← Адаб

Адаб · id 30927

أصول البحث الأدبي ومصادره - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (350 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أهمها المستشرقون وهم: جماعة من الغرب تخصصوا في دراسة اللغات الشرقية وآدابها، حاولوا أن ينقلوا هذا المنهج من البيئة الغربية إلى البيئة العربية، من خلال تآليفهم، ومن خلال محاضراتهم، التي كانوا يلقونها على طلابهم، ونجحوا في ذلك أيما نجاح. الطريق الثاني: الذي انتقل هذا المنهج من البيئة الغربية إلى البيئة العربية من خلاله: البعثات العلمية الموفدة إلى أوربا، والذين ذهبوا إلى هذه البلدان، لا شك في أنهم قد انتهجوا ذلك المنهج في بحوثهم، وتأثروا به ثم نقلوه إلى أوطانهم بعد عودتهم، وفي أبحاثهم التي كتبوها، مستعينين بها أما ثالث هذه الطرق: فهي الترجمة، وقد قامت بدور عظيم في نقل الأفكار الغربية إلى البيئة العربية، في مجال البحث العلمي وغيره من مجالات العلم والمعرفة. هذا عن المنهج التاريخي وأصوله، التي وضعها هؤلاء العلماء، وقد انتقل بهذه الأصول إلى البيئة العربية، وبدأ العلماء يلتزمون به في تآليفهم، كما سنعرف الآن. قيمة المنهج التاريخي في مجال البحث الأدبي والآن نطرح سؤالًا قد يتبادر إلى الذهن بطبيعة الحال: هل هذا المنهج له قيمة في مجال الدراسات الأدبية؟ المنهج التاريخي هذا ما قيمته؟ ما قيمته في مجال البحث الأدبي، أو الدراسات الأدبية؟ هل يفيدنا أم أن الباحث سيضيع وقتًا في الأحاديث التاريخية، ولا فائدة من ورائها تتصل بالأدب كما قال البعض؟ نجيب على هذا، فنقول: بعد توضيح الأسس التي قام عليها المنهج التاريخي، وتتبع نشأته وتطوره، حتى صار منهجًا مستخدمًا في مجال الدراسات الأدبية، نقف على أهميته وقيمته في مجال هذه الدراسات الأدبية، فنقول: نعم للمنهج التاريخي قيمة عظيمة، في مجال الدراسات الأدبية، نشير إلى أهمها

стр. 107

أولًا: إذا أردنا معرفة تطور الأدب واللغة في عصر من العصور، فأي منهج يفيدنا في هذا؟ لو أردنا أن نتعرف على تطور الأدب في العصر الأموي، أو العصر العباسي، أو العصر الحديث مثلًا، فينبغي أن نسلك أي المناهج، حتى نصل إلى نتيجة صحيحة ودقيقة في هذا المجال؟ لا بد أن نلجأ إلى منهج تاريخي، فإنه هو المنهج الوحيد الذي يعيننا على معرفة ذلك التطور. ثانيًا: إذا أردنا الوقوف على تأثر الأدب بالحياة السياسية، أو الاجتماعية في مجتمع ما من المجتمعات، فلا يسعفنا في الحصول على هذه المعلومات، إلا المنهج التاريخي. ثالثًا: إذا أردنا أن نعرف السر في ازدهار فن النقائض مثلًا في عصر بني أمية، أو أي فن من الفنون الشعرية، في أي عصر من العصور، كالشعر الماجن مثلًا في العصر العباسي، أي المناهج يفيدنا في هذا المجال؟ إنه المنهج التاريخي، فهو الذي يكشف لنا عن الظروف السياسية والاجتماعية، التي هيأت لظهور هذه الفنون. كما يفيدنا المنهج التاريخي أيضًا في مجال الموازنات بين الأدباء، وفي الوقوف على آراء الأدباء، وعقائدهم، واتجاهاتهم المختلفة من خلال دراسة العصر، وما يشتمل عليه من معتقدات، ومذاهب مختلفة، كما يفيدنا أيضًا في دراسة النصوص الأدبية وتحليلها، من خلال الكشف عن الظروف، التي أحاطت بها، وأثرت فيها، كما يفيدنا أيضًا في التعرف على الأفكار الجديدة في مجال الأدب والنقد، وتحديد مبتدعيها، ومعرفة السابق واللاحق. كما يفيدنا أيضًا عند التأصيل للنظريات، والقضايا النقدية المهمة، وفي مجال الكشف عن التأثير والتأثر بين الآداب، قيم كثيرة وفوائد جمة لا يمكن أن ننكرها

стр. 108

في مجال، أو حين نستخدم المنهج التاريخي في مجال البحث الأدبي، ورغم هذه الفوائد، وغيرها للمنهج التاريخي في مجال الدراسات الأدبية، فإنه لا يخلوا من بعض العيوب، التي تلحق به إذا اعتمدنا عليه وحده، إذا اعتمدنا عليه وحده، لا يمكن أن نصل إلى نتائج يقينية. نشير سريعًا إلى بعض هذه العيوب منها: المنهج التاريخي كما رأيت يربط بين الأدب والسياسة برباط قوي، بمعنى أن الازدهار السياسي في أي عصر من العصور عند أصحاب المنهج التاريخي، يترتب عليه نهضة أدبية عامة، ونحن لا ننكر العلاقة القوية المتبادلة بين الأدب، والسياسة، هذا شيء ثابت، ولكن ذلك التلازم والترابط ليس مطردًا في كل العصور، فقد تأتي النتيجة عكسية تمامًا بمعنى: أنه قد يكون الاضطراب السياسي مقرونًا بازدهار أدبي واضح، وقد يكون العكس صحيحًا. وأوضح مثل لذلك: الأدب في القرن الرابع الهجري، أو عصر ملوك الطوائف بالأندلس، فقد ازدهرت فيهما الحياة الأدبية ازدهارًا لا شك فيه، بينما كانت الحياة السياسية تعاني ضعفًا شديدًا هذا عيب. من العيوب أيضًا: الاعتماد على المنهج التاريخي وحده، في مجال البحث الأدبي، يبعدنا عن استظهار الخصائص الفنية للأدب، لا ننظر إلى صورة فنية، ولا لفظة موحية، ولا أي ملمح من ملامح الأسلوب الفني، وهذه الملامح تعد أسمى غايات الأدب، المنهج التاريخي يهملها إهمالًا، كما أنه يهمل النوازع الفردية عند الأدباء، ويغفل العبقريات الشخصية، وهي من أهم مقاييس المفاضلة بينهم.

стр. 109

ومن ثم فأصحاب هذا المنهج يسوون بين الشعراء، من حيث الإبداع الفني؛ لأن مقياس الجودة عندهم: هو مدى انعكاس البيئة، أو المجتمع على الأدب، ونجاح الأديب في تصوير البيئة والمجتمع، لكن لا ينظرون إلى الناحية الفنية على الإطلاق، ومن العيوب أيضًا التي تؤخذ على هذا المنهج بهذا المفهوم، الذي رأيناه عند رواده، أنهم يضعون حدودًا فاصلة بين العصور الأدبية، والبيئات الفنية يعني: عندما يقسمون الأدباء إلى فصائل، كفصائل النبات، ويضعون لها قوانين ثابتة، لا يمكن أن تتداخل أو تتواصل، هذا شيء مرفوض الحقيقة في الأدب؛ لأنه من الثابت أن العصور الأدبية متداخلة، ولا يتأتى لنا الفصل التام بينها. كما أن الاعتماد على المنهج التاريخي وحده يؤدي إلى نتائج ناقصة؛ لأنه قائم على استقراء ناقص، ونظرية جزئية ضيقة، ولا تظن أيها الباحث أننا عندما نذكر هذه العيوب، أو المآخذ لا تظن أننا نرفض المنهج التاريخي، لا نحن نرفضه وإنما نقبله، بل نؤكد على لزومه، ولكن في ظل مجموعة من المناهج الأخرى المتكاملة، لا يكن هو المنهج الوحيد، الذي يستخدمه الباحث في بحثه للوصول من خلاله إلى نتائج يقينية، هذا لا يجوز. وفي نهاية الحديث عن هذا المنهج، المنهج التاريخي، تجدر الإشارة إلى شيء أو أمر مهم، ينبغي لنا أن نعيه جيدًا، شاع بين بعض المؤصلين للمناهج الحديثة، أن المنهج التاريخي من صنع الغرب، ليس المنهج التاريخي فحسب، ولكن كل المناهج الحديثة، بعض المؤصلين للمناهج في العصر الحديث، يدعون أن هذه المناهج من صنع الغرب، وعندما يتحدثون عن أي منهج منها، لا يذكرون إلا أسماء الأعلام الغربيين.

стр. 110

والحقيقة أن في هذا ظلم للعرب ظلم بين؛ لأن علماء العرب قد عرفوا أصول هذا المنهج قبل الأوربيين بأزمنة طويلة، يبدو لنا ذلك من خلال مؤلفاتهم، التي لا تزال منارة يهتدي بها كل من يسلك هذا الدرب، في الوقت الذي أقبل فيه هؤلاء العلماء، يؤلفون موسوعاتهم دون علم بالمصطلحات الحديثة، نعم لم يكن هناك علم يسمى علم المصطلح، أو علم المنهج، ورغم ذلك نجحوا في التأصيل لمناهج كثيرة. كتبوا هذه المؤلفات بفطرتهم، واعتمدوا فيها على أذواقهم، ونضرب مثلًا بهذا بكتاب (طبقات فحول الشعراء)، لابن سلام الجمحي، حيث سار فيه على منهج واضح أقرب ما يكون إلى المنهج التاريخي، كيف ذلك؟ عرفت كما سبق أن أصول المنهج التاريخي، التي وضعها علماء الغرب تتمثل في الزمان، والمكان، والبيئة، والجنس، إذا دققنا النظر في كتاب ابن سلام، نجد أنه سار على نفس هذه المبادئ، التي اهتدى إليها الغربيون في العصر الحديث. ونوضح ذلك ونشير إلى ذلك سريعًا، فمن حيث الزمان قسم ابن سلام الشعراء إلى قسمين: جاهليين، وإسلاميين، أما المخضرمون فإنهم ينتمون إلى أحد القسمين حسب تراث كل منهم، وعنصر الزمن هنا واضح جدًّا، كما ترى استخدم الزمان؟ نعم استخدمه في كتابه أو في تقسيمه للشعراء، وأما من حيث المكان، فالشعراء عنده أصلًا من أهل البادية، ولكن الرجل نظر فوجد أن شعراء القرى، أي: الحواضر يختلفون عن شعراء البادية، فعقد بابًا لشعراء القرى، ورأى أن لكل قرية شعراءها الفحول، كما فاضل بين شعراء كل قرية، وهو بذلك يؤكد أثر البيئة في الأديب من شتى النواحي. وهذا ما نبه إليه تين وبرنتيير وسانت بيف من الغربيين، سبقهم ابن سلام إلى هذا، بهذا يتأكد لنا أن ابن سلام سبق الغربيين بمئات السنين، في الاهتداء للمنهج

стр. 111

التاريخي، رغم أنها كانت محاولة مبتدأة منه، إلا أنه كان أكثر توفيقًا من نقاد الغرب، حيث لم يقتصر على المنهج التاريخي وحده في بحثه، كما سبق أن بينا. لم يكن ابن سلام وحده الذي اهتدى إلى المنهج التاريخي في كتابه، ولكن أدعوك إلى تأمل هذه الفقرة، التي ذكرها ابن قتيبة في بداية كتاب (الشعر والشعراء)، فهو يقول: هذا كتاب ألفته في الشعراء، أخبرت فيه عن الشعراء وأزمانهم، وأقدارهم، وأحوالهم في أشعارهم وقبائلهم، وأسماء آباءهم، ومن كان يعرف باللقب أو بالكنية منهم، وعما يستحسن من أخبار الرجل، ويستجاد من شعره، وما سبق إليه المتقدمون، فأخذه عنهم المتأخرون. هذا كلام الرجل لو تأملناه، لوجدنا أن كل ما دعى إليه ابن قتيبة من صميم المنهج التاريخي، مما يؤكد لنا، أنه أدرك قيمة هذا المنهج، وعرف أصله وسار عليه، وليس معنى ذلك أننا ننكر فضل الغربيين، أو نقلل من شأنهم، وإنما نرجع الفضل للسابق لسبقه وابتكاره، وللاحق بتنظيمه وتقنينه وإيجاد المصطلح. هذا بالنسبة للدراسات القديمة، وعلاقتها بالمنهج التاريخي في البيئة العربية، وكما لاحظت أن العرب قد عرفوا أصول هذا المنهج، وإن غاب عنهم المصطلح، أما عن موقف الدراسات الأدبية في العصر الحديث، من المنهج التاريخي، فإن أقدم كتاب تناول الأدب بالدرس على أساس هذا المنهج، هو كتاب (تاريخ آداب اللغة العربية) لحسن توفيق العدل. الذي تخرج في دار العلوم، ثم سافر إلى ألمانيا؛ لتدريس اللغة العربية في المدرسة الشرقية ببرلين، فهو أول من وضع نظرية الربط بين الأدب والعصور السياسية، وقسم الأدب العربي إلى عصور معروفة: جاهلية، وإسلامية، وأموية، وعباسية، وأندلسية، ودول متتابعة ناظرًا في تقسيمه هذا إلى التاريخ السياسي والديني.

стр. 112

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، نرى هذا المنهج قد استخدم أيضًا عند أحمد السكندري في كتابه (الوسيط)، وهو واضح في هذا الكتاب، كما استخدمه أحمد حسن الزيات في كتابه (تاريخ الأدب العربي)، واستخدمه جورجي زيدان في كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية). ومن الكتب، التي كتبت على أساس هذا المنهج، وهي ذائعة مشهورة: سلسلة كتب الدكتور شوقي ضيف -يرحمه الله-، التي سماها (تاريخ الأدب العربي)، وبدأها بالعصر الجاهلي حتى العصر الحديث، مستضيئًا أثناء ذلك بدراسات نفسية، واجتماعية، وتاريخية وغيرها، ولم يقتصر استخدام المنهج التاريخي في الدراسة الشاملة، لتاريخ الأدب العربي عبر عصوره المتعاقبة فحسب، وإنما استخدمه الباحثون في دراسة بعض الشخصيات الأدبية، بل ودارسة بعض الظواهر الأدبية المختلفة. فأصبحنا نرى كثيرًا من الدراسات، التي تتناول هذه الشخصيات وتلك الظواهر، سالكة ذلك المنهج، واستطاع الباحثون من خلاله أن يرسموا صورًا واضحة لكثير من الشخصيات الأدبية، ويحولوا كثيرًا من الظواهر الأدبية إلى قصص حياة، تكشف عن حركتها التاريخية في تطورها المستمر، ونضرب مثالين بكتابين، يؤكدان ذلك الأول، أو المثال الأول: كتاب (مع المتنبي) للدكتور طه حسين، الذي تتبع فيه حياة المتنبي، منذ أن تفتحت عيناه على الحياة في الكوفة، حتى أغمضها الموت على سيوف بني ضبة، في طريق عودته من فارس إلى العراق. تتبع المؤلف خط هذه الحياة، من خلال تقسيم دراساته إلى خمسة فصول أو كتب، كما سماها، تتبع هذه الحياة من خلال أحداثها من ناحية، وما صاحب هذه الأحداث من شعر يصورها، ويعبر عنها من ناحية أخرى، وهي تمضي على

стр. 113

هذا النحو التاريخي الدقيق، صبا المتنبي شباب المتنبي، ثم في ظل الأمراء، ثم في ظل سيف الدولة، ثم في ظل كافور، ثم أخيرًا غنيمة الإياب. هذا هو المثال الأول الذي عرضناه، أما المثال الثاني: فهو كتاب (حياة الشعر في الكوفة إلى نهاية القرن الثاني الهجري)، وقد كتبه الأستاذ الدكتور يوسف حليف، الذي اتخذ من المنهج التاريخي أساسًا لدراسته، وأتاح له هذا المنهج متابعة جوانب الحياة المختلفة في الكوفة، وتطور حركتها التاريخية على مدى قرنين من الزمان، نعم، وما كان له أن يسلك غير هذا المنهج، ما كان له أن يسلك غير هذا المنهج؛ لأنه أراد أن يتتبع، -تأمل عنوان الكتاب- (حياة الشعر في الكوفة)، حياة ونحن أشرنا إلى ذلك. قلنا: إنه في مثل هذه الموضوعات، التي يود الكاتب فيها أن يتعرف، أو يتتبع الأدب في أي عصر من العصور؛ ليكشف عنه أو عن حياته، ويوضح خصائصه، وتأثره أو تأثيره في البيئة، لا يجد أمامه إلا هذا المنهج، المنهج التاريخي، فهذا المنهج فرض نفسه على الأستاذ الدكتور يوسف خليف، في كتابه هذا (حياة الشعر في الكوفة إلى نهاية القرن الثاني الهجري). تتبع جوانب هذه الحياة، وتطور حركتها التاريخية على مدى قرنين من الزمان، ومواكبة الشعر لها، وإلى أي مدى كان صدًى لأحداثها السياسية، وانعكاسًا لظواهرها الاجتماعية، وصورة من نشاطها العقلي. وهناك كثير من الدراسات الأدبية، غير التي ذكرنا سلكت المنهج التاريخي منها مثلًا: كتاب (شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي) للأستاذ عباس محمود العقاد، ثم كتاب (فصول في الأدب والنقد) للدكتور طه حسين، وكتاب (تاريخ آداب العرب) للرافعي، وغير ذلك من كتب كثيرة، موجودة بين أيدينا لمن أراد أن يطلع عليها. بهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن أول منهج، من المناهج الحديثة للبحث الأدبي في العصر الحديث، وهو المنهج التاريخي، عرفنا مفهومه، ونشأته، ومقياس الجودة عند أصحابه، ثم تبين لنا أن هناك أسسًا يقوم عليها ذلك المنهج، ثم ذكرنا قيمته في مجال الدراسات الأدبية، وأشرنا إلى بعض المآخذ، التي يمكن أن توجه له إذا اعتمدنا عليه وحده، كمنهج مستقل في مجال البحث الأدبي. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 114

الدرس: ٨ المنهج النفسي .

стр. 115

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن (المنهج النفسي) صلة الأدب بالنفس الحمد لله الذي خالق الإنسان، وعلمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، وبعد: فقد تعرفنا على أول منهج منهاج البحث الأدبي في العصر الحديث هو المنهج التاريخي، اليوم نتعرف -بمشيئة الله تعالى- على المنهج النفسي: لا شك في أن صلة الأدب بالنفس وثيقة جدًا، فالأدب في حقيقته تعبير عن النفس الإنسانية، وتصوير لما يدور فيها من مشاعر وأحاسيس، بل هو أروع ما تنتجه النفس البشرية، فالعنصر النفسي أصيل بارز في العمل الأدبي، لا نراه في الشكل الخارجي الذي تقع عليه كل عين، وإنما نراه في كل مرحلة من مراحله. فالعمل الأدبي: عبارة عن استجابة معينة لمؤثرات نفسية خاصة، وهو بهذا عمل صادر عن مجموعة من القوى النفسية، ونشاط ممثل لتلك القوى، هذا من حيث المصدر أي: المبدع. فهو انعكاس نفسي، وفكري للأديب، يصور حياته، وعلاقته بالعالم من حوله، نشاط نفسي، وفكري، ونتاج شعوري، وحسي. أما من حيث الوظيفة: فهو مؤثر يستدعي استجابة معينة في نفوس المتلقين، هذه الاستجابة عبارة عن مزيج من العمل الفني، والحالة النفسية للمتلقي. كما أن الأدب عبارة عن مجموعة من القيم الشعورية، والتعبيرية. هذه القيم الشعورية والتعبيرية معًا تسمى: قيم فنية. تتمثل القيم التعبيرية في الألفاظ، والأساليب، والتصوير يعني: الشكل الذي نراه. أما القيم الشعورية -وهي الجزء الثاني، أو الشق الثاني من شقي الأدب-: فمسألة نفسية بالمعنى الشامل، وملاحظتها، وتصويرها مسألة نفسية كذلك. إذا أردنا أن نتكشفها، ونتعرف على حقيقتها، هذا كله يدور في فلك النفس، وعمل النفس، فصلة الأدب بالنفس لا يمكن إنكارها بحال من الأحوال؛ لأنها ثابتة من حيث المصدر والغاية، فهو نتاج نفسي قصد به التأثير في نفس المتلقي، يعني: صدر من نفس إلى نفس أخرى.

стр. 116

وجدير بالذكر، أنه لا يوجد أدب دون تجربة شعورية، هذه التجربة الشعورية يعايشها الأديب، ويتفاعل معها بمشاعره وأحاسيسه حتى لو كانت تجربة متخلية، فإنه يعايشها أي لون من ألوان المعايشة حتى ينفعل ويتأثر بها. لو تأملنا التجربة الشعورية هذه؛ لتبين لنا أنها ناطقة بألفاظها عن أصالة العنصر النفسي في مرحلة العنصر النفسي في مرحلة التأثير الدافعي للإبداع الأدبي. فالعمل الأدبي ذو شقين: شقي نفسي، يتمثل في التجربة الشعورية، وهي العنصر الذي يدفع إلى التعبير، هي المحرك، هي الدينمو، لكنها بذاتها ليست هي العمل الأدبي؛ لأنها مضمرة في النفس، لم تظهر في صورة لفظية معينة في تلك المرحلة، وإنما هي مجرد إحساس وانفعال، لا يتحقق العمل الأدبي إلا به، هذا هو الشق الأول من شقي الأدب. أما الشق الثاني: فلفظي، يتحقق عندما يتحول هذا الانفعال وذلك الإحساس إلى قالب لفظي، أو صورة لفظية ذات دلالات مختلفة. لا يوجد أدب -أيا كان ذلك الأدب- دون هذه التجربة الشعورية، تنشأ هذه التجربة بملاحظة العالم الخارجي؛ لأنها تمثل مادة التعبير الأدبي الذي هو ترجمة لفظية لها. ومن ثم، قيل في تعريف الأدب: إنه تعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية. وإذا كانت التجربة الشعورية هي مادة العمل الأدبي -وهذه حقيقة كما وضح لنا ولك- فإنها لا تصبح محل بحث إلا حين تأخذ صورتها اللفظية؛ لأنها قبل ذلك تكون كامنة في نفس الأديب.

стр. 117

ولا شك في أن تلك الصورة اللفظية تحمل ما بداخل الأديب من مشاعر وأحاسيس، وتنقلها إلى المتلقي؛ فتنعكس على نفسه بشكل ما. وكل تغيير في الصورة اللفظية، ونظام ترتيبها يؤثر بالطبع في صورتها التي ينقلها التعبير إلى المتلقي، ويؤثر تبعًا لذلك في طبيعة الأثر النفسي والشعوري، وفي نوعه، ودرجته؛ لأن وظيفة التعبير في الأدب لا تنتهي عند الدلالة المعنوية للألفاظ والعبارات، بل هناك مؤثرات أخرى يكمل بها الأداء الفني، وهي جزء أصيل من التعبير الأدبي، كالإيقاع مثلًا، والتصوير، وطريقة عرض الأسلوب. وكل هذه المؤثرات تحمل كما من المشاعر والأحاسيس؛ فهي ليست قيم تعبيرية مجردة من المشاعر، ولكن الخيال يتأثر بها، والشعور يتملاها. فلو أخذنا اللفظ مثلًا كمؤثر من ضمن هذه المؤثرات، نجد أنه حين النطق به أو سماعه يثير في ذاكرتنا صورًا من الأحاسيس التي تختلج بها النفس، ولا نستطيع أن نجرد معناه من تلك الملابسات والمشاعر النفسية التي صاحبته، ولا يمكننا إطلاقا بأي حال من الأحوال أن نجرد اللفظ من تلك الملابسات النفسية والشعورية، فكل لفظ له مدلول ذهني مجرد، ومدلول شعوري يشمل هذا المدلول الذهني، ويضيف إليه تلك الذكريات الغامضة والواضحة. والمدلول الذهني التجريدي ثابت لا يتغير على مدى الزمان. أما المدلول الشعوري: فيتغير، ويكتسب ملابسات شعورية جديدة باختلاف المواقف والأزمنة. فإذا ما تركنا الألفاظ إلى العبارات، وأخذنا الصورة مثلًا؛ لبيان علاقتها بالنفس، وتأثيرها في الحس والشعور، نجد أنها تفوق اللفظ في الإيحاء النفسي؛ فهي تحمل نفس المعنيين الذين يحملهما اللفظ: المعنى الذهني المجرد، والشعوري النفسي، ولكن بصورة أكثر شمولية وعمقا؛ فاللفظ لا يعطي دلالة شعورية كاملة إلا في نسق معين، هو ما يسمى: بالصورة الإيحائية التي تفيض بالمشاعر، والأحاسيس النفسية التي تعجز الألفاظ وحدها عن كشفها، ونقلها إلى المتلقي.

стр. 118

حقيقة المنهج النفسي، وعلاقة النفس بالأدب يتضح من هذا العرض السابق: أن علاقة الأدب بالنفس علاقة قوية ثابتة، وأنهما لا ينفصلان، وقد أدرك العلماء تلك العلاقة؛ فأقبلوا على الدراسات النفسية؛ محاولين الإفادة منها في مجال البحث الأدبي، حدث هذا منذ زمن بعيد، أدرك العلماء هذه العلاقة، وحاولوا أن يوظفوا الدراسات النفسية في مجال البحث الأدبي. هذا الإدراك لهذه الصلة قديم، يرجع إلى زمن أرسطو، ونظرية التطهير التي نادى بها. والواقع، أن جميع النظريات التي حاول علماء النفس ابتكارها منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ بقصد بيان الأثر النفسي الذي يحدثه العمل الأدبي في نفس المتلقي، هذه النظريات لم تذهب بعيدا عن نظرية التطهير التي نادى بها أرسطو قبل الميلاد بحوالي ثلاثة قرون ونصف، بل كانت هذه النظريات بمثابة الشرح والتحليل لها. ومنذ فجر المعرفة أدرك العلماء أن الدراسات النفسية تتفق مع الأدب في الغاية، وإن اختلفت وسيلة كل منهما في تحقيق هذه الغاية. فالغاية منهما: الحصول على المعرفة الإنسانية. ووسيلة الأدب: التركيز والإيجاز. أما وسيلة علم النفس: التحليل والشرح والتوضيح. ثم تتطورت وتعمقت رؤية العلماء للدراسات النفسية، وعلاقتها بالأدب بعد ذلك؛ حتى أثمرت بعد ذلك بما يسمى: علم نفس الأدب، أي: العلم الذي يختص بدراسة السلوك الإنساني من خلال الأدب.

стр. 119

نتج عن كل ذلك -عن إدراك الصلة بين النفس والأدب، وعن توجه العلماء في مجال البحث الأدبي إلى الدراسات النفسية للإفادة منها - ظهور منهج جديد في مجال البحث الأدبي، يتولى القيام بهذه المهمة، ويكشف عن علاقة النفس بالأدب، هذا المنهج يسمى: بالمنهج النفسي. فالمنهج النفسي يقوم بتحليل الشخصية الأدبية، وبيان خصائصها النفسية، اعتمادًا على العمل الأدبي، واعتباره صورة تعكس نفسية الأديب، وحياته من خلال تطبيق نتائج علم النفس الحديث على الأدب والأدباء. أما إذا تطرق أصحاب هذا المنهج النفسي إلى ظاهرة فنية واضحة في العمل الأدبي؛ فإنهم يفسرونها استنادًا على عوامل نفسية؛ لتنمية الذوق الأدبي، والجمالي في الآثار الأدبية. ولا ينظرون إليها نظرة فنية مجردة، كما ينظر أصحاب المنهج الفني. والمنهج النفسي يتناول الجوانب التالية في الأدب، أو بتعبير آخر: يجيب هذا المنهج عن عدة أسئلة يمكن أن يطرحها الذهن حين البحث في الأدب. هذه الجوانب، أو تلك الأسئلة هي: أولا: كيف تتم عملية الإبداع الأدبي؟ وما هي طبيعة هذه العملية من الوجه النفسية؟ وما العناصر الشعورية وغير الشعورية الداخلة فيها؟ وكيف تتركب وتتناسق؟ كم من هذه العناصر ذاتي، وكم منها خارج عن الذات؟ وما العلاقة النفسية بين التجربة الشعورية والصورة اللفظية؟ وما الحوافز الداخلية والخارجية لعملية الإبداع الأدبي؟ كل هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها المنهج النفسي المعتدل حين البحث في الأدب وهذا شيء طيب.

стр. 120

ثانيا: يوضح المنهج النفسي دلالة العمل الأدبي على نفسية صاحبه، وكيفية ملاحظة هذه الدلالة، واستنطاقها، ومعرفة التطورات النفسية لصاحب العمل الأدبي. الجانب الثالث: يكشف المنهج النفسي عن تأثير العمل الأدبي في نفس المتلقي، كما يوضح العلاقة بين الصورة اللفظية، والتجارب الشعورية لدى الآخرين. فهو بهذا منهج يتناول العمل الأدبي منذ بدايته حتى نهايته، ويوضح كيف تتم عملية الإبداع، ويكشف عن طبيعة هذه العملية من الوجهة النفسية، والعناصر الشعورية الداخلة فيها، وكيفية تركيبها وتماسكها، كما يوضح ويفسر دلالة العمل الأدبي على نفسية صاحبه، والتطورات النفسية التي تعتريه، كما يكشف عن أثر العمل الأدبي في نفوس المتلقين، وإحياء تجاربهم الشعورية. وهو بهذا المعنى جديد على ساحة الأدب العربي؛ فلم يعرف أدبنا العربي هذه الدراسات النفسية بهذا المعنى الحديث قبل ذلك، أي: قبل العصر الحديث؛ لأن استخدام علم النفس، وما وصلت إليه الدراسات من نظريات مرسومة، وقواعد محددة، وطرائق خاصة لفهم الأدب، كل هذه أشياء مستحدثة بلا جدال، ليس لها أصول في ثقافتنا العربية الأدبية. أما عن الملاحظات النفسية بصفة عامة، وتوظيفها في درس الأدب وبحثه، فهي أقدم من ذلك بكثير؛ إذ أشار أفلاطون إليها أثناء حديثه عن الإلياذة، حيث ذكر أن الشاعر ينظم شعره عن إلهام، وحال تشبه الجنون. ويعد أول من وصف الشاعر بأنه مريض نفسيًّا أو عصبيًّا. هذا بالنسبة لأرسطو، هذه لفتة نفسية قديمة. أما بالنسبة للمؤلفين العرب في القديم: فإن تلك الملاحظات النفسية كانت أمام أعينهم، وفي خاطرهم، وهم يبحثون في الأدب، ويؤلفون هذه المؤلفات القيمة،

стр. 121

والتي إذا تأملناها جيدًا -وهي ثرية بحق- نجد فيها إشارات ذكية عن هذه الملاحظات النفسية، ودورها في مجال الإبداع وغيره. ومعنى ذلك: أن مفهوم المنهج النفسي قديم قدم الأدب، وإن المصطلح لم يظهر إلا متأخرا. ولنضرب بعض الأمثلة من تراثنا للتدليل على ذلك؛ حتى لا يكون كلامنا مجرد ادعاء. ولنأخذ ابن قتيبة مثلًا: ابن قتيبة يبحث قضية البناء الفني للقصيدة الجاهلية في كتابه (الشعر والشعراء) فيقول في هذه القضية: "وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار، والدمن، والآثار، فبكى، وشكى، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكى شدة الوجد، وألم الفراق، وفرط الصبابة، والشوق؛ ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستعدي به إصغاء الأسماع إليه؛ لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب؛ لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء". فابن قتيبة ينظر في هذه الفقرة إلى منهج القصيدة من زواية نفسية بحتة، ويرى أن الشاعر العربي لجأ إلى هذا المنهج بقصد التأثير في نفس المتلقي. ومن ثم، يختار ما هو قريب إلى النفس، كالحديث عن المرأة عموما، ثم تأمل قوله: "لأن التشبيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب" تجده يثبر أغور النفس البشرية بعيدًا عن تعقيدات علم النفس في نظرياته الحديثة. نطالع مثل هذه التحليلات النفسية والإشارات الكثيرة لابن قتيبة بين دفتي الكتاب عند حديثه مثلا: عن الطبع والتكلف، وعند حديثه عن مثيرات العاطفة، والأوقات التي يسهل فيها نظم الشعر، وغير ذلك من قضايا. ليس ابن قتيبة وحده هو الذي تنبيه إلى هذا الجانب النفسي، ودوره في عملية الإبداع، وما يترتب عليها، وتعرض له حين البحث في الأدب. وإنما هناك

стр. 122

علماء أجلاء كانت لهم مثل تلك الإشارة، من هؤلاء العلماء: الأديب الجليل القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني في كتابه (الوساطة بين المتنبي وخصومه)، سوف أعرض عليكم فقرة قصيرة أو فقرتين نتأملهما، وسيتضح لنا من خلال هاتين الفقرتين: أن الرجل كانت له رؤية نفسية وهو يتناول هذه القضية، يقول عند حديثه عن اختلاف الشعراء باختلاف الطبائع: "وقد كان القوم يختلفون في ذلك، وتتباين فيه أحوالهم، فيرق شعر أحدهم، ويصلب شعر الآخر، ويسهل لفظ أحدهم، ويتوعر منطق غيره، وإنما ذلك بحسب اختلاف الطبائع، وتركيب الخلق، فإن سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع، ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلقة". الرجل يشير في هذه الفقرة إلى أثر الطبائع والغرائز البشرية في الأدب، وذلك عماد المنهج النفسي الحديث حين تتبعه للعمل الأدبي، كما نلمح ذلك أيضا عند حديثه عن مواقع الكلام، وأن الصورة قد تكون جيدة، ولا أثر لها في النفس، وقد تكون أقل جودة، لكنها تمتزج بالنفس امتزاجا، يقول: "وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن، والتئام الخلقة، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم وإن قاسيت، واعتبرت، ونظرت، وفكرت لهذه المزية سببا" يشير الجرجاني في هذه الفقرة إلى آثر العمل الأدبي في نفس المتلقي، وهذا يمثل أحد جوانب المنهج النفسي الحديث. ونلحظ مثل هذه الإشارات النفسية عند أبي هلال العسكري، وعبد القاهر الجرجاني، وأبي الفرج الأصفهاني، وغيرهم من العلماء الأجلاء الذين أتحفوا المكتبة العربية بتراثهم.

стр. 123

من خلال هذا العرض نستطيع القول: إن المنهج النفسي لم يغب عن خاطر العرب القدامى حين تصنيف علومهم، وأنهم بحثوا على أساسه كثيرًا من قضاياهم، وتوصلوا إلى نتائج مثمرة، وإذا كانوا لم يعرفوا المصطلح بلفظه، فقد عرفوه بصفاته. ومن ثم، فإن الفضل يرجع إليهم؛ لسبقهم، وإلى المحدثين؛ لتقنينهم وتنظيمهم، واختيارهم للمصطلح، وضبطهم لأصول المنهج، هذا بالنسبة لمعرفة القدماء بهذا المنهج، وبيان حقيقة المنهج النفسي، وعلاقة النفس بالأدب. نشأة المنهج النفسي، وتطوره في العصر الحديث أما عن نشأة هذا المنهج، وتتطوره في العصر الحديث: فالحقيقة، أن المصطلح لم يظهر إلا في عصر النهضة الأوربية بعدما تخطى الأوربيون عقبة الجهل والتخلف في العصور الوسطى، ثم اطلاعهم على الآداب اليونانية والرومانية، وتأثرهم بالتراث العربي، وتطوريهم للنظرية النفسية، بعدما تم لهم ذلك شاع بينهم هذا المصطلح الذي ابتكروه، وقننوا له، ونظروا. ويعد "كلوريدج" أول من أشار إلى هذا المنهج عندما تحدث في كتابه (سيرة أدبية)، وقد نشر كلوريدح هذا الكتاب عام ١٨١٧م. تحدث هذا الرجل عن الشعر والعلم، وفرق بينهما، وبين دور العاطفة في الشعر، وتنبه لنظرية اللاشعور التي يجتاز فيها الشاعر حدود العقل الواعي. كل ذلك أشار إليه كلوريدج في كتابه (سيرة أدبية). ولم تتضح معالم ذلك المنهج، ويصطبغ بصبغة علمية إلا على يد فرويد عام ١٨٩٩م، عندما نشر كتابه (تفسير الأحلام)، وتحدث فيه عن الفن والفنان، ورأى أن الإبداع في حقيقته

стр. 124

تعبير عن رغبة مكبوتة، أو قمعت قمعا شديدًا، ووقف أمام عقدة أديب، وعقدة ألكترا كما صورتهما الأساطير القديمة. ومعنى الرغبة المكبوتة عنده: أن الأديب إذا شعر برغبة جامحة في الشيء ولم ينله، أو يظفر به كبت ذلك الشعور في نفسه، وحبسه بين نبضات الحس، وخوالج النفس، حتى يستجيب له، ويبرزه في قطعة أدبية، فيكون بذلك قد نفس عن نفسه هذا الكبت، وخفف من حدة تلك الرغبة الجموح. وفسر فرويد المواقف الأدبية تبعًا لذلك، واختار مجموعة من الفنانين، وطبق عليهم نظريته تلك، من خلال دراساتهم دراسة نفسية تحليلية، تتبع فيها حياتهم تتبعا دقيقًا، وسجل كل صغيرة وكبيرة. ولا شك في أن نظرية فرويد قد لاقت قبولا لدى بعض النقاد والدارسين، وصار له أتباع يعملون على نشر آرائه، منهم: "أتورانج" الذي اعتنى بالدراسة النفسية للفنان المبدع، وطبق عقدة أدويب على بعض أعمال شكسبير، وكان يرى "أتورانج" أن الفنان يهرب من الواقع في آثاره من خلال عالمه الخيالي، معبرًا عن انفعالاته في صور تمتع الناس دون أن تتضح فيها عقده ورغباته المكبوتة. ومن هؤلاء التلامذة: "تشارل أدون، ورنيه، وإدلر". "إدلر" الذي توصل إلى نظرية مركب النقص لدى الأديب، أو الفنان ورأى إدلر أن الأدب تعبير عن مركب النقص هذا، ويقصد بمركب النقص: شعور الإنسان بعيب عضوي، أو غير عضوي، فيحاول إخفاءه، ثم يظل يعاوده ذلك مرارًا حتى يتخلص منه بوسيلة من الوسائل الفنية التي تتاح له. فامرئ القيس مثلا: حينما يلجأ إلى الغزل الفاحش، إنما يعبر عن شعور بمركب النقص لديه. وأبو نواس في غزله وفحشه في بداية حياته، يحاول إخفاء مرضه بالنرجسية. وعمر بن أبي ربيعة في

стр. 125

طلبه للمرأة، يعبر عن عاطفة معكوسة ناتجة عن تعلقه بأمه، ونشأته الناعمة المدللة. وربط "إدلر" تفوق المبدع بمقدار إحساسه بهذا الشعور، أي: شعور الإحساس بمركب النقص عنده، فكلما كان الإحساس بمركب النقص قويًّا كلما كان الأديب ممتعا، ولعلك تلاحظ من خلال حديثنا السابق: أن الأدب عن فرويد وإدلر ما هو إلا تعبير عن ذات الأديب، وإن جعله الأول تعبيرا عن رغبات مكبوتة، والثاني: تعبيرا عن مركب النقص لديه، لكنه في النهاية تعبير عن ذات الأديب. ومن تلاميذ فرويد المنشقين عليه "يونج"، حيث ذهب إلى أن الرغبة المكبوتة عند الأديب، والتي قال بها فرويد لا تفسر لنا الإبداع، وإنما تفسر شخصية المبدع. ونقل "يونج" البحث من دائرة اللاشعور الفردي الذي نادى به فرويد إلى اللاشعور الجماعي، حين رأى أن الأدب ليس تعبيرا عن ذات الأديب، ولكنه تعبير عن أساطير الأولين المختزنة في ماضي الإنسان منذ زمن بعيد. من خلال هذا العرض نستطيع أن نقول: إن أعلام هذا المنهج هم: "فرويد، وإدلر، وينوج"، وإن تباينت وجهات نظرهم في تفسير معنى الأدب، لكنها في النهاية لا تخرج عن دائرة النفس الإنسانية، وما يعتريها من أحوال، ويطرأ عليها من تغير. بهذا وضع هؤلاء العلماء الثلاثة أصول ذلك المنهج؛ فذاع وانتشر في الغرب، ثم انتقل إلى البيئة العربية من خلال قنوات الاتصال المتعددة بين العرب والغرب، وأغرى بعض الباحثين في الأدب العربي، وجذب انتباههم، وخاصة بعد تقدم

стр. 126

الدراسات النفسية، وتعدد مدارسها للسعي من أجل معرفة النفس الإنسانية، وما تنطوي عليه من الغرائز، ولما كان الأدب تعبيرًا عن هذه النفس الإنسانية، وتصويرا لما يدور فيها من مشاعر وانفعالات، كان من الطبيعي أن يستعين علماء الأدب، ومؤرخوه بالدراسات النفسية في مجال البحث الأدبي. وحاولوا استخدام نظريات علماء النفس، وتطبيق تجاربهم على الأدب إبداعًا وتأريخًا، بل قام علماء النفس أنفسهم بتوجيه انتباههم نحو الأدب، يجرون عليه تجاربهم من أجل الوصول إلى تفسير لهذه الأعمال الأدبية من وجهة نظر نفسية؛ وللكشف عن أسرار العبقرية في الإبداع الفني. وبذلك أصبح للمنهج النفسي حضور قوي في مجال البحث الأدبي في عالمنا العربي المعاصر، وبدأ الباحثون يؤلفون الكتب التي يؤصلون فيها لهذا المنهج، ويضعون قواعده لدراسة الأدب، ومن أهم المؤلفات في هذا المجال: كتاب (الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة) للدكتور مصطفى سويف، ثم كتاب (من الوجهة النفسية في دارسة الأدب ونقده) للدكتور محمد خلف الله أحمد، ثم كتاب (درسات في علم النفس الأدبي) دكتور حامد عبد القادر، ثم كتاب (التفسير النفسي للأدب) للدكتور عز الدين إسماعيل، وغير ذلك من كتب كثيرة، وأبحاث متعددة تؤكد صيرورة هذا المنهج ضمن مناهج البحث الأدبي، كما اعتمد عليه كثير من الباحثين والدارسين، في مقدمتهم عباس محمود العقاد في كتابه (ابن الرومي حياته من شعره)، وكتاب (أبو نواس الحسن بن هانئ)، وكذا الدكتور طه حسين في بعض كتبه ككتاب (مع أبي العلاء في سجنه)، وكتاب (صوت أبي العلاء)، وغير ذلك كثير من الكتب.

стр. 127

مقياس الجودة الفنية عند أصحاب المنهج النفسي، وقيمته ما مقياس الجودة الفنية عند أصحاب هذا المنهج؟ بمعنى: ما هو الأدب الجيد من وجهة نظر أصحاب المنهج النفسي؟ الحقيقة، أن جودة العمل الأدبي عند أصحاب المنهج النفسي لا ترتبط بجماليات النص الإبداعي ذاته، وما فيه من لفتات ذوقية وشعورية، ونبضات حسية، والتماعات خيالية. بماذا ترتبط إذا كانت لا ترتبط بهذا؟ هي في الحقيقة ترتبط بما يحمله النص من قيم نفسية، ومدى تأثيره فلي نفس المتلقي. ومن ثم، فهم يختلفون في تحديد الغاية من الأدب، أهي الحس على الأخلاق، والدعوة إلى الفضيلة والاتجاه الحسن والسلوك الحميد، أم أنها تتمثل فيما يؤديه الأدب في المجتمع من خدمات اجتماعية؟ يجيبون عن ذلك: بأنهم لا الأخلاق، ولا الخدمات الاجتماعية هي كل دواعيه وبواعثه، ولكنها على أية حال تمثل عنصرًا واحدًا من مجموعة الدوافع، وليست هي كل الدوافع؛ إذ إن الأدب في الحقيقة تنظيم لعدة دوافع تنظيما نشعر إزائه بنوع من التسامي النفسي، وهذا التسامي هو المقياس الحقيقي لجودة الأدب، وهو أوسع دائرة من أن نعيش في قيم خلقية أو اجتماعية خاصة. هذه هي المقاييس التي يعتمدون عليها في رؤيتهم، أو في نظرتهم للعمل الأدبي الجيد، وهي خارجة كما ترى عن القيم الفنية الموجودة في النص. هذا هو المنهج النفسي، وهذه هي أسسه. بعد هذا الذي ذكرناه، ما قيمته في مجال الدراسات الأدبية؟ هل يفيدنا المنهج النفسي في مجال البحث الأدبي؟

стр. 128

مما تقدم يتضح لك: أن المنهج النفسي المعتدل -وأقول: المعتدل- ينظر إلى المنبع الأصلي للعمل الأدبي، أي: النفس -نفس الأديب-، هذا هو المنبع، إذ ينبغي أن تدرس هذه النفس، ويحيط الباحث بشتى جوانبها، وما يصدر عنها. ولا شك في أن التعرف على نفسية الأديب يكشف لنا عن كثير من الجوانب النفسية في العمل الأدبي، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفهم شعر امرئ القيس مثلًا إلا إذا وقفنا على طبيعته النفسية، وما طرأ عليها من تحول، كما أنه لا يمكن فهم شعر الحطيئة إلا إذا فتشنا عن غرائزه، وصفاته النفسية التي جعلته منبوذًا يحترف فن الهجاء، وتشترى منه أعراض الناس بالمال. كل هذا لا يكشف عنه إلا المنهج النفسي، فنحن في أشد الحاجة إلى هذا المنهج؛ للكشف عن مثل هذه القضايا، أو الجوانب، ونحن نبحث في الأدب. هذا وللمنهج النفسي أيضا في الأغراض الشعرية دور كبير، فالأغراض تتفاوت من شاعر لآخر، كما تتفاوت لدى الشاعر الواحد، فهناك شعراء برعوا في فن الغزل مثلًا، لكنهم لم يبرعوا في فن الوصف، وآخرون برعوا في فن الهجاء، لكنهم لم يجيدوا الشعر الحماسي. هذا موجود على مدار التاريخ الأدبي في جميع العصور، عندنا شعراء مشهورون بالغزل، وشعراء مشهورون بوصف الطبيعة، وشعراء مشهورون بالمدح، هذا على مستوى الشعراء عامة، عندي شاعر واحد يستطيع أن يتغزل، ولا يستطيع أن يصف، أو يستطيع أن يصف، ولا يستطيع أن يتغزل. نماذج كثيرة: هناك شعراء يتهتمون بالطبيعية يهيمون بها هياما. البحث في هذه القضايا؛ لمعرفة السر في هذا التنوع أو هذا التوجه، يحتاج إلى منهج دقيق، ما الذي يفيدنا؟ ما المنهج الذي يساعدنا على الكشف عن سر هذا التوجه من

стр. 129

الشعراء؟ لا يمكن للمنهج التاريخي أن يتطرق إلى مثل هذه الأشياء، بل لابد من اللجوء إلى المنهج النفسي. المنهج النفسي هو الذي يكشف عن طبيعة النفس البشرية للشاعر، يعرف حقيقتها، ويدرك المؤثرات التي شكلتها، هو الذي يتفهم غرائز هذه النفس وصفاتها النفسية، ليس غيره. فنحن في أشد الحاجة إلى هذا المنهج عندما نبحث في تلك القضايا. أيضا مما يؤكد ويوضح قيمة المنهج النفسي في مجال الدراسات الأدبية: أنك إذا نظرت إلى العمل الأدبي وجدت أن له جانبان: جانب شعوري، وجانب تعبيري. جانب شعوري يعني: الجانب النفسي. شعوري أي: نفسي. وجانب تعبيري -كما تعلم في الشكل-: ألفاظ، وأساليب، وصور. يتشكل الأسلوب الأدبي من خلال المواقف الشعورية التي يعيشها الأديب ويتأثر بها، يعني: الشاعر لا ينفصل أسلوبه عن حسه وشعوره، أو عاطفته، يعني: الجانب التعبيري يتوقف في ترتيبه، وتنسيقه، وشكله، وكل شيء يدخل في بنائه، يتوقف على الجانب الشعوري، ولا يمكن الكشف عن هذا الجانب الشعوري إلا من خلال منهج نفسي واضح. كيف نتعرف على الجانب الشعوري؟ لأن تعرفنا على الجانب الشعوري يساعدنا على التعرف على القيم التعبيرية، ليس هناك منهج يكشف لنا عن الجانب الشعوري إلا المنهج النفسي. أما الكشف عن الخصائص الفنية للتعبير: ألفاظ، وأساليب، وصور، فيتكفل به المنهج الفني. ومن ناحية أخرى، فإن العمل الأدبي في صميمه استجابة لمؤثر خارجي، وكما تتفاوت تلك الاستجابة قوة وضعفًا، فيحق لنا أن نصفها بالصدق، أو الكذب. هذه

стр. 130

حقيقة هذه الاستجابة لذلك المؤثر الخارجي قد تكون قوية، وقد تكون ضعيفة، وبالتالي نحكم عليها بأنها صادقة، أو بأنها كاذبة؛ نتيجة لمؤثر صادق أو كاذب. المنهج الذي ينهض بذلك ويكشف عن الصدق أو الكذب، والقوة أو الضعف هو المنهج النفسي من خلال دراسة نفسية الأديب، وبيان طبيعتها. كما أنه لا يمكن التعرف على أثر العمل الأدبي في نفس المتلقي -كما سبق- إلا من خلال منهج نفسي واضح، وهذان أهم عنصرين في العمل الأدبي: مصدر الإبداع، وعلاقة الأديب به، ثم المتلقي، ومدى استجابته للعمل الفني. مصدران مهمان جدًّا يكشف المنهج النفسي عن جوانب كثيرة منهما، ولا يحق لمنهج آخر أن يحل محله في ذلك. ومن ثم، فنحن في أشد الحاجة إليه. المآخذ على المنهج النفسي ويمكننا القول: إن المنهج النفسي يساعد على فهم الأدب وتفسيره، وإدراك بواعثه، وأثره في نفس المتلقي، كما يساعدنا على فهم طبيعة الأديب نفسه. رغم هذه الكلمات التي قلتها عن قيمته إلا أن هناك بعض المآخذ التي يمكن أن تؤخذ عليه، منها: أولا: الأدباء في نظر واضعي المنهج النفسي شخصيات غير سوية -هذه حقيقة- والأدب عبارة عن حصيلة نفوس شاذة، تشعر بمركب النقص أحيانا، أو تعاني من صراع الرغبة المكبوتة أحيانًا أخرى، وهذا غير صحيح؛ فالواقع يؤكد أن الأدباء من أرقى طبقات المجتمع حسًّا، وأصفاهم نفسًا، وأصحهم فكرًا، وهم قلب أمتهم النابض، ووترهم الحساس، وأن الأدب أرقى أنواع الفنون كلها، فهذا مأخذ.

стр. 131

مأخذ آخر: تفسيرهم للعمل الأدبي على أساس أنه تعويض عن مركب النقص، أو تعبير عن أساطير الأولين -كما اتضح لنا- أو إظهار لتلك الرغبة الاستبطانية الذاتية التي ترجع في جوهرها إلى عقد نفسية متنوعة، كل ذلك التفسير يسلب النص الأدبي قدره، ويخرج بالأعمال الأدبية التي تصور المجتمع عن مسارها، ولم يقل بذلك أحد؛ لأن هذه الأعمال هي أعمال أدبية رائعة جيدة. ثالثا: المنهج النفسي كما مر بك يهتم بالأديب أولا، وقبل كل شيء؛ لأنه يبحث في النفس، ويتتبع تطورات نفسه، وأشكال غرائزه، ويهمل النص الأدبي ذاته، ويدرس النماذج الأدبية باعتبارها نماذج بشرية، وهذا تحليل للعمل الأدبي من جانب واحد، وإهمال لمواطن الجمال والقوة فيه. ومن ثم، يستوي أمام هذا المنهج العمل الأدبي الجيد والرديء، فكلاهما يصلح شاهدًا في ضوء النظريات النفسية الحديثة. رابعا: التوسع في استخدام الدراسات النفسية في مجال البحث الأدبي، وإرجاع كل صياغة فنية إلى أصل نفسي دون النظر إلى المقاييس الجمالية والفنية، كل ذلك يقتل الأدب، ويحوله إلى درس في التحليل النفسي، ويفقد المتلقي الإحساس بالمتعة الفنية التي هي غايته. وجدير بالذكر أيضا، أن علم النفس مهما بلغ من تقدم في نظرياته ومقاييسه، فإنه لم يحط إحاطة كاملة بكل الجوانب الإنسانية، أو النفسية لشخصية ما، وأن فروضه، وتحليلاته، ونتائجه ليست أمورًا مسلمة، لكنها نسبة تحتمل الصدق والكذب. والسلام عليكم رحمة الله وبركاته.

стр. 132

الدرس: ٩ نظرية الفلسفة الجمالية وعلاقتها بالدراسات الأدبية .

стр. 133

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع (نظرية الفلسفة الجمالية وعلاقتها بالدراسات الأدبية) نظرية الفلسفة الجمالية وقيمتها في مجال البحث الأدبي الحمد لله، الذي خالق الإنسان وعلمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، وبعد: فالجمال سمة بارزة من سمات هذا الوجود، وهو نوع من النظام، والتناغم، والانسجام ذو مظاهر لا تحد، وتجليات لا حصر لها، فالدقة، والرقة، والتناسق، والتوازن، والترابط، ومظاهر أخرى كثيرة يشعر بها الإنسان في هذا الوجود، وإن لم يستطع التعبير عنها، أو بمعنى آخر: الجمال هو كل ما يثير الحواس، ويلهب المشاعر الإنسانية، وهو مصدر من مصادر الإحساس بالمتعة والرضا عن الفنون. وإذا تأملنا تعريفات الجمال لدى الفلاسفة، وجدنها تنحصر في عدة اتجاهات: الاتجاه الأول: يجعل علم الجمال مجرد دراسة للمفاهيم والمصطلحات الجمالية؛ فيكون هناك تحليل لمعاني الشكل، والمضمون، والنمط، والذوق. وفي هذا الصدد يقول عالم الجمال الفرنسي "فيلدمن" في كتابه "علم الجمال الفرنسي المعاصر": علم الجمال هو بحث في أحكام الناس الجمالية. ويقصره هذا الفيلسوف على البحث في أحكام الناس الجمالية من خلال التحليل: تحليل الشكل، تحليل المضمون. أما "للدند" في معجمه الفلسفي، فيقصره على دراسة موضوع حكم التقدير والذوق، يعني: يحتكم إلى تقدير القيم الجمالية، ومدى تذوقها. أما الاتجاه الثاني: فهو اتجاه يجعل علم الجمال دراسة للصور الفنية، وفي هذا يقول عالم الجمالي الفرنسي "سريو": إن غاية علم الجمال هي الوقوف على المقولات الأساسية، أو المبادئ الصورية الثابتة التي تنتظم وفقا لها شتى المظاهر الجمالية لهذا الكون المنظم.

стр. 134

أما الاتجاه الثالث: فإنه يربط كل هذه الاتجاهات بالإنسان؛ حيث يرى أن الفن نتاج إنساني، وأن التذوق بعد إنساني، وأن الحكم سمة إنسانية، وأن الصور الفنية منتجات إنسانية. ويتمثل هذا الاتجاه عند "هيجل" بصفة خاصة، فهو الذي يرى أن علم الجمال هو فلسفة الفن الجميل، ورغم إحساس البشر جميعًا بالجمال، وتمتعهم به إلا أن مقاييسه تظل نسبية عند كل أمة من الأمم، بل عند كل فرد من الأفراد. ولو نظرنا إلى الجمال وتأملناه جيدا لعلمنا أنه من القيم المطلقة التي لا تحد بحدود، وقديما قال أفلاطون: الروح هي التي تدرك الجمال. أما الحواس فلا غير انعكاسات ظلال الجمال. ولكن عندما نبحث عن الجمال في الأدب: لابد أن نفرق بين الجمال في الفنون، والجمال المطلق، أما الجمال المطلق: فهو موجود في الطبيعة سواء حوله الفنان إلى عمل فني أم لا. وأصحاب الفلسفة الجمالية لا يعنيهم جمال الطبيعة، أي: لا يعنيهم الجمال المطلق، وإنما يعنيهم الجمال الموجود في الفنون، الجمال الذي يثير فينا نوعًا من الشعور عندما نتأمله، ونعيش معه. والفنان عندما ينقل جمال الطبيعة إلى عمل فني لا ينقله مجردًا، وإنما يخلع عليه من نفسه وذاته ما يجعلنا نراه في صورة أخرى غير الصورة التي كنا نراه عليها في مظاهر الطبيعة، ونتأثر به، ويثير فينا نوعًا من المشاعر والعواطف التي تتناسب معه. وليس بلازم أن يأتي العمل الفني موافقًا للطبيعة من حيث الجمال والقبح؛ فقد يتناول الأدبية حقيقة من حقائق الطبيعة تتسم بالقبح في الواقع ليس فيها ملمح جمالي، لكنه يحاولها إلى لوحة فنية جمالية بما يضفي عليها من نفسه، وحسه، ويصبغه عليها من ذاته، يعني: ينقل الجمال في الطبيعة، ويبدو هذا

стр. 135

الجمال لنا، ونتأثر به، ونحس بقيمته من خلال أحاسيس الشاعر، فهي التي تصوره، وهي التي تلبسه حلة جمالية جديدة حتى لو كان قبيحا في الطبيعة. ونظرية الفلسفة الجمالية تبحث عن الجمال، وكيفية إدراكه في العمل الفني، كما تكشف عن مقاييسه التي تحكمه، وهي التي تعد ضمن مناهج البحث الأدبي في العصر الحديث، وهي تهدف إلى دراسة القيم الجمالية في العمل الأدبي من أجل تقويمه، ووضعه في مكانه الصحيح بين الأعمال الأدبية الأخرى التي تمثل التطور الفني لتاريخ الأدب. وهو لذلك يتقارب إلى درجة كبيرة من مناهج النقد الأدبي، لو تأملناه من خلال هذا المفهوم، وهذه الوظيفة لرأيناه فعلًا يتقارب جدًّا من مناهج النقد الأدبي، ومن ثم كان طبيعي أن يكون الأساس الذي يقوم عليه أساسًا نقديًّا، ومنهج البحث في نطاق نظرية الفلسفة الجمالية يدور حول محورين: المحور الأول: يتعلق بالمتلقي، ومسألة تذوقه، وتقديره للقيمة الجمالية، ثم الانعكاسات النفسية للعمل الأدبي عليه. وأما المحور الثاني: فيتعلق بجانب الإبداع، والمقاييس الجمالية التي اصطلح عليها النقاد؛ لتقويم ذلك الإبداع على حسب نوعه، أو الجنس الذي ينتمي إليه، والكشف عن ملامح العبقرية فيه. والفلسفة الجمالية لا تبحث بحثًا جزئيًّا في المفردات الفنية، ولا تنظر في قيمتها من حيث الجودة والرداءة، وإنما تبحث في الفنون عامة بحثًا كليًّا من حيث الإبداع، وتذوق جماله، والحكم عليه، بمعنى: أنها تبحث في القيم الفلسفية التي تفسر الجمال في الفنون جميعها، لا في فن بعينه، يعني: لا تأخذ فنًّا مستقلا، إنما تنظر إلى الجنس الأدبي أو الفن الأدبي نظرة عامة، نظرة كلية من خلال مقاييس

стр. 136

موضوعة، وقد تبحث في فن من الفنون، ولكن لكي تصل من خلال هذا البحث إلى أحكام كلية، تصلح لتطبيقها على جميع الفروع التي تندرج تحت هذا الفن؛ لتصل إلى أحكام كلية تطبق على جميع الفنون بلا استثناء. ولذا يتضح لنا أن البحث في الفنانين، وبيئاتهم وعصورهم، وظروفهم، وخصائصهم من أجل الوصول إلى نتائج تتعلق بكل جزئية من تلك الجزئيات خاصة، مثل هذا البحث ليس من مجالات الفلسفة الجمالية، وإنما من عمل من يؤرخون للفنون. لابد أن نفرق بين عمل الباحث الذي يؤرخ للفن أو للفنان، وبين عمل الباحث الذي يبحث للأدب من خلال فلسفة جمالية. وكذلك البحث في قصيدة بعينها أو قصة أو مسرحية؛ للكشف عن معايير الجودة في كلا منها، لا يدخل ضمن مباحث الفلسفة الجمالية. وفكرة الفلسفة الجمالية فكرة قديمة، نجدها عن أفلاطون في حديثه عن قضية الإلهام في الشعر، فإنه ذكر أنه حين النظم يأخذه ما يشبه الجنون وأنه -أي الشاعر- يصدر في شعره عن عقله الباطن، أو عن اللاشعور. كما ذهب أفلاطون إلى أن الشعر يحاكي حقائق الواقع، وهي في رأيه صورة للجمال المطلق، وعالمه المثالي. وبهذا يكون أفلاطون أول من تحدث عن الجمال الكلي بين الفلاسفة. أما تلميذه أرسطو: فهو أول من تحدث عن اللذة التي نحثها في الفنون حين تحدث عن نظرية التطهير. ونمضي حتى نصل إلى القرن الثالث الميلادي، فنلتقي بالناقد الإغريقي "لون جنيوس"، وما ذهب إليه من أن غاية الشعر جمالية ليس إلا، تتمثل هذه الغاية: في التأثير في المتلقي تأثيرًا جماليًّا، وليست وراءه غاية تربوية، أو أخلاقية، أو نفسية. ورغم أنه لم يستخدم مصطلح الفلسفة الجمالية في بحوثه، لكنه يعد أول فيلسوف جمالي.

стр. 137

ظلت فكرة لون جنيوس كامنة حتى كان القرن الثامن عشر؛ فأخذت مكانها بين دراسة الأدب، والفنون عامة على يد فيلسوف مشهور يسمى: "باوم جارتن"، وهو ألماني في كتابه الذي وضعه باللغة اللاتينية، واتخذ مصطلح "الإستطيقا" عنوانًا له، ومنذ هذا الوقت شاع المصطلح، وصار محل بحث لدى الفلاسفة، وفي مقدمتهم: الفليسوف "كانت"، و"هيجل"، وشوبن هور". يرى "كانت" أن الفن ليس له غاية إلا المتعة الجمالية الخالصة التي تحدث من الانسجام بين ملكاتنا الإنسانية، ويعتقد "كانت" أن وعي المرء بجمال الأشياء يتأتى أولًا: من تأمله الدقيق للأشياء. وثانيا: من حصول التوافق والانسجام بين إدراكه، وتصوره من ناحية وبين ميزات تلك الأشياء المادية من ناحية أخرى. والمعيار الجمالي الأمثل عند "كانت": هو مدى تطابق أحداث وشخوص الرواية، أو القصيدة على أحداث الواقع، أي: أنه يربطها بالواقع. أما "هيجل": فيذهب إلى أن الجمال الفني يتألف من المادة المحسوسة، والتصور العقلي المجرد. أما "شوبن هور": فكان يرى أن الفن تأمل صوفي تكاد تنمحي فيه الإرادة تماما، بل إنه يتحرر منها تحررا تامًّا، بحيث ينسى فيه الفنان إرادته وفرديته مستغرقا في الوجود أو في المثال المطلق. ويعد "باوم جارتن" الألماني أول من استخدم مصطلح الفلسفة الجمالية، أو الاستطيقا، وظلت ألمانيا تقود حركة مباحث الفلسفة الجمالية حتى إذا كان القرن التاسع عشر، أخذت تلك المباحث تنشط في فرنسا وإنجلترا وغيرهما من بقية البلدان نشاطًا ملحوظًا، وكثر الحديث عن الجمال الفني، وحقيقته، ومعاييره، وعناصره، وكل ما يتعلق بهذه النظرية أو الفلسفة. ففي فرنسا سيطر فكر الروحانيين على نظرية الفلسفة الجمالية، وهم يرون أن الجمال ظاهرة روحية لا يمكن حصرها في الوجود المادي، ورغم أنهم أقروا

стр. 138

المعايير المادية، مثل: وحدة البناء والتكامل، وقوة تأثير اللون، والمرونة الإنسانية في الشكل، رغم ذلك إلا أنهم أصروا بأنه لا يمكن لهذه العناصر أن تتضافر لإنتاج ما هو جميل إلا إذا كانت ذات تأثير، وسيطرة، وقوة عليا سامية غير مادية، الأمر الذي صبغ كل أفكارهم بصبغة روحانية واضحة. هذا بالنسبة للمدرسة الفرنسية. أما المدرسة الإنجليزية: فقد اهتم أصحابها بالعميلة السيكولوجية في تفسيرهم للجمال، وانقسموا قسمين: الحدثيون: الذين اعتبروا الجمال ظاهرة موضوعية يتم إدراكها بالبداهة، هؤلاء هم الحدثيون. أما الفريق الثاني: فهم التحليليون: الذين اعتبروا الجمال ظاهرة أعقد بكثير مما يمكن أن تعالج بالحدث والبديهة، وإنما يتطلب إدراكها الكامل التحليل العلمي للعمل الأدبي، لا يمكن عند هؤلاء التحليليين أن ندرك الجمال الكامل إلا إذا قمنا بتحليل العمل الأدبي تحليلًا دقيقًا شاملًا. وتعددت بحوث الفلاسفة للبحث في كيان الجمال، وهل يكون في المضمون أم في الشكل؟ اختلفوا في هذا، ذهب بعضهم إلى أن المضمون لا يعني الموضوع، فالموضوع واحد، ولكن تتغير صورته من مبدع إلى آخر. فهناك فرق بين الموضوع ومضمون القصيدة، فالمضمون: هو الإبداع نفسه. لابد أن نتبنه لهذا؛ هم يفرقون بين المضمون والموضوع، فالمضمون عندهم غير الموضوع؛ مضمون القصيدة: هي القصيدة ذاتها، وقيل: المضمون هو موقف الفنان من الموضوع، ورؤيته البصيرة فيه للحياة والوجود بكل ما يؤدي من أفكار ومشاعر.

стр. 139

والصورة أو الشكل -تقابله عندهم بهذا الفهم- تقابله الصورة أو الشكل والقالب الذي يصاغ فيه المضمون. ومنذ القرن التاسع عشر وفلاسفة الجمال يثيرون مباحث كثيرة، تدور حول منبع الإحساس الجمال وحقيقته، وحقيقة الإحساس المقترن به. ويذهب كثيرون من هؤلاء الفلاسفة إلى أن التأثير الجمالي في الفنون يرجع إلى استغراق الإنسان في الآثار الفنية استغراقًا يفقد في تضاعيفه شعوره بفرديته؛ فينسى نفسه، وتذوب شخصيته فيما ينثره من لوحة، أو يقرأه من شعر، أو يسمعه من موسيقا، وذلك مصدر لذته ونشوته إزاء الجمال في الفنون. ويقول آخرون: إن مصدر اللذة عبارة عن إشباع الجمال الفني لعواطفنا، وإدراكنا العقلي، ومخيلاتنا. ندرك قيمة الجمال ونتلمسه ونحسه؛ فهي لا تستمد من العواطف وحدها، وإنما تستمد من الخيال والعقل أيضا. وقد رد "نيتشه" الفيلسوف الألماني الإحساس بالجمال إلى نشوة حسية ترتبط بالغريزة الجنسية، وكأنه كان إرهاصا لفرويد، ونظريته التي أشرنا إليها، وغيره من أصحاب التحليل النفسي للاشعور، ومكبوتاته الجنسية المستكنة في دخائل الفنانين. ويدلل بعض فلاسفة الجمال على هذا الربط بين غريزة الجنس والإحساس بالجما ل بما يت ر اء ى لنا في الطيور، وما يختص به قرين الطائرة من الريش الجميل حتى يستهويها بجمال منظره، وبالمثل أيضا: جمال الصوت عن البلابل، إنما هو لغرض الاستهواء والإغراء بين الجنسين. هذه وجهة نظر هذا الفريق، كما تحدث فلاسفة الجمال أيضا عن مصدر القيم الجمالية، وهل هي خارجة عن الفنون أم كامنة فيها؟ أم هي موجودة في ذهن المتلقي، أم هي شيء مشترك بين الأثر الفني والمتلقي؟ والأولى من كل ذلك أن نرد الإحساس بالجمال إلى المبدع، وأثره الفني، أو إلى الإبداع نفسه، ومدى تحقق معايير الجمال فيه.

стр. 140

فيلسوف آخر "ريتشاردز": وذهب "ريتشارد" إلى أن الجمال يكون في الفن وآثاره، حيث يجعل مصدر المتعة اللذة الناشئة من تنسيق الأعمال الفنية لدوافعنا الداخلية المتصارعة والمتناقضة. كما تحدث هذا الفيلسوف عن صلة الجمال الفني بالمجتمع والواقع، فبعضهم ذهب إلى أن الجمال الفني مستمد من البيئة والمجتمع، فلا يوجد عمل فني دون بيئة ينشأ فيها، ومجتمع يتنفس فيه، فالفن يصدر عن البيئة والمجتمع صدور الضوء عن الشمس، أو صدور الزهرة عن الشجرة في بيئة معينة. وهم بذلك يعترفون أن الأصل في نشأة الفنون نفع الجماعة، وسيطرتها على الطبيعة من خلال بث القيم الجمالية والاجتماعية في السلوك، بحيث لا يمكن التفريق بينهما. وعارض فريق من فلاسفة الجمال هذا الرأي، ورأى أن الفن لا يقصد به سوى الإحساس بالجمال، وأن كل ما عدا ذلك يعد قيما طارئة عليه. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الناس يطلبون الفن؛ ليبعدهم عن واقعهم وعالمهم اليومي الذي يعيشون فيها. ويرون أيضًا أن الفن يعمل على إبراز شخصيات أصحابه إزاء الجماعة التي يعايشونها رغم كيانهم الفردي الذاتي. والحقيقة، أنه مع التسليم لبعض ما يقوله أصحاب هذا الرأي، فإنه لا يمكن فصل الفن عن المجتمع بحال من الأحوال؛ فإن ذلك لا يتعارض مع اتصاله بالمجتمع، وسيظل الفن يحمل من القيم الجمالية ما يسعد به الناس، ويؤدي رسالة اجتماعية قيمة مع ذلك. وقد أثيرت قضية مهمة لها علاقة بنظرية الفلسفة الجمالية، وهي قضية الشعر والأخلاق، أو نظرية الفن للفن بمسماها الحديث، وأثيرت عدة أسئلة حول هذه القضية: هل يطلب المتلقي القيم الخليقة والاجتماعية عند تلقيه للشعر مثلًا كفن

стр. 141

من الفنون؟ وهل يضع الفنان أو الشاعر ذلك في اعتباره حين إبداعه؟ أو هل للشعر أو الفن عموما رسالة اجتماعية، أم أن الغاية منه مجرد المتعة فحسب؟ أسئلة كثيرة نشأت إثر ظهور هذه القضية، هذه في الحقيقة قضية قديمة اتضحت منذ طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته لأخلاقهم المذرية المنحرفة، ورد عليه أرسطو بأن الشعراء يطهرون المجتمع، ويخلصونه من أدران هذه الأخلاق السيئة، وكما كان لهذه القضية أيضا حضور قوي في فكر نقادنا العرب القدامى، وهم يعالجون شتى القضايا في كتبهم. وظلت القضية قائمة حتى القرن التاسع عشر، حيث ظهرت نظرية الفلسفة الجمالية، وشاع بين فلاسفة الجمال: أن الفن لا غاية من ورائه إلا الإحساس بالمتعة والجمال. واحتدم الصراع بين هؤلاء وخصومهم، واتخذ شكل معارك عنيفة خاصة بعد ظهور ديوان "أزهار الشر" لـ"بوتير"، ورأى هؤلاء أنه لا ينبغي أن نحكم على الفن بمقاييس أجنبية عنه أخلاقية كانت أو غير أخلاقية، وإنما نحكم عليه بمقاييس الجمال الفني، وهذه المقاييس في رأيهم تنفصل عن قيم الأخلاق انفصالًا تامًّا. أما خصوم هؤلاء: فرأوا أن الفن لا ينبغي أن يكون أداة لنشر الرذائل في المجتمع، وإنما ينبغي أن تكون له رسالة اجتماعية يؤديها، ويؤثر بها في الحياة. والحقيقة، أنه لا ينبغي أن نجرد الفن من رسالته الاجتماعية، وهذا -كما أشرت- لا يتناقض أو يتنافى مع ما فيه من قيم جمالية، بل العكس هو الصحيح، فإن من يرسي قيمة خلقية لفن من الفنون في قالب بلغ الغاية من الجمال، يكون كمن يقدم هدية في طبق من ذهب، ولا مانع من الجمع بينهما، ولكن إذا انهارت الأخلاق في مجتمع من المجتمعات انعدم إحساس ذلك المجتمع بالجمال أيًّا كان.

стр. 142

ومن فلاسفة الجمال الذين ظهروا في أواخر القرن التاسع عشر "كروتشيه" وهو فيلسوف إيطالي امتاز هذا الرجل بالتعمق في مباحثه، والطرافة في التفكير. يرى "كروتشيه" أن الجمال في الفن يعود أو يمكن في تعبيره، والتعبير عنده ذو مدلول واسع إذ يجعله مرادفا للصورة، ولا يقصد به الألفاظ المفردة فحسب، ويرى أن تبديل أو تغيير في العبارة يجعلها جديدة في بنائها، فهو مصدر الجمال وينبوعه لا المضمون ولا المحتوى، ولذلك فإن كل موضوع صالح لأن يكون مادة للفن، وليس هناك موضوع لفن الشعر، وليس هناك موضوع فني يصلح للشعر، وموضوع آخر لا يصلح للشعر. ويستدل على ذلك: بأن الشاعر قد يتخذ من الشيء غير الحسن في الظاهر موضوعًا له، كالبائس التعس الممزق الثياب تزور منه العيون، يأخذه الشاعر ويحوله إلى لوحة فنية مؤثرة، تجذب الأبصار، وتستهوي القلوب. ويرى "كروتشيه" أن الجمال والقبح ليسا ذاتيين في الطبيعة والإنسان، وإنما هما مقيدان باللحظات النفسية للناس والفنانين من حولهم، وهو يرى أن غاية الفن الجمال، وهو بهذا يجسد الجمال الفني في التعبير، والأداء الكلي للصياغة، ويعزله عزلًا تاما عن المجتمع، وكل ما يتصل به، وكأن الفن شيء والمجتمع شيء آخر، ولا صلة بينهما. أو بعبارة أدق: ينبغي ألا تبحث هذه الصلة، وألا تدخل بأي حال من الأحوال في حساب أصحاب الفلسفة الجمالية. ومن فلاسفة القرن التاسع عشر أيضا: الفيلسوف الفرنسي "شارل لالو" الذي ذهب إلى أن الفلسفة الجمالية ينبغي ألا تظل في الإطار المعياري الذاتي الذي ساغه لها "كانت"، ويرى أنه لابد أن تدخل في هذا الإطار نسب موضوعية في الأشياء الجميلة، تجذب قلوبنا، وهي نسب من شأنها أن تتسع لمجال البحث في

стр. 143

الفلسفة الجمالية، فلا تجعلها فلسفة ذاتية تقوم على القيم وحدها، وإنما تخوض بها في مباحث وقواعد موضوعية تتصل بالحياة بشتى أشكالها. ويرى هذا الفيلسوف أن الطبيعة في حد ذاتها ليست لها قيمة جمالية إلا حين ينشئ فنان بينه وبينها صلة، فتتراءى جميلة من خلال أعماله. وهو بذلك يفصل بين الفن والطبيعة، بحيث لا يصح أن نحكم عليه من خلالها، ومع كل هذا الاستقلال الذي فرضه "لالو" على الفن نجده يصله وصلا وثيقًا بالحياة. فإذا تأملنا كلام فيلسوف آخر مثل: "سريو" الفيلسوف الفرنسي نجد أنه يصل وصلا وثيقا بين الفن والصناعة، أو بعبارة أكثر دقة: بين الإنتاج الفني والإنتاج الصناعي، ملاحظا دائما الوظيفة الاجتماعية للفنون، وأنها تلبية لحاجات المجتمع، مثلها في ذلك مثل الصناعات، بل هي صناعة بالمعنى الدقيق لكلمة صناعة. وليس بصحيح مطلقًا أنها درب من اللهو أو التسلية، أو أنها تعبير عن نشاط فائض عن حاجة المجتمع، وإنما هي تعبير عن حاجة ملحة في المجتمع، كالحاجة الملحة إلى الحرف والصناعات. ويستبعد "سريو" فكرة الجمال من تعريف الفنون الرفيعة، ويضع مكانا فكرة النفع حتى يستبين دور الفن في الحياة الاجتماعية، ويقوم هؤلاء الغربيون بتنظيم جمعيات للدراسات الجمالية، ويهتمون بإصدار مجلات تبحث مباحث قيمة في الفلسفة الجمالية، وتقيم من حين إلى آخر مؤتمرات لعرض دراسات جمالية مختلفة. وقد انتقلت هذه النظرية الجمالية إلى البيئة العربية كغيرها من النظريات، وأصبحت تمثل منهج ضمن مناهج البحث الأدبي في العصر الحديث، وقد اتجه هذا المنهج في دراسة الأدب العربي اتجاهين أساسيين:

стр. 144

الاتجاه الأول: يتمثل في دراسة الشخصيات الأدبية. والاتجاه الثاني: يتمثل في دراسة الظواهر الأدبية. ومن واقع الدراسات الكثيرة التي قامت على أساس هذا المنهج، أثبت أنه صالح لكلا الاتجاهين. ومن ثم، حقق ذيوعًا وانتشارًا واسعًا بين الباحثين في مجال الأدب، فبالنسبة للاتجاه الأول: وهو دراسة الشخصيات الأدبية، يتم فيه اختيار شخصية أدبية، واتخاذها موضوعًا لدراسة مستقلة مفصلة؛ بقصد بيان الدور الأدبي الذي قامت به، وقياس مستواها الفني. ومحور الدراسة في هذا الاتجاه: هو نتاج هذه الشخصية، أي: الإبداع والفن الذي أنتجته. ومن خلال تسليط الضوء على هذا الإبداع تتكشف ملامحه، وتتضح أسراره الفنية، وهذا النتاج في الحقيقة هو نتاج شخصية أدبية هي التي أبدعته، وهي التي أعطته طاقاته الفنية، والعقلية، والجمالية حتى استوى على هذه الصورة. ولذا؛ كانت الشخصية الأدبية هي المحور الأول للدراسة في هذا الاتجاه؛ بقصد الكشف عن مقوماتها الخلقية، والاجتماعية، والعقلية، وتبين ملامحها وسماتها المميزة لها، والمؤثرة فيها إلى آخر ما يتصل بهذه الشخصية. هذه الشخصية ذاتها نتاج بيئة عاشت فيها، وعصر تأثرت به، وتفاعلت معه، واستجابت لمؤثرات البيئة والعصر، ولا يمكن أن نفهم هذه الشخصية فهمًا صحيحًا دون دراسة البيئة التي عاشت فيها، وتفاعلت معها. ولذلك؛ كان من اللازم الوقوف على البيئة والعصر قبل الإقدام على دراسة الشخصية ونتاجها، ومعنى ذلك: أن هناك محاور ثلاثة يدور حولها هذا الاتجاه -اتجاه دراسة الشخصيات الأدبية يدور حول محاور ثلاثة-:

стр. 145

المحور الأول: البيئة والعصر. المحور الثاني: الحياة: حياة الشخصية الأدبية ذاتها. المحور الثالث: العمل الفني نفسه. وفي حالة البحث من خلال هذا المنهج، يمكن الاستغناء عن المحور الأول وعرضه في صورة تمهيد، لو أردنا ذلك يجوز هذا. وأما الاتجاه الثاني: وهو دراسة الظواهر الأدبية، فإنه يتحرك في إطارين: الإطار الأول: يقف عن الأعمال الأدبية التي تشكل الظاهرة موضوع الدراسة، من أجل معرفة القيم الجمالية التي تشترك فيها، هذا هو الإطار الأول. الإطار الثاني: يقوم بتصنيف هذه الأعمال الأدبية في شكل مجموعات، بحيث تمثل كل مجموعة منها مذهبًا فنيًّا متميزًا، أو مدرسة فنية مستقلة. وهذا يشبه منهج "سانت بيف" الذي سبق أن أشرنا إليه. ويعد هذا الإطار تمهيدا لدراسة تكشف ما تتميز به كل مجموعة أو مدرسة، وما تشترك فيه من صفات. ويمثل الاتجاه الأول -وهو دراسة الشخصيات- دراسات قام بها الدكتور طه حسين، وهي دراسات كثيرة، منها: كتابه (حديث الأربعاء)، وكتابه (من حديث الشعر والنثر)، وكتابه (مع أبي العلاء في سجنه) و (تجديد ذكرى أبي العلاء)، وغير ذلك من دراسات تعد رائدة ورائعة أدارها الدكتور طه حسين حول عدد كثير من الشخصيات الأدبية. كما يتضح هذا الاتجاه أيضا في دراسات الدكتور شوقي ضيف، مثل: (شوقي شاعر العصر الحديث)، وكتابه الآخر (البارودي رائد الشعر الحديث)، وكذلك (دراسات في الشعر الحديث). ويتمثل هذا الاتجاه أيضا في كتاب (ذو الرمة شاعر الحب والصحراء) للدكتور يوسف خليف، وغير ذلك من دراسات قدمها كثير من الأدباء وكان هدفها:
следующие страницы →