← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30929

خطب مختارة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (296 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فهو يعبد الله وحده لا شريك له بعبادته ويؤثر مرضاته على هوى نفسه ويحسن إلى خلقه ما استطاع فيعاملهم. مما يحب أن يعاملوه به وله من الأخلاق أطيبها كالحلم والوقار والرحمة والصبر والوفاء وسهولة الجانب والصدق وسلامة الصدر من الغل والغش والحقد والحسد والتواضع لأهل الإيمان والعزة. . والغلظة على أعداء الله ولا يختار من المطاعم إلا أطيبها وهو الحلال الهني الذي يغذي به البدن والروح أحسن تغذية ولا يختار من الأصحاب إلا الطيبين ويكون مثواه طيبًا. . فهذا ممن قال الله فيهم ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] فالله جعل الخبيثات للخبيثين. . والخبيثون للخبيثات. . والطيبات للطيبين. . والطيبون للطيبات. . فالكلمات والأعمال. . والنساء الطيبات لمناسبيها من الطيبين. . والكلمات والأعمال والنساء الخبيثات لمناسبيها من الخبيثين. . وجعل الخبيث بحذافيره في النار. . وجعل الطيب بحذافيره في الجنة. . وجعل الدور ثلاثًا دارًا أخلصت للطيبين، وهي حرام على غير الطيبين وهي الجنة، ودارا أخلصت للخبيثين والخبيثات ولا يدخلها إلا الخبيثون وهي النار، ودارًا امتزج فيها الطيب والخبيث وخلط بينهما وهي هذه الدنيا وبهذا الابتلاء والمحنة وهذا كله بموجب الحكمة الإلهية فإذا كان يوم المعاد ميز الله الخبيث من الطيب فجعل الطيب وأهله على حدة لا يخالطهم غيرهم. . وجعل الخبيث وأهله على حدة لا يخالطهم غيرهم. فعاد الأمر إلى دارين. . الجنة وهي دار الطيبين والنار وهي دار الخبيثين. . فأنشأ من أعمال الفريقين ثوابهم وعقابهم فجعل طيبات أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم هي عين نعيمهم ولذاتهم فأنشأ لهم منها أكمل أسباب النعيم والسرور وجعل خبيثات أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عين عذابهم وآلامهم فأنشأ لهم منها أعظم

стр. 72

أسباب العقاب والشقاوة وآلام العذاب. . فالله سبحانه جعل للسعادة والشقاوة عنوانًا يُعرفان به. . فالخبيث يتفجر من قلبه الخبث على لسانه وجوارحه. . والطيب يتفجر من قلبه الطيب على لسانه وجوارحه. . وقد يكون في الشخص مادتان فأيهما غلب عليه كان من أهله. فإذا أراد الله بالعبد خيرا طهره من المادة الخبيثة قبل الوفاة فيوافي ربه يوم القيامة مطهرًا فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار فيطهره منها ما يوفق له من التوبة والحسنات والمصائب المكفرة حتى يلقى الله. . وما عليه خطيئة، ويمسك عن الآخر مواد التطهير فيلقاه يوم القيامة بمادة خبيثة ومادة طيبة وحكمة الله تأبى أن يجاوره أحد في داره بخباثته فيدخله النار طهرة له وتصفية. . ولما كان المؤمن الطيب المطهر مبرأ من الخبائث كانت النار حرامًا عليه. . فيا عباد الله تمسكوا بهدى نبيكم ﷺ واجعلوه أسوتكم وإمامكم في كل ما تعملون من أفعال وأقوال ولا تميلوا إلى اتباع النفس والهوى والشيطان فإنكم في دار ابتلاء وامتحان فطاعة الرسول طاعة لله. . والرسول يأمرنا بأمر الله يبين لنا الحلال من الحرام. . وينهانا عن الانحراف واتباع الأهواء والضلال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .

стр. 73

[أركان الإسلام الخمسة] أركان الإسلام الخمسة الحمد لله رب العالمين ولي جميع الخلق بنعمه فهو المعبود بحق، إياك نعبد وإياك نستعين، أحمدك اللهم وأشكرك وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أهل العلم والهدى أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] يأمر الله عباده المؤمنين بأن يعبدوه وحده، بأن يركعوا ويسجدوا له وحده، يأمرهم بأن يفعلوا الخير لعلهم يرشدون. فعل الخير هذا يا عباد الله فيه الأمر بالمعروف، فيه النهي عن المنكر، فيه العبادة والتوحيد لله سبحانه، فيه البر والإحسان، فيه النصح وهداية العباد وإرشادهم إلى صلاحهم وسعادتهم. كل ذلك يا عباد الله يأمرنا الله به ويرضاه لنا ويجازي عليه ويثيب من عمل به. عباد الله: بني الإسلام على أركان خمسة لا يكون الإنسان مسلمًا إلا إذا أقر بها وأداها كاملة بإيمان صادق وإخلاص. هذه القواعد الخمس أيها المسلمون: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه السبيل. فشهادة أن لا إله إلا الله تعني لا معبود بحق إلا الله. هي توجب أداء العبادات لله وحده، فلا دعاء ولا خضوع ولا خشوع إلا لله وحده، ولا استعانة ولا استغاثة إلا بالله وحده.

стр. 74

لا خوف ولا رجاء إلا من الله وحده، لا يجوز ولا يصح صرف شيء من ذلك لغير الله كائنًا من كان وإلا فالشهادة غير نافعة، وشهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته في أمره حين يأمر، وترك نهيه حين ينهى، وتحكيم. شريعته، وقبول حكمه والرضى به: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] الصلوات الخمس في اليوم والليلة: فرائض الله آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين. أداؤها بإخلاص شرط لصحتها، وهي مقبولة إذا أديت كاملة بإيمان وخشوع وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا أقيمت في أوقاتها في بيوت الله وإلا لم تكن صلاة مقبولة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وزكاة المال ركن الدين إذا أخرجت عن طيب نفس طهَّرت النفس وزكَّتها وزكت المال ونمته. أداؤها يبعد المسلم عن رذيلة الشح والبخل، وهي حق للفقراء والمساكين من المسلمين، جزء قليل من المال لا ينقصه، ومتى أخرج عن إيمان وإخلاص، طيبة به نفس المخرج وأعطي لمستحقه وأصحابه من الفقراء والمساكين وبقية المستحقين للزكاة إن وجدوا: تطيب نفوسهم بذلك وترضى وتطمئن، وتطهر نفس المزكي وينمو ماله ويحفظ من الآفات. زكاة الجاه لمن أعطاه الله جاهًا لها أهميتها ووزنها عند الله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] ويقول رسول الله ﷺ : «اشفعوا تؤجروا» فاتقوا الله عباد الله في ذلك وأخلصوا له النية والعمل. صوم شهر رمضان فريضة الله عليكم، وأعمال العباد لهم إلا الصوم فإنه لله وهو سبحانه يتقبله من عباده المؤمنين ويثيبهم عليه والله عنده حسن

стр. 75

الثواب. يدع الإنسان طعامه وشرابه، يمنع نفسه من الشهوات تقربًا إلى ربه وامتثالًا لأمره يرجو رحمته وعفوه وبره. والصوم يا عباد الله مع ذلك إمساك للجوارح عن ارتكاب الآثام، فصوم اليد إمساكها عن الإيذاء وتناول المحرمات، وصوم الرجل إمساكها عن السعي إلى الفساد والسعي إلى كل ما يغضب الله، وصوم اللسان إمساكه عن كل منكر ولغو وزور وغيبة، وصوم الأذن عدم الإصغاء إلى الإفك وعدم استماع الأكاذيب والنميمة والغناء والمزامير، وصوم العين عدم النظر إلى المحرمات عمومًا خاصة النساء الأجانب والتطلع إلى الأسرار والعورات وفي ذلك كله يقول رسول الله ﷺ : «إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل» . أيها المسلمون: شهر رمضان خصه الله بالخير والبركة والإحسان، أنزل فيه القرآن هدى للناس ورحمة، وفرض صيامه وسن قيامه رسول الله ﷺ . قال ﷺ : «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» . عباد الله: افعلوا الخير، واعملوا الصالحات، وتعرّضوا لنفحات ربكم فإن لربكم في أيام دهركم نفحات. اسألوه المغفرة والهداية والتوفيق: أن يحفظ عليكم إسلامكم ويظهره على الدين كله ويمكن لأهله وحماته. اللهم اجعلنا من الفائزين بالمغفرة والعتق من النار (١) .

стр. 76

[الإسلام هو المنقذ] الإسلام هو المنقذ الحمد لله المتفرد بالقدرة والحكمة منزل الكتاب على عبده ليدبّر الناسُ آياته وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فقد أرسل الله رسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، وبعثه إلى الناس كافة شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. كان الناس يتيهون في بيداء الكفر والضلال، ويحيون حياة الجاهلية والفوضى، فلا حق يقام، ولا هدى يتبع، ولا قائد يقتفى أثره، أو مصلح ينقذ الناس بدعوته وكفاحه. حتى بعث الله النبي الكريم محمد بن عبد الله ﷺ فكان القائد المنتظر والمصلح المرجو والمنقذ المرتقب. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] أجل. . كان محمد ﷺ منقذًا منتظرًا، ومصلحا مرتقبًا لأنه قد هدى الخلق من الضلالة، وأنقذهم من الجهالة، ودعاهم إلى الأخوة والإيمان وعبادة الملك الديان. لما كانت دعوته حقًا وهدى ورسالة إصلاح وتحرير وبناء ولما كانت القلوب ظامئة إلى الحق، متطلعة إلى النور، بعد أن لفها الباطل بظلامه فقد

стр. 77

تحقق للحياة الإصلاح المنشود، والسلام والنظام، وأسرع الناس إلى كنف الإيمان وروضة الإسلام، ودخلوا في دين "الله" أفواجًا. ثم تفتحت قلوبهم وانشرحت صدورهم ورأوا الهدى الذي ليس معه ضلال والحق الذي لا يشوبه باطل، فاستمسكوا بما جاءهم من عند الله واتبعوا النبي الذي أرسله لإنقاذهم، وأحبوه وآزروه، وكانوا أعوانًا في دعوته وجهاده، فقامت على عواتقهم رحى المعارك والحروب، التي دارت على حزب الكفر، وعصبة الباطل وأنصار الشيطان. وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل "الله" الذي آمنوا بوحدانيته ووجوده واتبعوا النور الذي أنزله، والرسول الذي أرسله، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٨ - ٩] أيها المسلمون: إن الإسلام هو النور الإلهي الذي محى ظلام الحياة وأشرق في آفاق الدنيا وهو الدين القيم الذي ملأ القلوب الفارغة بالإيمان، وعمرها باليقين والإخلاص، وهو الدعوة الخالدة التي هي دعوة إصلاح وتحرير وبناء، في كل زمان ومكان. أجل إن الإسلام دعوة خالدة لأنه صبغة الله وصنعته، ووحيه وحكمته وقد قال : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]

стр. 78

فأين أولئك الذين يوقنون بأن الإسلام حكمة الله وصبغته، وأن القرآن تنزيله وكلمته، ثم يعملون بحكمه، ويعتصمون بحبله، ويهتدون بهديه، ويأخذون بمناهجه الإسلامية الراقية، وسننه التشريعية المتبعة، ودعوته الهادية الهادفة ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣] يجب أن تعلموا أن الإسلام قد أنزله الله ليكون العلاج الناجح الحاسم لكل أدواء الحياة، والبلسم الذي يهب للإنسانية العافية من الآلام والفتن والآثام. والإسلام لازال إلى اليوم وحتى قيام الساعة دعوة إصلاحية هادية بناءة ليس لها نظير ولا مثيل، تملأ الفراغ، وتقضي على الفوضى وتحقق الهدى وتقيم العدالة وتمنع البغي والفساد وتفرض السلام والنظام وتوفر الأخوة والوفاق والوئام. وإن المسلمين اليوم لفي أمس الحاجة إلى دعوة الإسلام وهدى القرآن، إنهم في حالة مزرية من التخاذل والضعف والحيرة والضلال، وركوب الآثام واتباع الشهوات ولا منقذ لهم إلا الإسلام الذي جاء به هادينا ومنقذنا محمد ﵊. فكيف يضل المسلمون وعندهم كتاب الله تتلى آياته وسنة رسوله

стр. 79

ينشر هداها؟ وكيف يشكون من فساد الأوضاع واضطراب الحياة وبين أيديهم حكمة الله العليم الخبير؟ وفيها صلاح أمرهم في الدنيا والآخرة وعز الحياة وطيب العيش واستقراره. وبعد: إنني أقولها لوجه "الله" ذي الجلال والإكرام، وفاء بحق التبليغ الملقى عليّ: إن كتاب الله وسنة رسوله هما الحق الذي لا يأتيه الباطل، واليقين الذي لا يتطرق إليه الشك، والنور الذي يمحق الظلمة، والرشاد الذي ينفي الغي والضياع عن البشر أجمعين. وإن المسلمين لن يلقوا خيرًا ولن يهبهم الله عزًا ونصرًا ولن يشعروا بطيب الحياة واستقرارها إلا بالرجوع إلى الإسلام والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله. وصدق ﵊ حيث قال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد» . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 80

[التوكل على الله] التوكل على الله الحمد لله القوي المتين، الملك الحق المبين، وأشهد أن لا إله إلا الله فإياه نعبد وإياه نستعين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد المرسلين، وإمام المتقين اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله، واعتصموا بحبل الله، واتكلوا في أموركم كلها على الله، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقال ﷺ : «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» . فالاستعانة والتوكل عليه من أعظم واجبات الإيمان، وأفضل الأعمال المقربة إلى الرحمن، فإن الأمور كلها لا تحصل ولا تتم إلا بالاستعانة بالله ولا عاصم للعبد سوى الاعتماد على الله فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا تحول للعباد من حال إلى حال إلا بالله، ولا قدره لهم على طاعة الله إلا بتوفيق الله، ولا مانع لهم من الشر والمعاصي إلا عصمة الله، وكذلك أسباب الرزق لا تحصل وتتم إلا بالسعي في الطلب مع التوكل على الله، قال ﷺ : «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانًا» . فوصف ﷺ المتوكل على الله بوصفين السعي في طلب الرزق والاعتماد القوى على مسبب الأسباب، فمن فقد الوصفين أو أحدهما خسر وخاب ومن سعى في الأسباب المباحة واعتمد على ربه وشكر المولى إذا حصلت له المحبوبات، وصبر لحكمه عند المصائب

стр. 81

والكريهات، فقد فاز وأنجح واستولى على جميع الكمالات، من علم أنه فقير إلى ربه في كل أحواله كيف لا يتوكل عليه، ومن علم أنه عاجز مضطر إلى مولاه كيف لا يستعين به وينيب إليه، ومن تيقن أن الأمور كلها بيد الله كيف لا يطلبها ممن هي في يديه، ومن علم بسعة غناه وجوده كيف لا يلجأ في أموره كلها إليه، ومن استيقن أنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها كيف لا يطمئن قلبه إلى تدبيره، ومن علم أنه حكيم في كل ما قضاه كيف لا يرضى بتقديره، فيا أيها العبد المقبل على الخير إنك لن تناله إلا ببذل المجهود، والاستعانة والاعتماد على المعبود، ويا أيها المجاهد نفسه عن المعاصي والذنوب، إنه لا يتيسر لك تركها إلا بقوة الاعتصام بعلام الغيوب، فإنه من توكل عليه كفاه ومن استعان به واعتصم أصلح له دينه ودنياه، ومن أعجب بنفسه وانقطع قلبه عن ربه خاب وخسر أُولاه وأُخراه، فكم من ضعيف عاجز عن مصالحه قوي توكله على ربه فأعانه عليها، وكم من قوي اعتمد على قوته فخانته أحوج ما يكون إليها، ما ثم إلا عون الله وتوفيقه فهو عدة المؤمنين، ولا فلاح ولا سعادة إلا بعبادة الله والاستعانة به فهو المعبود حقًا وهو نعم المعين، ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠] بارك الله لي ولكم (١) .

стр. 82

[وجوب إخلاص النية في الأعمال] وجوب إخلاص النية في الأعمال الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصًا له الدين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. . . أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وألزموا الإخلاص لوجهه في أعمالكم وأقوالكم فقد روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» . فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة إذا كان هذا العمل يفتقر إلى النية، والنية عند العلماء يراد بها معنيان - أحدهما تمييز العبادات عن العادات كتمييز الغسل عن الجنابة عن غسل التبرد والتنظف، وتمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر، مثلًا وتمييز صيام رمضان عن صيام غيره - والمعنى الثاني للنية تمييز المقصود بالعمل هل هو لله وحده، أو لله ولغيره - وهذا هو محل الاهتمام ومناط السعادة والشقاوة والثواب والعقاب - فقد يعمل الاثنان عملًا واحدًا في الصورة ويكون تعبهما متساويًا، لكن أحدهما يثاب والآخر لا ثواب له أو يعاقب نظرًا لاختلاف المقاصد. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا - وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩]

стр. 83

ولهذا قال بعض العلماء: إنما تفاضلوا بالإرادات ولم يتفاضلوا بالصوم والصلاة. والهجرة من بلاد الكفر إلى بلد الإسلام من أفضل الأعمال لكنها لا تكون كذلك إلا بالنية لا بمجرد الانتقال من بلد إلى بلد من غير قصد ومقصود دنيوي، قال ﷺ : «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» ، فأخبر ﷺ أن هذه الهجرة تختلف باختلاف المقاصد والنيات بها، فمن هاجر إلى دار الإسلام حبًا لله ورسوله ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهاره حيث كان يعجز عن ذلك في دار الشرك، فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقًا وقد وعده الله بالثواب العظيم. ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام لطلب دنيا أو للتزوج بامرأة فهذا ليس كالمهاجر إلى الله ورسوله وإنما هو تاجر أو خاطب وقد سئل النبي ﷺ عن اختلاف مقاصد الناس في القتال من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك أيُّ ذلك في سبيل الله فقال ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» . وروى النسائي من حديث أبي أمامة قال «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا شيء" ثم قال ﷺ : "إن الله لا يقبل إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه» ، ولا شك أن الاستشهاد في سبيل الله، وتعلم العلم النافع وتعليمه وإنفاق المال في سبيل الله من أفضل الأعمال وأشقها على النفوس لكن إذا ساءت نية القائم بعمل من هذه الأعمال صار من أهل النار، فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة

стр. 84

رضي الله عنه قال سمعت النبي ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. فقال: ما عملت فيها قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فقال: ما عملت فيها قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت القرآن فيك قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: فما عملت فيها فقال: ما تركت من سبيل تحبه أن ينفق فيه إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار» . ولما بلغ معاوية ﵁ هذا الحديث بكى حتى غُشى عليه فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] قال الإمام ابن رجب ﵀ ما ملخصه: واعلم أن العمل لغير الله أقسام. فتارة يكون رياءً محضًا بحيث لا يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم قال الله : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢] وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحض في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧]

стр. 85

وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة والتي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء وكان خاطرًا ودفعه فإنه لا يضره بغير خلاف. فاتقوا الله عباد الله وأخلصوا أعمالكم لله وحده وابتعدوا عن الرياء والمقاصد الدنيئة فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. عباد الله: إن إخفاء العمل وإسراره بين العبد وبين ربه أدعى إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء وقد جاء في الحديث أن: «من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» ، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] فالمؤمن إذا تبرع لمشروع خيري فإنه لا ينبغي له أن يوافق على الإعلان عنه في الصحف وغيرها إلا إذا كان القصد من ذلك حث الآخرين على التبرع أو كان هذا الإعلان بغير علمه وبعض الناس إذا عمر مسجدًا كتب على بابه: عمر هذا المسجد على نفقة المحسن فلان، وهذا لا ينبغي، ويخشى أن يفسد ذلك عمله خصوصًا إذا كان قصده بذلك تخليد ذكراه.

стр. 86

فاتقوا الله يا عباد الله وأخلصوا لله أعمالكم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم (١) .

стр. 87

[التوسل إلى الله بالوسائل النافعة] التوسل إلى الله بالوسائل النافعة الحمد لله الرب العظيم، الرءوف الرحيم، ذي الفضل العظيم والإحسان العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الكريم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي قال الله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في هديهم القويم. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] أما التقوى هنا فهي اجتناب الكفر والفسوق والعصيان. وأما الجهاد في سبيله فهو بذل الجهد في مقاومة أهل الانحراف والإلحاد والكفران. وأما ابتغاء الوسيلة إليه فهي التقرب إليه بأصول الإيمان وشرائع الإسلام وحقائق الإحسان: مَن تعبد له أو دعاه بأسمائه وصفاته فذاك أفضل الوسائل. ومن توسل إليه بإحسانه ونعمه وجوده وكرمه فقد سلك مسلك الأصفياء الأفاضل. ومن تقرب إليه بترك معاصيه والعمل بما يرضيه فهو الذي لاشك إلى كل خير واصل، ومن توسل إليه بحاجته وفقره وضرورته فقد توسل إليه بخير الوسائل. ومن توسل إليه بذوات المخلوقين وجاههم فهو مبتدع ظالم، ومن دعا مخلوقًا أو استغاث به وزعم أنه يتوسل به إلى الله فهو مشرك آثم. فتوسلوا إلى ربكم بكثرة السجود والركوع، وتوسلوا إليه بتلاوة كلامه بتدبر وخشوع، وتوسلوا إليه بالإحسان إلى الخلق فإنه يحب المحسنين، وببر الوالدين وصلة الأرحام فإن الله

стр. 88

يصل الواصلين، ويقطع القاطعين توسلوا إليه بخوفه ورجائه والتوكل عليه فإن الله يحب المتوكلين، وتوسلوا إليه باللهج بذكره واستغفاره فيا سعادة الذاكرين، توسلوا إليه بمحبة نبيكم. وكثرة الصلاة والسلام عليه، فمن أكثر الصلاة عليه كفاه الله همه وقضى حاجته، ومن صلى عليه صلى الله عليه عشر أضعافها ونال حُبّه وشفاعته، توسلوا إليه بالحنو على اليتامى والضعفاء، وتقربوا إليه برحمة البهائم فإنما يرحم الله من عباده الرحماء، توسلوا إليه بسلامة الصدور من الفسق والغل والحقد على المسلمين، وبالنصيحة والشفقة على الخلق أجمعين توسلوا إلى الله بترك ما تدعو له النفس الأمارة بالسوء من الهوى والتبعات، وبغضّ الأبصار وصيانة اللسان والبعد عن جميع المحرمات، توسلوا إلى الله بكمال الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسل. لتدركوا كل مطلوب ومرغوب ومأمول بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم (١) .

стр. 89

[التحذير من النفاق وذمه] التحذير من النفاق وذمه الحمد لله الذي حذر من النفاق، وأمر بمكارم الأخلاق، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تنجي من قالها وعمل بها من شر يوم التلاق، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه ليتمم مكارم الأخلاق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله، يقول النبي ﷺ : «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر» . رواه البخاري ومسلم. النفاق مرض خطير، وداء وبيل وموجب لمقت الله وعقوبته فيجب على كل مسلم أن يزن نفسه بميزان هذا الحديث ليرى هل هو سالم منه أو واقع فيه. والنفاق يا عباد الله بتعريفه الجامع هو: إظهار الخير وإبطان الشر، وينقسم إلى قسمين: نفاق أكبر وهو النفاق الاعتقادي بأن يظهر الإنسان أنه يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ويبطن في قلبه الكفر بذلك أو بعضه. وهذا هو النفاق الذي نزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار. وقد وصف الله هؤلاء المنافقين بصفات الشر كلها من الكفر وعدم الإيمان والاستهزاء بالدين وأهله. وميلهم إلى أعداء الدين لمشاركتهم لهم في عداوة الإسلام والمسلمين. وهؤلاء يسعون في إغراء العداوة بين المسلمين. ومن صفاتهم الذميمة أنهم بخلاء أذلاء سفهاء. ظواهرهم جميلة بسمن أبدانهم

стр. 90

ونظافة ثيابهم، وحلاوة حديثهم، وبواطنهم قبيحة ممتلئة بالكبر والحسد والرياء وسائر الأمراض النفسية: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤] قد فضحهم الله وهتك أستارهم في سورة براءة وغيرها من سور وآيات القرآن الكريم ليعرف المسلمون حقيقتهم ويحذروهم ويجاهدوهم مع الكفار والمشركين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣] عباد الله: هذا هو النوع الأول من نوعي النفاق وهذه بعض صفات أهله، والنوع الثاني النفاق الأصغر، وهو النفاق العملي بأن يظهر الإنسان علانية صالحة ويبطن ما يخالفها من الغدر والخيانة. وهو المذكور في الحديث الذي سمعتموه قريِبًا. وهذا النوع وإن كان لا يخرج من الدين بالكلية لكنه طريق إلى النفاق الأكبر فقد يوصل إلى الكفر ويجر إلى الضر. وأصول هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في هذا الحديث التي أحدها الكذب في الحديث: «إذا حدث كذب» والكذب في الحديث يشمل الحديث عن الله ورسوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [الصف: ٧] وقال ﷺ : «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» ، ومن الكذب على الله ورسوله أن يقول هذا حلال وهذا حرام من غير دليل عن الله ورسوله، ويشمل ذلك أيضًا الكذب فيما يخبر به من الأخبار ويحدث به الناس، فمن كان هذا شأنه فقد هبط عن رتبة الصادقين إلى درك الكاذبين وسيجره كذبه هذا إلى الفجور، وسيجره الفجور إلى النار. فلا تتساهلوا في شأن الكذب-

стр. 91

أيها المسلمون - فإن قليله يجر إلى كثيره ومن أكثر من شيء عرف به. الزموا الصدق فإن من لزم الصدق نجا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] الخصلة الثانية من خصال المنافق أنه: «إذا اؤتمن خان» أي إذا كانت عنده أمانة من الأموال أو الحقوق أو الأسرار أضاعها ولم يحفظها، فأكل الوديعة أو جحدها، أو أهدر الحقوق وأفشى الأسرار. وإذا ولى عملاً من أعمال المسلمين تلاعب فيه بالمحاباة وأخذ الرشوة وتعطيل مصالح المسلمين. الخصلة الثالثة من خصال المنافق أنه: «إذا عاهد غدر» فهو ينكث العهود التي بينه وبين الله والعهود التي بينه وبين الخلق، فلا يفي بالعهد الذي أمر الله بالوفاء به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] والغدر بالعهود حرام حتى ولو كانت المعاهدة مع الكفار فقد أمر الله بالوفاء بعهودهم إذا قاموا عليها ولم ينقصوا منها شيئًا، فما بالك بالعهود مع المسلمين ومن أعظمها عهد الإمام. وكذلك جميع العقود الجارية بين المسلمين في المبايعات والإجارات وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان» ، ومن صفات المنافق أنه «إذا خاصم فجر» فلا يتورع عن أموال الخلق وحقوقهم فيخاصم بالباطل ليستولي على حق غيره ويضلل الحاكم بشهادة الزور والأيمان الكاذبة والوثائق المصطنعة، فإذا كان ذا قدرة عند

стр. 92

الخصومة فإنه ينتصر للباطل ويخيل للسامع أنه حق ويخرج الحق في صورة الباطل وهذا من أقبح المحرمات وأخبث خصال النفاق. عباد الله: من تجمعت فيه هذه الصفات القبيحة: الكذب في الحديث والخيانة في الأمانة والغدر في العهود والفجور في الخصومات لم يبق معه من الإيمان شيء وصار منافقًا خالصًا فهي بمنزلة الأمراض الخطيرة التي متى تجمعت في جسم أفسدته وقضت عليه ومن كانت فيه خصلة واحدة منها فقد اتصف المؤمن بصفة من صفات المنافقين فقد صار فيه إيمان ونفاق فإن استمرت فيه هذه الخصلة الذميمة فهي حرية أن تقضي على ما معه من الإيمان فإنها بمنزلة الداء الخبيث الذي يحل بالجسم فإن لم يسع في علاجه وإزالته قضى على الجسم، وإن تاب إلى الله وترك هذه الخصلة الذميمة واتصف بضدها من صفات الإيمان برئ من النفاق وتكامل إيمانه وهذا شأن المسلم. فالحديث فيه الحث على التوبة من النفاق ومن صفات المنافقين والاتصاف بصفات المؤمنين الصادقين. لأنه يجب على المؤمن أن يتطابق ظاهره مع باطنه على الإخلاص والصدق في الأقوال والأفعال في جميع الأحوال وفي جميع المواقف فيكون قدوة حسنة ومثالاً صادقا للمؤمن الذي يعتز بإيمانه ويحافظ على دينه فيصدق في حديثه ويرعى أمانته ويفي بعهده ويصدق في وعده ويعدل في خصومته. عباد الله: إن النفاق الأكبر إنما يوجد في حال قوه المسلمين يتقمصه أناس يريدون أن يعيشوا مع المسلمين فيأمنوا على دمائهم وأموالهم، فيظهرون الإسلام مع بقائهم على الكفر باطنا ويتربصون بالمؤمنين الدوائر ويعملون

стр. 93

ضد المسلمين في خفاء، وهذا النوع من النفاق لا يقع من مسلم. أما النفاق الأصغر فإنه مستمر في كل وقت يقع من بعض المسلمين الذين ضعف إيمانهم وهو الذي كان الصحابة يخافونه على أنفسهم، كان عمر بن الخطاب يسأل حذيفة بن اليمان عن نفسه هل عده الرسول من المنافقين قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه. ويذكر عن الحسن قال: ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق. عباد الله: هكذا كان السلف يخافون النفاق الأصغر على أنفسهم لأنه وسيلة النفاق الأكبر كما أن المعاصي بريد الكفر، وكما يخشى على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان فيصير منافقًا خالصًا. . فاتقوا الله في جميع أموالكم والزموا الصدق في جميع تصرفاتكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .

стр. 94

[الإسلام ونواقضه] الإسلام ونواقضه الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينًا. وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس. وأمرنا بالتمسك بهذا الدين والثبات عليه إلى الممات. وحذرنا من التخلي عنه فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعهم إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى. إن دين الله واحد وطريقه واضح مستقيم وأن الضلال طرق متشعبة ومتاهات كثيرة قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وعلى كل سبيل من سبل الضلال شيطان يدعو إليه. فالسالك على طريق الحق تعترضه صوارف عن المضي في طريقه إلى طرق الضلال تارة بالترغيب وتارة بالترهيب فهو يحتاج إلى علم بالطريق المستقيم وعلم بتلك الطرق المضلة، ويحتاج إلى صبر وثبات على الحق. أيها المسلمون: والارتداد عن دين الإسلام إلى الكفر تارة يكون بترك الإسلام بالكلية إلى ملة من ملل الكفر. وتارة يكون بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام مع بقاء التسمي بالإسلام وأداء شعائره فيكون محسوبًا

стр. 95

من جملة المسلمين وهو ليس منهم. . وهذا أمر خطير وموقف دقيق محتاج إلى بصيرة نافذة يحصل بها الفُرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال. إذ كثيرًا ما يلتبس هذا الموقف على كثير من الناس بسبب جهله بنواقض الإسلام وأسباب الردة. فيظن أن من أدّى شيئًا من شعائر الإسلام صار مسلمًا ولو ارتكب شيئًا من المكفّرات وهذا الظن الفاسد إنما نشأ من الجهل بحقيقة الإسلام. وما يناقضه. وهذا واقع مؤلم يعيشه كثير من الناس في عصرنا هذا ممن لا يميزون بين الحق والباطل والهدى والضلال. فصاروا يطلقون مسمى الإسلام على من يؤدي بعض شعائره ولو ارتكب ألف ناقض. ولم يعلم هؤلاء أن من ادعى الإسلام ومارس بعض العبادات ثم ارتكب شيئًا من نواقضه فهو بمثابة من يتوضأ ثم يحدث فهل يبقى لوضوئه أثر. إن الإسلام ليس مجرد دعوى بلا حقيقة ولا هو جمع بين المتناقضات. إن الإسلام دين الحق والصدق. إن الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك. إن الإسلام وحدة كاملة لا تتجزأ لا بد من القيام بشعائره وحقوقه وتجنب نواقضه. إن الإسلام دين ودولة، عبادة وحكم وعمل، دعوة وجهاد، وبالجملة فالإسلام يحكم جميع التصرفات والتحركات الصادرة من معتنقيه. عباد الله: إنه لا يكون الرجل مسلمًا بمجرد الانتساب إلى الإسلام مع البقاء على ما يناقضه من الأمور الكفرية. كما أنه لا يكفي مدح الإسلام والثناء عليه من غير تمسك بأهدافه وعمل بأحكامه، فاليوم المنتسبون إلى الإسلام كثير ولكن المسلمين منهم بالمعنى الصحيح قليل. واليوم نسمع كثيرًا

стр. 96

ونقرأ كثيرًا من مدح الإسلام ولكن إذا رجعنا إلى مجال التطبيق والعمل وجدنا الشُّقّة بعيدة: بين حقيقة الإسلام وبين كثير ممن يمدحونه ويثنون عليه! ! وإنه لمن الظلم الواضح والضلال المبين أن نطلق اسم الإسلام على من لا يستحقه لمجرد أنه يدعيه أو يمدحه ويثني عليه وهو بعيد عنه بأفعاله وتصرفاته. . كما أنه من الظلم الواضح والضلال المبين أن نصف بالإسلام من هو مرتكب لما يناقضه من أنواع الردة لمجرد أنه يصوم أو يصلي أو يمارس شيئًا من شعائره وهذا منا إما نتيجة جهل بحقيقة الإسلام أو اتباع للهوى! ! وكلا الأمرين خطير وقبيح. عباد الله: إن نواقض الإسلام كثيرة وأسباب الردة متعددة لكننا نذكر منها ما يكثر وقوعه اليوم في مجتمعاتنا لنكون على بينة منه لنحذره فمنها: الشرك في عبادة الله تعالى: مثل ما يفعل اليوم عند القبور: من التقرب إلى الموتى بطلب الحاجات منهم، وصرف النذور لهم والذبح لأضرحتهم، والذبح للجن لطلب شفاء المريض. وهذا واقع اليوم، وكثير فيمن يدعون الإسلام، والذي يذهب إلى البلاد المجاورة يرى هذا عيانًا. ومنه شيء يفعل عندنا، ويمارسه الذين يذهبون إلى المشعوذين والدجالين لطلب العلاج فيأمرونهم بالذبح للجن فينفذون ذلك من غير مبالاة. والذبح لغير الله شرك أكبر. ومن أنواع الردة عن الإسلام الاستهزاء بشيء مما جاء به الرسول

стр. 97

صلى الله عليه وسلم كالذي يستهزئ بإعفاء اللحى أو بالسواك أو بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أو بالجهاد أو غير ذلك. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] ومن أنواع الردة عن الإسلام الحكم بغير ما أنزل الله. فمن حكم بغير ما أنزل الله وهو يرى أنه أحسن من حكم الله ورسوله وأصلح للناس. أو يرى أنه مخير بين أن يحكم. بما أنزل الله أو يحكم بغيره من القوانين. فهو كافر مرتد عن الإسلام. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وسواء حكّم القانون في كل شيء أو حكّمه في بعض القضايا ما دام أنه يرى أن ذلك أصلح للمجتمع أو أنه أمر جائز فهو كافر بالله، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم، وكذلك الذي يطلب التحاكم إلى غير الشرع قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وهذا خطر داهم المسلمين اليوم فإن كثيرًا من الحكام نبذوا كتاب الله واستبدلوه بقوانين استوردوها من الغرب وحكموا بها بين الناس. فيجب على المسلم أن يعرف حكم الله في هؤلاء ويحكم به عليهم، ولا يرضى بفعلهم. ومن نواقض الإسلام ترك الصلاة، فمن تركها جاحدًا لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين ومن تركها وهو يقر بوجوبها، لكن تركها من باب

стр. 98

الكسل فهذا يؤمر بها ويدعى إليها فإن أبى أن يصلي واستمر على تركها فهو كافر على الصحيح. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] فدلت الآيتان على أن من لم يقم الصلاة لا يخلى سبيله بل يقتل وليس هو من إخواننا لأنه كافر. وقال تعالى عن أهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] إلى قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] فأخبر أن من جملة الأسباب التي دخلوا بها النار ترك الصلاة وأخبر أنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين فدل على أنهم كفار لأن المسلم تنفعه شفاعة الشافعين بإذن الله، وقال ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم - يعني الكفار - الصلاة» ، فدل الحديث على أن الصلاة هي الفارقة بين الكافر والمسلم فمن لم يصل فليس بمسلم. . وقال ﷺ : «بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة» ، وهذه نصوص من كتاب الله وسنة رسوله تدل على كفر تارك الصلاة وخروجه من الملة ولو كان يدَّعي الإسلام ويقيم مع المسلمين، وقد كثر اليوم ترك الصلاة وعدم المبالاة بها مع العلم أن تاركها لا حظّ له في الإسلام بل يستتاب فإن تاب وأقام الصلاة وإلا قُتل مرتدًا لا يدفن في مقابر المسلمين ولا يرثه أقاربه بل يصادر ماله لبيت مال المسلمين. وكذلك يجب أن يفرق بينه وبين زوجته المسلمة وإن المسلمة لا تحل لكافر قال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] فلا يجوز أن يزوج من مسلمة ولا يجوز أن تبقى معه مسلمة في عصمته. ولو أن حكم الله نفذ في هؤلاء وطهرت منهم بلاد المسلمين وبيوت المسلمين لارتدع

стр. 99

الناس عن هذه الجريمة ولم يجد هذا المجرم مكانًا له في مجتمع المسلمين. ولكن حينما أغمض المسلمون أعينهم عن هؤلاء وتركوهم يساكنونهم في بيوتهم ويتزوجون من نسائهم صارت جريمتهم من الأمور المعتادة التي لا تستنكر فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أيها المسلمون: ومن نواقض الإسلام التي كثر انتشارها اليوم في المجتمعات الإسلامية اعتناق المبادئ الهدَّامة: كالشيوعية والاشتراكية والقوميات المناهضة للإسلام فمن استصوب شيئًا من هذه المبادئ أو دافع عنه أو أعان أهله على المسلمين فقد ارتد عن دين الإسلام ولحق بالكفار فلنكن على بصيرة من ديننا وبينة من أمرنا، لنعرف ما هو الإسلام وما هي نواقضه حتى نحذر منها ومن أهلها، اللهم بصّرنا بالإسلام وثبتنا عليه إلى يوم نلقاك غير مبدّلين ولا مغيرين يا رب العالمين، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ - فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٨] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .

стр. 100

[الدعاء لولاة الأمور] الدعاء لولاة الأمور الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والحمد لله الذي خلق الخلق ليعبدوه، وأبان آياته ليعرفوه، وسهل لهم طريق الوصول إليه ليصلوه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وإمامنا وقدوتنا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليكون للعالمين نذيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: أيها الناس اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، وسبحوه بكره وأصيلًا، واعلموا رحمكم الله أن الذكر هو أحب الكلام إلى الله، ففي الحديث الذي يرويه أبو ذر الغفاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله إن أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده» رواه مسلم، فذكر الله يحيي القلوب وينورها ويزكى النفوس ويسعدها. فأكثروا من ذكر الله ومن دعائه والتضرع إليه " والدعاء هو العبادة " وليس شيء أكرم على الله من الدعاء، ولا يرد القضاء إلا الدعاء. فاسألوا الله حوائجكم صغيرها وكبيرها عاجلها وآجلها، وانتظروا الفرج من الله. قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] ثم اعلموا أيها

стр. 101

الإخوة المؤمنون أن المرء يؤجر إذا دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وعن أبي الدرداء - عويمر بن زيد ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: آمين ولك بمثل» رواه مسلم. وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل» رواه مسلم. وأثر عن أبي الدرداء ﵁ أنه كان يدعو لسبعين من أصحابه يسميهم بأسمائهم، وفي هذا العمل علامة على سلامة الصدر. وإذا كان هذا مما يؤجر عليه وهو الدعاء لأخيه المسلم، فلا شك أن الدعاء لمن ولاه الله أمر المسلمين، - وولايتهم بالاستقامة والرشد والصلاح - أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا، بل هو من النصيحة الواجبة على المسلم كما جاء في الحديث الذي يرويه تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة " قلنا لمن؟ قال: " لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم. والدعاء لهم أوجب إذا قاموا بتحكيم شرع الله والدعوة إلى سبيله

стр. 102

والتحذير من مخالفته، كما نرى ذلك في المملكة العربية السعودية من تطبيق لشرع الله والدعوة إلى سبيله فينبغي للعبد المؤمن أن يتقرب إلى الله بالدعاء لهم في كل وقت لأن صلاحهم صلاح للأمة وفسادهم فساد للأمة. ولذا ينبغي التنبه لما قد يقع فيه بعض من لا علم له من الوقيعة والطعن على الأئمة ولعنهم ويجعل من ذلك مادة يقضي بها وقته وهو بذلك يقع في الإثم. وفرق بين النصح الرشيد والتهجم والطعن والسب؛ لأن النصيحة لولاة الأمور والأئمة ضرورة، أما لعنهم وسبهم ففيه خطر التمزق وضياع الحقوق وهذا مما يفرح أعداء المسلمين ويثلج صدورهم. ثم اعلموا رحمكم الله أن صلاح الأئمة صلاح لشعوبهم وعن أبي أمامة رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تسبوا الأئمة وادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم لكم صلاح» (١) وفي هذا الحديث تأكيد لما ينبغي عليه المسلم أن ينصح وأن يدعو الله بالصلاح لمن ولاه الله أمر المسلمين. وهو من اجتماع الكلمة التي حث أمته عليه ﷺ . فعن أم الحصين الأحمسية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يخطب بعرفات وهو يقول: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوه» قال عبد الله (يعني ابن أحمد بن حنبل ﵀ وسمعت أبي

стр. 103

يقول: إني لأرى له السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره "، رواه مسلم وأحمد وابن ماجه وغيرهم. وكان الإمام أحمد ﵀ إمام أهل السنة والجماعة يقول: لو كانت لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان، وهذا من فقهه وسعة علمه ﵀ فصلاح السلطان صلاح للبلاد والعباد وظهور الخيرات ونزول البركات وعلو أهل الصلاح وقمع أهل الفتنة والفساد. بل إن هذا من التعاون على البر والتقوى، ومن اجتماع الكلمة، وسبب في تأليف القلوب وشفقة السلطان على رعيته. فعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمتكم من تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا لكم الصلاة ألا ومن ولي عليه أمير والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فلينكر ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة» رواه أحمد وأخرجه مسلم بألفاظ متقاربة. فعلينا عباد الله أن نتقي الله فيما نأتي وما نذر، وأن نجعل الله نصب أعيننا ونسأله صلاحنا وصلاح من ولاه الله أمرنا، وأن يجعل ولايتنا فيمن خافه واتقاه واتبع أمره ورضاه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

стр. 104

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] بارك الله لي ولكم في القرآن العظِيم، ونفعني وإياكم. بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

стр. 105

[ما لولاة الأمور وما عليهم من حق] ما لولاة الأمور وما عليهم من حق الحمد لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون، وبعدله ضلّ الضالون، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: - فيا عباد الله - لقد جاء دين الإسلام إكرامًا للبشرية ورحمة بها، جاء ليرتب وينظم أمور الناس، مادية وروحية، ويقيمها على أسس إصلاحية وقواعد ثابتة، جاء ليبين للناس أسباب العطب فيجتنبوها وأسباب النجاة فيسلكوها. وإن مما أوضحه وأبانه الإسلام علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بنبيه ﷺ وعلاقته بأميره ورئيسه، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] والمراد بأولي الأمر كل من له ولاية شرعية، سواء كان الإمام العام، أو العالم الشرعي، أو الأمير، أو الرئيس الخاص بالإنسان. عباد الله؛ إن الله جلّت قدرته قد أوجب لولاة الأمور الشرعيين بهذه الآية، وما في معناها، حقًا عظيمًا، بالقيام به تسعد الأمة الإسلامية، ويستتب لها الأمن، ويسود السلام، أوجبه من هو عالم بأسرار الكون، وطبائع البشر التي لا تصلح ولن تصلح بدون إمام أو مع إمام منازع؛ أوجبه حفاظًا على الحياة الاجتماعية، ورعاية وحماية لها من فوضى الجاهلين، وطيش المفسدين، «إن

стр. 106

الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» ، أوجبه وجعله طاعة له سبحانه وقربة إليه، طاعة مؤكدة معروفة يجب الإتيان بها في العسر واليسر، والمنشط والمكره والاستبداد، إلا إذا أمر الإنسان بمعصية الله، أو فوق المستطاع، فلا سمع ولا طاعة إذًا لمخلوق في معصية الخالق، يقول ﷺ : «وعلى المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا إذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» ، وإن شيئًا - يا عباد الله - أمر الله به ورتب عليه سبحانه مصلحة عظمى في الدنيا، وأجرًا مضاعفًا في الآخرة، لجدير بأن يكون موضع رعاية المؤمن واهتمامه. وخير ما يقوم به ولاة الأمر بل أعظم ما يجب عليهم تحكيم شرع الله والقيام به وإرشاد الناس إلى عبادة الله وحده وترك ما سواه ليتحقق على أيديهم الخير العظيم ولتتنزل عليهم بركات من السماء والأرض وخير مثال على ذلك في العصر الحاضر ما قامت عليه المملكة العربية السعودية إذ قامت على التآزر التام والتعاون المبارك بين القيادة والدعاة لتطبيق شرع الله وتحكيمه في واقع الناس فتوافرت لهذه الدولة النعم وتوالت عليها المنن وعاشت حكومة وشعبًا بأمن وأمان ورغد عيش. فاتقوا الله - أيها المسلمون - وتقربوا إلى الله بما أمركم به من طاعة ولاة الأمور، ومن الدعاء لهم، والتعاون معهم على البر والتقوى، والصبر عليهم، ما أطاعوا الله ورسوله وأقاموا شعائر دينه، فما نزعت يد من طاعة إلا صافحها الشيطان وعرضها لفتنة عمياء، وموت جاهلية جهلاء، والعاقل يدرك خطورة عصيان الأئمة الشرعيين، وما تأتي به منازعتهم أو الخروج

стр. 107

عليهم من شر، وما يترتب على ذلك من مفاسد عظمى لا يعلم مداها - على الحقيقة - إلا الله سبحانه، وتفاديًا لهذا الشر، ودرءًا له عن الأمة الإسلامية، قال هادي البشرية ﵊: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، فميتته ميتة جاهلية» وقال: «اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» ، وروى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله» . قال: - يعني رسول الله - «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» . يا عباد الله: يا من في أيديهم شيء من ولاية، إن الحكم العدل سبحانه، كما أوجب لكم حقًا على من لكم عليه ولاية، وأمره باحترامه والقيام به، فكذلكم أوجب عليكم حقًا لمرءوسيكم ومن في سلطانكم، ومن تحت رعايتكم، وآذنكم بخطورته، وعظم مسئوليته على لسان رسوله بقوله ﷺ : «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته» ، فاتقوا الله فيما استرعاكم الله فيه، وأدوا ما أوجبه الله عليكم من حقوق مرءوسيكم ورعاياكم تكونوا من خير الأئمة الذين قال الرسول فيهم ﷺ «إن خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم» وتبتعدوا عمن عناهم ﷺ بقوله: «وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» .

стр. 108

وإن أعظم تلكم الحقوق إقامة العدل بينهم، والإحسان بهم، وخفض الجناح لمؤمنهم؛ يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ويقول: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] كما أن من حق الرعية عليكم أن تحوطوهم بالنصح، وأن تسعوا بإخلاص وجد فيما يجلب لهم النفع، ويدرأ عنهم الضرر، وأن تتجنبوا كل ما يثير نفوس أفراد الرعية، ويعرضهم للحقد والمنازعة كالاستئثار بالمصالح، ومعاملتهم بالشدة والقسوة، وتكليفهم ما يعنتهم ويشق عليهم ونحو ذلكم، مما يسبب بغض الرعية للراعي، ويعرضه للمنازعة في الدنيا، وللعذاب الأليم في الآخرة. يقول ﷺ ، فيما رواه البخاري ومسلم: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة» وفي رواية لمسلم: «ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة» . وروي عن عائذ بن عمرو - رضى الله عنه - أنه دخل على عبيد الله ابن زياد، فقال: أي بني: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن شر الرعاة الحطمة، وإياك أن تكون منهم» والحطمة: هو الشديد الغليظ القاسي، قليل الرحمة والشفقة والحنان ويقول مستجاب الدعوة ﷺ : «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولى من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» .

стр. 109

أقول قولي هذا، وأسأل الله تعالى أن يوفق ولاة أمور المسلمين، وحماة الإسلام لما فيه صلاح دينهم ورعاياهم. إنه تعالى خير مسئول، غفور رحيم (١) .

стр. 110

[ضرر تفريق الكلمة] ضرر تفريق الكلمة الخطبة الأولى: الحمد لله رب العالمين والحمد لله الذي هدانا لدين الإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وله الحكم وإليه ترجعون. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين ﴿شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه ودعا بدعوته. أما بعد: فإن الله تعالى خلق الإنسان وجعل فيه مقومات الفهم والتمييز، والعقل والإدراك، فهو يعرف النافع من الضار، والطيب من الخبيث، وأعطاه قوة عملية، يختار بها، فبرغبته يختار، وبإدراكه يميز، وطريق الله مستقيم، ومعتدل واضح منير، على اتجاه واحد، إلى رب العالمين، وما عداه فطرق منحرفة ملتوية معوجة. لها فروع ومنافذ، تؤدي إلى متاهات، وظلمات، وكل إنسان بقدرته الاختيارية يختار الطريق التي يسلكها في هذه الحياة، ولن يخرج عن النظام القدري العام: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (١) .
следующие страницы →