الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» ، أوجبه وجعله طاعة له سبحانه وقربة إليه، طاعة مؤكدة معروفة يجب الإتيان بها في العسر واليسر، والمنشط والمكره والاستبداد، إلا إذا أمر الإنسان بمعصية الله، أو فوق المستطاع، فلا سمع ولا طاعة إذًا لمخلوق في معصية الخالق، يقول ﷺ : «وعلى المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا إذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» ، وإن شيئًا - يا عباد الله - أمر الله به ورتب عليه سبحانه مصلحة عظمى في الدنيا، وأجرًا مضاعفًا في الآخرة، لجدير بأن يكون موضع رعاية المؤمن واهتمامه.
وخير ما يقوم به ولاة الأمر بل أعظم ما يجب عليهم تحكيم شرع الله والقيام به وإرشاد الناس إلى عبادة الله وحده وترك ما سواه ليتحقق على أيديهم الخير العظيم ولتتنزل عليهم بركات من السماء والأرض وخير مثال على ذلك في العصر الحاضر ما قامت عليه المملكة العربية السعودية إذ قامت على التآزر التام والتعاون المبارك بين القيادة والدعاة لتطبيق شرع الله وتحكيمه في واقع الناس فتوافرت لهذه الدولة النعم وتوالت عليها المنن وعاشت حكومة وشعبًا بأمن وأمان ورغد عيش.
فاتقوا الله - أيها المسلمون - وتقربوا إلى الله بما أمركم به من طاعة ولاة الأمور، ومن الدعاء لهم، والتعاون معهم على البر والتقوى، والصبر عليهم، ما أطاعوا الله ورسوله وأقاموا شعائر دينه، فما نزعت يد من طاعة إلا صافحها الشيطان وعرضها لفتنة عمياء، وموت جاهلية جهلاء، والعاقل يدرك خطورة عصيان الأئمة الشرعيين، وما تأتي به منازعتهم أو الخروج
стр. 107
عليهم من شر، وما يترتب على ذلك من مفاسد عظمى لا يعلم مداها - على الحقيقة - إلا الله سبحانه، وتفاديًا لهذا الشر، ودرءًا له عن الأمة الإسلامية، قال هادي البشرية ﵊: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، فميتته ميتة جاهلية» وقال: «اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» ، وروى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله» . قال: - يعني رسول الله - «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» .
يا عباد الله: يا من في أيديهم شيء من ولاية، إن الحكم العدل سبحانه، كما أوجب لكم حقًا على من لكم عليه ولاية، وأمره باحترامه والقيام به، فكذلكم أوجب عليكم حقًا لمرءوسيكم ومن في سلطانكم، ومن تحت رعايتكم، وآذنكم بخطورته، وعظم مسئوليته على لسان رسوله بقوله ﷺ : «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته» ، فاتقوا الله فيما استرعاكم الله فيه، وأدوا ما أوجبه الله عليكم من حقوق مرءوسيكم ورعاياكم تكونوا من خير الأئمة الذين قال الرسول فيهم ﷺ «إن خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم» وتبتعدوا عمن عناهم ﷺ بقوله: «وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» .
стр. 108
وإن أعظم تلكم الحقوق إقامة العدل بينهم، والإحسان بهم، وخفض الجناح لمؤمنهم؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ويقول: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] كما أن من حق الرعية عليكم أن تحوطوهم بالنصح، وأن تسعوا بإخلاص وجد فيما يجلب لهم النفع، ويدرأ عنهم الضرر، وأن تتجنبوا كل ما يثير نفوس أفراد الرعية، ويعرضهم للحقد والمنازعة كالاستئثار بالمصالح، ومعاملتهم بالشدة والقسوة، وتكليفهم ما يعنتهم ويشق عليهم ونحو ذلكم، مما يسبب بغض الرعية للراعي، ويعرضه للمنازعة في الدنيا، وللعذاب الأليم في الآخرة. يقول ﷺ ، فيما رواه البخاري ومسلم: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة» وفي رواية لمسلم: «ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة» .
وروي عن عائذ بن عمرو - رضى الله عنه - أنه دخل على عبيد الله ابن زياد، فقال: أي بني: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن شر الرعاة الحطمة، وإياك أن تكون منهم» والحطمة: هو الشديد الغليظ القاسي، قليل الرحمة والشفقة والحنان ويقول مستجاب الدعوة ﷺ : «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولى من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» .
стр. 109
أقول قولي هذا، وأسأل الله تعالى أن يوفق ولاة أمور المسلمين، وحماة الإسلام لما فيه صلاح دينهم ورعاياهم. إنه تعالى خير مسئول، غفور رحيم (١) .
стр. 110
[ضرر تفريق الكلمة]
ضرر تفريق الكلمة الخطبة الأولى: الحمد لله رب العالمين والحمد لله الذي هدانا لدين الإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وله الحكم وإليه ترجعون. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين ﴿شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه ودعا بدعوته. أما بعد: فإن الله تعالى خلق الإنسان وجعل فيه مقومات الفهم والتمييز، والعقل والإدراك، فهو يعرف النافع من الضار، والطيب من الخبيث، وأعطاه قوة عملية، يختار بها، فبرغبته يختار، وبإدراكه يميز، وطريق الله مستقيم، ومعتدل واضح منير، على اتجاه واحد، إلى رب العالمين، وما عداه فطرق منحرفة ملتوية معوجة. لها فروع ومنافذ، تؤدي إلى متاهات، وظلمات، وكل إنسان بقدرته الاختيارية يختار الطريق التي يسلكها في هذه الحياة، ولن يخرج عن النظام القدري العام: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (١) .
стр. 111
ليس أمام الإنسان إلا واحد من طريقين. إما طريق الخير الموحد المستقيم، أو طريق الضر بشعبه وأقسامه وانحرافاته، وضلالاته، ومتاهاته، وإذا أراد الإنسان أن يطبق الجزئيات على القواعد، فلينظر إلى الأقوال والأفعال، فإنها تعبر عن عقيدة المرء وسريرته.
والعلمانية العالمية. هي أخفى منظمة يهودية شيوعية مشتركة. تعمل بسرية مكتومة، وخفاء، تعمل لهدم الإيمان وعقيدة التوحيد؛ وتفريق كلمة المسلمين، وإثارة الخلافات والمشاحنات والشقاق بين الأمة المسلمة، والعائلة الواحدة، تفرق بين الشعوب والحكومات، تفرق بين الرئيس والمرءوس، وبين الأب وابنه، والأخ وأخيه، وبإثارة الخلافات في مسائل في المعاملات، والعبادات، والعقائد، والميول والاتجاه، وهى بعملها هذا إما أن تحرف المسلمين - حكومة وشعبًا - عن صراط الله المستقيم، إلى المتاهات والظلمات، فتضعف قوتها، وتتفرق كلمتها، فلا تقاوم أعدائها، أو أنها تجعل بأس الأمة بينها فتتضارب الآراء والأفكار ويشتد الجدل وأخيرًا إلى شر مستطير.
والأمور إذا عولجت في أول أمرها قضي عليها بسهولة، أما إذا استهين بها حتى تمتد أغصانها وتبث عروقها، وتقوى أعوادها فبعد هذا يحتاج الأمر إلى مشقة وعناء، وقد منّ الله تعالى على هذه البلاد، بأن جمع كلها، ووحد صفوفها، وطهر عقيدتها على يد جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود غفر الله له وطيب الله ثراه وجزاه عن الإسلام
стр. 112
والمسلمين خير الجزاء، فنتج عن ذلك ما نرفل فيه من الأمن والرخاء والدعة، والسكون والهدوء والعز وجمع الشمل وتوحيد الكلمة، وإخلاص العبادة لله وحده، واتباع سنة نبينا محمد ﷺ غضة طرية، كما جاء بها حبيبنا وقرة عيوننا محمد بن عبد الله ﷺ ، والأمة الإسلامية محسودة بهذه النعمة بصفة عامة.
لذلك فإن الحاسدين يعملون بكل جد ونشاط وبكل أسلوب وإغراء، وبكل إرجاف وتخويف وبكل شيطان مريد، لتفريق الكلمة وشق العصا وتصديع الصف، وبلبلة الأفكار، وإثارة الخلافات الفقهية والعقائدية الميتة المدفونة ينبشونها من قبورها، لتكون هي القائد في تحقيق أهدافهم الماسونية الخبيثة ومخططاتهم الصهيونية الشيوعية المشتركة.
لم يبق في العالم أمة مسلمة، تحكم بشرع الله وبرسالة محمد ﷺ إلا هذه البلاد، لذلك فإن كل القوى المعادية للإسلام مركزة عليها.
ويجب أن يعلم المسلمون وولاة الأمر، أنه لا ناصر لهم إلا الله وحده، ولا عز لهم إلا بالله وحده، ولا مؤيد لهم إلا الله وحده، ولا ينصرهم إلا من كان على دينهم وعقيدتهم.
وإننا نأسف كل أسف، ونحزن الحزن العميق أن يكون من بين قوى الأمة المسلمة (من يرفل في خيراتها وينعم في رخائها. ويسعد بأمنها واستقرارها ويتمتع بخصوصيته في ثقة المسئولين فيه، فإذا به يتابع الفرقة التي تثير الخلافات وتشق العصا، وتنقر في أصل الدولة الذي بنيت عليه) من
стр. 113
يحاول تدنيس العقيدة الصافية، والإيمان الخالص بالله، والتصديق النقي برسول الرحمة ونبي الهداية محمد ﷺ .
إن المسئولية تقع على كل مسلم، ويتأكد على القيادات الدينية، ويتعين على القيادة العامة أن تحافظ على كيانها، ومقدساتها. ومقومات عزها ونصرها؛ فاتقوا الله أيها المؤمنون. اتقوا الله أيها المسئولون. اتقوا الله يا أنصار الإسلام.
نسأل الله تعالى أن ينصر دينه، وأن يعلى كلمته، وأن يرفع راية الإيمان قوية عزيزة كريمة خفاقة، على جميع أقطار الدنيا، وأن يحفظ بلادنا وأمننا واستقرارنا، وعقيدتنا من كيد الأعداء ودسائس المغرضين الحاسدين، وأن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، إنه جواد كريم، فاستعينوا بالله أيها المؤمنون واستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 114
الخطبة الثانية: الحمد لله كثيرًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى. واحذروا سخط الجبار فإن أقدامكم على النار لا تقوى.
واعلم أخي المسلم أن لك نفسًا أمارة بالسوء تدعوك لشهواتها ورغباتها. وتزين لك وساوس الشيطان وتحثك على اتباعها. فاحذر منها كل الحذر وتحصن بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، واجعل لسانك مشغولًا بذكر الله، وبدنك معمورًا بطاعة الله، يحفظك الله من كل سوء ويهديك لكل خير وسعادة.
واتق الله حيثما كنت يجعل لك من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا ويرزقك من حيث لا تحتسب.
عباد الله: إن الله تعالى قد أمرنا بأمر بدأ فيه بنفسه فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]
اللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وعن بقية الصحابة أجمعين، وأهل بيته الطيبين الطاهرين. وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم
стр. 115
الدين، وارض عنا معهم بمنك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين واجمع كلمتهم ووحد صفوفهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور. اللهم انصر جيوش المسلمين وثبت أقدامهم واربط على قلوبهم وانصرهم على القوم الكافرين. اللهم أذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين. اللهم اخذل اليِهود وأعوانهم وأتباعهم، اللهم أنزل الرعب في قلوبهم وشتت شملهم وفرّق جمعهم، واجعل الدائرة عليهم. إنك أنت القوي العزيز.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. اللهم فرّج همّ المهمومين، ونفّس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضى المسلمين.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (١) .
стр. 116
[الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله الذي وفق أولياءه للعمل بما يحبه ويرضاه، وحقق على أهل معصيته ما قدره عليهم وقضاه، الناصر لمن ينصره من أهل طاعته وتقواه، الذين يغضبون لغضبه ويرضون لرضاه. أحمده سبحانه على ما خوَّله من فضله وأسداه، وأشكره على سوابغ نعمه وجزيل بره وآلاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من عرف الله ولم يعامل أحدًا سواه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي اصطفاه واجتباه، وأمره بطاعته وتقواه، وعن طاعة الكفار والمنافقين حذره ونهاه. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وسائر من نصره وتولاه. وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وراقبوه، وعظّموا أمره ولا تعصوه، وأعلموا أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من أعظم الواجبات وأهم المهمات. عباد الله ما هذا التغافل والإحجام عن ما أوجبه الله عليكم من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي قد وهى فيما بينكم جانبه، وكثر تاركه ومجانبه، ودبت إليكم من الوهن عقاربه، أجراءة على الله؟ أم أمن من مكره وعقابه، وسخطه وأليم عذابه؟ أما علمتم أن بالقيام به تحصل لكم السعادة والنجاة. وتأمنون من حلول العقوبات والمثلات. فيا عباد الله ما هذا التكاسل والتغافل والانهماك في الشهوات واللذات، والإقدام على ما يسخط فاطر الأرض والسموات، ويوجب نزع البركات ووقوع النقم والبليات. أما سمعتم قول الله تعالي: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ - كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ - تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠]
стр. 117
وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم» . وفيه أيضا عنه ﷺ أنه قال: «يا أيها الناس إن الله تعالى يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم» . وفيه أيضًا «وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يستجب دعائهم» . وفي مراسل الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزال هذه الأمة تحت رحمة الله وفي كنفه ما لم يمالئ قُرّاؤها أمراءها وما لم يزكِّ صلحاؤها فجارَها، وما لم يُهن شرارها خيارَها، فإذا فعلوا ذلك رفع الله يده عنهم ثم سلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب ثم ضربهم بالفاقة والفقر» ، وفي مراسل الحسن أيضًا «إذا أظهر الناس العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا الأرحام وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله عند ذلك فأصمّهم وأعمى أدبارهم» . وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وبئس القوم قوم يجفون من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبئس القوم قوم لا يقومون بالقسط، وبئس القوم قوم يسير المؤمن فيهم بالتقية والكتمان» .
стр. 118
فاتقوا الله عباد الله وأفيقوا من سكرتكم، وانتبهوا من غفلتكم، واستيقظوا من رقدتكم، وتداركوا ما فات من تفريطكم وإهمالكم لأمر ربكم، وقوموا قيام صدق علمًا وعملًا قولًا وفعلًا وأمرًا ونهيًا، ولا تأخذكم في ذلك لومة لائم، وأخلصوا النية وأصلحوا الطوية. واحذروا الأسباب التي توجب ترك ذلك والإعراض عنه، فإن ذلك من كيد الشيطان وتسويفه وغروره ولا تقولوا ما لا تفعلون، وتداركوا رحمكم الله أعماركم بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله والندم والإقلاع من قبائح الذنوب والآثام. والانتباه والإقبال على طاعة الملك العلام. من قبل أن يحل بكم من أمر الله ما لا قبل لكم به، فستذكررن ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ - أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ - أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦ - ٩٩]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم. بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل، لي ولكم ولسائر المسملين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .
стр. 119
[التحذير من البدع]
التحذير من البدع الحمد لله الذي أمرنا بالاتباع. ونهانا عن الابتداع. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في العبادة. كما لا شريك له في الخلق والإبداع. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أرسله ليتبع ويطاع. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسائر الأتباع وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله واعلموا أن الله قد أكمل لنا الدين وأمرنا باتباعه والتمسك به قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فكل عمل ليس له أصل في الشرع ولم يقم عليه دليل من السنة فهو من ابتداع المضلين. وهو من السبل المتفرقة التي تضل من اتبعها عن سبيل الله، قال ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ، وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» .
عباد الله: إن البدع تقضي على الدين الصحيح وتحل محل السنن فقد روى الإمام أحمد بسنده عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها» ، وفي البدع مفاسد عظيمة، منها أنها تحل محل السنن كما سبق، فكلما جاءت بدعة تركت سنة وهكذا حتى يقضى على الدين بالكلية. ولهذا تجدون أصحاب البدع يحرصون عليها أكثر مما يحرصون على السنن لأن الشيطان يزينها لهم.
ومنها: أن صاحب البدعة يرى أن الدين ناقص فهو يريد أن يكمله
стр. 120
ببدعته. وإلا لو كان يرى أن الدين كامل لاستغنى به عن البدع. ومنها: أن أصحاب البدع يزهدون في السنن وتفتر عزائمهم عن العمل بها وينشطون في البدع فلذلك نجدهم ينفقون أموالهم وينصبون أبدانهم ويضيعون أوقاتهم في إحياء البدع. ومنها: أن البدع تعيد الجاهلية إلى حياة الناس فتورث التفرق والاختلاف. وكل فريق يرى أن ما هو عليه أحسن مما عليه الآخر، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] وكما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أما السنن فإنها تجمع الناس وتؤلف بين قلوبهم فيكونون إخوة متحابين على منهج واحد ودين واحد ممتثلين قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]
ومن مفاسد البدع أنها تورث الاستكبار عن الحق، فالمبتدع إذا دعي إلى الحق لا يمتثل ويتمسك ببدعته ويدافع عنها.
ومن مفاسد البدع: أنها تفسد الدين الصحيح وهذا ما يريده شياطين الجن والإنس من الكفار والمنافقين، فأعداء الدين يحاولون إفساده بشتى الوسائل، وأهم سلاح يستخدمونه في ذلك هو البدع والخرافات ليشوهوا بها الإسلام ويغطوا بها وجه الدين الصحيح، حتى يظن من لا يعرف حقيقة الإسلام أنه مجموعة من الخرافات والطقوس الفارغة فينصرف عنه من يريد الدخول فيه. أضف إلى ذلك أن الذين يروجون البدع يجنون من ورائها مكاسب مادية أو يتمكنون بها من نيل شهواتهم المحرمة. فكم ينفق في إحياء هذه البدع من أموال، وكم يهتك فيها من أعراض بسبب الاختلاط بين الرجال والنساء بلا وازع ولا رادع.
стр. 121
هذا ولوسائل الإعلام من صحافة وإذاعات دور كبير في ترويج هذه البدع وبثها في أَرجاء المعمورة حيث ينقلون لها صورًا حية إلى مختلف البلاد فيغتر بها من يسمع أو يقرأ عنها ويظنها من الدين. كما أن لعلماء السوء دورًا أكبر في إحياء البدع وترويجها وإلباسها لباس الشرعية. فيتعين على العلماء والخطباء أن يحذروا الناس منها.
عباد الله: ومن البدع المحدثة في الدين ما يفعل من الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج وهو كغيره من الاحتفالات احتفالات تشتمل على منكرات فظيعة من شرك وبدع وهذا الاحتفال محدث في دين الإسلام لم يفعله رسول الله ﷺ ولا صحابته ولا القرون المفضلة وإنما حدث في العصور المتأخرة من جملة ما حدث من البدع المخالفة للهدي النبوي على نمط ما يفعله النصارى في ديِنهم مصداقًا لقول الرسول ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» ، ومن العجيب أن كثيرًا ممن يحيون بدعة الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج يهتمون بهذه البدعة ولا يهتمون. بما شرع في ليلة المعراج من الصلوات الخمس فلا يحافظون عليها في أوقاتها مع الجماعة، بل يتهاونون بالصلاة أو لا يصلون أصلًا. لأن الشيطان زين لهم البدعة وكرّه إليهم العبادة المشروعة بل نراهم لا يهتمون بأمر دينهم عامة؛ لأن الدين في عرفهم ما أحدثوا من البدع والخرافات.
عباد الله: لقَد كان النبي ﷺ يحذر من البدع فكان يقول في خطبه: «أما بعد فإنه خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد ﷺ وشر
стр. 122
الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» . وكان صحابة الرسول ﷺ يحذرون من البدع غاية التحذير، فقد بلغ ابن مسعود ﵁ أن عمرو بن عتبة في أصحاب له بنوا مسجدًا بظهر الكوفة فأمر عبد الله بذلك المسجد فهدم ثم بلغه أنهم يجتمعون في ناحية من مسجد الكوفة يسبحون تسبيحًا معلومًا ويهللون ويكبرون، قال: فلبس برنسًا ثم انطلق فجلس إليهم فلما عرف ما يقولون رفع البرنس عن رأسه ثم قال: أنا أبو عبد الرحمن. ثم قال: لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا، أو لقد جئتم ببدعة ظلمًا، قال: فقال عمرو بن عتبة: نستغفر الله ثلاث مرات، ثم قال رجل من بني تميم والله ما فضلنا أصحاب محمد علمًا، ولا جئنا ببدعة ظلمًا، ولكنا قوم نذكر ربنا، فقال بلى والذي نفس ابن مسعود بيده لئن أخذتم آثار القوم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا ولئن حرتم يمينًا وشمالًا لتضلن ضلالًا بعيدًا.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢] (١) .
стр. 123
[اتباع الرسول ﷺ والاعتصام بالقرآن]
اتباع الرسول ﷺ والاعتصام بالقرآن الحمد لله الذي يجير ولا يجار عليه. الذي بيده تصاريف الأمور فلا أحد يماثله ولا يضاهيه. . أحمده حمد عبد معترف بالذل والخضوع بين يديه. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد معترف بوحدانيته وما لديه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فقام بما أمر به فبلغ الرسالة وأدى الأمانة حتى بلغ ما وجب عليه. . اللهم صَلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وذويه الذين تمسكوا بهديه حتى ماتوا عليه.
أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله حق تقواه واستمسكوا من الإسلام بأوثق عراه واشكروا مولاكم الذي منّ عليكم بهذا النبي الكريم الرءوف الرحيم فقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] يخبر ﵎ أنه منّ على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم حيث أرسله وأنزل عليه كتابًا مبينًا وأمرنا باتباعه والعمل بسنته فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقد قال صلاة الله وسلامه عليه تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك وقال: «تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم هو حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق مع كثرة الرد من قال به صدق ومن عمل به رشد ومن حكم به عدل ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم» . فيا عباد الله اعلموا رحمكم الله أن اتباع الرسول ﷺ فرض
стр. 124
لازم ولا يسع مسلمًا تركه بحال، ومخالفته تعرض الإسلام للزوال وقد قال ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» ، وقال: «من ضيع سنتي حرمت عليه شفاعتي» ، وقال ﷺ : «من أحيا سنتي فقد أحياني ومن أحياني فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة يوم القيامة» ، وجاء في الأثر المشهور أن المتمسك بسنة سيد المرسلين عند فساد الخلق واختلاف المذاهب والملل له أجر مائة شهيد والمراد من السنة التي يجب التمسك بها ما كان عليه القرون المشهود لهم بالخير والصلاح والرشاد وهم الخلفاء الراشدون ومن عاصر سيد الخلائق ثم الذين من بعدهم من التابعين. ثم ما أحدث بعد ذلك من أمر على خلاف مناهجهم فهو من البدع وكل بدعة ضلالة. فيا عباد الله اشكروا الله على هذه النعمة العظيمة والمنة الجسيمة التي امتن الله بها على عباده المؤمنين وهي الامتنان عليهم بهذا الرسول الكريم الذي أكمل الله به الدين فالكتاب والسنة بهما أكمل الله للرسول وأمته الدين وبهما حصل العلم بأصول الدين وفروعه، حصلت الهداية والصلاح للبشر فيالها من نعمة لا يقدر قدرها ولا يحصي المؤمنون شكرها قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] فكان ﷺ لينا قريبا من الناس مجيبًا لدعوة من دعاه قاضيًا لحاجة من استقضاه جابرًا لقلب من سأله لا يحرمه ولا يرده خائبًا. وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم. وأخلاقه لا تحصى عدًا فصلوات الله وسلامه عليه. لقد أرشدكم إلى ما فيه نفعكم. فقال ﷺ : «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة المسلمين ولزوم جماعتهم» أي جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم. فمن أخلص أعماله كلها لله ونصح في أموره كلها لعباد الله ولزم الجماعة بالائتلاف وعدم
стр. 125
الاختلاف وصار قلبه صافيًا نقيًا صار لله وليًا ومن كان بخلاف ذلك امتلأ قلبه من كل أفة وشر. فاتقوا الله يا أمة محمد واجعلوا نبيكم أسوتكم وأطيعوا أمر ربكم وأصلحوا ذات بينكم ولا تغتروا بزهرة الدنيا ونعيمها. فيا عباد الله لقد أنعم الله علينا وعليكم بنعم لا يحصى عدها ولا يقدر قدرها ولا يطاق آداء شكرها أمن في أوطان وصحة في أبدان ووفرة أرزاق في جميع البلدان وما ذلك إلا ابتداء من الرحمن قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] فتوبوا الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون. واعلموا عباد الله أن كل عامل سيقدم على عمله ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله وسوء عمله وإنما الأعمال بخواتيمها والليل والنهار مطيتان فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة ولا يغترن أحدكم بحلم الله فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله وقد قال نبيكم ﷺ في حديث عائشة ﵂ «ما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له قبل أن يستغفره منه» . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه الغفور الرحيم. (١) .
стр. 126
[الزيارة المشروعة للقبور]
الزيارة المشروعة للقبور الحمد لله الغني الحميد، المبدئ المعيد، ذي العرش المجيد، الفعّال لما يريد، أحاط بكل شيء علمًا وهو على كل شيء شهيد، أحمده سبحانه، وأشكره، وأسأله من فضله المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا معين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله وخليله، أفضل داع إلى الإيمان والتوحيد، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة» .
أيها المسلمون: كان الرسول ﷺ قد نهى عن زيارة القبور في أول الإسلام، نهيًا عامًا يشمل الرجال والنساء، ونهيه ﷺ عن ذلك لقرب عهدهم بالشرك، والافتتان بالقبور وأصحابها، فقد كان العرب في الجاهلية يتعلقون بالأحجار، والأشجار، وقبور الأنبياء والصالحين، وحديث العهد بالشرك وبالباطل الذي اعتاده قلبه ونشأ عليه لا يؤمن أن يكون فيه بقية من تلك المادة، إلى أن يثبت الإيمان والتوحيد في قلبه، ويبعد عهده بما كان عليه
стр. 127
في جاهليته من قبل، ولذلك طلب بعض حديثي العهد بالجاهلية والوثنية من النبي ﷺ : أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها، ويعلقون عليها أسلحتهم للبركة، طلبوا ذلك: لأنهم رأوا المشركين يفعلون ذلك، ظنًا منهم أنه جائز، وفيه فائدة ويقربهم إلى الله. فالتبس عليهم الحق بالباطل، لقرب عهدهم بالجاهلية ووثنيتها.
والرسول ﷺ حريص على قطع دابر الشرك، واقتلاعه من النفوس، وسد ذرائعه الموصلة إليه، وكان نهيه ﷺ عن زيارة القبور في أول الأمر: خوفًا عليهم من الفتنة، وإبعادا لهم عن الشرك وذرائعه، فلما استقر الإسلام، وتمكن التوحيد من نفوسهم، وأمن عليهم: أذن في زيارتها للرجال خاصة، مبينًا ﷺ فوائدها، والحكمة في شرعيتها بقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة» . فزيارة القبور شرعت للتذكير بالموت وبالآخرة، والتزهد في الدنيا، والدعاء للأموات بالمغفرة، والترحم عليهم، وكان الرسول ﷺ يزور القبور، ويدعو للموتى، ويسلم عليهم، وكان يبكي ويُبْكى من حوله. أرشدنا كيف نزور قبور إخواننا المسلمين، وما نقول عند زيارتها، حفظ عنه ﷺ أنه كان يقول إذا أتى المقابر: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» ، وكان ﷺ لا يشد رحلًا لزيارة القبور ولا يسافر لأجلها، ولم يأذن لنا بشد الرحال لزيارتها، بل جاء عنه النهى عن ذلك بقوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» .
стр. 128
ومن أراد زيارة الرسول ﷺ وأن يكون عمله مشروعًا ومقبولًا، عليه أن يقصد بسفره المسجد، فإذا أتى إليه صلى فيه ما قدر له، ثم أتى إلى القبر الشريف إن شاء، فسلم على النبي ﷺ بأدب واحترام وعدم رفع صوت أو ضجيج، ثم سلم على صاحبيه، ﵄، ثم انصرف.
ولم يعيِّن لزيارة القبور، ولا لأحد المساجد الثلاثة يومًا معلومًا، أو شهرًا معلومًا، بل شَرَع لنا زيارتها في أي وقت تيسر لنا ذلك، فهذا هدي الرسول ﷺ وهذه سنته في زيارة القبور، ولكن لكثرة الجهل والإعراض عما جاء به المصطفى ﷺ ضل بعض من الناس فجعلوا زيارة القبور استغاثة بالصالحين وتوسلًا بهم، ولم يميزوا بين ما شرعه لأمته، وبين ما نهى عنه، والله تعالى قد أوجب علينا طاعة الرسول ﷺ ، والاقتداء به، وهو ﷺ قد أرشدنا بقوله وفعله وبين لنا الحكمة من ذلك. فلتكن زيارتنا واعظة ومذكرة، ولندع لإخواننا المسلمين بالمغفرة والرحمة، فهم محتاجون إلى الدعاء، لأن أعمالهم قد انقطعت بموتهم، فهم أحوج من الأحياء في الدعاء لهم، والترحم عليهم، وطلب الغفران، كل ذلك مشروع ومأذون فيه للرجال.
أما النساء فإنهن ممنوعات من زيارة القبور، وتشييع الجنائز، ولم يرخص لهن في ذلك، كما رخص للرجال وقد جاء عن النبي ﷺ التأكيِد في منعهن من الزيارة، ولعنهن عليها، قال ﷺ : «لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» ، لا يستثنى من ذلك قبر الرسول ﷺ لعموم النهى. فمنعهن متحتم لجزعهن، وقلة صبرهن، وخوف الفتنة عليهن،
стр. 129
فإنهن إلى الجزع أقرب، وهن أضعف من الرجال. في الحديث عنه ﷺ ، أنه قال لنسوة رآهن ذاهبات إلى المقابر: «ارجعن مأزورات غير مأجورات، فإنكن تفتن الحي، وتؤذين الميت» . وقال لابنته فاطمة، ﵂: «إنك لو بلغت معهم الكدى (أي المقبرة) لم تدخلي الجنة» . أو كما قال. فاتقوا الله عباد الله، واهتدوا بهدي الرسول ﷺ ، وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون، بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم (١) .
стр. 130
[في إنكار بدعة الاحتفال بمناسبة مولد النبي ﵇]
في إنكار بدعة الاحتفال بمناسبة مولد النبي ﷺ الحمد لله الذي منَّ على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في عبادته كما أنه لا شريك له في خلقه وملكه سبحانه وتعالى عما يشركون. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه. المبعوث بالدين القويم أرسله رحمة للعالمين. وإمامًا للمتقين وحجة على الخلائق أجمعين ﷺ وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين تسليمًا كثيرا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله واعلموا أن أعظم نعمة أنعم الله بها على أهل الأرض بعثة محمد خاتم النبيين. بعثه على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل وافترض على أهل الأرض طاعته. فكان ﷺ دعوة أبيه إبراهيم حين قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] وكان بشرى أخيه عيسى بن مريم حين قال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] وكان رؤيا أمه حين رأت في المنام قبل ولادته أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام. لقد تحققت فيه هذه الصفات الثلاث فكان إجابة لدعوة الخليل ومصداقًا لبشارة المسيح. وتعبيرًا لرؤيا أمه. فقد جعله الله سراجًا منيرًا استنارت به الأرض بعد ظلمتها. واهتدت به
стр. 131
البشرية بعد حيرتها. فكان النعمة العظمى والمنحة الكبرى التي تفضل الله بها على خلقه. لقد ولد ﷺ بمكة المشرفة عام الفيل في شهر ربيع الأول. وهو العام الذي أغار فيه ملك الحبشة على الكعبة يريد هدمها فصده الله عنها، وأنزل به وبجيشه أعظم عقوبة كما ذكر الله في الكتاب العزيز. فكان في ذلك حماية للبيت الحرام. وإرهاصًا لبعثة هذا النبي ﵊. شب ﷺ على الأخلاق الفاضلة والسيرة الحسنة وبعثه الله برسالته على رأس الأربعين من عمره. فبلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أنزل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقال ﷺ : «تركتكم على المحجة البيضاء» . فأعاد للحنيفية السمحة ملة إبراهيم صفاءها وضياءها. وأماط عنها ما علق بها من أوضار الجاهلية وضلالاتها. وجمع الله به الأمة بعد شتاتها. ثم لحق بالرفيِق الأعلى ﷺ .
عباد الله: إن واجبنا نحو هذه النعمة العظيمة أن نشكر الله عليها بالتمسك بها والجهاد في سبيلها والمحافظة عليها. وذلكم باتباع هذا الرسول ﷺ والاقتداء به وفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه. وأن نحبه أكثر مما نحب أنفسنا وأولادنا وآباءنا وأمهاتنا. لأن الخير كل الخير في اتباعه وطاعته. قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] ومحبته ﷺ تقتضي طاعته واتباعه، وترك ما نهى عنه.
стр. 132
فمتابعة هذا الرسول تتحقق بامتثال أوامره واجتناب مناهيه. فكل عمل من أعمال العبادة يجب أن يكون موافقًا لما شرعه هذا الرسول ﷺ وما لم يشرعه فهو بدعة مردودة. قال ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ، ويقول: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» .
عباد الله: والبدع التي أحدثها الجاهلون أو المغرضون كثيرة. منها ما يتكرر كل عام في شهر ربيع الأول من إقامة محافل بمناسبة مولد الرسول وربما سموا ذلك عيد المولد الشريف. وهذا الاحتفال أو هذا العيد بدعة منكرة ما أنزل بها من سلطان. إن يتبع أصحابها ومروجوها إلا الظن وما تهوى الأنفس. فهو بدعة لأن الرسول ﷺ لم يفعله ولم يكن من سنته، ولم يفعله أصحابه ﵃ وهم أسبق الناس إلى الخير. ولم يفعل في القرون المفضلة وإنما حدث فعله في القرن السادس للهجرة تقليدًا للنصارى الذين يحتفلون بمولد المسيح ﵇. وقد نهانا ﷺ عن التشبه بهم. فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» ، فهذا الاحتفال بدعة وتشبه بالكفار. أضف إلى ذلك ما يجري فيه من المنكرات التي أعظمها الشرك الأكبر من دعاء الرسول وطلب الحاجات وتفريج الكربات منه وإنشاد الأشعار الشركية. بمدحه وكذا يحصل في هذه الاحتفالات اختلاط النساء بالرجال مما يغري بفعل الفواحش، مع ما ينفق في هذه الاحتفالات من أموال باهظة من أناس ربما لا يؤدون الزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام. ومن العجيب أن هؤلاء الذين يحتفلون بمولد الرسول ﷺ هم في الغالب لا يعملون بسنته ولا يحكمون بشريعته بل ربما لا يصلون الصلوات
стр. 133
الخمس التي هي عمود الإسلام.
عباد الله: إن الله سبحانه لم ينوه في القرآن بولادة الرسول وإنما نوه ببعثته فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] لأن بعثته ﷺ هي التي تحققت بها المنة الربانية. ومنذ بعثته إلى وفاته وكل لحظة من حياته الطيبة نعمة على البشرية، فكل حياته بعد البعثة عبادة وجهاد ونفع للمسلمين، لا يختص ذلك بيوم معين من حياته فيجب على المسلمين الاقتداء به والعمل بشرعه في جميع الأيام والساعات لا في يوم معين. ولا في شهر معين.
وإذا كان قصد هؤلاء المحتفلين بيوم ولادة الرسول ﷺ إحياء ذكره والتنويه بشرفه ﷺ وتذكر سيرته كما يقولون فهذا مشروع للمسلم في كل وقت حسبما شرعه الله فالله قد رفع لنبيه ذكره في مناسبات تتكرر في اليوم والليلة كالأذان والإقامة والخطب. فإذا ذكر الله في هذه المواطن ذكر بعده الرسول ﷺ . يتكرر هذا في اليوم والليلة أبد الدهر لا في يوم معين من السنة. بل لا تصح صلاة فرض أو نافلة بدون الصلاة عليه في التشهد الأخير. عند جمع من العلماء. هذا ما شرعه الله في حق هذا الرسول فيجب إحياؤه والعمل به. وترك ما شرعه الناس من البدع.
عباد الله: إنما تناولنا هذه المسألة بالتنبيه على إنكارها وبطلانها لأنها تفعل في البلاد المجاورة لنا وتصل إلينا صورتها الصوتية في الإذاعات ويصل إلينا ذكرها في الجرائد والمجلات. فربما يغتر بها بعض الجهال عندما
стр. 134
يسمعها، ويستحسنها فيحاول أن يفعل مثلها.
فليعلم الجميع أن هذا منكر وبدعة وإن كثر فاعلوه ومروجوه (١) فلا تغتروا به وفقنا الله وإياكم للتمسك بكتابه وسنة نبيه. وإن رغب عنها الأكثرون. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢] (٢) .
стр. 135
[تحريم الاحتفال بمناسبة هجرة الرسول ﵇]
تحريم الاحتفال بمناسبة هجرة الرسول ﷺ الحمد لله رب العالمين، شرع الهجرة ووعد المهاجرين إليه أجرًا عظيمًا فقال في كتابه العزيز ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] وسلم تسليمًا.
أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وادرسوا سيرة نبيكم ﷺ واقتدوا به، فقد أمركم الله بذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] ومن أعظم وقائع السيرة النبوية قصة الهجرة، فإن النبي ﷺ لما اشتد عليه أذى المشركين بمكة صار يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج ويطلب منها أن تحميه وتناصره حتى يبلِّغ رسالة ربه فلم يجد من يجيبه حتى حج نفر من الخزرج من أهل المدينة وكان جيرانهم من اليهود يحدثونهم عن مبعث رسول قريب ويتوعدونهم أنهم سيكونون معه فيقاتلونهم كما قال الله تعالى عن اليهود ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]
стр. 136
أي كان اليهود قبل مجيء الرسول ﷺ يستنصرون به على أعدائهم ويقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة، فلما جاء النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل كعادته في موسم الحج وصادف نفرًا من الخزرج ففرحوا به وقالوا هذا النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقوكم إليه، فآمنوا به وبايعوه وانصرفوا إلى قومهم بالمدينة فأخبروهم فآمن من آمن وقدموا في العام الثاني للحج وبايعوا النبي ﷺ عند العقبة على الإيمان به ومناصرته إذا هو هاجر إليهم فأذن النبي ﷺ بعد ذلك لبعض أصحابه بالهجرة إلى المدينة ولما أراد أن يلحق بهم أراد المشركون منعه مخافة أن تقوى شوكته ويظهر دينه ويتغلب عليهم فاجتمعوا وتشاوروا في شأنه فاتفق رأيهم على قتله واجتمعوا عند بابه ينتظرون خروجه ليقتلوه فأخبر الله نبيه بمكيدتهم فأمر عليًا ﵁ أن يبيت على فراشه فخرج من بينهم ولم يشعروا به وذهب إلى أبى بكر ﵁ ووجده قد أعد راحلتين للسفر واستأجر دليلًا فخرجا من مكة متخفيين وذهبا إلى غار ثور ودخلاه واختفيا فيه ودفعا الراحلتين للدليل وواعداه أن يأتي بهما في وقت محدد، ولما علم المشركون بخروج الرسول ﷺ وأن الذي على الفراش هو علي بن أبي طالب غضبوا غضبًا شديدًا ونفروا يلتمسون النبي ﷺ في كل وجه وجعلوا لمن يأتي به الأموال الطائلة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وأمر الله عنكبوتًا فنسجت على باب الغار وحمامة ففرخت فيه وعندما وصل المشركون إلى باب الغار وقفوا عليه حتى قال أبو بكر
стр. 137
رضي الله عنه يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لأبصرنا - فقال النبي ﷺ «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» ، وفي ذلك يقول الله : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ولما رأى المشركون عش العنكبوت أيسوا من وجود النبي ﷺ في الغار حتى قال أحدهم: إن هذا العش موجود قبل أن يولد محمد وانصرفوا خائبين صاغرين، ومكث النبي ﷺ وصاحبه في الغار أيامًا وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما خفية بأخبار المشركين وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى غنمًا ويمر بها عليهما فيحلبان من لبنها، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام خفية في المساء، فلبثا في الغار ثلاثة أيام حتى انقطع الطلب فجاء الدليل بالراحلتين على الميعاد فركبا وتوجها إلى المدينة - وكان الأنصار ﵃ ينتظرونهما بفارغ الصبر كل يوم، إلى أن وصلا بسلامة الله وحفظه إلى المدينة، وهناك اجتمع المهاجرون والأنصار وتكونت الدولة الإسلامية وأمر الله رسوله بالجهاد لإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، فواصل ﷺ الغزوات والسرايا ونصره الله وأظهر دينه حتى دخل مكة عام الفتح معززًا منصورًا تحف به رايات المهاجرين والأنصار، وأزال ما على الكعبة المشرفة من الأصنام ودخلها وكبر الله فيها ثم خرج إلى قريش وكانوا قد اجتمعوا في المسجد الحرام ينتظرون ماذا يفعل من العقوبة، فقال: «يا معشر قريش ما تظنون أنى فاعل بكم قالوا خيرًا - أخ كريم وابن أخ كريم - قال: فإني أقول لكم كما فال يوسف لإخوته
стр. 138
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] اذهبوا فأنتم الطلقاء» .
عباد الله: هكذا كانت هجرة رسول الله ﷺ ، كانت لأجل نصرة دين الله وإعلاء كلمته، ليس القصد منها الرفاهية وراحة البدن والتنعم، وهكذا تكون هجرة المؤمنين إلى آخر الزمان فالهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام باقية إلى أن تطلع الشمس من مغربها لمن لا يستطع إظهار دينه في بلد الكفر - وإظهار الدين معناه الجهر به والدعوة إليه وبيان بطلان ما عليه الكفار - وليس معنى إظهار الدين أن يترك الإنسان يصلى ويتعبد ويسكت عن الدعوة إلى الله وإنكار الشرك والكفر - لو كان الأمر كذلك لبقي النبي ﷺ بمكة لأن المشركين لم يمنعوه من أن يصلي ويتعبد ولكنهم منعوه من الدعوة إلى الله وإبطال ما عليه الكفار والمشركون.
عباد الله: إن من الناس اليوم من لا يعرف عن هجرة الرسول ﷺ إلا أنها ذكرى تمر كل عام وتقام بمناسبتها احتفالات وخطب ومحاضرات لمدة أيام ثم تنتهي وتنسى إلى مرور تلك الأيام من السنة القابلة دون أن يكون لذلك أثر في سلوكهم وعملهم، ولذلك تجد بعضهم لا يهاجر من بلاد المشركين إلى بلاد الإسلام كما هاجر النبي ﷺ ، بل على العكس فإن الكثير منهم ينتقل من بلاد الإسلام إلى بلاد المشركين لا لشيء إلا للترفه والعيش هناك بحرية بهيمية، إن ذكرى الهجرة يجب أن تكون على بال المسلم طول السنة لا في أيام مخصوصة فإن تحديد أيام مخصوصة للاحتفال بمناسبة الهجرة النبوية أو لتدارسها، إن هذا التخصيص بدعة «وكل بدعة ضلالة»
стр. 139
فلم يكن الرسول ﷺ ولا صحابته ولا القرون المفضلة من بعدهم يخصون هذه المناسبة باحتفال يتكرر كل عام وإنما كان السلف الصالح والتابعون لهم بإحسان يدرسون سيرة نبيهم ﷺ للاقتداء بها غير متقيدين بوقت معين، ثم إن الهجرة هجرتان الهجرة الأولى هجرة قلبية إلى الله بعبادته وحده لا شريك له، وإلى رسوله ﷺ باتباعه وفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه كما قال ﷺ : «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» ، وهذه الهجرة ملازمة للمسلم طوال حياته لا يتركها أبدًا، والهجرة الثانية هجرة بدنية وهي تتضمن الهجرة القلبية وهذه الهجرة هي الهجرة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام وهذه الهجرة تفعل عند الحاجة إليها إذا لم يستطع المسلم إظهار دينه في بلاد الكفر.
فاتقوا الله عباد الله وادرسوا سيرة نبيكم واستفيدوا من أحداثها العبرة والقدوة ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم (١) .
стр. 140
[النهي عن الابتداع في شهر رجب]
النهي عن الابتداع في شهر رجب الحمد لله الذي أمر باتباع رسوله وسلوك سبيله، ونهانا عن الابتداع في دينه، فقال : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ﴾ [الأعراف: ٣] وأشهد أن لا إله إلا الله، لا يقبل من الأعمال إلا ما شرعه، وكان خالصًا لوجهه - وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، حذر من البدع فقال: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تمسك بسنته ولم يحدث في الدين ما ليس منه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله تعالى، واعلموا أن البدع والمحدثات في الدين أصل كل بلاء وفتنة، وأن الشيطان يحرص كل الحرص على صد الناس عن الدين الصحيح، فإن رأى منهم عدم رغبة في الدين شجعهم على ذلك وزين لهم المعاصي والشهوات وفتح لهم أبواب الشبهات، وإن رأى منهم محبة للدين أدخل عليهم من البدع والزيادات ما يفسده عليهم فتنبهوا لذلك، واعلموا أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة والنقصان لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فلا مكان للبدعة في دين الله، قال الإمام مالك ﵀: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا. إن المبتدع معاند لله مشاق له لأن الله حدد الطرق الموصلة إلى الخير وحصرها. وهذا المبتدع يريد أن يزيد عليها أو ينقص منها فجعل نفسه شريكًا لله في تشريعه وكفى بذلك ضلالًا وإثمًا مبينًا، والله أمر باتباع ما شرعه، فأبى
стр. 141
المبتدع ذلك واتبع هواه بغير هدى من الله.
عباد الله: كنا في هذه البلاد في عافية من كثير مما وقع فيه من البدع، ولكن لما تسهلت وسائل النقل وتوفرت وسائل الإعلام ووفد إلى بلادنا كثير ممن نشئوا على البدع وربما جاءوا ببدعهم يزاولونها عندنا، فربما يشتبه الأمر على كثير من عوامنا فوجب التنبيه على تلك البدع في أوقاتها حتى يكون المسلم على بصيرة من دينه، ومن هذه البدع ما يفعل في شهر رجب من العادات الجاهلية والأمور البدعية التي يزعم مرتكبوها أن شهر رجب خاصية على غيره، وليس الأمر كذلك، فإن شهر رجب أحد الأشهر الحرم، وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل شهر رجب قال: «اللهم بارك لنا في شهري رجب وشعبان وبلغنا رمضان» ، ولم يثبت عن النبي ﷺ في فضل رجب حديث، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي ﷺ كلها كذب قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وقد أحدث الناس في هذا الشهر عبادات لم يشرعها الله ولا رسوله. من ذلك تعظيم أول خميس منه وليلة أول جمعة منه، فإن تعظم هذا اليوم وتلك الليلة من رجب إنما حدث في الإسلام بعد المائة الرابعة، والحديث المروي في ذلك كذب باتفاق العلماء، ولا يجوز تعظيم هذا اليوم لأنه مثل غيره من الأيام. وقال الحافظ ابن رجب، فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء. قال وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه.
وروي عن عمر ﵁ أنه كان يضرب أكف الرجال في صوم
стр. 142
رجب حتى يضعوها في الطعام ويقول: ما رجب؟ إن رجبًا كان يعظمه أهل الجاهلية فلما كان الإسلام ترك، وفي رواية كره أن يكون صيامه سنة، وأما العمرة فلم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه اعتمر في رجب، فلا فضل للعمرة في رجب على العمرة في غيره من الشهور كما يظنه بعض الناس، ومن البدع المنكرة التي تفعل في هذا الشهر بدعة الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في الليلة السابعة والعشرين منه، يحتفلون في تلك الليلة ويخصصونها بأنواع من العبادات ما أنزل الله بها من سلطان فيخصون تلك الليلة بأذكار وأدعية وصلاة، وتخصيص تلك الليلة خطأ من عدة وجوه: أولًا: أن الإسراء لم يقم دليل على تعيين ليلته التي وقع فيها ولا على الشهر الذي وقع فيه فالعلماء مختلفون في زمانه فتخصيص ليلة من الليالي في رجب أو غيره للإسراء تخصيص لا دليل عليه.
ثانيا: لو ثبت تعيين الليلة التي وقع فيها الإسراء لم يجز لنا أن نخصص تلك الليلة بشيء لم يشرعه الله ولا رسوله فإنه لم يرد أن الرسول ﷺ احتفل في تلك الليلة ولا خصها بشيء من العبادات، ولم يفعل ذلك خلفاؤه الراشدون من بعده ولا صحابته الكرام، ولا التابعون لهم بإحسان فلا يجوز لأحد بعدهم أن يحدث في الإسلام شيئًا لم يفعلوه.
ثالثًا: أنه يفعل في تلك الليلة وفي ذلك الاحتفال أمور منكرة، قال صاحب كتاب الإبداع في مضار الابتداع: وقد تفنن الناس بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروبًا كثيرة كالاجتماع في المساجد وإيقاد الشموع والمصابيح فيها وعلى المنارات مع الإسراف في ذلك إلى أن قال:
стр. 143
وما أحسن سير السلف الصالح فإنهم كانوا شديدي المداومة على ما كان عليه الرسول ﷺ لا يخرجون عن الثابت قيد شعرة، ويعتقدون الخروج عنه ضلالة لا سيما عصر الصحابة ومن بعدهم أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير ﵃ أجمعين، انتهى.
ومن العجيب أن بعضًا من هؤلاء الذين يحتفلون بمناسبة الإسراء والمعراج أو كثيرًا منهم لا يهتمون بما شرع فيه من الصلوات الخمس فبعضهم لا يصلي أبدًا وبعضهم لا يحضر صلاة الجماعة في المسجد وإنما ينشط في البدع ويكسل عن السنن والواجبات، ولا يحافظ على الجمع والجماعات.
عباد الله: إن البدع مع أنها حدث في الدين، وتغيير للملة، فهي آصار وأغلال تضاع فيها أوقات وتنفق فيها أموال، وتتعب فيها أجسام، وتبعد من الجنة وتقرب من النار، وتوجب سخط الله ومقته، ولكن أهل الغي والضلال لا يفقهون، وفي طغيانهم يعمهون، لا يزيدهم عملهم عن الله إلا بعدا ولا اجتهادهم وتعبهم إلا مقتًا وردا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ - عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ - تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً - تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ - لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ - لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٢ - ٧]
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم (١) .
стр. 144
[الحث على زيارة مسجد الرسول ﵇]
الحث على زيارة مسجد الرسول ﷺ الحمد لله فاطر السموات والأرض، أحمده سبحانه، وهو للحمد أهل، وأشكره وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالحق بشيرًا ونذيرًا.
اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فالكثير من الحجاج يرغبون في السفر إلى المدينة، لزيارة مسجد الرسول ﷺ بها، وقد جاء عنه ﷺ في الترغيب في ذلك قوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» ، فزيارة المسجد النبوي للصلاة فيه، مستحبة ومرغب فيها، فالقصد من الزيارة وشد الرحال إلى المدينة هو المسجد النبوي.
أما القبر الشريف فلا يجوز قصده وحده بسفر، ولا شد الرحل إليه، لأن الرسول ﷺ قد نهانا عن ذلك، كما نهانا أن نتخذ قبره عيدًا، نعتاد زيارته في أوقات معينة، قال ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» ، وجاء عن علي بن الحسين ﵁، أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا عن أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم
стр. 145
قبورًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» ، فالرسول ﷺ ، نهانا بهذا الحديث أن نجعل قبره عيدًا نعتاده في وقت معين كرجب مثلًا، وقد خص الله نبيه من دون الناس، بأن صلاة المصلي عليه وسلامه، يبلغه ولو لم يكن المسلم عند قبره، أو في المدينة، قال ﷺ : «وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» .
فالزيارة إذن، ليست واجبة، وليست من لوازم الحج كما يظنه البعض من الناس، وقد شاع بين العوام أحاديث في زيارة قبر الرسول ﷺ ، حتى ظنوها أحاديث صحيحة، فهم لذلك يتكبدون المشاق في الزيارة، ويظنون أن زيارة المدينة من تمام الحج، فمن الأحاديث الشائعة المكذوبة على رسول الله ﷺ : " من زارني بعد موتي، فإنما زارني في حياتي. من زار قبري وجبت له شفاعتي. من حج ولم يزرني فقد جفاني "، وأمثالها لم تصح عن رسول الله ﷺ ولم تثبت، وأهل العلم عدوها من الموضوعات المختلقة.
فعلى من أراد الزيارة: أن يقصد المسجد النبوي بزيارته، ثم يصلي فيه ما تيسر، ثم يسلم على النبي ﷺ إن أراد بأدب واحترام، وعدم رفع الصوت، فإن رفع الصوت بالسلام والضجيج ليس من الأدب المطلوب عند رسول الله ﷺ ، ثم يسلم على صاحبيه أبي بكر وعمر، ﵄، ثم ينصرف ولا يستقبل القبر عند الدعاء، ومن لم يتيسر له الزيارة، فلا حرج عليه، وحجه تام، وقد أدى ما عليه، إذ لم يوجب الله ولا رسوله إلا حج بيته الحرام.