Полный текст (350 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
حتى يستطيع استنباط ما فيها من قيم فنية وجمالية وفكرية مختلفة، وأن يكون ملمًا بالحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية وغيرها؛ حتى يستطيع توجيه النص توجيهًا صحيحًا، وتحديد اتجاه الأديب تحديدًا دقيقًا ولا يجنح إلى التأويل والافتراض القائم على الظن، ولا بد أن يكون الباحث أيضًا ملمًّا بفنون الأدب وقضايا النقد، ومناهج البحث فيهما مدركًا لشتى الاتجاهات والمذاهب الأدبية والنقدية الحديثة؛ لأن ذلك يمكنه من وضع النص وصاحبه في المكان الصحيح. ولا شك في أن ذلك كله وغيره مما ذكرنا يؤثر في اختيار الموضوع، فلو كان هناك باحث لا يملك الاستعداد لتذوق الفن الأدبي فكيف يتعامل مع النص، لا بد أن يتعرض له، كيف يتعامل مع النص وهو ليس عنده قدر من التذوق الفني له؟ كيف يطبق المناهج البحثية التي أشرنا إليها سابقًا من خلال تعامله مع النص وهو لا يستطيع أن يتذوقه؟ كيف يصدر حكمًا على شيء لا يستطيع تذوق ما فيه من قيم جمالية وغيرها؟ هذا بالنسبة للتذوق الذي اشترطناه في الباحث.
أما بالنسبة لإمامه بفنون الأدب، أو بالحياة الثقافية أو بالاتجاهات والمذاهب الأدبية في عصر ما، فكيف يتأتى لباحث غير ملم بفنون الأدب بالحياة الثقافية، أو بالاتجاهات والمذاهب الأدبية في عصر ما لمثل هذا الباحث أن يعالج مشكلة في فنون الأدب؟ أو يعالج قضية أدبية لها علاقة بالحياة الثقافية، أو يتحدث عن مذهب أدبي في عصر من العصور، لا يمكنه ذلك بحال من الأحوال. وبالتالي، لا يمكنه اختيار موضوع يتصل بهذه الجوانب. من أجل ذلك، اشترطنا هذه الشروط في الباحث الأدبي. وينبغي للباحث أن يختار موضوعه بنفسه عن طريق الاطلاع الواسع المدقق، والدراسة المتعمقة المتأنية، والوقوف على دراسات السابقين وبحوثهم. فكثيرًا ما يجد الباحث في القراءة ميادين متعددة، قد تكون بعيدة عن اهتماماته لكنها تساعده بطريقة ما في الاستبصار بموضعه الذي سيبحث فيه، ومن خلال القراءة والتقصي يعثر الباحث على مشكلة ما، أو قضية من القضايا، أو ظاهرة
стр. 177
من الظواهر الأدبية التي تثير اهتمامه فيسعى إلى تحديدها وحصرها؛ ليبدأ من حيث انتهى الباحثون الآخرون فيها.
كل هذا يأتي عن طريق الاطلاع، والدراسة، والاستقصاء؛ فتحديد نقطة البداية مهم جدًّا، نقطة البداية هذه تسمى: بمرحلة التوثيق العلمي الذي يتم من خلاله الوقوع على الموضوع والاقتناع به، ويتم ذلك من خلال الاطلاع الواسع على كل ما كتب حول موضوع ما؛ إذ ليس من المعقول أن يقدم الباحث على موضوع من الموضوعات، أو قضية من القضايا الأدبية دون التعرف على ما كتب حولها، أو ما توصل إليه الباحثون الذين تناولوها بصورة مباشرة، أو غير مباشرة. هذا لا يمكن على الإطلاق أن يقبل، بل لا بد أن يقرأ الباحث كل ما كتب حول موضوعه، ويتعرف على ما توصل إليه الباحثون.
إن التريث والصبر في اختيار موضوع البحث، واعتماد الباحث على نفسه في اختياره يزيد من مدى فهمه لمشكلته، ويسهل عليه المضي في بحثه بشكل جيد، ويمكنه من تحديد أهدافه، ووضع خطته، وصياغة فرضياته، ثم في النهاية التوصل إلى نتائج تتسم بالدقة والمصداقية. وقد ثبت بالتجربة أن الباحث الذي يختار موضوعه بنفسه، ويتعايش معه، وينشأ لون من الألفة بينهما يكون هذا الباحث أسرع إنجازًا، وأصدق حكما من الباحث الذي يأخذ موضوعًا معدًّا أي: جاهزًا يفرض عليه من قبل غيره كأساتذته، أو زملائه، أو أي أحد سواه.
ومن صفات الباحث الجيد أيضًا: الاستقلالية في الفكر والرأي، واختيار الباحث موضوعه بنفسه منذ البداية يربي في نفسه تلك الاستقلالية التي نشهدها في الباحثين الجادين. أما إذا اعتمد على غيره فإنه يفقد هذه الصفة المهمة، ويظل عالة على غيره دائمًا، وقد شبه الدكتور شوقي ضيف -يرحمه الله- تلك الفئة
стр. 178
من الباحثين الذين يعتمدون على غيرهم شبههم تشبيهًا له دلالات شبههم بالنباتات التي تتسلق الأشجار الشامخة، فقال: ومن أخطر الأشياء أن يبدأ الباحث حياته عالة على غيره من الباحثين الذين سبقوه؛ فإن ذلك يصبح خاصة من خواص بحوثه، ولا يستطيع فيما بعد أن يتحول باحثًا بالمعنى الدقيق لكلمة باحث، فوجوده دائمًا تابع لوجود غيره كوجود النباتات المتسلقة على الأشجار الشامخة، هذه حقيقة، وهذا واقع، فكم من باحث كان بهذا الشكل رأيناه بعد أن ينتهي من بحثه لكن بعدما ينتهي من بحثه يتوقف، وإن تقدم خطوة واحدة، فإنه يكون أيضًا عالة على غيره فيها، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يبتكر، أو يجدد، أو يأتي بشيء جديد في مجاله.
ماذا يفعل الباحث إن عجز عن اختيار موضوعه؟ إن عجز الباحث عن اختيار موضوعه بنفسه، فإن ذلك دليل ضعفه أولًا، وبرهان على كسل فكره، وإشارة إلى أنه يستمرئ الاعتماد على غيره وهذا يضره، ولا يفيده في مستقبل أيامه، فماذا يفعل؟ إنه قرأ واستقصى، وعاد النظر في كتب الأدب التي تتصل بالشمول والعمق، واطلع على دوائر المعارف المختلفة، والمصادر القديمة وغير ذلك من الطرق التي يمكنه من خلاله استنباط مشكلة بحثية، يبحث فيها فعل كل هذا، لكنه لم يصل إلى موضوع ما، إذا عجز عن اختيار الموضوع، ولم يتمكن من ذلك فلا مانع من الاستعانة بغيره كالأساتذة المتخصصين أو غيرهم من الباحثين؛ لأن نظرتهم تكون أكثر إحاطة، وأشد عمقًا، والاستعانة بالغير في اختيار الموضوع لها حدود ينبغي أن نفهما فهمًا جيدًا، ويجب ألا يتجاوزها الباحث، وإلا كانت آثارها سلبية. فينبغي ألا تخرج هذه الاستعانة عن مجرد الإضاءة أو الإرشاد، الأستاذ يضيء لك الطريق، يرشدك، وفي النهاية تكون أنت الذي اخترت موضوعك.
стр. 179
فأحيانًا يأتي أحد الباحثين، ويطلب منا أن نختار له موضوعًا لبحثه، وهذا ما يسمى بالموضوع الجاهز، فهب أن الأستاذ قال له: اكتب مثلًا عن الخوف في شعر المتنبي، وكان ذلك الباحث غير ملم بفن المتنبي وشعره، وحياته، وسماته الشخصية والخلقية. نفرض أن الباحث لم يكن يعلم شيئًا عن ذلك الشعر إطلاقًا، أو لا يقبل بنفس راضية عن الشعر العباسي مثلًا في نفسه شيء من الشعر العباسي، والمتنبي فحل من فحول شعراء العباسيين. هل يمكن أن يتقدم مثل ذلك الباحث في بحثه خطوة واحدة؟ لا يمكن، وإن تقدم فلن يصل إلى نتائج صحيحة. الطريقة المثلى في مثل هذا الموقف لا أرفض أن أساعدهم، ولكن يأتيني الباحث، ويطلب مني مساعدته في اختيار الموضوع، فأسأله إلى أي العصور تميل يا بني، أو في أي عصر تقرأ أنت الآن؟ فيقول مثلًا: أقرأ في الشعر العباسي. فأقول له: هل قرأت المتنبي؟ فيقول: نعم أو لا. فأطلب منه أن يقرأ حياة المتنبي وفنه بتأن، وأقول له: وأنت تقرأ حاول اكتشاف شخصية ملامح ذلك الرجل من خلال فنه الشعري، ثم أطلب منه تسجيل أبرز الصفات النفسية ظهورًا في شعره. أقول له: وأنت تقرأ حاول أن تقع على بعض الملامح النفسية لهذا الشاعر، فإذا كان الباحث نجيبًا فطنًا وقع على الموضوع بنفسه، الموضوع الذي هو ظاهرة الخوف في شعر المتنبي؛ لأنها واضحة، وإن لم يستطيع ذلك نفرض أنه قرأ المتبني، ولم يصل إلى تلك الظاهرة نفرض أرشده إلى أول الخيط فأقول له: يا بني إن المتنبي كان يتصف بالإباء والشجاعة أليس كذلك؟ فيجيب: بلى؛ لأن هذه ظاهرة لا تنكر. فأقول له: ألا ترى في شعره ما يخالف هذه الظاهرة؟ وبذلك أكون قد حصرت دائرة الإطلاع في جانب واحد، وهو جانب الشجاعة ونقيضها فيذهب الباحث مرة أخرى إلى ديوان المتنبي ويعيد القراءة من جديد، يعيد الباحث النظر من جديد هذه قضية
стр. 180
تناقضية جانب الشجاعة ونقيضها، ولا بد أنه سيهتدي للموضوع بنفسه في النهاية، إن أجاد القراءة وأحسن التأمل. أما إن لم يجد القراءة ولم يحسن التأمل فلا ينبغي أن يكون باحثًا. هكذا ينبغي أن يكون دور المرشد، وهذا نموذج لما يمكن أن يحدث، وينبغي للطالب أن يقف عند هذا الحدود، الإرشاد، والتوجيه نحو القراءة حول قضية عامة، وتركه يسجل ملاحظاته، وما يظهر له من موضوعات.
لدينا كثير من الطرق التي يمكن أن نوجه الباحث ونفيده من خلالها، وندفعه للقراءة، والتعرف على موضوعه بنفسه. هناك طرق كثيرة جدًا لكن في النهاية لا ينبغي أن يفرض موضوع على الباحث فرضًا، وهذا ما نسميه في مجال البحث العلمي: بالموضوع الجاهز؛ لأن الباحث لا يقبل عليه بنفس راضية، وإن أقبل فإنه لا يعرف حدوده؛ لأنه لم يختر منذ البداية.
موضوعات البحث الأدبي ما هي؟ هل البحث الأدبي له موضوعات يصلح فيها وموضوعات أخرى لا؟ لا، إطلاقًا تتنوع موضوعات البحث الأدبي تنوعًا كبيرًا، فقد يكون الموضوع دراسة شخصية أدبية دراسة عامة، وقد يكون الموضوع دراسة جانب من جوانب هذه الشخصية، وقد يكون الموضوع موضوعًا من موضوعات الأدب أو قضية من قضاياه، وقد يكون اتجاهًا نقديا، أو تأريخًا للأدب في فترة زمنية محددة أو إقليم من الأقاليم مثلًا، وقد يكون الموضوع موازنة بين نصين أو شخصيتين أو فنين إلى آخر هذه الموضوعات التي لا حصر لها، وفي النهاية هي كلها مستمدة من أين؟ من الأدب أو الأدباء أنفسهم لا تخرج عن هذين الإطارين.
стр. 181
هناك أمور أيها الباحث ينبغي أن تراعى عند اختيار موضوع البحث؛ حتى يكون الموضوع صالحًا للبحث، وحتى تتمكن من إنجازه والوصول إلى نتائج دقيقة.
أهم هذه الأمور: أولًا: أن يكون الموضوع في مقدور الباحث واستطاعته، وأن يوافق ميوله واستعداده الفكري والثقافي والمادي والزماني، هذه أمور مهمة قد يظنها بعض الباحثين أنها أشياء ثانوية، لكنها من الأهمية بمكان لا بد أن تراعي الميول النفسية، والاستعداد الفكري، والثقافي والمادي والزمني؛ حتى تستطيع النهوض ببحثك، فلا يصح أن يختار الباحث موضوعًا في النقد الأدبي مثلًا، وهو لا يميل إلى الدراسات النقدية، ولا يجيد التعامل مع النصوص الأدبية. الباحث الذي يتناول قضية نقدية هو ناقد في المقام الأول، فكيف يكون ناقدًا وهو لا يستطيع التعامل مع النص الأدبي، ولا يجيد ذلك، كيف يكون باحثًا نقديا؟ من الممكن أن يختار الباحث موضوعًا في النثر مثلًا وهو لم يقرأ عن النثر الفني ولم يعرف خصائصه ولكن ميوله تميل إلى الشعر أو النقد مثلًا إنه إذا اختار موضوعًا بهذا الشكل فإنه لا ينجز فيه، ولن يتقدم خطوة واحدة، أو يختار موضوعًا في الأدب المقارن مثلًا، وهو لا يجيد إحدى اللغات الأجنبية كيف ينجز بحثه؟ لا أعتقد ذلك على الإطلاق. كما ينبغي أن يراعي الوقت المحدد لإنجاز بحثه، هناك بحوث يقدمها طلاب الإجازة العالية وقتها لا يتجاوز عدة أشهر فلا تصلح لها إلا الموضوعات القصيرة غير المتشعبة، يعني: يكفي أن يكتب الطالب عن قصيدة من القصائد أو عن فن شعري لدى شاعر من الشعراء.
стр. 182
هناك بحوث أخرى يكتبها طلاب الدراسات العليا في المرحلة التمهيدية هم أكثر نضجًا، ولديهم من الوقت فترة زمنية أطول من وقت طلاب الإجازة العالية. فلا مانع من أن نتوسع في الموضوع بعض الشيء مع التعمق أكثر في اختيار الفكرة.
هناك بحوث تقدم لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه، الباحث حينئذ يكون قد اكتمل نضجه، وتكونت لديه ملكات البحث العلمي، وله مطلق الحرية في الكتابة، الوقت أمامه متسع. هكذا يختار من الموضوعات ما يتفق مع الوقت، يختار الموضوع ويحدد أبعاده في إطار هذه الفترة الزمنية الممتدة. نرى أن لكل بحثًا وقت محدد تفرضه طبيعة البحث وظروف الباحث، ولا بد من وضع ذلك في الاعتبار عند اختيار الموضوع، لا بد نحدد الوقت سأنجز بحثي في سنة، سنتين، سنة ونصف، ويختار الموضوع الذي يتناسب مع هذا الوقت. وهناك بحوث تتطلب من الباحث الانتقال من مكان لمكان آخر، ومن بلد إلى بلد آخر كأن يقوم الباحث بدراسة ميدانية مثلًا حول ظاهرة فنية في بيئة معينة، وقد يختار موضوع لا تتوافر مصادره إلا في بلد أجنبي، ولا يمكنه الحصول عليها إلا بالانتقال إلى هذا البلد، هذا يحتاج منه إلى جهد مادي ومعنوي، وأعباء نفسية وثقافية خاصة، قد لا يملكها ذلك الباحث، أو لا تتوفر لديه كل هذه الإمكانات. هل يصلح أن يأخذ بحثًا بهذا الشكل؟ لا، لابد أن يراعي هذا عند اختيار الموضوع؛ حتى لا يتعثر، لا يأتي في منتصف الطريق ويقف، ويكون الوقت قد فلت من بين يديه دون أن يصل إلى نتيجة، أو يتقدم خطوة واحدة.
الأمر الثاني الذي ينبغي مراعاته عند اختيار الموضوع: أن يكون الموضوع مفيدًا نافعًا يستحق ما سيبذل فيه الباحث من جهد، وما يلاقيه في سبيله من تعب ومشقة، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان الموضوع المختار يضيف جديدًا إلى الحياة العلمية، الإفادة والنفع من أين نحتسبها، أو كيف نقيسها؟ لا بد أن يكون أمام الباحث قضية تضيف
стр. 183
هذه القضية جديدا إلى الحياة العلمية والأدبية، ولم يكن قد سبقه أحد إلى دراسته وأن تتحقق فيه الجدة والطرافة، الجدة والطرافة تشمل الابتكار والافتراض الصحيح، الشرح الغامض، إتمام الناقص، اختصار المبسوط دون إخلال بالمعنى، ثم ترتيب المادة العلمية ترتيبًا جيدًا وجديدًا. وعلى الباحث أن يتأكد من ذلك بنفسه فيقوم بمراجعة مكتبات الماجستير والدكتوراه على مستوى الأقسام العلمية المتناظرة، ولا يترك الأمر للإداريين كما يفعل بعض الباحثين، كما ينبغي ألا ينظر إلى التقاء العناوين دون تأمل المادة العلمية داخل البحث. كثير من الباحثين يذهب ويبحث عن عنوان يتفق مع عنوانه، فقد يختلف العنوان، ولكن الموضوع يدرس تحت عنوان آخر أو كجزئية أو كقضية ضمن قضايا عدة، والباحث لم يطلع على صلب الرسالة أو البحث لكنه طابق العناوين على العنوان الذي اختاره، وقال: إنه لم يكتب فيه شيء. هذا من الخطأ الواضح البين الذي إن دل فإنما يدل على كسل الباحث.
الأمر الثالث الذي يجب مراعاته عند اختيار الموضوع: أن يتحرى الباحث الدقة في اختيار موضوعه، وأعني بذلك: تحديد الموضوع تحديدًا دقيقًا في شتى جوانبه فربما راق فن الوصف مثلًا بعض الباحثين في الشعر العربي، وأراد أن يكتب فيه بحثًا، وجعل عنوان بحثه الوصف في الشعر الجاهلي، عنوان جذاب فلا يصح هذا بحال من الأحوال؛ لأن الموضوع بهذا الشكل فيه اتساع وشمول، فالعربي لم يترك شيئًا وقعت عليه عيناه إلا وتناوله بالوصف، وصف الجبال، والوهاد، والحيوان، والنبات، والرعد، والبرق، والسحاب، والمطر، ولكل شاعر طريقة خاصة في هذا الفن فن الوصف، فوصف عنترة في الخيل مثلًا غير وصف أبي دؤاد الإيادي، ووصف زهير للحرب غير وصف النابغة مثلًا، وهكذا فماذا يكتب الباحث في هذا الموضوع، إنه صنع خرقًا لا يمكن رتقه عندما اختار
стр. 184
موضوعًا بهذه الصفة من الشمول والاتساع، ولا بد من التحديد حينئذ كأن يحصر الوصف مثلًا في شيء محدد، فيقول: وصف الليل أو وصف الخيل، أو وصف الرعد والبرق أو يقصره على شاعر واحد، فيقول: فن الوصف في شعر امرئ القيس، أو يتناول فن الوصف من خلال عدة قصائد مشهورة كالمعلقات، يقول: وصف كذا في المعلقات.
والحقيقة، أننا نصادف بحوثًا كثيرة على هذه الشاكلة، ونرى أصحابها كالغرقى في يم غابت شواطئه، وكانت النتيجة أن جاءت تلك البحوث سطحية التناول والدرس، لا عمق فيها، اعتمد فيها صاحبها على مجرد الوصف، ولم يصل إلى نتائج دقيقة، ومثل هذه البحوث لا ترقى إلى مستوى البحث العلمي الجاد بحال من الأحوال. فانتبه لذلك جيدًا، واعلم أن السبب هو اختيار الموضوع غير الدقيق.
وإذا كان الموضوع الذي اختاره الباحث شخصية أدبية موسوعية مشهورة فلا بد من تحديد جانب معين في تلك الشخصية، فعندما يتناول الباحث مثلًا: شخصية كشخصية زهير بن أبي سلمى، أو النابغة الذبياني، أو الجاحظ، أو المتنبي، أو شوقي، أو العقاد مثلًا، لا يصح أن يأتي الموضوع عامًا، فيقول: زهير، أو أدب زهير، أو أدب الجاحظ، أو نثر العقاد؛ لأن كل واحد من هؤلاء قد برع في اتجاه محدد، وأتى بدروب تعبيرية وتصويرية متنوعة في فنه، فإذا أراد أن يكتب الباحث عن هذه الشخصية، أو عن شخصية من هذه الشخصيات، فليحدد وليختر منذ البداية جانبًا أو اتجاهًا بارزًا لدى أي منهم، وينهض بدرسه فيقول مثلًا: الحكمة في شعر زهير، أو الصورة الفنية في شعر النابغة، أو أسلوب الحوار في أدب الجاحظ، كل هذا مقبول؛ إذ أن من شأن الباحث الفطن أن يثير قضايا جديدة
стр. 185
ويصل إلى نتائج حقيقية صادقة، ولا يتأتى له ذلك إلا إذا حصر نفسه وفكره في دائرة ضيقة يتأملها، ويغوص في أعماقها، ويستكشف ما غمض منها.
ولا بد من مراعاة هذا الأمر أيضًا عند دراسة الإقليم بحيث لا يكن متسعًا؛ لأن اتساعه يوقع الباحث في تيه لا حدود له، وقد يكون الموضوع في حد ذاته يتصف بالعموم والاتساع، ولكنه يكتسب التحديد من قلة ورود الظاهرة. انتبه إلى ذلك الموضوع قد يكون موضوع متسعا في ظاهره لكن الظاهرة التي يريد الباحث غرسها في زمان ما أو مكان ما تكون ظاهرة نادرة فالموضوعات اتساع الزمن موجود، والمكان موجود لكن الظاهرة نادرة، نضرب لذلك مثلًا: نرى موضوع مثل الماء في الشعر الجاهلي، أو بكاء الأطلال في الشعر الحديث، هذا موضوع وهذا موضوع نلمح فيها اتساع الماء في الشعر الجاهلي الشعر الجاهلي كله أو الأطلال في الشعر الحديث الشعر الحديث كله؟ نعم، نلمح فيها اتساعًا من حيث الزمان والمكان، ولكن يحد من هذا الاتساع أن الظاهرة نفسها غير منتشرة في جميع البيئات، أو بين الشعراء جميعًا. ومن ثم، يسمح بالكتابة في مثل هذه الموضوعات.
ويعتقد كثير من الباحثين أن اتساع الموضوع يفيده من حيث الحصول على المادة العلمية، كثير من الباحثين يعتقد هذا هذا اعتقاد خاطئ غير صحيح؛ لأن الغرض من البحث ليس مجرد جمع المادة العلمية وعرضها بطريقة ما، وإنما البحث العلمي الجاد يسعى وراء اكتشاف الحقيقة الغائبة، هذا هو عمل الباحث، عمل الباحث ليس جمع المادة، هو يجمع المادة، نعم، لكن يجمعها لا من أجل المادة نفسها، وإنما من أجل الوصول أو اكتشاف الحقيقة الغائبة المفترضة. ولا يتأتى ذلك إلا بالتعمق في الموضوع والإحاطة به من جميع جوانبه، ومعرفة
стр. 186
دقائقه، واتساع الموضوع يتنافى مع كل ذلك، ويحول الباحث إلى مجرد جماع لأراء غيره ليس إلا، وتختفي شخصيته تمامًا. والحقيقة، أنه كلما كان الموضوع ضيقًا محدودًا كلما كانت فرصة الباحث للتعمق في أغوار البحث أكبر، واكتشاف خفاياه أمكن، ونتائجه أصدق وأنفع.
الأمر الرابع الذي ينبغي مراعاته عند اختيار موضوع البحث: التأكد من توفر المادة العلمية المتصلة بموضوع البحث: المادة العلمية المطلوب توافرها قد تكون صلب الباحث، أو الموضوع ذاته كأن يكون موضوع البحث تحقيقًا لمخطوط ما، أو دراسة لديوان من الدواوين، أو لقصيدة معينة، وقد تكون المادة العلمية عبارة عن دراسات دارت حول موضوع البحث، تتمثل هذه الدراسات في المصادر والمراجع المختلفة، وسواء كانت هذا أو ذاك، يعني: سواء كانت المادة العلمية هي صلب البحث، أو كانت هي الدراسات التي دارت حول الموضوع وموجودة في مختلف المصادر، لا بد أن يتأكد الباحث أنها متوفرة وفي إمكانه الحصول عليها، فأحيانًا نجد بعض الباحثين يختاروا ظاهرة محددة في شعر شاعر من الشعراء، ويبني تصوره حول الموضوع على أبيات متناثرة للشاعر في بعض المصادر. قرأ في كتاب (الأغاني) مثلًا بعض الأبيات، أو قرأ في كتاب (العقد الفريد) بعض الأبيات لشاعر من الشعراء، هذه الأبيات ركز المؤلف على ظاهرة فيها فلفتت نظره، وظن الباحث أنها تمثل ظاهرة في شعره، لكن أين شعر ذلك الرجل؟ أو ربما يشير بعض الدارسين إليه، ثم يأتي الباحث ويبدأ يسجل هذا الموضوع، ويبدأ في التحرك والكتابة فيكتشف في النهاية أن شعر الرجل غير مجموع، وليس بإمكانه جمعه من مصادره المختلفة، فماذا يفعل؟ يتوقف بلا شك، لا بد أن يتوقف.
стр. 187
بعض الباحثين يختار مثلًا مخطوطًا من المخطوطات لمؤلف ما قرأ عنه في كتب التراجم، قرأ في كتاب مثلًا (الفهرست)، أو قرأ في كتاب (معجم المؤلفين)، أو إلى آخره أن فلانًا له من المخطوطات كذا وكذا وكذا فيختر هذا موضوعًا ماجستير أو دكتوراه، ويسجله والموضوع جديد نعم، ثم يذهب لإحضار المخطوط فيجد أن المخطوط ناقص أو مفقود، فهل يستطيع المضي في بحثه؟ لا يمكنه بحال من الأحوال. قد يوجد النص، أحيانًا يختار نص، ولكن لا توجد الدراسات التي دارت حوله، أو توجد في أماكن بعيدة ليس في مقدور الباحث الحصول عليها، كل ذلك ينبغي أن يتنبه له الباحث قبل أن يختار موضوعه؛ لأنه يمثل عقبة في طريق البحث العلمي، ولا يتيح للباحث الإحاطة بموضوعه أو معالجته معالجة جيدة، وتأتي نتائجه ناقصة لا محالة. تلك هي أمور ينبغي للباحث أن يراعيها عند اختيار موضوع بحثه، ويجب على الباحث عند اختيار الموضوع وتحديد المشكلة التي يود دراستها أن يسأل نفسه عدة أسئلة تتعلق بالموضوع والمشكلة، ويحاول الإجابة عنها هذه الأسئلة تعد معايير أو قواعد أو مقاييس أساسية للموضوع الجيد لو استطاع أن يجيب عليها. هذه المجموعة من الأسئلة التي سنعرضها الآن لو أجاب عنها الباحث قبل أن يقدم على بحثه؛ فإنها تعد بمثابة المعايير أو المقاييس.
١ - لماذا اخترت هذا الموضوع؟
٢ - هل هذا الموضوع يثير اهتمامي وما مدى رغبتي الشخصية لمعالجته؟
٣ - ما مكانة هذا الموضوع بالنسبة للدراسات الأدبية والنقدية، وما الفائدة من دراسته؟
٤ - ما الوقت الذي سأستغرقه في دراسة هذا الموضوع، وما الأهداف التي أسعها إليها من وراء درسه؟
٥ - هل موضوع البحث يناسب تخصصي، وهل سيؤدي هذا الموضوع إلى تطوير معلوماتي الثقافية في مجال تخصصي؟
стр. 188
٦ - هل هذا الموضوع في مستوى قدراتي الثقافية، والفكرية، والمادية، واللغوية وغيرها؟
٧ - ما الصعوبات، أو المعوقات التي من الممكن أن تواجهني أثناء دراسة هذا الموضوع؟
أما بالنسبة لمشكلة البحث المفترضة: فمن الممكن أن يطرح الأسئلة التالية على نفسه، ويحاول الإجابة عنها: هل المشكلة التي افترضها ملحة وتستحق الدراسة؟ حاول أن تجيب على هذه الأسئلة. هل المشكلة التي افترضتها ملحة وتستحق الدراسة؟ هل يوجد باحث آخر قام بدراسة هذه المشكلة؟ هل هذه المشكلة محددة؟ هل المشكلة جديدة وتتصف بالأصالة؟ هل تتوافر المعلومات، والمصادر الأولية والثانوية اللازمة لدراسة هذه المشكلة؟
حاول أيها الباحث أن تجيب على هذه الأسئلة، فإن وفقت في إجابتك فقد وفقت في اختيار موضوعك، وحينئذ أقدر على الباحث بخطى واثقة وفكر واعي، هكذا يكون اختيار الموضوع، وتلك هي شروطه. بقي شيء لا بد أن أنبه عليه يتصل بموضوع البحث وهو: اختيار العنوان: اختيار العنوان لا يقل أهمية عن اختيار الموضوع؛ فهو المرآة التي ينظر القارئ إلى البحث من خلالها أي خلل في تلك المرآة يؤدي إلى اضطراب الصورة، وعدم وضوحها. ولذلك؛ يجب على الباحث أن يعير العنوان اهتمامه، وعادة يبدأ الباحث بفكرة عامة تشكل موضوع البحث عندما يشعر بوجود قضية أو مشكلة تستحق البحث والدراسة والاكتشاف يبدأ في تجميع خيوط تلك القضية؛ حتى تتبلور الفكرة في ذهنه، وتتضح أبعادها، ويضع يده على المشكلة بعد الانتهاء من ذلك كله؛ ليأتي دور اختيار العنوان الصالح لتلك القضية، والدال على كيفية المعالجة. لعلك لاحظت إذا الفرق بين الموضوع والعنوان، كثير
стр. 189
من الباحثين يخلط بين موضوع البحث وعنوانه، ويظن أن العنوان هو الموضوع. موضوع البحث: هو الفكرة أو القضية التي يود الباحث درسها. أما العنوان: فهو الدال على تلك الفكرة أو القضية، لما كان اختيار العنوان من الأهمية بمكان يجب أن يراعى عند اختياره ما يلي:
أولًا: أن يكون العنوان واضحًا في صياغته ودلالته بحيث يسمح للقارئ تصور ما بداخل البحث من أفكار وعناصر، ووضوح العنوان مرتبط بوضوح الفكرة في ذهن الباحث؛ فكلما كانت الفكرة واضحة كلما كان العنوان واضحًا.
ثانيًا: ينبغي أن يكون العنوان دقيقًا، تختار كلماته بدقة بحيث تشير كل كلمة فيه إلى جزء من المشكلة، أو طريقة من طرق المعالجة.
ثالثًا: ينبغي أن يكون العنوان موجزًا إيجازًا غير مخل، وأن يكون مثيرًا وجذابًا بحيث يجذب القارئ إلى الإقبال على الباحث، والبحث، والإفادة منهما. ويمكن أن يصاغ عنوان الباحث في هيئة فرض عام، أو سؤال يحتاج إلى إجابة محددة. المهم، أن يكون بطريقة تسمح للقارئ فهم دلالته على محتواه. وفي نهاية الحديث عن كيفية اختيار الموضوع أود الإشارة إلى أن موضوعات البحث الأدبي تتنوع تنوعًا كبيرا كما أشرت؛ لأن المادة الأدبية ثرية ومتجددة دائمًا سواء كانت شخصية، أو أدبية، أو قضية من القضايا. كما أود أن أوجه نصيحة إلى كل باحث عند اختيار موضوع بحثه، وأقول له: عليك أيها الباحث أن توازن بين جهدك الذي ستبذله في دراسة الموضوع، وبين الفوائد التي تتراءى لك من وراء تلك الدراسة، فليس كل موضوع يستحق ما يبذل فيه من جهد، فإن كان الموضوع حيًّا يمكن أن تتوصل من خلاله إلى نتائج ينتفع بها فأقبل على بحثك مستعذبًا كل ما تلقاه فيه من مشقة وعناء، وإلا فاصرف نفسك عنه، واستثمر جهدك فيما يفيد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 190
الدرس: ١٢ خطوات البحث الأدبي (٢) .
стр. 191
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(خطوات البحث الأدبي (٢))
رسم الخطة
الحمد لله، الذي خلق الإنسان وعلمه البيان والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه؛ وبعد:
فقد بدأنا الحديث عن خطوات البحث الأدبي تكلمنا فيه عن مادة البحث الأدبي ثم الخطوة الأولى وهي التي تتمثل في اختيار موضوع البحث.
الخطوة الثانية من خطوات البحث الأدبي: الخطة.
رسم الخطة: هو الخطوة الثانية من خطوات البحث الأدبي بعد اختيار الموضوع، نفس الترتيب كما أشرت سابقًا. فبعد أن يستقر الباحث على موضوع بحثه الذي توفرت فيه الشروط التي أشرنا إليها، يأتي دور التخطيط والتنظيم، ووضع الملامح الرئيسة التي سيسير عليها في بحثه. الخطة شرط أساسي في كل عمل منهجي علمي منظم يراد له النجاح، والبحث الأدبي يشبه البناء التام المتماسك المتناسق الأجزاء، فكل لبنة لها مكانها، وكل خط له دلالته، ويتم هذا وفق تخطيط متقن، وكذا كل معلومة جمعها الباحث، أو رأي اهتدى إليه له مكانه الذي لا يصلح إلا فيه داخل البحث. فالبحث الأدبي ليس مجرد حشو للمعلومات المنقولة، أو الآراء المطروحة دون نظام أو ترتيب، لكنه ضرب من تنظيم المعلومات، والربط بينها بطريقة منهجية صحيحة، ثم التوصل إلى مجموعة من الحقائق، وكل ذلك يأتي بعد تخطيط محكم دقيق، هو ما نسميه برسم الخطة. وخطة البحث تشبه اللوحة الهندسية التي يصممها المهندس عند إنشاء مبنى من المباني، غير أن المهندس حين يصمم تلك اللوحة يتعامل مع مواد جامدة يستطيع أن يتحكم فيها، ويخرجها بمواصفات يعرفها، بل يحددها مسبقًا. أما في البحث العلمي: فإن الباحث يضع خطته، ولا يملك أي يقرر، أو يحكم، أو يعطي حتى مجرد صورة عما سيحدث، وإنما يترك ذلك كله لما ينتهي إليه الباحث من نتائج.
стр. 192
وإذا أردنا أن نضع مفهومًا لخطة البحث فيمكن أن نقول: هي تنسيق البحث، ووضع الخطوط الرئيسة التي سيسير عليها الباحث في دراسته للموضوع الذي اختاره، من خلال تقسيم البحث إلى مجموعة من الأبواب والفصول، تخضع لطبيعة الموضوع، وتشكل الإطار العام له.
والخطة قد تكون موجزة، وقد تكون مفصلة، والخطة المفصلة في مجال البحوث العلمية أفضل؛ لأنها تلم بالموضوع إلمامًا واسعًا، ويتعرف القارئ من خلالها على الموضوع ومصادره وقضاياه ومشكلاته، فهي أقرب إلى البحث نفسه، بل هي بمثابة مشروع البحث.
ويتوقف رسم الخطة على صلة الباحث بموضوعه، ومدى إلمامه بشتى جوانبه، فكلما أحاط الباحث بموضوعه إحاطة شاملة، كلما وضحت الخطوط الرئيسة أمامه، وانكشف الطريق له. كما تختلف الخطة أيضًا باختلاف الباحثين، ومناهجهم التي يسلكونها أثناء بحوثهم، وتختلف أيضًا باختلاف الموضوع الذي اختاره الباحث، والمادة العلمية التي تشكله، والمدة الزمنية المحددة لإتمامه. ومن ثم، لا يمكن وضع ضوابط ثابتة أو قوانين محددة للخطة بحيث يلتزم بها كل باحث، فكل موضوع له ظروفه، وله ملابساته التي تشكل خطته. نعم، ثقافة الباحث، طبيعة الموضوع، طبيعة المادة العلمية، الفترة الزمنية نفسها تتحكم في رسم الخطة. ورغم أن لكل موضوع خطته التي تناسبه، ولكل باحث شخصيته وفكرته ورؤيته، إلا أنه يمكن أن نقول إن هناك إطارًا عامًا يوجد في كل خطة يتكون هذا الإطار العام من أولًا: المقدمة، وفيها يحدد الباحث أهمية البحث، ويشير في المقدمة أيضًا إلى ما يضيفه هذا البحث من جديد في مجال الدراسات الأدبية، ثم يذكر في
стр. 193
المقدمة أيضًا الأسباب التي دفعته لدراسة هذا الموضوع، ويحدد المشكلة المفترضة، والمقترح علاجها خلال هذا البحث، كما يشير في المقدمة أيضًا إلى المنهج الذي سيسلكه في بحثه، ودراسة مشكلته. وفي المقدمة أيضًا يعرض للدراسات الأدبية التي سبقته، وأشارت إلى الموضوع الذي يبحث فيه.
وتتسم المقدمة عمومًا بالإيجاز، والتركيز، وبراعة الاستهلال. وكانت المقدمة تسمى في المؤلفات القديمة بخطبة الكتاب، وموجودة إلى الآن في الكتب المحققة. وقد يضاف تمهيد بعد المقدمة ويسمى: المدخل أحيانًا، ويسميه بعض الباحثين تمهيد أو توطئة، هذا كله جائز. وإذا كانت هناك مقدمة، ثم تليها توطئة، أو يليها مدخل أو تمهيد، يتحدث الباحث في هذه التوطئة أو ذلك المدخل عن العصر، وصلته بموضوع البحث. وفي حال الذكر التمهيدي أيضًا بعد المقدمة يجعل الدراسات التي لها صلة بموضوع بحثه، والتي سبقته ينقلها إلى التمهيد، ويدرسها دراسة مفصلة؛ ليقف على كل ما انتهت إليه تلك الدراسات، ويبدأ من حيث انتهت، هذا أولًا: المقدمة تليها التوطئة، أو التمهيد، أو المدخل.
ثانيًا: النقطة الثانية أو الجزء الثاني الذي يمثل إطارًا من أطر الخطة: صلب البحث، وأعني به: الأجزاء الأساسية التي تشكل البحث من أبواب أو فصول، وإذا اتسعت الفصول قسمت إلى مباحث، يتم تقسيم الموضوع وتجزئته؛ لكي يمكن توزيع المادة العلمية والأفكار المنبثقة عنها على هذه الأقسام، أو الأجزاء، ثم يتألف من مجموعها في النهاية كيان كامل حي يشد بعضه بعضًا. نعم، تقسيم البحث إلى فصول وأبواب، أو مباحث، أو خلاف ذلك متوقف على المادة العلمية، وطبيعة الموضوع. وهذا جيد في مجال البحوث نجزئ الموضوع أو القضية أو الفكرة؛ لكي نتمكن من بحث كل جزئية بحثًا دقيقًا عميقًا، ثم في الآخر يتألف من مجموع هذه الجزئيات كيان كامل حي هو البحث،
стр. 194
وكل هذا يؤدي في النهاية إلى نتيجة صحيحة تتسم بالموضوعية، والمصداقية. فالتجزئة لا تعني التقطيع، وإنما تعني: لم ما تبعثر وتباعد، وتحويله إلى وحدة واحدة. إننا نجزئ العمل من أجل تسهيل الدراسة، ولكن لا نجعل التجزئة غاية؛ هي أجزاء ضمن وحدة واحدة كما سبق، وتختلف الأبواب والفصول -كما قلت-؛ تبعًا لاختلاف موضوع البحث، والمادة العلمية المطروحة للدراسة، والظروف المحيطة بها. إذا كان طول المادة العلمية التي جمعها محدودًا اكتفى الباحث بتقسيم البحث إلى فصول، فيقول: الفصل الأول، الفصل الثاني، الفصل الثالث، وهكذا يعرض كل قضية في فصل، إن كانت هناك قضايا. فإذا تضاعف عدد الصفحات، وكان بالإمكان تقسيم الوحدة الكبيرة داخل البحث إلى وحدتين أو أكثر، وكانت الوحدات المتوسطة يمكن تقسيمها إلى وحدات أصغر، ففي هذه الحالة يتم تقسيم البحث إلى أبواب، يقول: الباب الأول، الباب الثاني، الباب الثالث، ثم يقسم كل باب إلى فصول، يقول: الفصل الأول من الباب الأول، الفصل الثاني من الباب الأول، الفصل الثالث من الباب الأول، ثم الفصل الأول من الباب الثاني، ثم الفصل الثاني من الباب الثاني، وهكذا. ومن الممكن أن يأتي كل هذا في جزء واحد، يعني: ممكن أن يأتي البحث في جزء واحد يقسم إلى باب، إلى بابين، ثلاثة أبواب، وكل باب فصلين، أو فصل على حسب ما تفرضه المادة العلمية.
فمن الممكن أن يقسم أو يأتي كل هذا في جزء واحد إذا طالت الأبواب والفصول، وكانت المادة العلمية من الاتساع بمكان، فمن الممكن أن يقسم الباحث بحثه إلى أجزاء، ويسمي كل جزء، يقول: الجزء الأول، الجزء
стр. 195
الثاني، وهكذا. ويطلق على الجزء مجلد. ويحمل الباب عادة عنوانًا كليًّا شاملًا، إذا قسم البحث إلى أبواب؛ يمثل قضية عامة تندرج تحتها عدة عنواين كل عنوان يمثل قضية جزئية، وليس هناك حد معين للفصول أو الأبواب يلتزم به الباحث، ولكن عند تقسيم البحث إلى فصول أو أبواب نراعي التقارب النسبي في الحجم، أي: عدد الصفحات، فإذا بلغ عدد صفحات الفصل الأول مثلًا عشرين صفحة وجب أن تكون بقية الفصول تتراوح ما بين ثماني عشرة أو عشرين أو ثلاث وعشرين صفحة مثلًا، يعني: يكون التفاوت بين صفحة أو ثلاث صفحات وهكذا. وليس من المقبول أن يكون في البحث فصل صفحاته عشر صفحات، وهناك فصل آخر عدد صفحاته أربعون صفحة، أو ثلاثون صفحة. كما يراعى هذا في الأبواب أيضًا، فإذا كان البحث مقسمًا إلى أبواب، وكان الباب الأول مثلًا مائة صفحة، ينبغي أن يتراوح الباب الثاني ما بين التسعين أو المائة أو المائة وعشر، وهكذا في بقية أبواب البحث وفصوله.
ويخطئ من يظن أن المسألة مسألة حجم فقط؛ فإن هذا الحجم يحمل فكرة ويعالج قضية أو وحدة معينة من وحدات البحث، يكبر الحجم ويصغر باتساع هذه الوحدة أو ضيقها، يترتب عليه كبر الحجم أو صغره، فكلما كبر الحجم كان ذلك دليلًا على اتساع القضية أو الوحدة، فإذا لم يتم التناسب بين الأبواب والفصول داخل البحث فإن ذلك يدل على عدم تناسب الأفكار أو القضايا أو الوحدات. هذه حقيقة، وهذا يعني: سوء التخطيط منذ البداية. الباحث وهو يخطط ينظر هذه قضية فيها اتساع، هذه قضية فيها ضيق، هذه قضية تستحق أن تكون باب، هذه قضية تستحق أن تكون مبحث، وهكذا. ينسق ويرتب وينظم، ويحدث لونًا من التناسب بين فصول بحثه، أو أبوابه.
стр. 196
كما ينبغي أن تترابط أبواب البحث وفصوله فيما بينها ترابطًا منطقيًّا سديدًا بحيث يتمم بعضها بعضًا، فتصير كالجسد الحي، ويشبه بعض الباحثين ترابط الأبواب والفصول داخل البحث بترابط الأحداث داخل المسرحية، فيقول: فكما أن المسرحية تنقسم إلى فصول ومشاهد، كذلك البحث الأدبي ينقسم إلى فصول وأجزاء، وكما أنه ينبغي أن تسود في المسرحية وحدة الحدث، كذلك ينبغي أن تسود في البحث الأدبي وحدة العمل بحيث تتسلسل أجزاؤه تسلسلًا دقيقًا، بل يصبح كالمسرحية تعمها وحدة عضوية، تتولد في أثنائها المشاهد.
كما ينبغي عند تقسيم البحث إلى أبواب أو فصول أن يراعى ما يلي:
أولًا: أن تكون عناوين الأبواب والفصول فيها دقة، وأنت تختار العنوان عنوان الباب أو الفصل كن دقيقًا بحيث يفصح العنوان عما بداخل الباب أو الفصل من معلومات، بالإضافة إلى اتصافها بالطرافة والجاذبية.
ثانيًا: الأمر الثاني الذي ينبغي مراعاته تقسيم مشكلات البحث ومعالجة كل مشكلة في باب أو فصل مستقل بحيث ينتهي القارئ من الباب أو الفصل؛ فيكون قد ألم بالمشكلة وعرف حدودها. بحيث يخرج القارئ من قراءة الباب أو الفصل فيكون قد ألم بهذه المشكلة إلمامًا تامًا، وعرف حدودها.
الأمر الثالث الذي ينبغي مراعاته: إذا اتسعت المشكلة أو القضية فيمكن تقسيمها إلى قضايا جزئية، ويعالج الباحث كل واحدة منها في فصل مستقل.
رابعًا: أن يتم ترتيب الأبواب والفصول على أساس منطقي، وفكري منظم، بحيث لو انتهى القارئ من فصل وجد نفسه في حاجة إلى الفصل الذي يليه. وترتيب أبواب البحث وفصوله يدل على مدى فهم الباحث لقضيته، وحسن استخدامه لعناصر بحثه وتوظيف مادته. وفي هذا القسم من البحث أي: في صلب
стр. 197
البحث الذي يقسم فيه الباحث بحثه إلى أبواب أو فصول تتم مناقشة القضايا، وإبراز الحجج والبراهين، وإبداء الرأي. هذا بالنسبة للقسم الثاني من الأقسام التي تشكل الإطار العام لخطة البحث.
القسم الثالث من هذا الإطار: الخاتمة: يشير الباحث في الخاتمة إلى أهم النتائج التي توصل إليها من خلال بحثه، وإلى الجديد الذي أضافه، وفي ضوء تلك النتائج يمكن أن يعرض لبعض توصياته ومقترحاته التي توصل إليها من خلال البحث، وعادة نجد أن البحث الجيد يثير في النهاية عدة تساؤلات أو مشكلات تحتاج إلى علاج. ولا تقاس أهمية البحوث بما تتوصل إليه من نتائج وتفسيرات فحسب، وإنما بما تثيره من مشكلات، وتكشف عنه من قضايا تصلح أن تكون موضوعات لبحوث أخرى. هذه حقيقة، قيمة البحث ليست في التحليل فقط، ولا في التفسير فقط، ولا في النتائج فقط، وإنما قيمة البحث في أن تشعر وأن تقرأه أنه يثير في فكرك عدة مشكلات. يعني: تقرأ بحثًا فتخرج منه بموضوعين أو أكثر من الموضوعات التي يمكن أن تبحث فيها من جديد. هذه هي الجدة وذاك هو الابتكار.
القسم الرابع من الأقسام التي تشكل الإطار العام للخطة: هو الفهارس: وتعد الفهارس ضمن خطة البحث وتنظيمه، وهي لازمة من لوازمه وضرورية بالنسبة للباحث والقارئ معًا، فهي الأداة التي يمكن من خلالها الوصول إلى مكان المعلومة داخل البحث بسهولة ويسر. والفهارس أنواع، هناك فهرس للآيات القرآنية، هناك فهرس للأحاديث النبوية الشريفة، هناك فهرس للقوافي، وفهرس للأمثال، فهرس للأعلام، فهرس للأمم والقبائل، فهرس للبلدان والمواضع، وفهرس لموضوعات البحث وأبوابه التي توجد بداخله، كل هذه أنواع من الفهارس.
تخضع هذه الأنواع من الفهارس لطبيعة البحث، فهناك بحوث لا بد فيها من جميع هذه الفهارس مجتمعة، كالموضوعات التي تتناول المخطوطات العلمية
стр. 198
بالتحقيق والدراسة مثلًا، فلا بد فيها من كل هذه الفهارس، هناك بحوث أخرى يكتفى فيها بفهارس المصادر والمراجع، ثم الموضوعات، ولا يضيرها ذلك طالما أن طبيعتها تتطلب هذا، ويخضع كل نوع من أنواع الفهارس السابقة لطريقة معينة في ترتيب ما يشتمل عليه، كاتباع الهجائية أو الأبجدية العربية مثلًا.
هذه هي أهم الأجزاء أو الأقسام التي تشكل الإطار العام لكل خطة بحث، مقدمة، ثم تمهيد، وبعد ذلك صلب البحث، ثم خاتمة، وفي النهاية الفهارس. هذا إطار يوجد في كل بحث، حتى في العلوم غير الأدبية، كل بحث له مقدمة، ثم هناك تمهيد، ثم هناك صلب بحث، يعني: أبواب وفصول، ثم خاتمة، ثم فهارس.
وفي سياق حديثنا عن الخطة ينبغي أن نفرق بين الخطة والمنهج، فالخطة: -كما رأيت- هي عبارة عن تقسيم البحث إلى أبواب أو فصول، وهي عملية تنظيمية، تشبه الخطوط المنتظمة التي يضعها المهندس على اللوحة لتنفيذها فوق سطح الأرض المعدة للبناء، كما قلت. ويمكن أن نتعرف على خطة أي بحث من خلال النظر في فهرسه، لو أمسكت بأي كتاب أي بحث، ونظرت في فهرسه لأمكنك تحديد الخطة. أما المنهج: فهو الطريقة التي يسلكها الباحث عند معالجة القضايا المختلفة داخل الأبواب والفصول، يعني: في صلب البحث، بقصد الوصول إلى الحقيقة، يناقش، يحلل، يفسر، يشرح، كل هذا في صلب البحث داخل الأبواب والفصول. هذا هو المنهج، يظهر من خلال هذه المعالجة.
وإذا كانت الخطة تشبه الخطوط التي يضعها المهندس على لوحته، فإن المنهج يشبه مسلك البناء، وطريقته في وضع اللبنات والربط بينها بطريقة ما، المهندس
стр. 199
الذي وضع هذه الخطوط من خلال فكره ورؤيته، يعطي هذه الخطوط إلى بناء ماهر، فينفذ هذه الخطوط، يحولها إلى مبنى.
وظيفة الباحث أو المنهج يتضح من صنع الباحث في صلب البحث، فمثله مثل ذلك البناء، يتضح المنهج من خلال المناقشة، من خلال الشرح، من خلال التفسير، من خلال التحليل لسائر القضايا أو الموضوعات التي وردت في صلب البحث. وكما أشرت سابقًا، لا بد من التخطيط والتنظيم للبحث، وأن نجاح البحث العلمي يتوقف على جودة التخطيط له. ومن ثم، فإن الخطة من الأهمية بمكان.
وتتضح أهمية الخطة في الأمور التي سأذكرها الآن على سبيل الإجمال:
أولًا: عندما يستقر الباحث على موضوع ما لدراسته، فإنه يكون هناك هدف عام يجول في خاطره، يعني: فكرة عامة. عملية التخطيط هذه فيها تفتيت لهذا الهدف بقصد تجميعه مرة أخرى بعد دراسته دراسة جزئية منفصلة، فيها عمق، فيها شمول؛ لأن دراسة الجزئية الصغيرة غير دراسة القضية العامة. عندما يكون عندي جزئية صغيرة، وأنا أدرسها، أتعمق فيها، ألم بها، أحيط بها، على خلاف القضية الواسعة، هذا معروف في مجال البحث، كلما كانت القضية صغيرة ضيقة كلما حصر الباحث فيها فكره، وتوصل إلى نتائج جيدة.
فالباحث عندما يختار الموضوع هذا عبارة عن فكرة كلية عامة، تجول في خاطره، يأتي دور التخطيط، والتخطيط: عبارة عن تجزئة هذه الفكرة إلى جزئيات، الجزئيات مفتتة، لكن تفتيت لكي أجمعها فيما بعد من صالح البحث، هذه التجزئة عملية أقوم بها لصالح البحث؛ حتى أتمكن من دراسة كل وحدة،
стр. 200
أو كل جزئية دراسة متعمقة. خطة البحث هي التي تساعد الباحث على تحقيق ذلك، وتمكنه من تنظيم الأهداف وصياغتها، وإيجاد مناسبة لتحقيقها. بدون التخطيط لا يمكن أن نقوم بهذه العملية.
ثانيًا: من الأشياء التي تؤكد أهمية الخطة: يستطيع الباحث من خلال الخطة التي رسمها يستطيع تحديد أهدافه، ورسم الطريق الصحيح للوصول إليها، وبدون هذا التخطيط لا يستطيع الباحث الربط بين أهدافه. وهذه حقيقة حتى أصل إلى الخاتمة في النهاية، وأربط بين هذه الأهداف التي في الفصل الأول والثاني والثالث وهكذا، تتكون أو تتحقق لدي مجموعة من النتائج أو الأهداف مجتمعة من خلال هذه الخطة، أو من خلال هذا الترتيب أو التنظيم الموجود داخل الخطة.
ثالثًا: يكتسب البحث السمة العلمية من خلال هذا التخطيط: إن أي بحث علمي، أو عمل علمي منهجي لا بد فيه من تحديد الهدف منذ البداية؛ حتى لا يقع الباحث في تيه لا حدود له، وينعكس ذلك على نتائجه، وعلى بحثه. كما أنها تؤكد أن البحث لا يأتي عن طريق الصدفة لكنه تخطيط وتنظيم ووسائل في ضوء أهداف محددة. لا يمكن أن يقبل باحث على بحثه بلا تخطيط، لا يمكن هذا، لا يجوز إطلاقًا، ولا يصح.
رابعًا: الخطة تمد الباحث بنوع من الثقة بالنفس؛ لكونها عملية فيها جانب من الابتكار والابتداع، الباحث يضع الخطة نتيجة فكر، وتبلغ الثقة ذروتها عندما ينجح في تحقيق أهدافه من خلال الخطة التي وضعها، عندما يصل الباحث في نهاية بحثه إلى مجموعة من الأهداف التي كان يود تحقيقها، أو نتائج مرجوة يكون في قمة السعادة، وفي قمة الثقة بالنفس؛ لأنه نجح في تخطيطه، ونجح في درسه، ونجح في الوصول إلى هدفه.
стр. 201
هذه هي أهمية الخطة بالنسبة بالباحث والبحث معًا، ينبغي ألا نغفلها، وعلى الباحث أن يتجنب الخطط الجاهزة، فإنها تضر ولا تنفع، فأحيانًا يأتي باحث يعرض موضوعًا للدراسة، فيطلب منه الأستاذ إعداد خطة لدراسة هذا الموضوع، فيذهب ذلك الباحث إلى مكتبة الرسائل، ويبحث عن موضوع يشبه موضعه الذي اختاره، وينقل خطته، ويضع عناوين للأبواب والفصول من خياله. المهم، أن تتفق هذه العناوين مع موضوع البحث الذي اختاره، ولا يدري أتوجد المادة العلمية الصالحة لوضعها تحت هذه العناوين أم لا؟ حقيقة، هذا يحدث كثيرًا الآن من كثير من الباحثين، مثل هذه الخطة لا تفيد شيئًا، ولا تكشف إلا عن كسل صاحبها وجهله بأسس البحث العلمي. وهي لا تعني شيئًا بالنسبة للباحث، الباحث يظن أنه وقع على كنز أحيانًا، بل ربما ظنها كسبًا وإنجازًا له، يقول: أنا في ربع ساعة استطعت أن أضع خطة لبحثي، هذا خطأ إن كانت لا تعني شيئًا بالنسبة للباحث، فهي تعني الكثير بالنسبة للأستاذ المشرف، تعني: فقدان ثقته في هذا الباحث.
وقد ذكر بعض الباحثين أن مثل من يفعل هذا كمثل حائك للثياب، لا يعرف إلا نمطًا واحدًا يحيك عليه جميع الملابس لكل قادم إليه، دون النظر إلى حجمه، أو عمره، أو نوع قماشه، أو مثله كمثل مهندس معماري، يقدم خريطة واحدة نموذج واحد لكل من يطلب منه رسمًا هندسيًّا، دون النظر إلى مساحة الأرض، وموقعها، أو الأسرة التي ستسكن ذلك البيت، هذا كله لا قيمة له في مجال البحث العلمي؛ فالتقسيم وحده ليس غاية، ولكن الغاية ما يعنيه التقسيم، وما يترتب عليه من نتائج.
ونضرب لذلك مثالًا نتعرف من خلال على خطر هذا السلوك غير المنهجي، والذي لا يقوم على أساس علمي منظم، فمثلًا: يقع اختيار باحث من الباحثين
стр. 202
على شخصية شاعر من الشعراء، ويريد أن يقيم حولها دراسة، فيطلب منه تقديم خطة للموضوع، يقول له الأستاذ المشرف: أعطني خطة، فيذهب ذلك الباحث إلى مكتبة الرسائل، فيبحث عن موضوع تناول شخصية أدبية، ثم ينقل نفس الخطة التي وجدها بعينها، وجدها الباحث مذكورة في موضوع درس، يشبه الموضوع الذي اختاره، المقدمة، التمهيد، الباب الأول: حياة الشاعر، الفصل الأول من الباب الأول: نشأة الشعر، الفصل الثاني من الباب الأول: شبابه، الفصل الثالث: تعليمه، يعني: الباب الأول في فصول ثلاثة. الباب الثاني بعنوان: شعره، ويقع في فصول ثلاثة، الفصل الأول: المدح، الفصل الثاني: الغزل، الفصل الثالث: الرثاء. الباب الثالث تحت عنوان: الدراسة الفنية، الفصل الأول: الأسلوب، الفصل الثاني: الخيال، الفصل الثالث: التجديد في الأوزان والقافية، ثم تأتي بعد ذلك الخاتمة، ثم المصادر والمراجع.
وفي البداية أقول: هذه الخطة التي ذكرتها الآن خطة بحث درس ونوقش صاحبه، والباحث ذهب ونقل هذه الخطة؛ لأن موضوعه شخصية أدبية فقال: هذه خطة أنقلها وأريح نفسي من العناء والتعب، والبحث والتفكير، نحن لا ننكر أن هناك خطوطا عامة للبحث، ولكن الخطوط العامة المناسبة لبحث قد لا تتناسب مع بحث آخر، لا بد أن تدرك ذلك جيدًا.
ومن ثم، فإن أهمية الخطة تنبع من كونها مستمدة من الجزئيات المنبثقة عن القضايا العامة، الخطة أنا لا أخترعها، وإنما تتشكل نتيجة النظر في المادة العلمية التي عندي في القضايا التي سأبحثها، المشكلة التي سأعالجها، هي التي تفرض عليّ خطوطًا معينة وتنظيمات. فالخطة التي عرضتها الآن، والتي نقلها
стр. 203
الباحث من دراسة مشابهة تمامًا لموضوعه، مثلًا: فيها باب عن حياة الشاعر الباب الأول بعنوان: حياة الشاعر، وقسمه الباحث إلى فصول، وقد تكون المادة العلمية التي تشكل حياة الشاعر عند الباحث الذي نطلب منه خطة، قد تكون المادة العلمية التي تشكل حياة الشاعر لا تنهض لتكون بابا؛ مادة علمية قليلة جدًا، فكيف يصنع منها بابًا؟ ماذا يفعل إذا انقطع به الطريق عند هذا الحد من المعلومات؟ انظر في باب آخر نرى فيها أيضًا فصلًا بعنوان: الغزل، وهو الفصل الثاني من الباب الثاني، عنوانه: الغزل، نفرض أن الشاعر الذي اختاره الباحث لم يتطرق إلى فن الغزل، لم ينظم فيه بيتًا واحدًا. في الباب الثالث مثلًا، الذي بعنوان: الدراسة الفنية، نجد هناك فصلًا بعنوان: التجديد في الأوزان والقوافي، فماذا يفعل الباحث إذا عرف أن الباحث أو الشاعر الذي يبحث فيه ليس له دور في التجديد، ولا يعرف معنى التجديد؟ هذا لا يصح؛ لأنه عندما يجيء ليطبق على بحثه فلم يجد من المادة العلمية.
اعلم أيها الباحث أن ما عندك يختلف عما عند غيرك، وما عند شاعرك يختلف عما عند الشاعر الآخر، فعليك أن تقلب الموضوع الذي اخترته للدراسة على أكثر من وجه؛ حتى تهتدي إلى الخطة الجيدة التي لا تفضلها خطة أخرى، والتي لو نوقشت فيها لأمكنك النقاش والدفاع؛ لأنك ستكون أعرف بها من غيرك؛ لأنها نابعة من فكرك وصميم موضوعك. من أجل ذلك أقول: إن العجلة غير مطلوبة عند إعداد الخطة، بل لا بد من التأني والتفكير المستمر، والدقة في التخطيط والتنظيم بعد أن ينتهي الباحث إلى صورة مناسبة للخطة يجلس وينظر فيها مرات ومرات، ثم يعدل ويبدل ويغير معتمدًا على المادة العلمية التي لديه، ثم الخبرة المكتسبة عنده، وثقافته في مجال كيفية إعداد البحوث العلمية. وليكن في غاية الحذر من أن يعتري الخلل خطته من أي جانب.
стр. 204
ومن أجل أن تخرج الخطة كاملة لا يعتريها نقص أو خلل أرى أنه ينبغي للباحث أن يترك خطته مدة من الزمن، ولا ينقطع تفكيره عنها خلال هذه المدة، يعني: يظل على اتصال بها، يترك خطته مدة من الزمن، وكلما عرض له رأي خلال هذه المدة التي يتركها فيها، أو عنت له فكرة، أو ظهر له خاطر، أو جد خبر، رجع إلى الخطة فتأملها، وأجرى عليها من التعديل ما يجعلها قابلة لاحتواء كل جديد، هذه المدة التي أشرت إليها تسمى: فترة التخمير، أو تسمى: فترة اختمار الخطة. فإذا ما استوت الخطة، واكتملت عناصرها يعرضها الباحث على الأستاذ المشرف.
واعلم أيها الباحث أن الخطة هي أساس بحثك، وهي المحك الذي يكشف عن علمك وفكرك ودرايتك وثقافتك، وهي أخطر ما تقابل به المشرف، فاحذر العجلة، وإياك أن تقدم عملًا غير كامل، واحذر أن تعرض على أستاذك أمرًا من الأمور التي تدل على ضعفك، أو كسلك، أو تقصيرك. احذر ذلك جيدًا، وتنبه له. وقد ترفض الخطة من أستاذك، وهذا أمر لا يقلل من شأنك إلا إذا كنت قد قصرت، ولم تتبع الخطوات الصحيحة في رسمها، وقد يقوم الأستاذ المشرف بالتعديل فيها، فقد يضيف إليها أشياء، أو يحذف منها شيئًا، كل هذا وارد، فلا تنزعج، ولا تقلق، فلكل رؤيته المبنية على علم وخبرة بطرق البحث العلمي وإجراءاته، ولا تتعجل الانتهاء من خطتك إذا طلب منك تعديلها، بل لا بد من التأني والإفادة من توجيهات أستاذك، هذا الذي أشرنا إليه من التنظيم والإعداد، ووضع الإطار العام لخطة البحث لا يعني أنك وصلت إلى نهاية المطاف، وأن عملك في الخطة قد انتهى عند هذا الحد. هذا الذي أشرنا إليه يمثل صورة أولية من صور الخطة، وهي صورة تعتمد على الخيال، وبعض المعلومات وخبرة الباحث آنذاك، ويراها الباحث مقبولة حينئذ.
стр. 205
ولكن بعدما يتعمق الباحث في بحثه تبدو له أشياء، وتظهر قضايا قد يضيف إليها بعض الإضافات، يعني: يرجع إلى الخطة، ويضيف إليها بعض الإضافات، أو يحذف منها ما يراه غير صالح، فقد يحذف بابًا كاملًا، وقد يضيف بابًا؛ تبعًا لما يجد له من مادة علمية وآراء وأفكار متنوعة. هذا بالنسبة لإعداد الخطة، وهي تمثل الخطوة الثانية من خطوات البحث، وهي من الأهمية بمكان -كما رأينا.
وأقول في النهاية: كل خطة بحث قابلة للتعديل والتغيير حتى آخر كلمة يكتبها الباحث في بحثه، والخطة قابلة للتعديل والتغيير.
تحديد المصادر والمراجع
الخطوة الثالثة التي تلي هذه الخطوة: فبعد أن ينتهي الباحث من التخطيط لبحثه يبدأ في تحديد المصادر والمراجع التي سيستعين بها في إعداد البحث، هناك فرق بين تحديد المصدر، وبين استقرائه. في هذه الخطوة نحدد المراجع والمصادر، ونعدها في قوائم أو بطاقات خاصة بها، نشير إلى أمكنتها، وإلى رموزها وإلى أرقامها في أماكنها، وينصفها الباحث إلى مجموعات تتناسب مع تقسيم البحث؛ حتى يسهل عليه الرجوع إليها فيما بعد.
وللمصادر أهمية كبرى في مجال البحوث العلمية كما نعلم، فهي بمثابة النواة التي ينبثق منها البحث ويؤتي ثماره، وهي تنير الطريق للباحث، وتساعده على الإحاطة بموضوع بحثه، وتمكنه من الوقوف على مدى ما وصل إليه الباحثون قبله. ومن ثم، يستطيع أن يقرر من أي يبدأ، وما الجديد الذي يمكنه إضافته، كل ذلك من خلال المصادر والمراجع. كما أن جمع المصادر والمراجع بالطريقة التي سنشير إليها ينمي مهارة البحث والاستقصاء لدى الباحث، ويوفر عليه كثير من الجهد والوقت عند إعداد الفهارس، لا بد أن يراعي الباحث ذلك ويتنبه له.
стр. 206
المصادر تنقسم إلى قسمين:
مصادر أصلية: ويقصد بها: أول ما كتب عن موضوع البحث، وصورها متعددة كثيرة، كالمخطوطات، والإملاءات، ودواوين الشعراء، وغيرها. ويندرج تحت القسم من المصادر أي: المصادر الأصلية، القواميس، والمعاجم اللغوية، والرسائل الجامعية، والدوريات، والموسوعات العلمية، وكذا سجلات الدواوين الحكومية؛ لأنها تعطينا معلومات موثقة عن الشخص المراد بحثه.
النوع الثاني من المصادر تسمى: المصادر الثانوية، أو المراجع، وهي كل ما كتب متأخرًا عن المصدر الأصلي، وغالبًا ما يعتمد أصحاب المصادر الثانوية على المصادر الأصلية، فيأخذون منها، ومن ثم تتفاوت المراجع في درجة أصالتها بالنظر إلى هذا الجانب، فأكثر المراجع أصالة أكثرها أخذًا من المصدر الأصلي، وتوجد بعض المصادر الثانوية، ولا تقل من حيث الأهمية عن المصدر الأصلي، مثل: شروح الدواوين، مثل: الكتابات التاريخية، وغيرها مما يكشف عن البيئة التي يجري فيها البحث، فمثل هذه المصادر هي ثانوية، ولكن لا غنى للباحث في الأدب عنها، وهي تتفاوت في أهميتها، ويستطيع الباحث أن يحدد أولويات القراءة، وأهمية المصدر بالنسبة لموضوع بحثه، هو الذي يملك ذلك، هو الذي يعيش مع مادته، ومع قضاياه، ومع مشكلاته التي افترضها، فهو الذي يستطيع أن يحدد المصادر المهمة والأهم، والمصادر الثانوية، والمصادر الأصلية.
ويمكن للباحث أن يتعرف على المصادر والمراجع التي تتصل بموضوع بحثه من خلال عدة وسائل نشير إلى بعضها بسرعة:
أولًا: الاستعانة بالمشرف، أو الأساتذة المتخصصين في مجال بحثه؛ للتعرف منهم على أحدث ما كتب في المجال الذي يبحث فيه. ولا شك أنهم أكثر خبرة منه، وأوسع مجالًا في الاطلاع.
стр. 207
الوسيلة الثانية: الاطلاع على الكتب المتخصصة في هذا المجال، في مجال المؤلفات، ككتاب (الفهرست) لابن النديم، و (كشف الظنون) لحاجي خليفة، و (تاريخ الأدب العربي) ل"بروكلومان"، و (معجم المؤلفين) لكحالة، وغير ذلك. وسيجد الباحث في مثل هذه الكتب كمًّا هائلًا من المصادر والمراجع التي يمكنه الانتفاع بها.
الوسيلة الثالثة: الاطلاع على دوائر المعارف العالمية، كدائرة المعارف الإسلامية والبريطانية والأمريكية، بالإضافة إلى دوائر المعارف المتخصصة في هذا المجال.
الوسيلة الرابعة: الاطلاع على فهارس المكتبات العامة: يذهب إلى المكتبات العامة، ويطلع على فهارس الكتب، هناك فهارس على حسب العنوان أو المؤلف، يعني: المؤلَف أو المؤلِف، وكذا مكتبات الرسائل الجامعية التي تعنى بمثل دراسته، أو بموضوع قريب منها يمكنه من خلال ذلك التعرف على كثير من المصادر والمراجع.
الوسيلة الخامسة التي يمكنه التعرف على المصادر والمراجع من خلالها: الاستعانة بالببلوجرافية: وهو علم يهتم برصد الكتب ووصفها، والتعريف بها، وعرض المطبوعات التي تنشر في مختلف نواحي المعرفة مع إعطاء فكرة موجزة عنها. في الآونة الأخيرة تطورت الفهرسة الالكترونية تطورًا ملحوظًا، وانتشرت مراكز المعلومات، وأصبح من السهل جدًا الحصول على كل ما كتب حول موضوع ما، فهذا أمر متيسر، هذا عن الوسائل التي يستطيع الباحث من خلالها أن يتعرف على المصادر والمراجع.
أما عن كيفية تسجيلها: فللباحث أن يحصرها، ويسجلها بالطريقة التي تناسبه، إما في قوائم، وإما في بطاقات خاصة من الورق السميك تسمى: بمدونة المصادر،
стр. 208
أو البطاقة الببلوجورافية، ويجعل كل مصدر في بطاقة مستقلة، وترتب المصادر بطريقة معينة يختارها الباحث، لكن كل هذا من حقه أن يتصرف فيه بأي طريقة شاءها هو، لكن بشرط: أن تحتوي على المعلومات الآتية: المؤلِف، عنوان الكتاب، اسم الناشر، مكان النشر، تاريخ النشر، الجزء إن كان الكتاب مكون من أجزاء يذكر الجزء الأول، الجزء الثاني، رقم الكتاب في المكتبة التي يوجد بها، اسم المكتبة الموجود فيها المصدر.
ومن الممكن أن يستغل الباحث ظهر البطاقة؛ لتسجيل أي ملاحظة: ملاحظة طباعة، ملاحظة في التقسيم، ملاحظة في أي شيء، عنده ظهر البطاقة بإمكانه أن يستخدم هذا الظهر في كل الملاحظات، وبعد الانتهاء من حصر المصادر التي يحتاجها الباحث، وتصنيفها حسب أبواب البحث وفصوله، ووضعها في قوائم أو بطاقات خاصة كما سبق، ينبغي له أن يراعي ما يلي:
أولا: عدم تعدد الطبعات في المصدر الواحد إلا في حالة الضرورة القصوى، وإذا اضطر لذلك لا بد من الإشارة في الهامش إلى الطبعة التي اعتمد عليها عند كل اقتباس.
ثانيًا: لقد عرفت أن هناك مصدرًا أصليًّا وآخر ثانويًا، فإذا وقع الباحث على مادة علمية في مصدر ثانوي منقولة من مصدر أصلي، فلا بد من الرجوع إلى المصدر الأصلي؛ لتوثيق هذه المعلومة، وسوف نوضح ذلك في الاستقراء.
ثالثًا: لا بد من مراعاة الدقة في التخصص عند النقل من المصادر، وتوثيق المعلومات، فإذا أراد أن يوثق الشعر فعليه بالرجوع إلى دواوين الشعراء، وسوف يتضح لنا ذلك أيضًا كثيرًا عند الاستقراء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 209
الدرس: ١٣ خطوات البحث الأدبي (٣) .
стр. 210
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(خطوات البحث الأدبي (٣))
استقراء المصادر والمراجع
الحمد لله، الذي خلق الإنسان وعلمه البيان والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه؛ وبعد:
فلقد حدد الباحث مصادره ومراجعه التي سوف يستعين بها في إعداد بحثه، هذه خطوة لا بد أن نفصل بين هذه الخطوة وبين خطوة تحديد المصادر ومعرفة أماكنها، وتسجيل كل البيانات التي تتعلق بها هذه الخطوة مستقلة، أما استقراء المراجع والمصادر، واستنباط المادة العلمية منها هي حديثنا اليوم.
الباحث العلمي لا يبدأ من الصفر، وإنما يبدأ من حيث انتهى الآخرون، وطريق ذلك هو الاستقراء، والاستنباط، والإحاطة بالمعلومات الجزئية والكلية المطروحة في ثنايا المصادر والمراجع.
والقراءة والاستنباط أداتان مهمتان من أدوات البحث العلمي، وهما يحتاجان إلى استعداد خاص، ليس كل باحث يستطيع أن يقرأ ويستنبط؛ هذه مهارة يحتاج إلى خبرة ومران وتدريب. فالاستنباط يحتاج إلى فطنة وخبرة، والقراءة فن وعلم ومهارة لا بد من إجادتها، الباحث الذي لا يجيد القراءة، ولا يحسن الاستنباط يفقد أهم أدوات البحث العلمي، هذا أمر بدهي؛ لأن الغرض من قراءة المصادر والمراجع استخلاص النصوص، أو العلل، أو الآراء المستكنة بين سطور هذه المصادر، وليس استخلاصها فحسب، ولكن توظيف هذه النصوص في أماكنها داخل البحث بطريقة علمية جيدة، حسبما تقتضيه الفكرة أو الموضوع. فقد يقيس عليها مثلًا، أو يناقشها، أو يدعم بها أفكاره، أو يقارن بينها فكل الناس يقرءون، ولكن كلهم لا يصلح أن يكون باحثًا أدبيًا؛ لأنهم لا يملكون المهارة اللازمة للباحث بالنسبة للقراءة والاستنباط، فقراءة المصادر لاستنباط المادة العلمية منها ليست
стр. 211
بالأمر الهين، ولا تؤتي ثمارها، وتتم فائدتها إلا إذا تذرع الباحث بالصبر والأناة، واتصف بعمق الفهم، واتزان الفكر، ورجاحة الرأي، وقوة الملاحظة، هذه أمور ينبغي للباحث أن يراعيها، وهو يقرأ ويستنبط، ويتعامل مع المادة العلمية التي توجد في ثنايا مصادره ومراجعه.
كما ينبغي له أن يتخير أفضل الأوقات للقراءة، وأفضل الأوقات هي الأوقات التي يكون فيها خالي الذهن، غير مجهد؛ حتى يستطيع أن يحصل ويستوعب، ويتفاعل مع ما يقرأ، ولا ينشغل بشيء سواه. يبدأ الباحث في قراءة المصادر التي رصدها، وحددها، وعرف أماكنها - وكلما وقع على معلومة تتصل بموضوع بحثه دونها بالطريقة التي يختارها ويراها مناسبة.
وهناك طريقتان صالحتان لجمع المادة العلمية وتسجيلها، نعرضهما الآن، وليس عرضهما فرضًا، فللباحث أن يختار إحداهما، أو أن يختار طريقة أخرى غير هاتين الطريقتين طالما أنه رأى هذه الطريقة صالحة لتسجيل مادته العلمية، ومناسبة لموضوعه، ووقته، وظروفه، فلا بأس، ولا حرج عليه.
الطريقة الأولى: تسمى: طريقة البطاقات، والبطاقة عبارة عن ورقة سميكة متوسطة الحجم ١٠ سنتيمتر × ١٥ سنتيمتر، أو ١٢ سنتيمتر × ١٥ سنتيمتر تقريبًا، قد تزيد أو تنقص، وتسمى: بطاقة تدوين معلومات، وهي موجودة في المكتبات، يسجل الباحث ما يجمعه من معلومات على وجه واحد من هذه البطاقات، ويستحسن أن يضع عنوانًا لكل فقرة يسجلها، أو نص يختاره؛ حتى يسهل عليه الرجوع إليها، وتجميعها مرة أخرى عند صياغة بحثه، وترتيب المادة العلمية، يضع في أعلى البطاقة، وجد فقرة تحتوي على مضمون ما، يندرج هذا المضمون تحت باب، أو فصل، أو مبحث في خطته، يختار عنوانًا صالحًا لهذه
стр. 212
الفكرة، ويضعه في أعلى البطاقة عنوان بارز، وليكن بخط واضح ومختلف عن اللون الذي يكتب به مادته العلمية، وفي أسفل البطاقة يسجل اسم المصدر -الكتاب-، واسم المؤلف، ورقم الصفحة التي استنبط، أو نقل منها هذه الفقرة، ومكان الطبع، وسنة الطبع، كل هذه المعلومات لا بد أن يسجلها الباحث في أسفل البطاقة.
الطريقة الثانية: وتسمى: طريقة الدوسيه، والدوسيه: عبارة عن غلاف من الكرتون له كعب به حلقتان، يمكن التحكم فيهما من خلال فتحهما وإغلاقهما بسهولة، بإمكان وضع الأوراق المخزونة فيهما، فبإمكانك أن تغير أو تبدل من خلال هاتين الحلقتين، يقوم الباحث بتقسيم الدوسيه إلى أبواب أو فصول حسب الخطة التي رسمها لبحثه، يفصل بين كل باب وباب، أو فصل وفصل بورقة مقواة -ورقة سميكة-، ويكتب عليها عنوان الباب أو الفصل، ويجعل لها لسانًا بارزًا، يكتب على هذا اللسان نفس العنوان الذي يوجد في داخل هذه الورقة المقواة؛ حتى يسهل عليه الرجوع إليه عند الحاجة، يكون لسانًا بارزًا وعليه العنوان، فينظر في الألسنة فيجد جميع العناوين، عناوين الفصول أو الأبواب التي شكل بها خطته. كأن الدوسيه أصبح خطة فارغة من المعلومات، كل فصل يقسم مثلًا: فصل هذا عشر صفحات، الفصل هذا اثنتى عشرة صفحة، الباب هذا له خمسين صفحة فارغة.
فالدوسيه عبارة عن خطة مبحث مفرغة، داخل الدوسيه عناوين، عناوين أبواب، عناوين فصول، عناوين مباحث، يسجل الباحث المادة العلمية المستمدة من المصادر في مكانها من أوراق الدوسيه على وجه واحد، يكتب على وجه واحد من أوجه الصفحة مع الإشارة إلى اسم المصدر، واسم المؤلف، ورقم
стр. 213
الصفحة والطبعة وتاريخها. وإذا ازدحم الدوسيه بالأوراق لجأ الباحث إلى دوسيه آخر بعد إجراء تعديل على الدوسيه الأول، كأن يجعله خاص بفصل أو باب معين، ثم يكمل ما بقي من البحث في دوسيهات أخرى، أو يخصص الجزء الأخير منها للفهارس، وهكذا للباحث أن يتصرف كيفما شاء، يجعل دوسيهًا واحدًا، أو اثنين على حسب المادة العلمية التي يستنبطها من المصادر والمراجع. يقرأ الباحث في مصدر ما فيقع على معلومة تتصل مثلًا بالباب الثاني من البحث، والفصل الأول من هذا الباب، فيفتح الباحث الورقة المقواة التي تشير إلى هذا الباب أو ذلك الفصل، ويسجل المادة العلمية في مكانها، فإذا ما انتهى الباحث من قراءة المصادر والمراجع يكون قد ملأ الفراغات التي تشكل خطط البحث. هذه هي الطريقة الثانية.
بعض الباحثين يفضل الطريقة الأولى، وهي طريقة البطاقات؛ لأن البطاقة أيسر في الاستخدام عند التدوين من الدوسيه -هذا صحيح-، وكذا عند صياغة البحث؛ إذ بالإمكان أن نطرح أكبر عدد من البطاقات أمامنا، وننظر فيها في وقت واحد. عندي عشرين خمسين بطاقة مثلًا، كل بطاقة فيها مادة علمية على وجه واحد كما اتفقنا، وكل فقرة، أو كل مادة علمية معنونة، أو معنون لها بعنوان يدل عليها، أضع هذه البطاقات أمامي، بإمكاني أن أنظر في عشرين أو خمسين بطاقة في وقت واحد، وأجمعها بسهولة. فبعض الباحثين يفضل هذه الطريقة؛ لهذا السبب. وأنت نفسك إذا اعتدت نظام البطاقات، وطبقته جيدًا، فإنك لن تستغني عنه حتى بعد الانتهاء من إعداد بحثك، فكثير من الأساتذة الكبار في ذوي الخبرة في مجال البحث العلمي لا تفارقهم البطاقات، وإنما يحملونها معهم أينما حلو؛ يسجلون فيها ما يعثرون
стр. 214
عليه من معلومات، أو يجد لهم من أفكار. ومما يروى في هذا المقام -مقام البطاقات وتسجيل المادة العلمية فيها- ما قيل: إن المستشرق الألماني "فيشر" اعتزم تأليف معجم تاريخي لألفاظ اللغة العربية، وهذا عمل مضن بلا شك، يتطلب وقتًا وجهدًا، وبدأ الرجل بالفعل أول خطوة مستخدمًا نظام البطاقات، ثم قطع شوطًا غير قصير في هذا الطريق، لكنه توفي قبل أن يصل للنهاية، ويحقق غايته، وبقيت البطاقات حية بما فيها من معلومات؛ حتى ابتاعها مجمع اللغة العربية بالقاهرة بثمن مناسب، فليتك أيها الباحث تعود نفسك على ذلك، وتسلك مسالك العلماء.
والبعض الآخر من الباحثين يفضل طريقة الدوسيه؛ لأن الدوسيه يحفظ الأوراق بخلاف البطاقة، فإنه من السهل أن تفقد، كما أن الدوسيه يمكن بسهولة الرجوع إلى النص فيه من خلال اللسان البارز في الورقة المقواة التي تفصل بين الفصول والأبواب، كما أن الورقة في الدوسيه أكثر اتساعًا، فيمكن للباحث أن يسجل فيها أكثر من نص، أو يضيف عليها تعليقًا، أو فكرة طارئة، أو معلومة جديدة، يعني: أمامه متسع لأكثر من معلومة، لكن البطاقة محدودة المساحة، وتفضيل إحدى الطريقتين على الأخرى أمر مرده إلى الباحث نفسه، هذا بالنسبة لطرق تسجيل المعلومة.
أما اقتباس المعلومة من المصادر: فهو أنواع هناك اقتباس يسمى: الاقتباس الحرفي، وهو نقل النص دون تدخل من الناقل فيه، لا يبدل، ولا يغير، ويكون ذلك في حالة الاستشهاد بالنص، أو مناقشة النص، أو تحليله، أو التنبيه على الانفراد بالرأي فيه، أو ما أشبه ذلك من مواقف تستدعي عدم التبديل في النص المنقول، في حالة الاقتباس الحرفي يوضع الكلام المنقول
стр. 215
بين علامتي تنصيص، وينبغي ألا يكون الاقتباس الحرفي، ولا يلجأ إليه الباحث إلا عند الضرورة، فإن طال أو زاد عن حد المعقول فمن الممكن أن يستغني عن علامات التنصيص، ويكتب النص ببنط مختلف عن بقية الكلام، ويضيق ما بين السطور من مسافات، ويترك مسافة سنتيمتر واحد عند بداية الكلام ونهايته في كل سطر. والهدف من ذلك: تمييز هذا النص، فنفرض مثلًا: أن باحثًا سوف يقتبس عشرين سطرًا أو عشرة أسطر، هذا كم كبير النص طال، ماذا يفعل؟ يستغني عن علامة التنصيص في بداية ونهاية النص، ويكتب هذا الكلام بخط مختلف في الحجم، بنط مختلف في الحجم لونه أسود سميك، ثم يترك مكانة سنتيمتر يمين ويسار الهامش زائد عن بقية الكلام، فيتميز هذا الجزء؛ لأنه نص منقول ومختلف عن بقية الكلام، هذا بالنسبة للاقتباس الحرفي.
هناك اقتباس آخر يسمى: اقتباس التلخيص، وهو نقل مضمون الفكرة من المصدر بعد استيعابها واختصارها، وتلخيصها بأسلوب الباحث، ومن حق الباحث حينئذ تقديم بعض الألفاظ، أو تأخيرها، أو حذف وإضافة ما يراه صالحًا. وفي كل هذه الأحوال لا يوضع الكلام بين الأقواس، وإنما يشار في الهامش إلى المصدر الذي استفاد منه الباحث والمؤلف، ورقم الصفحة، والطبعة، ثم تضاف كلمة: "بتصرف"، ولا يوضع الكلام بين علامتي تنصيص، أو أي نوع من أنواع الأقواس، وإنما يترك حرًّا كبقية الكلام، ولا بد من التنبيه عليه في الهامش -كما قلت- بإضافة كلمة: بتصرف.
ولا ينبغي للباحث أن يهمل مصدرا لوجود بديل له مهما كان الأمر، وبعض الباحثين يقع في هذا الخطأ، فقد يكون موضوع بحثه عن جانب من جوانب شعر شوقي، أو شخصيته مثلًا، وفي نفس هذا الموقف يحتاج الباحث إلى استقراء عدة
следующие страницы →