← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30929

خطب مختارة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (296 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تسعدون بعده أبدًا، يقول ﷺ : «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونُن من الغافلين» ، وقال: «من ترك ثلاث جمع متهاونًا طبع الله على قلبه» . عباد الله: إن الله شرع في هذا اليوم المبارك من العبادات ما فيه ترويض للنفوس، وتزكية للأرواح وصقل للعقائد، ومحو للذنوب، وتقوية للروابط بينكم، يقول ﷺ : «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين إلا بإذنهما، ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» ، وفي لفظ: «وزيادة ثلاثة أيام» ، وفي حديث آخر: «غسل الجمعة على كل محتلم وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه» ، وإياكم والتشاغل عن سماع خطبة الجمعة فتضيعوا المصلحة التي شرعت من أجلها. ومن ذلك تعاهد المسلمين بالتذكير والتوجيه إلى ما فيه سعادتهم دنيا وأخرى. افتحوا لسماعها الآذان، ووجهوا لها القلوب، وحذار من الكلام والإمام يخطب فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب أو مس الحصى فقد لغى ومن لغى فلا جمعة له» ، وهذا نفي للثواب لا للإجزاء. وفي حديث آخر: «من تكلم والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له أنصت ليست له جمعة» . وإياكم وتخطي رقاب الناس، فقد رأى ﷺ وهو يخطب رجلًا يتخطى رقاب الناس فقال: «اجلس قد آذيت وآنيت» . والمراد بالإيذاء: انتهاكه حرمة

стр. 177

المسلمين بتخطي رقابهم، والمراد بآنيت: أي تأخرت بالمجيء إلى الجمعة، يقول الله وقوله الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠] أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 178

[شهر رمضان وفرضيته وتيسيره] شهر رمضان وفرضيته وتيسيره الحمد الله الذي فرض الصيام على المؤمنين موقوتًا بشهر كريم، وجعل فيه ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وله الخلق والأمر، وله العز والقهر، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الشافع المشفع يوم البعث والحساب، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤] أيها المسلمون: الصيام لله تعالى عبادة فاضلة لا أحد غير المعبود يقدر ثوابها، وشهر رمضان أحد أركان الإسلام الخمسة شرعه الله للعباد رحمة وإحسانًا وحمية وجُنة، وفرض على المؤمنين شهر رمضان وحتم عليهم آداءه بوجه تستيقظ به التقوى في قلوبهم، وتنقمع سَورة الشهوة في نفوسهم، ويدركون معه فوائد الصوم الروحية الأدبية والاجتماعية والصحية، ولهذا قال تعالى في تعقيب الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ومن رحمة البارئ ولطفه وتيسيره على المسلمين أن سهل عليهم صوم شهرهم بعدة أشياء، منها: أنه تعالى أخبرهم أن هذا الصوم الذي فرض عليهم ليس لأول مرة في تاريخ الأديان، ولا بدعًا في التشريع فقال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]

стр. 179

فسبحان الله الملك الحق، فالإنسان إذا عرف أنه إنما كلف بشيء سبق وتقدم وفرض على الطوائف والأمم السابقة هان عليه الأمر وتشجع عليه بل، واجتهد ليكون أحسن في الأداء من غيره، ومنها: أنه تعالى هون عدة الشهر وثقلها عليهم بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فهي تصام تباعًا وتنقضي سراعًا، وصدق الله العظيم، فما نسبة هذا الشهر - الذي لا يصام إلا نهاره - إلى العام الكامل الذي ينقضي في لذة مباحة ومتعة وراحة؟ ولكنها عطية الله الكريم ورحمة الله الرحيم. . ومنها أنه تعالى رخص للشيخ الكبير الهرم والمرأة الكبيرة الهرمة أن يفطرا ويطعما عن كل يوم مسكينًا إذا كانا يجدانه، لقول ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] " إنها ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطع الصوم ". رواه البخاري، ويلحق بهذا المعنى المريض الذي لا يرجى برؤه، كما يلحق به أيضًا الحامل والمرضع إن خافتا على نفسيهما أفطرتا وقضتا وإن خافتا على ولديهما قضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينًا، والإطعام في هذه الحالة على من تلزمه نفقة الولد. . ومنها: أنه تعالى جعل صيام الشهر موسمًا عالميًا للعبادة والذكر والتلاوة والورع والمغفرة ومضاعفة الأجور، يلتقي على صعيده كل المسلمين في جميع الأقطار، ومن جميع الأجناس، الفقير والغني، الجاهل والعالم، ففي كل بلد، وفي كل قرية وبادية، وفي كل قصر وكوخ: رمضان، فلا افتيات في الرأي ولا فوضى في الاختيار، وإنما الكل يصومون شهرًا واحدًا هو شهر رمضان، الذي أنزل فيه القرآن. ومنها: أنه تعالى أحل للمسلمين بعد غروب الشمس مباشرة النساء والأكل والشرب، سواء نام

стр. 180

العبد أو لم ينم، وكان في أول فرض الصوم يحرم عليهم الأكل والشرب والجماع بعد النوم، فحصلت المشقة لبعضهم، فخفف الله عنهم ذلك وأباح لهم في ليالي الصوم كلها الأكل والشرب ومباشرة النساء فقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] كل ذلك وغيره مما خفف الله تعالى به على المؤمنين، فهنيئًا لهم على صيام شهرهم، وهنيئًا لهم على تيسير ربهم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] والصوم هو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع وتوابعها بنية خالصة لله من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وتمامه وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات، لقول رسول الله ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» . وكان فرض الصوم في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله ﷺ وقد صام تسع رمضانات، ويجب صوم رمضان بأحد أمرين: إما برؤية الهلال لقول الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإما بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا لقول رسول الله ﷺ : «فإن غم عليكم فأكملوا عدة

стр. 181

شعبان ثلاثين يومًا» ، ولا عبرة لمنازل القمر مرتفعة أو منخفضة، ولا لكبر الأهلة وصغرها في دخول الشهر أو خروجه، فالمغارب تختلف باختلاف المطالع وسير الكواكب في الفلك، ولم يرد أن رسول الله ﷺ حكم بمنازل القمر وكبر الأهلة، أو احتاط بها في وجوب الصوم أو الفطر، وإنما الذي صح عنه فعلًا وأمرًا قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» ، وينبغي للعبد أن يتلقى هذا الشهر الشريف بالحمد والشكر والثناء على الله وبالقبول والفرح والتهاني، والاهتمام بأداء حقوق الصوم، فيعمر نهاره بالصيام وتلاوة القرآن وليله بالقيام والدعاء والتضرع، وكان رسول الله ﷺ يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان، فيقول: «قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم» . نسأل الله أن لا يحرمنا هذا الخير ونرجوه فضل هذه الليلة المباركة أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 182

[فضل ليلة القدر وقيام الليل] فضل ليلة القدر وقيام الليل الحمد لله الذي من على عباده بمواسم الخيرات ووفق من شاء منهم لاغتنام هذه المواسم بفعل الخيرات وخذل من شاء منهم فكان حظه التفريط والخسران وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأرض والسموات وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل الخلق أجمعين صلى الله عليه وعلى اله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان مدى الدهور والسنين وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس، اتقوا الله تعالى واغتنموا مواسم الخير بعمارتها بما يقرب إلى ربكم واحذروا من التفريط والإضاعة فستندمون على تفريطكم وإضاعتكم، إخواني: من لم يربح، في هذا الشهر الكريم ففي أي وقت يربح ومن لم ينب فيه إلى مولاه ففي أي وقت ينيب؟ ومن لم يزل متقاعدًا عن الخيرات ففي أي وقت تحصل له الاستقامة والفلاح، فبادروا يرحمكم الله فرص هذا الشهر قبل فواتها واحفظوا نفوسكم عما فيه شقاؤها وهلاكها، ألا وإن شهركم الكريم قد أخذ بالنقص والاضمحلال وشارفت لياليه وأيامه الثمينة على الانتهاء فتداركوا أيها المسلمون ما بقي منه بالأعمال الصالحة، وبادروا بالتوبة من ذنوبكم لذي العظمة والإكرام واعلموا أن الأعمال بالخواتيم فأحسنوا الختام، لقد مضى من هذا الشهر الكريم الثلثان وبقي منه الثلث وهي هذه العشر فاغتنموها بالعزائم الصادقة وبذل المعروف والإحسان وقوموا في دياجيها لربكم خاضعين ولبره وخيراته راجين ومؤملين ومن عذابه وعقابه مستجيرين مستعيذين فإنه تعالى أكرم الأكرمين وأرحم

стр. 183

الراحمين وهو الذي يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] وهو الذي ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيعرض على عباده الجود والكرم والغفران يقول: «من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» ، وفي هذه العشر ليلة القدر المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ويقدر فيها ما يكون في تلك السنة بإذن الله ، تنزل فيها الملائكة من السماء وتكثر فيها الخيرات والمصالح والنعماء من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن فرط فيها وحرم خيرها فهو الملوم والمحروم أبهمها الله تعالى في هذه العشر فلم يبين عينها ليتزود الناس في جميع ليالي العشر من التهجد والقراءة والإحسان وليتبين في ذلك النشيط في طلب الخيرات من الكسلان فإن الناس لو علموا عينها لاقتصر أكثرهم على قيام تلك الليلة دون ما سواها ولو علموا عينها ما حصل كمال الامتحان في إعلاء الهمة وإدنائها فاطلبوها رحمكم الله بجد وإخلاص واسألوا الله فيها الغنيمة من البر والخيرات والسلامة من الإفلاس فإذا مررتم بآية رحمة فاسألوا الله من فضله وإذا مررتم بآية وعيد فتعوذوا بالله من عذابه وأكثروا في ركوعكم من تعظيم ذي العظمة والجلال وأما السجود فاجتهدوا فيه بعد التسبيح بالدعاء بما تحبون فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ويجوز للإنسان أن يدعو لنفسه ولوالديه وذريته وأقاربه ومن أحب من المسلمين وأطيلوا القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين لتتناسب أركان الصلاة من القيام والركوع

стр. 184

والجلوس والسجود، والقيام بعد الركوع محل حمد وثناء فأكثروا فيه من الحمد والثناء، والجلوس بين السجدتين محل دعاء بالمغفرة والرحمة فأكثروا فيه من الدعاء وافتتحوا قيام الليل بركعتين خفيفتين، لأن الشيطان يعقد على قافية العبد إذا نام ثلاث عقد فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة فإذا تطهر انحلت الثانية وإذا صلى انحلت الثالثة ولكن إذا جاء أحدكم المسجد وقد أقام الإمام فليدخل معه ولو لم يفتتح القيام بركعتين خفيفتين لأن متابعة الإمام أهم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ - لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ - تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ - سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ووفقني وإياكم لما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم (١) .

стр. 185

[الزكاة ومكانتها] الزكاة ومكانتها الحمد لله حق حمده والصلاة على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن تبعه واهتدى بهديه إلى يوم لقاه. أما بعد: أيها الناس: اتقوا الله واعلموا أن المؤمن لا يكون مؤمنًا حقًا حتى يخضع لأوامر الله وينقاد لها، وقد فرض الله عليكم فرائض بإقامتها سعادتكم، فرض عليكم الزكاة، وفرض على كل مسلم قادر مالك للنصاب، مستوف للشروط القيام بها في كل عام. وللزكاة فوائد كبيرة لا تخفى، فمنها: تأليف قلوب الأغنياء للفقراء، وسد حاجتهم وخلتهم، والحيلولة بينهم وبين الانحراف وارتكاب الجرائم أو أن تمتد أيديهم إلى أموال الناس أو إلى أنفسهم. إن الزكاة تزكية وتطهير للمال وللمزكي نفسه، ولمن يقبل الزكاة ويأخذها من الفقراء وتزكية للمجتمع الذي يؤدي أغنياؤه زكاة أموالهم. أما تزكيتها للمال: فهي تنميه وتربيه وتطهره وتؤدي إلى البركة فيه، وأما تزكيتها وتطهيرها لنفس المزكي فإنها تطهرها من البخل والشح وعبادة المال التي هي إشراك بالله . وأما تزكيتها لنفس الفقير، فهي تطهرها من الحقد والغل والحسد والتطلع إلى ما في أيدي الآخرين وتحول بينها وبين الوقوع في حبائل الشيطان وارتكاب الجرائم.

стр. 186

وهي بالتالي طهارة للمجتمع كله. . . فيا صاحب المال: لا تبخل بمالك فإن الذي أعطاك إياه، لو شاء لنزعه منك. يا صاحب المال: إن الله هو الغني الحميد، وقد من عليك بأن جعل يدك العليا، ويد غيرك السفلى، فاشكر نعمة الله عليك لتدوم لك، ولتظل يدك العليا. أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالًا، فإن الله وعد المنفق بالخلف، ووعد الله لا يُخلَف. يا صاحب المال: إن المال نعمة من الله عليك، إن شكرتها زادت، وإن كفرتها هلكت وبادت. يا صاحب المال: إن رحمة الله قريب من المحسنين، فاحفظ مالك بأداء حق الفقراء فيه، فإن الفقير إذا لم يدفع له حقه: اندفع إلى الشر، وإن المجتمع الذي تظهر فيه الجريمة، ويفشو فيه المنكر، ويفقد فيه الأمن والاستقرار: لا يمكن أن يُنمى فيه مال، ولا يمكن أن يزاد فيه رزق، بل إنه يسير من حياة ضنك إلى حياة أشد ضنكًا منها. يا صاحب المال: لقد جرت سنة الله في خلقه أنهم إذا جادوا جاد عليهم وإذا بخلوا فمنعوا الزكاة حبس عنهم الأمطار، وأغلى عليهم الأسعار، فاستنزلوا رحمة الله بالجود والكرم، فإن الله جواد كريم يحب الجواد الكريم، وأنه بكم رؤوف رحيم. لقد جاءت السنة النبوية المطهرة تحذر مانع الزكاة، وتنذر بالعذاب

стр. 187

الأليم، يقول ﵊: «ما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة» ، إن مانع الزكاة يوم القيامة في النار. إنه يعذب بما كنز من مال الله الذي أعطاه ومنع حقه. . . ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من رجل يموت ويترك غنمًا أو إبلًا أو بقرًا لم يؤد زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، حتى تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها حتى يقضى بين الناس، كلما نفدت أخراها عاد عليه أولاها» . مانع الزكاة يصور له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع، أي ثعبانًا كبيرًا يطوقه، ففي الحديث الشريف: «ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله، إلا مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع يطوق به عنقه» . . ". قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨٠] مانع الزكاة يصفح ماله يوم القيامة صفائح من نار يكوى بها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥] مانع الزكاة معدود في المنافقين، لحديث البزار: «ظهرت لهم الصلاة فقبلوها وخفيت لهم الزكاة فأكلوها، أولئك هم المنافقون» .

стр. 188

مانع الزكاة ملعون لحديث الأصبهاني: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والواشلة والمستوشمة، ومانع الصدقة والمحلل والمحلل له» . . ". مانع الزكاة ليس بمسلم بالمعنى الذي يريده الله تعالى وإن زعم أنه مسلم لحديث مسلم في صحيحه «من أقام الصلاة، ولم يؤت الزكاة فليس بمسلم ينفعه عمله» . مانع الزكاة يخشى عليه أن يعد في المشركين يلحقه الويل كما لحقهم. . قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ - الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧] مانع الزكاة لا يشفع له محمد ﵊ يوم القيامة لحديث الصحيحين «لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول يا رسول الله: أغثني، فأقول لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك» . ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى - وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى - وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى - وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى - فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى - وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى - إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى - وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى - فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى - لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى - الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى - وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ٥ - ٢١] ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ - قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ - وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ - وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ - وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ - حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ - فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٨]

стр. 189

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 190

[الحج] الحج الحمد لله الذي أكمل لهذه الأمة شرائع الإسلام، وفرض على المستطيع منهم حج البيت الحرام، ورتب على ذلك جزيل الفضل والإنعام، ووعد من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق بأن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، نقيًا من الآثام، وذلك هو الحج المبرور الذي لم يجعل الله له جزاء إلا الجنة دار السلام. أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا هو الملك القدوس السلام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أفضل من صلى وحج وزكى وصام صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام وعلى التابعين لهم بإحسان ما تعاقبت الليالي والأيام، وسلم تسليمًا كثيرًا. أيها الأخوة المؤمنون: اتقوا الله واحمدوه أن أكمل لكم الدين، وأتم عليكم النعمة، وإن مما أنعم الله علينا به أن أمرنا بالحج، ويسر لنا سبله، لقد كانت فريضة الحج في سالف الأزمان فريضة شاقة، لها أعباء وتكاليف، لا يطيقها إلا القليلون، تترتب عليها كثير من المشاق في الأموال والأبدان، ويتحمل الحاج كثيرًا من الأخطار، أما في أيامنا هذه فقد يسر الله الأمر تيسيرًا وجعله بفضله ونعمته أمرًا هينًا، وسفرًا يسيرًا، فًاصبح المرء يصل إلى البيت الحرام بنفقات يسيرة، وسبل كثيرة وفيرة، فهناك الطائرات في أجواء السماء وهناك البواخر تمخر عباب البحار، وهناك السيارات التي تطوى الفيافي والقفار، وكل هذه الوسائل نعم من الله سبحانه

стр. 191

وتعالى على الناس، وعلى الناس أن يشكروا نعم الله عليهم، وأن يغتنموا هذه الفرص لزيادة الخير وأداء الفرائض والتزود بالتقوى. إن الله قد فرض الحج على المسلمين إذا ما اكتملت في المسلم شروط أولها: البلوغ وثانيها: العقل، وثالثها: الاستطاعة بالمال والبدن. فمن لم يكن بالغًا أو كان معتوهًا، أو ناقص الاستطاعة في ماله أو في صحته فلا حج عليه لأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وأما المدين، الذي له مال، ولكن عليه ديونًا كذلك فإنه يقضي ديونه أولًا ثم يحج بعد ذلك، لأن براءة الذمة أهم. وإن عجز الإنسان عن الحج وعنده مال، ومرضه لا يرجى برؤه، فله أن ينيب عنه من يحج، فمن تقدمت به السن أو أقعده المرض، بحيث لم يعد قادرًا على أداء الحج، ولديه مال، جاز له أن ينيب امرءًا عنه، يخرج من بلده بماله ليؤدي عنه هذه الفريضة. وأما المرأة، فيضاف إلى ما ذكرنا من الشروط أن يكون لها محرم يستطع أن يرافقها حتى تعود إلى منزلها، والمحرم إما أن يكون زوجًا أو أخًا أو ولدًا أو أبًا أو جدًا أو نحوه، لقوله ﵊: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم "، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : " انطلق فحج مع امرأتك» .

стр. 192

والمحرم كما قلنا هو من تحرم عليه المرأة تحريمًا مؤبدًا بنسب أو رضاع أو مصاهرة، كالأب والابن والجد والأخ وابن الأخ، وابن الأخت والعم والخال من نسب أو رضاع، ومثل أب الزوج - وإن علا - وابنه - وإن نزل - وزوج البنت - وإن نزل - وزوج الأم - وإن علت - لكن زوج الأم لا يكون محرمًا لبنتها حتى يطأ الأم فكل هؤلاء محارم للمرأة. والحكمة في وجوب اصطحاب المحرم للمرأة حفظها، وصيانتها، ورعاية شؤونها أثناء السفر. ومن تعذر عليها أن تجد محرمًا، جاز لها أن تخرج بصحبة نسوة أي مجموعة من النساء الثقات. وأما صفة أداء الحج والعمرة، فلا بد للمسلم أن يعرفها، ليستطيع أن يؤدي حجه وعمرته على الوجه الأكمل. وأول هذه الأمور أن يعرف المسلم أنه خارج لأداء فريضة من أهم الفرائض وركن من أهم الأركان، فعليه ألا يخالط محرمًا، ولا يرتكب معصية، وعليه أن يطهر قلبه، كما يطهر بدنه، وعليه أن تكون نفقته مالًا حلالًا طيبًا طاهرًا لا يخالطه حرام، وعليه أن يحرص على الصلاة وأدائها بشروطها جماعة، وفي المساجد كلما أمكن ذلك. وعليه أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة من السخاء والكرم وطلاقة الوجه، والصبر على الآلام وتحمل الناس، وعدم إيذاء أحد. فإذا وصل الميقات المؤقت لأهل بلده، فعليه أن يغتسل ويتطيب في

стр. 193

بدنه ورأسه ولحيته، ثم يحرم بالعمرة متمتعًا، سائرًا إلى مكة ملبيًا، فإذا بلغ البيت الحرام، فليطف سبعة أشواط بنية طواف العمرة، وجميع المسجد الحرام مكان للطواف، اقترب من الكعبة أو ابتعد، لكن القرب منها أفضل، إذا لم يتأذ بالزحام، ولم يؤذ سواه. فإذا وجد زحامًا فعليه أن يبعد، والأمر واسع ولله الحمد، فإذا فرغ من الطواف فليصل ركعتين خلف مقام إبراهيم، إن تيسر له ذلك، وإلا يصلي في أي مكان من الحرم. ثم ليخرج بعد ذلك لأداء سعي العمرة، فيبدأ بالصفا، فإذا أكمل الأشواط السبعة فعليه أن يقصر من رأسه من جميع الرأس، ولا يجزي التقصير من جانب واحد ولا يغتر بفعل الكثير من الناس. وينبغي أن يحفظ جوارحه وذهنه وفكره عن كل معصية وعن كل ما يخل بحجه. فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة، فعلى الحاج أن يغتسل ويتطيب ويحرم بالحج من مكان النزول ثم ليخرج إلى منى، وليصل بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وفجر يوم عرفة قصرًا من غير جمع، لأن رسول الله ﷺ كان يقصر بمنى، وفي مكة ولا يجمع. فإذا طلعت شمس يوم عرفة فليسر إلى عرفة ملبيًا، خاشعًا لله، ثم ليجمع بعد ذلك الظهر والعصر جمع تقديم ركعتين ركعتين لكل من الظهر والعصر ثم ليتفرغ بعد ذلك للدعاء والابتهال إلى الله، وليحرص أن يكون على طهارة طيلة الوقت وليستقبل القبلة، وليجعل الجبل خلفه، فالمشروع استقبال القبلة، ولينتبه الحاج جيدًا لحدود عرفة، وعلاماتها، فإن كثيرًا من الحجاج يقفون دونها، أو بعيدًا منها، ومن لم يقف بعرفة فلا حج له، لقوله

стр. 194

عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة» . ومن وجد في عرفة، فله أن يقف في أي موضع منها إلا بطن الوادي، وادي عرنة لقول النبي ﷺ : «وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف» . فإذا غربت شمس يوم عرفة، وتحقق المسلم من الغروب فليدفع إلى مزدلفة ملبيًا خاشعًا ملتزمًا بالسكينة والوقار ما أمكن، كما أمر بذلك رسول الله ﷺ حين كان ينادي بأصحابه: «أيها الناس السكينة السكينة ". فإذا وصل مزدلفة، فليصل بها المغرب والعشاء ثم ليبت بها إلى الفجر» . ولم يرخص النبي ﷺ لأحد بالدفع من مزدلفة قبل الفجر إلا للضعفة، فمن كان ضعيفًا أو واهنًا أو مريضًا أو ذا حاجة فله أن يدفع في آخر الليل. فإذا صلى الحاج في مزدلفة فليتجه إلى القبلة وليكبر الله وليحمده، وليدعه حتى يسفر جدًا، ثم يسير قبل طلوع الشمس إلى منى، ثم يلقط سبع حصيات، وليذهب إلى جمرة العقبة وهى الأخيرة التي تلي مكة، وليرمها بعد طلوع الشمس بسبع حصيات، يكبر الله مع كل حصاة خاضعًا معظمًا له. فالمقصود من الرمي تعظيم الله وإقامة ذكره، وعليه أن يسقط الحصاة في الحوض، وليس عليه أن يضرب العمود المنصوب هناك، فإذا فرغ من رمي الجمرة فليذبح هديه إن كان قد ساق الهدي، ولا يجزي في الهدي إلا ما يجزي في الأضحية ولا بأس أن يوكل شخصًا في الذبح، ثم ليحلق رأسه بعد الذبح ويجب حلق جميع الرأس، ولا يجوز حلق بعضه دون بعض، والمرأة تقصر من شعرها بقدر أنملة وبذلك يكون قد حل التحلل الأول.

стр. 195

فله أن يلبس، ويقص أظفاره، ويتطيب وليس له أن يأتي النساء. فإذا نزل قبل صلاة الظهر إلى مكة، طاف طواف الإفاضة الذي هو طواف الحج، وسعى ثم رجع إلى منى، فبهذا الطواف والسعي بعد الرمي والحلق والذبح يكون قد تحلل التحلل الأخير، وجاز له كل شيء بما في ذلك النساء. أيها الأخوة المسلمون: إن الحاج يفعل يوم العيد أربعة أنساك: رمي الجمرة ثم النحر، ثم الحلق ثم الطواف والسعي، وهذا هو الترتيب الأكمل، ولكن لو قدم بعضها على بعض كأن حلق قبل الذبح مثلًا فلا حرج. ولو أخر الطواف والسعي حتى ينزل من منى فلا حرج، ولو أخرَ الذبح، فذبح بمكة في اليوم الثالث عشر فلا حرج، لا سيما مع الحاجة والمصلحة، وليبت ليلة الحادي عشر بمنى، فإذا زالت الشمس فليرم الجمرات الثلاث، مبتدئًا بالأولى ثم الوسطى، ثم العقبة، كل واحدة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة. ووقت الرمي في يوم العيد للقادر من طلوع الشمس، وللضعيف من آخر الليل وآخره إلى غروب الشمس، ووقته فيما بعد العيد من الزوال إلى غروب الشمس ولا يجوز قبل الزوال إلا عند بعض العلماء. ويجوز الرمي في الليل إذا كان الزحام شديدًا في النهار، ومن لم يستطع الرمي لنفسه لصغر أو كبر أو مرض فله أن يوكل من يرمي عنه، ولا بأس أن يرمي الوكيل عن نفسه، وعمن وكله في مقام واحد، لكن يبدأ بالرمي لنفسه فإذا رمى اليوم

стр. 196

الثاني عشر فقد انتهى الحج وهو بالخيار بعد ذلك إن شاء تعجل ونزل، وإن شاء بات ليلة الثالث عشر، وليرم الجمار الثلاث بعد الزوال وهذا أفضل لأنه فعل النبي ﷺ . فإذا أراد الخروج من مكة، فليطف طواف الوداع. وأما الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، ولا يشرع لهما المجيء إلى باب المسجد والوقوف عنده. هذه صفة الحج كما شرعها الله وكما أمر بها. فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا، قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ - لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ - ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٩] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

стр. 197

[وداع العام] وداع العام الحمد لله الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب والحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ومنه المبتدأ وإليه المنتهى والمآب وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل من تعبد لله وأناب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الحساب، وسلم تسليمًا. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى وتبصروا في هذه الأيام والليالي فإنها مراحل تقطعونها إلى الدار الآخرة حتى تنتهوا إلى آخر سفركم، وكل يوم يمر بكم فإنه يبعدكم من الدنيا ويقربكم من الآخرة، فطوبى لعبد اغتنم فرصها بما يقرب إلى مولاه، طوبى لعبد شغلها بالطاعات وتجنب العصيان، طوبى لعبد اتعظ بما فيها من تقلبات، طوبى لعبد استدل بتقلباتها على ما لله فيها من الحكم البالغة والأسرار: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤] إخواني: ألم تروا إلى هذه الشمس كل يوم تطلع من مشرقها وتغرب في مغربها وفي ذلك أعظم الاعتبار فإن طلوعها ثم غيوبها إيذان بأن هذه الدنيا ليست دار قرار وإنما هي طلوع ثم غيوب ثم زوال، ألم تروا إلى هذه الشهور تهل فيها الأهلة الصغيرة كما يولد الأطفال، ثم تنمو رويدًا رويدًا كما تنمو الأجسام، حتى إذا تكامل نموها أخذت بالنقص

стр. 198

والاضمحلال، وهكذا عمر الإنسان سواء فاعتبروا يا أولي الأبصار، ألم تروا إلى هذه الأعوام تتجدد عامًا بعد عام، فإذا دخل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نظر البعيد، ثم تمر به الأيام سراعًا فينصرم العام كلمح البصر، فإذا هو في آخر العام وهكذا عمر الإنسان يتطلع إلى آخره تطلع البعيد فإذا به قد هجم عليه الموت ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] ربما يؤمل الإنسان بطول العمر، ويتسلى بالأماني، فإذا بحبل الأمل قد انصرم، وبناء الأماني قد انهدم. أيها الناس: إنكم في هذه الأيام تودعون عامًا ماضيًا شهيدًا، وتستقبلون عامًا مقبلًا جديدًا، فليت شعري ماذا أودعتم في العام الماضي وماذا تستقبلون به العام الجديد، فليحاسب العاقل نفسه ولينظر في أمره فإن كان قد فرط في شيء من الواجبات فليتب إلى الله وليتدارك ما فات وإن كان ظالمًا لنفسه بفعل المعاصي والمحرمات فليقلع عنها قبل حلول الأجل والفوات، وإن كان ممن منّ الله عليه بالاستقامة فليحمد الله على ذلك وليسأله الثبات عليها إلى الممات. إخواني: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، وليست التوبة مجرد قول باللسان من غير تخلٍّ، إنما الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وإنما التوبة ندم على ما مضى من العيوب وإقلاع عما كان عليه من الذنوب وإنابة إلى الله بإصلاح العمل ومراقبة علام الغيوب، فحققوا أيها المسلمون الإيمان والتوبة فإنكم في زمن الإمكان.

стр. 199

وعظ النبي ﷺ رجلًا فقال: «اغتنم خمسًا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك» ، ففي الشباب قوة وعزيمة فإذا هرم الإنسان وشاب ضعفت القوة وفترت العزيمة وفي الصحة نشاط وانبساط فإذا مرض الإنسان انحط نشاطه وضاقت نفسه وثقلت عليه الأعمال وفِى الغنى راحة وفراغ فإذا افتقر الإنسان اشتغل بطلب العيش لنفسه والعيال وفي الحياة ميدان فسيح لصالح الأعمال فإذا مات العبد انقطعت عنه أوقات الإمكان، عباد الله اعتبروا ما بقي من أعماركم بما مضى منها واعلموا أن كل آت قريب وأن كل موجود منكم زائل فقيد، فابتدروا الأعمال قبل الزوال. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ - هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣ - ٦] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 200

[الفصل الرابع الأخلاق والسلوك] [مقابلة السيئة بالحسنة والمودة بين المسلمين]

стр. 201

مقابلة السيئة بالحسنة والمودة بين المسلمين الحمد لله الذي وعد على مقابلة الإساءة بالإحسان خير الجزاء. أحمده سبحانه على السراء والضراء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا ﷺ عبده ورسوله، خاتم الرسل وأفضل الأنبياء. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد فيا عباد الله: إن كل إساءة تقابل بالإحسان سوف يكون له الأثر الطيب في محو أثرها، ومعالجة ما أحدثته من صدع وجفاء ومن أجل ذلك وجه رب العزة عباده إلى اتباع السيئة بالحسنة فقال عز من قائل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] وقال أيضًا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ولقد جاء في تفسيرها إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك حتى يصير كأنه ولي لك حميم أي قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك، ومقابلة السيئة بالحسنة مرتبة عظيمة لا يرتقي إليها من عباد الله إلا من امتلك زمام نفسه وقسرها على ذلك. إذ فيه خيره وسعادته في الآجلة والعاجلة وصلاح مجتمعه. ولقد تركز في النفوس غريزة حب الانتقام والتشفي والانتصار للنفس، فمن خالف هواه وأخذ بتوجيه مولاه وقابل السيئة بالحسنة دخل في إطار من ارتفع به رب العزة إذ يقول في معرض المدح والإشادة

стр. 202

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥] أي ما يرتقي إلى هذه المرتبة العظيمة إلا من صبر على كظم الغيظ واحتمال المكروه ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] أي ذو حظ وافر من السعادة في الدنيا والآخرة. أما السعادة في الدنيا فبائتلاف القلوب على محبة صاحب هذا الخلق العظيم ورعاية مصالحه والعطف عليه؛ فلا يكاد يجد له عدوا يكيد له أو يتربص به الدوائر، وتلك سعادة يحلم بها كل من عاش على الغبراء في قطع مرحلة الحياة. أما السعادة في الآخرة فلقد فسر بعض السلف الحظ العظيم في الآية بالجنة أي لا يرتقي إلى هذا الخلق العظيم إلا من وجبت له الجنة وحسبكم يا عباد الله بالجنة غاية كريمة وسعادة، وصفها الرب الكريم بعد أن عرض صفات المحسنين وما تخلقوا به من الخلق العظيم فقال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦] وعلى العكس من صاحب هذا الخلق الكريم نجد الفاحش البذيء الذي يتقيه الناس لفحشه وسلاطة لسانه وطعنه فيهم وهمزه ولمزه لهم. إنه لا يستقيم له أمر ولا يصفو له وداد ولا ينطوي على حبه قلب أو ينهض لرعاية مصالحه أو الذب عنه بعيد ولا قريب فيخسر بذلك دنياه إذ يقطع مرحلة الحياة منبوذًا من المجتمع بالإضافة إلى خسارة عقباه، لقد ورد في الحديث من الوعيد الصارخ لهذا الصنف من الناس في أي وضع يكون فيه بين المجتمع سيدًا أو مسودًا من العظماء أم من الدهماء قوله ﷺ : «إن من شرار الخلق منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه» ، وفي رواية

стр. 203

أخرى «اتقاء شره» وفي حديث آخر «إن الله يبغض الفاحش البذيء الذي يتكلم بالفحش» ، وفي حديث آخر يشرح فيه رسول الهدى ﷺ واقع المفلس فيقول: «المفلس من أمتي من جاء يوم القيامة بصلاة وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» . وحسبكم بذلك يا عباد الله خسارة ليس لها من تعويض، فاتقوا الله عباد الله وحذار من التجني على عباد الله في أي لون من ألوان التجني ففي ذلك فساد العاجلة والآجلة، وقابلوا كل إساءة بإحسان مستشرفين لبلوغ الفضل في ذلك الذي يحفز إليه الملك الديان إذ يقول: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] نفعني الله وإياكم بهدي كتابه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 204

[المحافظة على الأمانة] المحافظة على الأمانة الحمد لله الذي جعل الأمانة في قلوب الرجال، بعد أن أبى عن حملها السماوات والأرض والجبال جعل الأمانة في قلوب بني آدم ذكورًا وإناثًا لأنه ركب فيهم عقولًا بها يفقهون وبصائر بها يهتدون فتحملوا الأمانة مخاطرين ليعلوا بأدائها إلى درجة المؤمنين المتقين أو لينزلوا بإضاعتها إلى أسفل السافلين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين خلق فأتقن وشرع فأحكم وهو أحكم الحاكمين وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي بلغ رسالة ربه وأدى أمانته على الوجه الأكمل وعبد ربه حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وأدوا ما حملتم من الأمانة فحملتموه لقد عرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا، أدوا الأمانة بالقيام بما أوجب الله عليكم من عبادته وحقوق عباده ولا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون، ولا تخونوا في ذلك بإفراط أو تفريط بزيادة أو نقص فإن الخيانة نقص في الإيمان وسبب للخسران والحرمان، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له» ، وقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم» ، وقال «إذا جمع الله الأولين

стр. 205

والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان» يرفع له هذا اللواء فضيحة له بين الخلائق وخزيًا وعارًا. أيها المسلمون: إن الأمانة في العبادة والمعاملة، فالأمانة في العبادة أن تقوم بطاعة الله تعالى مخلصًا له متبعًا لرسوله ﷺ تمتثل أوامره وتجتنب نواهيه تخشى الله في السر والعلانية تخشاه حيث يراك الناس وحيث لا يرونك لا تكن ممن يخشى الله في العلانية ويعصيه في السر فإن هذا هو الرياء ألم تعلم أن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ألم تعلم أن الله أنكر على من هذه حاله بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] وأما الأمانة في المعاملة فأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به من النصح والبيان وأن تكون حافظًا لحقوقهم المالية وغير المالية من كل ما استؤمنت عليه لفظًا أو عرفًا، فتكون الأمانة بين الرجل وزوجته يجب على كل منهما أن يحفظ الآخر في ماله وسره فلا يحدث أحدًا بذلك، فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن من أشر الناس عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه» ، وتكون الأمانة بين الرجل وصاحبه يفضي له بحديث سر يعلم أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد ثم يفشي سره ويحدث به الناس. وفي الحديث: «إذا حدث

стр. 206

الرجل رجلًا بحديث ثم التفت فهو أمانة» ، لأن التفاته دليل على أنه لا يحب أن يسمعه أحد. وتكون الأمانة في البيع والشراء والإجارة والاستئجار فلا يجوز للبائع أن يخون المشتري بنقص في الكيل أو الوزن أو زيادة الثمن أو كتمان العيب أو تدليس في الصفة ولا يجوز للمشتري أن يخون البائع بنقص في الثمن أو إنكار أو مماطلة مع القدرة على الوفاء. ولا يجوز للمؤجر أن يخون المستأجر بنقص شيء من مواصفات الأجرة أو غير ذلك. ولا يجوز للمستأجر أن يخون المؤجر بنقص الأجرة أو إنكارها أو تصرف يضر المستأجر من دار أو دكان أو آلة أو مركوب. وتكون الأمانة في الوكالات فيجب على الوكيل أن يتصرف بما هو أحسن ولا يجوز أن يخون موكله فيبيع السلعة الموكل في بيعها بأقل من قيمتها محاباة للمشتري أو يشتري السلعة الموكل في شرائها بأكثر من قيمتها محاباة للبائع. وفي كل من كان واليًا على علم خاص أو عام فهو أمين عليه يجب أن يؤدي الأمانة فيه فالقاضي أمين والأمير أمين ورؤساء الدوائر ومديروها أمناء يجب عليهم أن يتصرفوا فيما يتعلق بولايتهم بالتي هي أحسن وفي ولايتهم وفيما ولوا عليه حسبما يستطيعون، وأولياء اليتامى وناظرو الأوقاف وأوصياء الوصايا كل هؤلاء أمناء يجب عليهم أن يقوموا بالأمانة بالتي هي أحسن. ألا وإن من الأمانة ما يتصل بالثقافة والإرشاد والتعليم فعلى القائمين على ذلك من مخططي المناهج ومديري الأقسام والمشرفين عليها أن يراعوا

стр. 207

الأمانة في ذلك باختيار المناهج الصالحة والمدرسين الصالحين المصلحين وتثقيف الطلبة علميًا وعمليًا دينا ودنيًا عبادة وخلقًا. وإن من الأمانة في ذلك حفظ الاختبار المدرسي من التلاعب والتهاون وحفظه في وضع الأسئلة بحيث تكون في مستوى الطلبة عقليًا وفكريًا وعلميًا لأنها إن كانت فوق مستواهم أضرت بهم وحطمتهم وأضاعت كل عامهم الدراسي وإن كانت الأسئلة دون مستواهم أضرت بمستوى الثقافة العامة في البلاد، وحفظ الاختبار وقت الإجابة على الأسئلة بحيث يكون المراقب فطنًا حازمًا لا يدع فرصة للتلاعب ولا يحابي ابنًا لقريب ولا لصديق لأنهم هنا على درجة واحدة كلهم في ذمة المراقب وعهدته سواء. وحفظ الاختبار وقت تصحيح الأجوبة بحيث يكون التصحيح دقيقًا لا يتجاوز فيه ما يسمح به النظام حتى لا يظلم أحد على حساب الآخر ولا ينزل طالب إلا في المنزلة التي يستحقها. إننا إذا حافظنا على هذه الأمانة في الاختبار في مواضعه الثلاثة فهو من مصلحة الأمة كلها ومن مصلحة العلم، فهو من مصلحة القائمين على الاختبارات بأداء الواجب عليهم وإبراء ذممهم ومن مصلحة الطلبة حيث يحصلون على مستوى علمي رفيع ولا يكون حظهم من العلم بطاقة يحملونها أو لقبا يستحقون معناه وهو من مصلحة العلم حيث يقوى ويزداد حقيقة ولا يهمنا عند ضبط الاختبار أن يكون الناجحون قليلًا لأن العبرة بالكيفية لا بالكمية وإذا كانوا قليلًا في عام كانوا كثيرًا في العام الذي يليه حيث يعتادون على الجد ويستعدون له. وفقني الله وإياكم لأداء الأمانة وإبراء الذمة وحفظنا من إضاعتها

стр. 208

والتساهل فيها إنه جواد كريم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 209

الخطبة الأولى خلق الحياء الحمد لله الذي زين أولياءه بالتقى ورزقهم أفضل المكارم والمحاسن وأدب نبيه ﷺ وكان أشد الناس حياءً وتراضعًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين. أما بعد أيها المسلمون: إن الإسلام دين خلقي رفيع، يدعو إلى مكارم الأخلاق، ويبعث في النفس مشاعر الفضيلة والحياء. وقد بين رسول الله ﷺ الغاية من بعثته فقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ، إن الإسلام جاء محاربًا لكل الرذائل والمنكرات، محرمًا لسائر الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وغاية الإسلام أن يقيم مجتمعًا فاضلًا، تنعدم فيه مظاهر الإثم والجريمة وأسباب الفحش والمنكر، بحيث يغدو هذا المجتمع نظيفًا من كل ما يدعو إلى الوقاحة والدناءة والفجور. ولقد كافح الإسلام طويلًا، في سبيل إقامة هذا المجتمع الطاهر، وجعل الحياء أساسه وعماده. فخلق الحياء، هو رأس الفضائل الخلقية، وعماد الشعب الإيمانية، وبه يتم الدين، وتصلح الحياة، وتسود الفضيلة، وتنعدم أسباب الرذيلة. والحياء عنوان الإسلام، ودليل الإيمان، ورائد الإنسان إلى الخير

стр. 210

والهدى، قال رسول الله ﷺ : «الحياء لا يأتي إلا بخير» ، وقال ﵊: «الحياء شعبة من الإيمان ولا إيمان لمن لا حياء له» . فإذا تخلق الإنسان بخلق الحياء، كان ذلك دليلًا على حسن أدبه وسلوكه وصلاح ظاهره، ونقاء سريرته، وكمال إيمانه. وحينما يفقد الإنسان خلق الحياء، يكون قد حُرِم خيرًا كثيرًا، وخسر خسرانًا مبينًا. والحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون كبهيمة الحيوان. فالحياء أداة مانعة من ارتكاب المعاصي، حائلة بين المرء وبين فعل ما لا يليق من القبيح، وإن كان صغيرًا، فهو أصل لكل فضيلة وخير، وعصمة من كل رذيلة وشر. لهذا كله قال رسول الله ﷺ : «إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء» . وروي عن قرة بن إياس ﵁ قال: «كنا عند رسول الله ﷺ ، فذكر عنده الحياء فقالوا: يا رسول الله الحياء من الدين؟ فقال رسول الله ﷺ : " بل هو الدين كله» ، وذلك لأنه يؤدي إلى الأخلاق الكاملة، والأعمال الفاضلة. ولقد «كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها وإذا رأى شيئًا يكرهه عرف في وجهه» لما يبدو عليه من أثر الحياء والخجل، وكان أرق الناس طبعًا، وأنبلهم سيرة وأعمقهم شعورًا بالواجب ونفورًا من المثالب وقد

стр. 211

روي عن ابن عمر ﵄، أنه «دخل على رسول الله ﷺ فوجده يبكي قال: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: " أخبرني جبريل ﵇، أن الله يستحي من عبد يشيب في الإسلام أن يعذبه، أفلا يستحي العبد أن يذنب وقد شاب في الإسلام» . إن هذا الحديث ينطبق على أولئك الذين شابت رؤوسهم وأصبحوا على حافة قبرهم وهم في غفلتهم ساهون، وعلى الدنيا مقبلون، ولجمع المال عاكفون، لا يذكرون الله حقًا، ولا يصلون فرضًا، ولا يؤدون زكاة، ولا يحجون بيتًا، ولا يتعففون عن منكر فما أقل حياء هؤلاء القوم وما أشد غرورهم وما أعظم غفلتهم. أيها المسلمون: إذا نظرنا في واقع الحياة اليوم وجدنا الحياء معدومًا إلا من رحم ربك، فلقد رفع الحياء من وجوه الرجال والنساء على حد سواء فامتلأت الأرض آثامًا وشرورًا، ومنكرات وفجورًا. ورأينا المخازي والفضائح ترتكب بلا تورع ولا خجل، ولا خوف من الله ولا وجل. ورأينا النساء يخرجن شبه عاريات، لم يتركن وسيلة شيطانية، للإغواء والفتنة إلا اتخذنها، حتى غدت كل واحدة منهن في الشارع والمجتمعات والحفلات كأنها عروس ليلة زفافها. أما أشباه الرجال، فهم من الوقاحة وموت الشرف والغيرة، ما جعلهم أضل من البهائم وهؤلاء لا شك أن قلوبهم ونفوسهم قد مسخت قردة وخنازير، وإن كانت أجسامهم في صورة بني آدم.

стр. 212

إذا ذهب الحياء ذهب الدين كله، وإذا ذهب الدين والحياء، انطلق الناس كالدواب الشاردة، لا يبحثون إلا عن شهوات بطونهم وفروجهم ويستبيحون في سبيل ذلك كل حرمة وخلق ومبدأ وشرع. عن ابن مسعود ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: " استحيوا من الله حق الحياء "، قلنا يا رسول الله: كلنا نستحي والحمد لله. . قال: " ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء» . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 213

الخطبة الثانية في حياء المجتمع المسلم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: أيها الاخوة المسلمون: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل دين خلقًا وخلق الإسلام الحياء» . الإسلام دين يقوم على الفضيلة والخلق الكريم والحياء، ويدعو إلى الطهر والعفة والترفع عن الفحش والبذاء. . فالحياء شعبة من الإيمان، ولا دين لمن لا حياء له. ومن أجل أن يكون الحياء خلق كل مسلم ومسلمة، والطهر والعفاف صفات كل مؤمن ومؤمنة، حض الإسلام على التحلي بالمكارم والفضائل، والتخلي عن الموبقات والرذائل، وحرم كل تكشف وسفور، وكافح بشدة كل فحش ومنكر وفجور، حتى يكون المجتمع الإسلامي مثالًا للوقار والعفة، والحياء والفضيلة، والشرف والغيرة وطهارة الضمائر والنفوس. أيها المسلمون: ولكي يوفر الإسلام للحياة الإجتماعية، قواعد الحياء والفضيلة ومعالم الطهر والعفة حرم السفور ونهى عن التبرج، وفرض الحجاب وضرب حول المرأة سياجًا من الفضيلة والعفاف وحصنها بالشرف والحياء سدًا لذرائع الفتن والمفاسد وقطعًا لأسباب الفجور ودواعي الفسوق

стр. 214

والانحراف. قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣] هذه وصية " الله " للمرأة المسلمة أن تقر في بيتها ولا تدع مجالًا لأجنبي أن يرى شيئًا من زينتها وجسمها، وإذا برزت إلى السوق فليكن مظهرها ينبئ عن حشمة وحياء ووقار. وأن تعكف في بيتها على أداء الواجبات البيتية والحقوق الزوجية مع رعاية الفروض الدينية من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله. إن الإسلام يدرك المفاسد الكبرى، التي تترتب على اختلاط النساء بالرجال فحرم ذلك وأمر أن يكون هناك حجاب أو ساتر حين يريد رجل مقابلة امرأة أجنبية لطلب متاع أو سؤال حاجة. فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وفرض الحجاب وأمر بتغطية الوجه وستره لأنه مجتمع المحاسن وعنوان الجمال وموضع الفتنة والإغراء. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] وقال سبحانه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فأين هذا من زماننا اليوم؟ إن الإنسان حيثما سار واتجه لا يقع بصره إلا على النساء السافرات، والكاسيات العاريات إلا من رحم ربك، وكأنهن

стр. 215

يعرضن أنفسهن للزينة والفتنة والجمال. إن تبرج المرأة وسفورها، دليل على نقص دينها وفقد حيائها فهو فساد لها أيضًا، وفي فساد المرأة فساد الجيل وفساد الأمة كلها، وقد جر ذلك علينا من البلاء العظيم، والفساد الكبير، والفضائح والمخازي، والجرائم والمآسي ما جعل الحياة تنقلب إلى شقاء وتعاسة وانحطاط وحقارة. فبعدًا لحياة يهان فيها الشرف، وتموت فيها الغيرة والرجولة، وتبذل الكرامة والعفة في أبشع صور الذل والمهانة فأين الشرف؟ وأين الفضيلة والحياء؟ أين كرامة الرجولة وعزة المسلم؟ أين الغيرة على العرض والغضب لمحارم الله؟ إن من أكبر العار، أن يسير الرجل المسلم وإلى جانبه زوجه أو ابنته أو أخته سافرة الوجه بادرة الصدر والنحر، مظهرة للجمال والزينة، يتمتع بالنظر إليها كل من رآها من مرضى القلوب والنفوس. «سأل رسول الله ﷺ ابنته فاطمة ﵂: " أي شيء أحسن للمرأة؟ "، قالت أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال. . فضمها إلى صدره وقال: " ذرية بعضها من بعض» . اللهم إنا نسألك الثبات على دينك وشكر نعمتك وحسن عبادتك، اللهم اصرف عنا الفواحش ومنكرات الأخلاق واهد شبابنا وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة اللهم آمين.
следующие страницы →