← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30929

خطب مختارة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (296 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المبتدع ذلك واتبع هواه بغير هدى من الله. عباد الله: كنا في هذه البلاد في عافية من كثير مما وقع فيه من البدع، ولكن لما تسهلت وسائل النقل وتوفرت وسائل الإعلام ووفد إلى بلادنا كثير ممن نشئوا على البدع وربما جاءوا ببدعهم يزاولونها عندنا، فربما يشتبه الأمر على كثير من عوامنا فوجب التنبيه على تلك البدع في أوقاتها حتى يكون المسلم على بصيرة من دينه، ومن هذه البدع ما يفعل في شهر رجب من العادات الجاهلية والأمور البدعية التي يزعم مرتكبوها أن شهر رجب خاصية على غيره، وليس الأمر كذلك، فإن شهر رجب أحد الأشهر الحرم، وقد روي عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل شهر رجب قال: «اللهم بارك لنا في شهري رجب وشعبان وبلغنا رمضان» ، ولم يثبت عن النبي ﷺ في فضل رجب حديث، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي ﷺ كلها كذب قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وقد أحدث الناس في هذا الشهر عبادات لم يشرعها الله ولا رسوله. من ذلك تعظيم أول خميس منه وليلة أول جمعة منه، فإن تعظم هذا اليوم وتلك الليلة من رجب إنما حدث في الإسلام بعد المائة الرابعة، والحديث المروي في ذلك كذب باتفاق العلماء، ولا يجوز تعظيم هذا اليوم لأنه مثل غيره من الأيام. وقال الحافظ ابن رجب، فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء. قال وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه. وروي عن عمر ﵁ أنه كان يضرب أكف الرجال في صوم

стр. 142

رجب حتى يضعوها في الطعام ويقول: ما رجب؟ إن رجبًا كان يعظمه أهل الجاهلية فلما كان الإسلام ترك، وفي رواية كره أن يكون صيامه سنة، وأما العمرة فلم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه اعتمر في رجب، فلا فضل للعمرة في رجب على العمرة في غيره من الشهور كما يظنه بعض الناس، ومن البدع المنكرة التي تفعل في هذا الشهر بدعة الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في الليلة السابعة والعشرين منه، يحتفلون في تلك الليلة ويخصصونها بأنواع من العبادات ما أنزل الله بها من سلطان فيخصون تلك الليلة بأذكار وأدعية وصلاة، وتخصيص تلك الليلة خطأ من عدة وجوه: أولًا: أن الإسراء لم يقم دليل على تعيين ليلته التي وقع فيها ولا على الشهر الذي وقع فيه فالعلماء مختلفون في زمانه فتخصيص ليلة من الليالي في رجب أو غيره للإسراء تخصيص لا دليل عليه. ثانيا: لو ثبت تعيين الليلة التي وقع فيها الإسراء لم يجز لنا أن نخصص تلك الليلة بشيء لم يشرعه الله ولا رسوله فإنه لم يرد أن الرسول ﷺ احتفل في تلك الليلة ولا خصها بشيء من العبادات، ولم يفعل ذلك خلفاؤه الراشدون من بعده ولا صحابته الكرام، ولا التابعون لهم بإحسان فلا يجوز لأحد بعدهم أن يحدث في الإسلام شيئًا لم يفعلوه. ثالثًا: أنه يفعل في تلك الليلة وفي ذلك الاحتفال أمور منكرة، قال صاحب كتاب الإبداع في مضار الابتداع: وقد تفنن الناس بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروبًا كثيرة كالاجتماع في المساجد وإيقاد الشموع والمصابيح فيها وعلى المنارات مع الإسراف في ذلك إلى أن قال:

стр. 143

وما أحسن سير السلف الصالح فإنهم كانوا شديدي المداومة على ما كان عليه الرسول ﷺ لا يخرجون عن الثابت قيد شعرة، ويعتقدون الخروج عنه ضلالة لا سيما عصر الصحابة ومن بعدهم أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير ﵃ أجمعين، انتهى. ومن العجيب أن بعضًا من هؤلاء الذين يحتفلون بمناسبة الإسراء والمعراج أو كثيرًا منهم لا يهتمون بما شرع فيه من الصلوات الخمس فبعضهم لا يصلي أبدًا وبعضهم لا يحضر صلاة الجماعة في المسجد وإنما ينشط في البدع ويكسل عن السنن والواجبات، ولا يحافظ على الجمع والجماعات. عباد الله: إن البدع مع أنها حدث في الدين، وتغيير للملة، فهي آصار وأغلال تضاع فيها أوقات وتنفق فيها أموال، وتتعب فيها أجسام، وتبعد من الجنة وتقرب من النار، وتوجب سخط الله ومقته، ولكن أهل الغي والضلال لا يفقهون، وفي طغيانهم يعمهون، لا يزيدهم عملهم عن الله إلا بعدا ولا اجتهادهم وتعبهم إلا مقتًا وردا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ - عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ - تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً - تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ - لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ - لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٢ - ٧] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم (١) .

стр. 144

[الحث على زيارة مسجد الرسول ﵇] الحث على زيارة مسجد الرسول ﷺ الحمد لله فاطر السموات والأرض، أحمده سبحانه، وهو للحمد أهل، وأشكره وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالحق بشيرًا ونذيرًا. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فالكثير من الحجاج يرغبون في السفر إلى المدينة، لزيارة مسجد الرسول ﷺ بها، وقد جاء عنه ﷺ في الترغيب في ذلك قوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» ، فزيارة المسجد النبوي للصلاة فيه، مستحبة ومرغب فيها، فالقصد من الزيارة وشد الرحال إلى المدينة هو المسجد النبوي. أما القبر الشريف فلا يجوز قصده وحده بسفر، ولا شد الرحل إليه، لأن الرسول ﷺ قد نهانا عن ذلك، كما نهانا أن نتخذ قبره عيدًا، نعتاد زيارته في أوقات معينة، قال ﷺ : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» ، وجاء عن علي بن الحسين ﵁، أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا عن أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم

стр. 145

قبورًا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» ، فالرسول ﷺ ، نهانا بهذا الحديث أن نجعل قبره عيدًا نعتاده في وقت معين كرجب مثلًا، وقد خص الله نبيه من دون الناس، بأن صلاة المصلي عليه وسلامه، يبلغه ولو لم يكن المسلم عند قبره، أو في المدينة، قال ﷺ : «وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» . فالزيارة إذن، ليست واجبة، وليست من لوازم الحج كما يظنه البعض من الناس، وقد شاع بين العوام أحاديث في زيارة قبر الرسول ﷺ ، حتى ظنوها أحاديث صحيحة، فهم لذلك يتكبدون المشاق في الزيارة، ويظنون أن زيارة المدينة من تمام الحج، فمن الأحاديث الشائعة المكذوبة على رسول الله ﷺ : " من زارني بعد موتي، فإنما زارني في حياتي. من زار قبري وجبت له شفاعتي. من حج ولم يزرني فقد جفاني "، وأمثالها لم تصح عن رسول الله ﷺ ولم تثبت، وأهل العلم عدوها من الموضوعات المختلقة. فعلى من أراد الزيارة: أن يقصد المسجد النبوي بزيارته، ثم يصلي فيه ما تيسر، ثم يسلم على النبي ﷺ إن أراد بأدب واحترام، وعدم رفع الصوت، فإن رفع الصوت بالسلام والضجيج ليس من الأدب المطلوب عند رسول الله ﷺ ، ثم يسلم على صاحبيه أبي بكر وعمر، ﵄، ثم ينصرف ولا يستقبل القبر عند الدعاء، ومن لم يتيسر له الزيارة، فلا حرج عليه، وحجه تام، وقد أدى ما عليه، إذ لم يوجب الله ولا رسوله إلا حج بيته الحرام.

стр. 146

ومن أتى المدينة وصلى في مسجد رسول الله ﷺ استحب له أن يصلي في مسجد قباء ويزور قبور أهل البقيع واحدًا واحدًا ولا يشرع تتبع المساجد التي هناك، رأى عمر بن الخطاب ﵁ أناسًا يذهبون إلى مكان فقال أين يذهب هؤلاء قالوا إلى مكان صلى فيه رسول ﷺ فقال منكرًا فعلهم: ومكان صلى فيه رسول ﷺ ؟ ! تريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد إنما هلك من كان قبلكم بهذا. وفقني الله وإياكم للأعمال الصالحة، وجعل أعمالنا مقبولة نافعة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .

стр. 147

[طلب الشفاعة] طلب الشفاعة الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، أحمده سبحانه وأشكره، لا أحصي ثناء عليه وهو كما أثنى على نفسه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه. اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فالكل منا يحب الخير لنفسه، ويحب أن يعمل صالحًا، حتى يحصل على الثواب وجزاء عمله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] فالأقوال والأعمال لا تنفع، ولا تحصل ثمرتها المرجوة، إلا إذا كانت خالصهَ لله وحده، وكانت بالاتباع وعدم الخروج عما جاء به الرسول ﷺ . أيها المسلمون: من منا لا يؤمن بشفاعة الرسول ﷺ يوم القيامة وأنها حق؟ ومن منا لا يحب أن يشفع له الرسول ﷺ ؟ . فهو الشافع المشفع، وله المقام المحمود، الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، له الشفاعة الكبرى يوم القيامة التي يتأخر عنها أولو العزم من الرسل، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، تنتهي إليه ﷺ فيقول: أنا لها، وذلك في يوم القيامة، حين يطلب الخلق من الأنبياء أن يشفعوا لهم عند ربهم، ليريحهم من مقامهم في الموقف فيتأخر عن ذلك أولو العزم من

стр. 148

الرسل فيأتون إلى سيد الخلق وأكرمهم على ربهم محمد، فيأتي ﷺ ، ويسجد لربه أَولًا، لا يبدأ بالشفاعة، ثم يقال له ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، وهذه الشفاعة خاصة بالرسول ﷺ ، لا يشاركه فيها أحد، وله ﷺ شفاعات أخرى، كلها يوم القيامة، ولا تكون إلا بعد الإذن له من الله، والرضا عن المشفوع له، ولا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، ولا يرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة إلا ما أريد به وجهه فإذا كانت الشفاعة ملكًا لله وحده وكانت لأهل الإخلاص، ولا تكون إلا بعد الإذن والرضا، فلا يصح طلبها إلا من الله وحده، فهو المالك لها الذي يأذن أن يشفع لكل من وحد الله وأخلص العمل له، واهتدى بسنة رسول الله ﷺ ومات على ذلك، فشفاعة الرسول حاصلة له، وهو من أهلها لا شك في ذلك. سأل أبو هريرة ﵁ رسول الله ﷺ فقال: «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه» . وحقيقة الأمر في ذلك، أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود فحصول الشفاعة لا بد فيه من أمرين: الأول: الرضا منه تعالى عن المشفوع له. والثاني: الإذن للشافع أن يشفع، وإذنه لا يكون إلا إذا رحم عبده الموحد

стр. 149

المذنب، فيأذن للشافع أن يشفع له، والرسول ﷺ قد بين السبب الذي تنال به الشفاعة وهو التوحيد، والإخلاص في العبادة، واجتناب الشرك صغيره وكبيره. قال ﷺ : «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات لا يشرك بالله شيئًا» ، فعلينا أن نعمل صالحًا، وأن نطع الله ورسوله فنمتثل أوامره، ونجتنب نواهيه، وأن لا نشرك به شيئًا، حتى تحصل شفاعة الرسول ﷺ ، وعلينا أن لا نطلب الشفاعة إلا من الله وحده، ونسأله تعالى أن يشفع فينا نبيه محمدا ﷺ ، اللهم شفع فينا نبيك محمدًا ﷺ ، اللهم لا تحرمنا شفاعته، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .

стр. 150

[الحث على مخالفة الكفار] الحث على مخالفة الكفار الحمد لله الذي أمرنا بالاقتداء بسيد الأبرار، ونهانا عن التشبه بالمشركين والكفار، أحمده على ما أولانا من النعم، وصرف عنا من النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله واعتزوا بدينكم، عباد الله إن الله سبحانه قد أغنى المسلمين وأنعم عليهم بشريعة كاملة لكل مصالح الدين والدنيا، وعلق السعادة في الدنيا والآخرة على العمل بها والتمسك بهديها، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] وهذه الشريعة هي الصراط المستقيم الذي هو طريق المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وما خالفها فهو طريق المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى والمشركين. وأنت أيها المسلم في كل ركعة من صلاتك تدعو ربك أن يهديك الصراط المستقيم وأن يجنبك طريق المغضوب عليهم والضالين حينما تقرأ سورة الفاتحة التي قراءتها ركن من أركان الصلاة في كل ركعة فتأمل هذا الدعاء ومقاصده وثماره، إنه يعي أول ما يعي الاقتداء بالرسول ﷺ والتمسك بشريعته في العبادات وفي المعاملات وفي الآداب والأخلاق العامة والخاصة، وإنه يعنى مخالفة الكفار فيما هو من خصائصهم في العبادات

стр. 151

والمعاملات وفي الآداب والأخلاق لأن التشبه بهم في الظاهر يورث محبتهم في الباطن ولهذا تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على الأمر بمخالفتهم والنهي عن التشبه بهم إبعادًا للمسلم عما فيه مضرته. لأن أعمال الكفار باطلة. ومساعيهم ضالة. ونهايتهم إلى الهلاك. فجميع أعمال الكافر وأموره لا بد فيها من خلل يمنعها أن تتم له بها منفعة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] أيها المسلمون: ومع أن الله قد حذرنا سبيلهم فقضاؤه نافذ بما أخبر به رسوله مما سبق في علمه تعالى حيث قال ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى. قال: فمن، أي من القوم إلا هؤلاء» ، وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرًا بشبر وذراعًا بذراع فقيل يا رسول الله كفارس والروم قال: ومن الناس إلا أولئك» ، فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب ومضاهاة لفارس والروم. وقد كان ﷺ ينهى عن التشبه بهؤلاء، وهؤلاء، وليس إخباره عن وقوع المضاهاة في الأمة للكفار إخبارًا عن جميع الأمة بل قد تواتر عنه أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق

стр. 152

حتى تقوم الساعة» ، وأخبر ﷺ «أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة. وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعته» ، فعلم بخبره الصادق أنه لا بد أن يكون في أمته قوم يتمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضًا، وقوم ينحرفون إلى شعبة من شعب دين اليهود أو إلى شعبة من شعب دين النصارى. وهذا الانحراف يزينه الشيطان. فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلًا. والحكمة: يا عباد الله في النهي عن التشبه بهم والأمر بمخالفتهم ظاهرة، ذلك أن المشابهة لهم في الظاهر تورث تشبهًا بهم في الباطن يقود إلى موافقتهم لا الأخلاق والأعمال. والمخالفة لهم في الظاهر توجب مخالفتهم في الباطن مما يوجب مفارقتهم مفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال. والانعطاف إلى أهل الهدى والرضوان. أيها المسلمون: لقد كثر اليوم في المسلمين التشبه بالكفار في كلامهم ولباسهم وهيئتهم بين الرجال والنساء مما لست أحصيه في مقامي هذا. من ذلكم: ما يفعله الرجال من حلق لحاهم وتغذية شواربهم وإطالة شعور رؤوسهم على شكل ما يفعل الكفار، وقد أمر النبي ﷺ بجز الشارب وإعفاء اللحية وإكرامها وتوفيرها ومخالفة المشركين الذين يحلقون لحاهم ويغذون شواربهم.

стр. 153

فقص الشارب وإعفاء اللحية كما أنه من خصال الفطرة وهدي الأنبياء وهو مخالفة لأعداء الله ورسوله فهو كذلك عين المصلحة فإن قص الشارب فيه النظافة والتحرز مما يخرج من الأنف ولأنه إذا طال تدلى على الشفة فينغمس فيما يتناوله من مشروب ومأكول وفي ذلك ما فيه من التقذر، كما أن طول الشارب فيه تشويه للمنظر وإن استحسنه من لا يعبأ به من الناس، وتوفير اللحية فيه الوقار للرجل والجمال ولهذا يبقى جماله في حال كبره بوجود شعر اللحية، واعتبر ذلك. ممن يعصي الرسول ﷺ فيحلقها كيف يبقى وجهه مشوهًا قد ذهبت محاسنه، ولكن العوائد والتقليد الأعمى يوجبان استحسان القبيح واستقباح الحسن. والذي نقوله لهؤلاء هدانا الله وإياهم: الواجب عليكم التوبة والرجوع إلى الصواب فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل وقد وضحت لكم سنة رسول الله ﷺ وأنتم مأمورون باتباعه والاقتداء به قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فتمسكوا بسنته ولا تغتروا بكثرة المخالفين. ومن الأمور: التي يجري فيها تقليد الكفار التكلم بلغتهم من غير حاجة حتى بين العرب الخلص وفي بلاد العرب، فإن الإنسان إذا أكثر من التكلم بغير العربية اعتاد ذلك وهجر اللسان العربي، وهو شعار الإسلام فاللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية التي في الصلاة والذكر أن يدعى الله أو يذكر بغير العربية. فان الله قد اختار لسان العرب فأنزل به كتابه العزيز وجعله لسان خاتم النبيين محمد ﷺ واعتياد الخطاب بغير العربية التي هي

стр. 154

شعار الإسلام ولغة القرآن لا ريب أنه مكرره فإنه من التشبه بالأعاجم ولأنه يفضي إلى هجر العربية واستبدالها بغيرها، واللغة العربية من الدين وتعلمها فرض واجب لأن فهم الكتاب والسنة فرض. ولا يفهمان إلا بفهم العربية. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وًاما اللغة الأجنبية فيتعلمها المسلم وينطق بها عند الحاجة فقط فإذا لم يكن هناك حاجة فيكره له أن ينطق بها. لكن مع الأسف ادخل في المستشفيات العربية أو المطارات وستجد التخاطب والكتابة بغير العربية حتى كأنك في أوروبا. ومن الأمور: التي يجري تقليد الكفار فيها، تقليدهم لا أمور العبادات كتقليدهم في الأمور الشركية من البناء على القبور وتشييد المشاهد عليها والغلو فيها. وقد قال ﷺ : «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وأخبر أنهم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه الصور وأنهم شرار الخلق. وقد وقع في هذه الأمة من الشرك الأكبر بسبب الغلو في القبور ما هو معلوم لدى الخاص والعام وسبب ذلك تقليد اليهود والنصارى. ومن ذلك تقليدهم في الأعياد الشركية والبدعية كأعياد الموالد - عند مولد الرسول ﷺ وأعياد موالد الرؤساء والملوك. وقد تسمى هذه الأعياد البدعية أو الشركية بالأيام أو الأسابيع - كاليوم الوطني للبلاد، ويوم الأم وأسبوع النظافة - وغير ذلك من الأعياد اليومية والأسبوعية وكلها وافدة على المسلمين من الكفار - وإلا فليس في الإسلام إلا عيدان - عيد الفطر وعيد الأضحى. وما عداهما فهو بدعة وتقليد للكفار - فيجب على المسلمين أن ينتبهوا لذلك ولا يغتروا بكثرة من

стр. 155

يفعله ممن ينتسب إلى الإسلام وهو يجهل حقيقة الإسلام فيقع في هذه الأمور عن جهل أو لا يجهل حقيقة الإسلام ولكنه يتعمد هذه الأمور فالمصيبة حينئذ أشد. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (١) .

стр. 156

[التداوي المشروع والخرافات الباطلة] التداوي المشروع والخرافات الباطلة الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة، وهو الحكيم الخبير، أحمده سبحانه وهو للحمد أهل، وأشكره وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] عباد الله: النفع والضر بيد الله، وليس في استطاعة أي مخلوق أن يمنع الضر إذا أراده الله له، فالأمر كله لله وبيده، إذًا فلا حاجة إلى الالتجاء إلى غيره، في رفع ضر نزل، أو منعه قبل نزوله، ولا في إيصال الخير أو استمراره، فالله هو المدعو المستعان، المرجو لكشف الشدائد وإزالة المكروهات. أيها المسلمون: الإنسان عرضة للأمراض والأسقام، وقد أمرنا بالتداوي، والأخذ بالأسباب المشروعة في إزالة المرض وتخفيفه، ونهينا عن تعاطي الأسباب التي لم تشرع، ولم يؤذن لنا بالأخذ بها، وهي مع ذلك لا تنفع بل تضر، فتعليق التمائم والخرز على الأولاد والدواب، خوفًا من العين تصيبهم، أو المرض يفتك بهم، شرك بالله، واعتماد على غيره، والرسول ﷺ -

стр. 157

نهانا عن ذلك كله، وأخبر أنه لا يزيد متخذه إلا شرًا ومرضًا، وأنه اعتماد على غير الله في دفع الضر، أو جلب الخير. أي فائدة تحصل من خيوط تربط، أو خرز يجمع، أو حلقة توضع في اليد والرجل أو حجاب، أو حروف مقطعة؛ لا خير في ذلك، ولا نفع يِرجى، بل كل ذلك شر وضلال وفساد في الفطر والعقول. «قال الرسول ﷺ وقد رأى رجلًا في يده حلقة من صفر، " ما هذا؟ قال: من الواهنة - مرض معروف عند العرب - قال ﷺ : انزعها لأنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو مت وهي عليك، ما أفلحت أبدًا» ، أخبر ﷺ : أن وضع الحلقة والتعلق عليها، لا ينفعه، بل يزيده مرضًا وضعفًا، وأنه لو مات وهي عليه: لن يحصل له الفوز والفلاح، وصح عنه ﷺ أنه قال: «من تعلق تميمة: فلا أتم اللهّ له، ومن تعلق ودعة: فلا ودع الله له» ، وفِى رواية «من تعلق تميمة فقد أشرك» ، فالنبي ﷺ دعا على المعلق للتمائم والحروز، المعتمد عليها في جلب نفع، أو دفع ضر، أو أنها سبب لذلك، ودعا عليه بأن لا يتم له مقصوده، ولا يبلغ أمنيته، وبأن لا يكون في دعة وسكون وراحة، بل يكون في قلق واضطراب، لأنه اعتمد على غير الله، وخالف أمر الرسول ﷺ ، «جاء جماعة إلى النبي ﷺ ليبايعوه على الإسلام: فبايعهم إلا واحدًا، فقالوا: يا رسول الله بايعتهم إلا هذا فقال إن عليه تميمة فأدخل يده فقطعها فبايعه فقال: " من تعلق تميمة فقد أشرك» ، ودخل حذيفة، ﵁، على مريض يعوده، فلمس عضده، فإذا فيه خيط، فقال: ما هذا؟ فقال: شيء رقي لي فيه، فقطعه

стр. 158

وقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك، أنكر رضى الله عنه على من ربط خيطًا معتقدًا أنه سبب، لا أنه ينفع ويضر بنفسه، فكيف بمن يعتمد على التمائم والطلاسم والحروف المقطعة؟ ، فنحن مأمورون بالاعتماد على الله أولًا وقبل كل شيء ثم الأخذ بالأسباب المشروعة، فكل عمل، وكل سبب لم يؤذن لنا فيه، يجب علينا تركه، والابتعاد عنه، كما يجب علينا أن نربي أولادنا تربية صالحة، وأن نبعدهم عن الأوهام والخرافات، والتعلق على غير الله، وأن نحافظ على فطرهم السليمة التي فطروا عليها، حتى لا يعتمدوا إلا على الله، ولا يلجئوا في الشدائد والملمات إلا إليه وحده، ولا يكون للدجاجلة والمشعوذين بيننا سوق نافقة. وأن نقضي على ما يفسد عقائدنا وفطرنا من الضلالات والأوهام، ونقضي على مروجيها. التمائم التي تعلق إن كانت من غير القرآن، أو أسماء الله وصفاته: فهي شرك بالله، أما إذا كانت من القرآن، أو أسماء الله وصفاته، فهي ممنوعة أيضًا، لأن النهي من الرسول ﷺ عن التمائم عام، ولا مخصص له، ولأن منعها سد لذريعة الشرك وتعليِق غير القرآن؛ ولأن القرآن إذا علق فلا بد أن يمتهن عند قضاء الحاجة، والاستنجاء، وغير ذلك، ولأن القرآن لم ينزل إلا ليكون هدى للناس، وشفاء لما في الصدور، ولم ينزل ليتخذ حجبًا وتمائم، ولا ليتلاعب به المتأكلون به، الذين يشترون به ثمنًا قليلًا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .

стр. 159

[الفصل الثالث العبادات] [أهمية الصلاة وحكمة تشريعها]

стр. 160

أهمية الصلاة، وحكمة تشريعها الحمد لله الذي فرض على عباده الصلوات لحكم عظيمة وأسرار جليلة وجعل هذه الصلوات مكفرات لما بينهن من صغائر الذنوب والأوزار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والعزة والاقتدار وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتقين الأبرار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الأطهار وسلم تسليمًا. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعرفوا ما لله من الحكم العظيمة فيما أمركم به من العبادات وفيما نهاكم عنه من موجبات الإثم والسيئات فإن الله تعالى لم يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم؛ لأنه سبحانه غني عن العالمين وإنما أمركم. بما أمركم به لاحتياجكم إليه وقيام مصالحكم الدينية والدنيوية عليه فالعبادات التي أمر الله بها كلها صلاح للأبدان وصلاح للقلوب وصلاح للأفراد وصلاح للشعوب وإذا صلحت القلوب صلحت الأبدان قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» ، أيها الناس: إنكم محتاجون إلى ربكم ومضطرون إليه ليس بكم غنى عنه طرفة عين فاعبدوه واشكروه وأديموا ذكره وشكره ولقد شرع الله لكم من العبادات ما يقربكم إليه ويستوجب الأجر والثواب، شرع لكم الصلوات الخمس التي تطهر القلوب من الذنوب، وتوصل العبد إلى غاية المطلوب. الصلوات التي هي صلة بين العبد وبين خالقه وفاطره يطهر ظاهره وباطنه، حين يريد الصلاة فيأتي اليها بطهارة الباطن والظاهر ويقف بين يدي ربه خاشعًا خاضعًا لا يلتفت بقلبه ولا بوجهه، قلبه

стр. 161

متصل بالله ووجهه إلى بيت الله فهو متوجه إلى ربه ظاهرًا وباطنًا يتلو كتابه ويتدبر ما يقوله ربه من أوامر ونواهي ويتأمل ما يتلوه من أحسن القصص التي بها المواعظ والاعتبار إذا مرت به أية رحمة طمع في فضل الله فسأل الله من فضله وإذا مرت به أية وعيد خاف من عذاب الله فاستعاذ به منه ثم يركع حانيًا ظهره ورأسه تعظيمًا لله الرب العظيم سبحان ربي العظيم مستحضرًا بذلك عظمة من لانت لعظمته الصعاب وخضعت لعزته الرقاب فيكون معظمًا لله بقلبه ولسانه وجسده بظاهره وباطنه ممتثلًا بذلك أمر ربه ورسوله حيث يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] ويقول سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤] وقال النبي ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم» ، ثم بعد أن يقول ما شاء الله من تعظيم يرفع رأسه مثنيا على ربه حامدًا له على إحسانه الكامل وصفاته العليا فإنه المحمود على كل حال المشكور بكل لسان ثم بعد ذلك يخر ساجدًا واضعًا أعلى جوارحه وأشرف أعضائه على الأرض وجميع أعضائه العاملة: الوجه واليدان والرجلان كلها لاطئة في الأرض ليس فيها شيء عالٍ على شيء وحينئًذ يستحضر من تنزه عن السفول يستحضر علو الرب الأعلى فيقول سبحان ربي الأعلى ينزه ربه عن السفول ويصفه بالعلو المطلق فإنه تعالى عال بذاته عال بصفاته فهو فوق كل شيء وصفاته أعلى الصفات وأكملها ومن أجل هذا التواضع الذي يضع الساجد فيه نفسه تعظيمًا لربه كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فبعد أن يسبح ربه الأعلى يدعو الله تعالى. مما أحب، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فَقمِنٌ (أي حرِيٌ) أن يستجاب لكم» ، وبعد هذا السجود والذل لله يقوم فيجلس جلسة الخاضع واضعًا يديه على فخذيه يسأل ربه المغفرة والرحمة والعافية ويستمر

стр. 162

في صلاته هكذا ما بين قيام وركوع وسجود ثم بعد ذلك يختم صلاته بتعظيم الله ووصفه بما هو أهله: التحيات لله والصلوات والطيبات، ويسلم على نبي الله ثم على نفسه ومن معه ثم على كل عبد صالح في السماء والأرض ثم يعود للصلاة والتبريك على نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم يستعيذ بالله من مضار الدنيا والآخرة، يقول أعوذ باللة من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيخ الدجال، ويدعو بما شاء، فالمصلي أيها المسلمون متنقل في رياض العبادة ما بين قيام وقعود وركوع وسجود وقراءة وذكر ودعاء، قلبه عند ربه في كل هذه الأحوال فأي نعيم أعظم من هذا النعيم وأي حال أطيب من هذه الحال ولهذا كانت الصلاة قرة عيون المؤمنين وروضة أنس المشتاقين وحياه قلوب الذاكرين فتثمر نتائجها العظيمة ويخرج المصلى بقلب غير قلبه الذي دخل به فيها يخرج بقلب ممتلئ نورًا وسرورًا وصدر منشرح للإسلام فسيحًا فيجد نفسه محبًا للمعروف كارهًا للمنكر ويتحقق له قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] عباد الله: إن عبادةً هذه نتائجها وعملًا هذا شأنه لجدير بنا أن نسعى لتحقيقه والعناية به وأن نجعله نصب أعيننا وحديث نفوسنا والله نسأل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته وأن يعيذنا من نزغات الشيطان وصده وأن يجعلنا ممن حقق قول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] إنه جواد كريم (١) .

стр. 163

[الخشوع في الصلاة] الخشوع في الصلاة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله إمام المرسلين، وخاتم النبيين، وسيد الخاشعين صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. أيها الاخوة المؤمنون: يتساءل الكثيرون عن الخشوع في الصلاة وكيف يبلغونه، وما السبيل إلى تحقيقه، ونحن ننقل الولاء الإخوة كلام إمام من أئمة المسلمين من تدبره وحاول إن استطاع كان - بإذن الله - من الذين هم في صلاتهم خاشعون. قال ابن القيم (١) رحمه الله تعالى: وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته والرغبة فيه وإجلاله وتعظمه من الصلاة كحظ القلب الخالي الخراب، فإذا وقف الإثنان بين يدي الله في الصلاة وقف هذا بقلب مخبت خاشع له قريب منه سليم من معارضات السوء، قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة وسطع فيه نور الإيمان، وكشف عنه حجاب النفس، ودخان الشهوات فيرتع في رياض معاني القرآن، وخالط قلبه بشاشة الإيمان بحقائق الأحماء والصفات وعلوها وجمالها وكمالها الأعظم، وتفرد الرب سبحانه بنعوت جلاله وصفات كماله.

стр. 164

فاجتمع همه على الله، وقرت عينه به، وأحس بقربه من الله قربًا لا نظير له ففزع قلبه له، وأقبل عليه بكليته، وهذا الإقبال منه بين إقبالين من ربه فإنه سبحانه أقبل عليه أولا فانجذب قلبه بإقباله، فلما أقبل على ربه حظي منه بإقبال آخر أتم من الأول. وههنا عجيبة من عجائب الأسماء والصفات تحصل لمن تفقه قلبه في معاني القرآن وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعًا من صلاته ومحلًا منها فإذا انتصب قائمًا بين يدي الرب ﵎ شاهد بقلبه قيوميته وإذا قال " الله أكبر " شاهد كبرياءه. وإذا قال: " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك "، شاهد بقلبه ربًا منزهًا عن كل عيب، سالمًا من كل نقص، محمودًا بكل حمد، فحمده يتضمن وصفه بكل كمال وذلك يستلزم براءته من كل نقص تبارك الله، فلا يذكر على قليل إلا كثره، ولا على خير إلا أنماه وبارك فيه، ولا على آفة إلا أذهبها، ولا على الشيطان إلا رده خاسئًا داحرًا، وكمال الاسم من كمال مسماه فإذا كان هذا شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء فشأن المسمى أعلى وأجل، وتعالى جده أي ارتفعت عظمته وجلت فوق كل عظمة وعلا شأنه على كل شأن وقهر سلطانه كل سلطان فتعالى جده أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيته أو في إلهيته أو في أفعاله أو في صفاته كما قال مؤمنو الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣] فكم في هذه الكلمات من تجل لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها وغير المعطل لحقائقها، وإذا قال

стр. 165

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقد آوى إلى ركنه الشديد واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربه ويباعده عن قربه ليكون أسوأ حالًا. فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وقف هنيهة يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله: «حمدني عبدي» فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] انتظر الجواب بقوله: «أثنى عليّ عبدي» فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] انتظر جوابه بقوله «مجدني عبدي» . فيا لذة قلبه وقرة عينه وسرور نفسه بقول ربه: " عبدي " ثلاث مرات، فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات وغيم النفوس لاستطيرت فرحًا وسرورًا بقول ربها وفاطرها ومعبودها «حمدني عبدى» و «أثنى علي عبدي» و «مجدني عبدي» ثم يكون لقلبه مجال من شهود هذه الأسماء الثلاثة التي هي أصول الأسماء الحسنى وهي " الله " و " الرب " و " الرحمن " فشاهد قلبه من ذكر اسم الله ﵎ إلها معبودًا موجودًا مخوفًا لا يستحق العبادة غيره ولا تنبغي إلا له، قد عنت له الوجوه وخضعت له الموجودات وخشعت له الأصوات تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] وكذلك خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلق الجن والإنس والطير والوحش والجنة والنار، وكذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وشرع

стр. 166

الشرائع وألزم العباد الأمر والنهي. وشاهد من ذكر اسمه رب العالمين قيومًا قام بنفسه وقام به كل شيء، فهو قائم على كل نفس بخيرها وشرها، قد استوى على عرشه وتفرد بتدبير ملكه فالتدبير كله بيديه ومصير الأوامر كلها إليه فالتدبيرات نازلة من عنده على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع والخفض والرفع والإحياء والإماتة والتوبة والعزل والقبض والبسط وكشف الكروب وإغاثة الملهوفين وإجابة المضطرين ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا معقب لحكمه ولا راد لأمره ولا مبدل لكلماته تعرج الملائكة والروح إليه وتعرض الأعمال أول النهار وآخره عليه فيقدر المقادير ويوقت المواقيت ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها قائمًا بتدبير ذلك كله وحفظه ومصالحه. ثم يشهد عند ذكر اسم " الرحمن " ﷻ ربًا محسنًا إلى خلقه بأنواع الإحسان متحببًا إليهم بصنوف النعم وسع كل شيء رحمة وعلمًا وأوسع كل مخلوق نعمة وفضلًا فوسعت رحمته كل شيء ووسعت نعمته كل حي فبلغت رحمته ما بلغ علمه فخلق خلقه برحمته وأنزل كتبه برحمته وأرسل رسله برحمته وشرع شرائعه برحمته وخلق الجنة برحمته والنار أيضًا برحمته فإنها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنته ويطهر بها أدران الموحدين من أهل معصيته، وإنها سجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته. فتأمل ما في أمره ونهيه ووصاياه ومواعظه من الرحمة البالغة والنعمة السابغة وما في حشوها من الرحمة والنعمة، فالرحمة هي السبب المتصل منه

стр. 167

بعباده كما أن العبودية هي السبب المتصل منهم به فمنهم إليه العبودية ومنه إليهم الرحمة. وهنا نتوقف لنستكمل بقية معاني بعض فاتحة الكتاب في الأسبوع القادم إن شاء الله. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 168

[بيان بعض الأحكام المتعلقة بالصلاة] بيان بعض الأحكام المتعلقة بالصلاة الحمد لله الذي وعد المحافظين على الصلاة أجرًا عظيمًا، وأعد لهم في جنات الفردوس نعيمًا مقيمًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فأنعم به ربًا رحيمًا كريمًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل المصلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله، وحافظوا على الصلوات وأقيموها في الجمع والجماعات، ولا تضيعوها وتهملوها فتقعوا في المهلكات. قال الله تعالى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] فمن أضاع الصلاة ولم يتب من ذلك لقي الغي في الدنيا والآخرة، والغي هو الخسران المبين، وقال ابن مسعود ﵁ " الغي وادٍ في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم " فمن كان محافظًا عليها فليحمد الله على نعمته ويسأله الثبات على ذلك، ومن لم يكن محافظًا عليها فليتب إلى الله من ذنبه وليرجع إلى ربه قبل أن يزيغ قلبه فيكون من الهالكين. حافظوا عليها بفعل شروطها وأركانها، وواجباتها وسننها، فإذا أتى أحدكم الصلاة فليسبغ الوضوء، ثم ليستقبل القبلة فإن استقبال القبلة لا بد منه في الصلاة قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] ثم يستفتح الصلاة. بما ورد عن النبي ﷺ -

стр. 169

ثم يتعوذ ويقرأ فاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، ووجوبها على الإمام والمأموم والمنفرد لعموم الحديث وعدم المخصص الصحيح، وينبغي للأئمة أئمة المساجد أن يراعوا حال المأمومين في الركعتين بعد التشهد الأول فيتأنوا في قراءة الفاتحة حتى يكملها المأمومون الذين خلفهم. فإذا قرأ الفاتحة قرأ بعدها ما تيسر من القرآن، يكون في المغرب بقصار المفصل غالبًا والسنة أن يقرأ أحيانًا بغير قصار المفصل. مما لا يشق على المأمومين فقد ثبت أن النبي ﷺ قرأ فيها بسورة الأعراف وقرأ فيها بسورة محمد، وقرأ فيها بسورة الطور، وقرأ فيها بسورة المرسلات، ويكون في الفجر من طوال المفصل، ويكون في الظهر والعصر والعشاء من أواسط المفصل إلا أن القراءة في الظهر تكون أطول من قراءة العصر. فإذا فرغ من القراءة ركع وقال " سبحان ربي العظيم " الواجب مرة وأدنى الكمال ثلاث ثم يرفع رأسه قائلًا: " سمع الله لمن حمده " فإذا تم قيامه قال: " ربنا ولك الحمد " وإن كان مأمومًا قال - حين الرفع - " ربنا ولك الحمد ولا يقول: " سمع الله لمن حمده " لقول النبي ﷺ : «فإذا قال (يعني الإمام) : سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد» ثم يسجد على أعضائه السبعة: الجبهة والأنف تبع لها، واليدين، والركبتين وأطراف القدمين، ولا يجوز أن يرفع رجليه عن الأرض، ولا أن يرفع أنفه ولا شيئًا من هذه الأعضاء عن محل سجوده، ولا يجوز أن يسجد بجبهته على كفيه، فأما السجود على المنديل أو غيره من الأشياء المنفصلة عن المصلي فلا بأس به، ولكن تركه أفضل، وأما الأشياء المتصلة به كثوبه وغطاء رأسه فيكره السجود عليه إلا

стр. 170

من حاجة، ويقول في سجوده سبحان ربى الأعلى ولا يجوز للمصلى أن يقرأ القرآن وهو راكع أو ساجد، لحديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: «كشف النبي ﷺ الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: " اللهم هل بلغت (ثلاث مرات) ، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا» «وقال علي بن أبي طالب ﵁: نهاني رسول الله ﷺ عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد» . فأما إذا دعا في سجوده بآية من القرآن وهو لم يقصد القراءة وإنما قصد الدعاء فهذا لا بأس به، مثل أن يقول: ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار أو غيرها من آيات الدعاء فهذا لا بأس به ثم يرفع من السجود فيقول بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها وعليكم بالطمأنينة في الصلاة فإنه لا صلاة لمن لا يطمئن في صلاته (١) . أعوذ بالله من الشيِطان الرجيم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 171

الخطبة الثانية الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتفقهوا في دينكم، واعرفوا حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين. واعلموا أن من أهم ما يجب عليكم معرفته أحكام الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام وعمود الدين، ومن أكثر ما يقع الخلل فيه سجود السهو في الصلاة حيث يجهله كثر من المصلين، فسجود السهو له أسباب وأحكام ومواضع ينبغي لكل مسلم معرفتها حتى يكون على بصيرة من أمره إذا وقع له ذلك، فأسباب سجود السهو إجمالًا ثلاثة: الزيادة والنقص والشك، فأما الزيادة فمتى زاد المصلي في صلاته ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا ركعة كاملة فأكثر وجب عليه سجود السهو ومحله بعد السلام كما وقع ذلك للنبي ﷺ ، قال ابن مسعود ﵁: «صفى النبي ﷺ الظهر خمسًا فقيل له أزيد في الصلاة؟ قال وما ذلك؟ قالوا صليت خمسًا فسجد سجدتين بعدما سلم» ، رواه الجماعة، ومتى علم المصلي بالزيادة وهو في أثناء الزيادة وجب عليه الرجوع عن الزيادة وسجد للسهو. وإذا سلم المصلي قبل تمام الصلاة ناسيًا فذكر قبل أن تمضي مدة طويلة

стр. 172

وجب عليه أن يتمم صلاته، ويسجد للسهو بعد السلام فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة «أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر أو العصر ركعتين ثم سلم فأخبروه بأنه نسي فتقدم وصلى ما بقي من صلاته ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم. » وأما إذا طال الفصل أو أحدث المصلي قبل أن يذكر نقص الصلاة فإنه يعيد الصلاة من أولها، لأنه لا يمكن أن ييني أخر الصلاة على أولها مع طول الفصل، أو انتقاض الطهارة. وأما النقص فمتى نقص المصلي شيئًا من واجبات الصلاة ناسيًا وجب عليه سجود السهو جبرًا لما نقص من صلاته ويكون قبل السلام فإذا نسي التشهد الأول وقام إلى الركعة الثالثة واستتم قائمًا فليمض في صلاته ولا يرجع ثم يسجد سجدتين للسهو قبل السلام فعن عبد الله بن بحينة أن النبي ﷺ «صلى فقام في الركعتين فسبحوا به فمضى في صلاته فلما كان في أخر الصلاة سجد قبل أن يسلم ثم سلم» ، متفق عليه، ومثل ذلك إذا نسي أن يقول " سبحان ربي العظيم " في الركوع أو " سبحان ربي الأعلى " في السجود، أو نسي شيئًا من التكبير غير تكبيرة الإحرام. وأما الشك فإذا شك المصلي كم صلى ثلاثًا أم أربعًا ولم يترجح عنده شيء فليطرح الشك وليبن على ما استيقن وهو الأقل وليتم عليه ثم يسجد سجدتين قبل السلام، قال النبي ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى ثلاثا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم إن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته وإن كان صلى إتمامًا لأربع

стр. 173

كانتا ترغيمًا للشيطان» . رواه أحمد ومسلم، وإذا شك المصلي هل صلى ثلاثًا أو أربعًا وترجح عنده أحد الأمرين بنى عليه وأتم الصلاة على ما ترجح عنده ثم سلم ثم سجد سجدتين بعد السلام لما في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم يسلم ثم يسجد سجدتين» . هذه أيها المسلمون هي الأصول في سجود السهو، وقد تبين منها أن سجود السهو له موضعان موضع قبل السلام وموضع بعده فمواضع سجود السهو بعد السلام ثلاثة، الأول: إذا زاد في صلاته، والثاني: إذا سلم قبل إتمامها وهو من الزيادة في الواقع، الثالث: إذا شك فلم يدر كم صلى وترجح عنده أحد الأمرين وما عدا ذلك فمحله قبل السلام. أيها الناس: إن كثيرًا من المصلين ينكرون سجود السهو بعد السلام ويستغربونه؛ وذلك لأنهم يجهلون هذا الحكم الشرعي الذي يرى بعض العلماء أن ما كان من سجود السهو قبل السلام فهو واجب وما كان بعده فواجب أن يكون بعده، وسبب جهلهم عدم تعلمهم لذلك وعدم العمل به من أئمة المساجد، وأئمة المساجد منهم من لا يدري بذلك ويحسب أن سجود السهو قبل السلام في كل حال، ومنهم من يدري ولكن لا يعمل به بحجة خوف التشويش على المصلين وهذا ليس بعذر في ترك ما أمر به النبي ﷺ ، بل الحق الذي يكون به براءة الذمة ونشر السنة أن يسجد بعد السلام إذا كان موضع السجود بعد السلام حتى يعرف الناس ذلك ويفهموه ويعملوا به ويزول عنهم التشويش ويكون لفاعله أجر من أحيا سنة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ - وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا - يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨] (١) . اللهم اجمع قلوب المسلمين على الاعتصام بكتابك وسنة نبيك، ووحدهم على طاعتك، واهدهم سبلك، وبارك لهم في كتابك، ووفقهم للاقتداء بسنة نبيك إنك على ما تشاء قدير (٢) .

стр. 174

عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

стр. 175

[حكمة تشريع الجمعة والحث على أدائها] حكمة تشريع الجمعة والحث على أدائها الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. أحمده سبحانه وأشكره على حلو نعمه ومر بلواه، وأستغفره وأتوب إليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله سبحانه واعلموا أن ديننا الإسلامي لم يترك شأنًا من شئون الآخرة، ولا أمرا من أمور الدنيا إلا بينه ووضحه، ومهد أصوله وفروعه، وإن من محاسنه - وكله محاسن - مشروعية الاجتماع في يوم الجمعة وفرضيتها على الأعيان ما عدا المرأة والمسافر والصبي والعبد والمريض وسكان البادية. وما أحلاه من اجتماع وأعظمه من شعار تتجلى فيه مظاهر الوحدة، ويتجدد فيه التعارف بين المسلمين، وتستعيد الروح فيه بهجتها وسرورها. هذا اليوم الشريف والعيد المبارك ما طلعت الشمس على يوم أفضل منه ففيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه. يوم دعيت إليه الأمم قبلنا فضلت عنه، وهدانا الله إليه، فاحمدوا الله - أيها المسلمون - وحققوا فيه ما دعاكم الله إليه في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] والمراد بالسعي إلى ذكر الله الذي أمرتم به: هو الاهتمام بصلاة الجمعة، وما تتطلبه، وقصدها بخشوع وطمأنينة. وإياكم والتكاسل عنها فتعرضوا قلوبكم للطبع عليها بطابع قد لا

стр. 176

تسعدون بعده أبدًا، يقول ﷺ : «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونُن من الغافلين» ، وقال: «من ترك ثلاث جمع متهاونًا طبع الله على قلبه» . عباد الله: إن الله شرع في هذا اليوم المبارك من العبادات ما فيه ترويض للنفوس، وتزكية للأرواح وصقل للعقائد، ومحو للذنوب، وتقوية للروابط بينكم، يقول ﷺ : «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين إلا بإذنهما، ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» ، وفي لفظ: «وزيادة ثلاثة أيام» ، وفي حديث آخر: «غسل الجمعة على كل محتلم وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه» ، وإياكم والتشاغل عن سماع خطبة الجمعة فتضيعوا المصلحة التي شرعت من أجلها. ومن ذلك تعاهد المسلمين بالتذكير والتوجيه إلى ما فيه سعادتهم دنيا وأخرى. افتحوا لسماعها الآذان، ووجهوا لها القلوب، وحذار من الكلام والإمام يخطب فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب أو مس الحصى فقد لغى ومن لغى فلا جمعة له» ، وهذا نفي للثواب لا للإجزاء. وفي حديث آخر: «من تكلم والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له أنصت ليست له جمعة» . وإياكم وتخطي رقاب الناس، فقد رأى ﷺ وهو يخطب رجلًا يتخطى رقاب الناس فقال: «اجلس قد آذيت وآنيت» . والمراد بالإيذاء: انتهاكه حرمة

стр. 177

المسلمين بتخطي رقابهم، والمراد بآنيت: أي تأخرت بالمجيء إلى الجمعة، يقول الله وقوله الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠] أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 178

[شهر رمضان وفرضيته وتيسيره] شهر رمضان وفرضيته وتيسيره الحمد الله الذي فرض الصيام على المؤمنين موقوتًا بشهر كريم، وجعل فيه ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وله الخلق والأمر، وله العز والقهر، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الشافع المشفع يوم البعث والحساب، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤] أيها المسلمون: الصيام لله تعالى عبادة فاضلة لا أحد غير المعبود يقدر ثوابها، وشهر رمضان أحد أركان الإسلام الخمسة شرعه الله للعباد رحمة وإحسانًا وحمية وجُنة، وفرض على المؤمنين شهر رمضان وحتم عليهم آداءه بوجه تستيقظ به التقوى في قلوبهم، وتنقمع سَورة الشهوة في نفوسهم، ويدركون معه فوائد الصوم الروحية الأدبية والاجتماعية والصحية، ولهذا قال تعالى في تعقيب الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ومن رحمة البارئ ولطفه وتيسيره على المسلمين أن سهل عليهم صوم شهرهم بعدة أشياء، منها: أنه تعالى أخبرهم أن هذا الصوم الذي فرض عليهم ليس لأول مرة في تاريخ الأديان، ولا بدعًا في التشريع فقال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]

стр. 179

فسبحان الله الملك الحق، فالإنسان إذا عرف أنه إنما كلف بشيء سبق وتقدم وفرض على الطوائف والأمم السابقة هان عليه الأمر وتشجع عليه بل، واجتهد ليكون أحسن في الأداء من غيره، ومنها: أنه تعالى هون عدة الشهر وثقلها عليهم بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فهي تصام تباعًا وتنقضي سراعًا، وصدق الله العظيم، فما نسبة هذا الشهر - الذي لا يصام إلا نهاره - إلى العام الكامل الذي ينقضي في لذة مباحة ومتعة وراحة؟ ولكنها عطية الله الكريم ورحمة الله الرحيم. . ومنها أنه تعالى رخص للشيخ الكبير الهرم والمرأة الكبيرة الهرمة أن يفطرا ويطعما عن كل يوم مسكينًا إذا كانا يجدانه، لقول ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] " إنها ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطع الصوم ". رواه البخاري، ويلحق بهذا المعنى المريض الذي لا يرجى برؤه، كما يلحق به أيضًا الحامل والمرضع إن خافتا على نفسيهما أفطرتا وقضتا وإن خافتا على ولديهما قضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا، والإطعام في هذه الحالة على من تلزمه نفقة الولد. . ومنها: أنه تعالى جعل صيام الشهر موسمًا عالميًا للعبادة والذكر والتلاوة والورع والمغفرة ومضاعفة الأجور، يلتقي على صعيده كل المسلمين في جميع الأقطار، ومن جميع الأجناس، الفقير والغني، الجاهل والعالم، ففي كل بلد، وفي كل قرية وبادية، وفي كل قصر وكوخ: رمضان، فلا افتيات في الرأي ولا فوضى في الاختيار، وإنما الكل يصومون شهرًا واحدًا هو شهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن. ومنها: أنه تعالى أحل للمسلمين بعد غروب الشمس مباشرة النساء والأكل والشرب، سواء نام

стр. 180

العبد أو لم ينم، وكان في أول فرض الصوم يحرم عليهم الأكل والشرب والجماع بعد النوم، فحصلت المشقة لبعضهم، فخفف الله عنهم ذلك وأباح لهم في ليالي الصوم كلها الأكل والشرب ومباشرة النساء فقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] كل ذلك وغيره مما خفف الله تعالى به على المؤمنين، فهنيئًا لهم على صيام شهرهم، وهنيئًا لهم على تيسير ربهم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] والصوم هو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وتوابعها بنية خالصة لله من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وتمامه وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات، لقول رسول الله ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» . وكان فرض الصوم في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله ﷺ وقد صام تسع رمضانات، ويجب صوم رمضان بأحد أمرين: إما برؤية الهلال لقول الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإما بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا لقول رسول الله ﷺ : «فإن غم عليكم فأكملوا عدة
следующие страницы →