع من يقول للشيء: كن فيكون؟ من الذي خلق المخلوقات فعدلها وأحسنها وسوى، وقدر أقدارا وإليها وجه أهلها وهدى؟ من الذي خلق السماء وبناها؟ ورفع سمكها فسواها؟ وأغطش ليلها وأخرج ضحاها؟ والأرض بذلك دحاها؟ أخرج منها ماءها ومرعاها؟ والجبال أرساها متاع لكم ولإنعامكم؟ فجعل ملكا عظيما، وربا وإلها، إله قامت البراهين القاطعة على وحدانيته، وشهدت الموجودات ببديع حكمته، وسعة علمه ورحمته، وخلق المكلفين لعبادته ومعرفته، فقوموا رحمكم الله، بما خلقتم له، فإنكم عن ذلك مسئولون، واستعدوا للقاء ربكم فإنكم إليه راجعون، وخذوا ما استطعتم من الباقيات الصالحات. وتوبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم السيئات، ويدخلكم جنات تجري من تحتط الأنهار فيها المساكن الطيبات. أما ترون الله يتابع عليكم نعه لتشكروه؟ ويذكركم بآلائه لتعرفوه وتذكروه!! ألا بذكر الله تطمئن القلوب، وبذكره تغفر الخطايا ويحصل كل مطلوب، من
стр. 162
أقبل على ربه وتقرب إليه تلقاه، ومن استعان به وتوكل عليه كفاه، ومن رجع إليه في أموره كلها لطف به وتولاه مولاه، ومن تعرف إليه في الرخاء عرفه في الشدة، ومن قام بتقواه جعل له فرجا ومخرجا من كل مشقة. فسبحان من فتح لعباده من رحمته كل باب. ويسر لهم الوسائل إلى الخيرات والأسباب. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 163
[خطبة في فضل الدين الإسلامي]
٦٣ - خطبة في فضل الدين الإسلامي الحمد لله الذي شرع لنا من الدين ما وصى به المرسلين، وأكمله وأتم به النعمة على المؤمنين، وجعله حجة قاطعة وآية ساطعة على المعاندين، وأشهد أن لا إله إلا الله، فإياه نعبد وإياه نستعين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه، الذين أصلح الله بهم الدنيا والدين.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله واذكروا نعمة الله عليكم، إذ كنتم قبل هذا الدين أعداء فألف بينكم بهذا الدين القويم، وكنتم قبله غواة ضالين فهداكم به الصراط المستقيم، فهو الدين الحاوي لروح الرحمة والعلم والحكمة، المساوي في أحكامه بين أصناف الأمم على وفق العدالة والرأفة والرحمة، هدى الله به من الضلالة، وأنقذ به من الجهالة، فكم ألان قاسيا، وهذب خشنا، وعلم جاهلا، ونبه غافلا، وكم أزال من تقاعد وكسل، وكم أصلح من فاسد وإخلال وخلل، وكم حث على الخيرات والفضائل، وحذر من الشرور والرذائل، وكم جمع الأشتات
стр. 164
والمتفرقات، وكم أزال من ظلم وأصلح المتصدعات، وكم مكن لأهله من نظم منوعة فيها صلاحهم، وكم حداهم إلى ما فيه ربحهم وفلاحهم، فهو السراج الذي بنوره إلى كل مشكلة يسترشدون، وهو الأساس الأعظم الذي عليه بنيانهم وعليه يعتمدون، صحح العقائد وهذب العلوم، وأصلح الأعمال، وإليه يلجأ الخصوص والعموم، نهج لأهله السعي لإدراك السعادتين، وجمع بين ترقية الأرواح والأجساد بوجهين متفقين، وأعان كل منهما للآخر فمشيا مصطحبين، فأمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال ابتغوا فضل ربكم بالأسباب النافعة، واستعينوا بها على عبادة رب العالمين. الإخلاص لله شعاره، والنصح والإحسان للعباد دثاره، والنشاط إلى الأمور النافعة أنيسه، والعلم الصحيح والعمل الصالح جليسه. دعا إلى المعارف الشرعية الدينية، وإلى المعارف الأفقية الكونية، ومع ذلك أمرهم أن لا يكتفوا بالعلم عن العمل، ولا يدعوا استثمار المواهب والاستعدادات التي فيهم ويخلدوا إلى الكسل، فالدين كله جد وعمل، وتأمل وتفكير، وكله ترق إلى الفضائل مع الاستعانة بالملك القدير، ونظمه تساير في سيرها الأعصار، وتسابق في سيرها الليل والنهار، وتغلب في خيرها السحب
стр. 165
الغزار، خضعت العقول الصحيحة لحكمه وأحكامه، واسترشدت به واهتدت إلى علمه وأعلامه، فقوم الدين معوجها المائل، وأوضح المعضلات وحل المشاكلات، وتكفل بإصلاح العاجل والآجل، وعصم من الشرور وأنواع المهالك، فليس له ند في شيء من ذلك ولا مشارك، وهو مع ذلك يحث على التعاون بين الراعي والرعية، ويعرفهم أن المنافع مشتركة بينهم محفوظة مرعية، ويحذرهم من اليأس والكسل، وينفخ فيهم روح الرجاء وقوة الأمل، ويربط بالروابط المعنوية والمادية أدناهم بأقصاهم، ويجمع لهم بين مصالح دنياهم وأخراهم، فما من خير ونفع وصلاح إلا دعا إليه، وبين الوسائل والطرق الموصلة إليه. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] الآية. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 166
[خطبة في فضل ليلة القدر]
٦٤ - خطبة في فضل ليلة القدر الحمد لله البر الرحيم، الجواد الكريم، ذي الفضل العظيم. والإحسان المتواتر العميم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفرد بالكمال وحسن الأفعال، والبر الجسيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي هو بالمؤمنين رؤوف رحيم، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم فسلك الصراط المستقيم.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، قال تعالى: ﴿حم - وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ - إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ - فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ - أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ - رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان: ١ - ٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ - لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ - تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ - سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥] انظروا رحمكم الله فيما احتوت عليه هذه الآيات من فضيلة هذه الليلة وشرفها، وما تضمنته من برها وخيرها وتحفها، ليلة خصها الله بإنزال القرآن الكريم، الذي فيه
стр. 167
الهدى والرحمة والفرقان، وفيه أنقذ الله العباد من الشقا والخسران. ليلة مباركة في كثرة خيراتها، مباركة في سعة فوائدها ومبراتها، من بركتها أنها تفوق ليالي الدهر، ليلة القدر خير من ألف شهر، ومن بركتها أن من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنوبه، ومن قامها محتسبا أصلح الله أحواله وستر عيوبه، ومن دعا الله فيها بقلب حاضر خالص أجابه وآتاه مطلوبه. قالت عائشة ﵂: «يا رسول الله: إن وافقت ليلة القدر فبم أدعو؟ قال: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» ، فهكذا كانت حالة الصفوة الأخيار، ينافسون في هذه الليلة، ويلتجئون إلى الملك الغفار. أما يحق لك أيها المؤمن أن تجرد قلبك في هذه الليلة من جميع الأشغال، وأن تقبل بكليتك إلى طاعة ذي العظمة والجلال، وأن تعترف بذنوبك وفاقتك وافتقارك، وأن تتوسل إليه مخلصا في خضوعك وانكسارك؟ تقول: يا رب قد عظمت مني الذنوب، يا رب قد تكاثرت علي الخطايا والعيوب، يا رب أنا الفقير المعدم المضطر إليك، يا رب لا ملجأ لي منك إلا إليك، إن رددتني من يقبلني؟ وإن خيبتنى من يصلني؟ وإن حرمتني من يعطيني؟ وإن أبعدتني فمن الذي يقربني ويدنيني؟ لا رب لي غيرك، ولا إله لي سواك،
стр. 168
ولا أستعين بغيرك، ولا أعبد إلا إياك. أنت الذي خلقتني ورزقتني، وأنت الذي واليت علي النعم وعافيتني. آلاؤك تتوالى الليل والنهار، ونعمك ليس لها حد ولا منتهى ولا انحصار. أرجوك في هذه الليلة الكريمة أن تغفر ذنوبي، وأن تصلح فاسدي وناقصي وعيوبي، وأن تسعفني يا مولاي بمطلوبي. ويحق لك أن تدعو بدعاء النبي ﷺ ، الذي جمع خير الدنيا والآخرة. وشمل حصول النعم الباطنة والظاهرة؛ فتقول "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر. اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت " لعلك تصادف ساعة إجابة تسعد فيها سعادة لا تشقى بعدها، ولعلك توافق نفحة من نفحات الكريم تصلح أمورك بها. فكم سعد في هذه الليلة أقوام؟ وكم لله فيها من جزيل الفضل وواسع الإنعام؟ وكم أعتق فيها المسرفون من النار؟ حين أخلصوا لربهم وأكثروا من التوبة والاستغفار، وكم صفى فيها للصفوة من قلوب نيرة وأسرار؟ وكم أغدق على قلوبهم من المعارف العالية؟ فصاروا من خيرة الأبرار.
стр. 169
اللهم وما قسمت في هذه الليالي المباركة من خير وبر وفضل وإحسان فاجعل لنا منه أوفر الحظ وأشمل الامتنان، وما قسمت فيها من شر وبلاء فاصرفه عنا في كل وقت وأوان، اللهم خلى بنواصينا إليك، وأقبل بقلوبنا إليك، ولا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا، يا أرحم الراحمين.
стр. 170
[خطبة في إصلاح التعليم]
٦٥ - خطبة في إصلاح التعليم الحمد لله الذي أمرنا أن نأتي البيوت من أبوابها، وأن نسير في طريق مصالحنا بتعرف مناهجها وأسبابها. وأشهد أن لا إله إلا الله الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم من العلوم قليلا ولا كثيرا، وجعل لنا الأسماع والأبصار والأفئدة لنشكره بصرفها إلى المعارف النافعة، وكان ربك قديرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي أرسل إلى جميع الثقلين بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه، صلاة وسلاما كاملا كثيرا.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله بمعرفة الخير واتباعه، ومعرفة الشر وتركه واجتنابه، واعلموا أن العلم هو الأساس الذي يستقيم عليه البنيان، وبه الصلاح والفساد والكمال والنقصان، فليكن تأسيسكم على علوم نافعة صحيحة، ومعارف قوية صادقة رجيحة، فالعلوم النافعة كلها تنقسم إلى مقاصد ووسائل، فالمقاصد هي الأصول المصلحة للعقائد والأخلاق لمضائل، وهي العلوم الدينية التي بينها الرسول وحث عليها،
стр. 171
وهي التي لا تنفع العلوم كلها إلا إذا أسست أو بنيت عليها، فوجهوا- رحمكم الله- وجوهكم ووجوه المتعلمين إلى علوم الدين، واغرسوا هذا الغراس الجميل الباقي في أذهان الناشئين، فبذلك تصلح الأحوال، وتزكو الأعمال، وبذلك يتم النجاح في الحال والمآل، وبذلك تصلح العقائد والأخلاق، وبه يسير التعليم إلى كل خير وينساق، ولا يتم ذلك إلا بتخير الأساتذة الفضلاء الناصحين، وملاحظتهم التامة لأخلاق المتعلمين، وأن يعلق النجاح والشهادات الراقية لمن جمع بين العلم والدين، فإن العلم الخالي من الدين لا يزكي صاحبه، وإنما هو صنعة من الصناعات، ولابد أن يهبط بأصحابه إلى أسفل الدركات، أما رأيتم حالة المدارس المنحرفة حين أهمل فيها تعليم الدين، كيف انساق أهلها إلى الشر والإلحاد؟ وكيف كان الكبر ملأ قلوب أهلها، وأعرضوا عن رب العباد، فالعلوم العصرية إذا لم تبن على الدين شرها طويل، وإذا بنيت على الدين أينعت بكل ثمرة جميلة وعمل جليل، لقد افترى من زعم أن العلوم تقوم بغير الدين، ولقد خاب من توسل بعلوم المادة المحضة وخسر الخسران المبين، أما ترون الماديين كيف انحلت منهم الأخلاق الجميلة؟ وحصلوا على كل خصلة رذيلة، أما
стр. 172
ترونهم يسعون خلف أغراض النفوس وخسيس الشهوات؟! أما تشاهدون أحوالهم فوضى قد مرجت فيهم المعنويات والصفات؟! أما ترونهم حين عرفوا شيئا من علوم الطبيعة أعجبوا بأنفسهم فهم مستكبرون! وحين جاءتهم علوم الرسل احتقروها وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون. فنعوذ بالله من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يجاب ويشفع، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية، ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] لقد أرشدنا ربنا إلى الطريقة المثلى في تعليم المتعلمين، وأن نسلك أقرب طريق يوصل المعارف إلى أذهان المشتغلين، فلا نزحمها بكثرة الفنون فإن الأذهان لا تتحملها، ولا تلقي عليها من المسائل ما لا تطيقها ولا تحفظها. بل تلقي على كل أحد ما يتحمله ذهنه وما يشتاق إليه. ونتعاهد بالدرس والإعادة وكثرة المرور عليه، فالقليل الثابت الراسخ البنيان، خير من الكثير الذي هو عرضة للزوال والنسيان، فتزاحم العلوم يضيع بعضها بعضا وتوجب الكسل والملل، وذلك من أعظم الأضرار والإخلال وشدة الخلل، فكم من تلميذ على هذا الوصف مكث المدة الطويلة بغير معرفة صحيحة ونجاح، وكم من تلميذ سلك الطريق
стр. 173
النافعة، ففاز بكل خير وفلاح. فكما أن القوى لا تكلف من الأعمال والأشغال إلا ما تطيق وتستطيع، فكيف بالأذهان الصغيرة إذا زحمت بما لا طاقة لها به وذلك عبء ثقيل مريع. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآية. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 174
[خطبة في الحث علي العلم]
٦٦ - خطبة في الحث علي العلم الحمد لله الذي رفع من أراد به خيرا بالعلم والإيمان، وخذل المعرضين عن الهدى وعرضهم لكل هلاك وهوان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكريم المنان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي كمل الله له الفضائل والحسن والإحسان، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم مدى الزمان.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن التقوى لا تتم لكم إلا بمعرفة ما يتقى من الكفر والفسوق والعصيان، ولا تستقيم لكم إلا بقيامكم بأصول الإيمان وشرائع الإسلام وحقائق الإحسان. فطلب العلم إذن من أفرض الفرائض وأوجب الواجبات، فإن عليه المدار في قيام الطاعات وترك المخالفات. فمن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، ومن لم يرد به خيرا أعرض عن طلب العلم وسماعه، فكان من الهالكين الجاهلين. فما بالكم معرضين عن العلم، وهو من الفروض الواجبة؟! وما لكم مقبلين على ما يضركم تاركين ما ينفعكم،
стр. 175
راضين بالصفقة الخاسرة؟! قال ﷺ : «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر» فهذه الرياض البهيجة فيها من العلوم من كل زوج كريم، فيها يعرف الله ويهتدي إلى الصراط المستقيم، وفيها يعرف الحلال من الحرام والصلاح من الفساد، وفيها يعرف سبيل الغي والضلال، وسبيل الهدى والرشاد، فكيف تعتاضون عنها بمجالس اللهو وتضييع الأوقات، أو مجالس الشر والفساد. أما إن طلب العلم قربة وثواب عند رب العالمين، والإعراض عنه شر وخسران مبين. فيا أيها المعرضون عن طلب العلم ما هو عذركم عند الله، وأنتم في العافية تتمتعون؟ وماذا يمنعكم منه وأنتم في أرزاق ربكم ترتعون. أترضون لأنفسكم أن تكونوا كالبهائم السائمة؟ أتختارون الهوى على الهدى والقلوب منكم ساهية هائمة؟ أتسلكون طرق الجهل وهي الطرق الواهية، وتدعون سبل الهدى وهي السبل الواضحة النافعة؟ أترضى إذا قيل لك: من ربك وما دينك ومن نبيك لم تحر الجواب وإذا قيل: كيف تصلي وتتعبد أجبت بغير الصواب؟ وكيف تبيع وتشتري وتعامل وأنت لم تعرف الحلال من الحرام؟ أما والله إنها حالة لا يرضاها إلا أشباه الأنعام. فكونوا- رحمكم الله- متعلمين، فإن لم تفعلوا
стр. 176
فاحضروا مجالس العلم مستمعين ومستفيدين، واسألوا أهل العلم مسترشدين متبصرين، فإن لم تفعلوا وأعرضتم عن العلم بالكلية فقد هلكتم، وكنتم من الخاسرين، أما علمتم أن الاشتغال بالعلم من أجل العبادات وأفضل الطاعات والقربات، وموجب لرضى رب الأرض والسماوات، ومجلس علم تجلسه خير لك من الدنيا وما فيها، وفائدة تستفيدها وتنتفع بها لا شيء يزنها ويساويها؟ فاتقوا الله عباد الله، واشتغلوا بما خلقتم له من معرفة الله وعبادته، وسلوا ربكم أن يمدكم بتوفيقه ولطفه وإعانته. ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
стр. 177
[خطبة في التعلق بالله دون غيره]
٦٧ - خطبة في التعلق بالله دون غيره الحمد لله الذي بيده أزمة الأمور ومقاليدها، وبإرادته حصول الأسباب والمسببات ومفاتيحها، وتبارك من لم يشاركه في الخلق والرزق والتدبير أحد من العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله ولا ضد ولا ظهير ولا معين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين، وإمام المتقين، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله واخشوه، ولا تخشوا أحدا سواه، ولا تتعلقوا بتألهكم ونفعكم وضركم وأموركم كلها بغير الله، فإنه المالك القادر الذي بيده الحياة والإماتة وأمور الأرزاق، وبيده الإعزاز والإذلال والإغناء والإملاق. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ - يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٢ - ٣] ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]
стр. 178
فمتى علمت أن الأمور كلها بيد الله فلم التعلق بالمخلوقين؟! ولم الخوف والرجاء والرغبة والرهبة لغير رب العالمين؟! أليس الخلق كلهم عن مصالحهم ومنافعهم عاجزين؟! أليس الملوك والرعايا والأغنياء والفقراء والضعفاء والأقوياء إلى ربهم مضطرين؟! فما منهم من أحد يملك لنفسه، - فضلا عن غيره- نفعا ولا ضرا ولا حياة ولا موتا ولا نشورا. فتعين علينا أن لا نستنصر ولا نسترزق إلا من ربنا، وكفى به ناصرا ورازقا ووليا ونصيرا. كيف نذل ونبذل كرامتنا لمملوك مثلنا عاجز فقير؟! كيف نخشى ونخاف غير ربنا ونواصي العباد بيده وهو على كل شيء قدير؟! أما تولى خلقنا وتدبيرنا ونحن في الأصلاب والأرحام أطوارا أطوارا، أما ربانا بأصناف نعمه وغمرنا ببره صغارا وكبارا، أما صرف عنا السوء والآفات، ولطف بنا في كل الحالات والتنقلات، أما أطعمنا من جوع، وكسانا من عري، وأمننا المخاوف، أما يسر لنا الأرزاق ووقانا المحاذير والمتالف؟! فيحق لنا أن لا نحمد ولا نشكر ولا نثني إلا عليه، وأن نذكره آناء الليل والنهار، ونتوكل عليه ويكون خوفنا ورجاؤنا ورغبتنا مقصورة عليه.
стр. 179
[خطبة في الحج]
٦٨ - خطبة في الحج الحمد لله الذي رتب على حج بيته الحرام كل خير جزيل، وجعل قصده من أجل القربات الموصلة إلى ظله الظليل، ويسر أسبابه وهون الوصول إليه والسبيل، وسهله بلطفه وكرمه غاية التسهيل. وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الجليل. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل الخلق في كل خلق جميل، اللهم صل وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين، لهم في كل عمل نبيل.
أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى واغتنموا الفرص إلى حج البيت العتيق، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] وقال ﷺ : «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة. الحجاج والعمار وفد الله، إن سألوه أعطاهم، وإن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم، يالها من
стр. 180
وفادة عظيمة على ملك الملوك وأكرم الأكرمين، وعلى من عنده ثواب الدنيا والآخرة وجميع مطالب السائلين، ليست وفادة على أحد من المخلوقين الفقراء المساكين، وإنما هي وفادة على بيته الذي جعله مثابة للناس وهدى ورحمة للعالمين، قد غنم الوافدون فيها منافع الدنيا والدين، غنموا تكميل إيمانهم وتتميم إسلامهم، ومغفرة ذنوبهم وستر عيوبهم وحط آثامهم، غنموا الفوز برضى ربهم ونيل رحمته وثوابه، والسلامة من سخطه وعقوبته وعذابه، قد وعدوا الثواب على المشقات وما ينالهم من الصعوبات، ووعدوا إخلاف ما أنفقوا أو مضاعفته ورفعة الدرجات، ووعدوا بالغنى ونفي الفقر وغفران الذنوب، وصلاح الأحوال وحصول كل مطلوب ومرغوب، والسلامة من كل سوء ومكروه ومرهوب. يالها من وفادة تشتمل على تلك المواقف العظيمة، والمشاعر الفاضلة الكريمة، وفادة أهلها في مغنم عظيم في كل أحوالهم، وتنوع في طاعة المولى في جميع أعمالهم. إذا أنفقوا ضوعف أجرهم بغير حساب، أو نالهم نصب ومشقة فذلك يهون في طاعة الملك الوهاب، أو تنقلوا في مناسكهم ومواقفهم نالوا به الخير والثواب، فهم في كرم الكريم يتمتعون، وفي خيره وبره المتواصل يرتعون، إذا فرح الوافدون
следующие страницы →