← Адаб

Адаб · id 30927

أصول البحث الأدبي ومصادره - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (350 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من الفنون؟ وهل يضع الفنان أو الشاعر ذلك في اعتباره حين إبداعه؟ أو هل للشعر أو الفن عموما رسالة اجتماعية، أم أن الغاية منه مجرد المتعة فحسب؟ أسئلة كثيرة نشأت إثر ظهور هذه القضية، هذه في الحقيقة قضية قديمة اتضحت منذ طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته لأخلاقهم المذرية المنحرفة، ورد عليه أرسطو بأن الشعراء يطهرون المجتمع، ويخلصونه من أدران هذه الأخلاق السيئة، وكما كان لهذه القضية أيضا حضور قوي في فكر نقادنا العرب القدامى، وهم يعالجون شتى القضايا في كتبهم. وظلت القضية قائمة حتى القرن التاسع عشر، حيث ظهرت نظرية الفلسفة الجمالية، وشاع بين فلاسفة الجمال: أن الفن لا غاية من ورائه إلا الإحساس بالمتعة والجمال. واحتدم الصراع بين هؤلاء وخصومهم، واتخذ شكل معارك عنيفة خاصة بعد ظهور ديوان "أزهار الشر" لـ"بوتير"، ورأى هؤلاء أنه لا ينبغي أن نحكم على الفن بمقاييس أجنبية عنه أخلاقية كانت أو غير أخلاقية، وإنما نحكم عليه بمقاييس الجمال الفني، وهذه المقاييس في رأيهم تنفصل عن قيم الأخلاق انفصالًا تامًّا. أما خصوم هؤلاء: فرأوا أن الفن لا ينبغي أن يكون أداة لنشر الرذائل في المجتمع، وإنما ينبغي أن تكون له رسالة اجتماعية يؤديها، ويؤثر بها في الحياة. والحقيقة، أنه لا ينبغي أن نجرد الفن من رسالته الاجتماعية، وهذا -كما أشرت- لا يتناقض أو يتنافى مع ما فيه من قيم جمالية، بل العكس هو الصحيح، فإن من يرسي قيمة خلقية لفن من الفنون في قالب بلغ الغاية من الجمال، يكون كمن يقدم هدية في طبق من ذهب، ولا مانع من الجمع بينهما، ولكن إذا انهارت الأخلاق في مجتمع من المجتمعات انعدم إحساس ذلك المجتمع بالجمال أيًّا كان.

стр. 142

ومن فلاسفة الجمال الذين ظهروا في أواخر القرن التاسع عشر "كروتشيه" وهو فيلسوف إيطالي امتاز هذا الرجل بالتعمق في مباحثه، والطرافة في التفكير. يرى "كروتشيه" أن الجمال في الفن يعود أو يمكن في تعبيره، والتعبير عنده ذو مدلول واسع إذ يجعله مرادفا للصورة، ولا يقصد به الألفاظ المفردة فحسب، ويرى أن تبديل أو تغيير في العبارة يجعلها جديدة في بنائها، فهو مصدر الجمال وينبوعه لا المضمون ولا المحتوى، ولذلك فإن كل موضوع صالح لأن يكون مادة للفن، وليس هناك موضوع لفن الشعر، وليس هناك موضوع فني يصلح للشعر، وموضوع آخر لا يصلح للشعر. ويستدل على ذلك: بأن الشاعر قد يتخذ من الشيء غير الحسن في الظاهر موضوعًا له، كالبائس التعس الممزق الثياب تزور منه العيون، يأخذه الشاعر ويحوله إلى لوحة فنية مؤثرة، تجذب الأبصار، وتستهوي القلوب. ويرى "كروتشيه" أن الجمال والقبح ليسا ذاتيين في الطبيعة والإنسان، وإنما هما مقيدان باللحظات النفسية للناس والفنانين من حولهم، وهو يرى أن غاية الفن الجمال، وهو بهذا يجسد الجمال الفني في التعبير، والأداء الكلي للصياغة، ويعزله عزلًا تاما عن المجتمع، وكل ما يتصل به، وكأن الفن شيء والمجتمع شيء آخر، ولا صلة بينهما. أو بعبارة أدق: ينبغي ألا تبحث هذه الصلة، وألا تدخل بأي حال من الأحوال في حساب أصحاب الفلسفة الجمالية. ومن فلاسفة القرن التاسع عشر أيضا: الفيلسوف الفرنسي "شارل لالو" الذي ذهب إلى أن الفلسفة الجمالية ينبغي ألا تظل في الإطار المعياري الذاتي الذي ساغه لها "كانت"، ويرى أنه لابد أن تدخل في هذا الإطار نسب موضوعية في الأشياء الجميلة، تجذب قلوبنا، وهي نسب من شأنها أن تتسع لمجال البحث في

стр. 143

الفلسفة الجمالية، فلا تجعلها فلسفة ذاتية تقوم على القيم وحدها، وإنما تخوض بها في مباحث وقواعد موضوعية تتصل بالحياة بشتى أشكالها. ويرى هذا الفيلسوف أن الطبيعة في حد ذاتها ليست لها قيمة جمالية إلا حين ينشئ فنان بينه وبينها صلة، فتتراءى جميلة من خلال أعماله. وهو بذلك يفصل بين الفن والطبيعة، بحيث لا يصح أن نحكم عليه من خلالها، ومع كل هذا الاستقلال الذي فرضه "لالو" على الفن نجده يصله وصلا وثيقًا بالحياة. فإذا تأملنا كلام فيلسوف آخر مثل: "سريو" الفيلسوف الفرنسي نجد أنه يصل وصلا وثيقا بين الفن والصناعة، أو بعبارة أكثر دقة: بين الإنتاج الفني والإنتاج الصناعي، ملاحظا دائما الوظيفة الاجتماعية للفنون، وأنها تلبية لحاجات المجتمع، مثلها في ذلك مثل الصناعات، بل هي صناعة بالمعنى الدقيق لكلمة صناعة. وليس بصحيح مطلقًا أنها درب من اللهو أو التسلية، أو أنها تعبير عن نشاط فائض عن حاجة المجتمع، وإنما هي تعبير عن حاجة ملحة في المجتمع، كالحاجة الملحة إلى الحرف والصناعات. ويستبعد "سريو" فكرة الجمال من تعريف الفنون الرفيعة، ويضع مكانا فكرة النفع حتى يستبين دور الفن في الحياة الاجتماعية، ويقوم هؤلاء الغربيون بتنظيم جمعيات للدراسات الجمالية، ويهتمون بإصدار مجلات تبحث مباحث قيمة في الفلسفة الجمالية، وتقيم من حين إلى آخر مؤتمرات لعرض دراسات جمالية مختلفة. وقد انتقلت هذه النظرية الجمالية إلى البيئة العربية كغيرها من النظريات، وأصبحت تمثل منهج ضمن مناهج البحث الأدبي في العصر الحديث، وقد اتجه هذا المنهج في دراسة الأدب العربي اتجاهين أساسيين:

стр. 144

الاتجاه الأول: يتمثل في دراسة الشخصيات الأدبية. والاتجاه الثاني: يتمثل في دراسة الظواهر الأدبية. ومن واقع الدراسات الكثيرة التي قامت على أساس هذا المنهج، أثبت أنه صالح لكلا الاتجاهين. ومن ثم، حقق ذيوعًا وانتشارًا واسعًا بين الباحثين في مجال الأدب، فبالنسبة للاتجاه الأول: وهو دراسة الشخصيات الأدبية، يتم فيه اختيار شخصية أدبية، واتخاذها موضوعًا لدراسة مستقلة مفصلة؛ بقصد بيان الدور الأدبي الذي قامت به، وقياس مستواها الفني. ومحور الدراسة في هذا الاتجاه: هو نتاج هذه الشخصية، أي: الإبداع والفن الذي أنتجته. ومن خلال تسليط الضوء على هذا الإبداع تتكشف ملامحه، وتتضح أسراره الفنية، وهذا النتاج في الحقيقة هو نتاج شخصية أدبية هي التي أبدعته، وهي التي أعطته طاقاته الفنية، والعقلية، والجمالية حتى استوى على هذه الصورة. ولذا؛ كانت الشخصية الأدبية هي المحور الأول للدراسة في هذا الاتجاه؛ بقصد الكشف عن مقوماتها الخلقية، والاجتماعية، والعقلية، وتبين ملامحها وسماتها المميزة لها، والمؤثرة فيها إلى آخر ما يتصل بهذه الشخصية. هذه الشخصية ذاتها نتاج بيئة عاشت فيها، وعصر تأثرت به، وتفاعلت معه، واستجابت لمؤثرات البيئة والعصر، ولا يمكن أن نفهم هذه الشخصية فهمًا صحيحًا دون دراسة البيئة التي عاشت فيها، وتفاعلت معها. ولذلك؛ كان من اللازم الوقوف على البيئة والعصر قبل الإقدام على دراسة الشخصية ونتاجها، ومعنى ذلك: أن هناك محاور ثلاثة يدور حولها هذا الاتجاه -اتجاه دراسة الشخصيات الأدبية يدور حول محاور ثلاثة-:

стр. 145

المحور الأول: البيئة والعصر. المحور الثاني: الحياة: حياة الشخصية الأدبية ذاتها. المحور الثالث: العمل الفني نفسه. وفي حالة البحث من خلال هذا المنهج، يمكن الاستغناء عن المحور الأول وعرضه في صورة تمهيد، لو أردنا ذلك يجوز هذا. وأما الاتجاه الثاني: وهو دراسة الظواهر الأدبية، فإنه يتحرك في إطارين: الإطار الأول: يقف عن الأعمال الأدبية التي تشكل الظاهرة موضوع الدراسة، من أجل معرفة القيم الجمالية التي تشترك فيها، هذا هو الإطار الأول. الإطار الثاني: يقوم بتصنيف هذه الأعمال الأدبية في شكل مجموعات، بحيث تمثل كل مجموعة منها مذهبًا فنيًّا متميزًا، أو مدرسة فنية مستقلة. وهذا يشبه منهج "سانت بيف" الذي سبق أن أشرنا إليه. ويعد هذا الإطار تمهيدا لدراسة تكشف ما تتميز به كل مجموعة أو مدرسة، وما تشترك فيه من صفات. ويمثل الاتجاه الأول -وهو دراسة الشخصيات- دراسات قام بها الدكتور طه حسين، وهي دراسات كثيرة، منها: كتابه (حديث الأربعاء)، وكتابه (من حديث الشعر والنثر)، وكتابه (مع أبي العلاء في سجنه) و (تجديد ذكرى أبي العلاء)، وغير ذلك من دراسات تعد رائدة ورائعة أدارها الدكتور طه حسين حول عدد كثير من الشخصيات الأدبية. كما يتضح هذا الاتجاه أيضا في دراسات الدكتور شوقي ضيف، مثل: (شوقي شاعر العصر الحديث)، وكتابه الآخر (البارودي رائد الشعر الحديث)، وكذلك (دراسات في الشعر الحديث). ويتمثل هذا الاتجاه أيضا في كتاب (ذو الرمة شاعر الحب والصحراء) للدكتور يوسف خليف، وغير ذلك من دراسات قدمها كثير من الأدباء وكان هدفها:

стр. 146

محاولة الكشف عن الشخصية الأدبية، وبيان منزلتها الفنية، والدور الفني الذي قامت به من خلال النتاج الفني الذي أبدعته تلك الشخصيات. أما الاتجاه الثاني: فيمثله كتابان هما: (الفن ومذاهبه في الشعر العربي)، ثم كتاب (الفن ومذاهبه في النثر العربي)، والكتابان للدكتور شوقي ضيف -يرحمه الله-، فقد حاول تصنيف الأدباء منذ العصر الجاهلي حتى العصر الحديث إلى مجموعات، أو مذاهب فنية متميزة، كان لها دور في الحركة الأدبية والنقدية خلال عصورها المختلفة، وحصرها المؤلف في ثلاثة مذاهب: مذهب الصنعة، ومذهب التصنيع، ومذهب التصنع. وقد التزم المؤلف بالمنهج الجمالي حيث تحرك في الإطارين اللذين أشرت إليهما. وقف أولا عند الأعمال الأدبية التي أنتجها أعلام هذا الأدب؛ ليكشف عما فيها من قيم جمالية، وخصائص فنية، ثم صنف هؤلاء الأعلام وفقًا لهذه المذاهب الفنية الثلاثة التي رآها تمثل حركة أدبنا العربي. رؤية العربي لفكرة الجمال الأدبي بعد هذا العرض السريع لنظرية الفلسفة الجمالية وقيمتها في مجال البحث الأدبي بقيت كلمة لا بد منها: لا جدال في أن الجمال الأدبي يستحق بحثا ودراسة دقيقة مستوعبة لا شك في هذا؛ لأنه الغاية التي يريدها الأديب الناجح في ابتكاراته الفنية، وهو في الوقت نفسه الغاية التي يوجه لها الناقد الحصيف كل دراساته؛ فالمبدع يريد أن يضع كل جمال في إبداعه، والناقد يريد أن يظفر بالقيم الجمالية حتى يسجلها في بحوثه النقدية المقنعة. ولهذا بذل النقاد قصارى جهدهم في التعرف على كل ما يضفي

стр. 147

على النماذج الأدبية جمالا، ويهبها روعة وفتنة، بحثوا طريقة تناول الأدباء أجزاء المعنى الواحد، وتنوعت دراساتهم عن الأسلوب الذي يحتوي المعنى، ويفصح عنه، وامتدت دراساتهم إلى الأدباء أنفسهم، والمؤثرات التي أثرت فيهم، كل هذا جيد، ولكن المتأمل في نظرية الفلسفة الجمالية التي سبق عرضها يلاحظ شيئين: أولا: أنها أخذت طابعًا غربيًّا، وكأن العرب لا علم لهم بها. ثانيًا: أن دراسات الغرب، ومن لف لفهم من العرب في الغالب أخذت طابعًا فلسفيًّا، فهي دراسات فلسفية، قدمت للمتلقي جانبا من المعرفة، لكنها لم تقدم له شيئا عن الجمال الأدبي؛ ولذلك أردت أن نتعرف على رؤية العربي لفكرة الجمال الأدبي، وماذا قدموا في هذا المجال. الحقيقة، أن رؤية العرب لفكرة الجمال الأدبي كانت أكثر عمقا وموضوعية؛ لأن العرب لم يذهبوا إلى الأخذ بنظرية الجمال المطلق، أو المثالي المجرد في أدبهم ذلك الجمال الذي يدرك بالعقل دون التماسه في العمل الأدبي نفسه. العرب لم يهتموا بهذا، لم يهتموا بنظرية الجمال المطلق، وهم يبحثون في الفن الأدبي، وقد ظهرت عندهم بعض الاتجاهات الجمالية التي تربط الجمال بالفضائل والوعظ، كما عند ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء) مثلًا، أو تربطه بالفكر الإغريقي كما عند قدامة بن جعفر مثلًا، لكنها لم تلبث طويلًا في الذوق العربي العام في تقويم جمال الأدب. وكان عبد القاهر الجرجاني حامل اللواء في هذا المجال؛ فقد اتجه إلى أن فكرة الجمال الأدبي تكمن في الإنتاج الأدبي نفسه، ونفى كونها فكرة مجردة تقوم على النظريات والافتراضات، فمظاهر الجمال لدى عبد القاهر إنما هو نتاج مواهب فنية ذات كفاءة عالية في صياغة المعاني، وإفراغها في أسلوب مطابق في نظامه،

стр. 148

وترتيبه لذلك النسق الذي ترتبت عليه المعاني، كما تصور الفكر أجزاءها، وهي في دور التكوين. عملية تخلق الجمال الأدبي عند عبد القاهر ليست عملية سهلة، وإنما هي عملية في غاية الدقة، تمر بمراحل أو أطوار: الطور الأول: النظام والترتيب. الطور الثاني: تحديد قسمات هذا الوليد الجديد، وتعهده حتى يصير محل إعجاب وإغراب، وهذا التحديد لا يكون إلا من خلال مجموعة من المزايا في اللفظ، والأسلوب، ونوعا من العلاقات بين الجمل، تملأ النفس بجمال إشعاعها، فإذا نثر الخيال وشيه على الأسلوب، وأشاع فيه النماء والحركة باستعارة تقع موقعها مثلًا، أو تشبيه يحدث أثره في النفس، فذلك هو الجمال الذي يملك الألباب، ويسري بالروح في معارج المتعة والرضا. وخلاصة القول، أن الجمال الأدبي كامن في الأدب ذاته، يحتويه الأسلوب، ويستشفه الذوق الفني المرهف حين تصنعه الموهبة الفنية، وتدركه أذواق النقاد ذوي المواهب، وأن وعاء الجمال هو على التحديد مادة اللغة، وبراعة استعمالها. وعلى هذا، فإن للجمال الأدبي وجودًا ثابتًا حددته العبقريات الأدبية العملاقة. إنه يتمثل في القدرة الفائقة التي يلائم بها الأديب ملائمة كاملة بين شعوره بالفكرة، وبين إحساسه اللغوي، فإذا امتزج كل منهما بالآخر تخلق منهما كائن جديد، له مزايا الفكر والإحساس جميعًا. وما يزال الأديب يخلع على هذا الوليد مطارق خياله، ووشي براعته؛ حتى يتم له الجمال كما يريده صانعه. هذا مضمون النظرية العربية كما رآها نقادنا في القديم، وهي -كما ترى- نظرية واقعية موضوعية في تعاملها مع النص الأدبي، أو العمل الأدبي، وهي تبحث عن فكرة الجمال فيه. والسلام عليكم رحمة الله وبركاته.

стр. 149

الدرس: ١٠ المنهج المتكامل وقيمته في مجال البحث الأدبي الحديث .

стр. 150

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العاشر (المنهج المتكامل وقيمته في مجال البحث الأدبي الحديث) أهم المناهج البحثية: المنهج المتكامل الحمد لله، الذي خالق الإنسان وعلمه البيان والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، وبعد: فاتضح لنا من خلال الحديث عن مناهج البحث الأدبي في العصر الحديث أن علماء الأدب وباحيثه لم يتفقوا على منهج واحد يمكن أن يلتزم به جميع الباحثين في الأدب والدارسين له، ورأينا أن هناك مناهج متعددة مختلفة اختلافًا بينًا، وكأن الأدب أعقد من أن يحيط به منهج، أو أن البحث الأدبي أعقد من أن يخضع لمنهج واحد. ولما كانت الغاية من البحث الأدبي والوصول إلى نتائج دقيقة، كان من اللازم أن يسلك الباحث منهجًا يجمع بين جميع المناهج، نحن عرفنا من المناهج: المنهج النفسي، والمنهج التاريخي، والمنهج الجمالي، وكل منهج له عيوبه، وله قيمته في مجال الدراسات الأدبية. الغاية من البحث الأدبي: أن نصل إلى نتائج دقيقة، نتائج شاملة. لا يمكن أن نصل إلى هذه النتائج إلا إذا كان هناك منهج يأخذ من هذه المناهج جميعها في آن واحد، ولكن ما اسم هذا المنهج؟ وما حقيقته؟ وكيف يتحقق؟ ما اسم هذا المنهج الذي يجمع بين المناهج جميعها في آن واحد، ونصل من خلاله إلى نتائج دقيقة تتسم بالمصداقية؟ هذا المنهج هو الذي يسمى: بالمنهج المتكامل، أو المنهج التكاملي. ومن حق الباحث أن يستخدم في بحثه أكثر من منهج، ما دام ذلك يتيح له التعرف على جوانب أكثر بالنسبة لموضوعه، ويمكنه من الوصول إلى نتائج أكثر موضوعية وشمولية، خاصة أن المناهج البحثية متداخلة، فالمنهج النفسي يتداخل مع المنهج التاريخي، والمنهج التاريخي يتداخل مع الجمالي، والمنهج الجمالي

стр. 151

يتداخل مع المنهج النفسي، وهكذا لا يمكن أن نضع حدود فاصلة بين المناهج. فمن حق الباحث أن يستخدم في بحثه أكثر من منهج، طالما أن ذلك سيوصله إلى نتائج دقيقة. ولو تأملنا طبيعة الأدب وعناصر العمل الأدبي؛ لتأكد لنا أنه يحتاج إلى أكثر من منهج للكشف عن حقائقه. ولا يستطيع منهج واحد أن يكشف عن تلك الحقائق وتجليتها؛ فالعمل الأدبي نتاج نفس إنسانية، وبمقدار ما تحمله تلك النفس من أسرار، وما يشكلها من مؤثرات خارجية، يكون ذلك العمل الأدبي. فالعمل الأدبي يموج بالحياة من داخلها موجان النفس البشرية، وإن كان في نظر البسطاء مجرد كلام ينقل لنا فكرًا المبدع، ويصور أحاسيسه، ويترك فينا لونا من المتعة. هذه صورته التي نراها، ولكن لو فتشنا في حقيقته، لو حللناه لرأينا أنه عمل مركب، ويحمل عدة دلالات مختلفة من شأن الباحث الفطن الكشف عنها، ففيه دلالة على شخصية الأديب، ونفسيته، وفكره، ولغته، وفيه صورة للعصر والبيئة، بالإضافة إلى ما يحمله من مجموعة الخصائص الفنية التي اتحدت، وكونت ذلك البناء الفني. ومثل الباحث الأدبي كمثل الغواص يجوب أعماق البحار؛ ليكشف عن أسرارها، ويصور لنا الحياة بداخلها. إذا كانت تلك هي طبيعة العمل الفني، وهذه هي طبيعة الباحث فيه، فليس من اللائق أن يسلك الباحث منهجا جزئيا في بحثه؛ يكشف له عن جانب واحد من جوانب متعددة؛ لأنه لن يصل من خلاله إلى نتائج كاملة صحيحة، يمكننا أن نعدها حكمًا صادقًا على العمل وصاحبه، هذا لا يليق بأي حال من الأحوال، وقد اتضح لنا من خلال حديثنا عن المناهج البحثية في العصر الحديث أن لكل منهج عيوبه التي تقدح فيه، وتجعله قاصرًا

стр. 152

عن الوصول إلى نتائج كاملة في مجال البحث الأدبي، أو الموضوع الذي يبحث فيه؛ لأنها لا تنظر إلى العمل الأدبي من جميع الجوانب، إنما تتناوله من جانب واحد، فالمنهج التاريخي مثلًا: يربط بين البيئة والأدب برباط وثيق، ويفسر العمل الأدبي على أساس ذلك الرباط متجاهلا ذات الأديب، وما يعتمل في فيها من مشاعر وأحاسيس، ويأتي المنهج النفسي على النقيض من ذلك تمامًا؛ المنهج النفسي لا ينظر إلى البيئة، ولا ينظر إلى العصر، ولا إلى الأحداث، يعني: لا يربط بين العمل الأدبي وبيئته، وإنما يولي اهتمامه إلى نفس الأديب المبدع ذاته، محاولا الغوص في أعماقها، واستخراج ما بها من أزمات وعقد. وجدير بالذكر، أن تعدد المناهج، وتمسك أصحاب كل منهج بقوانين ثابتة، وردهم الأخذ، أو الإفادة بالمناهج الأخرى أبرز البحث الأدبي في صورة معقدة، وأصابه بالجمود والعقم، وبدا للباحثين أنه لا يخضع لأي من المناهج، والحقيقة غير ذلك تماما؛ إذ ينبغي الأخذ بهذه المناهج مجتمعة، والإفادة منها في مجال البحث الأدبي، وإدماجها في منهج واحد، يجمع بين خصائصها ويتلاشى، أو يبتعد عن عيوبها، ويسمى هذا المنهج -كما قلت-: بالمنهج المتكامل، أو المنهج التكاملي. فإذا أردنا أن نضع تعريفًا له أو مفهومًا لهذا المنهج التكاملي، فنقول: هو عبارة عن المزج بين مجموعة من المناهج، والأخذ بها، وتطبيقها في آن واحد عند الكشف عن الجوانب المختلفة في الأدب أو الأديب، وجدير بالذكر، أن الإفادة من هذه المناهج لا تتحقق إلا إذا اتخذت منارات ومعالم يهتدى بها، أما إذا تعامل الباحث معها على أساس أنها قيود أو حدود لا ينبغي تجاوزها، فإنها تضر وتفسد، ولا تنفع؛ لأنها حينئذ تصبح قيودًا على فكر الباحث وحريته.

стр. 153

وإذا أحس الباحث بأن هناك قيدًا يحد من حرية فكره، فلا يمكن أن يستمر، أو يصل إلى الحقيقة من خلال بحثه، كيف نتوصل إلى ذلك المنهج؟ كيف نحقق ما يسمى بالمنهج المتكامل، أو التكاملي؟ كيف نجمع بين المناهج التي ذكرناها النفسي، والتاريخي، والجمالي في وقت واحد؟ كيف يمكننا الإفادة من المناهج جميعها، وتحويلها إلى منهج واحد، منهج سديد نستطيع من خلاله أن نصل إلى نتائج تتسم بالمصداقية والدقة؟ لا يمكن أن نصل إلى هذا المنهج المتكامل إلا من خلال منهج واحد، وهو المنهج الفني. المنهج الفني: هو الذي نستطيع من خلاله أن نصل إلى منهج متكامل، يعني: يمكن نحقق ما يدعو إليه أصحاب المنهج النفسي من خلال المنهج الفني. نعم، ومن الممكن أن نصل إلى ما يدعو إليه أصحاب المنهج التاريخي من خلال المنهج الفني. نعم، ومن الممكن أن نتعرف على القيم الجمالية التي يبحث عنها أصحاب نظرية الفلسفة الجمالية، أو المنهج الجمالي من خلال المنهج الفني. نعم، هذه حقيقة؛ فالمنهج الفني يتعامل أو يتناول العمل الأدبي، ويقومه معتمدًا على ما فيه من قواعد وأصول فنية مباشرة -هذه حقيقتها. أود أن أعطي فكرة سريعة عن المنهج الفني الذي سنصل من خلاله إلى منهج متكامل؛ حتى نتعلم كيف نصنع منهجًا متكاملا. أنا قلت -من خلال المنهج الفني-: ما هو المنهج الفني؟ -سأعطي إشارة سريعة- المنهج الفني يتناول العمل الأدبي، ويقومه متعمدًا على ما فيه من قواعد وأصول فنية مباشرة مثل: العاطفة، والخيال، والأفكار، والأسلوب. هذه العناصر الفنية للأدب، أي: أنه يعتمد في تقويمه على القيم الشعورية، والتعبيرية معًا ليصل من خلال ذلك إلى نتائج تتعلق بالأدب والأديب معًا، دائما النتائج التي يصل إليها البحث من خلال المنهج الفني تتعلق بالإبداع ذاته، أي:

стр. 154

العمل الأدبي، أي: النص الأدبي، وبالمبدع أي: الأديب نفسه، وما يتعلق بهما من بيئة، وعصر، وقضايا -كما سنأخذ نموذجا إن شاء الله بعد قليل-. والمنهج الفني في حقيقته منهج ذاتي موضوعي، ذاتي؛ لأنه يعتمد على التأثر الذاتي للباحث أولًا. نعم، هناك قيم تعبيرية تحتاج في التعامل معها إلى تذوق فني، هذا التذوق موجود لدى الباحث، وهو منهج ذاتي، ثم إنه يعتمد على مجموعة من العناصر الموضوعة، أو المقاييس، والأصول الفنية الثابتة التي اصطلح عليها الباحثون والنقاد. ومن ثم، فهو موضوعي من هذه الناحية، فهو منهج ذاتي موضوعي. المنهج الفني يحتاج إلى توفر عدة شروط في الباحث، وإلى ألوان من الدراسات الفنية واللغوية؛ كونه يعتمد على التأثر الذاتي، أو كونه منهجًا ذاتيًّا يتطلب أن يسبق ذلك التأثر ذوق فني رفيع يعتمد على الموهبة الفطرية لدى الباحث، والتجارب الفنية الذاتية، والاطلاع الواسع على مأثور الأدب والنقد؛ حتى يكون التأثر مأمونًا، هو منهج ذاتي؛ لأن الباحث يعتمد في جانب كبير منه على ذوقه. إذا لابد أن أن ننمي ذلك الذوق عند الباحث حتى يصبح ذوقه رفيعًا، لابد أن ندرب تلك الموهبة الفطرية الموجودة من خلال التجارب الفنية، من خلال الاطلاع الواسع على مأثور الأدب والنقد. وكونه يتعمد على الأصول الفنية الموضوعية الممثلة في القيم الشعورية والتعبيرية، فإن ذلك يتطلب إحاطة تامة بتلك الأصول، من خلال منهج فني يعتمد على عدة معايير أو مقاييس موضوعة، إذا لابد له أن يتعرف ويحيط إحاطة تامة بتلك المقاييس، أو الأصول.

стр. 155

ولابد أن يكون عنده صدر رحب، يكون فيه فسحة تسمح له بتملي ألوان التجارب الشعورية، كما يتطلب وجود خبرة لغوية وفنية، وموهبة خاصة في التعامل مع النص، واستعداد جديد لتقبل الأنماط الجديدة. عندما يسلك الباحث المنهج الفني، فإنه يعتمد على الأصول الفنية للعمل الأدبي، يدرسها دراسة تحليلية جيدة، معتمدا على الملاحظة الدقيقة، والاستقصاء التام، فيدرس العاطفة، ويكشف عن طبيعتها، وقوتها، وصدقها، يقف أمام الصورة الفنية، فيوضح بناءها الفني، ومدى التواؤم بينها وبين العاطفة، ودلالة هذه الصورة على نفسية الأديب، ثم يتناول الأسلوب، وما يتألف منه من ألفاظ، وتراكيب، وإيقاع، ودلالة ذلك كله الدلالة الذاتية، والدلالة الموضوعية، والدلالة البيئية، من خلال ما تحمله من إيحاءات، الصورة لها إيحاء، واللفظة لها إيحاء، والإيقاع له إيحاء، قد يكون الإيقاع له إيحاء ذاتي، وقد يكون له إيحاء موضوعي يتصل بالموضوع نفسه، قد يكون الإيحاء بيئي، وكذا اللفظ، وكل الصور. كما يكشف أيضا عن الانسجام بين العاطفة والأسلوب، ويتناول الأفكار والمعاني، فيوضح دقتها، وعمقها، ومناسبتها للموضوع، إلى آخر هذه الأشياء التي لابد للباحث على منهج فني أن يتعامل معها ويتناولها. من خلال تناوله لهذه العناصر يمكنه أن يكشف عن البيئة، وعن الجانب النفسي لدى المبدع، كما يمكنه أن يكشف عن القيم الجمالية الموجودة في العمل الأدبي، بمعنى: أنه يمكنه من خلال ذلك الجمع بين عدة مناهج في وقت واحد، وقد ولد المنهج الفني، ونشأ في ظل الأدب العربي، المنهج الفني الذي يمكننا إلى التوصل إلى منهج متكامل نشأ في بيئة عربية خاصة، فقد فطن علماؤنا الأجلاء في مراحل مبكرة من

стр. 156

التأليف إلى قيمة ذلك المنهج، واستخدموه في مؤلفاتهم، وتعاملوا مع الإبداع الأدبي على أساسه. بدأ هذا المنهج فطريًّا معتمدًا على التأثر الذاتي للمؤلف، ثم قطع شوطًا طويلًا فيما بعد، وتعدى مرحلة الطفولة إلى مرحلة أعمق، وأكثر تحليلا، وتعليلا، وتأصيلا لقواعده بفضل مجموعة من العلماء الأجلاء، كابن سلام الجمحي، وابن قتيبة، والآمدي، والقاضي الجرجاني، وأبي هلال العسكري، وعبد القاهر الجرجاني، وغير هؤلاء من علماء أجلاء ساهموا في وضع الأصول الفنية لهذا المنهج. ثم جاء العصر الحديث، وحدث التفاعل بين الشرق والغرب، وانتشرت الثقافة الأوربية، وأقبل الدارسون والباحثون على تلك الثقافة، وما أنتجه الغرب في ميدان الدراسات الأدبية من نظريات؛ فتأثروا بها تأثرا واضحًا كما سبق، وحالوا أن يقننوا لأدبنا العربي في ظل تلك النظريات الغربية، وعلى إثر ذلك -نتيجة لهذا وفي ظل هذه البيئة- تقدمت الدراسات الأدبية تقدما ملحوظًا، وبدأ العلماء يؤصلون للقضايا النقدية الكبرى في كتبهم، كقضية الوحدة العضوية، والصدق الفني، والصورة الخيالية، واتجه علماؤنا في العصر الحديث نحو تفسير النص الأدبي، وتحليله تحليلًا أسلوبيًّا يكشف عن طبيعة التراكيب، ويبرز الدلالات الإيحائية وغيرها. وظهرت دراسات عدة في هذا المجال، كما تناولوا الصورة الأدبية من شتى جوانبها، فبينوا أركانها، وطريقة بنائها، ودلالتها على شخصية صاحبها، والتلاؤم بين أجزائها، واستخرجت كوامن أنفس المبدعين، وكشفت لنا عن ملامح البيئة والعصر الذي أبدعت فيه.

стр. 157

المنهج الفني هو أقرب المناهج إلى طبيعة الفني الأدبي؛ لأنه يتعامل مع العناصر الفنية التي تشكل هذا العمل. إذا أردنا أن نبحث في أي فن من الفنون فلابد أن تكون المقاييس التي يعتمد عليها البحث تمثل عناصر مهمة في ذلك الفن؛ حتى يكون البحث مجديا، وتكون النتائج تتسم بالمصداقية. فالمنهج الفني يبحث في عناصر فنية هي الأسس التي يقوم عليها الفن الأدبي، كما أنه يكشف عن الخصائص الفنية والجمالية في العمل الأدبي. ومن ثم، فهو يسهم في تربية الذوق الفني وتكوينه وثقله لدى دراسي الأدب وباحثيه، وهذه قيمة أخرى من قيم المنهج الفني، نتوصل من خلاله إلى منهج متكامل، نتعرف على الجانب النفسي وعلى الجانب البيئي، وعلى الجانب الجمالي، كما أنه يفيد الباحث من ناحية أخرى في تربية وتنمية ذوقه الفني. ومع أن هذا المنهج هو أقرب المناهج وأصحها في مجال البحث الأدبي إلا أنه لا يخلو من المآخذ عندما يحيد الباحث عن الطريق المرسوم له، فقد أشرت إلى أن هذا المنهج يجمع بين الذاتية والموضوعية، فقد يعتمد الباحث على الأصول والقواعد المقررة فحسب، إذا حدث هذا من الباحث، فإنه يحول المنهج الفني إلى مجرد قالب جاف، وهذا يتنافى مع طبيعته؛ لأن القواعد التي يصلح تطبيقها على نص ما قد لا تصلح للتطبيق على نص آخر، فلابد أن يكون الباحث فطنًا يجمع بين الذاتية والموضوعية يعني: يكون لذوقه نصيب، ويكون للمقاييس الموضوعية نصيب لا يهمل التأثر الذاتي، ولا يهمل المقاييس الموضوعية؛ لأن الاعتماد الذوق الذاتي وحده قد يجره إلى الخطأ أحيانا، يعني: لو أن الباحث اعتمد على تذوقه للأعمال الأدبية، ولم يسترشد، أو يأخذ بالمعايير الموضوعة، فإن ذلك يجعله يدور في فلك ضيق عندما لا يعدو المشاهير من الأدباء؛ لأن ذوقه قد لا يستجيد أعمالا لغير هؤلاء المشاهير، ويتجاهل غيرهم ممن هم أقل شهرة، كما

стр. 158

أنه يخشى من سيطرة الهوى على الباحث؛ فيؤثر ذلك في حكمه عندما يعتمد على ذوقه الفني فحسب. صحيح، الاعتماد على الذوق الفني أحيانا يجر الإنسان إلى الوقوع في الهوى. هذا عرض سريع للمنهج الفني، المنهج الذي يمكننا أو نتمكن من خلاله إلى تحقيق ما يسمى: بالمنهج المتكامل، المنهج الوحيد الذي يمكن أن نصل من خلاله إلى عدة مناهج، كالمنهج التاريخي، والمنهج النفسي، والجمالي، كيف نطبق هذا؟ سأقدم لك نموذجين تطبيقيين يوضحان إمكانية تحقيق المنهج المتكامل من خلال منهج فني واضح وسيتضح لك أنني سأتوصل إلى نتائج تتصل بالمنهج النفسي، أو التاريخي، أو الجمالي، من خلال تعاملي مع النص الإبداعي بمقاييس فنية بحتة. النموذج الأول: عبارة عن أبيات من لامية كعب بن زهير، وهي اللامية المشهورة ب"بانت سعاد فقلبي اليوم متبول" يقول كعب في هذه اللامية: أُنبِئتُ أن رَسُولَ اللهِ أَوْعَدنِي ... والعفو عند رسولِ الله مأمولُ مهلًا هداكَ الذي أعطاكَ نافلةَ ال ... قرآنِ فيها مواعِيظ وتفصِيلُ لا تأخذنّي بأقوالِ الوشاةِ ولمْ ... أذنبْ وإن كثرتْ في الأقاويلُ إن الرّسولَ لنور يستضاءُ بهِ ... مهندٌ من سيوفِ الله مسلولُ تأمل جيدًا معي هذه الأبيات؛ ترى أنها تدور حول فكرة واحدة، الفكرة هي: اعتذار كعب بن زهير لرسول الله ﷺ ومدحه له. هذه هي الفكرة الجزئية التي تدور، أو تعبر عنها هذه الأبيات. من خلال تحليل هذه الأبيات تحليلًا فنيًّا بالنظر في صياغتها، والعناصر الفنية المشكلة لها، وإدراك ما وراءها من دلالات متنوعة، من خلال ذلك كله يمكننا التوصل إلى منهج متكامل.

стр. 159

تأمل الفعل "أنبئت" مادة وصياغة، تجد أن هذا الفعل يكشف لك عن جوانب نفسية في الأديب، كما أنه يصور طبيعة المجتمع الذي كان يعيش فيه كعب بن زهير، فمن حيث المادة: اختيار الفعل "أنبأ" دون أخبر يدل على عظم وقع الخبر على نفسه النبأ هو الخبر العظيم، فعندما استخدم الفعل أنبأ يدل على عظم وقع الخبر على نفسه، وأنه بات مغتمًّا عند سماعه نبأ إهدار دمه، وهذه حقيقة لو أنك قرأت جو النص والظروف التي ألمت بكعب بن زهير عندما سمع نبأ إهدار دمه لتأكد لك هذا جيدا. هذا جانب نفسي كشف عنه وجود هذا الفعل بهذه المادة أنبأ دون أخبر، فلو تأملت الصياغة؛ لرأيت أنه ورد بصيغة المبني للمجهول "أنبئت"؛ مما يدل على انتشار الخبر بين الناس، وأنه أصبح من الصعب تحديد مخبر بعينه، الخبر يدور على ألسنة الناس انتشر بحيث لا يمكنه تحديد شخص بعينه، هذه دلالة بيئية علمناها من خلال صيغة وردت لفعل من الأفعال. المنهج الذي يكشف عن وقع الخبر على النفس هو المنهج النفسي، والمنهج الذي يعرف حال المجتمع وهل الخبر ذاع أم لم يذع؟ موقفه منه بعد سماع النبأ، وكل هذا منهج تاريخي، ولكننا كما رأيت توصلنا إليهما من خلال منهج فني، من خلال النظر والتأمل في الصياغة، والكشف عما وراءها من دلالات إيحائية. ومن خلال المنهج الفني أيضا يمكننا معرفة الناحية العقيدة للشاعر، وتلك مهمة المنهج التاريخي معرفة العقيدة، لكن بإمكاننا أن نتعرف عليها من منهج فني. تأمل معي قول الشاعر: "رسول الله" تجدها قد تكررت في البيت الأول مرتين، مع إمكان الإتيان بالضمير مكانها "أنبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول" كان بإمكانه أن يقول: "والعفو عنده مأمول"، ولكنه آثر أن

стр. 160

يكرر لفظة "رسول الله" ﷺ مرتين، مع إمكان أن يأتي بها ضميرًا، ثم أعيدت كلمة رسول في البيت الرابع مرة ثانية "إن الرسول لنور يستضاء به" لم يكن كعب لينطق بهذه الكلمة وهو على كفره؛ لأن مشكلة هؤلاء القوم هي الاعتراف برسالة محمد ﷺ كما حكى القرآن الكريم عنهم، فتكرار الكلمة هنا يدل على اعتراف كعب برسالته ﷺ وهذا يعني إيمانه بما جاء به ﷺ ويؤكد هذا ورود بعض العبارات في سياق هذه القصيدة، عبارات لا تصدر إلا عن قلب مؤمن بالقضاء والقدر. كقوله مثلًا: فكل ما قدر الرحمن مفعول وقوله: كلُّ ابنِ أنثَى وإنْ طالتْ سلامتهُ يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ المنهج الذي نتعرف من خلاله على عقيدة الشاعر وأثرها في نفسه هو المنهج التاريخي، لكن تعرفنا عليه هنا من خلال منهج فني واضح لديك، خلال استخدامه لألفاظ بعينها، وتكشف هذه الاستخدامات عن عقيدة الشاعر الواضحة. ثم تأمل معي مجيء العفو في البيت الأول بعد الفعل "أوعد"، انظر "والعفو عن رسول الله" الفعل الذي قبلها أوعدني، مجيء العفو في البيت الأول بعد الفعل أوعد التي تستخدم في الشر، هناك فرق بين وعد وأوعد، أوعد تستخدم في الشر، وعد في الخير، مجيء العفو بعد أوعد؛ يدل على مقدار الأمل الذي كان يراود كعب، وهو في طريقه لرسول الله ﷺ . أوعد: يعني: هناك شر كبير ينتظره -إهدار دمه- ولكن رغم كلمة العفو هنا تفصح لك عن مدى الأمل الذي كان يراود الشاعر، وهو يمضي في طريقه إلى رسول الله ﷺ .

стр. 161

هذا جانب نفسي تعرفنا عليه من خلال التأمل في لفظة وردت بطريقة معينة، وفي مكان معين، وتمضي الأبيات متخطية حال المبدع إلى المتلقي، وفي نفس المتلقي أثر العمل الأدبي على المتلقي أو على نفس المتلقي. تضمي الأبيات متخطية حال المبدع إلى المتلقي حين حاول الشاعر استمالة قلب النبي ﷺ ، والتأثير في نفسه؛ ليظفر بما يريد من عفوه ﷺ . نريد أن نكشف عن هذه الاستمالة، وهل تمكن الشاعر من التأثير في نفس النبي ﷺ الذي يمثل المتلقي في هذا الموقف؟ هل تمكن كعب من الوصول إلى قلب النبي ﷺ والتأثير فيه حتى يظفر بما يريده من عفو؟ كيف نكشف عن هذا؟ نكشف عن هذا الآن من خلال منهج فني، عندما نحلل البيتين الثاني والثالث تحليلًا فنيًا دقيقًا نتأكد، أو يتبين لنا أن الشاعر قد نجح فعلا في استمالة قلب النبي ﷺ ، واستطاع أن يؤثر في نفسه بعدما وضح له حقيقة الموقف، وأتى بالحجة الدامغة، كيف ذلك؟ لاحظ أسلوب الدعاء: "هداك الذي أعطاك نافلة القرآن": أسلوب دعاء المقصود منه التأثير في نفس المتلقي، ثم محاولة إثبات براءته بقوله: "ولم أذنب" وهذه حجة يكشف عن حال المدعى عليه. لم أذنب: لم أرتكب ذنبًا أستحق عليه العقاب. تكشف لنا هذه العبارة أيضا عن القلق الذي كان يعتري قلب كعب آنذاك، وهو يقف أمام رسول الله ﷺ ، ولا يملك إلا التوسل، والتذلل. تأمل ذلك الخضوع، ذلك التذلل: "هداك الذي أعطاك نافلة القرآن" دعاء محاولًا أن يرقق قلب النبي ﷺ . ولو تأملت الأسلوب في البيتين الثاني والثالث، وأدركت ما بينهما من فروق؛ لاتضح لك، أو لتكشفت لك نفس الشاعر. فالبيت الثاني فيه تذلل وخضوع "مهلا هداك الذي"، وهذا يناسب الاستمالة. ومن ثم، جاء الإيقاع متسمًا بالهدوء، يوظف الإيقاع أيضا، جاء الإيقاع متسما

стр. 162

بالهدوء والامتداد، وكأني بالشاعر في هذا البيت قد أوشك قلبه أن ينخلع عنه من شدة خوفه، ولكن بعدما أحس بعلامات الرضا في وجه الرسول ﷺ بدأ صوته يعلو شيئًا فشيئًا، وتطمئن نفسه، ويستجمع قواه للدفاع عن نفسه قائلًا: "لا تأخذني بأقوال الوشاة"، تأمل، الإيقاع مختلف تمامًا "مهلا هداك لم أذنب لا تأخذني بأقوال الوشاة" اطمئنان منحه الثقة، فقدم مطلبه مشفوعًا بالحجة القوية. إنه يطلب من الرسول ﷺ ألا يؤاخذه، والدليل على عدم أحقيته للعقاب من وجهة نظره أنه لم يذنب، وأما ما قيل عنه ونسب إليه قوله: فإنما هو من فعل الوشاة، ولا يعدو كونه مجرد أرجايف لا صحة لها. ثم تأمل معي البيت الرابع، ولاحظ أسلوب التوكيد "إن، اللام": "إن الرسول لنور" انظر ما قيمة هذا هذا التأكيد، أو هذا الأسلوب ينفي زعم من زعم أن خوف كعب كان سبب ذهابه كعب لرسول الله ﷺ هذا زعم غير صحيح بدليل: "إن الرسول" ينفي هذا التأكيد زعم من زعم خوف كعب كان سبب ذهابه إلى رسول الله ﷺ ، وإن صح هذا الزعم، فلماذا لم يذهب إليه كعب فور سماعه نبأ إهدار دمه؟ وقد ملأ الخوف قلبه، وأخبره أخوه أنه لن يفلت من العقاب، لماذا لم يبادر كعب بذهابه إلى رسول الله ﷺ حين ذاك؟ نحن لا ننكر وجود الخوف، وكعب صرح بهذا في نفس القصيدة، لكن الإيمان الذي مس شغاف قلبه هو الذي ساقه إلى رسول الله ﷺ ، وانطلق به إليه. والدليل على ذلك: هذا التأكيد "إن الرسول" كلمة "الرسول ونور" يتفق مع ما جاء به الرسول ﷺ ، أرأيت كيف يمكننا استكشاف عوالم النفس، وما يموج فيها من مشاعر وأحاسيس من خلال المنهج الفني الذي ينهض بتحليل العمل الأدبي تحليلًا فنيًّا. اقرأ معي هذا البيت:

стр. 163

إن الرّسولَ لنور يستضاءُ بهِ ... مهندٌ من سيوفِ الله مسلولُ وتأمله جيدا تأمل القيد "يستضاء به" الذي أتى به الشاعر في سياق وصفه لرسول الله ﷺ بالنور، تجد هذا الوصف يكشف عن طبيعة البيئة التي بعث الله فيها رسول الله ﷺ ، يستضاء به الفعل يكشف عن البيئة التي بعث فيها ﷺ ، كما يكشف الدور الذي قام به ﷺ في هذه البيئة، فالإضاءة تسبقها ظلمة، وتلك كانت حال البيئة الجاهلية قبل أن يبعث رسول الله ﷺ كما صورها القرآن الكريم، حيث يقول عن رسوله ﷺ : ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: ١٦) السر في استخدام الفعل المضارع يستضاء؛ للدلالة على عالمية الرسالة الإسلامية واستمرارها، وأن الغاية منها إنقاذ البشرية من التردي في تلك الظلمات. الشطر الثاني من هذا البيت نجد فيه عدة صفات لشخصية الرسول ﷺ ، ولولا الترتيب الفني للعبارة ما كان لنا أن نفمهما إطلاقا، فقد شبه الرسول ﷺ بالسيف في قوله مهند، وهذا يفيد إثبات القوة لرسول الله ﷺ ، ولكن القوة إذا أطلقت لم تكن مأمونة العواقب، وكان كعب ذكيًّا جدًّا عندما قال: من سيوف الله، فأضاف السيف إلى الله على سبيل التشريف والتأييد أولا، ثم يبين أن تلك القوة كان موجهة لنصرة دين الله ، وإظهار دينه، ولم تستخدم فيما حرم الله. وكلمة "مسلول" تكشف عن شجاعة النبي ﷺ ، وأنه كان على أهبة الاستعداد لنصرة دين الله في أي لحظة، وأنه ﷺ قضى حياته في جهاد مستمر لم ينقطع شاهرًا سيفه مستعدًا.

стр. 164

هكذا يمكننا معرفة الجانب النفسي للأديب والمتلقي، وتتكشف لنا البيئة وأحوال المجتمع، ونحدد مواطن الجمال الفني من خلال تحليل النص تحليلًا فنيا، وهذا هو المنهج المتكامل. نبدأ بالتعامل الفني مع العنصر، نتعامل مع اللفظة، نتعامل مع الصورة، نتعامل مع أي عنصر من العناصر الفنية الموجودة في النص، ثم نصل من خلاله إلى شيء يتعلق بالمبدع، أو المتلقي، أو البيئة أو جانب من الجوانب الخارجة عن هذا الإطار الفني. هذا هو النموذج الأول سأعرض عليك نموذجا آخر لشاعر من شعراء العصر الحديث، وهو الشاعر أحمد شوقي، والأبيات من قصيدته السينية المشهورة التي قالها وهو في منفاه بالأندلس، وعارض بها سينية البحتري التي وصف فيها إيوان كسرى، يقول شوقي في قصيدته: اِختِلافُ النَهارِ وَاللَيلِ يُنسي ... اُذكُرا لِيَ الصِبا وَأَيّامَ أُنسي وَصِفا لي مُلاوَةً مِن شَبابٍ ... صُوِّرَت مِن تَصَوُّراتٍ وَمَسِّ عصفتْ كالصَّبا اللعوبِ ومرّت ... سِنة حُلوة ولذَّة ُ خَلْس وسلا مصرَ: هل سلا القلبُ عنها ... أَو أَسا جُرحَه الزمان المؤسّي؟ كلما مرّت الليالي عليه ... رقَّ والعهدُ في الليالي تقسِّي مُستَطارٌ إذا البواخِرُ رنَّتْ ... أَولَ الليلِ، أَو عَوَتْ بعد جَرْس هذه الأبيات جزء من قصيدة جميلة طويلة، قالها شوقي في منفاه في الأندلس، يعارض بها قصيدة البحتري -كما قلت- التي مطلعها: صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي، وَتَرَفّعتُ عن جَدا كلّ جِبْسِ فإذا أردنا أن نبحث هذا النص، ونصل من خلال بحثنا إلى حكم صحيح بالنسبة للنص والأديب والعصر، فما علينا إلى أن نلجأ إلى منهج متكامل، ولكن كيف نصل إلى المنهج المتكامل؟ من خلال منهج فني. نبدأ بتأمل الصياغة، ونقف أمام

стр. 165

الألفاظ، ونغوص في أعماق التراكيب، ونستخرج منها ما تحمله من دلالات مختلفة، وسنصل من خلال ذلك كله إلى طبيعة البيئة التي عاشها، ونتعرف على الحالة الشعورية التي شكلت نفس شوقي، ومدى تمكن الشاعرية من نفسه. فإذا نظرنا نظرة فاحصة في النص يمكننا الوصول إلى أعماق نفس الشاعر، وذاك غاية المنهج النفسي، نتأمل مثلًا قوله: "اذكرا لي، صفا لي، سنة حلوة، أسى جرحه، مسطتار، رق" هذه الألفاظ وغيرها تكشف لنا عن نفس منقسمة على نفسها حزينة؛ لبعدها عن وطنها، مضطربة بسبب هذا البعد، ولو أردت فهمًا أكثر لهذه النفس لأمكنك ذلك من خلال البيت الأول فحسب، لو تأملت حروف المد الكثيرة فيه، وهي تحتاج إلى نفس أطول من غيرها؛ لأن هذا يناسب أو يتفق، أو ينسجم مع حال الشاعر، نفس قد امتلأت بالأحاسيس والمشاعر، نفس قد أصيبت بالحزن والألم، تحتاج إلى إيقاع هادئ ممتد طويل؛ لكي يحمل كل هذه الأحاسيس والمشاعر، ولو أننا نظرنا نظرة سريعة، ووزانا فيها بين بيتين، بين مطلع القصيدتين، مطلع شوقي، ومطلع البحتري؛ لتأكد لنا ذلك جيدًا. الإيقاع عنصر فني موجود، لكن من خلال تعاملنا مع الإيقاع نتعرف على نفسية الشاعرين، يعني: نصل إلى ما يمكن أن يوصلنا إليه المنهج النفسي. تأمل الإيقاع عند شوقي: اِختِلافُ النَهارِ وَاللَيلِ يُنسي ... اُذكُرا لِيَ الصِبا وَأَيّامَ أُنسي تأمل حروف المد، الإيقاع ممتد طويل؛ مما يؤكد أن نفسية شوقي نفسية مكلومة حزينة ممتلئة مشاعر حزينة، يحتاج إلى بحر، وإيقاع طويل يكفي لاستيعاب هذه المشاعر والأحاسيس، لكن تأمل بيت البحتري: صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي، وَتَرَفّعتُ عن جَدا كلّ جِبْسِ تلاحظ سرعة في الإيقاع، وهذا يدل على ما كان يعتريه من خوفًا، وهو في طريقه إلى إيوان كسرى هاربا بعد مقتل المتوكل الخليفة العباسي.

стр. 166

أما الإيقاع في بيت شوقي: شوقي رجل يجلس في قصره في الأندلس، يصل إليه راتبه في بداية كل شهر، كل ما عنده حزن، حنين، شوق، ألم فقط، لكن لم يكن يشعر بالاضطراب الذي ألم بالبحتري. هذا من خلال الإيقاع. التعرف على البيئة من خصائص المنهج التاريخي، لكن يمكننا أن نصل إليها من خلال منهج فني. نقف أمام كلمة واحدة كلمة "اختلاف"، أول كلمة في قصيدة شوقي "اختلاف النهار"، هذه اللفظة في الحقيقة تصور طبيعة البيئة المصرية آنذاك، وما ألم بها من تنازع في الأهواء، وتصارع في الآراء؛ أدى إلى اختلافهم، وكذا قوله: "مستطار إذا البواخر رنت" فإنه ينقلنا إلى البيئة الأندلسية، شوقي هنا يحدد المكان الذي حل به، كما ينقل لنا صورة البواخر، ومنظر السفن، وهي رابضة في الميناء، وأصوات الضجيج التي تطلقها، وغير ذلك من حركة مضطربة ينقلنا شوقي عندما يأتي بهذه الألفاظ، ينقلنا إلى البيئة الأندلسية تارة، وإلى البيئة المصرية تارة أخرى عندما نطق بكلمة اختلاف. وهكذا اتضحت لنا نفس الشاعر، وبيئته، ومواطن الجمال في النص، وكل ذلك لا يتم إلا من خلال منهج فني. ملاحظات لمن يريد استخدام المنهج المتكامل، وبيان قيمته ينبغي للباحث الأدبي إذا استخدم المنهج التكاملي أو المتكامل أن يستخدمه استخدامًا واعيًا، بحيث نلمسه في كل خطوة من خطواته، هذه ملاحظات مهمة أردت أن أنبه عليها الباحث الذي يود استخدام المنهج التكاملي ينبغي أن يستخدمه استخداما واعيا بحيث نلمسه في كل خطوة من خطوات بحثه، فلا يوزع المناهج على أبواب بحثه أو فصوله، بحيث نرى المنهج النفسي في فصل، والتاريخي في فصل، والجمالي في فصل ثم يسمي هذا منهجا متكاملا،

стр. 167

لا أنا قلت في البداية المنهج المتكامل: هو منهج تجتمع، تتداخل، تمتزج فيه مجموعة من المناهج، لكن الذي يستخدم منهجا في فصل، ثم منهجا آخر في فصل ثم منهجت ثالثا في فصل، هذه مناهج متجاورة المنهج المتكامل تتداخل فيه المناهج، وتمتزج. فإذا استخدم المنهج المتكامل بطريقة صحيحة، فإننا نراه في حديثه عن البيئة، وعن الأغراض، وعن الخصائص الفنية، كما نراه في كل قضية من قضايا البحث، ففي حديثه عن البيئة مثلًا: قد يقول باحث كيف أستخدم منهجًا فنيًّا في الحديث عن البيئة؟ بإمكاننا ذلك جيدا في حديث الباحث عن البيئة مثلًا يتحدث عنها من الناحية التاريخية، هذا منهج تاريخي، ثم يوضح الارتباط النفسي بينها وبين الشاعر، ويكشف عن انعكاسات البيئة على فنه مستدلا بنماذج، هذا منهج نفسي وفني في نفس الوقت. وعند الحديث عن الخصائص يكشف لنا عنها من الناحية الفنية أولا، ثم يوضح مدى دلالتها على نفس صاحبها، أو مبدعها، وعلى البيئة كما صنعنا في تحليل النموذجين السابقين. وهكذا ينبغي أن يكون البحث، لابد أن يتحول عقل الباحث إلى ما يشبه المرآة تعكس أضواء تلك المناهج، كما تعكس فكرة الفردية، والأصالة، والمدرسة الفنية، وأفكار البيئة، والعصر، ورواسب اللاشعور الفردي والجماعي، وعناصر الجمال الفني في التعبير وموسيقاه، كما تعكس انطباعات الباحث الممتعة، وصلة الأديب بالتراث الفني. وللمنهج المتكامل قيمة عظيمة، ينبغي أن نشير إليها في نهاية حديثنا، فالمنهج المتكامل له قيمة عظيمة، وفائدة كبيرة في مجال البحث الأدبي، تبدو قيمته في أنه

стр. 168

يتناول العمل الأدبي من جميع زواياه، ويتناول صاحبه كذلك، يعني: يكشف لنا عن المبدع وعن الإبداع، بجانب تناوله للبيئة والتاريخ، وفي نفس الوقت لا يغفل القيم الفنية الخالصة، ولا يهملها في غمار البحوث التاريخية، أو الدراسات النفسية. وهذه ميزة لا تحقق في أي من المناهج، كما يجعلنا نعيش في جو الأديب والأدب الخاصين، دون أن ننسى مع هذا أنه أحد مظاهر النشاط النفسي، وأحد مظاهر المجتمع التاريخية. المنهج المتكامل أيضا يجنب الباحث الوقوع في المآخذ التي تؤخذ على المناهج الأخرى، وقد أشرنا إليها، فهو لا يقيد الباحث أو الأديب ببيئة معينة، أو عصر معين، ولا يتجاهل المواهب الفردية الفذة والعبقريات الذاتية، كما أنه لا يهمل النص -كما رأيت- وإنما يصل إلى تلك النتائج من خلال النص ذاته. ومما يؤكد قيمة هذا المنهج، وأنه أصح المناهج في مجال البحث الأدبي: أن جميع كتب التراث التي شهد بقيمتها العلماء على مر العصور جاءت على هدي هذا المنهج، واحتلت مكانة خالدة، ولازلنا نتعلم منها إلى الآن. وقد ظهر هذا المنهج في طائفة كثيرة من الدراسات الحديثة -هو منهج مستخدم وعلى نطاق واسع دراسات حديثة كثيرة- رأيناها تقوم على منهج متكامل، بدأت بمناهج فردية سابقة، لكنها لا ترفض الإفادة من غيره من المناهج التي تتكامل بها جوانبها المختلفة، فمثلًا: كتاب (العصر الجاهلي) للدكتور شوقي ضيف، قام هذا الكتاب في أساسه على منهج تاريخي، لكنه استضاء بدارسات النفسيين والاجتماعيين. مثلًا: كتاب (مع المتنبي) للدكتور طه حسين، نرى المنهج

стр. 169

التاريخي هو المحور الأساسي الذي تدور حوله الدراسة، لكننا نراه قد أفاد من المنهج الجمالي، والمنهج النفسي. كتاب مثلًا: (الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي) للدكتور يوسف خليف، الذي قام على المنهج النفسي والجمالي بجانب المنهج الاجتماعي. وهكذا، توجد عندنا كثير من الدراسات التي قامت على أساس هذا المنهج، كما عند سيد قطب، زكي مبارك، العقاد، محمد مندور. ونرى هذا المنهج المتكامل في كثير من الدراسات الأسلوبية الحديثة التي اتجه فيها أصحابها اتجاهًا معتدلًا، أما التي يجنح فيها أصحابها نحو الغموض والفلسفة الغربية المعقدة، فإنها لا تندرج تحت هذا الصنف الدراسات المقبولة، ولا يخرج القارئ منها بشيء سوى الجهد الذي بذله، لكن أنا قلت: الدراسات الأسلوبية الحديثة التي اتجه أصحابها اتجاهًا معتدلًا. والسلام عليكم رحمة الله وبركاته.

стр. 170

الدرس: ١١ خطوات البحث الأدبي (١) .

стр. 171

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي عشر (خطوات البحث الأدبي (١)) مادة البحث الأدبي الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه؛ وبعد: فإن أي بحث علمي لا يحقق النتائج المرجوة منه إلا إذا قام على مجموعة من الأسس اصطلح عليها العلماء، والتزم بها الباحث أثناء بحثه. وقبل الحديث عن هذه الخطوات، أو تلك الأسس ينبغي أن نعرف أول ً ابمادة البحث الأدبي، ونكشف عن طبيعته؛ حتى يكون الباحث على دراية تامة بها قبل الانطلاق في بحثه، يعرف حدوده من أي ن يبدأ، وإلى متى سينتهي. مادة البحث الأدبي: هو الأدب بفرعيه: الشعر والنثر. والأدباء أيضًا على اختلاف اتجاهاتهم الفنية، وما يتفرع عن ذلك من قضايا مختلفة. الأدب كظاهرة فنية يختلف عن بقية الظواهر الطبيعية الموجودة في الحياة، فالظواهر الطبيعية يحللها العلم فيذهب ما فيها من خفاء، يتوصل العلم فيها إلى نتائج ثابتة، وتصبح بعد ذلك تلك الظواهر واضحة جلية، أما الأدب فتحوطه هالة من الغموض؛ لأنه يخاطب العواطف، ويصدر عنها. والعواطف بطبيعتها غامضة، لم يستطيع أن يسبر أغوارها محلل أو باحث، وما توصل إليه العلماء في هذا الشأن إنما هو ظواهر مادية للعواطف كالضحك مثلًا، والبكاء، واصفرار الوجه، إلى آخر هذه الظواهر. أما العواطف نفسها فلم يستطع أحد من العلماء أن يتوصل إلى نتائج ثابتة فيها، والأديب حين يتحدث لا يتحدث حديث الشخص العادي، وإنما يتحدث بالصورة واللفظة الموحية، وهو حديث يختلف باختلاف معانيه، والمواقف الداعية له، وطبيعة الأحاسيس لدى المبدع، والتي تنعكس على صفحة الطبيعية

стр. 172

فيراها في صورة غير التي نراها عليها، والأديب ينقل إلينا مشاعر وأفكارًا؛ فيؤثر فينا، ويجعلنا نشعر بالمتعة، ولا يطلب منه أن يؤدي حقائق عقلية أو ذهنية، وإنما يؤدي حالات ومواقف وجدانية. ومن ثم، نجد أن الحقائق تتبدل عنده بتبدل أحواله -أي أحواله الشعورية-، فإذا كان فرحًا هش للطبيعة، وتراءى له كل شيء فيها كأنه يداعبه ويضاحكه، وكل شيء حوله ضاحك، أما إذا كان حزينًا مهمومًا فيبدو كل شيء في الطبيعة من حوله كأنه يغاضبه، وكل عنصر من عناصر الطبيعية حوله عابث متجهم. الحقيقة أن الطبيعة لم تتبدل، وإنما تبدلت مشاعر الشاعر فتبدلت الحقائق في خياله وتصوره، وخرجت ألفاظه وصوره تحمل ذلك التبدل، وتعكس تلك المشاعر. ومن ثم لم يرتبط الأدب بحقيقة ما، ولا بصدق أو كذب، وليس معنى هذا أن الأدب لا يؤدي حقيقة البتة، فقد يؤدي بعض الحقائق، ولكن ليست هذه غايته، وإنما غايته إثارة المشاعر والأحاسيس، وفي ذات الوقت لا ينفصل عن حاجات مجتمعه، وإنما يمتزج به، ويكون جزءا مهمًا منه. والأديب عندما يصنع الأدب لا يصنعه لنفسه، وإنما يصنعه للجماعة التي يعايشها، لو كان الأديب يصنع الأدب لنفسه لاكتفى به، ولم يخرجه للناس؛ لأنه يشعر بما يقول؛ تعبير عن حسه وشعوره، فكان يكفيه أن يعبر عما في نفسه لنفسه، لكنه يخرجه للناس. ومن ثم، كان الأدب ذاتيًّا غيريًّا في نفس الوقت، ذاتي في صدوره عن صاحبه، وتعبيره عن أحاسيسه ومشاعره؛ فهو يعبر عن ذات تحمل كمًّا من المشاعر والأحاسيس، وغيري في تصويره لمشاعر الناس وأحاسيسهم، وكل ما يموج به مجتمعهم من قيم مختلفة. فالمتلقي حين يقرأ العمل

стр. 173

الأدبي إنما يقرأ نفسه وأنفس من حوله، فالقصيدة الواحدة عن الشاعر مثلًا تصبح أكثر من قصيدة عند المتلقين؛ فكل واحد منهم يراها بصورة غير التي يراها عليها غيره من المتلقين. ولذلك؛ يسري بعض الغموض في المعاني الأدبية؛ لأنها تصور المعاني العاطفية، والمعاني العاطفية يلفها الغموض بطبيعتها. ويتأكد لنا ذلك، مما يؤكد أن المعاني العاطفية يلفها الغموض، لا يمكن أن تنكشف لأحد إلا لصاحبها إن استطاع ذلك، يتأكد ذلك عند ترجمة الأعمال الأدبية، ونقلها إلى لغة غير لغتها. فإن المترجم لا يستطيع مهما كان بليغًا في لغته أن يؤدي بلغته ما تؤديه الألفاظ الأصلية للأديب وعباراته؛ لأنها تعبر عن معاني عاطفية غير محصورة، وما لا ينحصر لا يمكن تحديده. ولا تتوقف دلالة الألفاظ والتراكيب في الأعمال الأدبية عند دلالاتها اللغوية فحسب، ولكنها تحمل معانٍ عدة، بيانية، ومجازية، وإيحائية، وغيرها. فقد يضطر الأديب أثناء بحثه عن الأداء الدقيق لمعانيه الشعورية وغيرها -أقصد: المبدع- الفكرة تكون مختمرة في ذهنه، فيبحث لها عن اللفظ الذي يحملها، ويستطيع من خلاله أن ينقل هذا الفكر وذلك الشعور إلى المتلقي. أثناء بحثه عن الأداء الدقيق لمعانيه الشعورية وغيرها يضطر أن يسمي الأسماء بغير أسمائها، ويضع مدلولات جديدة لألفاظه من خلال التأكيد أحيانًا، أو الإيقاع الصوتي أحيانًا أخرى، هذه حقيقة نلحظها عند المبدعين. مهمة الباحث الأدبي: الكشف عن كل ذلك خلال بحثه، وبمقدار ما في العمل الأدبي من غموض يحيط به تكون صعوبة البحث، والسير فيه حتى النهاية. وهذه عملية ليست من السهولة بمكان، وإنما هو بناء متكامل، لا بد له من أسس. ولذلك؛ اصطلح العلماء على مجموعة من الأسس ينبغي للباحث أن يلتزمها

стр. 174

بدقة؛ حتى يصل إلى نتائج دقيقة، وهذه الأسس هي بعبارة عن عدة خطوات نجملها، ثم نعود إليها بالتفصيل: أولًا: اختيار موضوع البحث. ثانيًا: رسم خطة مفصلة للبحث تحدد عناصره، وتوضح أبوابه، وفصوله، ومباحثه التي يتكون منها. ثالثًا: التعرف على المصادر، والمراجع التي يستعين بها الباحث. رابعًا: استقراء تلك المصادر والمراجع؛ لاستنباط المادة العلمية المتصلة ببحثه منها وجمعها وتدوينها. خامسًا: صياغة البحث، أي: إخراجه في صورته الأخيرة. هذه خطوات خمس يلتزمها الباحث بنفس الترتيب الذي ذكرته، لا يقدم خطوة على أخرى، ولا يؤخر خطوة عن مكانها الذي ينبغي أن تكون فيه؛ لأنها مترتبة على بعضها البعض كما سنرى الآن، وسوف نقف عند خطوة من هذه الخطوات وقفة توضيحية. خطوات البحث العلمي: اختيار موضوع البحث الخطوة الأولى من خطوات البحث العلمي هي اختيار موضوع البحث: في الحقيقة يمثل مشكلة من المشكلات التي تواجه المشتغلين بالبحوث العلمية في كل مكان، ليس في مجال الأدب فحسب، لكن في جميع مجالات البحث العلمي؛ لأن طبيعة البحث العلمي تقتضي الجدة والابتكار -كما أشرت إلى ذلك آنفًا، ونحن نتحدث عن مدلول كلمة بحث. البحث العلمي يقتضي

стр. 175

الجدة والابتكار، ولا يقبل التكرار؛ فالباحثون في حاجة من أجل هذا الابتكار وتلك الجدة إلى الإلمام التام بكل ما كتب حول الموضوع الذي سيدرسونه، ورصد آخر ما وصل إليه التطور العلمي في مجال من المجالات البحثية. لا يمكن لباحث جاد يعرف طبيعة البحث العلمي أن يقبل على البحث إلا إذا فعل ذلك، يرصد آخر ما وصل إليه التطور العلمي في مجال بحثه، ويستقرئ جميع الكتابات التي كتبت حول موضوعه، ويبدأ من حيث انتهى الباحثون قبله، يفعل الباحث ذلك؛ لكي يستطيع أن يدرس موضوعه، ولا يأتي تكرارًا لبحث آخر سبقه في مكان ما. فاختيار موضوع البحث من أصعب ما يواجه الباحث، فإذا وفق الباحث في اختيار موضوع تحققت فيه مقاييس الجودة، وناسب ثقافته، ولائم ميوله النفسية فإن ذلك يمثل نصف البحث. ومن ثم، ينبغي للباحث الفطن أن يحسن اختيار موضوعه، ويحدده تحديدًا دقيقًا، ويعرف أبعاد المشكلة التي سيعالجها قبل المضي في بحثه، قبل أن يكتب أو يقرأ سطرًا واحدًا عليه أن يحدد الموضوع تحديدًا دقيقًا، ويعرف أبعاد المشكلة التي يفترضها، والتي ينبغي أن يعالجها قبل المضي في بحثه. وتتوقف جودة الموضوع أو رداءته على فطنة الباحث من ناحية، وعمق ثقافته من ناحية أخرى، فكلما كان الباحث فطنًا ذا ثقافة واسعة ملمًا بالعلوم الأدبية والنقدية، وما يتصل بهما إلمامًا تامًا كان التوفيق حليفه في اختيار موضوع بحثه؛ لأن ثقافة الباحث تمكنه من إدراك جوانب النقص في مجال الدراسات الأدبية والنقدية التي هي مجال بحثه، أما فطنته فتجعله قادرًا على تمييز الموضوع الجيد من غيره. كما ينبغي أيضًا أن تتحقق ملكة الذوق لدى الباحث في الأدب، بمعنى: أن يكون عنده قدر من التذوق الفني، وأن يكون قادرًا على فهم النصوص وتحليلها؛

стр. 176

حتى يستطيع استنباط ما فيها من قيم فنية وجمالية وفكرية مختلفة، وأن يكون ملمًا بالحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية وغيرها؛ حتى يستطيع توجيه النص توجيهًا صحيحًا، وتحديد اتجاه الأديب تحديدًا دقيقًا ولا يجنح إلى التأويل والافتراض القائم على الظن، ولا بد أن يكون الباحث أيضًا ملمًّا بفنون الأدب وقضايا النقد، ومناهج البحث فيهما مدركًا لشتى الاتجاهات والمذاهب الأدبية والنقدية الحديثة؛ لأن ذلك يمكنه من وضع النص وصاحبه في المكان الصحيح. ولا شك في أن ذلك كله وغيره مما ذكرنا يؤثر في اختيار الموضوع، فلو كان هناك باحث لا يملك الاستعداد لتذوق الفن الأدبي فكيف يتعامل مع النص، لا بد أن يتعرض له، كيف يتعامل مع النص وهو ليس عنده قدر من التذوق الفني له؟ كيف يطبق المناهج البحثية التي أشرنا إليها سابقًا من خلال تعامله مع النص وهو لا يستطيع أن يتذوقه؟ كيف يصدر حكمًا على شيء لا يستطيع تذوق ما فيه من قيم جمالية وغيرها؟ هذا بالنسبة للتذوق الذي اشترطناه في الباحث. أما بالنسبة لإمامه بفنون الأدب، أو بالحياة الثقافية أو بالاتجاهات والمذاهب الأدبية في عصر ما، فكيف يتأتى لباحث غير ملم بفنون الأدب بالحياة الثقافية، أو بالاتجاهات والمذاهب الأدبية في عصر ما لمثل هذا الباحث أن يعالج مشكلة في فنون الأدب؟ أو يعالج قضية أدبية لها علاقة بالحياة الثقافية، أو يتحدث عن مذهب أدبي في عصر من العصور، لا يمكنه ذلك بحال من الأحوال. وبالتالي، لا يمكنه اختيار موضوع يتصل بهذه الجوانب. من أجل ذلك، اشترطنا هذه الشروط في الباحث الأدبي. وينبغي للباحث أن يختار موضوعه بنفسه عن طريق الاطلاع الواسع المدقق، والدراسة المتعمقة المتأنية، والوقوف على دراسات السابقين وبحوثهم. فكثيرًا ما يجد الباحث في القراءة ميادين متعددة، قد تكون بعيدة عن اهتماماته لكنها تساعده بطريقة ما في الاستبصار بموضعه الذي سيبحث فيه، ومن خلال القراءة والتقصي يعثر الباحث على مشكلة ما، أو قضية من القضايا، أو ظاهرة

стр. 177

من الظواهر الأدبية التي تثير اهتمامه فيسعى إلى تحديدها وحصرها؛ ليبدأ من حيث انتهى الباحثون الآخرون فيها. كل هذا يأتي عن طريق الاطلاع، والدراسة، والاستقصاء؛ فتحديد نقطة البداية مهم جدًّا، نقطة البداية هذه تسمى: بمرحلة التوثيق العلمي الذي يتم من خلاله الوقوع على الموضوع والاقتناع به، ويتم ذلك من خلال الاطلاع الواسع على كل ما كتب حول موضوع ما؛ إذ ليس من المعقول أن يقدم الباحث على موضوع من الموضوعات، أو قضية من القضايا الأدبية دون التعرف على ما كتب حولها، أو ما توصل إليه الباحثون الذين تناولوها بصورة مباشرة، أو غير مباشرة. هذا لا يمكن على الإطلاق أن يقبل، بل لا بد أن يقرأ الباحث كل ما كتب حول موضوعه، ويتعرف على ما توصل إليه الباحثون. إن التريث والصبر في اختيار موضوع البحث، واعتماد الباحث على نفسه في اختياره يزيد من مدى فهمه لمشكلته، ويسهل عليه المضي في بحثه بشكل جيد، ويمكنه من تحديد أهدافه، ووضع خطته، وصياغة فرضياته، ثم في النهاية التوصل إلى نتائج تتسم بالدقة والمصداقية. وقد ثبت بالتجربة أن الباحث الذي يختار موضوعه بنفسه، ويتعايش معه، وينشأ لون من الألفة بينهما يكون هذا الباحث أسرع إنجازًا، وأصدق حكما من الباحث الذي يأخذ موضوعًا معدًّا أي: جاهزًا يفرض عليه من قبل غيره كأساتذته، أو زملائه، أو أي أحد سواه. ومن صفات الباحث الجيد أيضًا: الاستقلالية في الفكر والرأي، واختيار الباحث موضوعه بنفسه منذ البداية يربي في نفسه تلك الاستقلالية التي نشهدها في الباحثين الجادين. أما إذا اعتمد على غيره فإنه يفقد هذه الصفة المهمة، ويظل عالة على غيره دائمًا، وقد شبه الدكتور شوقي ضيف -يرحمه الله- تلك الفئة

стр. 178

من الباحثين الذين يعتمدون على غيرهم شبههم تشبيهًا له دلالات شبههم بالنباتات التي تتسلق الأشجار الشامخة، فقال: ومن أخطر الأشياء أن يبدأ الباحث حياته عالة على غيره من الباحثين الذين سبقوه؛ فإن ذلك يصبح خاصة من خواص بحوثه، ولا يستطيع فيما بعد أن يتحول باحثًا بالمعنى الدقيق لكلمة باحث، فوجوده دائمًا تابع لوجود غيره كوجود النباتات المتسلقة على الأشجار الشامخة، هذه حقيقة، وهذا واقع، فكم من باحث كان بهذا الشكل رأيناه بعد أن ينتهي من بحثه لكن بعدما ينتهي من بحثه يتوقف، وإن تقدم خطوة واحدة، فإنه يكون أيضًا عالة على غيره فيها، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يبتكر، أو يجدد، أو يأتي بشيء جديد في مجاله. ماذا يفعل الباحث إن عجز عن اختيار موضوعه؟ إن عجز الباحث عن اختيار موضوعه بنفسه، فإن ذلك دليل ضعفه أولًا، وبرهان على كسل فكره، وإشارة إلى أنه يستمرئ الاعتماد على غيره وهذا يضره، ولا يفيده في مستقبل أيامه، فماذا يفعل؟ إنه قرأ واستقصى، وعاد النظر في كتب الأدب التي تتصل بالشمول والعمق، واطلع على دوائر المعارف المختلفة، والمصادر القديمة وغير ذلك من الطرق التي يمكنه من خلاله استنباط مشكلة بحثية، يبحث فيها فعل كل هذا، لكنه لم يصل إلى موضوع ما، إذا عجز عن اختيار الموضوع، ولم يتمكن من ذلك فلا مانع من الاستعانة بغيره كالأساتذة المتخصصين أو غيرهم من الباحثين؛ لأن نظرتهم تكون أكثر إحاطة، وأشد عمقًا، والاستعانة بالغير في اختيار الموضوع لها حدود ينبغي أن نفهما فهمًا جيدًا، ويجب ألا يتجاوزها الباحث، وإلا كانت آثارها سلبية. فينبغي ألا تخرج هذه الاستعانة عن مجرد الإضاءة أو الإرشاد، الأستاذ يضيء لك الطريق، يرشدك، وفي النهاية تكون أنت الذي اخترت موضوعك.

стр. 179

فأحيانًا يأتي أحد الباحثين، ويطلب منا أن نختار له موضوعًا لبحثه، وهذا ما يسمى بالموضوع الجاهز، فهب أن الأستاذ قال له: اكتب مثلًا عن الخوف في شعر المتنبي، وكان ذلك الباحث غير ملم بفن المتنبي وشعره، وحياته، وسماته الشخصية والخلقية. نفرض أن الباحث لم يكن يعلم شيئًا عن ذلك الشعر إطلاقًا، أو لا يقبل بنفس راضية عن الشعر العباسي مثلًا في نفسه شيء من الشعر العباسي، والمتنبي فحل من فحول شعراء العباسيين. هل يمكن أن يتقدم مثل ذلك الباحث في بحثه خطوة واحدة؟ لا يمكن، وإن تقدم فلن يصل إلى نتائج صحيحة. الطريقة المثلى في مثل هذا الموقف لا أرفض أن أساعدهم، ولكن يأتيني الباحث، ويطلب مني مساعدته في اختيار الموضوع، فأسأله إلى أي العصور تميل يا بني، أو في أي عصر تقرأ أنت الآن؟ فيقول مثلًا: أقرأ في الشعر العباسي. فأقول له: هل قرأت المتنبي؟ فيقول: نعم أو لا. فأطلب منه أن يقرأ حياة المتنبي وفنه بتأن، وأقول له: وأنت تقرأ حاول اكتشاف شخصية ملامح ذلك الرجل من خلال فنه الشعري، ثم أطلب منه تسجيل أبرز الصفات النفسية ظهورًا في شعره. أقول له: وأنت تقرأ حاول أن تقع على بعض الملامح النفسية لهذا الشاعر، فإذا كان الباحث نجيبًا فطنًا وقع على الموضوع بنفسه، الموضوع الذي هو ظاهرة الخوف في شعر المتنبي؛ لأنها واضحة، وإن لم يستطيع ذلك نفرض أنه قرأ المتبني، ولم يصل إلى تلك الظاهرة نفرض أرشده إلى أول الخيط فأقول له: يا بني إن المتنبي كان يتصف بالإباء والشجاعة أليس كذلك؟ فيجيب: بلى؛ لأن هذه ظاهرة لا تنكر. فأقول له: ألا ترى في شعره ما يخالف هذه الظاهرة؟ وبذلك أكون قد حصرت دائرة الإطلاع في جانب واحد، وهو جانب الشجاعة ونقيضها فيذهب الباحث مرة أخرى إلى ديوان المتنبي ويعيد القراءة من جديد، يعيد الباحث النظر من جديد هذه قضية

стр. 180

تناقضية جانب الشجاعة ونقيضها، ولا بد أنه سيهتدي للموضوع بنفسه في النهاية، إن أجاد القراءة وأحسن التأمل. أما إن لم يجد القراءة ولم يحسن التأمل فلا ينبغي أن يكون باحثًا. هكذا ينبغي أن يكون دور المرشد، وهذا نموذج لما يمكن أن يحدث، وينبغي للطالب أن يقف عند هذا الحدود، الإرشاد، والتوجيه نحو القراءة حول قضية عامة، وتركه يسجل ملاحظاته، وما يظهر له من موضوعات. لدينا كثير من الطرق التي يمكن أن نوجه الباحث ونفيده من خلالها، وندفعه للقراءة، والتعرف على موضوعه بنفسه. هناك طرق كثيرة جدًا لكن في النهاية لا ينبغي أن يفرض موضوع على الباحث فرضًا، وهذا ما نسميه في مجال البحث العلمي: بالموضوع الجاهز؛ لأن الباحث لا يقبل عليه بنفس راضية، وإن أقبل فإنه لا يعرف حدوده؛ لأنه لم يختر منذ البداية. موضوعات البحث الأدبي ما هي؟ هل البحث الأدبي له موضوعات يصلح فيها وموضوعات أخرى لا؟ لا، إطلاقًا تتنوع موضوعات البحث الأدبي تنوعًا كبيرًا، فقد يكون الموضوع دراسة شخصية أدبية دراسة عامة، وقد يكون الموضوع دراسة جانب من جوانب هذه الشخصية، وقد يكون الموضوع موضوعًا من موضوعات الأدب أو قضية من قضاياه، وقد يكون اتجاهًا نقديا، أو تأريخًا للأدب في فترة زمنية محددة أو إقليم من الأقاليم مثلًا، وقد يكون الموضوع موازنة بين نصين أو شخصيتين أو فنين إلى آخر هذه الموضوعات التي لا حصر لها، وفي النهاية هي كلها مستمدة من أين؟ من الأدب أو الأدباء أنفسهم لا تخرج عن هذين الإطارين.
следующие страницы →