← Адаб

Адаб · id 30927

أصول البحث الأدبي ومصادره - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (350 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شرطة في أول السطر، لكن إذا كان الكلام على سبيل السرد: أولا، وثانيا، وثالثا، فهذا فيه كلام. الموضع الثاني من مواضع الشرطة: توضع بين ركني الجملة إذا طال الركن الأول. مثل: إن الباحث الجاد الذي يقدر قيمة البحث، ويتسلح بالثقافة والفطنة، ويطلع على مستجدات عصره -لاحظ هذا ركن إلى الآن لم يأت خبر إن، إن الباحث الجاد هذا هو الركن الأول- الذي يقدر قيمة البحث، ويتسلح بالثقافة والفطنة، ويطلع إلى مستجدات عصره -قبل أن أذكر الركن الثاني أضع شرطة- ثم أقول: يحقق نتائج جيدة. الموضع الثالث من مواضع الشرطة: توضع بين كلمات المسرودة، قد أسرد كلمات، أو جمل متتالية منقطعة عما قبلها، كل كلمة لا علاقة لها بما قبلها، وما بعدها، وكذلك كل جملة ليست هناك صلة بينها، وبين التي تسبقها، أو تلحقها. أقول مثلا، بين معنى الكلمات الآتية: مهيمن- عزيز- مستنفرة. تضع بين كل كلمة وكلمة شرطة، وكذا الجمل لو أنك تسأل عن معنى جمل وهكذا. الموضع الرابع من مواضع الشرطة: توضع في ابتداء السطر حال المحاورة بقصد فصل الكلام بين المتحاورين، لو عندي حوار كما في المسرحيات مثلا أو في المناظرات، وتأتي في أول السطر وتضع الشرطة هذه اختصارا لاسم الشخصية المتحاورة. العلامة السادسة: الشرطتان: يوضع بينهما الألفاظ التي ليست من أركان الجملة، أو الكلام عمومًا، كالجمل المعترضة وألفاظ الاحتراز والتفسير، وما أشبه ذلك، توضع بين شرطتين، والبعض يضعها بين قوسين.

стр. 247

العلامة الرابعة: علامة التنصيص: ويوضع بينهما كل كلام منقول بنصه وحرفه -كما أشرنا من قبل- وكذا الكلمات التي قصد لفظها، مثل: تستعمل "مِن" لعدة معان، أضع كلمة من، أو حرف من بين علامتي تنصيص. العلامة الثامنة: علامة الحذف: وهي عبارة عن ثلاث نقط أو أكثر توضع مكان الكلام المحذوف. العلامة التاسعة: وهي علامة الاستفهام: وتوضع في نهاية الجمل الاستفهامية إذا ذكرت فيها أداة الاستفهام، أو قدرت. العلامة العاشرة: علامة التعجب: وتوضع بعد الجمل التي تعبر عن الانفعالات النفسية كالتعجب، والفرح، والدهشة، ونحو ذلك. هذه هي أهم علامات الترقيم المشهورة، والمواضع التي تستخدم فيها، وإن أولى الناس بمراعاتها الباحث في اللغة والأدب، ومن العيب أن يغفل عنها، كما أنه من العيب أن يغفل عن بقية القواعد الإملائية، وهي موجودة ومتيسرة في الكتب المتخصصة بها، فعليك الرجوع إليها أيها الباحث، والإفادة منها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 248

الدرس: ١٥ مفهوم التحقيق والتوثيق وشروط المحقق .

стр. 249

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس عشر (مفهوم التحقيق والتوثيق وشروط المحقق) مفهوم التحقيق والتوثيق الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه وبعد: فكلمة "تحقيق" مصدر للفعل حقق. جاء في (لسان العرب) لابن منظور: "حَقَّ الأمْرُ يحِقُّ ويَحُقُّ حَقّا وحُقُوقا أي صار حَقا وثبتَ، وحقه وأحقه أي: أثبته وصار عنده حقا لا يشك فيه، وأيضا ورد: وحقه وحققه أي: صدقه، وحقق الرجل: إذا قال: هذا الشيء هو الحق بمعنى: أنه اعترف بأحقية ذلك الشيء وصدقه، وأحققت الأمر إحقاقا: إذا أحكمته وصححته، ويقال أيضا: كلام محقق أي كلام محكم منظم، ويقال أيضا: أحق الله الأمر أي: أظهره وأثبته للناس، والحق هو الثابت الصحيح، وهو ضد الباطل، وقال أبو البقاء: التحقيق تفعيل يعني على وزن: تفعيل من حق بمعنى: ثبت. وقال بعضهم: التحقيق في اللغة رجع الشيء إلى حقيقته أي: رد الشيء إلى حقيقته بحيث لا يشوبه شبهة، وهو المبالغة في إثبات حقيقة الشيء بالوقوف عليه، والتحقيق مأخوذ من الحقيقة، وهو كون المفهوم حقيقة". من خلال هذه النصوص وغيرها نستنتج أن مادة حقق ومشتقاتها تدور حول عدة معان من أهم هذه المعاني: الإثبات والتصديق والإحكام والتنظيم والتصحيح والإظهار. هذا من حيث الدلالة اللغوية، أما في اصطلاح أهل الفن، فقد تعددت فيه الأقوال فمن قائل: إنه بذل العناية بالمخطوطات؛ لتكون أقرب إلى الصورة التي كتبها مؤلفها من حيث الدقة

стр. 250

والسلامة مما يجعل الإفادة منها كبيرة. ومن قائل: إنه بذل عناية خاصة بالمخطوطات حتى يمكن التثبت من استيفائها لشرائط معينة، والكتاب المحقق هو: الذي صح عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبة الكتاب إليه، وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه. وبعضهم قال: إن التحقيق هو: بذل الجهد، واستقصاء البحث بغية الوصول إلى حقيقة ما قالها مؤلف النص. وبعضهم قال: إن التحقيق هو الاجتهاد في جعل النصوص مطابقة لحقيقتها في النشر، كما وضعها صاحبها ومؤلفها من حيث اللفظ والخط والمعنى. وهناك أقاويل كثيرة غير التي ذكرت، لكنها تدور حول هذا المعنى، ولا تخرج عن هذا الإطار، ولو تأملت معي هذه الأقاويل جيدا لاتضح لك أنها تتوجه بالتحقيق نحو النص نفسه، وتكتفي بتقديم النص المخطوط كما أراده مؤلفه، وتغفل خدمة النص تماما، فلم يشر أي من هذه التعريفات السابقة إلى تخريج النص أو شرح غامضه أو فهرسته أو ضبطه، أو غير ذلك مما يخدم النص، أعني: التعريف لم يشتمل على إشارة إلى هذه الأشياء، لكن جميع المحققين الذين أشاروا إلى هذه التعريفات بلا شك يتحدثون عن كل هذه الجوانب التي أشرت إليها، ولم توجد لها إشارة في التعريف، بمعنى أنهم عند التطبيق يخدمون النص، ويتناولونه من جميع جوانبه لكن التعريف لا يشتمل على إشارة تدل على هذه الخدمة، وليس هذا الذي أشرت إليه من خدمة النص من قبيل النافلة، وإنما هي قضايا أساسية تدخل في صميم العمل التحقيقي. إن العالم الذي يحقق كتابا من كتب التراث يصبح أقرب الناس إليه، وأكثرهم فهما لغامضه، وإدراكا لمشكلات نسخه ومعرفة بمصادره وطريقته؛ لأنه قرأ

стр. 251

الكتاب وتمثله وخبر أرضه، فالتحقيق ينبغي أن يعني بتحرير النص وخدمته معا، ولا يقف عند مجرد إخراجه على الصورة التي كتبه بها مؤلفه، ومن ثم أرى أن أفضل تعريف للتحقيق هو ما قال به أحد الباحثين حيث قال: إنه الجهد الذي يبذله العالم في سبيل الوصول إلى نص يجتهد في كونه مماثلا لنص صاحبه، وفي سبيل تيسير الإفادة منه. العبارة الأخيرة -التي هي في سبيل تيسير الإفادة منه- هي التي زادت عن التعريفات السابقة، وهي تعني خدمة النص إذ لا تتيسر الإفادة منه إلا بشرح غامضه وضبط مشكله وتخريجه، وهذا كله يسمى بخدمة النص. وجدير بالذكر أن أي باحث في العلوم الإنسانية مطالب بتحقيق النص الذي يستنبط منه أحكامه -حتى ولو كان غير مخطوط- هو أمام نص لابد أن يحققه، ويتثبت من صحته أولا، ويتوصل إلى نتائج قبل أن يصدر أحكامه ويسجل نتائجه، وليس من اللازم أن يكون ذلك النص مخطوطا -كما ذكرت، لا؛ مسألة التحقيق بمعنى: التثبت هذه صفة في الباحث، فكثير من الكتب المطبوعة التي بين أيدينا تحتاج إلى تحقيق؛ لأن الذين تولوا طبعها ونشرها جماعة من الذين لا علم لهم بالتحقيق ولا دراية لهم بأصوله، ومن ثم جاءت هذه المطبوعات مليئة بالتصحيف والتحريف واضطراب في النصوص، تبعد بها كثيرا عن الأصل الذي كتبه مؤلف هذه النصوص. التحقيق العلمي لون من ألوان البحث، إياك أن تظن أننا خرجنا بهذا عن إطار البحث لا، فالتحقيق العلمي لون من ألوان البحث، يعنى بتوثيق النص وسلامته وشرحه والاستنباط منه، على هدي من الأصول العلمية التي وضعت لهذا النوع من البحوث، وإذا راعى الباحث هذه الأصول العلمية

стр. 252

وطبقها بدقة وصل إلى الغاية المنشودة، وأخرج عملا علميا من الظلمات إلى النور يستفيد به كثير من الباحثين. أما كلمة توثيق فهي مصدر للفعل وثق نقول: وثق الشيء توثيقا فهو موثق أي: محكم، والوثيق هو: الشيء المحكم، ووثقت فلانا إذا قلت: إنه ثقة، ووثق به أي: ائتمنه، فالمادة مادة: الواو والثاء والقاف تدور حول الاطمئنان إلى الشيء وإحكامه. والمراد بتوثيق النص: التأكد من صحة نسبته إلى مؤلفه، والعصر الذي قيل فيه، والاطمئنان إلى أن النص وصل إلينا كما تركه مؤلفه، فلم يلحقه تزوير أو تحريف أو حشو أو إكمال أو أي شيء من هذا القبيل، وهو بذلك يصبح وثيقة من الوثائق يعني لا يتطرق إليه شك. والتحقيق والتوثيق مصطلحان يشيعان في حقل الدراسات الأدبية أكثر من أي حقل علمي آخر، فهما يستخدمان في مجال نشر التراث الأدبي في صورة صحيحة وتنقيته من كل شائبة، وتراث أي أمة جزء أصيل من كيانها، وإحياء ذلك التراث إحياء لماضيها المعرق وتاريخها المشرق، وفي إحيائه أيضا استجلاء لآفاق وجدانية وفكرية وحضارية مهمة في تاريخ الأمة، وتذكير بما أسداه علماؤها إلى العالم في مواكب التحضر والرقي، وتراث أمتنا العربية هو رصيدها الباقي وذخيرتها الثابتة، والأمم بماضيها قبل أن تكون بحاضرها، وفرق بين أمة لها موروث وأمة لا موروث لها، وتراث أمتنا العربية يشهد بما لديها من فكر ومعرفة وثقافة وحضارة، فقد كانت ومازالت نبراس حضارة العالم أجمع، ورائد عبقرية الإنسانية في كل مكان، وما حرص الأمة العربية على إحياء تراثها إلا لكي تعيش حاضرا موصولا بماض عريق، وتبني على هذا الماضي العريق حاضرها الوطيد، وأول ما لنا من هذا التراث هو لغته التي كتب بها ذلك التراث، أدبه الذي عكس

стр. 253

فكرها، وسجل حضارتها، وصور عبقريتها، هذه من البديهيات الظاهرة التي يلحظها كل من يبحث في المخطوطات حتى لو كانت غير متخصصة في الأدب. كلمة تراث مأخوذة من: ورث، فالتاء في كلمة تراث مبدلة من الواو فالعرب يقولون: ورثت الشيء من أبي أرثه وراثة وإرثا، وهو متعدد الجوانب عند العرب، وأنا لا أعني التراث بمعناه العام، ولكن التراث الذي أعنيه هنا هو: ما خلفه العرب من ألوف الكتب والرسائل، والتي لا يزال كثير منها مخطوطا في مكتبات العالم شرقه وغربه، وما تحتوي هذه الكتب من آراء ونظريات تشهد على أصحابها أو لهم، وتعكس فكرهم وثقافتهم، وتصور حضارتهم، وليس هناك حدود معينة لتاريخ أي تراث، فكل ما خلفه المؤلف من نتاج يعد تراثا فكريا له قيمته، والأمة العربية تملك أعظم ثروة تراثية في مختلف مجالات العلم والمعرفة، وحري بنا أن نقف أمام هذه الكنوز وقفة إكبار وإجلال، ونطاول بها أعنان السماء في اعتزاز وفخر وشموخ. وقد توالت على التراث العربي نكبات عدة ومحن عاتية عصفت به -اقرءوا التاريخ فإنه خير شاهد على ذلك- وذهبت بالكثير من كنوزه ونفائسه كالغزو المغولي الذي دمر مراكز الحضارة الإسلامية في بغداد، وقضى على مقتنيات بيت الحكمة، فأحرق بعضها وأغرق البعض الآخر في مياه دجلة، ومن ثم ضاع كثير من هذه الكنوز وتلك النفائس، ولو بقيت لبقي علم وفكر لا حدود لهما. ومن تلك النكبات أيضا الغزو الصليبي الذي ضيع مراكز الحضارة الإسلامية في منطقة الشام، وأهدر الألوف من الكتب القيمة كما يشهد بذلك التاريخ أيضا، ومن تلك النكبات الفتن الداخلية المذهبية في داخل الأوطان العربية ذاتها، هذه الفتن المذهبية والسياسية والاقتصادية التي انعكست آثارها على تراث الأمة الحضاري والفكري، وراح ضحيتها آلاف الكتب.

стр. 254

هذه نكبات وفتن أدت إلى نتيجة واحدة: إهدار كثير من تراثنا، وضياع فكر كنا في أشد الحاجة إليه، هذه النكبات تمثل جراحات غائرة في جسد تراثنا المخطوط لازلنا نعاني منها إلى الآن ما بين تمزيق وإتلاف وتشويه وسرقة، وأصبحنا في أشد الحاجة إلى تضميد تلك الجراحات ولَمّ شعث هذا الشتات ورتق خرقه، وقد هيأ الله لهذا التراث من ينهض به، ويدفع عنه عاديات الزمان، ويجدّ في تحقيقه وتوثيقه رجالات وهيئات ومؤسسات وجامعات، كل هؤلاء -أخذوا على عاتقهم هذه المهمة الصعبة- الرجالات والهيئات والمؤسسات تسعى بخطى وثابة نحو تحقيق هذا التراث، وتوثيقه وإحيائه ونشره في صورة رائقة رائعة، وإنها لعملية معقدة تحتاج إلى جهد جهيد وعزيمة قوية وتعاون وشد أزر. متى ظهر التحقيق والتوثيق؟ الحقيقة أن تحقيق النصوص وتوثيقها فن عربي المولد والنشأة منذ فجر التاريخ والحضارة، ولم تعرفه أوربا إلا في القرن الخامس عشر الميلادي عندما اهتموا بإحياء الآداب اليونانية واللاتينية، وعندما عرفته أوربا بعلمائها لم يأتوا به على أكمل وجه حين ذاك؛ إذ عمدوا إلى المهم منه، واستنتجوا اصطلاحات حدسية خالفوا بها ما في النسخ الأصلية، وهذا يخالف الأصول التي وضعها العلماء للتحقيق العلمي. أما إذا نظرنا إلى الفكر العربي وجهود العرب في ميدان التحقيق، فيعد القرآن الكريم أول كتاب تم تحقيقه وتدوينه، كان ذلك في النصف الأول من القرن الأول الهجري، ثم بعد ذلك دون الشعر الجاهلي بعد تحقيقه في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، ولا شك في أن الشعر الجاهلي قد تعرض لآفات كثيرة

стр. 255

فحمل عليه ما ليس منه، وضاع منه الكثير في غمار الزمن، وقامت الطبقة الأولى من الرواة العلماء الثقات بتحقيق ذلك التراث الشعري وتنقيته من الشوائب، ودونوه بقصد إنقاذه من الضياع والتشويه والتزوير، واشتهر بعض الرواة بالضبط والثقة والأمانة والبعض الآخر بالكذب والتهاون والوضع. هذا هو ميدان التحقيق والتثبت من النصوص وإخراجها كما صدرت عن مؤلفها، هذا في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري. وفي القرن الثالث قامت حركة منظمة للجمع والتدوين على أيدي أئمة من الخبراء بالشعر الذين يعرفون صحيحه من زائفه، وجمعت هذه الحركة تراثا ضخما من هذا الشعر الذي قيل في الأزمنة السابقة عليهم، بداية من العصر الجاهلي، جمعوا تراثا ضخما عكف عليه الدارسون يستخلصون منه معجم ألفاظهم، وقواعد نحوهم وصرفهم، وأساليبهم البيانية وخصائصها التعبيرية، وقد قام رواة الشعر وعلماؤه بدور عظيم في مجال تحقيق هذه النصوص وتوثيقها، فتارة يراجعون الدواوين التي تقع بين أيديهم، وتارة يعرضون هذه النصوص على الأحداث أو التاريخ وأعلامه؛ ليكشفوا صحيحها من زائفها وسليمها من سقيمها، وقاموا بمراجعات كثيرة لألفاظها؛ لتوضيح ما دخلها من تصحيف وتحريف حتى في اللفظ وكتب التراث التي تناولت هذا بين أيدينا، وفيها تنبيهات كثيرة على هذه التحريفات وتلك التصحيفات، وهي خير شاهد على هذا الجهد الذي بذله هؤلاء العلماء الرواة في سبيل تحقيق وتصحيح وتوثيق هذا التراث الشعري الأصيل. ومن ثم يمكننا القول: إن التوثيق عند هؤلاء العلماء الذين اشتهروا برواية الشعر والعلم به بدأ بتمييز الرواة الموثقين من الرواة المتهمين، ونصوا على كل طائفة منهم فذكروا من الموثَقين الأثبات أسماء كثيرة كالمفضل الضبي مثلا والأصمعي

стр. 256

وابن سلام الجمحي، وذكروا من الذين اتهموا بالوضع والانتحال والتزييف: حماد الراوية، وخلف الأحمر، وابن إسحاق، وغيرهم، وقام هؤلاء العلماء الموثقون بفحص الشعر وتمحيصه وتصفيته من شوائبه ورفضوا رواية الرواة الوضاعين ممن أجادوا فن الشعر، كما رفضوا ما حمله رواة السير والأخبار من أشعار غثة. علم من هؤلاء الأعلام الذين عنوا بالتحقيق والتوثيق: أبو سعيد السكري الذي توفي سنة خمس وسبعين ومائتين للهجرة، وقد اهتم السكري بجمع الدواوين من أشعار الجاهليين والإسلاميين إلى أيامه، نقدها، تأملها، شرحها، فسر غريبها، وقد استقصى ابن النديم ذكر الشعراء الذين حمل الرواة دواوينهم، ثم أعقبهم السكري، فاختار من جملة هذه الروايات ما رآه جديرا بالاختيار، بلغ عدد هؤلاء الشعراء الذين حقق السكري دواوينهم ستة وخمسين شاعرا، وإذا علمنا أنه وقف على ثلاث من الروايات، وهو يصنع ديوان هزيل لعلمنا مدى دقته في التحقيق والتثبت. الرواية الأولى: هي الرواية التي رويت عن الرياشي شيخه، وهي مروية عن الأصمعي عن عمارة بن أبي طرفة الهزلي. الرواية الثانية: عن أستاذه أبي جعفر محمد بن حبيب وهي مروية عن ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني. الرواية الثالثة: عن محمد بن الحسن عن عبد الله بن إبراهيم الجمحي. وازن السكري بين هذه الروايات وحقق ومحص، ثم في النهاية اختار ما اعتقد أنه صواب، وهذا هو عمل المحقق يجمع النسخ، وكان للسكري منهج واضح في الجمع بين الروايات، فالقصائد المجمع على صحة نسبتها ونصها، كان يوردها

стр. 257

دون نص على هذا الإجماع، أما الروايات التي وقع فيها خلاف في روايتها، فإنه كان ينص على أوجه الخلاف، ليس في رواية الديوان أو في رواية القصيدة، وإنما كان ينبه إلى أوجه الخلاف في رواية الأبيات المفردة ذاتها. لم يكن السكري وحده وإنما كان العلماء جميعا هذا ديدنهم، وذاك منهجهم توثيق الدواوين، تحقيقها، وبالإضافة إلى ذلك كانوا ينصون على ما زاد في بعض الروايات، وينصون على أوثقها يقولون: وزاد فلان في روايته كذا على رواية الأصمعي أو على رواية الشيباني، ثم يقولون: هذه أوثق الروايات، وهذه تأتي في الدرجة الثانية بعد الثقة، فمثلا هذا ابن النديم صاحب كتاب (الفهرست) يذكر (المفضليات) ثم يقول: "هي مائة وثمان وعشرون قصيدة، وقد تزيد وتنقص، وتتقدم القصائد وتتأخر بحسب الرواية عن المفضل، والصحيحة -يعني الرواية الصحيحة- التي رواها عنه ابن الأعرابي". هذا الحكم لم يصدر عن ابن النديم عشوائيا، ولكن صدر عن تمحيص أو على الأقل عن تتبع لآراء المحققين في تلك الروايات، وأي الرواية أصح وأيها فيه شك أو ما يشبه ذلك، فابن النديم يرى أن رواية ابن الأعرابي أعلى الروايات وأوثقها، وهي الرواية التي بنى عليها ابن الأنباري شرحه لـ (المفضليات). ومما تجدر الإشارة إليه أن الرواد الأوائل من الرواة والعلماء لم يلتزموا الإسناد فيما رووه إلا نادرا، ولكن بعد أن اتسع القول في علم الحديث ووضعت أصوله وحددت مصطلحاته، بدأ رواة الأدب يحرصون على رواية ما اتصل من الأسانيد عند ذكر الأخبار والأشعار والسير. وقد اتضح هذا السلوك في مؤلفات القرن الثالث الهجري والقرون التي بعده، ونراه ماثلا في كتابي (الأغاني) للأصفهاني، و (مجالس ثعلب) بل بلغ الأمر

стр. 258

ببعضهم أن وضع شروطا لرواية الأدب هي بعينها شروط رواية الحديث الشريف، فيقول الصاحبي مثلا: "تؤخذ اللغة سماعا من الرواة الثقات، ويتقى -يعني يتجنب- المظنون"، وقد صرح ابن الأنباري بقياس رواية الأدب على رواية الحديث حين قال: "يشترط أن يكون ناقل اللغة عدلا رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدا، كما يشترط في ناقل الحديث؛ لأن به معرفة تفسيره وتأويله، فاشترط في نقله ما اشترط في نقله"، يعني اشترط في نقل اللغة أو الأدب ما يشترط في نقل الحديث، بل إن بعض الفقهاء قد عرض لرواة اللغة والأدب، فاشترط فيهم العدالة، ومن هؤلاء الفقهاء العز بن عبد السلام في القرن السابع الهجري. كما اشترط العلماء في راوي الأدب واللغة أن يكون الأثر معروفا ناقله وقائله، وردّوا من الآثار واللغات ما كان مجهول القائل أو الناقل، ورفضوا الاحتجاج به، وهذا الشرط في الحقيقة مكمل لشرط العدالة؛ لأن الجهل بالناقل أو القائل يوجب الجهل بالعدالة هذا منطقي. هذا بالنسبة للجهود العربية في القديم، فهل كان لعلماء أوربا في ذلك الوقت دور في هذا المجال؟ لا، لم يهتد علماء أوربا لهذا الفن إلا في القرن الخامس عشر الميلادي، حين اهتموا بإحياء الآداب اليونانية واللاتينية، وكانوا إذا وجدوا كتابا من كتب القدماء قاموا بطبعه، ولا يبحثون عن النسخ الأخرى لهذا الكتاب، ولا يصححون إلا أخطاءه البسيطة. فلما ارتقى علم الآداب عندهم عمدوا إلى جمع النسخ المتعددة لكتاب من الكتب القديمة وقابلوا بينها، وكانوا كلما تخالفت النسخ اختاروا إحدى الروايات المختلفة، ومع ذلك كانوا ينتقون المهم منها، ويستنتجوا الاصطلاحات الحدسية التي تخالف ما هو مروي في النسخ، ولم يكن لهم منهج معلوم، ولا قواعد متبعة كما رأينا عند العرب الأوائل، وظل الأمر على هذا الحال حتى أواسط

стр. 259

القرن التاسع عشر، حين وضعت الأصول العلمية لنقد النصوص ونشر الكتب القديمة، واستنبطوا هذه القواعد والأصول من الآداب اليونانية واللاتينية، ثم من آداب القرون الوسطى، هذا الكلام أشار إليه المستشرق "برجشتر" المستشرق الألماني الذي يعد أول من طبق هذه الأصول، ودعا إليها في محاضرته التي ألقاها على طلاب الدراسات العليا، في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة، سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة وألف. جهود المستشرقين في مجال تحقيق التراث العربي: لقد نجح علماء الغرب حقيقة في وضع مجموعة من الأصول والقواعد اللازمة لنقد النصوص وتحقيقها، حدث هذا خلال القرن التاسع عشر، وقد تأثر المستشرقون بهؤلاء العلماء، واعتمدوا على تلك الأصول والقواعد في نشرهم لأمهات الكتب العربية. المستشرقون عندما ولوا وجوههم نحو التراث العربي في لغته وأدبه، وبدؤوا يحققون هذه المخطوطات نقلوا مناهج علمائهم في أوربا وأفادوا منها. أولا: من هؤلاء العلماء الذين كان لهم دور في تأصيل هذه الأصول: "وليم رايت" الإنجليزي الذي نشر كتاب (الكامل) للمبرد، والحقيقة نشره نشرة متقنة مزودة بفهارس دقيقة، وطبعه سنة أربع وستين وثمانمائة وألف. عالم آخر "جوستاف يان" الألماني ونشر (شرح المفصل) لابن يعيش سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة وألف، وكان هذا المستشرق ضليعا في النحو العربي. ومن هؤلاء أيضا: "بيفان" الهولندي، الذي نشر نقائض جرير والفرزدق نشرة علمية مزودة بالفهارس والتعليقات، نشرها في "ليدن" سنة ألف وتسعمائة وخمس. ومن هؤلاء أيضا "تشارلز ليل" الإنجليزي الذي نشر (شرح المفضليات) لابن الأنباري، مع ترجمة بالإنجليزية في بيروت سنة ألف وتسعمائة وعشرين. ومنهم

стр. 260

أيضا "رودل فيجير" الألماني، ونشر ديوان الأعشى الكبير، والأعشيين الآخرين، في كتاب سماه (الصبح المنير في شعر أبي بصير) وقيل: إنه استخدم في نشر شعر هؤلاء أكثر من خمسمائة مصدر عربي مطبوع، وطبع كتابه في لندن سنة ثمان وعشرين وتسعمائة وألف، وكثير من المستشرقين غير هؤلاء تركوا بصمات في مجال التحقيق، وأفاد منهم العرب. أما عن جهود العرب في هذا العصر فإنها ذات شقين؛ الشق الأول: ما قام به العلماء الأجلاء من تحقيق ونشر لكنوز من تراثنا، مقتفين آثار أجدادهم في عصورهم العلمية المزدهرة، وناظرين إلى الأصول والقواعد التي وضعها علماء الغرب في هذا المجال، يعني أخذوا من الطريقتين: الطريقة العربية القديمة والطريقة الغربية الحديثة، وأفادوا في هذا المجال. أما الشق الثاني من تلك الجهود: فيتمثل في مجموعة من المؤلفات والكتابات الحديثة، التي أصل فيها أصحابها لقضية التحقيق والتوثيق وعالجوها من شتى جوانبها، يعني هذا شق تأصيلي تنظيري، وضعوا الأصول والقوانين والمقاييس التي ينبغي للمحقق أن يلتزمها ويسير عليها. أما بالنسبة للشق الأول -وهو الذي قام به العلماء في إخراج كثير من الكتب يعني: قاموا بالتحقيق الفعلي لمجموعة من الكتب- تطالعنا أسماء أعلام كان لهم باع طويل، وفضل لا ينسى في مجال تحقيق التراث ونشره، أذكر منهم: العلامة أحمد زكي باشا الذي حقق كتابي (أنساب الخيل)، و (الأصنام) لابن الكلبي، وهو يعد بحق شيخ المحققين في العصر الحديث. ومنهم أيضا الشيخ العلامة محمود محمد شاكر، وحقق مجموعة من كتب التراث منها على سبيل المثال (دلائل الإعجاز) لعبد القاهر، (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي، (الحماسة الصغرى)

стр. 261

تسمى كتاب (الوحشيات) لأبي تمام وغيرها كثير، وهو شيخ المحققين بعد أحمد زكي باشا. ومنهم أيضا الشيخ أحمد محمد شاكر، وله أكثر من تحقيق منها كتاب (الشعر والشعراء) لابن قتيبة، و (الأصمعيات) بالاشتراك مع عبد السلام هارون وله (المفضليات). ومن هؤلاء الأعلام أيضا: الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، وتحقيقاته كثيرة جدا منها كتاب (أدب الكاتب) لابن قتيبة، وكتاب (العمدة) لابن رشيق، و (وفيات الأعيان) لابن خلكان، و (مروج الذهب) للمسعودي، و (مجمع الأمثال) للميداني وغير ذلك كثير. ومنهم أيضا محمد أبو الفضل إبراهيم حقق آمال المرتضي والشريف، والمسماة بـ (غرر الفوائد ودرر القلائد)، كتاب (تاريخ الأمم والملوك) للطبري، وحقق ديوان امرئ القيس. ومن هؤلاء المحققين أيضا علي محمد البيجاوي، ومن تحقيقاته: كتاب (زهر الآداب وثمر الألباب) للحصري القيرواني، وشرح (المفضليات) للتبريزي، وكتاب (الصناعتين) للعسكري بالاشتراك مع محمد أبي الفضل إبراهيم، وكتاب (مختارات شعراء العرب) لابن الشجري. وغير ذلك أسماء لامعة في هذا المجال: منهم: على النجدي ناصف، مصطفى السقا، محمد زغلول سلام، محمد عبد المنعم خفاجي، إحسان عباس، نوري حمودي القيسي، عبد العزيز الميمني وغيرهم كثير. هذا بالإضافة إلى ما قام به، ويقوم به الباحثون في الأقسام العلمية داخل الجامعات، يحققون المخطوطات في مرحلتي الماجستير والدكتوراه ويوثقونها، وتنشر هذه الرسائل، وعندنا المكتبة الأدبية تحتوي على كم زاخر من مثل هذه الدراسات القيمة، والتي أشرف عليها أساتذة أجلاء تشهد بعبقريتهم وعبقرية هؤلاء الباحثين.

стр. 262

أما الشق الثاني من جهود العلماء في العصر الحديث في مجال التأصيل للتحقيق ونشر التراث، من هذه المؤلفات ما كتبه الدكتور محمد مندور في مقالين نشرهما في مجلة الثقافة المصرية، سنة أربع وأربعين وتسعمائة وألف، وتم نشر الم قالين بعد ذلك في كتابه الذي يسمى (في الميزان الجديد)، وهو كتاب قيم في الأدب والنقد عرض فيه الناقد العلامة الدكتور محمد مندور لكثير من آرائه التأصيلية، تكلم فيها عن التحقيق. من هذه الكتابات كتاب (تحقيق النصوص ونشرها) للأستاذ عبد السلام هارون، وطبع سنة أربع وخمسين وتسعمائة وألف، وهو كتاب قيم متخصص في هذا المجال، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يغفل عنه أي محقق يخوض مجال التحقيق التراثي. من هذه الكتابات أيضا (قواعد تحقيق النصوص) للدكتور صلاح الدين المنجد، عبارة عن مقالة نشرها بالمجلد الأول من مجلة معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، سنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف. ومن هذه الكتابات أيضا (منهج تحقيق النصوص) للدكتور نوري حمودي القيسي بالاشتراك مع الدكتور سامي مكي العاني، طبع هذا الكتاب في بغداد سنة خمس وسبعين وتسعمائة وألف. ومن هذه الكتابات أيضا كتاب (تحقيق التراث العربي منهجه وتطوره) للدكتور عبد المجيد دياب، وطبع في دار المعارف بالقاهرة سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة وألف. ومن هذه الكتابات أيضا (مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي) للدكتور محمود محمد الطناحي، وطبع بالقاهرة سنة أربع وثمانين وتسعمائة وألف. أيضا (مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحْدثين) للدكتور رمضان عبد التواب، وغير ذلك كثير من الكتابات.

стр. 263

شروط المحقق أشرنا إلى صفات الباحث، والمحقق باحث يتصف بما يتصف به أي باحث، يعني: أضف إلى الشروط التي ذكرتها قبل ذلك في الباحث ما أشير إليه الآن، يظن البعض أن التحقيق عمل سهل وهين، وأنه مجرد نسخ لمخطوط ما مصحوب ببعض التعليقات من هنا أو من هناك، هذا خطأ بيِّن، فالتحقيق ليس بالعمل السهل ولا الهين ولا يعرفه إلا من سلك ضروبه وخاض غماره، فقد يقضي المحقق يوما كاملا في تصحيح كلمة أو إقامة عبارة أو تخريج بيت من الشعر، أو البحث عن علم من الأعلام الواردة في المخطوط، وقد لا يجد في النهاية شيئا من ذلك بعد مشقة وعناء. إن الباحث حين يتخذ من التحقيق مجالا للدرس والبحث فإنه سوف يواجه كثيرا من الصعاب والمشاق، التي لا يقدر على تحملها إلا عالم كفء، ومن هنا فإن ثمت شروط ينبغي أن تتوفر في كل من يصح عزمه، ويختار التحقيق مجالا لدرسه وبحثه: أولا: سعة الصدر والجَلَد والمثابرة وتجنب العجلة والجزع، فالمحقق قد تنغلق أمامه عبارة محرفة لا يجد لها أثرا فيما بين يديه من مراجع، فيقضي في سبيل ذلك وقتا طويلا، ويسعى جاهدًا لتقويمها، وأنى له ذلك إذا كان لا يتصف بسعة الصدر والتؤدة والتأني. ثانيا: يشترط في الباحث المحقق أن يكون على دراية واسعة بعلم التحقيق، يعرف قواعده وأصوله حتى يكون على بصيرة من أمره في تعليقاته في تخريجاته، ولا يجنح أو يجمح.

стр. 264

ثالث هذه الشروط: أن يكون الباحث المحقق متمكنا من المادة العلمية للنص المراد تحقيقه، أن يكون محيطا بها من شتى جوانبها بحيث يكون خبيرا بها، وبالخط الذي كتبت به، وبالعصر الذي كتبت فيه، فلا يصح أن يحقق الباحث مخطوطا في الشعر مثلا وهو لا يعرف أصول الشعر وطرائقه، أو لا يعرف نوع الخط الذي كتب به، أو العصر الذي سجل فيه. الشرط الرابع: أن يكون المحقق ذا ثقافة واسعة متنوعة، لا يقتصر في تحصيل المعرفة على المادة العلمية المتخصصة فحسب، وإنما يأخذ من كل علم بطرف، فقد يكون صاحب النص الذي يريد تحقيقه ذا فكر موسوعي شامل، يحتاج في التعامل مع نصه إلى صاحب فكر شامل وثقافة متنوعة، وقد تصادف المحقق معلومة خارج تخصصه، فلا يقف حيالها متحيرا، فلا بأس إذن من الإلمام بعدة ثقافات. وبالإضافة إلى هذه الشروط هناك أخلاقيات ينبغي أن يتصف بها المحقق، أهم هذه الأخلاقيات: الصدق والأمانة والموضوعية، البعد عن الهوى، التحقيق نتاج علمي وخلقي لا يقوى عليه إلا من يتصف بهذه الأخلاق، ومن ثم فالأمانة العلمية تحكم المحقق بتسجيل النص على صورته الحقيقية الموروثة، وليس من الأمانة إطلاقا استبدال كلمة بأخرى بحجة الدلالة أو الدقة أو الرشاقة أو الرقة، أو أي شيء من هذه الحجج، فليس تحقيق النص تحسينا أو تصحيحا، لا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 265

الدرس: ١٦ كيف نحقق نصا أو مخطوطا ؟.

стр. 266

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (كيف نحقق نصا أو مخطوطا؟) جمع النُسخ، وترتيبها الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، وبعد: فتحقيق النص أو المخطوط يعني إخراجه في الصورة التي كان عليها عندما كتبه صاحبه، من خلال معالجة ما في المخطوط من أشياء تتطلب المعالجة؛ للوصول به إلى صورته الحقيقية، وهذا ما أقره علماء التحقيق. للوصول إلى هذه الصورة الحقيقية لهذا المخطوط هناك خطوات تتبع؛ أولى هذا الخطوات: جمع النسخ المخطوطة للنص، هب أنك تريد أن تحقق نصا ما، الخطوة الأولى التي ينبغي أن تتبعها لتحقيق ذلك النص لابد من جمع جميع النسخ المخطوطة لهذا النص، هذا أمر من الصعوبة بمكان، ولكن لابد للمحقق أن يبذل كل ما لديه من جهد في البحث عن مخطوطات النص في مظانها في العالم كله، وذلك من خلال عدة طرق: أولا: بإمكانك من خلال فهارس المكتبات العامة على مستوى العالم كله مثل الفهارس القديمة في دور الكتب في أوربا مثل الفهرست الكبير للكتب العربية المحفوظة في دار الكتب البروسية بـ "برلين" الذي ألفه "أهلورت"، المكتبة الأهلية بباريس، و"ليدن" في هولندا، و"الإسكوريال" بإسبانيا. وهناك فهارس مصنوعة لهذه المخطوطات خصيصا، فلو أن الباحث اطلع على مثل هذه الفهارس لابد أن يقع على معلومات عن النص أو عن المخطوط الذي سيحاول تحقيقه، وهكذا اطلاعه على فهارس المكتبات في المشرق، وهي كثيرة جدا مثلا مكتبة بيت الحكمة في بغداد، معهد المخطوطات العربية في القاهرة ويقوم بجهد مشكور في هذا المجال، ومنها خزائن كتب النجف الأشرف، خزائن

стр. 267

سيف الدولة بحلب، ومثل مكتبة أبي الفداء بحماة، مثل الجامع الأعظم في القيراون، جامع الزيتونة بتونس، جامع القرويين بفاس، مكتبة الزهراء بقرطبة، وغير ذلك كثير. هذا بالإضافة إلى المكتبات الخاصة التي يملكها أفراد معروفون، ولهم خبرة بالمخطوطات ويعرفون قيمتها، وهؤلاء منتشرون في شتى بقاع العالم العربي، ويعرفهم الباحثون معرفة تامة. هناك طريق ثان يمكن للمحقق التعرف على المخطوطات من خلاله وهي الكتب التي اهتم أصحابها بالإشارة إلى المخطوطات وأماكنها. من هذه الكتب: كتاب (تاريخ الأدب العربي) لـ "كارل بروكلمان"، وهو مستشرق ألماني وألف كثيرا من الكتب القيمة في اللغة العربية واللغات السامية جميعا، كتابه عنوانه يوحي بأنه أرخ للأدب العربي بالمعنى الشائع المعروف لدى الكتاب العرب عندما يؤرخون للأدب في عصر من العصور، وإنما هو سجل لكل ما وصل إليه علم مما ألف في اللغة العربية بجميع فروعها، فقد أفرغ المؤلف جميع فهارس المكتبات التي عرفها في بطاقات يكتب فيها: اسم الكتاب، مؤلف الكتاب، رقم الكتاب، المكتبة التي يوجد بها إن كان مخطوطا، تاريخ طبعه إن كان مطبوعا، المكان الذي طبع فيه، ثم صنف الرجل هذه البطاقات في كل عصر حسب الموضوعات المختلفة، قسم كتابه إلى أربعة أقسام: الكتاب الأول: الأدب العربي حتى أواخر العصر الأموي سنة اثنتين وثلاثين ومائة للهجرة. الكتاب الثاني: لبداية العصر العباسي إلى سقوط بغداد. الكتاب الثالث: يبدأ من حكم المغول حتى سنة تسع وأربعين وتسعمائة وألف.

стр. 268

الكتاب الرابع: خاص بالأدب العربي الحديث في مصر منذ الاحتلال الإنجليزي، وكذا في سوريا والمهجر والعراق والجزيرة العربية والمغرب، فهو كتاب قيم بحق يستطيع الباحث المحقق من خلاله أن يتعرف على مخطوطه، والمعلومات التي تتصل به والتي تشير إلى النسخ الموجودة وأماكنها. من هذه الكتب أيضا التي لا يفوت باحث أن يطلع عليها لمعرفة النسخ كتاب (تاريخ آداب اللغة العربية) لجورجي زيدان، وكتاب (تاريخ التراث العربي) لفؤاد ساركين، وهو أحد الأتراك الذين يشتغلون بالدراسات العربية، وسيجد المحقق في هذه الكتب وأمثالها معلومات غزيرة عن المخطوطات ومؤلفيها وأماكنها. هناك طريق ثالث يمكن للباحث من خلاله معرفة نسخ المخطوط، وهو أن يسأل أهل العلم المتخصصين في هذا المجال، لدينا علماء أجلاء أوقفوا حياتهم على تحقيق التراث وإخراجه من الظلمات إلى النور، أفنوا عمرهم في هذا العمل القيم الذي سيكون ذخرا لهم عند الله ، فإنهم أدرى الناس بهذه المخطوطات وبخاصة التي لم تدرج ضمن الفهارس، توجد مخطوطات لم يشر إليها زيدان ولا "كارل بروكلمان" ولا "ساركيس"، ولا توجد في فهارس المكتبات التي أشرت إليها لكن يعرفها أهل العلم، وقعوا عليها بطريق أو بآخر، فإنهم يبذلون كل غال لديهم للحصول على مثل هذه النسخ، فلابد للباحث أن يرجع إلى هؤلاء، وأن يسألهم، وأن يفيد من توجيهاتهم ومن آرائهم ومن تحديداتهم ومن أوصافهم لمثل هذه المخطوطات. هذه هي أهم الطرق، لكن الباحث لو رأى أن هناك طريقا آخر غير هذه فليسلكه. ويفضل أن يدرس المحقق النسخ المخطوطة للكتاب قبل جمعها أولا، يتعرف على النسخ من خلال البيانات المدونة في بطاقة كل مخطوطة، فقد تكون

стр. 269

بعض المخطوطات منقولة عن الأخرى، وجد مثلا نسخة في معهد المخطوطات العربية، ثم وجد نسخة في "برلين"، لا يُقبل على النسخة ويجمعها على أساس أن هذه النسخة غير هذه النسخة إلا إذا تأكد من خلال البيانات، فربما تكون النسخة التي وجدت في معهد المخطوطات العربية مصورة عن نسخة "برلين" أو العكس. فإذا كانت البيانات المدونة في البطاقة تؤكد أن هذه النسخة هي تلك فلا داعي لإحضار نسختين، عليه أن يتصفحها سريعا بالطريقة الميسرة له في المكتبة الموجودة بها، ويثبت هذا ويقول: وجدت نسخة مصورة في مكتبة كذا، وهي منقولة من النسخة الموجودة في مكتبة كذا، اللهم إلا إذا كان بعض النسخ الحديثة قد كتبها علماء معروفون في مجال التحقيق أو في مجال العلم، ففي هذه الحالة لابد من الحصول على هذه النسخ كذلك؛ لأنه سيجد فيها تعليقا، وإذا ثبت أن الكتاب المخطوط نسخة واحدة فلا حرج من تحقيقه، ربما بعض الباحثين يحجم عن تحقيق مخطوط لا توجد له إلا نسخة واحدة ويقول: سوف يرهقني، وسوف أقابل صعوبات. هذا حق الصعوبات موجودة حتى لو تعددت النسخ، فلنفرض أنك وقعت على مخطوط فيه علم قيم، وينبغي أن يظهر وينكشف للعلماء ليستفيدوا منه، أما إذا تعددت نسخ المخطوط، فمن الخطورة أن يعتمد المحقق على نسخة واحدة؛ لأننا لا نضمن إن كانت هذه النسخة مستوفية لكل النص أم لا. كما لابد أن يتأكد المحقق أيضا قبل إقدامه على تحقيق كتاب مخطوط من أن الكتاب قد نشر من قبل أم لا؟ ربما يكون باحث آخر قد وقع على ذلك المخطوط، وقام بتحقيقه تحقيقا علميا جيدا، تعرف كيف أن هذا المخطوط حقق

стр. 270

أم لا؟ هذه مسألة في غاية السهولة واليسر، اطلع على الفهارس والمعاجم المصنفة للكتب المطبوعة، عندنا في كل عام تصدر نشرة، اطلع على (معجم المطبوعات العربية والمعربة) ليوسف ليان ساركيس، شامل لأسماء الكتب المطبوعة في الأقطار العربية الشرقية والغربية، ومقرونة بأسماء مؤلفيها إلى سنة ١٩١٩. ومثل النشرة المصرية للمطبوعات، وهذه يصدرها قسم الإيداع القانوني بدار الكتب المصرية، كل عام يصدر نشرة فيها كل الكتب المصرية التي طبعت عام ١٩٥٦ ولا زالت إلى اليوم، فإن وجد المحقق أن الكتاب الذي وقع على مخطوطته قد سبق نشره ماذا يفعل؟ يقرأ الكتاب، ينظر فيه نظرة نقد وتمحيص، فإن ثبت لديه أن الناشر قد استخدم الطرق العلمية في تحقيقه ونشره، واطلع على جميع النسخ المخطوطة اكتفى بهذا النشر، أما إذا اتضح له أن الكتاب لم ينشر من قبل أو نشر، وكانت نشرته فاسدة لسبب أو لآخر، أقبل على تحقيقه ونشره بنفس راضية وثقة عالية. ترتيب النسخ: إذا كان للكتاب أو النص الذي يريد الباحث تحقيقه أكثر من نسخة مخطوطة تجمعت لديه، فكيف يرتبها؟ وما هي أعلى النسخ منزلة عنده؟ إذا حدث هذا يكون الفيصل في ترتيب النسخ من حيث الأهمية واختيار الأمهات ثلاثة أمور؛ أولا: قِدَم النسخة، ويعرف ذلك من التاريخ المدون على آخرها، أو من شكل الورق أو فحصه فحصا جيدا، إذ من خلال ذلك يمكن تحديد عمر النسخة، ولا ينخدع المحقق بما يراه من فعل الأرضة بالورق وغير ذلك من مظاهر القدم، فيحكم على النسخة بأنها قديمة لا، فإن ذلك كله قد يكون طارئا، ولا

стр. 271

يدل دلالة قاطعة على طول الزمن أو قصره. كما يمكن للباحث أن يتعرف على زمن النسخة أيضا من خلال فحص المداد -الحبر- الذي كتبت به النسخة، فإنه يكشف عن الزمن وعن البيئة. وكذا يفحص الخط؛ فإن لكل عصر نهجا معينا في الخطوط ونظام الكتابة، والحكم في هذه الأمور التي لن يعتمد فيها على تاريخ ثابت حكم تقريبي، فإنه لا توجد عندنا دلائل قاطعة بانتماء مخطوطة ما إلى عصر معين على وجه التحديد، اعتمادا على شكل الورق أو نوع الخط والمداد، لا على الرغم من كثرة الدراسات التي تمت في هذا الميدان، فإنها غير كافية في إثبات زمن المخطوطة، لكن نلجأ إليها عندما لا نجد إلا هذه الطرق، فهي احتمالية أو ظنية تقريبية. ويمكن التعرف على زمن النسخة أيضًا من خلال ما يذكر في المقدمة، أو في تضاعيف المخطوطة، ربما أشار المؤلف إلى علم من الأعلام من عاصره، كأن يشير في المقدمة إلى من أهدى إليه النسخة يقول: أهديت هذه النسخة إلى فلان الفلاني، فتبحث عن تاريخ هذا العلم فتجده في سنة كذا، بناء على ذلك تحدد، وتجد مثل هذا في صلب المخطوطة مثلا يقول لك: سمعت من فلان أو جلست مع فلان وأنا أكتب فقال لي رأيا في كذا، وأنت تعرف تاريخ هذا الذي أشار إليه المؤلف، كل هذه دلالات يستطيع المحقق من خلالها أن يحدد الزمن الذي كتبت فيه. وقد ذهب بعض العلماء المحققين إلى أن قدم النسخة لا يشكل بالضرورة مبررا لاتخاذها أما أو أصلا، ما لم يكن هناك من الدواعي ما يجعلها قادرة على قيامها مقام نسخة الأم، لابد أن يكون عنده دليل فقد تكون النسخة حديثة ودقيقة، لكنها أنفع من الاعتماد على نسخة قديمة مشحونة بالأخطاء مملوءة بالتصحيف

стр. 272

والتحريف، ومن الجائز أن تكون النسخة الحديثة منقولة عن أصل قديم، وهذا الأصل القديم ضبطت روايته وصححت قراءته بطريق السماع أو الرواية، في هذه الحالة تصبح النسخة الحديثة أصلا، وتعتمد النسخ الأخريات للمقابلة والتصويب والتصحيح، والحقيقة أن هذا رأي لا بأس به في حالة غياب النسخة الأم الصحيحة من كل الجوانب: خط جيد، ما فيها خرم، ما فيها تصحيف، ما فيها تحريف، نعتمد النسخة الأم بأي حال من الأحوال. الأمر الثاني الذي يرتب على أساسه الباحث المحقق النسخ من حيث الأهمية: علم الناسخ، فقد تكون هناك نسخة قديمة غير أن ناسخها جاهل، يكثر الخطأ والتصحيف والتحريف في نسخه، بجوار نسخة أخرى حديثة غير أن ناسخها عالم جليل مشهود له بالدقة وتحري الصواب، لو وضعنا هذه بجوار تلك، وعندئذٍ لابد للمحقق أن يعد هذه النسخة الحديثة أمًّا يعتمد عليها في نشر المخطوط؛ لأنها أصح، وفي تراثنا أمثلة لهؤلاء العلماء الأجلاء، والذين كتبوا بخط أيديهم مجموعا من المخطوطات، وهي صحيحة وتعد أصولا يعتمد عليها، منهم على سبيل المثال لا الحصر أبو منصور الجواليقي توفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة للهجرة، فقد كتب مجموعة تحتوي على ثمانية كتب: (أسماء خيل العرب وفرسانها) لابن الأعرابي، (نسب الخيل في الجاهلية والإسلام وأخبارها) لابن الكلبي، (الإبل والشاء) للأصمعي، (الأمثال) لأبي عكرمة الضبي، (نسب عدنان وقحطان) للمبرد، و (ما يذكر ويؤنث من الإنسان واللباس) لأبي موسى الحامض، و (الأمثال) للسدوسي، هذه أمثلة نسخها نسخا، وهو عالم جليل علمه وفكره اتضح فيها، فا لاعتماد على مثل هذه النسخ اعتماد أكيد، ومقدم على الاعتماد على أية نسخة أخرى لهذه المخطوطات الثمانية التي أشرت إليها.

стр. 273

الأمر الثالث الذي يمكن أن ترتب عليه النسخ من حيث الأهمية: كمال النسخة، فقد تكون هناك نسخة قديمة، وبخط عالم من العلماء، يعني كتبها عالم جليل مشهود بعلمه وفضله غير أن بها خرما، أو تنقص عدة أوراق من أولها أو من وسطها أو من آخرها، لكن عندي نسخة كاملة من المخطوط تحتفظ بالنص كاملا بلا نقصان؛ لكنها متأخرة أو لكاتب أقل درجة علمية من هذا العالم الذي كتبها، أو متأخرة في الزمن من حيث مقارنتها بالنسخة القديمة، نفضل النسخة التي كانت كاملة لا نقص بها، لا خرم بها، لا تصحيف بها، كاملة من جميع الجوانب. وليحذر المحقق من الخروم الوهمية التي تأتي نتيجة لاضطراب ترتيب أوراق المخطوطة، وليعلم أن اختلاف النسخ من حيث الزيادة والنقصان لا يعني دائما أن بالنسخة الناقصة خرما فربما يكون المؤلف ألف كتابه عدة مرات، ربما يكون المؤلف كتب الكتاب في سنة، ثم راجعه، وأعاد كتابته في سنة تالية، فكان يزيد وينقص فيها أو كان يمليه أكثر من مرة، وكان في كل مرة يملي فيها كانت تحدث زيادة أو نقصان عن المرة السابقة، تسمى هذه الإملاءات المختلفة للكتاب الواحد: إبرازات، في زماننا هذا الإبرازة الأولى يعني الطبعة الأولى، الإبرازة الثانية يعني الطبعة الثانية، وكثير من الكتب العربية أبرز أكثر من مرة، وبينها فروق بالزيادة أو النقصان، والمحققون يعرفون ذلك جيدا، وفي كل مرة يرى من الزيادة والنقصان ما يلفت نظره؛ لأن المؤلف يطلع على الكتاب بعد إبرازه، فيقوم بتصحيحه أو توسيع مضمونه أو إضافة ما يراه صالحا أو حذف ما يراه غير صالح. أما إذا تجمعت عدة نسخ للمخطوط وأراد المحقق أن يرتب هذه النسخ من حيث علو الدرجة؛ فيكون ترتيبها على النحو التالي؛

стр. 274

أولا: النسخة التي كتبت بخط المؤلف أو أشار بكتابتها أو أملاها أو أجازها، ووصلت إلينا كاملة، ونرى عليها اسم المؤلف، عنوان المخطوط، هذه النسخة هي أعلى النسخ منزلة، وهي التي تسمى النسخة الأم أو الأصل، وإذا استطاع المحقق أن يحصل على نسخة للمخطوطة لكتاب ما كتبت بخط المؤلف فإنها تكون من النفاسة بمكان عظيم، وهي حينئذ تحمل شهادة توثيقها وصحتها، أنها فعلا كتبت بخط المؤلف فإن هذه تعد شهادة لا يرقى إليها شك. وكذلك الشأن في النسخ المعارضة على الأصول، وخاصة إذا كان الذي عارضها لا يقل عن مؤلفها علما وفضلا، فإنها تلحق النسخة الأم في الثقة بها، وقد أدرك العلماء الأجلاء قيمة مثل هذه النسخة، ويؤكد ذلك ما يروى عن الجاحظ من أنه لما قدم من البصرة إلى بغداد أهدى إلى محمد بن عبد الملك الزيات في وزارته للمعتصم نسخة من كتاب سيبويه، وقبل أن يحملها إلى مجلسه أُعْلِم بها محمد بن عبد الملك الزيات، يعني أخبره بعض الموظفين أن الجاحظ أهداك نسخة من كتاب كذا، فقال له محمد: "أو ظننت أن خزائننا خالية من هذا الكتاب؟!، قال الجاحظ: ما ظننت ذلك، ولكنها بخط الفراء، ومقابلة الكسائي، وتهذيب عمر بن البحر الجاحظ، فقال له ابن الزيات شاكرا: هذه أجَلُّ نسخة توجد للكتاب"، فأحضرها الجاحظ إليه، وسر بها ابن الزيات، ووقعت منه أجمل موقع. في هذا السياق لابد أن يتأكد المحقق أن النسخة الأم هذه هي التي اعتمدها المؤلف، فقد يكون المؤلف ألف الكتاب مرتين أو أكثر من مرة، كما حدث مثلا في (البيان والتبيين)، وفي جمهرة ابن دريد وغيرهما؛ إذ لابد أن ينص المؤلف على ذلك. كما ينبغي للمحقق أيضا أن يتيقن من أن النسخة الموجودة ليست هي

стр. 275

مسودة المؤلف، المقصود بالمسودة النسخة الأولى للمؤلف قبل أن يهذبها ويخرجها سوية، ومن الوسائل التي يستطيع المحقق من خلالها أن يكشف عن المسودة: ملاحظة ما يشيع فيها من اضطراب في الكتابة، هناك محو أو تغيير، ترك بياض، عدم تنسيق، مثل هذه الأشياء تكشف عن أن هذه هي المسودة، وليست هي النسخة الأخيرة التي قام بتهذيبها واعتمادها. فإن ورد نص تاريخي يفيد أن المؤلف لم يخرج غير هذه المسودة، فتعد هذه المسودة أصلا أولا، وإن وجدت مبيضة المؤلف ومسودته عددنا المبيضة أصلا أولا، والمسودة أصلا ثانيا، وهذا شيء قيم يفيد الباحث المحقق إفادة عظيمة، وتوجد بعض المخطوطات قام بعض الأفراد بطبعها دون تحقيق، ثم فقد الأصل، أو تعذر الوصول إليه بحيث أصبح في حكم المفقود، فإذا تحقق المحقق من أمانة الناشر ودقته عُدت هذه النسخة المطبوعة أصلا ثانويا، أما إذا كان الناشر غير أمين، فهذه نسخة لا قيمة لها ولا يعتمد عليها في التحقيق. أما في عصرنا هذا الذي نعيشه فإن المصورات تعد بمنزلة الأصل الذي صورت عنه؛ لأن التصوير لا يحرف ولا يبدل طالما أنه تصوير جيد، فإن صورت عن نسخة أم فهي أم، وإن صورت عن نسخة ثانوية فهي نسخة ثانوية وهكذا. ثانيا: النسخة المقروءة على المؤلف، وتأتي في المنزلة الثانية بعد النسخة التي كتبها المؤلف بنفسه، وقد تكون أمليت من قبل المؤلف، ثم قرئت عليه بعد ذلك وأقرها. النسخة التي تأتي في المرتبة الثالثة هي: النسخة المنقولة عن نسخة المؤلف أو قوبلت بنسخته، فمن الممكن أن تنسخ النسخة الأم أكثر من مرة، وكل نسخة نقلت عن النسخة الأم تسمى أصلا ثانويا إن وجد معها الأصل الأول.

стр. 276

المرتبة الرابعة: النسخة التي كتبت في حياة المؤلف، وهذه يمكن أن نعرفها من خلال تاريخ النسخ، ناسخها قال: كتبت هذه النسخة في حياة الجاحظ أو في كذا، وكانت نسخة مثلا لكتاب (الحيوان) أو لكتاب (البيان والتبيين) واعترف المؤلف في بدايتها أو في آخرها بتاريخ النسخ، وردت عبارة من الناسخ كأن يقول بعد ذكره: أطال الله عمره، أو أدام الله توفيقه، أو مثل هذا، وذلك على العكس من قوله مثلا عن المؤلف: رحمه الله تعالى، أو غفر له أو ما أشبه ذلك، فإنه يدل على أن المؤلف كان حين نسخ الناسخ الكتاب قد توفي إلى رحمة الله تعالى. لابد أن يتنبه الباحث أن هناك نسخًا نقلت عن النسخة الأم أثناء كتابة صاحبها لها مثلما نجد في كتاب (خزانة الأدب) للبغدادي، و (المغازي) للواقدي، وغيرهما وهذا النوع من الأصول لا يخرج كتابا محققا، وإنما يستعان به في تحقيق النص؛ لأن الناقلين حينئذ تكون لهم حرية التصرف بالنص، إلا إذا نصوا في نسخهم على أن هذا هو لفظ المؤلف، وأنهم لم يتدخلوا بالتغيير أو التعديل، في هذه الحالة من الممكن أن نعتمد عليها في التحقيق كأصل ثانوي. ومن الأمور أيضا التي يجب التنبيه عليها: في بعض الأحيان يعمد الناسخ إلى نسخة أصلية وينسخها، وينسخ معها عبارة المؤلف التي يذيل بها المخطوط، يعني يقول المؤلف: انتهيت من كتابة هذه النسخة في رجب سنة مثلا عشرين أو سنة ثلاثين بعد المائة من الهجرة، المؤلف نفسه يكتب هذا فيأتي ناسخ وينسخ هذه المخطوطة بدقة وأمانة لا نشك في هذا، ثم ينسخ -ضمن الكلمات التي نسخها- التذييل الذي ذيل به هذه المخطوطة، ثم لا يعقب ويقول: أنا نقلت، أو لا يشير إلى أنه نسخها من النسخة الأم، فيظن المحقق أن هذه هي النسخة الأم

стр. 277

التي كتبها المؤلف، وهذا خطأ، وخاصة إذا كان الناسخ قريب عهد بالمؤلف، لابد أن يحذر المحقق هذا، وبإمكانه التحقق من ذلك من خلال: الخط، التاريخ، نوع الورق، ولابد أن يبذل جهدا مضنيا في التفريق بين هذه النسخة وتلك. ويمكن للمحقق بعد أن يحصل على نسخ المخطوطة ويفحصها فحصا جيدا، أن يصنفها في مجموعات تبين علاقة إحداهما بالأخرى، من حيث الابتعاد والقرب وعندئذ يمكنه تحديد النسخ الأصول والفروع. نضرب مثلا: لو عندنا مخطوط نسخ من الأصل ثلاث نسخ ألف باء جيم، ثم نسخ من هذه النسخ الثلاث مجموعة من النسخ، ثم ضاع الأصل أو فقد، فإن النسخ ألف وباء وجيم تعد أصولًا أو أمهات، وما عدا هذه الأصول، فهي نسخ ثانوية منقولة عن هذه الأمهات، ويعد من النسخ الثانوية كذلك الشروح المتضمنة للمتون، وكذلك الا قتباسات. ولا يظن المحقق أنه ينبغي إهمال النسخ غير الموثقة أو النسخ الثانوية، فقد لا توجد سوى نسخة واحدة متأخرة ثانوية مليئة بالأخطاء، وفقد الأصل فلو أهملناها لضاع الكتاب كله، لابد من نشرها، ولابد من الاجتهاد في تصحيحها ما أمكن، وإن ظهرت نسخ أخرى بعد نشرها يعيد المحقق تحقيقها مرة ثانية، وقد حدث هذا بالفعل عندما قام المستشرق "جاير" بنشر ديوان الأعشى، واعتمد على نسخة مخطوطة منسوبة إلى ثعلب تحمل سبعا وسبعين قصيدة ومقطوعة، ثم أضاف إليها خمس قصائد وجدها في مخطوطات أخرى مجهولة النسب وخرج الديوان، وبين سطوره بياض وفي أبياته تحريفات وتصحيفات مختلفة، ثم نشر الديوان في القاهرة بعد ذلك، واعتمد ناشره على نسخة "جاير" دون الرجوع إلى نسخة مخطوطة جديدة، وطبعا وقع في نفس الأخطاء التي وقع فيها "جاير"، ثم

стр. 278

تصادف بعد ذلك أن صورت دار الكتب المصرية مخطوطة من المكتبة المتوكلية اليمنية، بها ست وأربعون قصيدة ومقطوعة من شعر الأعشى زائدة رغم أنها غير موثقة؛ لكنها يمكن أن تملأ البياض الذي تركه "جاير" وتصلح الخطأ الذي ظهر بين السطور. وقد أدرك علماؤنا القدامى أهمية النسخ الأصول الصحيحة، عرفوا قيمتها وميزوا بدقة بين خطوط المؤلفين والعلماء المصنفين، ويؤكد ذلك قول أبي حيان وقد نقل عن الجاحظ بعض النصوص: "ومن خطه الذي لا أرتاب فيه نقلت"، كأن العالم كان يحرص على أن يكون اطلاعه على النسخة الأم، أما في حالة عدم كتابتها بخط المؤلف، فقد شددوا كثيرا على أن تكون المخطوطة مقابلة أو معارضة على النسخة الأصلية. وإذا اجتمع لدى الباحث مجموعة من النسخ المخطوطة لكتاب ما، لكنها مجهولة النسب ماذا يفعل؟ لابد من ترتيب هذه النسخ، ترتيبها يحتاج إلى حذق ومهارة، ولابد أن يراعي في الترتيب النسخة ذات التاريخ الأقدم إلا إذا كان ناسخا مغمورا أو ضعيفا، فلا ريب حينئذ من تقديم النسخة الأحدث تاريخا لعلم كاتبها ودقته، أو لكونها مشفوعة بإجازة من شيوخ موثقين، مشهود لهم بالثقة ومشهود لهم بالأمانة والدقة والصدق، في هذه الحالة يقدم هذه النسخة الأحدث ويعتمد عليها. أيضا إذا جمع الباحث المحقق النسخ، وفحصها ورتبها وأنزل كلا منها منزلتها عليه أن يلاحظ عدة أمور مهمة؛ أولا: في حالة تعدد نسخ المخطوط يقوم بوضع رمز لكل نسخة، ويعتمد في وضع هذا الرمز على اسم المكتبة مثلا، أو راوي المخطوط أو اسم البلد الذي وجد فيه المخطوط، أو أي شيء آخر يكون معلوما لديه، المهم أن يضع رمزا

стр. 279

ويشير إلى ذلك حتى يعرف القارئ هذا الرمز، ويكون على دراية به، فإذا وجد نسخة في القاهرة مثلا ونسخة في لندن فيرمز لنسخة القاهرة مثلا بحرف قاف، ولنسخة لندن بحرف نون، وإذا تعددت النسخ في بلد واحد، وكان قد اتبع الرمز بالنظر إلى اسم البلد، فليزد أو يضف بعد كل رمز حرفًا من حروف الهجاء، فليكن مثلا: ق١ أو ق أ، وتصبح "قا" رمزا للنسخة الأولى من القاهرة، ويقول: ق ب يعني: قب، والثالثة: ق ج، يعني: قج. وقد تنبه أسلافنا إلى فكرة الرمز هذه في أسماء العلماء، نجدها شائعة بينهم ففي (خزانة الأدب) مثلا يرمز صاحبها إلى سيبويه بالحرف س، كما وضعوا رموزا ويختصرون بها بعض الألفاظ مثل: ثنا أي: حدثنا، وأنبا أي: أنبأنا، وأنا أي: أخبرنا، ورح أي: ﵀، وتع أي: تعالى، غير ذلك كثير، وكانوا يكرهون الرمز فيما يتصل بلفظ الجلالة والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ يعني: لابد أن يذكرونه بلفظه ويذكرون العبارة بجملتها: ﷺ ، بتمامها، فلينتبه الباحث المحقق إلى ذلك جيدا. الأمر الثاني من الأمور التي أحببت التنبيه عليها: إذا تعددت نسخ المخطوطة الواحدة تحت يد المحقق فلا يعتمدها جميعا دفعة واحدة، يعتمد نسخة واحدة بعينها ويتخذها أصلا أو أمًّا، ثم بعد ذلك يذكر ما بين النسخ من خلافات أو فروق في الحواشي والهوامش. الأمر الثالث الذي أحببت الإشارة إليه: إذا أشار مؤلف المخطوط إلى المصادر التي نقل منها، فلابد أن يرجع المحقق إلى الأصل الذي نقل منه المؤلف، ويعارض الأصل الذي بيده على مصادره، ويثبت ما بينه وبين تلك المصادر من اختلافات، فمن خلال هذه المعارضة ربما وجد أن المؤلف قد نسب كلاما إلى مصدر، وهو من مصدر آخر عن طريق السهو، أو ربما غفل عن اسم المصدر عفوا.

стр. 280

تحقيق العنوان، واسم المؤلف، ونسبة الكتاب الخطوة الثانية من خطوات التحقيق بعد جمع النسخ وهو تحقيق عنوان الكتاب المخطوط، عنوان الكتاب هو المرآة التي يطل القارئ من خلالها على الكتاب، فتعكس صورته أمامه، وتحقيق عنوان الكتاب وتوثيقه ليس بالأمر الهين، فبعض المخطوطات يكون خاليا من العنوان؛ إما لفقد الورقة الأولى منه أو انطماس العنوان، وأحيانا نجد عنوانا واضحا للمخطوطة، ولكن عند قراءة ذلك العنوان نراه مخالفا للمادة العلمية التي بداخل هذا الكتاب، ويكون ذلك إما بداع من دواعي التزييف، وإما لجهل قارئ ما من القراء وقعت في يده هذه النسخة الخالية من العنوان، فاخترع لها عنوانًا من خياله. فتحقيق العنوان لا يقل أهمية عن تحقيق النص ذاته؛ لأن الكتاب سوف ينشر بعد تحقيقه، سوف ينسب إلى المؤلف، سوف يشتهر به المؤلف، ومن ثم لابد من تحري الدقة في تحقيقه وتوثيقه، ونسبته إلى صاحبه. إذا كانت النسخة التي تحت يد المحقق هي النسخة التي كتبها المؤلف بخطه أو النسخة الأم، وسجل عليها العنوان وتحقق الباحث من ذلك، فليعتمد العنوان المكتوب، وليبدأ في التحقيق. أما إذا خلا المخطوط من العنوان أو شك الباحث في العنوان بأي شكل من أشكال الشك، فلكي يطمئن إلى صحة العنوان علي اتباع الآتي: إذا كان العنوان مفقودا لضياع الورقة الأولى من المخطوط مثلا، أو كان مثبتا ولكن تطرق إليه شك الباحث، أو كان في العنوان طمس في هذه الحالات الثلاث؛ فإن ذلك

стр. 281

يحتاج إلى إعمال فكره من خلال عدة محاولات، كالرجوع إلى مقدمة المخطوط، فربما أشار المؤلف إلى العنوان في سياق حديثه، يقول مثلا: هذا مؤلف بعنوان كذا ألفته عن كذا، أو يرجع إلى كتب المؤلف الأخرى ربما يكون قد عرض لذكر هذا المؤلف في إحدى كتبه يقول: لنا مؤلف بعنوان كذا، أو: انظر مؤلفنا بعنوان كذا، أو يرجع الباحث إلى الكتب التي ألفت في الموضوع ذاته الذي تدور حوله هذه المخطوطة. وذكروا أسماء المؤلفين في هذا فيقولون: فلان ألف كتابا بعنوان كذا، فربما وجد من أصحاب هذه الكتب من اقتبس من المخطوط وذكر عنوانه، أو أشار إليه أو انتفع به بأي صورة من صور الانتفاع العلمي، أو بالرجوع إلى كتب التراجم التي تترجم للعلماء فربما وجد ترجمة لهذا المؤلف، ثم أشار المترجم إلى مؤلفاته، فيقول: ألف كتابا بعنوان كذا، فيعرف العنوان من خلال هذه الإشارة، أو يرجع الباحث مثلا إلى كتب الفهارس التي تكلمت عن مجاميع الكتب في أبوابها مثل (فهرست) ابن النديم، ابن خير الإشبيلي (كشف الظنون) وغيرها من الكتب التي تعد فهارس جامعة لهذه الكتب وعناوينها ومؤلفيها. الخطوة الثالثة بعد تحقيق العنوان: تحقيق اسم المؤلف، وأقصد بهذا التحقيق التحقق والتثبت من صحة الاسم المذكور، وليس من صحة نسبة المخطوط إليه، هذه خطوة تالية، قد يعتري التصحيف والتحريف أسماء المؤلفين المثبتة على المخطوط، فالمصري قد يحرف إلى البصري، والخراز يحرف إلى الخزاز، الحسن يحرف إلى الحسين، تتأكد من أن الاسم صحيح، وهذا يحتاج إلى تحقيق لا يكتفي الباحث بمجرد الاسم الموجود على المخطوط، ويعارض ويجد الاسم مكتوبا لدى محقق آخر، وهو يحقق كتابا آخر من كتبه، ويتهم هذا

стр. 282

المحقق بأنه أخطأ في الاسم، ولكن هو المخطئ؛ لأن المحقق الآخر تحقق وأثبت أن الاسم فيه تحريف أو كان مكتوبا بطريقة صحيحة على مخطوطه، لابد من التحقق من صحة الاسم بالرجوع إلى كتب التراجم، وستعرف من خلالها الاسم الحقيقي ولا تكتفي بمرجع واحد، فقد يكون وقع التصحيف في ذلك المرجع، وإنما عليك الرجوع إلى أكثر من مرجع. الخطوة الرابعة بعد تحقيق الاسم والتثبت من صحته: التحقق من نسبة الكتاب أو المخطوط إلى المؤلف، فلا يكفي أن يجد المحقق عنوان الكتاب أو المخطوط واسم المؤلف في بداية النسخة الأم أو في جميع النسخ؛ ليحكم بأن هذا المخطوط من مؤلفات هذا المؤلف، بل لابد من التحقق من صحة النسبة من خلال التحقيق العلمي الذي يطمئن الباحث إليه، ويكون ذلك بالرجوع إلىفهارس المجاميع. أحيانا تجد العنوان لكن لا تجد اسم المؤلف، فيمكن من خلال العنوان أن تصل إلى اسم المؤلف، ترجع إلى فهارس المكتبات أو كتب التراجم التي أخرجت إخراجا حديثا، وفُهرست فيها الكتب فهرسة جيدة فتجد فيها اسم المؤلف، وعنوان المخطوط أو الكتاب. وقد يصادف الباحث مشكلة في هذه القضية التي يجد نفسه فيها أمام مخطوط مجهول الاسم، واشترك معه كثير من المؤلفين في نفس العنوان، ولابد من الحذر حينئذ في إثبات المؤلف المجهول. كما لابد من مراعاة اعتبارات تحقيق المادة العلمية للنسخة، الربط بينها وبين أسلوب المؤلف وعصره وحياته، وليعلم الباحث أن عدم ذكر الكتاب في كتب التراجم والطبقات لا يعني الشك في نسبته إلى مؤلفه؛ فإن كتب التراجم والطبقات لم تحط إحاطة تامة بكل المؤلفات، وستظل المصادر الأخرى التي

стр. 283

أشرنا إليها متممة لها في هذا المجال، فتحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه ليس بالأمر الهين ولاسيما الكتب التي لم تنل شهرة واسعة، فلابد أن تعرض نسبة مثل هذه الكتب على فهارس المكتبات، والمؤلفات التي تختص بالكشف عن مثل هذه النسبة؛ ليكون الباحث على يقين من صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه. وفي تراثنا العربي بعض الكتب التي دار حول نسبتها لأصحابها كلام، واستطاع العلماء أن يحققوا هذه النسبة ويتيقنوا من صحتها من خلال اعتبارات معروفة، كاعتبار القدر العلمي للمؤلف مثلا، استخدام المادة العلمية التي تدور حولها تلك المخطوطة، بالإضافة إلى الاعتبارات التاريخية، وهي من أقوى المقاييس في تصحيح نسبة الكتاب إلى مؤلفه أو نفيه عنه، وخير دليل على ذلك كتاب (تنبيه الملوك والمكايد) الذي نسب على سبيل الخطأ إلى الجاحظ؛ لأن الأخبار التاريخية التي وردت به وقعت في العصر التالي للجاحظ، فكيف ينسب الكتاب له؟! إنها نسبة مزيفة دون شك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 284

الدرس: ١٧ تحقيق متن المخطوط .

стр. 285

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (تحقيق متن المخطوط) مقدمات الدخول إلى النص الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين وعلى آله وصحبه، وبعد: فأشرت سابقا إلى أن تحقيق المخطوط يعني: أن يظهر المحقق متنه بصدق وأمانة كما وضعه مؤلفه كما وكيفا بقدر الإمكان، وليس معنى تحقيق المخطوط الارتقاء بأسلوبه أو تلخيص عبارته وفقراته، بأن يختار المحقق أسلوبا غير أسلوب المؤلف مثلا، أو يضع كلمة مكان كلمة أخرى بدعوى أنها أبلغ أو أجمل، وليس من حقه أيضا أن يوجز في عبارة المؤلف أو أي شيء يشبه هذا، فتحقيق المتن أو النص أمانة في الأداء تقتضيها أمانة التاريخ وأمانة العلم، فإن متن المخطوط حكم على صاحبه وعلى عصره وبيئته، وهذه اعتبارات تاريخية لها حرمتها ينبغي أن يراعيها المحقق. كما أن التصرف في المتن بأي شكل من الأشكال يعد عدوانا على حق المؤلف، فالمؤلف وحده هو الذي يملك حق التبديل والتغيير والتلخيص؛ لأن النص ملكه، وإذا كان المحقق يتصف بصفة الجرأة أو أحس أنها تغلب على نفسه، فالحقيقة ينبغي له أن يتنحى عن مثل هذا العمل وليدعه لغيره ممن هو موسوم بالإشفاق والحذر؛ لأن التحقيق نتاج خُلقي قبل أن يكون نتاجا علميا لا يقوى عليه إلا من اتصف بالأمانة والصبر. فتحقيق النص إذًا يعني: إبرازه كما وضعه صاحبه، أو بعبارة أخرى تحقيق المتن عبارة عن تحرير النص في شكل يجعله أقرب ما يكون إلى الصورة التي كتبها مؤلفه، ويكون ذلك بإصلاح ما طرأ عليه من فساد أو لحقه من عوج، والفساد الذي يطرأ على النص ويجعله بحاجة إلى التقويم والإصلاح ليعود إلى أصله الذي أنشأه عليه صاحبه، أو أراد على الأقل أن يكون عليه هذا الفساد ينشأ عادة عن
следующие страницы →