← Адаб

Адаб · id 30927

أصول البحث الأدبي ومصادره - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (350 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يحتاج إلى إعمال فكره من خلال عدة محاولات، كالرجوع إلى مقدمة المخطوط، فربما أشار المؤلف إلى العنوان في سياق حديثه، يقول مثلا: هذا مؤلف بعنوان كذا ألفته عن كذا، أو يرجع إلى كتب المؤلف الأخرى ربما يكون قد عرض لذكر هذا المؤلف في إحدى كتبه يقول: لنا مؤلف بعنوان كذا، أو: انظر مؤلفنا بعنوان كذا، أو يرجع الباحث إلى الكتب التي ألفت في الموضوع ذاته الذي تدور حوله هذه المخطوطة. وذكروا أسماء المؤلفين في هذا فيقولون: فلان ألف كتابا بعنوان كذا، فربما وجد من أصحاب هذه الكتب من اقتبس من المخطوط وذكر عنوانه، أو أشار إليه أو انتفع به بأي صورة من صور الانتفاع العلمي، أو بالرجوع إلى كتب التراجم التي تترجم للعلماء فربما وجد ترجمة لهذا المؤلف، ثم أشار المترجم إلى مؤلفاته، فيقول: ألف كتابا بعنوان كذا، فيعرف العنوان من خلال هذه الإشارة، أو يرجع الباحث مثلا إلى كتب الفهارس التي تكلمت عن مجاميع الكتب في أبوابها مثل (فهرست) ابن النديم، ابن خير الإشبيلي (كشف الظنون) وغيرها من الكتب التي تعد فهارس جامعة لهذه الكتب وعناوينها ومؤلفيها. الخطوة الثالثة بعد تحقيق العنوان: تحقيق اسم المؤلف، وأقصد بهذا التحقيق التحقق والتثبت من صحة الاسم المذكور، وليس من صحة نسبة المخطوط إليه، هذه خطوة تالية، قد يعتري التصحيف والتحريف أسماء المؤلفين المثبتة على المخطوط، فالمصري قد يحرف إلى البصري، والخراز يحرف إلى الخزاز، الحسن يحرف إلى الحسين، تتأكد من أن الاسم صحيح، وهذا يحتاج إلى تحقيق لا يكتفي الباحث بمجرد الاسم الموجود على المخطوط، ويعارض ويجد الاسم مكتوبا لدى محقق آخر، وهو يحقق كتابا آخر من كتبه، ويتهم هذا

стр. 282

المحقق بأنه أخطأ في الاسم، ولكن هو المخطئ؛ لأن المحقق الآخر تحقق وأثبت أن الاسم فيه تحريف أو كان مكتوبا بطريقة صحيحة على مخطوطه، لابد من التحقق من صحة الاسم بالرجوع إلى كتب التراجم، وستعرف من خلالها الاسم الحقيقي ولا تكتفي بمرجع واحد، فقد يكون وقع التصحيف في ذلك المرجع، وإنما عليك الرجوع إلى أكثر من مرجع. الخطوة الرابعة بعد تحقيق الاسم والتثبت من صحته: التحقق من نسبة الكتاب أو المخطوط إلى المؤلف، فلا يكفي أن يجد المحقق عنوان الكتاب أو المخطوط واسم المؤلف في بداية النسخة الأم أو في جميع النسخ؛ ليحكم بأن هذا المخطوط من مؤلفات هذا المؤلف، بل لابد من التحقق من صحة النسبة من خلال التحقيق العلمي الذي يطمئن الباحث إليه، ويكون ذلك بالرجوع إلىفهارس المجاميع. أحيانا تجد العنوان لكن لا تجد اسم المؤلف، فيمكن من خلال العنوان أن تصل إلى اسم المؤلف، ترجع إلى فهارس المكتبات أو كتب التراجم التي أخرجت إخراجا حديثا، وفُهرست فيها الكتب فهرسة جيدة فتجد فيها اسم المؤلف، وعنوان المخطوط أو الكتاب. وقد يصادف الباحث مشكلة في هذه القضية التي يجد نفسه فيها أمام مخطوط مجهول الاسم، واشترك معه كثير من المؤلفين في نفس العنوان، ولابد من الحذر حينئذ في إثبات المؤلف المجهول. كما لابد من مراعاة اعتبارات تحقيق المادة العلمية للنسخة، الربط بينها وبين أسلوب المؤلف وعصره وحياته، وليعلم الباحث أن عدم ذكر الكتاب في كتب التراجم والطبقات لا يعني الشك في نسبته إلى مؤلفه؛ فإن كتب التراجم والطبقات لم تحط إحاطة تامة بكل المؤلفات، وستظل المصادر الأخرى التي

стр. 283

أشرنا إليها متممة لها في هذا المجال، فتحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه ليس بالأمر الهين ولاسيما الكتب التي لم تنل شهرة واسعة، فلابد أن تعرض نسبة مثل هذه الكتب على فهارس المكتبات، والمؤلفات التي تختص بالكشف عن مثل هذه النسبة؛ ليكون الباحث على يقين من صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه. وفي تراثنا العربي بعض الكتب التي دار حول نسبتها لأصحابها كلام، واستطاع العلماء أن يحققوا هذه النسبة ويتيقنوا من صحتها من خلال اعتبارات معروفة، كاعتبار القدر العلمي للمؤلف مثلا، استخدام المادة العلمية التي تدور حولها تلك المخطوطة، بالإضافة إلى الاعتبارات التاريخية، وهي من أقوى المقاييس في تصحيح نسبة الكتاب إلى مؤلفه أو نفيه عنه، وخير دليل على ذلك كتاب (تنبيه الملوك والمكايد) الذي نسب على سبيل الخطأ إلى الجاحظ؛ لأن الأخبار التاريخية التي وردت به وقعت في العصر التالي للجاحظ، فكيف ينسب الكتاب له؟! إنها نسبة مزيفة دون شك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 284

الدرس: ١٧ تحقيق متن المخطوط .

стр. 285

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (تحقيق متن المخطوط) مقدمات الدخول إلى النص الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين وعلى آله وصحبه، وبعد: فأشرت سابقا إلى أن تحقيق المخطوط يعني: أن يظهر المحقق متنه بصدق وأمانة كما وضعه مؤلفه كما وكيفا بقدر الإمكان، وليس معنى تحقيق المخطوط الارتقاء بأسلوبه أو تلخيص عبارته وفقراته، بأن يختار المحقق أسلوبا غير أسلوب المؤلف مثلا، أو يضع كلمة مكان كلمة أخرى بدعوى أنها أبلغ أو أجمل، وليس من حقه أيضا أن يوجز في عبارة المؤلف أو أي شيء يشبه هذا، فتحقيق المتن أو النص أمانة في الأداء تقتضيها أمانة التاريخ وأمانة العلم، فإن متن المخطوط حكم على صاحبه وعلى عصره وبيئته، وهذه اعتبارات تاريخية لها حرمتها ينبغي أن يراعيها المحقق. كما أن التصرف في المتن بأي شكل من الأشكال يعد عدوانا على حق المؤلف، فالمؤلف وحده هو الذي يملك حق التبديل والتغيير والتلخيص؛ لأن النص ملكه، وإذا كان المحقق يتصف بصفة الجرأة أو أحس أنها تغلب على نفسه، فالحقيقة ينبغي له أن يتنحى عن مثل هذا العمل وليدعه لغيره ممن هو موسوم بالإشفاق والحذر؛ لأن التحقيق نتاج خُلقي قبل أن يكون نتاجا علميا لا يقوى عليه إلا من اتصف بالأمانة والصبر. فتحقيق النص إذًا يعني: إبرازه كما وضعه صاحبه، أو بعبارة أخرى تحقيق المتن عبارة عن تحرير النص في شكل يجعله أقرب ما يكون إلى الصورة التي كتبها مؤلفه، ويكون ذلك بإصلاح ما طرأ عليه من فساد أو لحقه من عوج، والفساد الذي يطرأ على النص ويجعله بحاجة إلى التقويم والإصلاح ليعود إلى أصله الذي أنشأه عليه صاحبه، أو أراد على الأقل أن يكون عليه هذا الفساد ينشأ عادة عن

стр. 286

عدة أشياء: عن سهو يقع من المؤلف، أو غفلة من الناسخ مثلًا، أو جهل من الناسخ، أو تعمد منه ذلك لغاية ما أو بسبب عوامل أخرى تختلف باختلاف الزمان والمكان. ويمكن حصر أشكال الفساد في المخطوطات في ثلاثة أشكال؛ أول هذه الأشكال: الخطأ. الشكل الثاني من الفساد: التصحيف والتحريف. الشكل الثالث: الخرم والسقط. مقدمات الدخول إلى النص: فتحقيق النص ليس بالأمر الهين، ولكنه يحتاج إلى جهد وعناية ويقظة وفكر أكثر مما يحتاج إليه التأليف. يؤكد لنا هذه الحقيقة قول الجاحظ في هذا الشأن: "ولربما أراد مؤلف أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ، وشريف المعنى أيسر عليه من إتمام ذلك النقص، حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام"، يعني: من الأسهل والأيسر أن يكتب ذلك الرجل عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعنى، هذا أيسر من أنه يتم نقصا أو يصلح خطأ رآه في مخطوط ما، وصاحبه غير موجود، هذه أمانة، إذا كان هذا حال المؤلف وهو يصلح ما كتب فما بالك بحال المحقق، وهو لم يكتب شيئا في النص، وإنما يحاول أن يرجعه إلى أصلٍ كَتَبه صاحبه، وصاحبه ليس بين يديه. ولما كان الأمر بهذه الأهمية، فقبل أن يلج الباحث المحقق إلى النص هناك مقدمات لابد أن يعرفها: أولا: لابد أن يتمرس الباحث بقراءة النسخة التي يريد تحقيقها حتى يتمكن من قراءتها قراءة صحيحة، يتدرب على قراءة المخطوط مجرد قراءة، نطق

стр. 287

الكلمات، تركيب الجمل، فإن القراءة الخاطئة لا تنتج إلا خطأ، ويتحقق له هذا المراس بالدربة على التمييز بين أنواع الخطوط، بحيث تكون لديه خبرة بخطوط المخطوطات التي يستخدمها؛ حتى لا يقرؤها بالطريقة التي تعود عليها في إملاء وخط عصره هو، قد يفرح الباحث أنه وقع على مخطوط ما، ولكن لم ينظر في هذا المخطوط لم يقلب صفحاته، ويفاجأ عند النظرة الأولى في أية ورقة من ورقات المخطوط أنه لم يستطع القراءة. سوف تكون عدم القدرة على القراءة عقبة كبيرة في سبيل التحقيق، فلابد أن يتمرس الباحث بقراءة النسخة التي سوف يقبل على تحقيقها؛ لأن هناك فرقا بين الكتابة المغربية وبين الكتابة المشرقية، فمثلا القاف والفاء مثلا في الكتابة المغربية تختلف عن كتابة الفاء أو القاف في الكتابة المشرقية، فالفاء بنقطة من أسفلها عند أهل المغرب، والقاف بنقطة واحدة من أعلاها فلو أن الباحث المحقق لم يتنبه لمثل هذا، ولم يكن متمرسا بفن الخطوط وقراءة النسخة، فسوف يخلط بين الفاء وبين القاف، وبعض المخطوطات تحتاج إلى مراس طويل وخبرة خاصة حتى يتعرف عليه الباحث، ويتمكن من قراءتها بطريقة صحيحة وخاصة تلك المخطوطات التي لا يضطرد فيها النقط والإعجام، وكذا المخطوطات التي كتبت بخط أندلسي أو مغربي، فلمثل هذه المخطوطات رسمها الخاص في الكتابة، ينبغي أن يتعرف عليها المحقق في البداية قبل أن يلج إلى الدخول في النص والتعامل معه، كما أن المؤلفين والنُسَّاخ يختلفون في رسم الحروف، فلكل كاتب طريقته الخاصة في الكتابة تتطلب خبرة خاصة للتعرف عليها. الجواليقي مثلا يكتب ألف المد بألفين، ويكتب التاء المفتوحة تاء مربوطة، فيقول في ذات ذاة بالتاء المربوطة. كما يكتب كلمة: لكن وهكذا بألف بعد اللام في:

стр. 288

لكن، وبعد الهاء في: هكذا، ولا يضع الألف الفارقة في مثل: قالوا هنا ألف فارقة بعد الواو، وغير ذلك كثير. وبعض النُسَّاخ كان يقارب بين رسمي الدال واللام أو بين رسمي الغين والفاء، ولا يدرك الفصل بينهما إلا من أوتي حظا من الخبرة بالخطوط وأصحاب الخطوط، فلابد إذًا من المران على قراءة خطوط القدماء والوقوف على طريقة النُسَّاخ في كتابتهم للحروف الهجائية؛ حتى لا يخلط المحقق بين الراء والدال أو اللام والكاف، وقد كان لبعض النُسَّاخ في الزمن القديم اصطلاحات خاصة في الضبط بالشكل مثلا. فلابد للباحث المحقق من التعرف على هذه المصطلحات في المخطوطة قبل الدخول إلى النص، يعرف من الذي كتبها من النُسَّاخ، وما طريقته؟ وما هي الطريقة التي كانت تتبع آنذاك في النقط والشكل، فقد كان بعض الكتاب يكتب الشدة والفتحة، والشدة والكسرة بطريقة تخالف طريقتنا اليوم؛ إذ يضع الفتحة تحت الشدة، فيخيل لمن لم يتمرن على خط المخطوط أنها شدة وكسرة، في حين أن طريقة هذا الكاتب وضع الشدة فوق الحرف والكسرة تحته للدلالة على الشدة والكسرة. وليحذر الباحث من تطبيق القواعد الإملائية التي درسها، ويستخدمها اليوم في كتابته على المخطوطات التي يستخدمها ظنا منه أن هؤلاء العلماء هم الذين وضعوا القواعد، وأصلوا الأصول كثير من الباحثين المحققين يقع في هذا الخطأ، هؤلاء علماء نعم لكن لهم طريقة في الكتابة والرسم تختلف، أقول: إن الإملاء العربي لم يبحث بحثا كافيا، ولم تقعد قواعده إلا في فترة متأخرة، وإن وجدنا بعض العلماء يهتمون بالإملاء في مؤلفاتهم، فإن ذلك الاهتمام ينصرف إلى الرسم القرآني كما في (أدب الكاتب) لابن قتيبة مثلا، وفي (صبح الأعشى) للقلقشندي، و (الكتاب) لابن درستويه.

стр. 289

فقد اقتبس هؤلاء أشياء كثيرة من رسم القرآن الكريم مع أن العادة في الرسم قبل ذلك كانت تخالف رسم القرآن الكريم، لو تأملنا كثيرا من الكتب الخطية لوجدناها تخالف القواعد الإملائية الموضوعة في هذه الكتب، فلا يكاد يوجد في الكتب الخطية القديمة ما يوافق قواعد العلماء في الإملاء إلا نادرا، فلينتبه الباحث إلى مثل هذه الأشياء، وليعلم أن لكل مخطوط طريقته في الكتابة ربما تخالف ما شاع حينئذ، وربما تتفق معه، وبعض الكتاب القدامى يضعون علامات تدل على إهمال الحروف، فبعضهم يشير إلى السين المهملة بوضع نقاط ثلاث من أسفلها إما صفا واحدا، وإما صفين، وبعضهم كان يكتب سينا صغيرة تحت السين، وكانوا يكتبون حاء صغيرة تحت الحاء المهملة، ومنهم من يضع فوق الحرف المهمل أو تحته همزة صغيرة، ومنهم من يضع خطا أفقيا فوقه، وهكذا تكثر تلك العلامات والرموز. ولا يمكن للباحث أن يقرأ النص قراءة صحيحة إلا إذا تمرس بكل ذلك ومرن نفسه، واكتسب خبرة بها من خلال اطلاعه على الكتب التي اهتمت بدراسة الخطوط ككتاب (المطالع النصرية) للشيخ نصر البوريني، وغيره من الكتب. كما يحتاج المحقق أيضا قبل الولوج إلى المتن إلى خبرة خاصة في معرفة التشكيل والضبط، وهو الذي كان يسميه أبو الأسود الدؤلي: النقط، فيروى عن المبرد أنه قال لما وضع أبو الأسود النحو قال: "ابغوا لي رجلا لَقِنا -يعني سريع الفهم- فطلب الرجل فلم يوجد إلا في عبد القيس، فقال أبو الأسود: إذا رأيتني لفظت الحرف فضممت شفتي فاجعل أمام الحرف نقطة، فإذا ضممت شفتي بغنة فاجعل نقطتين، فإذا رأيتني قد كسرت شفتي فاجعل أسفل الحرف نقطة، فإذا كسرت شفتي بغنة فاجعل نقطتين، فإذا رأيتني قد فتحت شفتي فاجعل على الحرف نقطة، فإذا فتحت شفتي بغنة فاجعل نقطتين"، وهكذا كانت الحركات،

стр. 290

ثم تطورت بعد ذلك على يد الخليل بن أحمد حتى صارت بالشكل الذي نكتب به نحن الآن، ورغم أن الخليل قد ضبط هذه الحركات، فقد ظلت طريقة أبي الأسود تستخدم لفترة طويلة فتنبه لمثل ذلك جيدا. ومما يلحق بالضبط أيضا وينبغي للمحقق الإحاطة به: الهمزة وكيفية كتابتها، ففي الكتابة القديمة كثيرا ما تهمل الهمزة، فيكتبون مثلا كلمة "ماء" يكتبون" ما" بدون همزة، و"سماء" يكتبون "سما" دون همز، وهناك بعض الإشارات أو العلامات الكتابية ينبغي للباحث أيضا أن يعرفها جيدا قبل أن يفحص النص ويتأمله كعلامة الإلحاق، وهي علامة توضع لإثبات بعض الأسقاط خارج سطور الكتاب المخطوط، هي في الغالب عبارة عن خط رأسي يرسم بين الكلمتين، ويعطف بخط أفقي يتجه يمينا أو يتجه يسارا إلى الجهة التي دون فيها السقط، فلو لم يتنبه المحقق إلى مثل هذا لظن أن هذا الكلام الذي في الهامش تعليق أو تفسير أو ما أشبه ذلك، ولكنه إتمام لسقط أو نقص ورد بين الكلمات أو بين السطور. هناك أيضا ما يسمى: علامة التمريض أو التطبيب، وهي عبارة عن رأس صاد ممدودة توضع فوق العبارة التي هي صحيحة في نقلها، ولكنها خطأ في ذاتها، هذه أمانة النُسَّاخ القدامى، وأحيانا كانوا يضعون الحرف "ضاد" في وسط الكلام إشارة إلى وجود بياض في الأصل المنقول عنه، تأمل النُسَّاخ فينبغي ألا نكون أقل أمانة منهم. وكذلك ينبغي أن يكون المحقق عارفا بما يسمى بالتعقيبة، وهي كلمة تكتب في ذيل ظهر الورقة، تكون هي بداية الورقة التالية، كانوا يفعلون ذلك للاهتداء إلى ترتيب الأوراق عند اضطرابه، كذلك الرموز والاختصارات لبعض الكلمات أو

стр. 291

الجمل حتى طريقة استخدامهم للأرقام كانت تختلف. كل هذا يحتاج من الباحث إلى خبرة خاصة قبل الإقدام على قراءة النص وتحقيقه. الأمر الثاني من الأمور التي ينبغي للمحقق أن يراعيها قبل إقدامه على فحص النص هي: التمرس بأسلوب المؤلف؛ إذ لابد له من المران على أسلوب المؤلف، فلكل مؤلف أسلوبه، عباراته التي يرددها، لزماته التي تدور في كلامه، وهذا يفيده لو أن هناك تصحيفا، تحريفا. خبرة المحقق بأسلوب المؤلف لا تقل أهمية عن خبرته بالخطوط وطرق النُسَّاخ في الكتابة، من حيث الإفادة في معرفة قصد المؤلف؛ إذ من الأشياء المهمة في التحقيق معرفة رأي المؤلف وغرضه في الكتاب، هذه المعرفة لا تتم إلا من خلال الطرائق التي ينتهجها المؤلف، أقل شيء يمكن أن يتعرف الباحث من خلاله على أسلوب المؤلف هو قراءة المخطوط أكثر من مرة، ويتأمل العبارات، يتأمل التراكيب، يتأمل الألفاظ، القاموس الذي يستخدمه هذا المؤلف، لابد أن يقف أمامه وقفة طويلة يقرأ المخطوط قراءة متأنية يركز فيها على طرائقه في التعبير، يرصد الظواهر الأسلوبية عنده، يسجل اتجاهه الذي يؤثره في الصياغة. وأعلى صور التمرس بأسلوب المؤلف أن يرجع المحقق إلى مؤلفات المؤلف، بقراءة هذه المؤلفات ويربط بين أسلوبه في المخطوط وبين أسلوبه في الكتب الأخرى إن كانت مخطوطة أو كانت مطبوعة محققة أو غير ذلك، يقرؤها جيدا ليزداد خبرة بأسلوبه ويحاول أن يربط بين أساليب كتبه التي قرأها، وأسلوب المخطوط الذي يستخدمه ويسجل ملاحظاته ويرصد ما بينها من اختلاف، فإن ذلك سوف يعينه على تحقيق النص والوصول إلى الصواب لا محالة. الأمر الثالث من الأمور التي ينبغي أن يراعيها المحقق قبل الولوج إلى النص: هو إلمام الباحث بالموضوع الذي يعالجه المخطوط حتى يتمكن المحقق من فهم النص فهما

стр. 292

جيدا، وتوجيهه توجيها صحيحا، وأقول هذا لأن بعض الباحثين المحققين يظن أنه يتعامل مع قوالب جامدة لا روح فيها، لا يعنيه ما وراءها من معنى أو ما تحمله من أفكار، هذا ظن لا يصح أن يصدر من عالم باحث محقق، فهب أن باحثا استطاع قراءة المخطوط قراءة جيدة من خلال خبرته بالخطوط وأنواعها، وطرائق النُسَّاخ في الكتابة، وتعرف على أسلوب المؤلف لكنه غير ملم بالموضوع ولا يدرك أبعاده. كأن يكون الموضوع مثلا في فن المقامات، والباحث لم يقرأ عن المقامات شيئا، لكنه قرأ عن فن الرسائل أو غيرها من فنون الأدب الكثيرة، فكيف يتعامل مع نص المخطوط الذي كتبه المؤلف في فن المقامات وهو لا يدري عنه شيئا إذا كان هذا حاله؟! إن خطأه محتمل لا محالة بل إنه قد يحول الخطأ إلى صواب، والصواب إلى خطأ وليتجنب الباحث مثل هذا، ولا يقدم على مخطوط في موضوع من الموضوعات وهو بعيد عنها، أو لا ينسجم مع فكره، لابد أن تكون لدى الباحث المحقق ثقافة شاملة عن الموضوع، من خلال اطلاعه على الكتب التي كتبت في هذا الموضوع، أو في موضوع قريب منه؛ ليكون على دراية تامة به فيستطيع أن يحلل، يستطيع أن يناقش، يستطيع أن يوجه النص توجيها صحيحا. هذه هي مقدمات الدخول إلى النص، وهي لازمة كما رأيت لكل من يقدم على تحقيق مخطوط من المخطوطات، الآن أصبح الباحث جاهزا للدخول إلى عالم النص وفحصه وتحقيقه، انتهى من جمع نسخ المخطوط الذي يريد تحقيقه، حقق العنوان، حقق اسم المؤلف، وثق نسبة المخطوط إلى المؤلف، تعرف على أنواع الخطوط التي يستطيع من خلالها قراءة النص، أحاط بأسلوب المؤلف وعرف اتجاهاته وألم بموضوع المخطوط إلماما تاما، يستطيع المحقق حينئذ أن يلج إلى النص ويبدأ في تحقيقه، ويسير وفق خطوات موضوعة متفق عليها.

стр. 293

أولى هذه الخطوات: يقوم الباحث أولا بنسخ نص النسخة الأم بخطه مهما كانت منزلتها عنده، ينسخها نسخا حرفيا، لا يتدخل بالتصحيح أو التعليق، لا تظهر شخصيته هنا بأي شكل من الأشكال، هو مجرد ناسخ، وإنما تكون مهمته في هذه الخطوة هو نقل رسم المتن في كراسته، يكتب النص على وجه، ويترك الوجه الآخر للورقة ليكون هذا الوجه حاشية له بعد ذلك. عليه أن يترك سطرا فارغا بين السطرين، والباحث المحقق سيمر في هذه المرحلة بكلمات كثيرة لا يعرف قراءتها، أو يشك في تلك القراءة عليه أن يكتبها كما هي، وقد يمر بسطور جانبية كثيرة ينبغي أن يجتهد في معرفة مكانها الحقيقي من النص الأصلي، ويكفيه في هذه المرحلة قليل من الجهد؛ لأن اجتهاده في معرفة أصل الكلمة مثلا، أو مكان السطر الجانبي ليس اجتهادا نهائيا، وعليه أن يضع هذه الأسطر بين قوسين؛ ليعطيها المزيد من اهتمامه وملاحظاته بعد ذلك حتى تحتل مكانها الصحيح الذي أراده المؤلف. الخطوة الثانية: بعد انتهاء عملية نسخ النسخة الأم يتفق الباحث مع عدد من أصدقائه الذين يتصفون بشيء من العلم والاطلاع على الخطوط، ويفضل أن يكونوا في نفس التخصص الذي يعمل فيه الباحث، وأن يكون عددهم بعدد النسخ التي تم الحصول عليها لهذا المخطوط؛ لإجراء عملية المقابلة بين النسخ، يعطى كل منهم رمزا للمخطوطة التي معه، ثم يبدأ هو في قراءة المتن من النسخة التي نقلها، أصبح عندي ثلاث أو أربع نسخ كل نسخة مع شخص من الأشخاص ولها رمز، فلان هذا رمزه ألف، فلان هذا رمزه باء هذا رمزه دال. وهكذا يبدأ الباحث في قراءة المتن من النسخة التي نقلها، وإخوانه يتابعونه في النسخ التي بين أيديهم، حتى إذا صادف أي خلاف بين النسخ سجل في الصفحة

стр. 294

المقابلة نص هذا الخلاف، وسجل إلى جانب التعليق رمز المخطوطة التي وقع فيها ذلك الخلاف، وربما يسأل سائل: ما فائدة الاعتماد على فريق العمل هذا، وكيف يعتمد الباحث على غيره في إعداد بحثه؟ الجواب: أن عملية المقابلة تلك تحتاج إلى دقة ويقظة حتى لا يفوت الباحث شيء، وإن اعتمد الباحث على نفسه فقد يفوته شيء كثير وكذلك فإنه يأخذ وقتا طويلا، أما بالاعتماد على أصدقائه فإنه سوف ينجز عملية المقابلة في وقت قصير، وتكون أكثر دقة، وينبغي أن تكون المقابلة دقيقة وشاملة، ويسجل الباحث المحقق في الحواشي كل شيء حتى ولو كانت نسخة المؤلف بيده، فقد يظن أنه عرف قراءة كلمة من الكلمات، ثم يتبين له من خلال المقابلة أنه وهم في قراءتها؛ لأن نسخة من النسخ قد أوضحتها، وقد يكون هناك خرم في نسخة المؤلف مثلا، فيكون الترميم من النسخ الأخرى سهلا، وقد تكون هناك إضافات جانبية في النسخة الأم، ولا يعرف الباحث مكانها، من خلال النسخ يستطيع الباحث أن يعرف مكان هذه الإضافات، ويحدد موقعها تحديدا دقيقا. أما اعتماده على غيره فهذا اعتماد مجرد، ولا يتدخلون في شيء على الإطلاق، وليحذر الباحث أن يأخذ رأي أي واحد فيهم، هم مجرد آلة تكشف له عن الرسم الذي أمامه فقط، ومن حق الباحث أن يستعين بأية آلة من الآلات الحديثة. الخطوة الثالثة: بعد انتهاء عملية المقابلة بين النسخ يتم التبادل بين النسخ، فتعطى للصديق صاحب النسخة أفي المرة الأولى النسخة ب، وتعطى للصديق صاحب النسخة ب في المقابلة الأولى نسخة أ، وتظل النسخة التي مع المحقق في يده وهكذا، ثم تبدأ عملية المقابلة من جديد، وذلك لضبط الاختلافات بين النسخ التي سجلها المحقق في حاشيته فقد يسهو أحد أو يضل.

стр. 295

رابعا: وبعد أن ينتهي الباحث من هذه المقابلة في المرة الثانية ينظر في الأمر، فإن كان لديه نسخة بخط المؤلف اطمأن أولا إلى وصوله لحد الثقة الكاملة في قراءتها، وفهم مصطلحاتها، ويحتفظ باختلافات النسخ والملاحظات التي سجلها حين المقابلة؛ لكي تساعده على القراءة الصحيحة والترميم، وهنا في الحقيقة تظهر الشخصية العلمية للباحث في الإحاطة الدقيقة بالمادة العلمية للمخطوط. يبدأ الباحث بقراءة المتن قراءة واعية، وهذه مرحلة تعد من أخطر المراحل، وتظهر من خلالها ثقافة الباحث وملاحظته ومدى تعمقه في تخصصه العلمي، ويثبت الباحث الرسم الذي اعتمده في النهاية، وهو الرسم الذي يورده المؤلف، بمعنى أنه يثبت المتن كما أراده صاحبه دون تدخل في تعديله أو تحسينه فلا يغير شيئا في المتن أو يبدله. وقد يقال: كيف نترك الخطأ يشيع في المتن، وما قيمة التحقيق حينئذ؟ لم يقل أحد: إن الباحث سيترك الخطأ يشيع في المتن، لقد اتفقنا على أن التحقيق عبارة عن محاولة المحقق الوصول بالنص إلى أقرب صورة لما أراده المؤلف، ولا شك في أن المؤلف لا يريد شيوع الخطأ في متن مؤلفه هذا شيء بدهي، ومن ثم لابد أن يتدخل الباحث بالإصلاح، لكنه إصلاح مقنن له نظام وطريقة خاصة يعتمد الباحث على ما لديه من حس لغوي، وهو يعالج النص، فإن استغلق عليه فهم شيء من النص فهو بين أمرين هما سبب هذا الاستغلاق، ومن خلال تحديد أحد الأمرين يستطيع أن يحدد طريقة العلاج والإصلاح. الأمر الأول: قد يكون العيب في الباحث نفسه، كأن يكون محصوله اللغوي قليلا مثلا لا يؤهله لفهم دلالات الألفاظ والتراكيب داخل المخطوط.

стр. 296

الأمر الثاني: قد يكون العيب في النص ذاته، كأن يكون فيه خطأ أو وقع فيه تصحيف أو تحريف أو أصابه خرم أو سقط، أو أي شيء من هذا القبيل، أي صورة من صور الفساد. الخطأ وكيفية علاجه المحقق المنصف هو الذي يتهم نفسه أولا قبل أن يتهم النص الذي أمامه بالخطأ، فإذا ما وقع المحقق على شيء ورآه من وجهة نظره خطأ، أو صعب عليه أن يفهمه، لا يتسرع في الحكم عليه قبل أن يبحث عن صحة التركيب في كتب اللغة، وقبل أن يتعرف على أنماط التعبير في الأساليب القديمة، فإن الجهل بالأساليب القديمة ينعكس أثره على معالجة النصوص، لا شك في هذا، فليحذر الباحث المحقق من تغيير شيء لا يفهمه، أو الحكم على شيء بالخطأ إلا بعد التثبت بالدليل القاطع. وليس كل نص يراه المحقق صعبا غير مفهوم يعد مغلوطا، فقد يحدث في بعض الأحيان أن يغير النُسَّاخ بعض العبارات الصعبة غير المفهومة بعبارات سهلة مفهومة، وعند المقابلة يظن المحقق أن النسخة ذات العبارات الصعبة مغلوطة، وهذا غير صحيح فإن كثيرا ما يختبئ الصحيح فيما مظهره غير مفهوم، وعلينا إذًا أن نستخرجه ولا نكتفي بتغيير النُسَّاخ، ولا يصح أن ننسب الخطأ في متن المخطوط إلى المؤلف إلا إذا قامت الأدلة على ذلك، كاتفاق النسخ التي لم ينقل بعضها عن بعض على هذا الخطأ، أو اضطرد مثلا وقوع الخطأ نفسه في مواضع مختلفة من الكتاب. أما إذا وجدنا النسخ غير متفقة في الخطأ كان هناك احتمالان:

стр. 297

إما أن يكون الخطأ ليس من المؤلف، وإما أن يكون من المؤلف وانتبه إليه بعض النُسَّاخ فأصلحه، ولا يمكن نسبة الخطأ إلى المؤلف إلا إذا كانت النسخة الأصلية التي كتبها بيده محفوظة وورد بها ذلك الخطأ، وإذا كان الخطأ نحويا واضحا فاضحا كأن ينصب الخبر مثلا، أو يرفع اسم إن، أو ينصب اسم كان، فينبغي للباحث أن يقوم بتصحيحه، ثم يشير في الحاشية إلى ذلك وينبه عليه بقوله: وفي الأصل كذا وكذا، ويذكر العبارة التي ورد فيها الخطأ. أما إذا كان الخطأ له وجه من الصحة فلا يصححه، وإنما يتركه على حاله ويشير في الحاشية إلى ما يريد أن يقوله من تضعيف لما ذكره المؤلف أو غير ذلك. وهناك أخطاء لا يتردد أحد في الحكم عليها بأنها من قبيل السهو الخالص، ويدخل في ذلك سقوط حرف أو حرفين من الكلمة مثلا كأن يقول المؤلف: ولا أرى لا جها، والمقصود: وجها، أو يقول: إنما الأعمال النيات، ويقصد بالنيات، فعلى المحقق حينئذ أن يضع الزيادة بين قوسين معكوفين، ويحذف ما زيد سهوا، ويشير إلى ذلك كله في الحاشية. في بعض الأحيان ينقل مؤلف المخطوط عبارة عن غيره يستدل بها أو يناقشها، ثم ينص على اسم المصدر المنقول منه وصاحبه، وقد تسقط من النص المنقول كلمة أو أكثر عن طريق السهو الواضح، ولا يمكن أن تستقيم العبارة المنقولة إلا بما سقط، عندئذ يثبت المحقق ما سقط، ويضعه بين قوسين معكوفين، ويشير إلى ذلك في الهامش أيضا. وأما الشواهد القرآنية فلما لها من تقدير ديني لابد أن توضع في مكانها، وينبغي للمحقق أن يستشعر الحذر الكامل في تحقيق الآيات القرآنية، وألا يركن إلى أمانة

стр. 298

غيره في ذلك مهما بلغ قدر غيره من العلم والثقة، لابد أن يقدر النص القرآني، وينبغي له أن يتحقق ويضبط النص القرآني، ينظر فيه إلى عدة اعتبارات، ومن ثم لا يكفي أن نرجع إلى المصحف المتداول، بل لابد من الرجوع إلى كتب القراءات، كتب القراءات السبع، ثم العشر، ثم الأربع عشر، ثم كتب القراءات الشاذة، وكتب التفسير يرجع إلى التي تهتم بالقراءات كتفسير القرطبي، وأبي حيان وغيرهما. وإذا كان الخطأ الوارد في النص القرآني من جهة الرسم أو الضبط، فلا يتسرع المحقق في ضبطه، وعليه أن يتأكد إذا ما كان المؤلف يعرب أو يكتب على حسب قراءة معينة، فعلى المحقق أن يحافظ على ما قاله حينئذ، ربما يكون كتب الآية على حسب قراءات من القراءات المعترف بها والمشهورة، فلابد أن يرجع إلى مثل هذه الكتب للتأكد من هذه الآيات. ويرى بعض العلماء إبقاء النص القرآني المحرف كما هو في صلب المتن التزاما بمبدأ الأمانة العلمية في نقل النص؛ إذ تقتضي الأمانة أن يؤديه كما وقع في المؤلَّف، والمسألة فيها خلاف قديم بسطه ابن كثير في كتابه (اختصار علوم الحديث) حيث قال: "وأما إذا لحن الشيخ فالصواب أن يرويه السامع على الصواب، وهو محكي عن الأوزاعي وابن المبارك والجمهور، وحكي عن محمد بن سيرين، وأبي معمر عبد الله بن سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ منحولا. قال ابن الصلاح: وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ، وعن القاضي عياض أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن الكريم استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ كما وقع في الصحيحين

стр. 299

و (الموطأ)، ولكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع في الحواشي". فالمسألة مردها إلى الأمانة عند الفريقين، والحقيقة أن إبقاء النص القرآني المحرف في الصلب كما هو لا يليق؛ لأن مكانة القرآن الكريم تجل عن أن نجامل فيه مخطئا، أو أن نحفظ فيه حق مؤلف لم يلتزم الدقة مهما كان هذا المؤلِّف، فلابد أن نصلح الخطأ القرآني، وأشر في الحاشية إلى هذا، لكن لا تصلح إلا بعد التأكد من أن المؤلف لم يرد قراءة معينة أو رسما معينا. وأما نصوص الحديث الشريف، فينبغي للمحقق أن يعرضها على كتب الحديث للتأكد من صحتها، أنت تعلم أن الحديث له أكثر من راو، فقد يكون رواه راو بلفظ ورواه راو آخر بلفظ، ولذلك نحن نحمل مؤلف المخطوط أمانة روايته، وتسجيله بالطريقة التي خط بها، فنبقيها كما هي، إذا تأكدنا أنه كتبها بهذه الصورة، وللمحقق أن يعلق في الحاشية، ويثبت ضعف الرواية أو قوتها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 300

الدرس: ١٨ الخروم والسقط، والتصحيف والتحريف .

стр. 301

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (الخروم والسقط ، والتصحيف والتحريف) الخروم والسقط الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين وعلى آله وصحبه وبعد: فنبدأ حديثنا عن الخروم والسقط: الخر وم والسقط ظاهرتان واردتان في المخطوطات القديمة، فقد يحدث في بعض النسخ المخطوطة تآكل في بعض أوراقها من أعلاها أو أسفلها أو وسطها، فتمحى بعض الكلمات أو العبارات أو العناوين التي مكان الخرم، كما يحدث أن تسقط بعض الأوراق من النسخة أو يضطرب ترتيبها، ولا تعد هاتان الظاهرتان دليلا على قدم النسخة أو حداثتها كما يظن بعض الباحثين، ينظر إلى المخطوط فيرى به خرما أو سقطا، فيعتقد أن هذه النسخة قديمة، لا الخرم ولا السقط يعد دليلا على قدم النسخة أو حداثتها، وذلك لأن كثيرا من المخطوطات القديمة تحفظ من الحشرات والرطوبة والمسح بطرق علمية دقيقة، فيقل بها الخرم، وكثير من المخطوطات الحديثة تتعرض للإهمال، فيصيبها الخرم. وقد تصور المخطوطة تصويرا رديئا فلا تظهر بعض الجوانب من الورقة أو تطمس بعض الكلمات، فيصير الأمر قريبا من الخرم، فليتنبه الباحث إلى هذا، إذا صادف خرما أو سقطا يمكن أن يعالج الباحث هذا بأكثر من طريقة؛ فإن كان يعتمد في تحقيقه على نسخة المؤلف، وكان الخرم والسقط موجودًا في نسخة المؤلف؛ فعليه الاستعانة بغيرها من النسخ. ولابد أن يكون الباحث قد تدارك هذا الخلل عند مقابلة النسخ، فإذا اتفق جميع النسخ في وجود الخلل بها أو لم يكن لديه غير نسخة واحدة، عليه أن يستعين بالنصوص التي نقلت عن المؤلف، ممكن يكون مؤلف آخر نقل نصوصا يستدل بها عن هذا المخطوط، فربما يكون نقل هذه العبارة التي بها خرم، فإذا رجع إليها المحقق لوجد النص كاملا وبه الخرم الذي انمحت العبارة بسببه أو الكلمة بسببه،

стр. 302

فعليه أن يستعين بالنصوص التي نقلت عن المؤلف أي: التي اقتبسها المؤلفون من هذا المخطوط. وعلى أي حال يضع هذا الذي وجده بين قوسين في المتن، ويشير في الحاشية إلى ذلك، أو يضع عدة نقاط في المتن مكان الخرم، ويذكر الناقص في الحاشية، فإن لم يجد النص الذي أصاب الخرم بعض كلماته، يرجع إلى المؤلفات الذي كتب فيه المؤلف مخطوطه، ويستوعبها جيدا، ثم يجتهد في الترميم مستعينا بما حصله من معلومات يمكنه الإفادة منها في إصلاح الخرم ويحاول بقدر الإمكان أن يكون الترميم في نفس مساحة الخرم، يعني: المساحة تتحمل كلمة، يكون الترميم بكلمة، كلمتين يكون الترميم بكلمتين وهكذا. هناك سقط في الأوراق عليه أن يأتي بالفهرس إن كان المؤلف قد وضع فهرسا لمخطوطه، وبإمكانه أن يصلح السقط من خلال العناوين التي توجد في أوراق المخطوط، فإن لم يهتد إلى ترميم الخرم أو إصلاح السقط كأن تجمع النسخ على ذلك مثلا، يشير المحقق إلى ذلك في الحاشية، ثم يجتهد في معرفة مضمون السقط، ويذكره في الحاشية. التصحيف والتحريف هذه هي الصورة الثالثة من صور الخلل أو الفساد الذي يلحق بالنص. الحقيقة أن قضية التصحيف والتحريف تعد من أخطر القضايا التي تواجه الباحث ولا يصح التهاون أو التقصير فيها بحال من الأحوال؛ لأنها تتصل بجوهر التحقيق، وهو سلامة النص وتأديته على الوجه الذي تركه عليه صاحبه. ومما يزيد من خطورة التصحيف والتحريف أنه قد يبنى على اللفظ المصحف أو المحرف رأي في العقيدة أو اللغة أو الأدب، فحكى الحافظ السيوطي قال: "قيل: إن النصارى كفروا

стр. 303

بلفظة أخطئوا في إعجامها، وشكلها أي بسبب لفظة قال الله تعالى في الإنجيل لعيسى ﵇: أنت نبيي ولدتك من البتول، فصحفوها وقالوا: أنت بنيي ولدتك من البتول". وتعالى الله سبحانه علوا كبيرا. وكذلك ما روي عن الخليفة سليمان بن عبد الملك وكان غيورا على الحرم، فقيل له: إن المخنثين قد أفسدوا النساء في المدينة، فكتب سليمان بن عبد الملك إلى قاضي المدينة وواليها أبي بكر بن حزم أن احص مَن قِبلك من المخنثين، فصحف كاتبه وكتب أن اخص بدل أن احص، كتبها بالخاء المعجمة مكان الحاء المهملة، وابن جُعْدُبة هو راوي هذا الخبر، فدعاهم فخصاهم. وقد عرف العلماء التصحيف والتحريف بتعريفات شتى، فبعضهم جعلهما مترادفين، وبعضهم فرق بينهما في الدلالة، عرف الجاحظ التصحيف بأنه يكون من وجوه من التخفيف ومن التثقيل، ومن قِبل الإعراب أيضا ومن تشابه صور الحروف. الحسن بن عبد الله العسكري استخدم التصحيف عند الخطأ في النقط والرسم أو فيهما معا، أو الخطأ في الرسم والشكل معا، واستخدم مصطلح التحريف للدلالة على الخطأ في بناء الكلمة أو شكلها، استخدم مصطلح التغيير والتبديل كبديل للتحريف، واستخدم مصطلحات أخرى كثيرة كالقلب والغلط والوهم إلى آخر تلك المصطلحات التي وردت عنه. وكان للشعراء أيضا رأي في هذه القضية. يقول أبو نواس في هجاء أبان اللاحقي: صحفت أمك إذ سمتك في المهد أبانا سيرت باء مكان التاء تصحيفا عيانا قد علمنا ما أرادت لم ترد إلا أتانا

стр. 304

والأتان هي الحمارة. بدل أبان أتان، يعني هي أرادت أتانا وأنت صحفت. مثال آخر: قال المفجع البصري وهو يهجو دريد صاحب (الجمهرة) ويتهمه بالتصحيف: ألست مما صحفت تغترق الطرق بجهلِ فقلت: تعترك وقلت كان الخباء من أدمِ ... وهو حباء يهدى ويستدق المتنبي سوى بين التصحيف والتحريف حيث قال: وإنك إن قويت صحف قارئ ذئابا ... ولم يخطئ فقال: ذباب فالهمزة هنا غيرت إلى باء، وسمى المتنبي ذلك تصحيفا. ومن خلال هذه التعريفات الكثيرة نرى أن أقرب التعريفات وأعدلها، ما قيل من أن التصحيف هو تغيير في نقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط كالذي يحدث في كلمات مثل: عباس وعياش، العيب العتب، نَمت نِمت، العدل العذل، حمزة حمرة وغيرها مما هو على هذه الشاكلة. أما التحريف فهو العدول بالشيء عن جهته. قال الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (النساء: ٤٦)، وقال : ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٧٥) وهو خاص بتغيير شكل الحروف ورسمها، كالدال والراء أو الدال واللام أو النون والزاي أو الميم والقاف أو اللام والعين، إلى آخر هذه الصور التي تتصل بتغيير شكل الحروف أو رسم الحروف، والأصل اللغوي لكلمة تصحيف يرجع إلى الأخذ عن الصحف دون التلقي من أفواه المشايخ، يقول العسكري: "فأما

стр. 305

معنى قولهم: الصحفي والتصحيف، فقد قال الخليل: إن الصحفي الذي يروي الخطأ عن قراءة الصحف بأشباه الحروف، وقال غيره: أصل هذا أن قوما كانوا قد أخذوا العلم عن الصحف من غير أن يلقوا فيه العلماء، فكان يقع فيما يروونه التغيير والتبديل، فيقال عنده: قد صحفوا، أي رددوه عن الصحف وهم مصحفون، والمصدر التصحيف". وانطلاقا من هذا رأينا العلماء يشددون في ضرورة الأخذ والتلقي والمشافهة، وعدم الاعتماد على الصحف في تلقي العلم، وقد مدحوا من يأخذ العلم من أفواه العلماء وذموا من يأخذه من الصحف؛ لمظنة الوقوع في التصحيف، فيقول الشاعر: من يأخذ العلم عن شيخ مشافهة ... يكن عن الزيف والتصحيف في حرم ومن يكن آخذا للعلم عن صحف ... فعلمه عند أهل العلم كالعدم ويقول أبو نواس في رثاء خلف الأحمر: أودى جماع العلم مذ أودى خلف ... راوية لا يجتني من الصحف يعني: هو كان راوية لا يأخذ من الصحف وإنما يتلقى مشافهة من العلماء. وهجا شاعر أبا حاتم السجستاني بضد ذلك فقال: إذا أسند القوم أخبارهم ... فإسناده الصحف والهاجس هناك أخبار كثيرة لدى الشعراء، ولدى غير الشعراء تكشف عن أن التصحيف هو الأخذ من الصحف، ولم يتلق صاحبه العلم مشافهة من أفواه العلماء. وأما التحريف فإنه أنواع قد يكون بإبدال حرف مكان حرف، وقد يكون بزيادة كلام في النص الذي كتبه المؤلف، وغالبا ما تقع الزيادة من قبل النساخ والقراء، ونضرب مثالا لذلك، لابن المعتز كتاب يسمى (فصول التماثيل) هذا الكتاب له

стр. 306

نسخة مخطوطة في "كوبنهاجن" ورد في هذه النسخة نص طويل بعنوان: باب ما قيل في أسماء الشراب قال صاحب (قطب السرور)، ينقل ابن المعتز نص (قطب السرور)، وهذا الشيء نفسه في نسخة أخرى موجودة في "برلين" غير نسخة "كوبنهاجن". وبالفحص الدقيق والتحقيق العلمي والتأمل الواعي ندرك أن هذا النص لا يمكن أن يكون ابن المعتز قد كتب هذا النص في مؤلفه؛ لأن كتاب (قطب السرور) ألفه الرقيق القيرواني، وهذا الرجل كان حيا سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة من الهجرة، وابن المعتز مؤلف كتاب (فصول التماثيل) مات سنة ست وتسعين ومائتين، فكيف ينقل ابن المعتز عن كتاب ألفه صاحبه بعد وفاته بأكثر من قرن من الزمان؟! هذا لا شك أنه تحريف. وقد يكون التحريف بالنقص كأن يكون هناك سقط ولا يتنبه له الناسخ أو القارئ أو المحقق، فتبدو العبارة محرفة غير واضحة الدلالة، ويبدو السياق مضطربا. ورد في (معجم الأدباء) حين الترجمة لأحمد بن الحسين بديع الزمان الهمذاني قال المؤلف: "ثم أنشد الخوارزمي على هذا النمط، فلما فرغ من إنشاده قال البديع للوزير الرئيس: لو أن رجلا حلف بالطلاق: إني لا أقول شعرا، ثم نظم تلك الأبيات التي قالها الخوارزمي، ولا يقال: نظرت لكذا، ويقال: نظرت ... "، إلى آخر النص الذي ورد في (معجم الأدباء). "ولا يقال: نظرت"، هنا اضطراب وخلل واضح نتج عن التحريف الناشئ عن نقص في النص، هذا النقص هو: "هل كنتم تطلقون امرأته عليه؟ فقالت الجماعة: لا يقع بهذا طلاق، ثم قلت: انقد عليّ في ما نظمت، واحكم عليه كما حكمت فأخذ الأبيات، وقال: يقال: نظرت إلى كذا أو نظرت في كذا ولم

стр. 307

أنظر"، بهذا يستقيم السياق وتطمئن العبارة، فلينتبه المحقق إلى مثل هذا الاضطراب، وليتأكد من سلامة العبارة واتصالها قبل أن يحكم بالخطأ على المؤلف أو الناسخ. وقد تنبه العلماء في القديم إلى خطورة ظاهرة التصحيف والتحريف، انطلاقا من دقتهم وأمانتهم في الحفاظ على النص يقول الزمخشري: "التصحيف قفل ضل مفتاحه، ومن أجل ذلك اصطنعوا وسائل شتى لصون الكلام منه والتغلب عليه"، ومن هذه الوسائل التي لجأ إليها العلماء القدماء لحفظ الكلام وصونه من التصحيف؛ أولا: ضرورة التقييد والضبط والإعجام، والإعجام هو إزالة إبهام الكتابة بالنقط والتشكيل، يقول الأوزاعي: "نور الكتاب إعجامه". ولهم في الضبط طريقتان؛ الأولى: كانوا يضبطون حروف الكلمة بأن توضع الفتحة أو الضمة أو الكسرة على الحرف نفسه، وأمعن بعضهم في الدقة فرسم تحت الحاء حاء صغيرة، وتحت الدال نقطة، وتحت السين المهملة ثلاث نقاط، وفوق الحرف المخفف كلمة خف، وغير ذلك من مصطلحات استخدموها في مخطوطاتهم. الطريقة الثانية من طرق الضبط: الضبط بالحرف؛ بأن يصف الكاتب حروف الكلمة التي هي مظنة التصحيف، بما يزيل أو يبعد عنها شبهة التصحيف في ضبط كلمة العتب يكتب الكلمة، ثم يقول: بالعين المهملة والتاء الفوقية والباء الموحدة، وبذلك لا يلحق الكلمة تصحيف على الإطلاق. ومن تلك الوسائل الوقائية التي لجأ إليها هؤلاء العلماء لتجنب التصحيف والتحريف: أنهم كانوا يشرحون الكلمة الواضحة الظاهرة لا لخفاء معناها، ولكن لأنها مظنة تصحيف.

стр. 308

مثال ذلك ما جاء في (النهاية في غريب الحديث والأثر) في حديث عمر ﵁ أن امرأة نشزت على زوجها فحبسها في بيت الزبل. قال ابن الأثير: "هو بالكسر السِّرْجِين وبالفتح مصدر زبلت الأرض إذا أصلحتها بالزِّبْل. قال: وإنما ذكرنا هذه اللفظة مع ظهورها؛ لئلا تصحف بغيرها، فإنها بمكان من الاشتباه". كما كانوا يتدخلون أثناء الكلام أو عقبه بتقييد ينفي التصحيف عن الكلمة. مثال ذلك ما ذكره ابن السبكي في ترجمة أبي القاسم بن السمرقندي حيث قال: "قال أبو شجاع عمر البسطامي، أبو القاسم إسناد خراسان كله والعراق"، ثم وضع بين علامتي الاعتراض قوله: "وإسناد بنون"، يعني: مسنده، وواضح أن مظنة تصحيف إسناد هي أستاذ، فوضع بين علامتي اعتراض الكلمة الصحيحة وقال: "بنون". ولا شك في أن علماء اللغة والأدب مدينون لعلماء الحديث بأصول ذلك المنهج المحكم في القبول والرد والتصحيح والتضعيف، وفي لفت أنظارهم إلى كشف هذه الظاهرة، فيما انتهى إليهم من كلام العرب، وتدوين ما وقعوا عليه من تصحيف، وإفرادهم المؤلفات الخاصة بالتصحيف والتحريف. وهناك كتب تحدث العلماء فيها عن أشكال التصحيف والتحريف. ربما يكون ابن قتيبة الذي توفي سنة ست وسبعين ومائتين للهجرة أول من صنف كتابا برأسه في هذا المجال سماه (تصحيف العلماء) ولكن الكتاب لم يصل إلينا. ثم جاء من بعده أبو بكر الصولي الذي توفي سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة للهجرة فصنف كتابه واسمه (ما صحف فيه الكوفيون) وهو مفقود أيضا، ثم جاء حمزة بن الحسن الأصفهاني الذي توفي سنة ستين وثلاثمائة، فوضع كتابه الشهير الذي نشر أكثر من مرة بعنوان (التنبيه على حدوث التصحيف)، ومن بعده كتاب

стр. 309

(التنبيهات على أغلاط الرواة) لعلي بن حمزة البصري الذي توفي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، ثم ألف أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري -الذي توفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة- كتابين هما كتاب (شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف) وطبع محققا، والكتاب الثاني بعنوان (تصحيفات المحدِّثين) ونشر أيضا محققا، وألف معاصره علي بن مردار القطني البغدادي الذي توفي سنة خمس وثمانين كتابا عنوانه (التصحيف) لكنه لم يصلنا بعد. ومن الكتب التي ألفت في هذا المجال أيضا كتاب (الرد على حمزة في حدوث التصحيف) لكنه مفقود، وهو لإسحاق بن أحمد بن شبيب، كما صنف الخطيب البغدادي الذي توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة كتابه (تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل فيه عن نوادر التصحيف والوهم). ومن الكتب أيضا (التصحيف والتحريف) لعثمان بن عيسى البلطي، وكتاب (صحائف التصحيف ولطائف التحريف) لمحمد بن محمد الأزهري، وكتاب (التطريف في التصحيف) للسيوطي، وكتاب (التنبيه على غلط الجاهل والنبيه) لأحمد بن سليمان بن كمال، وكتاب (التعريف في فن التصحيف) لمحمد بن علي بن طولون الصالحي. من خلال هذا العرض السريع لتلك المصنفات نستطيع القول: إنهم حاصروا هذه الظاهرة، وقاوموا هذه الآفة العلمية بما يقضي عليها أو يخفف من حدتها، ولم يقفوا عند حد التصحيف الوارد في النص، وإنما لجئوا إلى تأليف الكتب التي تبحث في المؤتلف والمختلف، منها ما هو في أسماء الرجال، وألف في ذلك الدارقطني، وأحمد بن علي الخطيب البغدادي، وابن ماكولا، وابن نقطة الحنبلي، والذهبي وغيرهم كثير، ومنها ما هو في أسماء الشعراء، وقد ألف فيه الحسن بن بشر الآمدي، ومنها ما هو في أسماء القبائل، وقد ألف فيه محمد بن

стр. 310

حبيب، كل هذا الذي ذكر لابد لكل باحث محقق من الاطلاع عليه، واستيعابه جيدا للتعرف من خلاله على أشكال التصحيف والتحريف، والوقوف على كيفية اكتشافه وإصلاحه. أسباب انتشار ظاهرة التصحيف والتحريف لقد كان انتشار هذه الظاهرة، واهتمام العلماء بها، وكثرة التصنيفات العلمية فيها مدعاة للبحث عن أسبابها، والوقوف على دوافعها، يعنيني الباحث المحقق في المقام الأول، ليحاول أن يستفيد بها في تحقيق ما لديه، فإن لكل مخطوط ظروفه وملابساته، كما أن الحديث عن تلك الأسباب يعد خطوة ضمن خطوات العلاج؛ لأن تشخيص الداء جزء من الدواء، وإليك بيان هذه الأسباب: أولا: تشابه كثير من الحروف العربية في الرسم كالباء والتاء والثاء، والفاء والقاف، والطاء والظاء، والصاد والضاد، والسين والشين مع إهمال النقط والشكل في الكتابة العربية لفترة طويلة، مما جعل العين تتشبث بنطق معين لا تجد منه مفرا، بل يحاول القارئ أو الكاتب أن يجد لما قرأ أو كتب وجها، ومن ذلك ما رواه الحاكم والسيوطي أن بعضهم صحف حديث ((زر غبا تزدد حبا)) فقال: زرعُنا تردد حِنًّا، ثم فسره بأن قوما كانوا لا يؤدون زكاة زروعهم، فصارت كلها حناء، طبعا هذا تصحيف واضح سببه هو تشابه الحروف وعدم التشكيل. السبب الثاني من أسباب الوقوع في هذه الظاهرة: اختلاف الخط العربي بين المشارقة والمغاربة اختلافا بينا، فأحيانا ينسخ ناسخ شرقي كتابا بخط مغربي، وهو يجهل رسوم ذلك الخط المغربي، فيقع في التصحيف، فإن المغاربة يضعون فوق

стр. 311

القاف نقطة واحدة، فإذا وجد الناسخ كلمة سقر مثلا نسخها إلى سفر، فيقع التصحيف، ومن ثم أوصى علماء التحقيق والمخطوطات بالحذر الشديد والتنبه لمثل هذا عند تحقيق المخطوطات الأندلسية المكتوبة بخط مشرقي. السبب الثالث: عدم الخبرة بلغات القبائل، فقبيلة تميم مثلا تقلب الهمزة عينا، فيقولون في أني: عني، وتسمى: عنعنة، ومثلها الكشكشة والفخفخة، وغير ذلك من لغات العرب، فقد يجهل الناسخ أو القارئ أو الراوي هذه اللغة، ويثبت ما هو مألوف لديه في لغته، فيقع التصحيف، ولعل بعضا من روايات الشعر إنما هي تصحيفات من هذا القبيل، والتمس لها الشراح وجها من العربية. السبب الرابع من أسباب التصحيف والتحريف هو: إهمال علامات الترقيم أو استخدامها استخداما خاطئا، أو عدم ترك مسافة كافية بين الكلمات مما يؤدي إلى تقارب الحروف، فتصير الكلمتان كالكلمة الواحدة. نضرب مثالا لذلك عبارة: تحار به القطا، وردت في بيت لامرئ القيس لكن صحفها بعض المصحفين إلى: تحاربه القطا؛ لأنه لم يترك مسافة بين الفعل تحار وبين الجار والمجرور به، فصارت الكلمتان كلمة واحدة. ومن ذلك ما ذكره أبو أحمد العسكري عن أحمد بن موسى بن إسحاق الأنصاري أنه قال: "حدثني فلان عن هندان المعتوه"، تصحيف لقوله: عن هند أن المغيرة، فحدث تداخل بين الكلمات فنتج عن ذلك تصحيف واضح لا محالة. ومن هذا القبيل التصحيف الواقع في عبارة: على جَدِيلته، وجديلته بمعنى: طريقته، فإنها صحفت إلى: على حد يليه، ومثل هذا التصحيف كثير ويخفى صوابه على النساخ، فليحذر المحقق مثله وليقلب المعنى على جميع وجوهه حتى تستقيم له العبارة. السبب الخامس: هناك تصحيف يسمى التصحيف السمعي، نسبة إلى السبب الذي أدى لوقوعه، وأكثر ما يأتي هذا النوع من طريق الإملاء خاصة في كتب الأمالي،

стр. 312

حيث التفاوت الواضح بين التلاميذ في قواعد الإملاء من ناحية، والتنبه لما يملى عليهم قوة وضعفا من ناحية ثانية، فقد يكتب بعضهم شيئا على غير وجهه نتيجة لخداع السمع حين يخلط المهموس بالمجهور. يندرج تحت هذا السبب أيضا عدم قدرة المملي على الإبانة، فلا يراعي مخارج الحروف ولا يفصلها تفصيلا، فينخدع السمع لدى الكاتب، ويقع التصحيف فيما كتب لا محالة. ومن أمثلة ذلك ما روي من قول علي بن الحسن الأحمر للكسائي: "سمعت أعرابيا ينشد يقال له مزيد: كأن في ريقته لما ابتسم بَلْقَاءَة ... في الخيل عن طفل متم يعني: السحاب، فقال له الكسائي: ويحك إنما هو: ...... ... بلقاء تنفي الخيل عن طفل متم" هذا خطأ في السماع والإلقاء معا، فعلى المحقق أن يدرك ذلك جيدا، وليدرس أحوال الرجال نساخا ومؤلفين وقراء، فلربما كان أحدهم يتصف بصفة مما ذكرنا، فيكون ذلك مدعاة لوقوع التصحيف. هناك سبب سادس: خفاء معنى الكلمة عند الناسخ أو القارئ، فيعدل عنها إلى كلمة مأنوسة مألوفة لديه تؤدي المعنى، وتتفق مع السياق من وجهة نظره، فيقع التصحيف حينئذ، ومثال ذلك ما جاء في حديث استسقاء عمر بن الخطاب ﵁ للعباس بن عبد المطلب قال عمر: "اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك، وقفية آبائه"، أي: تَلْوُهُم وتابعهم، وقد ورد هذا القول في بعض الكتب مصحفا فقيل: وبقية آبائه، ولا معنى له، ولا شك في أن هذا التدخل حدث من الناسخ، أو القارئ وهو يعد إخلالًا بالأمانة العلمية. هناك سبب سابع: وهو جهل النساخ أو القراء أو المحققين أيضا بغريب كلام العرب، وهذا السبب يختلف عن سابقه، ففي السابق لما خفي عليهم المعنى وضعوا كلمة مكان أخرى، مع تيقنهم أن المؤلف استخدم الكلمة المحذوفة، أما

стр. 313

هنا فإنهم يحرفون الكلمة الأصلية ظنا منهم أنها خاطئة، وهذا باب واسع في التصحيف والتحريف وأمثلته كثيرة جدا؛ منها عبارة تتردد كثيرا في الترجمة للأعلام وهي: أنه احتضر سنة كذا في سياق الحديث عن موت المترجم له، وهو في سن الشباب، وهي خطأ والصواب اخْتُدر سنة كذا، يقال: اختدر الشاب أي: مات فَتِيًّا كأنه أُخِذَ طريا غضا، ويدخل تحت هذا السبب الجهل بأنماط التعبير عند القدماء، الجهل بسياق الكلام، وهو مدعاة للتصحيح، وليتجنب المحقق مثل هذا حتى لا يكون حاله كحالهم. هناك سبب ثامن وهو: الجهل بمصطلحات العلوم، قد يكون ناسخ ينسخ كتابا، وهو لا فكرة عنده بهذا العلم، ولا يدري معنى مصطلحات هذا العلم فيسجل أشياء خاطئة، ومثال ذلك عبارات تتردد كثيرا في مجال الترجمة للأعلام، وصارت كالمصطلح هي: فَقَد سُمعته في بلد كذا، العبارة بهذا الضبط فيها تصحيف، الصحيح فيها وفَقد أَسْمِعَتَه أي: سماعاته ومروياته التي حصلها من شيوخه في ذلك البلد، والأسمعة جمع سماع. سبب آخر من أسباب الوقوع في التصحيف أيضا والتحريف: الجهل بأسماء البلدان. نضرب مثلا لذلك بعبارة وردت في بعض الكتب تقول هذه العبارة: وعلي بن عثمان بن محمد بن الشمس لؤلؤ، وأخته زينب بقراءتي عليهما ببيت لها من غُوطَة دمشق. فقوله: ببيت لها، تصحيف واضح والصواب: ببيت لِهْيا، وبيت لهيا: قرية مشهورة بغوطة دمشق. كثيرا ما يقع المحققون في مثل هذه التصحيفات نتيجة جهلهم بأسماء البلدان. ومن ذلك قول ابن أحمر: "لو كنت بالطَّبْسَيْن أو بالآلة أو بَرْبَعِيص مع الجنان الأسود"، علق أحد المحققين قائلا: الآلة اسم موضع لم أجد لها ذكرا إلا هنا، والحقيقة أن هذا تصحيف واضح ناتج عن جهل المحقق بأسماء البلدان والصواب: أُلَالة بوزن حُثَالة وهو موضع بالشام ذكره ياقوت في (معجم البلدان).

стр. 314

عاشرا من أسباب الوقوع في التصحيف أيضا: الإلف؛ أي أن الإنسان يألف الكلمة أو ينطق الكلمة التي ألفها على غير ما يراد منها، ويقع هذا كثيرا، وأكثر ما يظهر هذا اللون من التصحيف في ضبط الأعلام والأنساب. ومن أمثلة هذا التصحيف ما ورد في (ميزان الاعتدال) أن عثمان بن أبي شيبة قرأ أول سورة الفيل هكذا: الم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، وكأن ذلك وقع منه نتيجة لما ألفه من هذا الافتتاح في أول سورة البقرة وآل عمران، وأشباه هاتين السورتين. مما ورد من تصحيف في أسماء الأعلام نرى مثلا في بعض المراجع عبارة: ومن يقرأ عَلِي بن رباح، والصواب عُلي بن رباح بضم العين، وكان عالما ثقة كان اسمه عليًّا بفتح العين، ولكن سمع أبوه أن بني أمية يقتلون كل مولود اسمه علي، أقبل على تصغيره فقال: عُلي، واشتهر بذلك. ومما يتصل بتصحيف الأسماء أيضا ما نسمعه في ترجمة ابن النفيس الطبيب المشهور حيث قالوا: علي بن أبي الحزم القُرشي، هذا تصحيف، والصواب القَرشي بفتح القاف وسكون الراء نسبة إلى قَرْش، وقرش اسم بلدة فيما وراء النهر، ولكي يتجنب المحقق الوقوع في مثل هذه التصحيفات عليه الرجوع إلى كتب الأعلام والبلدان، وغيرها من كتب تكشف له عن هذا. وقد تأتي بعض التصحيفات من توليد واختراع بعض الأدباء واللغويين الذين لديهم القدرة على تشقيق الكلام، وتحليل أجزائه وإعادة تركيبه والتلاعب به إظهارا للمهارة أو استخراجا للضحك؛ يؤكد هذا أمران: أن بعض صور التصحيف اقترنت بعبارة تصحيفات أضحكت من قائليها أو أزرت بهم. والثاني: أن بعض صور التصحيف اصطنعت اصطناعا، وألغز فيها إلغازا كما روي أن إبراهيم بن المهدي كتب إلى إسحاق بن إبراهيم النديم: "أيُّ شيء

стр. 315

تصحيف: لا ترتج مثل الأسنة؟ فكتب: لا يرث جميل إلا بثينة". هذا النمط غريب فعلا من التصحيف ناتج عن التلاعب بالحروف، وشاع هذا النمط من التصحيف في كتب المتأخرين للدلالة على المهارة كصلاح الدين الصفدي والأبشيهي وابن حجة الحموي وغيرهم. هناك صور من التصحيف تصطنع اصطناعا؛ لتغيير كلام غير مستقيم أو مرفوض في موازين الأخلاق أو الطباع السوية، ومثال ذلك ما فعله بعضهم من تغيير: اتق شر من أحسنت إليه، إلى: أبق سر من أحسنت إليه؛ لأن العبارة الأولى داعية إلى تبغيض الإحسان إلى الناس، وتنفيرهم منه. بعض المحققين قد يظن أن ظاهرة التصحيف والتحريف خاصة بالمخطوطات، والمؤلفات القديمة، هذا ظن غير صحيح، ظاهرة التصحيف والتحريف تشيع بين المحققين والكتاب في العصر الحديث، وربما كان جهل القائمين على الطباعة باللغة العربية وقواعدها وراء انتشار هذه الظاهرة، بالإضافة إلى إهمال المحققين والكتاب مراجعة البروفات النهائية للطباعة، وبعضهم ينيب عنه من يقوم بهذه المراجعة ممن لا خبرة لهم باللغة والأسلوب، وصور التصحيف والتحريف في المؤلفات الحديثة لا تحصى كثيرة، وتحتاج إلى بحوث وليس إلى بحث. وإذا كان القدماء قد أكثروا من التصنيف في هذه الظاهرة؛ فنحن الآن في أشد الحاجة إلى التأليف فيها والكشف عنها، منها كثير في (ريحانة الكتاب) وفي كتاب (الكامل) لابن الأثير، كثير من الذين قاموا بتحقيق (ريحانة الكتاب) للسان الدين بن الخطيب، والدكتور محمد عبد الله عنان حققه، وفي كتاب (الكامل) لابن الأثير طرنبرج أيضا حققه، فيه تصحيفات لا تليق على الإطلاق لا بالكتاب ولا بالمؤلف، وهي في حاجة إلى الكشف عنها وتوضيحها للمحققين حتى يتعلموا ويفيدوا منها فائدة جمة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 316

الدرس: ١٩ تخريج النصوص وإخراج المخطوط .

стр. 317

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس التاسع عشر (تخريج النصوص وإخراج المخطوط) تخريج النصوص الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، وبعد: فلعله قد اتضح ما ينبغي أن يقوم به المحقق تجاه النص من تحقيق، وتوثيق، وضبط، وتصحيح، وترميم؛ حتى يخرج النص كما أراده صاحبه، ولا شك في أن هذا عمل شاق، ومن أجل ذلك أردت أن أعرض عليك أيها الباحث المحقق مجموعة من المراجع العلمية التي تخدم عملية التحقيق، يمكنك الاستعانة بها، وأنت تمضي في تحقيق المتن، وسوف تساعدك في الوصول بالمخطوط إلى أفضل صورة، لا أعرض عليك هذه المراجع بأسمائها فذلك يحتاج إلى وقت طويل، ولكن عرضها مصنفة في صورة مجموعات على النحو التالي: أولًا: كتب المؤلف نفسه صاحب المخطوط المطبوع منها والمخطوط، لا ينبغي لمن يحقق أو يقدم على تحقيق مخطوط ما أن يهمل بعض المخطوطات أو الكتب المطبوعة التي ألفها صاحب المخطوط بنفسه، فإنها ستفيده إفادة لا شك فيها. ثانيًا: الكتب التي لها علاقة مباشرة بالمخطوط كالشروح مثلًا، والمختصرات، والتهذيبات، وهذه الكتب تفيد الباحث في ضبط النصوص وبيان غوامضها، وهذا أمر له أهميته في مجال التحقيق. ثالثًا: الكتب التي اعتمدت اعتمادًا ملحوظًا على المخطوط، فغالبًا ما تحتفظ هذه الكتب بالنص الأصلي أو ببعض النصوص، فإذا أراد محقق تحقيق كتاب (البيان والتبيين) مثلًا، أو كتاب (الحيوان) للجاحظ لا بد له من الرجوع إلى كتاب (عيون الأخبار) لابن قتيبة، لماذا؟ ابن قتيبة اعتمد على الجاحظ في تأليف كتابه (عيون الأخبار).

стр. 318

رابعًا: الكتب التي استقى منها المؤلف مادته العلمية، فإذا اهتدى المحقق إلى المنابع التي استمد منها المؤلف مادته العلمية كان ذلك عونًا له على إقامة النص، وبعض المؤلفين لا ينص على تلك الكتب مباشرة، وعلى الباحث حينئذٍ أن يسعى للكشف عن منابع المادة العلمية في المخطوط المراد تحقيقه. خامسًا: هناك كتب ألفت في زمن المؤلف، وتعالج نفس الموضوع الذي كتب فيه المؤلف مخطوطه، أو تعالج موضوعًا قريبًا منه، وحينئذٍ لا بد من الرجوع إلى مثل هذه الكتب؛ فهي قد تخدم التحقيق من جهة ما لا يهملها المحقق بأي حال من الأحوال. سادسًا: كتب اللغة، ومثل هذه الكتب تفيد الباحث في إقامة أسلوبه الذي يصدر عنه، وفي اكتشاف التحريف الذي يقع في المتن، وكتب اللغة تشمل المعاجم اللغوية بأنواعها كمعاجم الألفاظ، ومعاجم الأساليب، ومعاجم المعاني إلى آخر هذه المصنفات الكثيرة، كما تشمل أيضًا المراجع النحوية والصرفية، والمراجع العلمية الخاصة التي يراها الباحث مهمة في مجال تحقيقه وتتصل باللغة لا بد من الرجوع إليها، ولا ينخدع المحقق بمكانة المؤلف، أو توثيقه من قبل العلماء، أو سعة علمه، لا ينخدع بذلك على الإطلاق؛ فيمنعه ذلك من تقويم النص، وملاحظة ما قد يطرأ عليه أو يقع فيه من تحريف أو تصحيف، إلا إذا أثبت المؤلف على هوامش المخطوط ما يدل على أنه راجعه وصححه وقوم ما به من عوج واضطراب، وكان المؤلف مع ذلك ثقة مشهودًا له بالدقة والعلم، فكثيرًا ما يسهو المؤلف أثناء كتابته، وخاصة إذا كان عاجلًا، فيترك النقط مثلًا، أو يزيد فيه، أو يترك الشكل، أو يخطئ فيه، أو تسقط منه كلمة، أو أكثر من كلمة، وقد يخطئ في بعض أسماء المصادر، أو الأعلام أو الأماكن ... إلى غير ذلك مما هو مظنة الخطأ والسهو.

стр. 319

من أجل ذلك وجبت مراجعة النسخة التي كتبها المؤلف مهما كان ثقة؛ لأن سهوه وارد، ونضرب مثلًا لهذا بكتاب (المُغرب) لابن سعيد، فإنه نقل في ترجمة أبي حفص عمر بن الشهيد نصًّا، وقال: إنه اقتبسه من (الذخيرة) سهوًا، والصحيح أنه اقتبسه عن (جذوة المقتبس) للحميدي، وعلى المحقق الوقوف طويلًا أمام أسماء المؤلفين؛ حيث إن القدماء كانوا يخطئون أحيانًا فيها بسبب الاشتباه عليهم، ومن ثم يجب مراجعة الأسماء التي توضع على المخطوط بدقة. ومن صور الخطأ الوارد في الاسم أن الشهرستاني ذكر في أوائل كتابه (الملل والنحل) فلاسفة الإسلام الذين فسروا كتب الحكمة من اليونانية إلى العربية، وذكر من بينهم أبا حامد أحمد بن محمد الإسفزاري، وهو من إسفزار، بلدة بين هراة وسجستان، واشتبه الأمر على بعض العلماء، فجزم بأن الإسفزاري المذكور هو الإسفراييني، لاشتراكهما في الاسم، والكنية، واسم الأب، واقتراب الإسفزاري في الصورة الخطية من الإسفراييني، فلينتبه المحقق إلى مثل هذا التشابه. من الأمور التي تتصل بتحقيق المتن أيضًا: تخريج النصوص، أي ردها إلى مصادرها التي تشهد بصحتها وتؤيدها، وهذا أمر مهم في مجال التحقيق، ولا ينبغي للباحث أن يهمله أو يغفل عنه بأي حال من الأحوال، والنصوص التي ينبغي تخريجها في المخطوط المراد تحقيقه كثيرة ومتنوعة، وفي مقدمتها القرآن الكريم، ولا يصح أن يثق المحقق بحفظه لكتاب الله عند تخريجه لآيات كتاب الله الحكيم؛ فإن آياته تتشابه، وكثيرًا ما يحدث فيها السهو والخلط لدى بعض المؤلفين أو النساخ، يستعين الباحث في تخريج النصوص القرآنية بالمصحف، أو ببعض المعاجم الخاصة بألفاظ القرآن الكريم، وهذه

стр. 320

المعاجم تعين الباحث على استخراج النص من المصحف في سهولة وسرعة، لا يُوَثِّق من هذه المعاجم، ولكن وظيفة المعجم هي سرعة الاستدلال من خلالها على مكان الآية في كتاب الله ، ولا يتعجل الباحث في تخطئة النص قبل الرجوع إلى كتب القراءات، فربما أراد المؤلف قراءة من القراءات، فعليه أن يستوثق من ذلك قبل أن يخطِّئ هذه القراءة. وفي تخريج النص القرآني يشير الباحث إلى اسم السورة ورقمها ورقم الآية على النحو التالي يقول: سورة البقرة ٢ مائة خمس وعشرون، سورة البقرة، رقمها، الآية رقم ١٢٥، وبعض الباحثين يهمل رقم السورة، ولكن ذلك ييسر الرجوع إلى السورة خاصة في العصر الحديث؛ فقد رقمت فيه السور. وتخريج الأحاديث النبوية الشريفة من الأمور المهمة أيضًا التي ينبغي للباحث أن يهتم بها، حتى يطمئن إلى سلامتها من التصحيف والتحريف، ومما يعين الباحث على ذلك (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف في كتب السنة) وكتبه المستشرق "فننسنك"، وكذا كتاب (مفتاح كنوز السنة) لمحمد فؤاد عبد الباقي، وكذا كتاب (الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير) للسيوطي، وغير ذلك من كتب تهتم بالحديث النبوي الشريف شرحًا، وتصنيفًا، وتخريجًا، وللأحاديث التي يستشهد بها في اللغة مراجع خاصة مثل (غريب الحديث) لأبي عبيد القاسم بن سلام، و (غريب الحديث) لابن قتيبة، و (الفائق في غريب الحديث) للزمخشري، و (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير، وغير ذلك من كتب تخصصت في هذا المجال. أما بالنسبة للأمثال العربية فعلى المحقق أن يلجأ إلى كتب الأمثال المختلفة لتحقيقها، حتى يطمئن إلى سلامتها، وصدق روايتها، وضبط كلماتها، ومعرفة
следующие страницы →