← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30929

خطب مختارة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (296 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

روي عن ابن عمر ﵄، أنه «دخل على رسول الله ﷺ فوجده يبكي قال: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: " أخبرني جبريل ﵇، أن الله يستحي من عبد يشيب في الإسلام أن يعذبه، أفلا يستحي العبد أن يذنب وقد شاب في الإسلام» . إن هذا الحديث ينطبق على أولئك الذين شابت رؤوسهم وأصبحوا على حافة قبرهم وهم في غفلتهم ساهون، وعلى الدنيا مقبلون، ولجمع المال عاكفون، لا يذكرون الله حقًا، ولا يصلون فرضًا، ولا يؤدون زكاة، ولا يحجون بيتًا، ولا يتعففون عن منكر فما أقل حياء هؤلاء القوم وما أشد غرورهم وما أعظم غفلتهم. أيها المسلمون: إذا نظرنا في واقع الحياة اليوم وجدنا الحياء معدومًا إلا من رحم ربك، فلقد رفع الحياء من وجوه الرجال والنساء على حد سواء فامتلأت الأرض آثامًا وشرورًا، ومنكرات وفجورًا. ورأينا المخازي والفضائح ترتكب بلا تورع ولا خجل، ولا خوف من الله ولا وجل. ورأينا النساء يخرجن شبه عاريات، لم يتركن وسيلة شيطانية، للإغواء والفتنة إلا اتخذنها، حتى غدت كل واحدة منهن في الشارع والمجتمعات والحفلات كأنها عروس ليلة زفافها. أما أشباه الرجال، فهم من الوقاحة وموت الشرف والغيرة، ما جعلهم أضل من البهائم وهؤلاء لا شك أن قلوبهم ونفوسهم قد مسخت قردة وخنازير، وإن كانت أجسامهم في صورة بني آدم.

стр. 212

إذا ذهب الحياء ذهب الدين كله، وإذا ذهب الدين والحياء، انطلق الناس كالدواب الشاردة، لا يبحثون إلا عن شهوات بطونهم وفروجهم ويستبيحون في سبيل ذلك كل حرمة وخلق ومبدأ وشرع. عن ابن مسعود ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: " استحيوا من الله حق الحياء "، قلنا يا رسول الله: كلنا نستحي والحمد لله. . قال: " ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء» . أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 213

الخطبة الثانية في حياء المجتمع المسلم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: أيها الاخوة المسلمون: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل دين خلقًا وخلق الإسلام الحياء» . الإسلام دين يقوم على الفضيلة والخلق الكريم والحياء، ويدعو إلى الطهر والعفة والترفع عن الفحش والبذاء. . فالحياء شعبة من الإيمان، ولا دين لمن لا حياء له. ومن أجل أن يكون الحياء خلق كل مسلم ومسلمة، والطهر والعفاف صفات كل مؤمن ومؤمنة، حض الإسلام على التحلي بالمكارم والفضائل، والتخلي عن الموبقات والرذائل، وحرم كل تكشف وسفور، وكافح بشدة كل فحش ومنكر وفجور، حتى يكون المجتمع الإسلامي مثالًا للوقار والعفة، والحياء والفضيلة، والشرف والغيرة وطهارة الضمائر والنفوس. أيها المسلمون: ولكي يوفر الإسلام للحياة الإجتماعية، قواعد الحياء والفضيلة ومعالم الطهر والعفة حرم السفور ونهى عن التبرج، وفرض الحجاب وضرب حول المرأة سياجًا من الفضيلة والعفاف وحصنها بالشرف والحياء سدًا لذرائع الفتن والمفاسد وقطعًا لأسباب الفجور ودواعي الفسوق

стр. 214

والانحراف. قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣] هذه وصية " الله " للمرأة المسلمة أن تقر في بيتها ولا تدع مجالًا لأجنبي أن يرى شيئًا من زينتها وجسمها، وإذا برزت إلى السوق فليكن مظهرها ينبئ عن حشمة وحياء ووقار. وأن تعكف في بيتها على أداء الواجبات البيتية والحقوق الزوجية مع رعاية الفروض الدينية من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله. إن الإسلام يدرك المفاسد الكبرى، التي تترتب على اختلاط النساء بالرجال فحرم ذلك وأمر أن يكون هناك حجاب أو ساتر حين يريد رجل مقابلة امرأة أجنبية لطلب متاع أو سؤال حاجة. فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وفرض الحجاب وأمر بتغطية الوجه وستره لأنه مجتمع المحاسن وعنوان الجمال وموضع الفتنة والإغراء. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] وقال سبحانه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فأين هذا من زماننا اليوم؟ إن الإنسان حيثما سار واتجه لا يقع بصره إلا على النساء السافرات، والكاسيات العاريات إلا من رحم ربك، وكأنهن

стр. 215

يعرضن أنفسهن للزينة والفتنة والجمال. إن تبرج المرأة وسفورها، دليل على نقص دينها وفقد حيائها فهو فساد لها أيضًا، وفي فساد المرأة فساد الجيل وفساد الأمة كلها، وقد جر ذلك علينا من البلاء العظيم، والفساد الكبير، والفضائح والمخازي، والجرائم والمآسي ما جعل الحياة تنقلب إلى شقاء وتعاسة وانحطاط وحقارة. فبعدًا لحياة يهان فيها الشرف، وتموت فيها الغيرة والرجولة، وتبذل الكرامة والعفة في أبشع صور الذل والمهانة فأين الشرف؟ وأين الفضيلة والحياء؟ أين كرامة الرجولة وعزة المسلم؟ أين الغيرة على العرض والغضب لمحارم الله؟ إن من أكبر العار، أن يسير الرجل المسلم وإلى جانبه زوجه أو ابنته أو أخته سافرة الوجه بادرة الصدر والنحر، مظهرة للجمال والزينة، يتمتع بالنظر إليها كل من رآها من مرضى القلوب والنفوس. «سأل رسول الله ﷺ ابنته فاطمة ﵂: " أي شيء أحسن للمرأة؟ "، قالت أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال. . فضمها إلى صدره وقال: " ذرية بعضها من بعض» . اللهم إنا نسألك الثبات على دينك وشكر نعمتك وحسن عبادتك، اللهم اصرف عنا الفواحش ومنكرات الأخلاق واهد شبابنا وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة اللهم آمين.

стр. 216

عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠] فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 217

[خلق الرحمة] خلق الرحمة الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والعاملين بسنته، والداعين إلى شريعته، الرحماء فيما بينهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: من الفضائل التي تحلى بها رسول الله ﷺ ، ونادى بها الإسلام، فضيلة الرحمة، والرحمة رقة في الطبع تثمر الرفق والرأفة ولين الجانب، وهي خلق رفيع، يحرك عاطفة الإنسان بالخير والبر. يمدح بها الله رسوله المبعوث بمكارم الأخلاق فيقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] كما - وهو المبعوث رحمة للعالمين - يعز عليه أن يحرم إنسان من نور الإسلام، وطمأنينة الإيمان. يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] والرحمة الشاملة الكاملة هي رحمة الله العزيز الرحيم فقد عمت الكائنات جميعها فما من موجود إلا وبرحمة الله يحيا، وفي ظلالها يعيش. قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] لقد خلقنا الله ولم نك شيئًا، ويسر لنا أسباب الحياة إلى حين - على أرضه وتحت سمائه - وأجرى لنا الأنهار، وأنبت لنا الزرع والثمار، وجعل لنا

стр. 218

الليل والنهار، وأفاض علينا من النعم والخير ما لا يحصى يقول ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠] ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣] ولقد حمل رسول الله ﷺ مشاعل الهدى، وأنوار الإيمان، وأوضح للناس أسلوب العمل الذي يصلحهم في الدنيا، ويحقق فيها آمالهم، ويسعدهم في الآخرة ويؤمن فيها مستقبلهم فكان ذلك فضلًا من الله، ورحمة للناس من الضياع والضلال. قال تعالى لمريم في شأن ابنها عيسى ﵇: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] ولما أراد الله أن يختم رسالاته إلى الناس، ويكمل لهم الدين، ويتم عليهم النعمة بعث خاتم المرسلين، وإمام المهتدين، فكان ذلك رحمة لمن اهتدى بل كان رحمة للعالمين. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وكان القرآن العظيم آية الله الكبرى، ومعجزة الإسلام الخالدة، شفاءً لما في الصدور وهدًى ورحمة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]

стр. 219

ومهمة الداعين إلى الله بما لها من خطر تستلزم طاقة فياضة من الرحمة وسعة الصدر ولين الجانب، ومن ثم فقد امتاز سيد الدعاة إلى الله محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه بقلب يفيض بالرحمة، وينبض بالحنان، وحب الخير للعالمين، فقد كان يعامل بالرحمة الصغير والكبير والمؤمن والمشرك، وإن سيرته العطرة لتحمل من حسن خلقه وطيب معاملته ورقة عاطفته الشيء الكثير. فقد «روي أن أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد احمل لي على بعيري من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك، ولا من مال أبيك، وجذب الرسول من ثيابه جذبة أثرت في عنقه الشريف، فقال له الرسول ﷺ : " المال مال الله، وأنا عبده، ولكن يقاد منك يا أعرابي "، فقال الرجل: إنك لا تفعل، قال الرسول ﷺ : " لماذا "؟ فقال: لأنك لا تجزي السيئة بالسيئة، ولكنك تجزي السيئة بالحسنة، فعفا عنه الرسول ﷺ وأمر له بما يحتاج إليه» . ولقد كان الرسول ﷺ يرحم الصغار ويحنو عليهم، ويداعبهم ويقربهم، روى الإمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: «سماني رسول الله ﷺ يوسف، وأقعدني في حِجْره، ومسح على رأسي» . . وكان ﷺ مع أعدائه ومعانديه جميل الصبر واسع الصدر، يتحمل أذاهم ويرجو صلاحهم ولو دعا عليهم لأفناهم من الوجود ولكن إذا اشتدوا في عداوته والكيد لدعوته، لم يزد على أن يقول: " اللهم اهد قومي فإنهم لا

стр. 220

يعلمون ". ولقد دعا الإسلام إلى التحلي بهذا الخلق الكريم حتى تستقر الحياة بالناس ويجد كل فرد في المجتمع مكانه ومكانته وحقه وكرامته. فعند الطبراني من حديث رسول الله ﷺ قوله: «لن تؤمنوا حتى ترحموا "، قالوا يا رسول الله كلنا رحيم. قال: " إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة» . ويؤكد الإسلام تبادل الرحمة، إن جاوزت عالم الإنسان إلى أجناس الحيوان، فلا ينبغي أن يُؤذى حيوان أو يُضرب أو يُجوَّع أو يُظمأ، فعند أبي داود عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حُمّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تَفْرُش، فجاء النبي ﷺ فقال: " من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها "، ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: " من حرق هذه "؟ قلنا: نحن، قال: " إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار» . وعند البخاري ومسلم واللفظ له عن ابن عمر أن الرسول ﷺ قال: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت جوعًا، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» . أيها المسلمون: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] و «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» كما صح في الحديث.

стр. 221

ومن أسباب الشقاء في الدنيا وفي الآخرة قسوة القلب، وجمود العاطفة لما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» . فليكن لنا في رسول الله أسوة حسنة، ولنستمسك بتعاليم ديننا وليرحم كل منا نفسه فلا يعرضها لغضب الله ولا يورطها في معصيته. ألا تحب أن يحييك ربك بالسلام على لسان خير الأنام، وأن يعاملك برحمته وفضله في الدنيا والآخرة، إن الله ﵎ يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] ويقول ﷻ عن المتراحمين المتآلفين الذين امتلأت قلوبهم إيمانًا بالله ورسوله ورقت عواطفهم في معاملة الناس: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] اللهم وفقنا للتوبة والإنابة وافتح لأدعيتنا أبواب الإجابة، اللهم أذقنا برد عفوك وحلاوة مغفرتك ونزه قلوبنا عن التعلق بما دونك واجعلنا من قوم تحبهم ويحبونك وعافنا في الدارين من جميع المحن وأصلح منا ما ظهر وما بطن وألحقنا بالصالحين وارحم كافة المسلمين، اللهم آمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 222

[صلة الرحم] صلة الرحم الحمد لله الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا، وأوجب صلة الأرحام وأعظم في ذلك أجرًا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها ليوم القيامة ذخرًا وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعظم الناس قدرًا وأرفعهم ذكرًا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قاموا بالحق وكانوا به أحرى وعلى التابعين لهم بإحسان وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وصلوا ما أمر الله به أن يوصل من حقوقه وحقوق عباده، صلوا أرحامكم والأرحام والأنساب هم الأقارب وليسوا - كما يفهم بعض الناس - أقارب الزوج أو الزوجة فإن أقارب الزوج أو الزوجة هم الأصهار فأقارب زوج المرأة أصهار لها وليسوا أنسابًا لها ولا أرحامًا وأقارب زوجة المرء أصهار له وليسوا أرحامًا ولا أنسابًا إنما الأرحام والأنساب هم أقارب الإنسان نفسه كأمه وأبيه وابنه وبنته وكل من كان بينه وبينه صلة من قبل أبيه أو من قبل أمه أو من قبل ابنه أو من قبل ابنته. صلوا أرحامكم بالزيارات والهدايا والنفقات، صلوهم بالعطف والحنان ولين الجانب وبشاشة الوجه والإكرام والاحترام وكل ما يتعارف الناس عليه من صلة. إن صلة الرحم ذكرى حسنة وأجر كبير، إنها سبب لدخول الجنة وصلة الله للعبد في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم قول الله تعالى:

стр. 223

﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ - وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ - وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٢] وفي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ «أن رجلًا قال يا رسول الله أخبرني بما يدخلني الجنة ويباعدني من النار فقال النبي ﷺ لقد وفق أو قال لقد هدي كيف قلت فأعاد الرجل فقال النبي ﷺ : " تعبد الله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل ذا رحمك "، فلما أدبر قال النبي ﷺ : " إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة» . صلة الرحم سبب لطول العمر وكثرة الرزق قال النبي ﷺ : «من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» ، متفق عليه. وقال ﷺ : «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال الله نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك لك» . وقال ﷺ : «الرحم متعلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله» ، متفق عليه. ولقد بين رسول الله ﷺ أن صلة الرحم أعظم أجرًا من العتق ففي الصحيحين عن ميمونة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: «يا رسول الله أشعرت أني أعتقت وليدتي قال. أوَ

стр. 224

فعلت قالت نعم قال أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» . أيها الناس: إن البعض لا يصل أقاربه إلا إذا وصلوه وهذا في الحقيقة ليس بصلة فإنه مكافأة إذ إن المروءة والفطرة السليمة مكافأة من أحسن إليك قريبًا كان أم بعيدًا يقول النبي ﷺ : «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل إذا قطعت رحمه وصلها» ، متفق عليه، فصلوا أرحامكم وإن قطعوكم وستكون العاقبة لكم عليهم «فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عليهم ويجهلون علي فقال: " إن كنت كما قلت فكأنما تُسِفهم الملّ - أي الرماد الحار - ولا يزال معك من الله ظهير عليهم - أي معين عليهم - ما دمت على ذلك» ، رواه مسلم. واحذروا أيها المؤمنون من قطيعة الرحم فإنها سبب للعنة الله وعقابه يقول الله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢ - ٢٣] ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] وقد تكفل الله للرحم بأن يقطع من قطعها حتى رضيت بذلك وأعلنته فهي متعلقة بالعرش تقول من قطعني قطعه الله. وعن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة قاطع» ، يعنى قاطع رحم (متفق عليه) . وأعظم القطيعة " قطيعة الوالدين "،

стр. 225

ثم من كان أقرب من القرابة ولهذا قال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاث مرات "، قلنا بلى يا رسول الله قال: " الإشراك بالله وعقوق الوالدين» ، سبحان الله ما أعظم عقوق الوالدين ما أشد إثمه إنه يلي الإشراك بالله تعالى وإن عقوق الوالدين قطع برهما والإحسان إليهما وأعظم من ذلك أن يتبع قطع البر والإحسان بالإساءة والعدوان سواءً بطريق مباشر أو غير مباشر، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه "، قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال نعم: " يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه ويسب أمه فيسب أمه» ، استبعد الصحابة ﵃ أن يشتم الرجل والديه مباشرة ولعمر الله إنه لبعيد لأنه ينافي المروءة والذوق السليم فبين النبي ﷺ أن ذلك قد لا يكون مباشرة ولكن يكون عن طريق التسبب بأن يشتم الرجل والدي شخص فيقابله بالمثل ويشتم والديه. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غير منار الأرض» ، رواه مسلم. فيا عباد الله يا من آمنوا بالله ورسوله انظروا في حالكم انظروا في أقاربكم هل قمتم بما يجب لهم عليكم من صلة؟ هل ألنتم لهم الجانب هل أطلقتم الوجوه لهم وهل شرحتم الصدور عند لقائهم هل قمتم بما يجب لهم من محبة وتكريم واحترام هل زرتموهم في صحتهم توددًا وهل عدتموهم في مرضهم احتفاء وسؤالًا هل بذلتم ما يجب بذله لهم من نفقة وسداد حاجة فلننظر.

стр. 226

إن من الناس من لا ينظر إلى والديه اللذين أنجباه وربياه إلا نظرة احتقار وسخرية وازدراء يكرم امرأته ويهين أمه ويقرب صديقه ويبعد أباه إن جلس عند والديه فكأنه على جمر يستثقل الجلوس ويستطيل الزمن. اللحظة عندهما كالساعة أو أكثر لا يخاطبهما إلا ببطء وتثاقل ولا يفضي إليهما بسر ولا أمر مهم قد حرم نفسه لذة البر وعاقبته الحميدة. وإن من الناس من لا ينظر إلى أقاربه نظرة قريب لقريبه ولا يعاملهم معاملة تليق بهم يخاصمهم في أقل الأمور ويعاديهم في أتفه الأشياء ولا يقوم بواجب الصلة لا في الكلام ولا في الفعال ولا في بذل المال تجده مثريًا وأقاربه محاويج فلا يقوم بصلتهم بل قد يكونون ممن تجب نفقتهم عليه لعجزهم عن التكسب وقدرته على الإنفاق عليهم فلا ينفق وقد قال أهل العلم كل من يرث شخصًا من أقاربه فإنه تجب عليه نفقته إذا كان محتاجًا عاجزًا عن التكسب وكان الوارث قادرًا على الإنفاق لأن الله تعالى يقول: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أي مثل ما على الوالد من الإنفاق فمن يبخل بما يجب عليه يندم يوم القيامة سواء طلبه المستحق منه أو استحيا وسكت. عباد الله: اتقوا الله تعالى وصلوا أرحامكم واحذروا من قطيعتهم واستحضروا دائمًا ما أعد الله تعالى للواصلين من الثواب وللقاطعين من العقاب، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 227

[حسن الجوار وحقوق الجار] حسن الجوار وحقوق الجار الحمد لله الذي أمرنا بالبر والصلة ونهانا عن العقوق، وجعل حق المسلم على المسلم من آكد الحقوق، وجعل للجار حقًّا على جاره وإن كان من أهل الكفر والفسوق، نحمده تعالى وبه الوثوق، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو الخالق وكل شيء سواه مخلوق. ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق المصدوق. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد الناطق بأفضل منطوق، ﷺ وعلى آله وصحبه المؤدين للحقوق، وعلى التابعين لهم بإحسان من سابق ومسبوق. عباد الله: حق الجار على جاره مؤكد بالآيات والأحاديث، وما زال جبريل يوصي محمدًا ﷺ بالجار حتى ظن أنه سيشركه في المواريث، ولا يسيء الجوار ويؤذي الجار إلا لئيم وخبيث، بكل فساد في الأرض يعيث وفيه يقول ﷺ : «والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل يا رسول الله لقد خاب وخسر من هو؟ قال من لا يأمن جاره بوائقه. قالوا: وما بوائقه؟ قال شره» . كان العرب في الجاهلية والإسلام يحمون الذمار، ويتفاخرون بحسن الجوار وعلى قدر الجار يكون ثمن الدار. والإسلام يأمر بحسن المجاورة ولو مع الكفار وشر الناس من تركه الناس اتقاء شره. وتباعد عنه من يعرفه تجنبًا لضره. وأخبث الجيران من يتتبع العثرات. ويتطلع إلى العورات في سره وجهره، وليس بمأمون على دين ولا نفس ولا أهل ولا مال. قال رسول الله

стр. 228

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» ، وقال رسول الله ﷺ : «المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» . عار عليك أيها المسلم أن تبيت شبعانًا، وجارك طاو جائع، وعار عليك أن تلبس الجديد وتبخل بما أبليت من ثيابك على عراة الجيران، وعار عليك أن تتمتع بالطيبات من مشموم ومطعوم وجيرانك يشتهون العظام وكسر الطعام وأنت تعلم قول رسول الله ﷺ : «ألا لا تحقرن جارة لجارتهما ولو فرسن شاة» ، وأنه قال لأبي ذر ﵁: «يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعهد جيرانك» . أيها المسلم: إن من حق جارك عليك أن تسلم عليه إذا لقيته، وأن تعوده إذا مرض، وتشيعه إذا مات، وتكون لأولاده بعد وفاته كما كان لهم في حياته. وأن تقف إلى جانبه في السراء والضراء والشدة والرخاء. وفي المثل السائر: " من فاته نفع إخوانه، فلا يفوتنه نفع جيرانه "، وقال رسول الله ﷺ : «خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره» . حرام عليك أيها المسلم أن تنظر في بيت جارك وهو غافل أو تخونه في أهله، ومن نظر في بيت جاره بغير إذنه ملأ الله عينه من نار جهنم،

стр. 229

وحرام عليك أن تسمع ما يقول في بيته فتكون جاسوسًا لا يأمنك على قوله وفعله، وإذا عجزت عن بر جارك أو الإحسان إليه والاعتراف بفضله، فكف أذاك عنه ولا تضره ودعه يستريح في منزله وإذا دعاك فأجبه، وإن استشارك فأشر عليه، وإذا كان مظلومًا فانصره أو ظالمًا فاقبض على يديه، وإن أحسن فاشكره وإن أساء فاعف عنه، وإن ارتكب الفساد فلا تقره عليه، فرب جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول يا رب إن هذا قد أغلق بابه دوني ومنعني معروفه، ورآني على الشر فلم ينهني عنه «وقال رجل يا رسول الله إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها، قال: " هي في النار "، قال: يا رسول الله فإن فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها قال: " هي في الجنة» . وقال رسول الله ﷺ : «أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح والمركب الهنيء. وأربع من الشقاوة: الجار السوء والمرأة السوء والمركب السوء والمسكن الضيق» ، والله تعالى يحب جارًا صبر على أذية جاره حتى يكفيه الله إياه بتحول أو موت. ومن الحماقة وضعف الرأي ترافع الناس إلى الحكام فيما يقع عادة بين الجيران، من خصومات النساء ومشاجرات الصبيان، ومما جاء عن رسول الله ﷺ نهيه عن إطالة البنيان إذا كان في ذلك شيء من الأذى كسد الهواء والإشراف على من يدانيك في المكان. ولقد كان يقول ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول» ، وقال

стр. 230

عليه الصلاة والسلام: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك يميت القلب» . بعض الناس لا يبالي بغيره إذا تمت له راحته، ولا يهمه أن يكون عباد الله كلهم ساخطين عليه وأن تدنس ساحته، ما دام ينال قصده ويصل إلى مراده ويتمتع بشهواته، وتحسن له حالته، لو كان في ذلك هلاك غيره وترك دينه وخروجه عن الشرف والمروءة ولذلك تراه بغيضًا في إخوانه ممقوتًا في جيرانه، وخفيفًا في ميزانه وسخيفًا عند من يعرفه من أهل زمانه. ومما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ، وقال رسول الله ﷺ : «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه» . جعلني الله وإياكم من خيار خلقه، وبارك لي ولكم في الطيبات من رزقه، وأجارني وإياكم من أذية الجار والتهاون بحقه، آمين: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]

стр. 231

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 232

[خطر شهادة الزور] خطر شهادة الزور الحمد لله الخبير فلا تخفى عليه خافية يعلم ما توسوس به نفس المرء وما ينطق به سرًّا أو علانية، أحمده سبحانه أمرنا بحفظ ألسنتنا عن قول الزور والفحشاء، وأسأله التوفيق لقول الحق في السراء والضراء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله بشر الصادقين بجنات تجري من تحتها الأنهار. وآذن الكاذبين بسوء العاقبة والنار والدمار، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أهل الصدق في الأقوال والأفعال والبعد عن الزيغ والضلال وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد فيا أيها المسلمون: اتقوا الله واسمعوا قوله سبحانه بآذان مصغية وقلوب واعية تنشد الحق لتتبعه يقول جل من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥] عباد الله: ها هو جل وعلا أمركم بالقسط الذي هو العدل وبأن تكون شهادتكم بحق لشخص أو عليه مرادًا بها وجه الله سبحانه أمركم بالإتيان بالشهادة على وجهها من غير التواء أو تأويل، فتحروا رحمكم الله في شهادتكم وأقوالكم الحق الذي لا غبار عليه فبشهادة الحق إثبات الحقوق وتوطيد دعائم الأمن وإياكم وتحكيم عاطفة القرابة في الشهادة. إياكم والميل إلى غني لغناه أو فقير رحمة به فالله أولى بعباده منكم فقد تظنون أن الشهادة بالحق نقمة وهي في باطن الأمر نعمة.

стр. 233

عباد الله: إن الشهادة بالحق لا يؤديها إلا نفوس عالية متنزهة عن أن تريد بها الدنيا وحطامها الفاني نفوس متطلعة إلى الفردوس إلى الرحيق المختوم الذي ختامه مسك فاستسيغوا رحمكم الله في أدائها كل مرارة واستسهلوا كل صعب سواء كان سيرًا إلى المحاكم أو انتظارًا، أو كان في ذلك إغضاب لأحد ففي تأخركم عن أداء شهادة بحق تعلمونه إثم كبير والله يقول: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وإن القلب يا عباد الله مصدر الفساد والصلاح فإذا أثم القلب فماذا يبقى بعد ذلك فلا تكتموها ففي كتمانها شر على بني الإنسانية الذين أمرتم بجلب الخير لهم ودفع الشر عنهم. عباد الله: إذا كان كتم الشهادة فيه ضرر على البشرية واختلال لنظامها فهناك ما هو أشد منه إثمًا وأكبر خطرًا وما أدراكم ما هو، هو الجريمة العظمى والطامة الكبرى شهادة الزور التي كادت تعدل الإشراك بالله، شهادة الزور التي تهددنا في أموالنا ودمائنا وأمننا تلك التي أخربت بيوتًا عامرة وأزهقت أرواحًا بريئة وأهدرت حقوقًا واضحة فما فشت في أمة إلا وسادت فيها الفوضى وتحكمت فيها الأهواء لذا وغيره من أضراره الخطرة حذرنا رسول الله ﷺ منها بقوله: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس "، يقول الراوي: وكان النبي ﷺ متكئًا فجلس ثم قال: " ألا وشهادة الزور ألا وقول الزور "، ومازال يكررها حتى قلنا ليته سكت» . فحذار معشر المسلمين من شهادة الزور وقوله فإن فيها إساءة على قضاة المسلمين بتلبيس الحق عليهم فيها إساءة إلى المشهود له

стр. 234

بمساعدته على الإثم والعدوان، فيها إساءة إلى من حرمه حقه بشهادته وخذله في حين حاجته إلى نصرته فليتق الله شاهد الزور وليتب إلى الله قبل أن يوقف بين يدي أحكم الحاكمين وأعدل العادلين الذي سيقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، ليتب إلى الله قبل أن يساق إلى جهنم مع المجرمين فوالله لو علم ما أعد الله له من الخزي العاجل والعذاب الأليم في الآخرة لتمنى أن لسانه قطع قبل أن ينطق بشهادة زور، وكلمة زور فاتقوا الله أيها المسلمون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] نفعني الله وإياكم بهدي كتابه أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 235

[التحذير من الرشوة] التحذير من الرشوة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا. أما بعد: أيها الناس اتقوا الله تعالى وقوموا بما أوجب الله عليكم من أداء الأمانة في الأمور كلها قوموا بذلك مخلصين لله متبعين لأمره قاصدين بذلك إبراء ذمتكم وإصلاح مجتمعكم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨] أيها المؤمنون: إن الأمانة ليست بالأمر الهين إنها دين وذمة ومنهج وطريقة إنها حمل ثقيل وعبء جسيم ومسئولية عظيمة إنها عرضت على السماوات والأرض والجبال وما أعظمها قوة وصلابة فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وتحملتها أنت أيها الإنسان تحملتها بما أنعم الله به عليك من العقل والفهم ومما أنزل إليك من الوحي والعلم فبالعقل والفهم تدركون وتميزون وبالوحي والعلم تستنيرون وتهتدون وبذلك كنتم أهلًا لتحمل مسئولية الأمانة والقيام بأعبائها فأدوا الأمانة كما حملتموها أدوها على الوجه الأكمل المطلوب منكم لتنالوا بذلك رضا ربكم وصلاح مجتمعكم فإن بضياع الأمانة فساد المجتمع واختلال نظامه وتفكك أواصره.

стр. 236

أيها المسلمون: إن من حماية الله لهذه الأمانة أن حرم على عباده كل ما يكون سببًا لضياعها أو نقصها فحرم الرشوة وهي بذل المال للتوصل به إلى باطل إما بإعطاء الباذل ما ليس من حقه أو إعفائه مما هو حق عليه يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] ويقول سبحانه في ذم اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] والرشوة من السحت كما فسر الآية به ابن مسعود وغيره وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «لعن رسول الله ﷺ : " الراشي والمرتشي» ، وفي لفظ «لعنة الله على الراشي والمرتشي» ، وهذا إما خبر من النبي ﷺ أو دعاء على الراشي والمرتشي بلعنة الله وهي الطرد والإبعاد من رحمة الله كما لعن الشيطان فطرد وأبعد عن رحمة الله . أيها المسلمون: إن لعنة الله ورسوله لا تكون إلا على أمر عظيم ومنكر كبير وأن الرشوة لمن أكبر الفساد في الأرض لأن بها تغيير حكم الله وتضييع حقوق عباد الله وإثبات ما هو باطل ونفي ما هو حق، إن الرشوة فساد في المجتمع وتضييع للأمانة وظلم للنفس يظلم الراشي نفسه ببذل المال لنيل الباطل ويظلم المرتشي نفسه بالمحاباة في أحكام الله يأكل كل منهما ما ليس من حقه ويكتسب حرامًا لا ينفعه بل يضره ويمحق ماله أو بركة ماله إن بقي المال. إن الرشوة تكون في الحكم فيقضى من أجلها لمن لا يستحق أو يمنع من يستحق أو يقدم من غيره أحق بالتقديم وتكون الرشوة في تنفيذ الحكم

стр. 237

فيتهاون من عليه تنفيذه بتنفيذه من أجل الرشوة سواء كان ذلك بالتراخي في التنفيذ أو بعمل ما يحول بين المحكوم عليه وألم العقوبة إن كان الحكم عقوبة. إن الرشوة تكون في الوظائف والمسابقة فيها فيقدم من أجلها من لا ينجح أو تعطى له أسئلة المسابقة قبل الامتحان فيولى الوظيفة مَن غيره أحق منه، وفي الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من استعمل رجلًا من عصابة - أي طائفة - وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» ، رواه الحاكم وصحح إسناده. وإن الرشوة تكون في تنفيذ المشاريع ينزل مشروع عمل في المناقصة فيبذل أحد المتقدمين رشوة فيرسو المشروع عليه مع أن غيره أنصح قصدًا وأتقن عملًا ولكن الرشوة عملت عملها. وأن الرشوة تكون في التحقيقات الجنائية أو الحوادث أو غيرها فيتساهل المحققون في التحقيق من أجل الرشوة وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» ، رواه أبو داود من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه. والغلول إثمه عظيم فقد «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال استشهد مولاك أو قال غلامك فلان قال بل يجر إلى النار في عباءة غلها» ، رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح. وأغرب من ذلك أن تدخل الرشوة في التعليم والثقافة فينجح من أجلها من لا يستحق النجاح أو تقدم له أسئلة الامتحان أو يشار إلى أماكنها من المقررات أو يتساهل المراقب في مراقبة الطالب من أجلها فيتقدم هذا الطالب مع ضعف مستواه ويتأخر من هو أحق منه لقوة مستواه العلمي.

стр. 238

عباد الله: لقد سمعتم عقوبة الراشي والمرتشي في الآخرة وهي اللعن والطرد عن رحمة الله وسمعتم شيئًا من مفاسدها في المجتمع ألا يكون في ذلك رادع عنها لكل مؤمن يخشى الله ويخاف عقابه ولكل مخلص يحافظ على دينه ومجتمعه كيف يرضى أن يعرض نفسه لعقوبة الله، كيف يرضى أن يذهب دينه وأمانته من أجل حطام الدنيا لا يدري لعله لا يأكله فيموت قبل أن ينعم به كيف يليق بالعاقل أن يسعى في فساد المجتمع وهلاكه. إن الأعمال أيها المسلمون دروس يأخذها الناس بعضهم من بعض فإذا فشت الرشوة في جهة من جهاته انتشرت في بقية الجهات وصار من عمل بها مقتديًا به إلى يوم القيامة. فاتقوا الله عباد الله وحافظوا على دينكم وأمانتكم وفكروا قليلًا أي خير لكم أن تكونوا قائمين بالعدل بعيدين عن الدناءة حائزين لرضاء الله ومثوبته أم تكونوا جائرين مُخْلِدين إلى الأرض متعرضين لسخط الله وعقوبته. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا - إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا - لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧٣] اللهم وفقنا للهدى واعصمنا من أسباب الجهل والردى وسلمنا من آفات النفوس واختم بالصالحات أعمالنا واغفر لنا ولجميع المسلمين. أقول

стр. 239

هذا القول وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 240

[مضار الخمر والتحذير منه] مضار الخمر والتحذير منه الحمد الله الذي أباح لعباده جميع الطيبات وحرم عليهم الخبائث والمضرات وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل العظيم والعطاء العميم وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم القويم وسلم تسليمًا. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى وتمتعوا بما أباح الله لكم من الطيبات واشكروه عليها بأداء حقوقه التي أوجبها عليكم فإن الشكر سبب لدوام النعم ومزيدها واحذروا ما حرمه عليكم من المطاعم والمشارب فإنه لو كان فيها خير لكم ما حرمها عليكم لأنه الجواد الكريم وإنما حرم عليكم ما فيه ضرركم دينًا ودنيًا رحمة بكم وهو الرؤوف الرحيم فمما حرمه الله عليكم في كتابه وعلى لسان رسوله وأجمع على تحريمه المسلمون الخمر الذي سماه النبي ﷺ أم الخبائث وقال: «هي مفتاح كل شر» ، وأخبر الله في كتابه: أنه ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] ووردت الأحاديث الكثيرة في تحريمه والتحذير منه والوعيد لشاربه قال أنس بن مالك ﵁: «لعن رسول الله ﷺ في الخمرة عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري له والمشتراة له» ، كل هؤلاء ملعونون على لسان محمد، وقال ﷺ : «لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» ، وقال: «مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن» ، وقال: «من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة» ، وقال:

стр. 241

«لا يدخل الجنة مدمن خمر» ، وقال: «إن عند الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قيل وما طينة الخبال قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار القيح والدم. ومن شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» ، والخمر اسم جامع لكل ما خامر العقل أي غطاه سكرًا وتلذذًا من أي نوع كان وقد ذكر علماء الشريعة والطب والنفس والاجتماع للخمر مضار كثيرة فمن مضاره أنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة لأن صاحبه يتعلق به ولا يكاد يفارقه وإذا فارقه كان قلبه معلقًا به ومن مضاره ما فيه من الوعيد الشديد والعقوبات، ومن مضاره أنه يفسد المعدة ويغير الخلقة فيتمدد البطن، وتجحظ العيون، والسكارى يسرع إليهم تشوه الخلقة والهرم وحدوث السل الرئوي وتقرح الأمعاء وإضعاف النسل أو قطعه بالكلية ومن مضاره فساد التصور والإدراك عند السكر حتى يكون صاحبه بمنزلة المجانين ثم هو بعد ذلك يضعف العقل وربما أدى إلى الجنون الدائم ومن مضاره إيقاع العداوة والبغضاء بين شاربيه وبين من يتصل بهم من المعاشرين والمعاملين لأن قلوب أهل الخمر معلقة به فهم في ضيق وغم لا يفرحون ولا يسرون بشيء إلا بالاجتماع عليه كل كلمة تثيرهم وكل عمل يضجرهم ومن مضاره قتل المعنويات والأخلاق الفاضلة وأنه يغري صاحبه بالزنا واللواط وكبائر الإثم والفواحش فصلوات الله وسلامه على من سماه أم الخبائث ومفتاح كل شر ومن مضاره أنه يستهلك الأموال ويستنفذ الثروات حتى يدع الغني فقيرًا وربما بلغت به الحال أن يبيع عرضه أو عرض حرمه للحصول عليه ولقد كانت الدول الكافرة المتحضرة تحاربه أشد المحاربة

стр. 242

وتُكَوِّن الجمعيات العديدة للتحذير عنه والسعي في نهي المجتمع عنه لما علموا فيه من المضار الخلقية والاجتماعية والمالية ولقد سبقهم الإسلام في ذلك فحذر منه غاية التحذير ورتب عليه من العقوبات الدنيوية والأخروية ما هو معلوم لعامة المسلمين حتى جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إذا سكر فاجلدوه ثم إذا سكر فاجلدوه ثم إن سكر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه» ، وقد أمر النبي ﷺ حين حرمت الخمر أن تراق في الأسواق وتكسر أوانيها، وحرق أمير المؤمنين عمر بيت رجل يقال له رويشد كان يبيع الخمر وقال له: " أنت فويسق ولست برويشد "، والحشيش من الخمر بل هو أخبث منه من جهة إفساد العقل والمزاج وفقد المروءة فإن متعاطيها تظهر عليه علامات التخنث والدياثة على نفسه حتى تنحط غريزته الجنسية، جنبني الله وإياكم منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء ووفقنا للتوبة النصوح والرجوع إليه وعافانا من البلاء. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ - إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ - وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩٢] بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 243

[عقوبة الزنا واللواط] عقوبة الزنا واللواط الحمد لله الذي شرع العقوبة للعصاة لتكون ردعًا لغيرهم من الآثمين الطغاة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل النبيين وقائد المصلحين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا. أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعرفوا نعمة الله عليكم بهذا الدين الكريم الجامع بين الرحمة والحكمة، رحمة في إصلاح الخلق وحكمة في اتباع الطريق الموصل إلى الهدف الأسمى. أيها الناس: إن من طبيعة البشر أن يكون لهم نزعات متباينة، فمنها نزعات إلى الخير والحق، ومنها نزعات إلى الباطل والشر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] ولما كانت النفوس الشريرة والنزعات الخاطئة والأعمال السيئة لا بد لها من رادع يكبح جماحها ويخفف من حدتها شرع رب العباد وهو الحكيم العليم الرءوف الرحيم حدودًا وعقوبات متنوعة بحسب الجرائم لتردع المعتدي وتصلح الفاسد وتقيم المعوج وتكفر عن المجرم جريمته إذ لا يجمع الله عليه بين عقوبة الدنيا والآخرة فأوجب إقامة الحدود لمرتكبي الجرائم كل بحسب جريمته: فالسارق تقطع يده لأنه يسرق بها غالبًا، وقطاع الطريق إذا قَتَلُوا قُتِلُوا وإن أخذوا المال فقط قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف لأنهم يستعينون على قطع الطريق بأرجلهم وأيديهم فقطعت أيديهم وأرجلهم من

стр. 244

خلاف نكالا وجزاء من جنس عملهم، وقاذف المحصنات والمحصنين يجلد ثمانين جلدة حتى لا تنتهك الأعراض، وشارب الخمر عقوبته يحصل بها الردع عند تناول هذا الشرب الذي وصفه النبي ﷺ بأنه أم الخبائث ومفتاح كل شر. أما جريمة فساد الأخلاق وانهيار المجتمع تلك الجريمة التي تكمن في فعل الزنا واللواط فإنها جريمة عظيمة رتب الشارع عليها عقوبة أكبر فالزاني الذي يطأ فرجا حراما إما أن يكون محصنا وإما أن يكون غير محصن فالمحصن هو البالغ العاقل الذي تزوج امرأة ووطئها بنكاح صحيح فإذا زنى فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين إذا كان مسلمًا، وأما غير المحصن وهو من لم يتزوج على الوصف الذي ذكرنا فإنه إذا زنى جلد مائة جلدة ويسفر عن البلد سنة كاملة. أيها المسلمون: وإذا كان الزنا بالفرج موجبًا لهذه العقوبة فإنّ هنا زنا آخر دون ذلك يوجب الإثم والعقوبة الأخروية وربما كان سببًا في الوقوع في الزنا الأكبر ألا وهو زنا الجوارح الأخرى وهو ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرِّجل زناها الخطى والقلب يهوى ويتمنى» . أما اللواط وهو وطء الذكر الذكر، فذلك الفاحشة الكبرى والجريمة النكراء، إنه مفسدة الدنيا والدين، إنه هدم للأخلاق ومحق للرجولة، إنه فساد للمجتمع وقتل للمعنويات، إنه ذهاب للضر والبركات وجالب للشرور والمصيبات، إنه معول خراب ودمار وسبب للذل والخزي والعار، والعقول تنكره، والفطر السليمة ترفضه، والشرائع السماوية تزجر عنه وتمقته، ذلكم بأن

стр. 245

اللواط ضرر عظيم وظلم فاحش فهو ظلم للفاعل بما جر إلى نفسه من الخزي والعار وقادها إلى ما فيه الموت والدمار، وهو ظلم للمفعول به حيث هتك نفسه وأهانها ورضي لها بالسفول والانحطاط ومحق رجولتها، فكان بين الرجال بمنزلة النساء لا تزول ظلمة الذل من وجهه حتى يموت، وهو ظلم للمجتمع كله بما أفضى إليه من حلول المصائب والنكبات ولقد قص الله علينا ما حصل لقوم لوط حيث أنزل عليهم رجزًا من السماء - أي عذابًا من فوقهم - فأمطر عليهم حجارة من سجيل، فجعل قريتهم عاليها سافلها وقال بعد أن قص علينا عقوبتهم: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] أيها المسلمون: متى فشت هذه الفاحشة في المجتمع ولم يعاقبه الله بدمار الديار، فإنه سيحل به ما هو أعظم من ذلك سيحل به انتكاس القلوب وانطماس البصائر وانقلاب العقول حتى يسكت على الباطل أو يزين له سوء عمله فيراه حسنًا، وأما إذا يسر الله له ولاة أقوياء ذوي عدل أمناء يقولون الحق من غير مبالاة وينفذون الحق من غير محاباة فإن هذا علامة التوفيق والصلاح. أيها المسلمون: ولما كانت هذه الجريمة من أعظم الجرائم كانت عقوبتها في الشرع من أعظم العقوبات فعقوبتها القتل والإعدام قال النبي ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» ، واتفق جمهور الصحابة أو كلهم بمقتضى العمل بهذا الحديث، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لم يختلف أصحاب رسول الله ﷺ في قتله سواء كان فاعلًا أم مفعولًا به، ولكن اختلفوا كيف يقتل فقال بعضهم يرجم

стр. 246

بالحجارة وقال بعضهم يلقى من أعلى مكان في البلد حتى يموت وقال بعضهم يحرق بالنار فالفاعل والمفعول به إذا كان راضيًا كلاهما عقوبته الإعدام بكل حال سواء كانا محصنين أم غير محصنين لعظم جريمتهما وضرر بقائهما في المجتمع فإن بقاءهما قتل معنوي لمجتمعهما وإعدام للخلق والفضيلة ولاشك أن إعدامهما خير من إعدام الخلق والفضيلة. أيها المسلمون: إن علينا كمجتمع إسلامي قوامه الدين والأخلاق - ولله الحمد - أن نجتهد بقدر ما نستطع على التمسك بديننا، والتخلق بالأخلاق الفاضلة، وأن يسعى كل منا من الولاة فمن دونهم لمنع الفساد والمفسدين، وإصلاح المجتمع، وأن نتخذ الحيطة ونتبع مواقع الفساد لتطهيرها. على كل منا أن يراقب حال أولاده وأهله الذكور والإناث، فيمنع نساءه من الخروج متبرجات بثياب الزينة والطيب وغيره مما يلفت النظر، ويتفقد أولاده أين ذهبوا، وأين غابوا، ومَن أصحابهم، ومَن جلساؤهم، وأن يمنعهم من مخالطة السفهاء ومعاشرة من يخشى الفساد بمعاشرتهم، وعلى كل أهل حارة ومحلة أن يتفقدوا محلتهم وحارتهم ويتعاونوا على منع الشر والفساد فإذا أصلح الرجل أهله، وأصلح أهل الحارة جيرانهم، وحرص الولاة على إصلاح بلدهم، حصل بذلك من الخير ما يكفل السعادة للمجتمع، وإن أهمل الناس واجبهم في هذا، فاتهم من الخير بقدر ما فوتوا من الواجب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر

стр. 247

الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 248

[خطر الغيبة والنميمة] خطر الغيبة والنميمة الحمد لله العليم بما نخفي وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، أحمده سبحانه حمد من شغله عيبه عن عيوب الآخرين، وأشكره، وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وإذا مروا باللغو مروا كرامًا، وعلى أتباعه الذين حفظوا أنفسهم وألسنتهم من أن تجر إلى المسلمين سوءًا وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد فيا أيها المسلمون: اتقوا الله ولا تلقوا بأنفسكم في تيار الغيبة والنميمة فإنهما خصلتان قبيحتان ذواتا خطر كبير على العلاقات الأخوية والروابط الإسلامية، ما فشت إحداهما في أمة إلا وفرقت كلمتها وباعدت بين قلوب أهلها وأزاحت الستار عن مواطن الضعف لعدوهم فأتاهم من حيث لا يشعرون. أتدرون ما معناهما؟ النميمة هي نقل كلام شخص لآخر على وجه التحريش والإفساد. وما أكثر ما يجره هذا النقل على الإنسانية من ويلات ومصائب، ما أكثر ما يغرس من بذور للشر تفرق بين الأخ وأخيه والمرء وزوجه والصديق وصديقه فتبدل المحبة بغضًا والصفو كدرًا كيف لا تبدله وهي عدوة السلام عدوة الوفاق والوئام، ناشرة البغضاء ومرسية قواعد الشحناء، لذا عدها العلماء من أنواع السحر. ذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبى كثير قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة، فيا ذوي النفوس العالية اربأوا بنفوسكم عن النميمة

стр. 249

فهي من أحط الأخلاق وأرذلها فما اتصف بها إلا لئيم يهتك الأستار وينشر الأسرار. دعوها فلطالما خربت بيوتا عامرة وفرقت أسرا مجتمعة وأزهقت أرواحا بريئة. تثبتوا إذا نقل إليكم النمام ما يجرح المشاعر أو يثيرها فإنه فاسق. والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] وإياكم والانخداع بالوشاة والنمامين فإن من نم لكم نم عليكم، فالنمام خائن ولو كان صادقا، مستهين بالتعاليم السماوية التي ذمت وتوعدت كل هماز مشاء بنميم، ذمته وآذنته بأنه لا يدخل الجنة. يقول رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة نمام» ، رواه مسلم. وقال «ألا أخبركم بشراركم» ؟ «المشاؤون بالنميمة» ، الحديث، رواه أحمد. وأما الغيبة فهي: ذكرك أخاك بما يكره سواء في خلقه أو خلقه في غيبته، سواء كان فيه، ما ذكرت أو لم يكن فيه، «سئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: " ذكرك أخاك بما يكره "، فقال: رجل أرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: " بأن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته» ، فاتقوا الله عباد الله ولا تلوثوا أخلاقكم بالغيبة فقد نهاكم الله تعالى عنها في قوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ثم صور لكم بعد ذلك حالة المغتاب تصويرا بشعا تشمئز منه النفوس وتنفر منه الطباع البشرية فقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] فهل تطيب نفس - يا عباد الله - ذات إباء ودين وشهامة أن تأكل لحما اجتمع فيه ثلاث صفات كل واحدة منهن في منتهى القبح والفظاعة، وهذه الثلاث هي: كونه لحم

стр. 250

إنسان، وهذا الإنسان هو أخوك، وأخوك هذا ميت، فكيف لو كان حيًّا. أيها المسلمون: ابتعدوا عن هذه الرذائل وطهروا ألسنتكم من قليلها وكثيرها فقد ورد أن عائشة ﵂ قالت لرسول الله ﷺ : «حسبك من صفية أنها كذا وكذا - تعني قصيرة، فقال: " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» ، وخافوا عذاب القبر فإن الغيبة والنميمة من أسباب عذاب القبر، ولا تعرضوا أنفسكم لدخول النار فقد جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لما عرج بي إلى السماء مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت لجبريل من هؤلاء فقال الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» ، فاتقوا الله أيها المسلمون واحترموا أعراض إخوانكم كما احترمها الإسلام فقد نادى بتحريمها رسول الله ﷺ في أكبر مجمع فقال وهو واقف بعرفة يخطب الناس في خطبة الوداع «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا» ، هذه يا عباد الله تعاليم الإسلام تبين لنا بوضوح قبح مصير المغتاب والنمام وسوء أثرهما في المجتمع لما ينشرانه من مخاز ويتبعانه من عثرات كالذباب لا يسقط إلا على النتن والقاذورات وقد حرم الدين تتبع عورات المسلمين، يقول ﷺ : «من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه في جوف بيته» ، ويقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]
следующие страницы →