← Адаб

Адаб · id 30927

أصول البحث الأدبي ومصادره - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (350 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بالأمر الهين، ولا تؤتي ثمارها، وتتم فائدتها إلا إذا تذرع الباحث بالصبر والأناة، واتصف بعمق الفهم، واتزان الفكر، ورجاحة الرأي، وقوة الملاحظة، هذه أمور ينبغي للباحث أن يراعيها، وهو يقرأ ويستنبط، ويتعامل مع المادة العلمية التي توجد في ثنايا مصادره ومراجعه. كما ينبغي له أن يتخير أفضل الأوقات للقراءة، وأفضل الأوقات هي الأوقات التي يكون فيها خالي الذهن، غير مجهد؛ حتى يستطيع أن يحصل ويستوعب، ويتفاعل مع ما يقرأ، ولا ينشغل بشيء سواه. يبدأ الباحث في قراءة المصادر التي رصدها، وحددها، وعرف أماكنها - وكلما وقع على معلومة تتصل بموضوع بحثه دونها بالطريقة التي يختارها ويراها مناسبة. وهناك طريقتان صالحتان لجمع المادة العلمية وتسجيلها، نعرضهما الآن، وليس عرضهما فرضًا، فللباحث أن يختار إحداهما، أو أن يختار طريقة أخرى غير هاتين الطريقتين طالما أنه رأى هذه الطريقة صالحة لتسجيل مادته العلمية، ومناسبة لموضوعه، ووقته، وظروفه، فلا بأس، ولا حرج عليه. الطريقة الأولى: تسمى: طريقة البطاقات، والبطاقة عبارة عن ورقة سميكة متوسطة الحجم ١٠ سنتيمتر × ١٥ سنتيمتر، أو ١٢ سنتيمتر × ١٥ سنتيمتر تقريبًا، قد تزيد أو تنقص، وتسمى: بطاقة تدوين معلومات، وهي موجودة في المكتبات، يسجل الباحث ما يجمعه من معلومات على وجه واحد من هذه البطاقات، ويستحسن أن يضع عنوانًا لكل فقرة يسجلها، أو نص يختاره؛ حتى يسهل عليه الرجوع إليها، وتجميعها مرة أخرى عند صياغة بحثه، وترتيب المادة العلمية، يضع في أعلى البطاقة، وجد فقرة تحتوي على مضمون ما، يندرج هذا المضمون تحت باب، أو فصل، أو مبحث في خطته، يختار عنوانًا صالحًا لهذه

стр. 212

الفكرة، ويضعه في أعلى البطاقة عنوان بارز، وليكن بخط واضح ومختلف عن اللون الذي يكتب به مادته العلمية، وفي أسفل البطاقة يسجل اسم المصدر -الكتاب-، واسم المؤلف، ورقم الصفحة التي استنبط، أو نقل منها هذه الفقرة، ومكان الطبع، وسنة الطبع، كل هذه المعلومات لا بد أن يسجلها الباحث في أسفل البطاقة. الطريقة الثانية: وتسمى: طريقة الدوسيه، والدوسيه: عبارة عن غلاف من الكرتون له كعب به حلقتان، يمكن التحكم فيهما من خلال فتحهما وإغلاقهما بسهولة، بإمكان وضع الأوراق المخزونة فيهما، فبإمكانك أن تغير أو تبدل من خلال هاتين الحلقتين، يقوم الباحث بتقسيم الدوسيه إلى أبواب أو فصول حسب الخطة التي رسمها لبحثه، يفصل بين كل باب وباب، أو فصل وفصل بورقة مقواة -ورقة سميكة-، ويكتب عليها عنوان الباب أو الفصل، ويجعل لها لسانًا بارزًا، يكتب على هذا اللسان نفس العنوان الذي يوجد في داخل هذه الورقة المقواة؛ حتى يسهل عليه الرجوع إليه عند الحاجة، يكون لسانًا بارزًا وعليه العنوان، فينظر في الألسنة فيجد جميع العناوين، عناوين الفصول أو الأبواب التي شكل بها خطته. كأن الدوسيه أصبح خطة فارغة من المعلومات، كل فصل يقسم مثلًا: فصل هذا عشر صفحات، الفصل هذا اثنتى عشرة صفحة، الباب هذا له خمسين صفحة فارغة. فالدوسيه عبارة عن خطة مبحث مفرغة، داخل الدوسيه عناوين، عناوين أبواب، عناوين فصول، عناوين مباحث، يسجل الباحث المادة العلمية المستمدة من المصادر في مكانها من أوراق الدوسيه على وجه واحد، يكتب على وجه واحد من أوجه الصفحة مع الإشارة إلى اسم المصدر، واسم المؤلف، ورقم

стр. 213

الصفحة والطبعة وتاريخها. وإذا ازدحم الدوسيه بالأوراق لجأ الباحث إلى دوسيه آخر بعد إجراء تعديل على الدوسيه الأول، كأن يجعله خاص بفصل أو باب معين، ثم يكمل ما بقي من البحث في دوسيهات أخرى، أو يخصص الجزء الأخير منها للفهارس، وهكذا للباحث أن يتصرف كيفما شاء، يجعل دوسيهًا واحدًا، أو اثنين على حسب المادة العلمية التي يستنبطها من المصادر والمراجع. يقرأ الباحث في مصدر ما فيقع على معلومة تتصل مثلًا بالباب الثاني من البحث، والفصل الأول من هذا الباب، فيفتح الباحث الورقة المقواة التي تشير إلى هذا الباب أو ذلك الفصل، ويسجل المادة العلمية في مكانها، فإذا ما انتهى الباحث من قراءة المصادر والمراجع يكون قد ملأ الفراغات التي تشكل خطط البحث. هذه هي الطريقة الثانية. بعض الباحثين يفضل الطريقة الأولى، وهي طريقة البطاقات؛ لأن البطاقة أيسر في الاستخدام عند التدوين من الدوسيه -هذا صحيح-، وكذا عند صياغة البحث؛ إذ بالإمكان أن نطرح أكبر عدد من البطاقات أمامنا، وننظر فيها في وقت واحد. عندي عشرين خمسين بطاقة مثلًا، كل بطاقة فيها مادة علمية على وجه واحد كما اتفقنا، وكل فقرة، أو كل مادة علمية معنونة، أو معنون لها بعنوان يدل عليها، أضع هذه البطاقات أمامي، بإمكاني أن أنظر في عشرين أو خمسين بطاقة في وقت واحد، وأجمعها بسهولة. فبعض الباحثين يفضل هذه الطريقة؛ لهذا السبب. وأنت نفسك إذا اعتدت نظام البطاقات، وطبقته جيدًا، فإنك لن تستغني عنه حتى بعد الانتهاء من إعداد بحثك، فكثير من الأساتذة الكبار في ذوي الخبرة في مجال البحث العلمي لا تفارقهم البطاقات، وإنما يحملونها معهم أينما حلو؛ يسجلون فيها ما يعثرون

стр. 214

عليه من معلومات، أو يجد لهم من أفكار. ومما يروى في هذا المقام -مقام البطاقات وتسجيل المادة العلمية فيها- ما قيل: إن المستشرق الألماني "فيشر" اعتزم تأليف معجم تاريخي لألفاظ اللغة العربية، وهذا عمل مضن بلا شك، يتطلب وقتًا وجهدًا، وبدأ الرجل بالفعل أول خطوة مستخدمًا نظام البطاقات، ثم قطع شوطًا غير قصير في هذا الطريق، لكنه توفي قبل أن يصل للنهاية، ويحقق غايته، وبقيت البطاقات حية بما فيها من معلومات؛ حتى ابتاعها مجمع اللغة العربية بالقاهرة بثمن مناسب، فليتك أيها الباحث تعود نفسك على ذلك، وتسلك مسالك العلماء. والبعض الآخر من الباحثين يفضل طريقة الدوسيه؛ لأن الدوسيه يحفظ الأوراق بخلاف البطاقة، فإنه من السهل أن تفقد، كما أن الدوسيه يمكن بسهولة الرجوع إلى النص فيه من خلال اللسان البارز في الورقة المقواة التي تفصل بين الفصول والأبواب، كما أن الورقة في الدوسيه أكثر اتساعًا، فيمكن للباحث أن يسجل فيها أكثر من نص، أو يضيف عليها تعليقًا، أو فكرة طارئة، أو معلومة جديدة، يعني: أمامه متسع لأكثر من معلومة، لكن البطاقة محدودة المساحة، وتفضيل إحدى الطريقتين على الأخرى أمر مرده إلى الباحث نفسه، هذا بالنسبة لطرق تسجيل المعلومة. أما اقتباس المعلومة من المصادر: فهو أنواع هناك اقتباس يسمى: الاقتباس الحرفي، وهو نقل النص دون تدخل من الناقل فيه، لا يبدل، ولا يغير، ويكون ذلك في حالة الاستشهاد بالنص، أو مناقشة النص، أو تحليله، أو التنبيه على الانفراد بالرأي فيه، أو ما أشبه ذلك من مواقف تستدعي عدم التبديل في النص المنقول، في حالة الاقتباس الحرفي يوضع الكلام المنقول

стр. 215

بين علامتي تنصيص، وينبغي ألا يكون الاقتباس الحرفي، ولا يلجأ إليه الباحث إلا عند الضرورة، فإن طال أو زاد عن حد المعقول فمن الممكن أن يستغني عن علامات التنصيص، ويكتب النص ببنط مختلف عن بقية الكلام، ويضيق ما بين السطور من مسافات، ويترك مسافة سنتيمتر واحد عند بداية الكلام ونهايته في كل سطر. والهدف من ذلك: تمييز هذا النص، فنفرض مثلًا: أن باحثًا سوف يقتبس عشرين سطرًا أو عشرة أسطر، هذا كم كبير النص طال، ماذا يفعل؟ يستغني عن علامة التنصيص في بداية ونهاية النص، ويكتب هذا الكلام بخط مختلف في الحجم، بنط مختلف في الحجم لونه أسود سميك، ثم يترك مكانة سنتيمتر يمين ويسار الهامش زائد عن بقية الكلام، فيتميز هذا الجزء؛ لأنه نص منقول ومختلف عن بقية الكلام، هذا بالنسبة للاقتباس الحرفي. هناك اقتباس آخر يسمى: اقتباس التلخيص، وهو نقل مضمون الفكرة من المصدر بعد استيعابها واختصارها، وتلخيصها بأسلوب الباحث، ومن حق الباحث حينئذ تقديم بعض الألفاظ، أو تأخيرها، أو حذف وإضافة ما يراه صالحًا. وفي كل هذه الأحوال لا يوضع الكلام بين الأقواس، وإنما يشار في الهامش إلى المصدر الذي استفاد منه الباحث والمؤلف، ورقم الصفحة، والطبعة، ثم تضاف كلمة: "بتصرف"، ولا يوضع الكلام بين علامتي تنصيص، أو أي نوع من أنواع الأقواس، وإنما يترك حرًّا كبقية الكلام، ولا بد من التنبيه عليه في الهامش -كما قلت- بإضافة كلمة: بتصرف. ولا ينبغي للباحث أن يهمل مصدرا لوجود بديل له مهما كان الأمر، وبعض الباحثين يقع في هذا الخطأ، فقد يكون موضوع بحثه عن جانب من جوانب شعر شوقي، أو شخصيته مثلًا، وفي نفس هذا الموقف يحتاج الباحث إلى استقراء عدة

стр. 216

مصادر تاريخية وسياسية مختلفة، وهي كثيرة جدًّا في هذا العصر، كما يحتاج إلى قراءة عدد كبير من الدراسات التي كتبت حول الشاعر أحمد شوقي، وفنه الشعري، وهي من الكثرة بمكان، فيكتفي الباحث ببعض هذه المصادر؛ ظنًّا منه أن هذا البعض يفي بالمطلوب، أو بحجة أن المادة العلمية واحدة، بعض الباحثين يقول هذا، ويحتج بذلك، يقول: فلان هذا نقل عن فلان هذا، كلها منقولة، ومتشابهة، المادة العلمية فيها متشابهة. أيًّا كان، لا يصح بحال من الأحوال في مجال البحث العلمي أن تكتفي بمصدر بهذه الحجة، أو بأية حجة من الحجج، فربما لو اطلعت على مصدر من المصادر التي تركتها لوجدت فيها عبارة أو فقرة تفتح لك بابًا كان مغلقا، أو تغير مفهومًا لديك كان سائدًا؛ فالباحث الناضج لا يترك مصدرًا أو مرجعًا له صلة ببحثه إلا وقرأه، وعرف ما به. ولا تقتصر المصادر على الكتب الموجودة في المكتبة وحسب، بعض الباحثين يظن هذا، يظن أن المصدر أو المرجع لا يخرج عن إطار الكتب المدونة والموجودة في المكتبات، وإنما قد يكون المصدر مقابلة شخصية تجري مقابلة شخصية مع عالم ما، أو أي إنسان له علاقة بهذا الموضوع، وقد يكون المصدر محاضرة علمية تتصل بموضوع بحثه، قد يكون المصدر سجلًا من السجلات الحكومية، فكل ما يندرج تحت وعاء المعرفة يعد مصدرًا من مصادرها، ويندرج تحت ما نشير إليه الآن من مصادر ومراجع. وفي هذا المقام، مقام الحديث عن المصادر، وكيفية جمع المادة العلمية منها، هناك مجموعة من الإرشادات أو النصائح أود الإشارة إليها، والانتفاع بها، أعرضها بإيجاز فيما يلي: ١ - البحث العلمي ليس تجميع مادة علمية صحيحة، أو تلخيصًا لكتاب أو تنظيمًا لهذه المادة العلمية، ثم جمعها بعد ذلك بطريقة ما، كثير من الباحثين

стр. 217

يفرح بذلك، ويعتقد أنه قد انتهى من بحثه عند انتهائه من جمع المادة العلمية، ويرى أن ما بقي ليس من الصعوبة بمكان. ومن ثم، يركز اهتمامه على جمع المادة العلمية التي تتصل بمشكلة البحث، وربما ينجح في ذلك إلى أبعد مدى، ولكنه لا ينجح في دراسة المشكلة، وتوظيف تلك المادة التي دارت حولها. ٢ - يجب أن تتوفر الموضوعية، والصدق، والتنوع، وقابلية الاستعمال في المادة العلمية المجموعة، لا تجمع أي مادة علمية تقابلك تتصل بموضوع بحثك من قريب أو من بعيد، لا بد أن تكون هناك موضوعية، وصدق، وتنوع، تكون هذه المادة قابلة للاستعمال من خلال الربط بينها وبين الخطة من ناحية، وبينها وبين موضوع البحث من ناحية ثانية. ٣ - كما يجب أن تتوفر الدقة في النقل، كن دقيقًا في نقلك بحيث تنقل المعلومة كما هي بخط واضح، ونسق جيد، لا تصحح خطأ، وإن رأيت شيئًا في النص ينبغي تغييره نبه على ذلك في الهامش، وإياك أن تتدخل بتغيير النص ذاته، وخاصة إذا وضعت نصك بين علامتي تنصيص. ٤ - بإمكانك أن تفسر كلمة أو تضبطها أو تصلحها تضع كل ذلك في متن البحث بين قوسين معكوفين تمييزًا له عن النص الأصلي. ٥ - ومن هذه الإرشادات في بعض الأحيان يقع الباحث على مصدر لا يعرف مكان نشره، ولا تاريخ طبعه أو مكانه فيعزف عنه، وقع مصدر في يدك ليست عليه أي معلومة غير اسم الكتاب، واسم المؤلف، فماذا تفعل؟ كثير من الباحثين يعزف عن مثل هذا المصدر، وبعضهم ينقل منهم دون توثيق للمعلومة، يقتبس من هذا المصدر، ولكنه لا يوثق المعلومة التي نقلها، لا يشير إليها، وهذا لا يليق، ولا يصح بأي حال من الأحوال، وإنما يتعامل

стр. 218

الباحث مع مثل هذا المصدر كغيره من المصادر التي دونت عليها جميع البيانات. وعند التوثيق يضيف هذه الرموز التي أشير إليها، فإن وجدته دون طبع أضف "د، ط" في الهامش، وأنت تشير إلى المرجع، وأن توثق المعلومة اذكر "د، ط" أي: دون طبع، أو "د، ت" أي: دون تاريخ للطبع، أو "د، م" أي: دون ذكر لمكان الطبع، وتكتفي بالمعلومات، أو البيانات التي دونت على الكتاب عند توثيق المعلومة، لكن لا تنقل المعلومة دون توثيق، ولا تترك المصدر دون أن تفيد منه بأي حال من الأحوال. ٦ - ومن الإرشادات أيضًا أن يستخدم الباحث أكثر من لون في الكتابة، وأن تسجل المادة العلمية التي استنبطها من المصادر والمراجع، يفضل أن تستخدم أكثر من لون في الكتابة، تمييزًا للمادة العلمية المنقولة عن غيرها، كأن تجعل مثلًا اللون الأزرق للمادة العلمية التي تنقلها من المصادر، واللون الأحمر للتعليقات التي تبديها على تلك المادة، واللون الأسود لبيانات المصادر والمراجع، وتكون ملتزم بهذه الألوان. واعلم أن ذلك سوف يساعدك عند تصنيف المادة العلمية، وصياغة البحث. وإذا صادفك نص أو معلومة موزعة على أكثر من صفحة في مصدر من المصادر لا بد من الإشارة إلى الصفحات، ولا تكتفي بذكر رقم الصفحة الأولى فقط، فمثلًا: أنت تنقل من كتاب (العمدة) لابن رشيق مثلًا فوجدت نصًا يبدأ في نهاية ص مثلًا ٥٠ يتصل ببحثك، وينتهي في ص ٥١ ونقلت النص نصفه في ص ٥٠ والنصف الآخر في ص ٥١ كثير من الباحثين يشير إلى النص على أنه في ص ٥٠، (العمدة) الجزء الأول، ص ٥٠، هذا لا يصح، اكتب ٥٠ - ٥١، هذا هو التوثيق الصحيح. وإذا كان النص المراد اقتباسه من المصدر طويلًا، وأنت لا تحتاج في بحثك منه إلا إلى بعض جمل، فمن الممكن أن تنقل من النص الجمل التي

стр. 219

تحتاجها أو يحتاجها بحثك، وتضع مكان الجمل المحذوفة ثلاث نقاط أو أكثر؛ حتى يفهم القارئ أن هناك جملًا محذوفة. ٧ - ومن الأمور التي يجب مراعاتها أيضًا أنه إذا كثرت المادة العلمية الموجودة في مصدر من المصادر بحيث لا تتسع لها بطاقة واحدة، يعني: أنت تنقل من كتاب (البيان والتبيين) حول فكرة من الأفكار التي تتصل ببحثك، وامتلأت البطاقة، لكن لا زالت هناك معلومات موجودة في الصفحة التي تتعامل معها، أو في الكتاب، فإياك أن تضيق، أو تزحم البطاقة بالكتابة، أو تكتب على ظهرها، إياك أن تفعل هذا، وإنما تكتب كتابة حسنة منظمة مرتبة، ثم تضع بقية المادة العلمية في بطاقة ثانية، وتكتب على هذه البطاقة الثانية نفس البيانات التي سجلتها على البطاقة الأولى، وتعطيها رقمًا تقول: بطاقة رقم واحد بنفس العنوان، بطاقة رقم اثنين، بطاقة رقم ثلاثة، حتى تنتهي من المعلومة التي تتصل بهذه الفكرة. ٨ - ومن الإرشادات أيضًا في هذا السياق: إذا وقعت على مصدر من المصادر فخذ منه كل ما تحتاجه، وإياك أن تكتفي منه ببعض العناوين أو أرقام الصفحات، أو تلخيص ما قرأت على أن ترجع إليه بعد ذلك، إياك أن تفعل ذلك، فقد لا يتيسر لك الرجوع إلى هذا المصدر مرة ثانية، وإذا تيسر فقد لا يتسع وقتك، فانتهز وجود المصدر بين يديك، وخذ منه كل ما تريد بحيث إذا تركته فلن ترجع إليه مرة أخرى، وإذا صادفتك معلومة تتصل بموضوع بحثك في مصدر ما، ثم وجدت نفس المعلومة في مصدر آخر، فلا تكتفي بالإشارة إلى مصدر واحد، وإنما عليك أن تسجل المعلومة، ثم تشير إلى المرجعين معًا، مع ملاحظة السابق واللاحق منهما، وإن وجدت اختلافًا بينهما فلا بد أن تعلق عليه، ولا تمر عليه مرورًا عابرًا.

стр. 220

٩ - ومن الأمور التي أود التنبيه إليها كثير من الباحثين ينشغل عن الخطة بعد وضعها والاطمئنان إليها، بل ينسى خطته، أو تضيع منه، هذا لا يليق، لا تجعل استقراء المصادر يشغلك عن خطة بحثك بأي حال من الأحوال، ولا عن عنوان موضوعك، خطتك أمامك دائمًا، عنوان بحثك، أو عنوان موضوعك في ذهنك وقلبك وخاطرك. ومن ثم، ينبغي أن تخصص بطاقة أو أكثر تجعلها لتسجيل أي فكرة طارئة تتصل بالخطة أو عنوان البحث، ولا تتركها دون تسجيل، فإنك لن تستطيع استحضارها فيما بعد، وأنت تستنبط ضع بجوارك بطاقتين بطاقة للملاحظات على الخطة، بطاقة أخرى ملاحظات على العنوان، ربما وأنت تقرأ يبدو لك أنه من الأفضل أن تغير فصلًا في خطته، أو تضيف فصلا، أو تغير العنوان، كل هذه الأفكار أو الملاحظات سجلها في البطاقات الخاصة بالخطة والعنوان. وكذلك إذا عثرت على معلومة جديدة تتصل بموضوع بحثك، ولكن ليس لها محل في الخطة الموضوعة من قبل، لا تترك هذه المعلومة بحجة أنها لا توجد في الخطة، لا بل أسرع إلى تسجيلها، وبعد الانتهاء من ذلك كله عد إلى خطتك وأعد فيها النظر مرة أخرى بحيث تستوعب جميع ما حصلت من مادة علمية. ١٠ - ومن تلك الإرشادات أيضًا: أحيانًا يقع الباحث على معلومة في مرجع من المراجع، وهذه المعلومة منقولة عن مصدر قديم، ووثقها صاحب المرجع الحديث فيأخذها الباحث ويسجلها في بحثه، ويعتمد على توثيق صاحب المرجع لها دون الرجوع إلى المصدر القديم، أو الإشارة إلى المرجع الذي أخذ منه المعلومة، هذا من أخطر ما يقع فيه الباحث، يعني: مثلًا: أقرأ كتابًا لعالم من علمائنا الأجلاء في العصر الحديث، وأراه يستشهد بنص من كتاب (الموازنة) للآمدي، وينقل النص يقتبسه اقتباسا حرفيا، ويوثق النص في الهامش، وأنا جئت عند قراءتي لهذا المرجع، وكان بحثي يحتاج إلى نقل هذا النص الذي نقله من كتاب

стр. 221

الموازنة فأنقل النص من هذا المرجع الحديث دون الرجوع إلى كتاب (الموازنة)، هذا خطأ بين، ولا يجوز بحال من الأحوال، فلا بد من الرجوع للمصدر القديم، ثم الإشارة إلى المرجع اللاحق، وإلا فإن ذلك يعرضك للاتهام بالسرقة، ويصمك بعدم الأمانة العلمية، هذا لا يجوز، فربما يكون الناقل أو الطابع قد ترك كلمة أو حرّف في ضبط كلمة، أو تصحيف، إلى آخره. فلا بد أن تطمئن بنفسك إلى صحة النص في مصدره الأصلي. ومن تلك الفوائد: إذا كان موضوع بحثك يدور حول نص من النصوص فاحرص على أن يكون النص محققًا تحقيقًا علميًّا ومطبوعًا طبعة جيدة، وإلا فسوف تتضاعف مهمتك، وتقوم بدور الباحث والمحقق معًا، كما يستحسن إذا كان موضوع بحثك نصًّا، كأن يكون ديوان شعر، أو قصيدة، أو خطبة، يستحسن أن تقتني المصدر الذي فيه النص الذي هو محور بحثك، وتديم فيه النظر مرة بعد أخرى، وتعقب على مفرداته، وأسلوبه، وتحلل ما يحتاج إلى تحليل، موضحًا الأفكار، وتسلسلها، والجيد، والرديء منها، وتضع كل هذه التعليقات على هامش الكتاب نفسه، وهذه التعليقات تكون بمثابة المفاتيح التي تمكنك من الدخول إلى عالم النص عند الحاجة، وتذكرك بما فيه. أيها الباحث، عندما تنتهي من جمع المادة العلمية، فإن كنت قد اتبعت طريقة الدوسيه، فإنك ستجد أن جميع العناوين في الدوسيه المكونة للأبواب والفصول تحتها مادة علمية وفيرة، لا تحتاج منك أكثر من تنظيمها وترتيبها، ودرسها، ثم صياغتها صياغة علمية جديدة. وأما إذا كنت اتبعت نظام البطاقات في جمع المادة العلمية، فعليك بعد الانتهاء من استقراء جميع المصادر، واستنباط المادة العلمية منها أن ترتب هذه البطاقات على حسب عناوين الأبواب، أو الفصول، وتجعلها في شكل حزم، يعني:

стр. 222

أجمع بطاقات الفصل الأول في حزمة، الفصل الثاني في حزمة، كل فصل، أو كل باب، أو كل مبحث، أجمع البطاقات التي تتصل أو تجمع مادة علمية تتصل به، وأضعها في حزمة، وهكذا يصبح لديك مجموعة من الحزم، قم بفحصها جيدًا، ومطابقتها على خطة بحثك، فربما وجدت حزمة لا يوجد في الخطة ما يمكن إدراجها تحتها، ممكن تجد حزمة فيها مادة علمية، لكن هذه المادة العلمية ليس لها مكان في خطتك التي وضعتها، ماذا تفعل؟ حينئذ تنظر في المادة العلمية الموجودة في هذه الحزمة، فإن كانت تصلح لأن تجعل لها مكانًا في الخطة، فلا تتردد، وإن كان بالإمكان إدراجها تحت أي فصل أو باب فلا مانع، كل ذلك يتم بالتشاور مع أستاذك المشرف، أما ما تبقى من بطاقات منفردة قليلة، ولا تحتاجها في بحثك فاجمعها في حزمة واحدة، واكتب عليها متفرقات، وسوف تحتاجها في يوم ما كما أشرت قبل ذلك. وجدير بالذكر أن مرحلة جمع المادة العلمية تظل مفتوحة حتى كتابة آخر كلمة في البحث، ففي أي مرحلة كنت من مراحل البحث، وعثرت على مصدر جديد، أو طبعة جديدة، أو مخطوطًا جديدة، ورجعت إليها، واقتبست منها، فلا بد أن تدون هذا الاقتباس في مكانه حتى وإن كنت قد انتهيت منه. وإياك أن تضق ذرعًا بعملية استقراء المصادر والمراجع، وجمع المادة العلمية منها؛ لأن هذه مرحلة لا بد منها، وعلى قدر جدك فيها، ودقتك في التعامل معها يكون تمكنك من المضي في الخطوة التالية من خطوات بحثك، بحيث تقبل عليه بنفس وثقة، وفكر ناضج واعٍ، وفي نفس الوقت ينبغي للباحث أن يتنبه إلى أن كثرة النقول من المصادر والتسجيل في البطاقات بلا وعي لا يستجد أبدًا؛ لأن ذلك سوف يكون عبئًا على الباحث بعد ذلك، ويحتاج إلى وقت وجهد لحصر ما يحتاجه من البطاقات، وفرز المادة العلمية. ومن ثم، يجب أن تتريث في قراءتك، وتكون فطنًا في استنباطك بحيث لا تسجل في الدوسيه أو البطاقة إلا ما يحتاجه بحثك.

стр. 223

ومن الملاحظات المهمة أيضًا التي يجب التنبيه عليها نرى بعض الباحثين يطلب من أحد زملائه، أو من أي أحد آخر أن يقوم بعملية جمع المادة العلمية من مصادرها أو معاونته، هذا تصرف من أخطر ما يكون، ويعد من الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها بعض الباحثين، هذا لا يجوز. وهب أن باحثًا ما تمكن من جمع المادة العلمية من خلال غيرك، فإنه لن يتمكن من صياغتها صياغة جيدة، وتوظيفها في بحثه توظيفًا صحيحًا، بالإضافة إلى أنه سيكون باحثًا غير جاد، يعيش عالة على غيره، ولن يأتي بجديد في مستقبل أيامه. وليعلم الباحث أن جمعه للمادة العلمية بنفسه فيه عدة فوائد: فإن ذلك يجعله في قمة الوعي بما يأخذ ويترك من مواد علمية داخل المصادر، كما أنه يثير في خاطره كثيرًا من الأفكار والآراء، وهو يقرأ، ويستوعب، ويستنبط. ويفيده أيضًا في إيجاد لون من الألفة بينه وبين موضوعه، فيقبل عليه بنفس راضية. وفي سياق حديثنا عن المصادر والمراجع لا بد لنا من وقفة نتعرف من خلالها على تنوعها، وكيفية استخدام القدماء والمحدثين لها. كيفية استخدام القدماء والمحدثين للمصادر لقد عرفت في بداية حديثي للمصدر والمرجع، وفرقت بينهما وأشرت إلى تنوع المصادر إلى مصادر أصلية، ومصادر ثانوية، وضربت أمثلة لكل نوع، والآن نتعرف على كيفية استخدام القدماء للمصادر. القدماء اعتمدوا على الرواية الشفوية الرواية الشفوية، كانت هي الغالبة على مصادر المعرفة عندهم، هي الأداة الأولى في التأليف، ولذلك اهتم بها العلماء وبأسانيدها، ومتنها اهتمامًا كبيرًا، حتى بعد ظهور التدوين، وخاصة في مراحله الأولى، نلحظ ذلك في كثرة الأسانيد التي تذكر مع الأشعار والأخبار للدلالة على صدقهما.

стр. 224

هذا الوضع الذي كان عليه العرب لفت أنظارهم إلى فكرة المصدر، كل خبر معه مصدره، كل كلمة لها مصدرها. لما ظهر التصنيف في اللغة والأدب ظلت فكرة المصدر تشغلهم، وبدأت تظهر عند المصنفين في اللغة والأدب عناية شديدة بذكر المصادر الأساسية التي اعتمدوا عليها في تأليف مصنفاتهم مع عنايتهم الشديدة بالأساليب التي تحمل الأخبار الواردة فيها؛ لأنها المصدر الأصلي الذي ينبغي الرجوع إليه دائمًا، فنراهم يعرضون في مقدمات مصنفاتهم لأئمة اللغة والأدب الذين اعتمدوا عليهم في جمع المادة العلمية، وكلما تقدمنا مع الزمن وجدنا اهتمامًا بالغًا بالمصادر. فعلى سبيل المثال: لو تأملنا كتاب (المخصص) لابن سيدة المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وجدناه يذكر في مقدمته مصادره التي استقى منها مادته العلمية، وفي مقدمتها كتب الأصمعي، وكتب أبي زيد، وكتب أبي حاتم، وكتب ابن شمين، وابن الأعرابي، وكتاب تعلب (الفصيح والنوادر)، وغير ذلك من مصادر أثبتها ابن سيدة في مقدمة معجمه، ولم يكن ديدن ابن سيدة وحده، وإنما فعله معاصروه أيضًا، فهذا ابن عبد البر النمري القرطبي الحافظ المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة، يصنع في كتابيه (الاستيعاب في معرفة الأصحاب)، و (الدرر في اختصار المغازي) مثل ما صنع ابن سيدة، وكلما دار الزمن دورة رأينا اهتمام العلماء بالمصادر يزداد توثيقًا لما يؤلفون ويصنفون. وياقوت الحموي يعد نموذجًا وعلمًا بارزًا يحتذى في هذا المجال في كتابيه: (معجم الأدباء) و (معجم البلدان)، ولعل علمًا لم يعن حملته والمؤلفون فيه بذكر المصادر مثل علم القراءات، ومن يرجع إلى كتاب السبعة لمجاهد المتوفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة يجده يهتم بذلك اهتمامًا لا حد له، وكذلك كتاب (النشر في القراءات العشر) لابن الجزري، وغير ذلك من كتبه.

стр. 225

وكانوا أحيانًا لا يسجلون مصادرهم في مقدمات مصنفاتهم، ولكنهم كانوا يسجلون المصدر باسمه في تضاعيف الكتاب حين النقل منه، فلو تأملنا مثلًا كتاب (المغني) لابن سعيد نجده يعنى بذكر مصادره عناية دقيقة، حيث تتردد كثيرًا في تضاعيف كلامه، ككتاب (المسهب) للحجاري، وكتاب أحمد بن موسى الرازي، وكتاب (المسالك والممالك) لابن حوقل، وكتاب (فرحة الأنفس) لابن غالب، و (نقد العروس) لابن حازم، وكتاب (البديع في فصل الربيع)، وغير ذلك مما ورد في تضاعيف الكتاب. كل هذا يؤكد اهتمام القدامى بالمصادر، وانتفاعهم بها، وكانوا غالبًا إذا نقلوا عنها لم يلخصوا أو يحرفوا في عباراتها، وإنما يتقيدون بالألفاظ تقيدًا شديدًا. وقد نقدوا المصادر أيضًا، واعتنوا بنقدها عناية لا مثيل لها، وربما كانت عنايتهم بالحديث الشريف ومصادره وراء ذلك النقد، فقد ألفوا كتبًا كثيرة في الرواة، ورجال الأسانيد، وصوروا حياتهم، وسلوكهم، وكل ما اقتربوا فيه من شئون الحياة العلمية؛ حتى يكونوا على بينة من جميع أمورهم، وجرحوا من استحق التجريح منهم، وألفوا الكتب الكثيرة في الجرح والتعديل، وكانت التعديل يقوم على أساس اتصاف الراوي بالعدالة، وثبوت الأهلية للرواية، فلا بد أن يكون ممن عرفوا بالتقوى، والصدق، والأمانة. أما التجريح: فيقوم على اتصاف الراوي ونقص العدالة، والصدور عن الهوى، أو عن الكذب والتخليط، وقد تأثر علماء اللغة والأدب بعلماء الحديث في هذا الجانب تأثرًا واضحًا، فقد فحصوا رواة اللغة والشعر منذ القرن الثاني الهجري، واكتشفوا كذب حماد وابن الكلبي وجناد ورفضوا روايتهم، كما اكتشفوا وضع خلف الأحمر للأشعار، وكذبه في روايته، وأشادوا بثقة العدول من الرواة، كالمفضل الضبي، وابن الأعرابي، والأصمعي وغيرهم.

стр. 226

أما عن استخدام المحدثين للمصادر: فقد تعددت المصادر تعددًا ملحوظًا في العصر الحديث، وأصبحنا نجد أكثر من مصدر في الموضوع الواحد، وفي بعض الأحيان يصعب جمع هذه المصادر. ومن ثم، اهتم المحدثون بتحديد المصدر الأسبق، أو المتقدم وعدوه أصلًا، كما اهتموا بكيفية الإفادة من المصادر، ولم يكتفوا بجمعها أو الإشارة إليها فحسب، كما اهتموا بلغة المصدر أيما اهتمام في عصر تعددت فيه اللغات، وكثرت الترجمات، وأصبح لزامًا على الباحث الإلمام بهذا جميعًا. أما من حيث نقلهم للمصادر: فقد انصرف هذا النقد إلى الرواية والرواة كما فعل القدماء من قبل، فقد لفت نقد القدماء للرواية والرواة أنظار المستشرقين، وبدل أن يقفوا عند حد الإعجاب بصنيع هؤلاء، ودقتهم، وتمحيصهم مضوا يتهمون الشعر الجاهلي عامة دون الاعتماد على أدلة تؤيد ما ذهبوا إليه، ولعل "مارجليوس" يأتي في مقدمة هؤلاء الذين نقدوا المصادر من المستشرقين، حيث كتب مقالًا طويلًا في مجلة الجمعية الملكية الأسيوية سنة خمس وعشرين وتسعمائة بعد الألف، بعنوان: "أصول الشعر العربي" محاولًا التشكيك في الرواية والرواة، وكذا نقد المستشرق الألماني "فلهوزن" لرواية الطبري، وطريقته العلمية في استخلاص الصحيح منها، والنفي الزائف. وقد فحص هذا المستشرق روايات الطبري فحصًا دقيقًا، وقام بجهد كبير في المقارنة بين روايات الأخبار، والأحداث، واستخلاص الصحيح منها، وهذا لا يقلل من شأن الطبري بحال من الأحوال، ولا من شأن منهجه، وهو لم يجمع تلك الروايات عبثًا، وإنما جمعها؛ لأنها تمثل مصادر

стр. 227

متعددة، ومن واجبه أن يضعها تحت أعين الناس؛ ليبينوا، أو ليتبين الصادق منها من غيره. أما بالنسبة للعرب في العصر الحديث: فيعد الدكتور طه حسين أول من نقد مصادر الشعر الجاهلي، وذلك في كتابه (في الأدب الجاهلي) الذي هاجم فيه رواية الشعر الجاهلي هجومًا عنيفًا، وجرحها تجريحًا شديدًا، وأتى بمجموعة من البراهين يؤيد بها وجهة نظره من أن الشعر الجاهلي لا يصور حياة الجاهليين الدينية، أو العقلية، أو السياسية، أو الاقتصادية، كما لا يصور لغتهم، وقد سقطت كل هذه البراهين أمام ردود الباحثين المخلصين الجادين عليها، واجتثت من جذورها، فلم يعد لها صوت يسمع. ومما يذكر في هذا المقام بكل تقدير، ما قامت به الأقسام العلمية في الجامعات من تحقيق، وتمحيص للتراث، وكشف غثه من سمينه بالاعتماد على مجموعة من المقاييس العلمية الدقيقة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 228

الدرس: ١٤ خطوات البحث الأدبي (٤) .

стр. 229

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (خطوات البحث الأدبي (٤)) صياغة البحث الحمد لله، الذي خلق الإنسان وعلمه البيان والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه؛ وبعد: فالخطوة الأخيرة من خطوات البحث الأدبي هي: صياغة البحث: وصياغة البحث: هي المرحلة النهائية التي يسجل فيها الباحث جميع الخطوات التي قام بها أثناء بحثه، وهي الصورة التي يقدمها الباحث للقارئ، ولجنة المناقشة، ويعرض من خلالها فكره، وصياغة البحث تعني: تصنيف المادة العلمية المجموعة، ووضعها في مكانها داخل البحث والربط بينها، ومناقشتها للوصول إلى حقيقة علمية مؤيدة بالبراهين أو الحجج. وتعد صياغة البحث أهم ركيزة من ركائزه التي لا يتم إلا بها، وعليها يتوقف نجاح الباحث أو فشله، فقد يكون الموضوع جيدا، والخطة متقنة منظمة، ويحيط الباحث بمصادر البحث إحاطة تامة، ويجيد استنباط المادة العلمية منها، ثم يأتي عند صياغة البحث، ويضع الكلام في غير موضعه، أو لا يحسن الربط بين العبارات والفقر، ويشوه الأسلوب، فيفسد ما صنع، وتضطرب الفكرة، وينهار البحث في النهاية. ومثل الباحث الفطن مثل البناء الماهر، يتأمل المواد الأولية، فيختار منها أجودها، ويجيد توظيفها، ثم يعمد على المواد الأقل جودة فيحولها إلى مواد جيدة صالحة بفضل مهارته، وبراعة فنه. ومثل الباحث الغفل مثل البناء غير الماهر، عندما توضع أمامه المواد الخام الجيدة، فلا يحسن استخدامها، أو استغلالها، بل يحولها إلى بناء مشوه لا قيمة له، وليست فيه لمسة جمالية رغم جودة المادة الخام التي استخدمها. وصياغة البحث -أيها الباحث- ليست مجرد حشد للمعلومات المجموعة من المصادر والمراجع في مكان ما، أو أماكن متفرقة من بحثك؛ لكي تسد بها فراغا، لكنها عملية فنية وفكرية معقدة؛ إذ من خلالها تبدو شخصية الباحث، ونتعرف على قدراته

стр. 230

الفنية، والعلمية، والفكرية، واللغوية، وندرك أيضا مدى تذوقه للنصوص وقدرته على تحليها، وتقويمها تقويما صحيحا. ومن ثم، ينبغي للباحث أن يجيد عرض المادة التي جمعها بطريقة منطقية منظمة؛ لأنه يعرض يناء متناسقا، يسود بين أجزاءه وفقراته المنطق، والروابط الذهنية المحكمة، ولا يعرضها عرضا عشوائيا؛ هذه الصياغة هي المرآة التي نراه من خلالها، نرى كل ما فيه داخليا وخارجيا من خلال هذه الصياغة. وعرض المادة العلمية، وتحليها ومناقشتها، وتنظيمها داخل البحث فن وعلم يحتاج إلى فطنة وخبرة وثقافة واسعة، وقد نصادف بحوثا لا يجيد أصحابها الربط بين أجزاءها، ولا يحسنون عرض ما جمعوه من معلومات، ولا توظيفه توظيفا جيدا، فتختفي شخصيتهم، وتضطرب أفكارهم، وتفقد نتائجهم المصداقية، وأولئك ينبغي ألا يكلفوا أنفسهم مؤنة البحث وعناءه؛ لأنهم لا يملكون وسائله الأولى من الترتيب، والتنسيق. وهناك أمور ينبغي أن تتوفر في صياغة البحث، وللباحث أن يراعيها جيدا، ولا يغفل عنها بأي حال من الأحوال، من هذه الأمور: دقة التفسير، ودقة التفسير في الحقيقة ترجع إلى ملكة في الباحث، وقدرة على تبينه العلل الكلية للظواهر الأدبية، يبدأ الباحث بدراسة العلل والأسباب، علل وأسباب فرعية، ثم ينتهي منها إلى علل وأسباب عامة. فقد يقف الباحث أمام ظاهرة غامضة اختلف فيها الباحثون، أو ظاهرة يكون هناك إجماع من النقاد عليها' ويحوط هذا الإجماع شيء من الغموض والاضطراب، وتحتاج هذه الظاهرة إلى كشف ما فيها من غموض، وإزالة ما لحقها من اضطراب، وفي مثل هذه الحالة ينبغي أن يكون الباحث فطنا قادرا على التعليل الصحيح، والتفسير الدقيق للظاهرة. ومن خلال التفسير الدقيق يمكن أن يصل إلى نتيجة، فلابد أن يكون قادرا على التعليل

стр. 231

الصحيح، وهو يتعامل مع هذه القضايا الغامضة، أو التي كثرت فيها الآراء، واختلفت حولها وجهات النظر. والباحث الجيد يلتقط مثل هذه القضايا، ويخوض غمارها، ويلم بأطرافها، ثم يخرج في النهاية منها بتصور جيد ربما خالف الرأي المشهور فيها، ولا ضير في ذلك على الإطلاق طالما أن أحكامه تدور على الحجة القوية، والدليل الواضح. ولنضرب لذلك مثلا: الاضطراب الذي لحق الشعر في عصر بني أمية حيث مضى الباحثون من المستشرقين والعرب يقررون أن الشعر في عصر بني أمية لم يصبه التطور والتجديد، ولم يخرج هذا الشعر عن التقاليد المورثة من العصر الجاهلي -اللهم ما ظهر من شعر سياسي أو غزل عذري- وصار هذا الرأي كالحكم القاطع على الشعر في ذلك العصر، ومثل هذا الموقف يحتاج إلى باحث فطن يستخدم التفسير الدقيق، ويتعمق في ذلك الشعر، يرفع الحجب عنه. وقد حدث هذا بالفعل عندما قام الدكتور شوقي ضيف بهذا العمل، وكتب بحثًا قيمًا بعنوان: "التطوير والتجديد في الشعر الأموي"، وبدأ يتعمق في هذا الشعر، ويفسره بدقة، ومن خلال التفسير الدقيق هذا أبطل هذا الرأي السائد، وقرر أن صور التجديد والتطور بادية في الشعر الأموي، وأنها تحولت به إلى ما يشبه العالم الفني المستقل، لا يتحضر فيه العرب فحسب، بل ينغمسون في الترف، وأن الشعر الأموي مرآة صافية ترتسم عليها حياة العرب الجديدة بكل قسماتها وملامحها، بل بكل ما صادفها من تطور. ورأى أيضا أنه لا يوجد عنصر من عناصر التطور إلا وسجله الشعراء في شعرهم، سواء من حيث السمو الروحي، أو من حيث السمو العقلي، أو من حيث نظام الدولة والمعيشة. وأتى المؤلف بألوان من صور التطور والتجديد التي تفصح عن نفسها، ممثلة في شعر عمر بن

стр. 232

أبي ربيعة، والوليد بن يزيد، والكميت الزيدي، وركبة العجاج، وجرير، والفرزدق، والأخطل، وغيرهم من الشعراء في ذلك العصر. وأثبت الباحث من خلال التفسير الدقيق أن هؤلاء الشعراء جميعا أحدثوا تغيرات وتتطورات واسعة النطاق في الشعر الأموي، كما ظهرت ألوان جديدة من الفنون الشعرية، كفن الشكوى من السجون مثلا، والحنين إلى حياة الصحراء. وهكذا استطاع هذا الباحث الجاد أن يسعى وراء قضيته، ويفسر الظواهر بدقة؛ حتى تمكن في النهاية من الوصول إلى حقيقة تخالف رأيًا سائدًا أجمع عليه النقاد من العرب والمستشرقين سنوات طوال. هذا نموذج، ينبغي أن يحتذى، ولا أعني بكلمة تفسير التي أشرت إليها الآن شرح النصوص أو تحليلها؛ فهذا عمل مدرسي يتسم بالسطحية، وإنما أعني التفسير بمعناه الواسع الشامل الذي يستخدم في شتى ميادين الأدب والنقد، التفسير الذي يستخدم في دراسة العصور الأدبية دراسة تتسم بالعمق الذي من شأنه أن يلجأ إلى التفسير الدقيق للحركات، والظواهر الأدبية في عصر ما من العصور. وخير شاهد على ذلك: العصور المتأخرة، وبخاصة عصري الأيوبيين والمماليك، فقد قيل مرارًا: إن الشعراء نضبت قرائحهم، وجفت ينابيع الشعر لديهم في هذين العصرين، وأنهم عاشوا على اجترار الماضي ومحاكاته محاكاة تقصر عن الأصول قصورا شديدا، كل ذلك فيه ظلم لشعراء هذين العصرين، وهو ظلم جره التفسير الخاطئ لمحافظة الشعراء حينئذ، فقد ظن الباحثون أن هذه المحافظة أثر من آثار الجمود وخمول الفكر، والحق، أنه لم يكن هناك خمود ولا ركود، ولا تعطل ذهني على الإطلاق، إنما كان هناك لون من المحافظة القوية بدافع الاحتفاظ بالشخصية العربية أمام أعدائها من الصليبيين والتتار؛ خشية أن تضعف أو يصيبها وهن فيؤثر على قواها العاتية.

стр. 233

وكما نحتاج إلى التفسير الدقيق لبحث الظواهر الأدبية في العصور المختلفة -كما أشرت-، نحتاج إليه أيضا في التعرف على حقيقة المذاهب الفنية، كمذهب التصنع، أو التكلف الشديد الذي ساد في القرن الرابع الهجري مثلًا بين الشعراء، فإن التفسير الدقيق لهذا المذهب يكشف عن جانب مهم من جوانبه، وهو أنه جاء صدى لتصنع مماثل في الحياة، فالحياة العربية آنذاك، والحضارة الإسلامية وصارت لغة التصنع هذه في الحياة الأدبية انتقلت من الحضارة، ومن المجال الحياتي عند العرب، انتقلت إلى فنهم الأدبي، فرأينا كتابات بديع الزمان الهمذاني المثقلة بالتكلف والتصنع، كما رأينا صورة من هذا عند أبي العلاء المعري في لزومياته، كل هذا يكشف عنه التفسير الدقيق. كما نحتاج إلى دقة التفسير أيضا في البحوث التي تدور حول الشعراء أنفسهم، وخاصة حين يصدرون في شعرهم عن عقائد مختلفة، أو فلسفة معينة، فلابد أن ندرك هذه العقائد، وتلك الأفكار الفلسفية إدراكًا جيدًا، من خلال التفسير الصحيح؛ حتى نستطيع الوصول إلى نتيجة صحيحة وصادقة، ولنضرب بذلك مثلا: ابن هانئ عندما يقول في مدح المعز لدين الله الفاطمي: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار وكذا من ضمن هذه النماذج، ما أشيع حول أبي العلاء المعري من أنه لم يكن يؤمن بشيء بعد الله إلا بالعقل وحده. فما رآه العقل حقا فهو حق، وما رآه باطلًا فهو باطل، هذه الحقيقة كررها النقاد عند أبي العلاء. والباحث لا يعرف الوجه الصحيح لما ورد في بيت ابن هانئ أو فكر المعري إلا من خلال التفسير الدقيق، التفسير الدقيق يكشف عن أن الشاعر ابن هانئ كان يعتنق العقيدة الإسماعيلية، وأن هذه العقيدة كانت تؤمن بانتقال قدرة الله إلى

стр. 234

الإمام الناطق، وعنه تصدر جميع المخلوقات؛ وأن الشاعر أبا العلاء المعري كان متأثرًا بالفكر الاعتزالي، ومعلوم أن المعتزلة يقدسون العقل ويكبرونه إكبارا، وإذا تركنا الأدب القديم، وتأملنا الأدب الحديث لوجدنا عند شعرائنا كثيرًا من الجوانب التي تحتاج في التعامل معها إلى دقة التفسير، وفهمها فهمًا صحيحًا. ولنضرب لذلك مثلا بشاعرين كبيرين هما: محمود سامي البارودي، والشاعر أحمد شوقي أمير الشعراء، فقد اتهم البارودي أنه كان لا يصدر عن نفسه في شعره، وإنما كان يصدر عن محفوظه من الشعر القديم. ومن ثم، قيل: أنه شاعر مقلد للشعر القديم وليس مبدعا، هذا الحكم حكم شائع، واقرأ إن شئت كثيرا من الكتابات التي كتبت عنه، ويسمونه: شاعر الإحياء، يعني: شعره لا يعبر عنه نفسه، ولا ثقافته، ولا عن فكره، وإنما هي مجرد أبيات حفظها من الشعر القديم، وينسج على منوالها. ولكن الدقة في التفسير عندما نأتي إلى هذه القضية، ونتعامل معها من خلال التفسير لهذه الظاهرة في شعر البارودي يتضح لنا أنه كان صاحب أذن مرهفة، وعين شاعرة، وأنه لجأ إلى ذلك لغاية سامية في نفسه يود تحقيقها، وقد نجح فعلا في تحقيق هذه الغاية حين أعاد الحياة إلى الشعر العربي من جديد. ومن ثم، عد أبا للشعر العربي الحديث ومدارسه. كما يكشف التفسير الدقيق أيضا أن شعر البارودي يصور نفسه بأحاسيسها ومشاعرها خير تصوير، وأن كل لفظة نطق بها أو صورة التقطها خياله إنما هي صورة لحسه وشعوره، وليس كما قال هؤلاء المدعون، المتهمون. هذه هي قضية البارودي. أما الشاعر الثاني هو أحمد شوقي: وقد شنت عليه حملة شعواء في ذلك العصر، مفادها: أنه لا يعبر عن نفسه في شعره، ولا يصور ذاته بأهوائها وخواطرها،

стр. 235

وسرت روح هذه الحملة بين الباحثين حتى صارت كأنها حقيقة، ولكن لو اعتمدنا على مبدأ التفسير الدقيق في بحثنا لشوقي، والبيئة التي عاش فيها؛ لتكشفت لنا مجموعة من الحقائق. ومن بعض هذه الحقائق التي تتكشف لنا: أن الشعراء ينقسمون إلى قسمين: شعراء ذاتيين، وشعراء غيريين. فالشعراء الذاتيون يتغنون بمشاعرهم وعواطفهم الذاتية، أما الغيريون: فيتغنون بعواطف أمتهم، ومشاعر قومهم، وجماهيرهم الجماعية، كما يتضح أيضا من خلال التفسير للشاعر، وبيئته، والظروف التي عاش فيها أن الشاعر لا يقاس بذاتيته، أو غيريته، وإنما يقاس بمدى براعته في فنه، وشوقي كان بارعا في فنه أيما براعة، وقد عد أكبر شاعر في عصره، وليس معنى أنه شاعر غيري أن ذاته لم تتضح في شعره، هذا غير صحيح، فكم له من شعر عبر فيه عن عواطفه ومشاعره بجانب مشاعر قومه الفياضة. هكذا، نجد أنفسنا أمام كثير من الظواهر الأدبية لا تنجلي ولا تتضح إلا من خلال التفسير الدقيق للظاهرة الذي يعد من أهم الأسس التي يلتزم الباحث بها عند صياغة بحثه، فكن دقيقًا في تفسيرك للمعلومات التي جمعتها. ومن الأمور المهمة التي يجب تحققها في الباحثين ومراعاتها عند صياغة البحث: قدرة الباحث على التذوق والتحليل، وأعني بالتذوق: تذوق النص الأدبي، وأعني بالتحليل: التحليل الفني، لا مجرد الشرح، أو بيان المعنى، أو التفسير السطحي. لم أقصد هذا. التذوق ملكة تنمو بالمران والممارسة، وقد أشرنا قبل ذلك إلى أن البحث الأدبي بناء تام متكامل، وإذا صح هذا فالتذوق هو أس هذا البناء، أي: أساسه الذي يقوم عليه، وأن التحليل الفني هو البناء نفسه، وعندما أقول: التذوق هو التحليل لا أعني التذوق المجرد الذي يقف عند حد

стр. 236

الإحساس بما في النص من متعة جمالية وفنية، لا أقصد هذا ولا أقصد التحليل السطحي الذي يقف عند حد المعنى الظاهر كما أشرت، وإنما أقصد التذوق الذي يدفع الباحث إلى الجري وراء العلل، والكشف عنها. أقصد: التحليل الذي يجعله يغوص في أعماق النص، ويكشف عن عناصر الجمال فيه، ويوضح تأثيرها في نفس المتلقي، يتخطى جانب الذات عنده، وجانب المتعة إلى الكشف عن العلل والأسباب، بل يتخطى ذلك كله إلى أثر ذلك في نفس المتلقي. فالتذوق لا يقصد لذاته، ولا لمجرد الكشف عن أحاسيس الباحث إزاء الأعمال الأدبية فحسب، فإذا وقف باحث أمام فن المتنبي الشعري مثلا، وتذوقه تذوقا صحيحا، ثم انتقل من التذوق إلى البحث عن مصادر الجمال فيه، فإنه سوف يقف على روعة لا مثيل له، روعة تجسيده لمعاني العروبة وأحاسيسها، ومعاني الفتوة والبطولة، وتصويره الرائع لاعتداده بنفسه، وغير ذلك من خصائص فنية تبدو من خلال هذا التذوق، وذلك التحليل. ولا شك في أن ذلك كله سوف ينعكس على نفس القارئ نتيجة لما يقوم به الباحث من تسجيل آثار انعكاساته على نفسه، وكما يحلل الباحث فن شاعر ويتذوقها، ينبغي أن يحلل شخصية الشاعر، ويكشف عن أثر العناصر الداخلية والخارجية فيها، أي: في هذه الشخصية. بمعنى: أنها يحلل المؤثرات ذاتها التي كونت شخصيته، فالشاعر ثمرة ظروف كثيرة متشابكة، والباحث يكشف من خلال تحليله لشخصيته عن طبيعة تلك الظروف وأبعادها النفسية والشخصية، كما يحلل الباحث المؤثرات التي تعاونت على تكوين غرض معين. تأمل استخدامات التحليل، أو مجالات استخدام التحليل، ليس في تحليل النص فقط، وإنما يحلل المؤثرات التي تعاونت على تكوين غرض معين، أو التي طبعت فن

стр. 237

شاعر ما بطابع خاص. فإذا وقلنا مثلا أمام غزل عمر بن ربيعة، ومخالفته للشعراء في ذلك، حين تحول في غزله من عاشق إلى معشوق، وأردنا أن نكشف عن سر ذلك التحول من خلال التحليل، فإن تحليلنا للمؤثرات التي أثرت في حياته يمكن أن يضيء لنا الطريق، ويكشف عن جانب كبير من هذا السر، وندرك أن حياته في كنف أمه، وتدليلها له، وتعلقها به تعلقًا زائدًا قد انعكس على شخصيته، وشكل فنه تشكيلا مخالفًا لما عليه الشعراء. وعلى نحو ما تحلل أغراض الشعراء وشخصياتهم تحلل اتجاهاتهم الفنية، هذا أيضا مسلك من مسالك التحليل، ويوضح التحليل مسالك تلك الاتجاهات، ومنابعها خاصة في العصر الحديث بعدما قوي اختلاط العرب بالغرب، وأصبح التأثير والتأثر حتميًّا، وظهرت بعض الاتجاهات الفنية المستوردة، كالنزعة التشاؤمية، والامتزاج بالطبيعة، والاتجاه الرومانسي عامة. ومن المهم أن يلاحظ الباحث الأمور التي أملت بالأديب، أو رافقته في حياته، فإن ذلك سيفيده في تحليل بعض الاتجاهات الفنية عنده، والمظاهر الفنية في الأدب تقوم مقام النظريات في العلوم، فكما أن النظريات في العلوم ترد طائفة كبيرة من الظواهر إلى مبدأ كلي يفسرها جميعًا بحيث لا تخرج عنه ظاهرة من الظواهر، كذلك المذهب الأدبي يجمع طائفة من الظواهر الفنية، والخصائص، ويتوصل إليها من خلال استقراء النصوص، وتذوقها، وتحليلها تحليلًا دقيقًا، وتصير تلك الخصائص مقياسًا فنيًّا للباحث. ومن الأمور التي ينبغي مراعاتها عند صياغة البحث أيضا: الدقة في عرض المعلومات بحيث يبدو الكلام مترابطا ترابطا منطقيا في كل فقرة من فقراته، بل في العنوانين ذاتها فيما بينها وبين بعضها البعض من ناحية، وبينها وبين ما تحتها من

стр. 238

معلومات من ناحية أخرى، ويتطلب هذا استيعاب المادة العلمية استيعابا دقيقا من قبل الباحث بحيث تتحول في نفسه من مجرد معارف متجاورة إلى عمل موحد له كيانه، وهذا يعني: أن البحوث لا تقوم على جمع المعارف والمعلومات فحسب، وإنما تقوم على الاستيعاب والتمثل؛ إذ لابد للباحث أن يعايش موضوعه، ويخالط المادة العلمية التي جمعها ويتمثلها تمثلا يحيلها إلى عمل متكامل، فالباحث لا يعرض معلومات، وإنما يعرض بناء متماسكا يسود بين أجزائه وفقراته المنطق والروابط الذهنية المحكمة، فلا نشاذ، ولا تكرار، ولا اضطراب، وبمقدار ما يحتاج البحث إلى تمثل قوي من الباحث فإنه يحتاج إلى شيء من الدقة حين عرض المعلومات والأفكار، ومراعاة حال المتلقي، وطبيعة البحث. كما يجب أن تتوفر في الباحث صحة الأداء بحيث يجيد استخدام الألفاظ، ويعرف موقعها، ودلالتها، ويقف على المصطلحات الأدبية والنقدية، ويدرك أبعاد هذه المصطلحات، فلا يردد ألفاظا أو مصطلحات لا يدرك معناها جيدًا، كما نرى في كثير من البحوث التي تكتب. كما يجب أن يتحرى الدقة في استخدام كلمات الأحكام الأدبية، فلا يوردها بصيغ التعميم إلا إذا تأكد من اندراج جميع الجزئيات في الحكم الأدبي، يعني: لا يصدر حكمًا عامًا إلا إذا كانت هذه الجزئيات تندرج تحت هذا الحكم، ولابد أن يفسح لصيغ الاحتمالات مجالا، ويبتعد عن كل حشو، ويتجنب كل تكلف في الأسلوب، فلا يستخدم السجع إلى ما قد يأتي عفوا، ولا يستخدم الصور البيانية إلا إذا التحمت بالكلام التحاما وجاءت في الحين البعيد بعد الحين، والأولى أن يتحاشاها؛ حتى لا تجره إلى أخلية معقدة، وحتى لا يؤدي به ذلك أحيانا إلى استخدام صور محفوظة تضر بأسلوبه، وسياقه، وتخرجه عن مجال الفكرة التي يتحدث عنها.

стр. 239

ولابد أن يتمرن طويلا؛ حتى يستقيم له أسلوب واضح فصيح، يخلو من الألفاظ الغريبة أو العامية المبتذلة، أسلوب وسط لا يعلو على أفهام المثقفين، ولا يهبط إلى لغة العوام، أسلوب فيه تناسق، فيه استواء. نجد ذلك عند كثير من النقاد، والأدباء المشهورين بجودة دراساتهم الأدبية الذي يملكون القدرة والبراعة، وربما كانت أفكارهم ضحلة، أو سطحية. ومع ذلك، يقبل عليهم القراء؛ لما يجدون عندهم من التناسق في العبارات، والصفاء، وحسن الأداء. نتعلم جميعًا من مثل تلك الأساليب، ونتمرن، ونتمرس. وينبغي أيضا أن تظهر شخصية الباحث العلمية خلال تصنيف المادة العلمية، وصياغتها، وتركيبها، ومناقشتها، ولابد أن يتسم بالحيدة، ويتحلى بالنزاهة، ويتصف بالموضوعية والإنصاف، وأن يتأدب في مناقشة الآراء، فلا يغلو في التسفيه، أو يشتط في الحملة، ويتجنب الحديث عن نفسه بألفاظ التفخيم، والتعظيم. كل هذا ينبغي أن يبتعد عنه الباحث، ولا يقع فيه بحال من الأحوال. ومما يتعلق بالصياغة أيضا وينبغي مراعاته جيدا: العبارة أو الأسلوب: فالبحث -كما أشرت آنفا- بنية واحدة متكاملة، كل عبارة فيه تمثل لبنة أساسية في تلك البنية، يضطرب البحث باضطرابها، ويستجاد بدقتها، وصحة تركيبها. ومن ثم، لابد للباحث من الدقة في التعبير عند الصياغة البحثية بحيث تأتي العبارة على قدر المعنى، دون زيادة أو نقصان، وأن تكون منسجمة في مكانها، فلا يضع عبارة مكان أخرى؛ لأن هذا يفقد البحث أهميته، ويجعله كالخيط المعقد النشاز. وينبغي للباحث أن يختار الجمل القصيرة البسيطة التركيب غير المعقدة، وأن يتجنب المبالغات الممقوتة، وأسلوب السخرية والتهكم، وكل ما يثير الخلاف، ويدعو إلى الجدل، ويخلو أسلوبه بكل ما يخل بالبلاغة والأساليب الأدبية. ومن ثم، لابد للباحث من ثقافة واسعة، ودراية كاملة بعلوم اللغة العربية،

стр. 240

والأخبار، والسير وغير ذلك من العلوم. ومما يتصل بالصياغة أيضا: تأمل الفقرات: والفقرة: مجموعة من الجمل تدور حول فكرة واحدة واضحة، وينبغي أن تكون متوسطة الطول متلاحمة مع نفسها ومع بعضها البعض، ومن الأمور التي يجدر الإشارة إليها في سياق الحديث عن صياغة البحث الحاشية، وأقصد بالحاشية: الجزء أسفل الصفحة، ويستخدم لأغراض كثيرة، كأن تشير مثلا إلى مرجع أو مصدر أخذت منه معلومة، أو مادة علمية، أو أن تحيل الباحث مثلا إلى صفحة من صفحات بحثك؛ حتى لا يقع تكرار داخل البحث، أو تفسير بعض المفردات التي تحتاج إلى تفسير، وتوضح بعض الأشياء التي وردت مجملة في صلب بحثك، أو تصحح ما تراه من أخطاء في نصوص نقلتها، أو جمعتها من هنا أو من هناك، أو تترجم للأعلام، وتعرف بالأماكن والبلدان. كل هذا يكون في الحاشية، وينبغي أن يهتم بها الباحث اهتمامًا لا يقل عن اهتمامه بالصياغة ذاتها، من حيث التنظيم، وحسن الإخراج، ومراجعة ما سجل فيها. فبعض الباحثين يهملها؛ فتصير وصمة عار في بحثه، وتبدو فيها الأخطاء جمة، أرجو أن يتخلص الباحثون من الوقوع في هذا الخطأ. ومما يتصل بالصياغة أيضا: قائمة المصادر والمراجع في نهاية البحث: يجمع الباحث المصادر والمراجع التي استمد منها مادته العلمية يجمعها من ثبت المصادر والمراجع في الحاشية، ثم يسجلها في نهاية البحث، يعني: يراجع الحاشية من أول صفحة حتى نهاية الصفحة الأخيرة من البحث، يجمع كل مرجع ذكره، ويسجلها في نهاية البحث تحت عنوان فهرس المصادر والمراجع، أو قائمة المصادر والمراجع، يذكر فيها اسم المرجع، وكل ما يتعلق به من معلومات، كاسم المؤلف، ورقم الجزء، وسنة الطبع، ومكان الطبع، واسم المحقق، أو الشارح، إلى آخر هذه المعلومات التي أشرنا إليها سابقًا.

стр. 241

والباحث مخير بين طريقين، يختار أحدهما لتسجيل هذه المصادر والمراجع في نهاية بحثه، الطريق الأول: يبدأ باسم المؤلف، ويضع إزاءه اسم الكتاب، وكل المعلومات التي تتعلق بها والمشار إليها سابقًا، فيقول مثلًا: ابن قتيبة (الشعر والشعراء) تحقيق أحمد شاكر الجزء الأول دار المعارف بمصر سنة ست وستين وتسع مائة وألف، أو مرجع آخر عند تسجيله: عبد الرحمن بدوي (مناهج البحث العلمي)، وكانت المطبوعات بدولة الكويت سنة سبع وسبعين وتسع مائة وألف، وهكذا بقية المراجع، تبدأ باسم المؤلف، ثم اسم المرجع، ثم يتلو ذلك المعلومات التي تتعلق بالمرجع كسنة الطبع والمحقق، أو الشارح وهكذا. وإن وجد للمؤلف أكثر من كتاب تذكر هذه المؤلفات مرتبة ترتيبا هجائيا، وكذا ترتب أسماء المؤلفين ترتيبا هجائيا، أو أبجديا، هذه طريقة. الطريقة الثانية: أن اسم المصدر أو المرجع مرتبًا ترتيبًا هجائيًّا أو أبجديًّا، ثم يشفعه بذكر اسم المؤلف، ثم بقية المعلومات عن هذا المصدر، فيقول مثلا: (الكامل في اللغة والأدب) المبرد، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الجزء الأول، طبع نهضة مصر، عام ست وخمسين وتسع مائة وألف، وهكذا بقية المصادر. وللباحث الحرية في اختيار أي الطريقين شاء، ولكن مع ملاحظة أنه ينبغي أن تكون صياغة المصادر والمراجع في نهاية البحث متفقة مع ما ورد في عرضها بحاشية البحث، فإن كنت في الحاشية تبدأ باسم المؤلف، ثم المرجع عند تسجيل المراجع فعليك أن تلتزم بهذا النهج عند ثبت المراجع في نهاية البحث. وإن كنت تبدأ بذكر اسم المرجع أولا، ثم المؤلف فالتزم بهذا عند إعداد قائمة المراجع والمصادر، مع ملاحظة إذا كان للكتاب أكثر من طبعة لابد من الإشارة إليها.

стр. 242

مراعاة قواعد الكتابة العربية في صياغة البحث من أهم الأمور التي تتصل بصياغة البحث، ولا يحق للباحث إغفالها بحال من الأحوال: مراعاة قواعد الكتابة العربية؛ إملائية ٍ، ونحوية ٍ، وصرفية ٍ، وكل ما يتصل بهذا؛ إذ يكثر فيها الخطأ، ويشيع بين الباحثين خاصة في الآونة الأخيرة في هذا العصر، مما يقلل من قيمة البحث، ويحط من شأن الباحث، وسوف نعرض بعض هذه القواعد عرضا سريعا؛ للإفادة منها عند صياغة بحثك، ونختار من هذه القواعد علامات الترقيم. وعلامات الترقيم، عبارة عن رموز اصطلاحية معينة، توضع بين الكلمات والجمل، والقصد منها: تيسير عملية الفهم والإفهام، ولهذه الرموز قواعد تنظمها، وليست مجرد علامات شكلية لا، لها قواعد منظمة ومحددة لموقعها بين الكلمات والجمل، وهي ليست شيئًا شكليًّا، ولكنها تنظم المعنى من خلال تقسيم الكلام، فلا يتداخل بعضه في بعض، ولو لم توضع هذه الرموز في الكلام، أو وضعت في غير أماكنها؛ لترتب على ذلك اضطراب وفساد في المعنى، هذه الرموز التي هي تسمى: بعلامات الترقيم هي: الفاصلة، الفاصلة المنقوطة، النقطة، النقطتان، الشرطة، الشرطتان، علامة التنصيص، علامة الحذف، علامة الاستفهام، علامة التعجب، أو التأثر. وسوف نشير سريعًا إلى مواضع كل علامة، أو كل رمز من هذه الرموز في الكلام. أولا: الفاصلة: ومن حق القارئ أن يسكت عندها سكتة خفيفة بمقدار أخذ النفس؛ لتمييز بعض أجزاء الكلام عن بعض، ولأن الكلام لم ينته بعد، وتوضع في الأماكن الآتية،:

стр. 243

أولا: بين أقسام الشيء، أو أنواع الشيء، فإذا قلنا مثلا: مثال: الشعر أقسام ثلاثة: غنائي، وقصصي، وتمثيلي. نضع فصلة بعد كلمة غنائي، وقصصي، وبعد كلمة تمثيلي وكقول بعض العلماء: بني الشعر على أربعة أركان هي: المدح، والهجاء، والنسيب، والرثاء. نضع فاصلة بعد كلمة المدح، والهجاء، والنسيب، والرثاء. الموضع الثاني: توضع بين الكلمات المفردة المرتبطة بكلمات أخرى تجعلها شبيهة بالجملة في طولها، كأن أقول مثلا: على العاقل ألا يكون راغبا إلا في أحد ثلاث: تزود لميعاد، أو مرمة لمعاش، مرمة: يعني إصلاح، أو لذة في غير محرم. تضع فاصلة بعد كلمة معاد، وكلمة معاش. الموضع الثالث: توضع الفاصلة بين الجمل التي يكون بينها ارتباط في المعنى والإعراب، كأن تكون الجملة الثانية صفة، أو حالا، أو ظرفا، أو خبرا ثانيا، ونضرب مثالا نقول: رأيت هلال المحرم، وهو بين السحاب كأنه الحسناء في خدرها. فتضع فاصلة بين كلمة المحرم، وبين وهو. ومثال آخر نقول: علي رجل صالح، يحافظ على الصلاة، ويعامل الناس معاملة حسنة، ولا يكذب بحديثه. فتضع فصالة بعد كلمة المحرم، وكلمة سحاب، وكلمة صالح، وكلمة حسنة. الموضع الرابع من مواضع الفاصلة: توضع بين الشرط وجزائه، والقسم وجوابه إذا طالت جملة الشرط أو القسم نأخذ مثالا: نقول إن استطعت أن تجوب أرجاء الدنيا كلها بحثا عن كتاب يفيدك في دنياك وآخرتك فلا تقصر، انظر إن استطعت "شرطية"، إن استطعت أن تجوب أرجاء الدنيا كلها؛ بحثا عن كتاب يفيدك في دنياك وآخرتك هذه كلها جملة الشرط، عندما آتي إلى الجواب، فلا فأقول: فلا تقصر، لابد أن تضع فاصلة قبل هذا الجواب.

стр. 244

الموضع الخامس من مواضع الفاصلة: توضع بين لفظ المنادى وما يليه من الكلام تقول مثلا: يا محمد، خذ الكتاب. تضع فاصلة بعد كلمة محمد، ومثل: أي بني، إياك والنميمة. تضع فاصلة بعد كلمة بني،. الموضع السادس: توضع الفاصلة بعد حرف الجواب إذا وقع في أول الجملة، ووصل بكلام بعده، توضع الفاصلة بعد حرف الجواب بشرط: إذا وقع في أول الكلام، ووصل بكلام بعده، كان تقول مثلا: نعم، إن العلم نور، سائل يسألك: هل العلم نور؟ فتقول: نعم، إذا سكت فضع النقطة، لكن إذا قلت: نعم، إن العلم نور، تضع فاصلة بعد كلمة نعم، ومثلها كلمة لا، وكلمة بلى، كل أدوات أو أحرف الجواب. العلامة الثانية: الفاصلة المنقوطة، ويسكت القارئ عندها سكتة متوسطة أطول بقليل من سكتة الفاصلة، وتستخدم في موضعين: الموضع الأول: توضع بين الجملة الطويلة التي يتركب من مجموعها كلام مرتبط في المعنى دون الإعراب؛ وذلك لإمكان أخذ النفس بين الجمل عند قراءتها، ومنع الخلط بين بعضها البعض؛ بسبب تباعدها. فنقول: ليست مشكلة البحث العلمي الآن ندرة الموضوعات الصالحة، أو قلة المراجع والمصادر، أو الإهمال في أداء الخدمة المكتبية، ونقص عدد المراجع بها، وقلة خبرة العاملين فيها؛ إنما المشكلة الحقيقية في الباحث نفسه. قبل كلمة إنما أضع فاصلة منقوطة. الموضع الثاني: توضع الفاصلة المنقوطة بين جملتين تكون الثانية منهما سببًا في الأولى، أو مسببة عنها، مثل: أقبل على قراءة الشعر الجاهلي؛ لأستمتع بما فيه

стр. 245

من روعة فنية. تأمل، فتضع فاصلة بعد كلمة الجاهلي. ومثل: استحوذ المتنبي بفنه على قلوب الخلفاء؛ فلا غرابة في كثرة حساده. فنضع فاصلة منقوطة بعد كلمة الخلفاء. العلامة الثالثة: النقطة: ويسكت القارئ عندها سكتة طويلة، ولذلك؛ تسمى: الوقفة، وتوضع في نهاية الجمل التامة المعنى المستقلة عما بعدها، وفي نهاية الفقرة، وعند انتهاء الكلام. العلامة الرابعة: النقطتان: وتستخدمان في المواضع التالية: بين القول ومقوله لفظًا معنى. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢)، قبل "واتقوا الله" أضع نقطتين. الموضع الثاني: توضع النقطتان بين الشيء وأقسامه، أقسام الشيء كما ذكرنا يوضع بينها فواصل، لكن الشيء نفسه، وأقسامه توضع النقطتان. نقول: الخلفاء الراشدون أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. نضع نقطتين بعد كلمة أربع، وفواصل بعد أبو بكر، وعمر، وعثمان. الموضع الثالث: قبل الكلام الذي يوضح ما قبله، أو الأمثلة التي تبين قاعدة. نقول مثلًا: في قراءة القرآن الكريم فوائد جمة: يزيد الحسنات، ويحط السيئات، ويطرد الشطيان، إلى آخر هذه الفوائد. قبل كلمة يزيد الحسنات، وبعد كلمة جمة أضع نقطتين؛ للفصل بين الجملتين. العلامة الخامسة: وهي الشرطة: وتستخدم الشرطة في المواضع التالية: نضعها بين العدد والمعدود إذا وقع في أول الكلام، أو في أول السطر. فتقول مثلًا: شروط الصلاة في بداية السطر: أولا تضع شرطة، ثانيا تضع

стр. 246

شرطة في أول السطر، لكن إذا كان الكلام على سبيل السرد: أولا، وثانيا، وثالثا، فهذا فيه كلام. الموضع الثاني من مواضع الشرطة: توضع بين ركني الجملة إذا طال الركن الأول. مثل: إن الباحث الجاد الذي يقدر قيمة البحث، ويتسلح بالثقافة والفطنة، ويطلع على مستجدات عصره -لاحظ هذا ركن إلى الآن لم يأت خبر إن، إن الباحث الجاد هذا هو الركن الأول- الذي يقدر قيمة البحث، ويتسلح بالثقافة والفطنة، ويطلع إلى مستجدات عصره -قبل أن أذكر الركن الثاني أضع شرطة- ثم أقول: يحقق نتائج جيدة. الموضع الثالث من مواضع الشرطة: توضع بين كلمات المسرودة، قد أسرد كلمات، أو جمل متتالية منقطعة عما قبلها، كل كلمة لا علاقة لها بما قبلها، وما بعدها، وكذلك كل جملة ليست هناك صلة بينها، وبين التي تسبقها، أو تلحقها. أقول مثلا، بين معنى الكلمات الآتية: مهيمن- عزيز- مستنفرة. تضع بين كل كلمة وكلمة شرطة، وكذا الجمل لو أنك تسأل عن معنى جمل وهكذا. الموضع الرابع من مواضع الشرطة: توضع في ابتداء السطر حال المحاورة بقصد فصل الكلام بين المتحاورين، لو عندي حوار كما في المسرحيات مثلا أو في المناظرات، وتأتي في أول السطر وتضع الشرطة هذه اختصارا لاسم الشخصية المتحاورة. العلامة السادسة: الشرطتان: يوضع بينهما الألفاظ التي ليست من أركان الجملة، أو الكلام عمومًا، كالجمل المعترضة وألفاظ الاحتراز والتفسير، وما أشبه ذلك، توضع بين شرطتين، والبعض يضعها بين قوسين.

стр. 247

العلامة الرابعة: علامة التنصيص: ويوضع بينهما كل كلام منقول بنصه وحرفه -كما أشرنا من قبل- وكذا الكلمات التي قصد لفظها، مثل: تستعمل "مِن" لعدة معان، أضع كلمة من، أو حرف من بين علامتي تنصيص. العلامة الثامنة: علامة الحذف: وهي عبارة عن ثلاث نقط أو أكثر توضع مكان الكلام المحذوف. العلامة التاسعة: وهي علامة الاستفهام: وتوضع في نهاية الجمل الاستفهامية إذا ذكرت فيها أداة الاستفهام، أو قدرت. العلامة العاشرة: علامة التعجب: وتوضع بعد الجمل التي تعبر عن الانفعالات النفسية كالتعجب، والفرح، والدهشة، ونحو ذلك. هذه هي أهم علامات الترقيم المشهورة، والمواضع التي تستخدم فيها، وإن أولى الناس بمراعاتها الباحث في اللغة والأدب، ومن العيب أن يغفل عنها، كما أنه من العيب أن يغفل عن بقية القواعد الإملائية، وهي موجودة ومتيسرة في الكتب المتخصصة بها، فعليك الرجوع إليها أيها الباحث، والإفادة منها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 248

الدرس: ١٥ مفهوم التحقيق والتوثيق وشروط المحقق .

стр. 249

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس عشر (مفهوم التحقيق والتوثيق وشروط المحقق) مفهوم التحقيق والتوثيق الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه وبعد: فكلمة "تحقيق" مصدر للفعل حقق. جاء في (لسان العرب) لابن منظور: "حَقَّ الأمْرُ يحِقُّ ويَحُقُّ حَقّا وحُقُوقا أي صار حَقا وثبتَ، وحقه وأحقه أي: أثبته وصار عنده حقا لا يشك فيه، وأيضا ورد: وحقه وحققه أي: صدقه، وحقق الرجل: إذا قال: هذا الشيء هو الحق بمعنى: أنه اعترف بأحقية ذلك الشيء وصدقه، وأحققت الأمر إحقاقا: إذا أحكمته وصححته، ويقال أيضا: كلام محقق أي كلام محكم منظم، ويقال أيضا: أحق الله الأمر أي: أظهره وأثبته للناس، والحق هو الثابت الصحيح، وهو ضد الباطل، وقال أبو البقاء: التحقيق تفعيل يعني على وزن: تفعيل من حق بمعنى: ثبت. وقال بعضهم: التحقيق في اللغة رجع الشيء إلى حقيقته أي: رد الشيء إلى حقيقته بحيث لا يشوبه شبهة، وهو المبالغة في إثبات حقيقة الشيء بالوقوف عليه، والتحقيق مأخوذ من الحقيقة، وهو كون المفهوم حقيقة". من خلال هذه النصوص وغيرها نستنتج أن مادة حقق ومشتقاتها تدور حول عدة معان من أهم هذه المعاني: الإثبات والتصديق والإحكام والتنظيم والتصحيح والإظهار. هذا من حيث الدلالة اللغوية، أما في اصطلاح أهل الفن، فقد تعددت فيه الأقوال فمن قائل: إنه بذل العناية بالمخطوطات؛ لتكون أقرب إلى الصورة التي كتبها مؤلفها من حيث الدقة

стр. 250

والسلامة مما يجعل الإفادة منها كبيرة. ومن قائل: إنه بذل عناية خاصة بالمخطوطات حتى يمكن التثبت من استيفائها لشرائط معينة، والكتاب المحقق هو: الذي صح عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبة الكتاب إليه، وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه. وبعضهم قال: إن التحقيق هو: بذل الجهد، واستقصاء البحث بغية الوصول إلى حقيقة ما قالها مؤلف النص. وبعضهم قال: إن التحقيق هو الاجتهاد في جعل النصوص مطابقة لحقيقتها في النشر، كما وضعها صاحبها ومؤلفها من حيث اللفظ والخط والمعنى. وهناك أقاويل كثيرة غير التي ذكرت، لكنها تدور حول هذا المعنى، ولا تخرج عن هذا الإطار، ولو تأملت معي هذه الأقاويل جيدا لاتضح لك أنها تتوجه بالتحقيق نحو النص نفسه، وتكتفي بتقديم النص المخطوط كما أراده مؤلفه، وتغفل خدمة النص تماما، فلم يشر أي من هذه التعريفات السابقة إلى تخريج النص أو شرح غامضه أو فهرسته أو ضبطه، أو غير ذلك مما يخدم النص، أعني: التعريف لم يشتمل على إشارة إلى هذه الأشياء، لكن جميع المحققين الذين أشاروا إلى هذه التعريفات بلا شك يتحدثون عن كل هذه الجوانب التي أشرت إليها، ولم توجد لها إشارة في التعريف، بمعنى أنهم عند التطبيق يخدمون النص، ويتناولونه من جميع جوانبه لكن التعريف لا يشتمل على إشارة تدل على هذه الخدمة، وليس هذا الذي أشرت إليه من خدمة النص من قبيل النافلة، وإنما هي قضايا أساسية تدخل في صميم العمل التحقيقي. إن العالم الذي يحقق كتابا من كتب التراث يصبح أقرب الناس إليه، وأكثرهم فهما لغامضه، وإدراكا لمشكلات نسخه ومعرفة بمصادره وطريقته؛ لأنه قرأ
следующие страницы →