الضَّمان، وقد تقدَّم ذلك (١).
وأمَّا المكرهة على الوطء في الحجِّ والصِّيام إذا أفسدنا حجَّها وصيامها (٢)؛ فهل تجب عليها الكفَّارة في مالها، أو لا يجب عليها شيء، أو يجب على الزَّوج أن يتحمَّلها عنها؟
على ثلاث روايات، وتأوَّل بعضهم الأولى على أنَّها ترجع بها على الزَّوج.
والمكرَه على حلق رأسه في الإحرام؛ تجب الفدية على الحالق في أشهر الوجهين، قاله أبو بكر.
والثَّاني: على المحلوق، يرجع بها على الحالق، ذكره ابن أبي موسى وجهاً؛ لأنَّ حلق الشَّعر كالإتلاف، ولهذا يستوي عمده وسهوه على المشهور (٣).
ومن صور القسم الثَّالث (٤)(٥) مسائل:
стр. 1017
منها: المكرَه على القتل، والمذهب: اشتراك المكرَه والمكرِه في القَوَد والضَّمان؛ لأنَّ الإكراه ليس بعذر في القتل.
وذكر القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في باب الرَّهن: أنَّ أبا بكر ذكر أنَّ القود على المكرَه المباشر، ولم يذكر على المكرِه قوداً، قالا: والمذهب وجوبه عليهما؛ كما نصَّ عليه أحمد (١) في الشُّهود الرَّاجعين إذا اعترفوا بالعمد (٢)(٣).
وقد بيَّن القاضي في «خلافه» كلام أبي بكر، وأنَّه قال في الأسير إذا أُكره على قتل مسلم فقتله؛ فعليه القود، وههنا المكرِه ليس من أهل الضَّمان؛ لأنَّه حربيٌّ؛ فلذلك لم يذكر تضمينه.
وذكر ابن الصَّيرفيِّ أنَّ أبا بكر السَّمرقنديِّ (٤) من أصحابنا خرَّج وجهاً: أنَّه لا قود على واحد منهما، من رواية امتناع قتل الجماعة بالواحد، وأولى؛ لأنَّ السَّبب ههنا غير صالح في كلِّ واحد منهما؛ لأنَّ أحدهما
стр. 1018
متسبِّب والآخر مُلجَأ، وفي صورة الاشتراك هما مباشران مختاران.
ومنها: الممسِك مع القاتل؛ فإنَّهما يشتركان في الضَّمان والقود على إحدى الرِّوايتين.
وفي الأخرى: يختصُّ بالقود (١) المباشر بهما، ويُحبس الممسِك حتَّى يموت.
ومنها: لو حفر بئراً عدواناً في الطَّريق، فوضع آخر حجراً إلى جانبها؛ فهل يختصُّ بالضَّمان الواضع؛ جعلاً له كالدَّافع، أو يشتركان فيه؛ كالممسك والقاتل؟ على روايتين.
ولو كان الحافر غير متعدٍّ؛ فالضَّمان على الواضع وحده، وهي من صور القسم الثَّاني (٢).
ومنها: لو دلَّ المودَع لصًّا على الوديعة، فسرقها؛ فالضَّمان عليهما، ذكره القاضي وغيره؛ كما لو دلَّ المحرِم محرِماً آخر على صيد فقلته.
ولو دلَّ حلالاً؛ فالضَّمان على المحرِم وحده، وهي من صور القسم الثَّاني.
ومنها: لو أحرم وفي يده المشاهدة صيد، وتمكَّن من إرساله، فلم
стр. 1019
يفعل حتَّى قتله محرم آخر؛ ففيه احتمالان ذكرهما القاضي في «المجرَّد»:
أحدهما: الضَّمان على القاتل؛ لأنَّه مباشر، والأوَّل متسبِّب غير ملجِئ.
والثَّاني: الضَّمان عليهما، على الأوَّل باليد، وعلى الثَّاني بالمباشرة.
ويتخرَّج على هذين الوجهين: كلُّ من أتلف عيناً في يد من هي مضمونة عليه باليد؛ هل يضمن المتلف وحده الجميع دون صاحب اليد، أو يجوز تضمين صاحب اليد ويرجع على المتلف؟
وفرض القاضي في كتاب التَّخريج مسألة الصَّيد في حلالين: صاد أحدهما في الحرم صيداً، فقتله الآخر فيه، وذكر أنَّ عليهما جزاءين كاملين: أحدهما على القاتل بقتله، والآخر على الممسك؛ لتلفه في يده قبل إرساله، ثمَّ يرجع الَّذي في يده على القاتل بما غرمه؛ لأنَّه قرَّر عليه ضماناً كان قادراً على التَّخلُّص منه بالإرسال.
وصرَّح في أثناء المسألة بأنَّ المغصوب إذا أتلفه متلِف في يد الغاصب؛ كان المالك مخيَّراً في المطالبة لمن شاء منهما.
стр. 1020
قاعدة [١٢٨]
إذا اختلف حال المضمون (١) في حالي الجناية والسِّراية .
فههنا أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون مضموناً في الحالين، لكن يتفاوت قدر الضَّمان فيهما (٢)؛ فهل الاعتبار بحال السِّراية أو بحال الجناية؟ على روايتين (٣).
والقسم الثَّاني: أن يكون مهدراً في الحالين (٤)؛ فلا ضمان بحال.
والثَّالث: أن تكون الجناية مهدرة والسِّراية في حال الضَّمان؛ فتهدر (٥) تبعاً للجناية بالاتِّفاق.
стр. 1021
والرَّابع: أن يكون الجناية في حال الضَّمان والسِّراية في حال الإهدار (١)؛ فهل يسقط الضَّمان أم لا؟ على وجهين.
فأمَّا القسم الأوَّل (٢)؛ فله أمثلة:
منها: لو جرح ذميًّا، فأسلم ثمَّ مات؛ فلا قود، وهل تجب فيه دية مسلم أو دية ذميٍّ؟ على وجهين:
اختار القاضي وأبو الخطَّاب: وجوب دية ذميٍّ؛ اعتباراً بحال الجناية.
وابن حامد: وجوب دية مسلم، وذكر ابن أبي موسى أنَّه نصُّ أحمد (٣).
وبكلِّ حال؛ فالدِّية تكون لورثته من المسلمين؛ لأنَّه استَحَقَّ أرش جرحه حيًّا، فملكه ثمَّ أسلم ومات؛ فانتقل ما ملكه إلى ورثته المسلمين، ذكره القاضي في «خلافه»، وأبو الخطَّاب في «الانتصار».
ومنها: لو جرح عبداً، ثمَّ أُعتق، ثمَّ مات من الجرح؛ فهل يضمن بقيمته أو بدِيَته؟ على روايتين.
стр. 1022
نقل حنبل عن أحمد: يضمنه (١) بقيمته (٢)، لا بالدِّية (٣)، وكذلك ذكره أبو بكر في «خلافه»، ونصره القاضي في «الخلاف» أيضاً.
ونقل ابن منصور عنه فيمن ضرب بطن أمة، فأعتقت، ثمَّ أسقطت جنيناً حيًّا، ثمَّ مات: هو حرٌّ (٤)، وعليه ديته (٥)؛ لأنَّ العتق لا يجب إلَّا بالولادة (٦)، وهذا اختيار ابن حامد، حكاه عنه القاضي: أنَّه يجب أقلُّ الأمرين من قيمة العبد أو الدِّية (٧).
وحكى أبو الخطَّاب عن القاضي: أنَّ ابن حامد أوجب دية حرٍّ، للمولى منها أقلُّ الأمرين من نصف الدِّية، أو نصف القيمة (٨)، والباقي لورثته.
وذكر القاضي في «المجرَّد» احتمالاً بوجوب أكثر الأمرين من القيمة
стр. 1023
أو الدِّية (١).
وذكر ابن أبي موسى أنَّ المنصوص في الذميِّ إذا أسلم: وجوب دية مسلم، وفي العبد إذا أُعتق (٢): قيمة عبد، ثمَّ خرَّج المسألتين على روايتين.
وعلى الأولى؛ فجميع القيمة للسَّيِّد، ذكره أبو بكر والقاضي والأصحاب؛ لأنَّ السِّراية لا تثبت منفردة، وإنَّما تجب تابعة للجناية، وقد ثبت أرش الجرح للسَّيِّد حين كان المجروح عبداً لا يملك؛ فتتبع السِّراية الجناية، ويكون أرشها لمستحِقِّ أرش الجناية، وهو السَّيِّد.
وهكذا لو باعه المولى بعد الجرح، ثمَّ مات عند المشتري؛ فالقيمة كلُّها للأوَّل، ذكره القاضي.
وذكر ابن الزاغونيِّ في «الإقناع» فيما إذا قطع يَدَي عبد وقيمته ألفَا دينار، فأعتقه سيِّده، ثمَّ مات؛ احتمالين:
أحدهما: أنَّ الألفين بين السَّيِّد والورثة نصفين؛ توزيعاً للقيمة على السِّراية والجناية.
والثَّاني: يُقسم بينهما أثلاثاً (٣)؛ لأنَّ للسَّيِّد ما يقابل اليدين، وهو كمال القيمة (٤)، وللورثة كمال الدِّية (٥)، وهي بقدر نصف القيمة.
стр. 1024
ولا قصاص على الحرِّ المسلم في هذه المسألة والَّتي قبلها؛ لانتفاء المكافأة حال الجناية.
تنبيه:
ذكر القاضي في «خلافه» أنَّ رواية الضَّمان بدية حرٍّ، نقلها حرب عن أحمد (١)، وتبعه صاحب «المحرَّر» وزاد: أنَّ للسَّيِّد منها أقلَّ الأمرين.
ولم ينقل حرب شيئاً من ذلك، وإنَّما نقل أنَّه ذكر له قول الزُّهريِّ: يضمنه (٢) بقيمة مملوك؛ فقال: ما أدري كيف هذا؟ ولم يُجِب فيه بشيء، وهذا يدلُّ على أنَّه أنكر ضمانه بالقيمة، وإنَّما نقل ابن منصور عن أحمد أنَّه يضمنه بدية حرٍّ كاملة باللَّفظ الَّذي زعم القاضي أنَّ حرباً نقله.
ومنها: لو ضرب بطن أمة حامل، فأُعتقت، أو جنينها، ثمَّ ألقته ميِّتاً؛ فهل يضمنه بغرَّة جنين حرٍّ، أو بقيمة جنين أمة؟ على وجهين (٣).
وكذلك لو ضرب بطن نصرانيَّة حامل بنصرانيٍّ، ثمَّ أسلمت، ثمَّ ألقت جنيناً ميِّتاً؛ هل يضمنه ضمان جنين مسلم أو ذميٍّ؟ على الوجهين.
ومنها: لو قطع يدي عبد، وقيمته ألفان، ثمَّ سرت إلى نفسه ومات
стр. 1025
وقيمته ألف؛ فقال القاضي في «خلافه»: قياس المذهب أنَّه يضمنه بألفين؛ لأنَّ نقصان القيمة كنقصان بدله بالحريَّة (١)، وقد قلنا: يُضمن بألفين إذا أعتق (٢)، كذلك هنا، قال: وهذا (٣) موضع مجمع عليه؛ لأنَّ موته حصل بقطع يده، وقيمته في تلك الحال ألفان.
ويلتحق بهذا: ما إذا جَرح ذميٌّ (٤) خطأ، ثمَّ أسلم (٥) وسرى الجرح إلى النَّفس، وفيه ثلاثة أوجه مذكورة في «المغني» و «المحرَّر»:
أحدها: الدِّية على عاقلته (٦) حال الجرح، وبه جزم في «الكافي» و «المحرَّر»؛ اعتباراً بحال الجناية.
والثَّاني: على عاقلته أرش الجرح، والزَّائد بالسِّراية في ماله؛ لأنَّه حصل بعد مخالفته لدين عاقلته.
والثَّالث: الدِّية كلُّها في ماله؛ كما لو اختلفت ديته حال الرَّمي
стр. 1026
والإصابة على ما يأتي ذكره؛ لأنَّ أرش الجرح إنَّما يستقرُّ بالاندمال أو السِّراية.
ولو كان الجاني ابن معتقة لقوم، ثمَّ انجرَّ ولاؤه إلى موالي أبيه؛ ففي «المحرَّر»: هو على هذا الخلاف.
وفي «الكافي»: الدِّية في ماله، ولم يذكر خلافاً.
وأمَّا القسم الثَّاني (١)؛ فمن أمثلته: ما إذا جرح عبداً حربيًّا، ثمَّ عتق (٢)(٣)، ثمَّ مات، أو جرح عبداً مرتدًّا، ثمَّ عتق (٤)، ثمَّ مات؛ فلا ضمان؛ لأنَّ الحربيَّ والمرتدَّ لا يُضمَن، حرًّا كان أو عبداً (٥).
وأمَّا القسم الثَّالث (٦)؛ فله أمثلة:
منها: لو جرح حربيًّا، ثمَّ أسلم، ثمَّ مات؛ فلا ضمان.
стр. 1027
ومنها: لو جرح مرتدًّا، ثمَّ أسلم، ثمَّ مات؛ فلا ضمان أيضاً.
وذكر صاحب «التَّرغيب» أنَّ الضَّمان هنا مخرَّج على الضَّمان فيما إذا طرأ الإسلام بعد الرَّمي وقبل الإصابة.
ومنها: لو جرح صيداً في الحلِّ، ثمَّ دخل الحرم فمات فيه؛ فلا ضمان، ويحلُّ أكله؛ لأنَّه ذكَّاه في الحلِّ، ذكره القاضي، ونصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور، وقد سأله عن قول سفيان في صيد رُمي في الحلِّ، فتحامل، فدخل في الحرم، فمات؛ قال: ليس عليه كفَّارة، ويكره أكله؛ لأنَّه مات في الحرم. قال أحمد: ما أحسن ما قال! (١) وهذه الكراهة كراهة تنزيه.
ومنها: لو جرح عَبْدَ نفسِه، ثم عتق، ثمَّ مات؛ فهل يضمنه (٢) أم لا (٣)؟ على وجهين ذكرهما في «التَّرغيب»؛ لأنَّ عبد نفسه إنَّما يهدر ضمانه على السَّيِّد دون غيره؛ فهو مضمون في الجملة، بخلاف المرتدِّ والحربيٍّ (٤).
وظاهر كلام القاضي: أنَّه يضمنه بدية حرٍّ.
وأمَّا على قول أبي بكر: (إنَّ الضَّمان بالقيمة)؛ فلا إشكال في عدم ضمانه، ولهذا خرَّجه صاحب «الكافي» على الوجهين في الاعتبار بحال
стр. 1028
الجناية أو السِّراية.
وأمَّا القسم الرَّابع؛ فله أمثلة:
منها: لو جرح مسلماً أو قطع يده عمداً، فارتدَّ ثمَّ مات؛ فهل يجب القود في طرفه أم لا؟ على وجهين، المرجَّح منهما عدمه؛ لأنَّ الجراحة صارت نفساً لا قود فيها بالاتِّفاق.
وفي «التَّرغيب»: أصل الوجهين الخلاف فيما إذا قطع يده عمداً، فسرت إلى نفسه؛ هل يقتصُّ في الطَّرف ثمَّ في النَّفس، أم في النَّفس فحسب؟
وعلى وجه ثبوت القود؛ هل يستوفيه الإمام أو وليُّه المسلم؟ على وجهين، والمحكي عن أبي بكر أنَّه يستوفيه الوليُّ.
قال في «التَّرغيب»: أصلهما أنَّ ماله هل هو فيء، أو لورثته وهو ظاهر كلام الآمديِّ؟ قال في «التَّرغيب» (١): وعلى القول بأنَّ الوارث يستوفيه لو عفا على مال؛ لم يكن له المال؛ لامتناع إرثه (٢).
وفي «المحرَّر»: الوجهان على قولنا: ماله فيء.
وأمَّا ضمان طرفه؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا ضمان أيضاً؛ لأنَّ الجناية صارت نفساً مهدرة.
стр. 1029
والثَّاني: يضمن؛ لثبوت الضمان في (١) الطَّرَف قبل الرِّدَّة.
ثمَّ هل يضمن بأقلِّ الأمرين من دية النَّفس أو الطَّرَف، أو بدية الطَّرَف مطلقاً؟ على وجهين، المرجَّح منهما الأوَّل، ولم يذكر في «المحرَّر» سواه.
ومنها: لو جرح صيداً في الحرم، فخرج إلى الحلِّ فمات؛ لزمه كمال ضمانه، ذكره القاضي وأبو الخطَّاب في «خلافيهما»؛ تغليباً لضمان الصَّيد، حيث كان له حالان يضمن في أحدهما دون الآخر؛ كالمتولِّد بين مأكول وغيره.
ويتوجَّه: أن يضمن أرش جرحه خاصَّة من المسألة الَّتي قبلها.
стр. 1030
قاعدة [١٢٩]
إذا تغيَّر حال المرميِّ أو الرَّامي بين الرَّمي والإصابة ؛ فهل الاعتبار بحالة الإصابة، أم بحالة الرَّميِ، أم يفرَّق بين القود والضَّمان، أم بين أن يكون الرَّمي مباحاً أو محظوراً؟ فيه للأصحاب أوجه.
ويتفرَّع على ذلك مسائل:
منها: لو رمى مسلم ذميًّا، أو حرٌّ عبداً، فلم يقع بهما السَّهم حتَّى أسلم الذِّميُّ، وعتق العبد، ثمَّ ماتا؛ فهل يجب القود أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجب، وهو قول الخرقيِّ وابن حامد، وصحَّحه القاضي؛ لفقد التَّكافؤ حين الجناية، وهو حالة الإرسال؛ فهو كما لو رمى إلى مرتدٍّ ثمَّ أسلم (١) قبل الإصابة.
والثَّاني: يجب، وهو قول أبي بكر، وأخذه ممَّا روى الحسن بن محمَّد بن الحارث (٢) عن أحمد في رجل أرسل سهماً على زيد،
стр. 1031
فأصاب عمراً؛ قال: (هو عمد، عليه القود) (١)، فاعتبر الرَّمي المحظور إذا أصاب به معصوماً؛ وإن كان غير المقصود.
وفرَّق أبو بكر بين رمي المرتدِّ والذِّميِّ: بأنَّ رمي المرتدِّ مباح.
وردَّه القاضي بأنَّ رميه إلى الإمام لا إلى آحاد النَّاس، فهو غير مباح لآحادهم (٢).
وأمَّا النَّص المذكور؛ فلم يُجِب عنه القاضي (٣)، ويمكن الجواب عنه: بأنَّه قصد هناك مكافئاً وأصاب نظيره، وهنا (٤) لم يقصد مكافئاً.
وقد خرَّج صاحب «الكافي» وجوب القصاص في مسألة النَّصِّ (٥) على قول أبي بكر (٦)، وقد تبيَّن أنَّها أصله (٧).
стр. 1032
وأمَّا صاحب «المحرَّر» فجعله (١) خطأ بغير خلاف؛ لأنَّه أصاب من لم يقصده، فأشبه ما إذا قصد صيداً.
وهذا ضعيف؛ لأنَّه قصد معصوماً، فأصاب نظيره، بخلاف من قصد صيداً (٢).
ولهذا لو قصد صيداً معيَّناً فأصاب غيره؛ حلَّ، بخلاف ما إذا رمى هدفاً يعلمه فأصاب صيداً؛ فإنَّه لا يحلُّ.
أمَّا لو ظنَّ الهدف صيداً فأصاب صيداً؛ فوجهان.
وقد يتخرَّج (٣) ههنا مثلهما لو رمى هدفاً يظنُّه آدميًّا معصوماً، فأصاب آدميًّا معصوماً غيره (٤)؛ لأنَّ أصل الرَّمي كان محظوراً.
стр. 1033
فهذا الكلام في القود.
وأمَّا الضَّمان؛ فيضمنه بدية حرٍّ (١)، ذكره الخرقيُّ والقاضي والأكثرون، ولم يحكوا فيه خلافاً؛ حتَّى نقل صاحب «التَّرغيب» اتِّفاق الأصحاب على ذلك؛ اعتباراً بحالة الإصابة، فإنَّه إنَّما أصاب حرًّا مسلماً، ويكون دِيَة المعتَق لورثته دون السِّيَّد، ذكره القاضي.
ومنها: لو رمى إلى مرتدٍّ أو حربيٍّ فأسلما، ثمَّ وصل إليهما السَّهم فقتلهما؛ فلا قود بغير خلاف؛ لأنَّ دمهما حال الرَّمي كان مهدراً.
وهل يجب الضَّمان؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: وجوبه فيهما، قاله القاضي في «خلافه»، والآمديُّ، وأبو الخطَّاب في موضع من «الهداية»، وعزاه غير واحد إلى الخرقيِّ؛ اعتباراً بحالة الإصابة، وهما حينئذٍ مسلمان معصومان، ولا أثر لانتفاء العصمة حال السَّبب؛ كما لو حفر بئراً لهما فوقعا فيها بعد إسلامهما؛ فإنَّه يضمنهما بغير خلاف، ذكره القاضي وغيره.
قال القاضي: ولا نسلِّم أنَّ رمي الحربيِّ والمرتدِّ مباح (٢) مطلقاً، بل هو مراعًى، فإن أسلم قبل الوقوع؛ تبيَّنا أنَّه لم يكن مباحاً.
والثَّاني: لا ضمان فيهما، وهو أشهر، وحكاه القاضي في روايتيه عن أبي بكر في المرتدِّ (٣)، وقال: لا خلاف فيه في المذهب، لأنَّ
стр. 1034
رميهما كان مأموراً به، وقد حصل على وجه لا يمكن تلافيه؛ فأشبه ما إذا جرحهما ثمَّ أسلما.
والثَّالث: يُضمَن المرتدُّ دون الحربيِّ، وأصل هذا الوجه طريقة القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل، وأبي الخطَّاب في موضع من «الهداية»: أنَّه لا يُضمَن الحربيُّ بغير خلاف، وفي المرتدِّ وجهان.
والفرق: أنَّ المرتدَّ قَتْله إلى الإمام؛ فالرَّامي إليه متعدٍّ، فهو كالرَّامي إلى الذِّميِّ، بخلاف الحربيِّ؛ فإنَّ لكلِّ أحد قتله، فرميه ليس بعدوان.
أمَّا عكسه، وهو لو رمى إلى معصوم، فأصابه السَّهم وهو مهدر، كمسلم ارتدَّ، أو ذميٍّ نقض العهد بين الرَّمي والإصابة؛ فلا ضمان، بغير خلاف أعلمه بين الأصحاب؛ لأنَّ الإصابة لم تصادف معصوماً، فهو كما لو رمى معصوماً، فأصابه السَّهم بعد موته.
وكذلك لو رمى عبداً قيمته عشرون ديناراً، فأصابه السَّهم وقيمته عشرة؛ فإنَّه يضمنه بقيمته (١) وقت الإصابة لا وقت الرَّمي، بغير خلاف، وذكره القاضي وغيره.
ومنها: لو رمى الذِّميُّ سهماً إلى صيد فأصاب آدميًّا، وقد أسلم الرَّامي؛ فقال الآمديُّ: يجب ضمانه في ماله؛ لأنَّه لم يكن مسلماً حال الرَّمي ليعقله (٢) عاقلته المسلمون، ولا يجب على عاقلته من أهل الذِّمَّة؛ لأنَّه حين الإصابة كان مسلماً، وبذلك جزم صاحب «المحرَّر» و «الكافي».
стр. 1035
وكذلك حكم ما إذا رمى ابن معتقه، فلم يصب حتَّى انجرَّ ولاؤه إلى موالي أبيه.
ولو رمى مسلم سهماً، ثمَّ ارتدَّ، ثمَّ أصاب سهمه فقتل؛ فهل تجب الدِّية في ماله اعتباراً بحال الإصابة، أم على عاقلته اعتباراً بحال الرَّمي؟ على وجهين ذكرهما صاحب «المستوعب».
ويخرَّج منهما في المسألتين الأوَّليَيْن وجهان أيضاً:
أحدهما: أنَّ الضَّمان على أهل الذِّمَّة وموالي الأمِّ.
والثَّاني: أنَّه على المسلمين وموالي الأب.
ومنها: لو رمى الحلال إلى صيد، ثمَّ أحرم قبل أن يصيبه؛ ضمنه، ولو رمى المحرم إلى صيد ثمَّ حلَّ قبل الإصابة؛ لم يضمنه؛ اعتباراً بحال الإصابة فيهما، ذكره القاضي في «خلافه» في الجنايات، قال: (ويجيء على قول أحمد فيمن رمى طيراً على غصن في الحلِّ أصله في الحرم؛ أن يضمن هنا في الموضعين؛ تغليباً للضَّمان) انتهى.
ويتخرَّج عدم الضَّمان فيما إذا رمى وهو محلٌّ، ثمَّ أحرم؛ من عدم ضمان الحربيِّ إذا أسلم قبل الإصابة؛ اعتباراً بإباحة الرَّمي، إلَّا أن يفرَّق: بأنَّ قصد الإحرام عقيب (١) الرَّمي تسبَّب إلى الجناية على الصَّيد فيه، ولا سيَّما إن قصد الرَّمي قبيل الإحرام لذلك.
ومنها: لو رمى الحلال من الحلِّ صيداً في الحرم فقتله؛ فعليه ضمانه على المنصوص، قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل رمى
стр. 1036
صيداً في الحلِّ، فأصابه في الحرم؛ قال: عليه جزاؤه (١).
وقال أيضاً في روايته، وذكر له قول سفيان: لو رمى شيئاً في الحلِّ، فدخلت رميته في الحرم (٢) فأصابت شيئاً؛ ضمن؛ لأنَّ يده الَّتي جنت، قال أحمد: (ما أحسن ما قال (! (٣).
وكذلك نصَّ أحمد في رواية ابن منصور: في شجرة في الحلِّ غصنها في الحرم عليه طير: لا يرمى (٤)، ولم يفصل بين رميه من الحلِّ والحرم.
وبهذا جزم ابن أبي موسى والقاضي والأكثرون، ولم يذكر القاضي في «خلافه» سواه؛ لأنَّه صيد معصوم بمحلِّه؛ فلا يباح قتله بكلِّ حال، وفيه الضَّمان.
وذكر القاضي في «المجرَّد»، وأبو الخطَّاب، وجماعة، رواية أخرى: أنَّه لا يضمنه؛ اعتباراً بحال الرَّامي ومحلِّه.
وهو ضعيف، ولا يثبت عن أحمد، وإنَّما أخذه القاضي من رواية ابن منصور في إباحة الاصطياد بالكلب وإرساله من الحرم إلى الحلِّ (٥)؛ قال: (فظاهر هذا: أنَّه متى كان أحدهما في الحلِّ والآخر في
стр. 1037
الحرم؛ فلا ضمان).
ولا يصحُّ؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ النَّصَّ في الكلب، والكلب له فعل اختياريٌّ، فإذا أرسله في الحرم على صيد في الحلِّ؛ فهو بمنزلة من وكَّل عبده في الحرم في شراء صيد من الحلِّ وذبحه فيه.
وهذا بخلاف ما إذا أرسل سهمه؛ لأنَّه منسوب إلى فعله.
ولهذا فرَّق أحمد في رواية ابن منصور بين أن يرسل سهمه من الحلِّ إلى صيد في الحلِّ، فيدخل الحرم، فيقتل فيه، فيضمنه، وبين أن يرسل الكلب، فلا يضمن؛ لأنَّ دخول الكلب في الحرم باختياره ودخول السَّهم بفعل الرَّامي، ولهذا لو أصاب سهمه هذا آدميًّا؛ لضمنه، ولو أصاب الكلب آدميًّا، لم يضمنه.
وإلى هذا التَّفريق أشار ابن أبي موسى؛ حيث ضمَّن في رمي السَّهم في المسألتين، ولم يضمِّن في صيد الكلب إذا أرسله في الحلِّ فصاد في الحرم (١)، إلَّا أن يرسله بقرب الحرم، وأمَّا إن أرسله في الحرم فصاد في الحلِّ؛ فحكى فيه روايتين، قال: (والأظهر عنه: أن لا جزاء فيه)، ولكنَّ القاضي إنَّما صرَّح بالخلاف في الكلب، وأبو الخطَّاب هو الَّذي طرد الخلاف في السَّهم.
والوجه الثَّاني: أنَّ هذا النَّصَّ إنَّما يدلُّ على انتفاء الضَّمان فيما إذا أرسل سهمه من الحرم على صيد في الحلِّ؛ لأنَّ صيد الحلِّ غير
стр. 1038
معصوم؛ فلا يصحُّ إلحاق صيد الحرم به.
وقد فرَّق طوائف من الأصحاب بين الصُّورتين:
فمنهم من جزم بنفي الضَّمان فيما إذا أرسل سهمه (١) من الحرم إلى الحلِّ، وبالضَّمان في العكس، من غير خلاف حكاه فيهما، وهو الشِّيرازيُّ في «المبهج».
ومنهم من حكى الخلاف فيهما وصحَّح الفرق، وهو صاحب «المغني».
ومنهم من حكى الخلاف فيما إذا أرسل سهمه من الحرم إلى الحلِّ، ولم يحكِ الخلاف في ضمان عكسه، وهو القاضي في «خلافه»، وأخذ نفي الضَّمان في الصُّورة الأولى من رواية ابن منصور المذكورة، والضَّمان من رواية ابن منصور أيضاً عن أحمد فيمن قتل صيداً على غصن في الحلِّ أصله في الحرم؛ أنَّه يضمنه.
وفي أخذ الضَّمان من هذا نظر؛ فإنَّ الغصن تابع لمحلٍّ معصوم، وهو أصل الشَّجرة الَّذي في الحرم؛ فكان حكمه حكم الحرم، بخلاف الحلِّ، ولهذا لم يفرِّق أحمد بين قتله من الحلِّ أو من الحرم؛ فدلَّ على أنَّ حكم الغصن عنده حكم الحرم.
ونقل ابن منصور عنه أيضاً وذكر له قول سفيان في شجرة أصلها في الحلِّ وأغصانها في الحرم وعليها طير، فرماه إنسان، فصرعه؛ قال: ما كان في الحلِّ؛ فليُرمَ، وما كان في الحرم؛ فلا يُرمَ، قال أحمد: (ما
стр. 1039
أحسن ما قال!) (١).
فجعل القاضي هذه رواية ثانية مخالفة للأولى، وحكى في الصَّيد الَّذي على غصن في الحلِّ أصله في الحرم روايتين.
وليس كذلك، فإنَّ أحمد ضمَّن الصَّيد في الأولى؛ إلحاقاً للفرع بأصله في الحرمة، ولم يضمِّن في الثَّانية؛ إلحاقاً للفرع بأصله في عدم الحرمة، وإنَّما ضمَّن ما كان على الغصن الَّذي في الحرم؛ لأنَّه في هواء الحرم؛ فهو معصوم بمحلِّه، وهو الحرم.
وجعل ابن أبي موسى الغصن تابعاً لقراره من الأرض دون أصله، وهو مخالف لنصِّ أحمد؛ لأنَّه في هواء الحرم (٢).
ومنها: هل الاعتبار في حلِّ الصَّيد بأهليَّة الرَّامي وسائر الشُّروط، حال الرَّميِ أو الإصابة؟ فيه وجهان:
أحدهما: الاعتبار بحال الإصابة، وبه جزم القاضي في «خلافه» في كتاب الجنايات، وأبو الخطَّاب في «رؤوس مسائله».
فلو رمى سهماً وهو محرم أو مرتدٌّ أو مجوسيٌّ، ثمَّ وقع السَّهم بالصَّيد وقد حلَّ أو أسلم؛ حلَّ أكله، ولو كان بالعكس؛ لم يحلَّ، وقد سبق الخلاف في المحرم.
والثَّاني: الاعتبار بحال الرَّمي، قاله القاضي في «خلافه» في كتاب
стр. 1040
الصَّيد، وأخذه من نصِّ أحمد في رواية يوسف بن موسى (١) في رجل رمى بنشَّاب وسمَّى، فمات الرَّامي قبل أن يصيب: فلا بأس بأكله إذا رماه بما يجرح.
وفرَّع عليه ما إذا رمياه جميعاً، فأصابه سهم أحدهما أوَّلاً فأثخنه، ثمَّ أصابه سهم الآخر فقتله؛ أنَّه يجوز أكله؛ لأنَّ الثَّاني أرسل سهمه قبل امتناعه والقدرة عليه؛ قال: (وقد أومأ إليه أحمد في رواية محمَّد بن الحكم في رجلين رميا صيداً فأصاباه جميعاً، فإن كانا قد ذكَّياه جميعاً؛ أكلاه، قال القاضي: معناه إذا كانا رمياه جميعاً بما له حدٌّ، ولم يفرِّق بين أن يتقدَّم إصابة أحدهما على الآخر أو يتأخَّر) انتهى.
وممَّا يتفرَّع على ذلك: التَّسمية؛ فإنَّها تشترط عند الإرسال، ولو سمَّى بعد إرساله؛ فإن انزجر بالتَّسمية وزاد جريه؛ كفى، وإلَّا فلا، نصَّ عليه في رواية الميمونيِّ.
وقال القاضي في كتاب الجنايات: (إنَّما اعتبرت التَّسمية وقت الإرسال؛ لمشقَّة معرفة وقت الإصابة)، وهذا يشعر بأنَّه لو سمَّى عند الإصابة مع العلم بها؛ لأجزأ.
стр. 1041
قاعدة [١٣٠]
المسكن والخادم والمركب المحتاج إليه ليس بمال فاضل يمنع أخذ الزَّكوات ، ولا يجب به الحجُّ والكفَّارات، ولا يوفَّى منه الدُّيون والنَّفقات.
نصَّ على ذلك أحمد في مسائل:
منها: الزَّكاة، قال أبو داود: سئل أحمد عن رجل له دار، يَقْبَل من الزَّكاة؟ قال: نعم، قلت: هي دار واسعة، قال: أرجو ألَّا يكون به بأس، قيل له: فإن كان له خادم؟ قال: أرجو، قيل: فرس، قال: إن كان يغزو عليه في سبيل الله فأرجو ألَّا (١) يكون به بأس (٢).
وقال جعفر بن محمَّد: سئل أبو عبد الله عن رجل عنده جارية تساوي مائة دينار يحتاج إليها للخدمة، يأخذ من الزَّكاة؟ قال: نعم (٣).
وسئل عن الدَّار؛ قال: إذا لم يكن فضل كثير ما يحتاج إليه؛ يعطى.
وقال في رواية ابن الحكم: يعطى من الزَّكاة صاحب المسكن؛
стр. 1042
وإن (١) كان له مسكن يفضل عنه (٢).
ويتفرَّع على هذا: أنَّ العرض الَّذي لا يباع على المفلس في دَينه إذا كان يفي (٣) بدين صاحبه وبيده نصاب؛ فإنَّه لا يجعل الدَّين في مقابلته حتَّى يزكِّي النِّصاب بغير خلاف؛ لأنَّه لا يجب صرفه إلى جهة الدَّين ووفاؤه منه، وأمَّا ما يباع على المفلس؛ فهل يجعل الدَّين في مقابلته ويزكِّي النِّصاب؟ على روايتين.
ومنها: الحجُّ، قال أحمد في رواية الميمونيِّ: إذا كان المسكن والمسكنين والخادم، أو الشَّيء الَّذي يعود به على عياله؛ فلا يباع إذا كان كفاية لأهله، وقد يكون المنازل يكريها، إنَّما هي قوته وقوت عياله، فإذا خرج عن كفايته ومؤنته ومؤنة عياله؛ باع، والضَّيعة مثل ذلك، إذا كان فضلاً عن المؤنة، باع.
وقال في رواية ابن الحكم: إذا كان لرجل أرض؛ فلا أرى أن يبيع ويحجَّ، ولا يجب عليه عندي إلَّا أن يشاء.
قال أصحابنا: لا فرق بين أن يكون المسكن والخادم في ملكه، أو بيده نقد يريد شراءهما به في هذا الباب.
ومنها: المفلس، ولأحمد فيه نصوص كثيرة: أنَّه لا يباع المسكن إلَّا أن يكون فيه فضل؛ فيباع الفضل، ويترك له بقدر الحاجة منه، نصَّ
стр. 1043
على ذلك في رواية أبي الحارث وأبي طالب.
وأمَّا الخادم؛ فلا يباع عليه إذا كان محتاجاً إليه لزِمَن أو كبر أو حاجةٍ غيرهما، نصَّ عليه في رواية عبد الله وأبي طالب وغيرهما (١).
وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: إذا كان مسكناً واسعاً نفيساً أو خادماً نفيساً؛ يُشترى له ما يقيمه، ويجعل سائره للغرماء. وكذلك نقل عنه موسى بن سعيد.
ولا فرق بين أن يكون المسكن والخادم في ملكه، أو يحتاج إليهما؛ فيترك له ثمنهما على ظاهر كلام الأصحاب؛ فإنَّهم قالوا: لو كان مسكنه وثيابه عين مال رجل؛ رجع بها، وترك له بدلها من بقيَّة المال يشتري له منه إن لم يكن فيه من جنسها؛ لأنَّ حقَّ الغريم متعلِّق (٢) بعين ماله، بخلاف المفلس؛ فإنَّ حاجته تندفع بغيرها.
فأمَّا (٣) إن لم يكن للمفلس سواها، وهي عين مال رجل، وكان الشِّراء قبل الإفلاس؛ لم تؤخذ منه.
وإن كان بعده؛ ففي «الكافي»: يحتمل أن يؤخذ منه؛ لئلَّا يؤدِّي إلى الحيلة على أخذ أموال النَّاس (٤).
стр. 1044
ومنها: الشَّريك في عبد إذا أعتق حصَّته وليس له سوى دار وخادم؛ فهو معسر، لا يعتق عليه سوى حصَّته، ولا يباع ذلك في قيمة حصَّة شريكه، قال ابن منصور: قلت لأحمد: من أعتق شقصاً في عبد ضمن إن كان له مال؟ قال: عتق كلُّه في ماله إن كان له مال، قلت: كم قدر المال؟ قال: لا يباع فيه دار ولا رباع، ولم يقم لي على شيء معلوم (١).
قال القاضي: معناه: لا يباع ما لا غنى له عن سكناه؛ كالمفلس.
ومنها: التَّكفير بالمال، لا يباع فيه المسكن ولا الخادم، ذكره القاضي والأصحاب، وقالوا: يباع فيه الفاضل من ذلك حتَّى لو كان له رقبة نفيسة يمكن أن يُشتَرى بثمنها رقبتان، فيستغني بخدمة أحدهما وتعتق الأخرى؛ لزمه ذلك، وهكذا الدَّار والملابس.
وأمَّا إن وجب عليه التَّكفير وله خادم لا يحتاج إليه، ثمَّ احتاج إليه قبل التَّكفير؛ فمن الأصحاب من جزم هنا بلزوم العتق؛ لأنَّه بمثابة من كان موسراً حال الحنث، ثمَّ أعسر قبل التَّكفير، فإنَّ العتق يستقرُّ في ذمَّته.
ومنها: نفقة الأقارب، قال أبو طالب: قيل لأحمد: فإن كان له دار يبيعها، وينفق على أبيه؟ قال: لا بدَّ له من مسكن، إن كان له فضلٌ عن مسكنه، فضلٌ عن نفقته على (٢) عياله؛ فلينفق عليهم، وإن لم يكن له
стр. 1045
فضل ولا سعة؛ فلا ينفق عليهم.
وصرَّح صاحب «التَّرغيب» بأنَّ نفقة القريب لا يباع فيها إلَّا ما يباع على المفلس في دَينه.
وهكذا ينبغي أن يكون حكم الجزية، والخراج، والعاقلة.
وذكر الآمديُّ أنَّ من وجبت عليه نفقة قريبه، فغيَّب ماله وامتنع منها، ووجد له الحاكم عقاراً؛ فله بيعه، والنَّفقة منه على أقاربه.
وكذا ذكر صاحب «المغني» في نفقة الزَّوجة والأولاد.
ولعلَّ المراد بذلك: العقار الَّذي لا يحتاج إليه للسُّكنى، أو أنَّ هذا يختصُّ بالممتنع من النَّفقة مع قدرته عليها؛ للضَّرورة، حيث لم يقدر له على غير عقاره (١)، والله أعلم (٢).
стр. 1046
قاعدة [١٣١]
القدرة على اكتساب المال بالبضع ليس بغنًى معتبر .
صرَّح به القاضي في «خلافه»، وفرَّع عليه مسائل:
منها: إذا أفلست (١) المرأة وهي ممَّن يُرغب في نكاحها؛ لم تجبر على النِّكاح لأخذ المهر بغير خلاف.
ومنها: أنَّه لا يجب عليها نفقة الأقارب بقدرتها على النِّكاح وتحصيل المهر.
ومنها: أنَّه لا تمنع من أخذ الزَّكاة بذلك أيضاً.
ومنها: لو كان للمفلس أمُّ ولد؛ لم يجبر على إنكاحها وأخذ المهر (٢)؛ وإن كان يجبر على إجارتها وأخذ أجرتها.
стр. 1047
قاعدة [١٣٢]
القدرة على اكتساب المال بالصِّناعات غنًى بالنِّسبة إلى نففة النَّفس ، ومن يلزم نفقته من زوجة وخادم.
وهل هو غنًى فاضل عن ذلك؟ على روايتين.
ويتفرَّع على ذلك مسائل:
منها: القويُّ المكتسب لا يباح له أخذ الزَّكاة بجهة الفقر؛ فإنَّه غنيٌّ بالاكتساب.
وهل له الأخذ للغرم إذا كان عليه دين؟ على وجهين:
أحدهما: له ذلك، قاله القاضي في «خلافه»، وابن عقيل في «عمده» في الزَّكاة، وكذلك ذكراه في «المجرَّد»، و «الفصول» في باب الكناية.
والثَّاني: لا يجوز، وبه جزم الشَّيخ مجد الدِّين في «شرح الهداية».
وهذا الخلاف راجع إلى الخلاف في إجباره على الكسب لوفاء دينه؛ كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
والأوَّل ظاهر كلام أحمد؛ لأنَّه أباح السُّؤال للمكاتب، وقال: هو مغرم، ويباح له الأخذ من الزَّكاة مع قوَّته واكتسابه مع أنَّ دينه لا يجبر على الكسب لوفائه على المذهب، فمن عليه دين يجبر على الكسب
стр. 1048
لوفائه أولى بالأخذ.
ومنها: وجوب الحجِّ على القويِّ المكتسب، فإن كان بعيداً عن مكَّة؛ فالمذهب انتفاء الوجوب، وإن كان قريباً؛ فوجهان.
وقال الشَّيخ مجد الدِّين: يتوجَّه على أصلنا في البعيد أن يجب عليه الحجُّ إذا كان قادراً على التَّكسُّب في طريقه، كما نجبره على الكسب لوفاء دينه.
ولكن يمكن الفرق: بأنَّ حقوق الله مبنيَّة على المسامحة، بخلاف حقوق الآدميِّين، ولهذا لا يجب عليه التَّكسُّب لتحصيل مال يحجُّ به ولا يعتق منه في الكفَّارة.
ومنها: وفاء الدُّيون، وفي إجبار المفلس على الكسب للوفاء روايتان مشهورتان.
فأمَّا المكاتب؛ فلا يجبر على الكسب لوفاء دينه على المذهب المشهور؛ لأنَّه دين ضعيف.
وخرَّج ابن عقيل وجهاً: بالوجوب؛ كسائر الدُّيون.
ومنها: أنَّ القدرة على الكسب بالحرفة تمنع وجوب نفقته على أقاربه، صرَّح به القاضي في «خلافه»، وكذا ذكر صاحب «الكافي» وغيره.
وأمَّا إن لم يكن له حرفة وهو صحيح؛ فهل تجب له النَّفقة؟
حكى أبو الخطَّاب روايتين، وخصَّهما القاضي بغير العمودين، وأوجب نفقة العمودين مطلقاً مع عدم الحرفة.
стр. 1049
وفرَّق في زكاة الفطر من «المجرَّد» بين الأب وغيره؛ فأوجب النَّفقة للأب بكلِّ حال، وشرط في الابن وغيره الزَّمانة.
وأمَّا وجوب النَّفقة على أقاربه من الكسب؛ فصرَّح القاضي في «خلافه» وفي «المجرَّد»، وابن عقيل في «مفرداته»، وابن الزاغوني والأكثرون بالوجوب.
قال القاضي في «خلافه»: وظاهر كلام أحمد: لا فرق في ذلك بين الوالدين والأولاد وغيرهم من الأقارب.
وخرَّج صاحب «التَّرغيب» المسألة على روايتين من اشتراط انتفاء الحرفة للإنفاق، وهو ضعيف.
وأظهر منه: أن يخرَّج على الخلاف في إجبار المفلس على الكسب لوفاء دينه.
ومنها: أنَّ الفقير المكتسب؛ هل يتحمَّل العقل مع العاقلة؟ فيه روايتان.
ومنها: الجزية؛ هل تجب على الفقير المكتسب؟ على روايتين، أشهرهما: الوجوب.
стр. 1050
قاعدة [١٣٣]
يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً ، في مسائل:
منها: شهادة النِّساء بالولادة يثبت بها النَّسب، ولا يثبت النَّسب بشهادتهنَّ به استقلالاً.
ومنها: شهادة النِّساء على إسقاط الجنين بالضَّربة توجب الغرَّة إن سقط ميِّتاً، والدِّية إن سقط حيًّا.
ومنها: شهادة امرأة على الرَّضاع تُقبل على المذهب، ويترتَّب على ذلك انفساخ النِّكاح.
ومنها: لو شهد واحد برؤية هلال رمضان، ثمَّ أكملوا العدَّة ولم يروا الهلال؛ فهل يفطرون أم لا؟ على وجهين:
أشهرهما: لا يفطرون؛ لئلَّا يؤدِّي إلى الفطر بقول واحد.
والثَّاني: بلى، ويثبت الفطر تبعاً للصَّوم.
ومن الأصحاب من قال: إن كان غيماً؛ أفطروا، وإلَّا فلا.
ومنها: لو أخبر واحد بغروب الشَّمس؛ جاز الفطر، ومن الأصحاب من اقتضى كلامه حكاية الاتِّفاق عليه؛ لأنَّ وقت الفطر تابع لوقت صلاة المغرب.
وله مأخذ آخر: وهو أنَّ الغروب عليه أمارات تورث ظنًّا بانفرادها،
стр. 1051
فإذا انضمَّ إليها قول الثِّقة؛ قوي، بخلاف الشهادة برؤية هلال الفطر.
ومنها: صلاة التَّراويح ليلة الغيم تبعاً للصِّيام على أحد الوجهين.
وذكر القاضي احتمالاً بثبوت سائر الأحكام المعلَّقة بالشَّهر، من وقوع الطَّلاق المعلَّق به وحلول آجال الدُّيون، وهو ضعيف ههنا.
نعم، إذا شهد واحد (١) برؤية الهلال؛ ثبت (٢) به الشَّهر وترتَّبت (٣) عليه هذه الأحكام؛ وإن كانت لا تثبت بشهادة واحد ابتداء، صرَّح به القاضي وابن عقيل (٤) في «عمد الأدلَّة». (٥)
ومنها: لو حلف بالطَّلاق على حديثٍ أنَّ رسول الله ﷺ ما قاله، فرواه واحد يثبت الحديث به؛ وقع (٦) الطَّلاق؛ وإن كان الطَّلاق لا يثبت بخبر واحد، ذكره ابن عقيل في «العمد» أيضاً.
стр. 1052
ويتخرَّج: عدم وقوع الطَّلاق في المسألتين من المسألة الآتية.
ومنها: لو حلف بالطَّلاق أنَّه ما غصب شيئاً، ثمَّ ثبت عليه الغصب بشاهد ويمين، أو برجل وامرأتين؛ فهل يقع به الطَّلاق؟ على وجهين، وحكاهما القاضي في «خلافه» في كتاب القطع في السَّرقة، والآمديُّ روايتين.
وجزم القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في «الفصول»، وصاحب «المغني»: بعدم الوقوع.
واختار السَّامريُّ: الوقوع.
وقال صاحب المحرَّر في «تعليقه على الهداية»: عندي أنَّ قياس قول من عفا عن الجاهل والنَّاسي في الطَّلاق؛ ألَّا يحكم عليه به، ولو ثبت الغصب برجلين.
ومنها: لو علَّق الطَّلاق بالولادة، فشهد بها النِّساء حيث لم يقبل قول المرأة في ولادتها (١)؛ هل يقع الطَّلاق؟
المشهور الوقوع، وبه جزم القاضي في «خلافه»، وتبعه الشَّريف أبو جعفر، وأبو المواهب العكبريُّ (٢)، وأبو الخطَّاب، والأكثرون، ويشهد له نصُّ أحمد في رواية مهنَّى إذا قال لها: إذا حضت؛ فأنت
стр. 1053
وضرَّتك طالق، فشهد النِّساء بحيضها؛ يطلقان جميعاً.
وخرَّج صاحب «المحرَّر» فيه وجهاً آخر: أنَّه لا يقع الطَّلاق من المسألة الَّتي قبلها.
ومنها: لو ادَّعى المكاتب أداء آخر نجوم الكتابة، فأنكره السَّيِّد، فأتى المكاتب بشاهد وحلف، أو برجل وامرأتين على ما قال؛ فهل يعتق أم لا؟
قال الخرقيُّ: يعتق، ولم يحكِ صاحب «المغني» فيه خلافاً.
وحكى صاحب «التَّرغيب» فيه وجهين.
ومنها: إذا وقف وقفاً معلَّقاً بموته؛ فإنَّه يصحُّ على المنصوص في رواية الميمونيِّ، وذكره الخرقيُّ.
وقال القاضي: لا يصحُّ.
والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّها وصيَّة، والوصايا تقبل التَّعليق.
ومنها: البراءة المعلَّقة بموت المبرِئ، تصحُّ أيضاً؛ لدخولها ضمناً في الوصيَّة، نصَّ عليه في رواية المروذيِّ (١)، وقاله القاضي والأصحاب.
وكذلك إبراء المجروح للجاني من دمه، أو تحليله لذمَّته (٢)؛ يكون وصيَّة معلَّقة بموته، وهل هي وصيَّة للقاتل؟ على طريقين:
فعند القاضي: هي وصيَّة للقاتل؛ فتُخرَّج على الخلاف في الوصيَّة.
стр. 1054
وعند أبي بكر: ليس الإبراء والعفو وصيَّة؛ لأنَّه إسقاط، لا تمليك، وقال الآمديُّ: هو المذهب، قال: وإنَّما يكون إبراء محضاً قبل الاندمال، فأمَّا (١) بعد الاندمال (٢)؛ فعلى وجهين.
ومنها: إذا قال: إذا جاء رأس الشَّهر فأنت طالق بألف؛ فإنَّه يصحُّ، ذكره القاضي، وتدخل المعاوضة تبعاً للطَّلاق إذا قبلته؛ فإنَّه لا بدَّ من قبولها.
وكذلك لو قالت له: إن طلَّقتَني؛ فلك عليَّ ألف، فطلَّقها؛ بانت ولزمها الألف، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ذكر القاضي في «خلافه» ما يقتضي أنَّه لا يعلم فيه خلافاً.
وقاس الشَّيخ (٣) عليه ما إذا قالت: إن طلَّقتني فأنت بريء من صداقي، فطلَّقها؛ أنَّه يبرأ من صداقها، ويقع الطَّلاق بائناً؛ لأنَّ تعليق الإبراء أقرب إلى الصِّحَّة من تعليق التَّمليك؛ لتردُّد الإبراء بين الإسقاط
стр. 1055
والتَّمليك، والتَّمليك يقع معلَّقاً في الجعالة والسَّبق؛ فههنا كذلك (١)(٢).
ومنها: إذا قال من أسلم على أكثر من أربع زوجات: كلَّما أسلمت واحدة منكنَّ فهي طالق؛ فهل يصحُّ؟ على وجهين:
أحدهما: لا يصحُّ؛ لأنَّ الطَّلاق اختيار، والاختيار لا يتعلَّق بالشَّرط.
والثَّاني: يصحُّ؛ لأنَّ الطَّلاق يقبل التَّعليق، والاختيار يثبت تبعاً له وضمناً.
ومنها: إذا قال رجل لآخر: أعتق عبدك عنِّي وعليَّ ثمنه؛ فقال القاضي في «خلافه»: هو استدعاء للعتق، والملك يدخل تبعاً وضمناً؛ لضرورة وقوع العتق له، وصرَّح بأنَّه ملك قهريٌّ، حتَّى إنَّه يثبت للكافر