فإذا انضمَّ إليها قول الثِّقة؛ قوي، بخلاف الشهادة برؤية هلال الفطر.
ومنها: صلاة التَّراويح ليلة الغيم تبعاً للصِّيام على أحد الوجهين.
وذكر القاضي احتمالاً بثبوت سائر الأحكام المعلَّقة بالشَّهر، من وقوع الطَّلاق المعلَّق به وحلول آجال الدُّيون، وهو ضعيف ههنا.
نعم، إذا شهد واحد (١) برؤية الهلال؛ ثبت (٢) به الشَّهر وترتَّبت (٣) عليه هذه الأحكام؛ وإن كانت لا تثبت بشهادة واحد ابتداء، صرَّح به القاضي وابن عقيل (٤) في «عمد الأدلَّة». (٥)
ومنها: لو حلف بالطَّلاق على حديثٍ أنَّ رسول الله ﷺ ما قاله، فرواه واحد يثبت الحديث به؛ وقع (٦) الطَّلاق؛ وإن كان الطَّلاق لا يثبت بخبر واحد، ذكره ابن عقيل في «العمد» أيضاً.
стр. 1052
ويتخرَّج: عدم وقوع الطَّلاق في المسألتين من المسألة الآتية.
ومنها: لو حلف بالطَّلاق أنَّه ما غصب شيئاً، ثمَّ ثبت عليه الغصب بشاهد ويمين، أو برجل وامرأتين؛ فهل يقع به الطَّلاق؟ على وجهين، وحكاهما القاضي في «خلافه» في كتاب القطع في السَّرقة، والآمديُّ روايتين.
وجزم القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في «الفصول»، وصاحب «المغني»: بعدم الوقوع.
واختار السَّامريُّ: الوقوع.
وقال صاحب المحرَّر في «تعليقه على الهداية»: عندي أنَّ قياس قول من عفا عن الجاهل والنَّاسي في الطَّلاق؛ ألَّا يحكم عليه به، ولو ثبت الغصب برجلين.
ومنها: لو علَّق الطَّلاق بالولادة، فشهد بها النِّساء حيث لم يقبل قول المرأة في ولادتها (١)؛ هل يقع الطَّلاق؟
المشهور الوقوع، وبه جزم القاضي في «خلافه»، وتبعه الشَّريف أبو جعفر، وأبو المواهب العكبريُّ (٢)، وأبو الخطَّاب، والأكثرون، ويشهد له نصُّ أحمد في رواية مهنَّى إذا قال لها: إذا حضت؛ فأنت
стр. 1053
وضرَّتك طالق، فشهد النِّساء بحيضها؛ يطلقان جميعاً.
وخرَّج صاحب «المحرَّر» فيه وجهاً آخر: أنَّه لا يقع الطَّلاق من المسألة الَّتي قبلها.
ومنها: لو ادَّعى المكاتب أداء آخر نجوم الكتابة، فأنكره السَّيِّد، فأتى المكاتب بشاهد وحلف، أو برجل وامرأتين على ما قال؛ فهل يعتق أم لا؟
قال الخرقيُّ: يعتق، ولم يحكِ صاحب «المغني» فيه خلافاً.
وحكى صاحب «التَّرغيب» فيه وجهين.
ومنها: إذا وقف وقفاً معلَّقاً بموته؛ فإنَّه يصحُّ على المنصوص في رواية الميمونيِّ، وذكره الخرقيُّ.
وقال القاضي: لا يصحُّ.
والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّها وصيَّة، والوصايا تقبل التَّعليق.
ومنها: البراءة المعلَّقة بموت المبرِئ، تصحُّ أيضاً؛ لدخولها ضمناً في الوصيَّة، نصَّ عليه في رواية المروذيِّ (١)، وقاله القاضي والأصحاب.
وكذلك إبراء المجروح للجاني من دمه، أو تحليله لذمَّته (٢)؛ يكون وصيَّة معلَّقة بموته، وهل هي وصيَّة للقاتل؟ على طريقين:
فعند القاضي: هي وصيَّة للقاتل؛ فتُخرَّج على الخلاف في الوصيَّة.
стр. 1054
وعند أبي بكر: ليس الإبراء والعفو وصيَّة؛ لأنَّه إسقاط، لا تمليك، وقال الآمديُّ: هو المذهب، قال: وإنَّما يكون إبراء محضاً قبل الاندمال، فأمَّا (١) بعد الاندمال (٢)؛ فعلى وجهين.
ومنها: إذا قال: إذا جاء رأس الشَّهر فأنت طالق بألف؛ فإنَّه يصحُّ، ذكره القاضي، وتدخل المعاوضة تبعاً للطَّلاق إذا قبلته؛ فإنَّه لا بدَّ من قبولها.
وكذلك لو قالت له: إن طلَّقتَني؛ فلك عليَّ ألف، فطلَّقها؛ بانت ولزمها الألف، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ذكر القاضي في «خلافه» ما يقتضي أنَّه لا يعلم فيه خلافاً.
وقاس الشَّيخ (٣) عليه ما إذا قالت: إن طلَّقتني فأنت بريء من صداقي، فطلَّقها؛ أنَّه يبرأ من صداقها، ويقع الطَّلاق بائناً؛ لأنَّ تعليق الإبراء أقرب إلى الصِّحَّة من تعليق التَّمليك؛ لتردُّد الإبراء بين الإسقاط
стр. 1055
والتَّمليك، والتَّمليك يقع معلَّقاً في الجعالة والسَّبق؛ فههنا كذلك (١)(٢).
ومنها: إذا قال من أسلم على أكثر من أربع زوجات: كلَّما أسلمت واحدة منكنَّ فهي طالق؛ فهل يصحُّ؟ على وجهين:
أحدهما: لا يصحُّ؛ لأنَّ الطَّلاق اختيار، والاختيار لا يتعلَّق بالشَّرط.
والثَّاني: يصحُّ؛ لأنَّ الطَّلاق يقبل التَّعليق، والاختيار يثبت تبعاً له وضمناً.
ومنها: إذا قال رجل لآخر: أعتق عبدك عنِّي وعليَّ ثمنه؛ فقال القاضي في «خلافه»: هو استدعاء للعتق، والملك يدخل تبعاً وضمناً؛ لضرورة وقوع العتق له، وصرَّح بأنَّه ملك قهريٌّ، حتَّى إنَّه يثبت للكافر
стр. 1056
على المسلم إذا كان العبد المستدعَى عِتقه مسلماً، والمستدعي كافراً، مع أنَّه منع من شراء الكافر من يعتق عليه بالملك من المسلمين، حيث كان العقد موضوعاً فيه للملك دون العتق.
وكذلك -على قياس قوله- سرايةُ عتق الشَّريك، وأولى؛ لأنَّها إتلاف محض يحصل بغير اختيار أحد ولا قصده (١).
ويتفرَّع على ذلك: إذا أعتق الكافر الموسر شِرْكاً له من عبد مسلم؛ فإنَّه يسري، ولا يخرَّج على الخلاف في شراء مسلم يعتق عليه بملكه، كما فعل أبو الخطَّاب وغيره.
ومنها: صلاة الحاجِّ عن غيره ركعتي الطَّواف تحصل ضمناً للحجِّ؛ وإن كانت الصَّلاة لا تقبل النِّيابة استقلالاً، وقد أشار الإمام أحمد إلى هذا في رواية الشَّالنجيِّ.
ومنها: أنَّ الوكيل ووصي اليتيم لهما أن يبتاعا بزيادة على ثمن المثل بما (٢) يتغابن بمثلها عادة، ولا يجوز لهما هبة ذلك القدر ابتداء، ذكره القاضي وغيره.
ولكنَّهم جعلوا مأخذه: أنَّ المحاباة ليست ببذل صريح، وإنَّما فيها
стр. 1057
معنى البذل، وجعلُها من هذه القاعدة أولى.
ومنها: لو كان له أمتان، لكلٍّ منهما ولد، فقال: (أحدهما ولدي)، ومات، ولم يبيِّن ولا بيَّن وارثه، ولم يوجد قافة؛ أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ فهو حرٌّ، وأمُّه معتقة بالاستيلاد إن كان أقرَّ أنَّه أحبلها في ملكه.
وهل يثبت نسب الولد ويرث أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنَّه لا يثبت نسبه ولا يرث، وهو الَّذي ذكره القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل والسَّامريُّ؛ لأنَّ القرعة لا مدخل لها في الأنساب. (١)
والثَّاني: يثبت نسبه ويرث، وهو الَّذي ذكره القاضي في «خلافه»، وصاحب «التَّلخيص»، وذكر صاحب «المغني» أنَّه قياس المذهب؛ لأنَّه حرٌّ استندت حريَّته إلى الإقرار؛ فأشبه ما لو عيَّنه في إقراره (٢).
ومنها: لو طلَّق واحدة معيَّنة من نسائه، ثمَّ مات ولم يعلم عينها؛ أقرع بينهنَّ، وأُخرجت المطلَّقة بالقرعة، ولم يجب عليها عدَّة الوفاة، بل يحسب لها عدَّة الطَّلاق من حينه، وعلى البواقي عدَّة الوفاة في ظاهر كلام أحمد؛ لأنَّ الطَّلاق لمَّا ثبت بالقرعة تبعه لوازمه من العدَّة وغيرها.
стр. 1058
وقال القاضي: يعتدُّ الكلُّ بأطول الأجلين، وستأتي المسألة فيما بعد إن شاء الله. (١)
ومنها: لو قال الخنثى المشكل: أنا رجل، وقبلنا قوله في ذلك في النِّكاح؛ فهل يثبت في حقِّه سائر أحكام الرِّجال تبعاً لنكاحه، فيزول بذلك إشكاله، أم يقبل قوله في حقوق الله تعالى، وفيما عليه من حقوق الآدميِّين، دون ما له منها؛ لئلَّا يلزم قبول قوله في استحقاقه ميراث ذكر ودِيَتِه؟ فيه وجهان.
стр. 1059
قاعدة [١٣٤]
المنع أسهل من الرَّفع .
ويتخرَّج على ذلك مسائل كثيرة جدًّا:
منها: منع تخمُّر الخلِّ ابتداء، بأن يوضع فيها خلٌّ يمنع تخمُّرها؛ مشروع، وتخليلها بعد تخمُّرها ممنوع.
ومنها: ذبح الحيوان المأكول يمنع نجاسة لحمه وجلده، وهو مشروع، ودبغ جلده بعد نجاسته بالموت لا يفيد طهارته على ظاهر المذهب.
ومنها: السَّفر قبل الشُّروع في الصِّيام يبيح الفطر، ولو سافر في أثناء يوم من رمضان؛ ففي استباحة الفطر روايتان، والإتمام فيه أفضل بكلِّ حال.
ونقل ابن منصور عن أحمد: أنَّه (١) إن نوى السَّفر من اللَّيل ثمَّ سافر في أثناء النَّهار؛ أفطر، وإن نوى السَّفر في النَّهار وسافر فيه؛ فلا يعجبني أن يفطر (٢).
стр. 1060
والفرق: أنَّ نيَّة السَّفر من اللَّيل تمنع الوجوب إذا وجد السَّفر في النَّهار؛ فيكون الصِّيام قبله مراعىً، بخلاف ما إذا طرأت النِّيَّة والسَّفر في أثناء النَّهار.
ومنها: أنَّ الرَّجل يملك منع زوجته من حجِّ النَّذر والنَّفل، فإن شرعت فيه بدون إذنه؛ ففي جواز تحليلها روايتان.
ومنها: أنَّ وجود الماء بعد التَّيمم وقبل الشُّروع في الصَّلاة يمنع الدُّخول فيها بالتَّيمم، ولو دخل فيها بالتَّيمم ثمَّ وجد الماء؛ فهل تبطل الصَّلاة أم لا؟ على روايتين.
وكذلك الخلاف في القدرة على نكاح الحرَّة بعد نكاح الأمة؛ هل يبطل نكاحها؟ على روايتين، ونمنعه ابتداء.
وكذا في القدرة على كفَّارة الظِّهار بالعتق بعد الشُّروع في الصِّيام؛ لا يوجب الانتقال على الصَّحيح، وقبله يجب.
ومنها: أنَّ المرأة تملك منع نفسها حتَّى تقبض صداقها، فإن سلَّمت نفسها ابتداء قبل قبض الصَّداق؛ فهل تملك الامتناع بعد ذلك حتَّى تقبضه؟ على وجهين.
وكذلك اختار صاحب «المغني» في البيع: أنَّ البائع يملك الامتناع من تسليم المبيع حتَّى يقبض ثمنه، فإذا سلَّمه؛ لم يملك استرجاعه، ومنع المشتري من التَّصرُّف فيه، والحجر عليه مستنِداً إلى هذه القاعدة، وهو خلاف ما قاله القاضي وأصحابه في مسألة الحجر الغريب (١).
стр. 1061
ومنها: اختلاف الدِّين المانع من النِّكاح يمنعه ابتداء، ولا يفسخه في الدَّوام على الأشهر، بل يقف الأمر على انقضاء العدَّة فيه.
ومنها: الإسلام يمنع ابتداء الرِّقِّ ولا يرفعه بعد حصوله، وإنَّما استرقَّ ولد الأمة المسلمة؛ لأنَّه جزء منها؛ فهو في معنى استدامة الرِّقِّ على المسلم.
وأمَّا الأسرى إذا أسلموا قبل الاسترقاق؛ فإنَّما جاز استرقاقهم لانعقاد سببه في الكفر انعقاداً تامًّا، فاستند إلى سبب موجود في الكفر.
стр. 1062
قاعدة [١٣٥]
الملك القاصر من ابتدائه لا يستباح فيه الوطء، بخلاف ما (١) كان القصور طارئاً عليه ، نصَّ على ذلك أحمد.
فمن الأوَّل: المشتراة بشرط الخيار في مدَّة الخيار، وكذلك المشتراة بشرط ألَّا تبيع ولا تهب، أو إن باعها فالمشتري أحقُّ بها، نصَّ عليه أحمد، ونصوصه صريحة بصحَّة هذا البيع والشَّرط ومنع الوطء.
قال فى رواية عبد الله فيمن (٢) باع جارية على ألَّا يبيع ولا يهب: البيع جائز، ولا يقربها؛ لأنَّ عمر بن الخطَّاب قال: لا يقرب فرجاً فيه شرط لأحد. (٣)
وكذلك قال في رواية حرب، وزاد: وإن اشترطوا إن باعها؛ فهم أحقُّ بها بالثَّمن؛ فلا يقربها، يذهب إلى حديث عمر حين قال لابن مسعود. وكذلك نقل مهنَّى.
стр. 1063
وقال في رواية صالح وأبي طالب (١) فيمن اشترى أمة بشرط: (لا يقربها وفيها شرط). وكذلك نقل ابن منصور. (٢)
وقول عمر الَّذي أشار إليه هو ما رواه حمَّاد بن سلمة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنَّ ابن مسعود اشترى جارية من امرأته، وشرط لها: إن باعها فهي لها بالثَّمن الَّذي اشتراها، فسأل ابن مسعود عن ذلك عمر بن الخطَّاب، قال (٣): (لا تنكحها، وفيها شرط).
قال حنبل: قال عمِّي: كلُّ شرط في فرج؛ فهو على هذا.
والشَّرط الواحد في البيع جائز؛ إلَّا أنَّ عمر كره لابن مسعود أن يطأها؛ لأنَّه شرط لامرأته الَّذي شرط، فلم يُجز عمر أن يطأها وفيها شرط.
وكذلك نصَّ أحمد في رواية ابن هانئ على منع الوطء في الأمة المشتراة بشرط التَّدبير (٤).
ونصَّ أحمد (٥) أيضاً في رواية ابن منصور على المنع من وطء بنت المدبَّرة دون أمِّها (٦).
стр. 1064
وكاع (١) الأصحاب في توجيهه، والأمر فيه واضح على ما قرَّرناه؛ إذ بنت المدبَّرة مدبَّرة من ابتداء ملكها، بخلاف أمِّها.
وكذلك نصَّ أحمد (٢) على المنع من وطء الأمة المملوكة بالعمرى (٣).
وحمله القاضي على الاستحباب، وهو بعيد، والصَّواب حمله على أنَّ الملك بالعمرى قاصر، ولهذا يقول على رواية: إذا شرط عودها إليه بعده؛ صحَّ، فيكون تمليكاً مؤقَّتاً.
ومن ذلك: الأمة الموصى بمنافعها؛ لا يجوز للوارث وطؤها على أصحِّ الوجهين، وهو قول القاضي، خلافاً لابن عقيل.
ولكن لهذه المسألة مأخذ آخر: وهو أنَّ منفعة البضع؛ هل هي داخلة في المنافع الموصى بها أم لا؟
ومن الثَّاني: أمُّ الولد والمدبَّرة والمكاتبة إذا اشترط وطأها في عقد الكتابة، والمُؤْجرة والجانية.
وأمَّا المرهونة؛ فإنَّما منع من وطئها لوجهين:
стр. 1065
أحدهما: أنَّه يفضي إلى استيلادها؛ فيبطل الرَّهن، فيسقط حقُّ المرتهن.
والثَّاني: أنَّ الرَّاهن ممنوع من الانتفاع بالرَّهن بغير إذن المرتهن، ولو بالاستخدام أو غيره (١)؛ فالوطء أولى.
стр. 1066
قاعدة [١٣٦]
الوطء المحرَّم لعارض؛ هل يستتبع تحريم مقدِّماته أم لا ؟
إن كان لضعف الملك وقصوره، أو خشية عدم ثبوته؛ كالأمة المستبرأة إذا مُلكت بعقد؛ فيحرم سائر أنواع الاستمتاع بها.
وإن كان لغير ذلك من الموانع؛ فهو نوعان:
أحدهما: العبادات المانعة من الوطء، وهي على ضربين:
- ضرب يمتنع فيها جنس التَّرفُّه والاستمتاع بالنِّساء؛ فيحرم الوطء والمباشرة؛ كالإحرام القويِّ، وهو ما قبل التَّحلُّل الأوَّل، والاعتكاف.
- وضرب يمتنع فيها الجماع وما أفضى إلى الإنزال؛ فلا يمنع ممَّا بَعُد إفضاؤه إليه من الملامسة، ولو كانت لشهوة، وهو الصِّيام.
وأمَّا الإحرام الضَّعيف، وهو ما بين التَّحلُّلين؛ فالمذهب: أنَّه يحرم الوطء والمباشرة.
وفيه رواية أخرى: أنَّه يحرم الوطء خاصَّة.
النَّوع الثَّاني: غير العبادات؛ فهل يحرم مع الوطء غيره؟ فيه قولان في المذهب.
ويتخرَّج على ذلك مسائل:
منها: الحيض والنَّفاس؛ يحرم بهما الوطء في الفرج، ولا يحرم ما
стр. 1067
دونه في المذهب الصَّحيح.
وفيه رواية أخرى: يُمنع الاستمتاع فيما بين السُّرَّة والرُّكبة.
ومنها: الظِّهار، يحرم الوطء في الفرج، وفي الاستمتاع بمقدِّماته روايتان، أشهرهما: التَّحريم.
ومنها: الأمة المسبيَّة في مدَّة الاستبراء، يحرم وطؤها، وفي الاستمتاع بها بالمباشرة روايتان، وصحَّح القاضي في «المجرَّد» الجواز.
ومنها: الزَّوجة الموطوءة بشبهة، يحرم وطؤها مدَّة الاستبراء، وفي مقدِّمات الوطء وجهان.
ومنها: الجمع بين الأختين المملوكتين في الاستمتاع بمقدِّمات الوطء، قال ابن عقيل: يكره ولا يحرم.
ويتوجَّه: أن يحرم.
أمَّا إذا قلنا: إنَّ المباشرة لشهوة؛ كالوطء في تحريم الأخت حتَّى تُحرَّم الأولى؛ فلا إشكال.
стр. 1068
قاعدة [١٣٧]
الواجب بقتل العمد؛ هل هو القود عيناً، أو أحد أمرين إمَّا القود أو الدِّية؟ فيه روايتان معروفتان (١).
ويتفرَّع عليهما ثلاث قواعد: استيفاء القود، والعفو عنه، والصلح عنه.
القاعدة الأولى في استيفاء القود: فيتعيَّن حقُّ المستوفي فيه (٢) بغير إشكال.
ثمَّ إن قلنا: الواجب القود عيناً؛ فلا يكون الاستيفاء تفويتاً للمال.
وإن قلنا: أحد أمرين؛ فهل هو تفويت للمال أم لا؟ على وجهين، يتفرَّع (٣) عليهما مسائل:
منها: إذا قُتل العبد المرهون، فاقتصَّ الرَّاهن من قاتله بغير إذن المرتهن؛ فهل يلزمه الضَّمان للمرتهن أم لا؟ على وجهين، أشهرهما:
стр. 1069
اللُّزوم، ونصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور (١)،
وهو اختيار القاضي والأكثرين، قالوا: ولا يجوز له الاقتصاص بدون إذن المرتهن؛ لأنَّ الواجب كان أحد الأمرين، فإذا عيَّنه بالقصاص؛ فقد فوَّت المال الواجب على المرتهن، وقد كان تعلَّقَ حقُّه برقبة العبد المرهون؛ فتعلَّق ببدله الواجب؛ فهو كما لو قتله أو أعتقه.
فيضمنه بقيمته (٢) في المنصوص، وبه جزم في «المحرَّر».
وقال القاضي والأكثرون: بأقلِّ الأمرين من قيمته أو أرش الجناية.
والخلاف في هذا يشبه الخلاف فيما يضمن به العبد الجاني إذا أعتقه عالماً بالجناية.
والوجه الثَّاني: لا يلزمه ضمان، وصحَّحه صاحب «المحرَّر»؛ لأنَّ المال إنَّما يتعيَّن بالاختيار، والاختيار نوع تكسُّب، والتَّكسُّب للمرتهن لا يلزم، ولهذا لم يلزم المفلس أخذ المال إذا جنى عليه جناية توجب
стр. 1070
القود، بل له الاقتصاص مع تعلُّق حقوق الغرماء بأعيان ماله (١)، وليس له مال آخر يغرَّم منه.
وظاهر كلام صاحب «الكافي»: أنَّ الوجهين على قولنا: مُوجَب العمد القود عيناً، فأمَّا إن قلنا: أحد الأمرين (٢)؛ وجب الضَّمان؛ لتفويت المال الواجب.
وهو بعيد؛ فإنَّا إذا قلنا: الواجب القود عيناً؛ فإنَّما فوت اكتساب المال، لم يفوِّت مالاً واجباً؛ فلا يتوجَّه الضَّمان بالكليَّة.
وأطلق القاضي وابن عقيل الضَّمان من غير بناء على أحد القولين.
ويتعيَّن بناؤه على القول بأنَّ الواجب أحد أمرين؛ لأنَّهما صرَّحا في العفو أنَّه لا يوجب الضَّمان إذا قلنا: الواجب القود عيناً، وعلَّلا بأنَّه إنمَّا فوَّت على المرتهن اكتساب المال، وذلك غير لازم له، والاقتصاص مثل العفو، ثمَّ وجدت الشَّيخ مجد الدِّين صرَّح بهذا البناء الَّذي ذكرته.
ومنها: إذا قتل عبد من التَّركة المستغرَقة بالدُّيون عمداً، وقلنا: ينتقل الملك إلى الورثة، فاختاروا القصاص؛ فهل يطالَبون بقيمة العبد أم لا؟ يُخرَّج على المرهون.
стр. 1071
ومنها: العبد الموصى بمنفعته إذا قُتل عمداً، فهل لمالك الرَّقبة الاقتصاص بغير إذن مالك المنفعة، وهل يضمن أم لا؟
صرَّح القاضي في «خلافه»: بالمنع؛ كالرَّهن سواء، وهذا متخرِّج على أحد الوجهين، وهو أنَّ حقَّ مالك المنفعة لم يبطل بالقتل.
وأمَّا على الوجه الآخر، وهو بطلان حقِّه بالقتل؛ جعلاً للوصيَّة بالمنفعة كالهبة الَّتي لم تُقبض؛ فلا يمنع مالك الرَّقبة من الاقتصاص، ولا (١) شيء عليه.
ومنها: إذا جُنِيَ على المكاتب؛ فهل له أن يقتصَّ بدون إذن سيِّده؟
ذكر (٢) القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل: الجواز؛ لأنَّ المطالبة بالقصاص والعفو عنه إلى العبد دون سيِّده ولو كان قنًّا (٣).
وقال القاضي في «خلافه»: قياس قول أبي بكر في منعه من الاقتصاص من عبيده إذا قتل بعضهم بعضاً: أنَّه (٤) لا يجوز له الاقتصاص بدون إذن سيِّده.
стр. 1072
وفيه نظر، فإنَّ القاتل (١) قد فوَّت مالاً مملوكاً، فهو كقتل الرَّاهن للمرهون بقصاص استحقَّه عليه، ولكن لا يلزم ضمان المكاتب لسيِّده؛ لأنَّ السَّيِّد لا يستحق انتزاع ذلك منه، وهذا بخلاف اقتصاص المكاتب من الجاني عليه؛ فإنَّه لم يفوِّت به (٢) مالاً مملوكاً له.
ومنها: لو قُتل العبد الموصى به لمعيَّن قبل قبوله؛ فهل للورثة الاقتصاص بدون إذن الموصى له؟
إذا قلنا: هو ملك لهم؛ يتوجَّه المنع إذا قلنا: إنَّ الجناية أوجبت أحد شيئين، فإن فعلوا؛ ضمنوا للموصى له القيمة إذا قَبِل.
ومنها: لو قُتل عبدٌ من مال المضاربة عمداً، فإن كان في المال ربح؛ فهما شريكان، وليس لأحدهما الانفراد بالقصاص ولا العفو، هذا ظاهر كلام القاضي وابن عقيل، فلو اقتصَّ ربُّ المال بغير اختيار المضارَب؛ توجَّه أن يُضمَن للمضارَب حصَّته من الرِّبح إن قلنا: الواجب بالقتل أحد شيئين.
القاعدة الثَّانية: في العفو عن القصاص، وله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقع العفو عنه إلى الدِّية، وفيه طريقان (٣):
إحداهما: ثبوت الدِّية على الرِّوايتين، وهي طريقة القاضي.
стр. 1073
والثَّانية: بناؤه على الرِّوايتين.
فإن قلنا: موجبه أحد شيئين؛ ثبتت الدِّية، وإلا لم يثبت شيء بدون تراض منهما، وهي طريقة أبي الخطَّاب وابن عقيل، وذكره القاضي أيضاً في المضاربة (١)؛ فيكون القود باقياً بحاله؛ لأنَّه لم يرضَ بإسقاطه إلَّا بعوض، ولم يحصل له.
والحالة الثَّانية: أن يعفو عن القصاص ولا يذكر مالاً، فإن قلنا: موجبه القصاص عيناً؛ فلا شيء له، وإن قلنا: أحد شيئين؛ ثبت المال.
وخرَّج ابن عقيل: أنَّه إذا عفا عن القود؛ سقط، ولا شيء له بكلِّ حال على كلِّ قول؛ لأنَّه بعفوه عنه تعيَّن الواجب فيه بتصرُّفه فيه؛ فهو كما لو أسلم على أكثر من أربع، ثمَّ طلَّق إحداهنَّ؛ فإنَّه يتعيَّن الاختيار فيها.
وهذا ضعيف، فإنَّ إسقاط القود تركٌ له، وإعراض عنه وعدول إلى غيره، ليس اختياراً له، ولهذا يملك العفو عن القود والمال جميعاً، وليس له اختيارهما جميعاً، بخلاف الزَّوجات؛ فإنَّه لا يملك طلاق أكثر من أربع منهنَّ على المشهور (٢).
الحالة الثَّالثة: أن يعفو عن القود إلى غير مال مصرِّحاً بذلك، فإن قلنا: الواجب القصاص عيناً؛ فلا مال له في نفس الأمر، وقوله هذا
стр. 1074
لغو، وإن قلنا: الواجب أحد شيئين؛ سقط القصاص والمال جميعاً.
فإن كان ممَّن لا تبرُّع له؛ كالمفلس المحجور عليه، والمكاتب، والمريض فيما زاد على الثُّلث، والورثة مع استغراق الدُّيون للتَّركة؛ فوجهان:
أحدهما: لا يسقط المال بإسقاطهم، وهو المشهور؛ لأنَّ المال وجب بالعفو عن القصاص؛ فلا يمكنهم إسقاطه بعد ذلك؛ كالعفو عن دية الخطأ.
والثَّاني: يسقط، وفي «المحرَّر»: أنَّه المنصوص عليه؛ لأنَّ المال لا يتعيَّن بدون اختياره له أو إسقاط القصاص وحده.
أمَّا إن أسقطهما في كلام واحد متَّصل؛ سقطا جميعاً من غير دخول المال في ملكه، ويكون ذلك اختياراً منه لترك التَّملُّك؛ فلا يدخل المال في ملكه.
إذا تقرَّر هذا؛ فهل يكون العفو تفويتاً للمال؟ (١)
إن قلنا: الواجب القود عيناً؛ لم يكن العفو تفويتاً لمال؛ فلا يوجب ضماناً، صرَّح به القاضي وابن عقيل.
وكلام أبي الخطاب يدلُّ على وجوب الضَّمان.
وصرَّح في «الكافي»: بأنَّه على وجهين، كما لو اقتصَّ منه في هذه الحالة (٢)؛ فإنَّ عنده في الضَّمان وجهين.
стр. 1075
وقد سبق بيان ضعف ذلك، ومخالفته لظاهر تعليل القاضي وابن عقيل.
وكذا في «التَّلخيص»: أنَّ في الضَّمان ههنا (١) وجهين، وصحَّح عدمه، ولم يذكر في الضَّمان إذا اقتصَّ خلافاً.
وفرَّق بعض الأصحاب بين الضَّمان بالاقتصاص وعدم الضَّمان بالعفو: بأنَّه إذا اقتصَّ؛ فقد استوفى بدل المال؛ فلذلك لزمه الضَّمان، بخلاف ما إذا عفا؛ فإنَّه لم يستوفِ له بدلاً، بل فات عليهما جميعاً، ولهذا لو أبرأ أحد الشَّريكين الغريم من حقِّه؛ برئ، ولم يلزمه الضَّمان لشريكه، بخلاف ما إذا استوفى حقَّه أو بدله؛ فإنَّه يضمن لشريكه نصيبه منه.
وإن قلنا: الواجب أحد شيئين، فعفا مجَّاناً، ففي «الكافي»: هو كالعفو عن المال.
فإن كان محجوراً عليه؛ لم يصحَّ.
وإن كان راهناً؛ ففيه (٢) ثلاثة أوجه:
стр. 1076
أحدها: لا يصحُّ، وهو اختياره - أعني: صاحب «الكافي» -؛ كما لا يصحُّ عفو المفلس.
والثَّاني: يصحُّ، ويؤخذ منه القيمة تكون رهناً؛ لأنَّه أتلفه بعفوه، وهو قول أبي الخطَّاب، وبه جزم صاحب «التَّلخيص».
والثَّالث: يصحُّ بالنِّسبة إلى الرَّاهن دون المرتهن؛ فتؤخذ القيمة من الجاني تكون رهناً مكانه، فإذا زال الرَّهن؛ رُدَّت إلى الجاني، وهو قول القاضي وابن عقيل.
وأمَّا على الوجه الثَّاني الَّذي حكيناه في أصل المسألة بصحَّة عفو المفلس، والمريض فيما زاد على الثُّلث، والورثة، ونحوهم؛ فيتخرَّج في الضَّمان وجهان؛ كالاقتصاص إذا قلنا: الواجب أحد شيئين.
ويتخرَّج على هذا الأصل مسائل:
منها: عفو الرَّاهن عن الجناية على المرهون، وقد ذكرنا حكمه مستوفىً.
ومنها: عفو المفلس عن الجناية الموجبة للقود مجَّاناً؛ فالمشهور: أنَّا إن قلنا: الواجب القود عيناً؛ صحَّ.
وإن قلنا: أحد أمرين؛ لم يصحَّ العفو عن المال.
وعلى الوجه الآخر الَّذي قيل: إنَّه المنصوص؛ يصحُّ، وعلى طريقة من حكى الضَّمان في المرهون.
وإن قلنا: الواجب القود عيناً؛ يخرَّج ههنا مثله.
ومنها: عفو المكاتب عن القصاص، وحكمه حكم المفلس.
стр. 1077
ومنها: عفو الورثة عن القصاص مع استغراق الدُّيون، وحكمه كذلك.
ومنها: عفو المريض عن القصاص، وحكمه فيما زاد على الثُّلث كذلك.
ومنها: إذا عفا الوارث عن العبد الجاني على العبد الموصى بمنفعته؛ هل يضمن لمالك المنفعة قيمتها؟ على وجهين، حكاهما في «التَّرغيب».
والأظهر: تخريجهما على أنَّ حقَّ صاحب المنفعة هل سقط بالإتلاف أم لا؟
ويتوجَّه: ألَّا ينفذ عفوه في قدر قيمة المنافع؛ لأنَّها ملك للغير إذا قلنا: الواجب أحد أمرين، وهذا بخلاف العفو عن الجاني على العبد المستأجر؛ لأنَّ الإجارة تنفسخ بالقتل، ويرجع المستأجر ببقيَّة الأجرة.
ومنها: إذا قُتل العبد الموصى به لمعيَّن قبل قبوله؛ فهل للورثة العفو عن قاتله بدون اختيار الموصى له به؛ لأنَّ قيمته له؟ صرَّح بذلك أبو الخطَّاب والأصحاب.
فيتوجَّه تخريج ذلك على هذا الأصل إن قلنا: الواجب القصاص عيناً، فلم يجب بهذه الجناية مال؛ فلهم العفو، لا سيَّما على قولنا: إنَّ ملكه قبل القبول لهم.
وإن قلنا: أحد أمرين؛ لم يصحَّ عفوهم، وعلى طريقة من حكى الضَّمان.
стр. 1078
وإن قلنا: الواجب القود (١) في المرهون؛ يخرَّج ههنا مثله.
ومنها: العفو عن الوارث الجاني في مرض الموت عن دم العمد، إن قلنا: الواجب القود عيناً؛ فهو صحيح.
وإن قلنا: أحد شيئين؛ فكذلك، صرَّح به القاضي في «خلافه» في مسألة الوقف على الوارث في المرض.
ويتوجَّه فيه وجه آخر: بوقوفه على إجازة الورثة.
تنبيهان:
أحدهما: لو أطلق العفو عن الجاني عمداً؛ فهل يتنزَّل عفوه على القود والدِّية، أو على القود وحده؟
حكى صاحب «المحرَّر» ثلاثة أوجه:
أحدها -وذكر أنَّه المنصوص-: أنَّه ينصرف إليهما جميعاً، ونصَّ عليه أحمد في رواية مهنَّى.
والثَّاني: ينصرف إلى القود وحده، إلَّا أن يقرَّ العافي بإرادة الدِّية مع القود.
والثَّالث: يكون عفواً عنهما، إلَّا أن يقول: لم أرد الدِّية، فيحلف ويقبل منه.
وفي «التَّرغيب»: إن قلنا: الواجب القود وحده؛ سقط ولا دية، وإن قلنا: أحد شيئين؛ انصرف العفو إلى القصاص في أصحِّ الرِّوايتين، والأخرى: يسقطان جميعاً.
стр. 1079
الثَّاني: لو اختار القصاص؛ فله ذلك، وهل له العود عنه إلى الدِّية؟
إن قلنا: القصاص هو الواجب عيناً؛ فله تركه إلى الدِّية.
وإن قلنا: الواجب أحد شيئين؛ فعلى وجهين حكاهما في «التَّرغيب»:
أحدهما: نعم، وهو قول القاضي وابن عقيل؛ ولأنَّ أكثر ما فيه أنَّه تعيَّن له القصاص؛ فيجوز له تركه إلى مال، كما إذا قلنا: هو الواجب عيناً.
والثَّاني: لا، وهو احتمال في «الكافي» و «المحرَّر»؛ لأنَّه أسقط حقَّه من الدِّية باختياره، فلم يكن له الرُّجوع إليها، كما لو عفا عنها وعن القصاص.
وفارق ما إذا قلنا: القود هو الواجب عيناً؛ لأنَّ المال لم يسقط بإسقاطه.
ويجاب عن هذا: بأنَّ الَّذي أسقطه هو الدِّية الواجبة بالجناية، والمأخوذ هنا غيره، وهو مأخوذ بطريق المصالحة عن القصاص المتعيِّن.
القاعدة الثَّالثة: الصُّلح عن موجب الجناية:
فإن قلنا: هو القود وحده؛ فله الصُّلح عنه بمقدار الدِّية، وبأقلَّ وأكثر منها؛ إذ الدِّية غير واجبة بالجناية.
وكذلك إذا اختار القود أوَّلاً، ثمَّ رجع إلى المال وقلنا: له ذلك؛ فإنَّ الدِّية سقط وجوبها.
стр. 1080
وإن قلنا: أحد شيئين؛ فهل يكون الصُّلح عنها (١) صلحاً عن القود أو المال (٢)؟ على وجهين، يتفرَّع عليها (٣) مسائل:
منها: هل يصحُّ الصُّلح على أكثر من الدِّية من جنسها أم لا؟
قال أبو الخطَّاب في «الانتصار»: لا يصحُّ؛ لأنَّ الدِّية تجب (٤) بالعفو والمصالحة (٥)؛ فلا يجوز أخذ أكثر من الواجب من الجنس.
وكذلك قال صاحب «التَّلخيص»: يصحُّ على غير جنس الدِّية، ولا يصحُّ على جنسها إلَّا بعد تعيين الجنس من إبل أو بقر أو غنم؛ حذاراً من ربا النَّسيئة وربا الفضل.
وأطلق الأكثرون جواز الصُّلح بأكثر من الدِّية من غير تفصيل، قال في «المغني»: (لا أعلم فيه خلافاً) (٦).
стр. 1081
وصرَّح السَّامريُّ في «فروقه» بجواز الصُّلح (١) بأكثر من الدِّية وإن قلنا: الواجب أحد شيئين؛ وعلَّل: بأنَّ القود ثابت (٢)، فالمأخوذ عوض عنه، وليس من جنسه، فجاز من غير تقدير؛ كسائر المعاوضات الجائزة.
وأمَّا القود؛ فقد يقال: إنَّما يسقط بعد صحَّة الصُّلح وثبوته (٣)، وأمَّا مجرد المفاوضة (٤) في عقد الصُّلح؛ فلا يوجب سقوطه (٥)؛ فإنَّه إنَّما
стр. 1082
يسقط (١) بعوض، فلا يسقط بدون ثبوت العوض له (٢).
ومنها: لو صالح عن دم العمد بشقص؛ هل يؤخذ بالشُّفعة أم لا؟
إن قلنا: الواجب القود عيناً؛ فالشِّقص مأخوذ بعوض غير ماليٍّ؛ فلا شفعة فيه على أشهر الوجهين، وهو قول أبي بكر والقاضي والأكثرين، خلافاً لابن حامد.
وإن قلنا: الواجب أحد شيئين؛ فهو مأخوذ بعوض ماليٍّ؛ إذ هو عوض عن الدِّية لتعيُّنها باختيار الصُّلح، صرَّح به صاحبا (٣) «المغني» و «التَّلخيص»، وكذلك ذكر السَّامريُّ في «المستوعب»، وهو خلاف ما قرَّره في «الفروق».
ويتوجَّه على قول من قال: الصُّلح عن القود، أن يُطرَد فيه الوجهان الأوَّلان، وهو وفق إطلاق الأكثرين.
ومنها: لو قتل عبدُه (٤) عبداً من مال التِّجارة عمداً، فصالح المالك
стр. 1083
عنه بمال؛ فذكر القاضي في التَّخريج أنَّه (١): إن قلنا: الواجب القصاص عيناً؛ لم يصر المال المصالح به للتَّجارة إلَّا بنيَّة؛ وعلَّل: بأنَّه ليس بعوض عن المقتول، بل عن القصاص (٢).
وإن قلنا: الواجب (٣) أحد شيئين؛ فهو من مال التِّجارة بغير نيَّة؛ كثمن المبيع؛ وعلَّل: بأنَّه عوض عن المقتول؛ فهو كقتل الخطأ.
وهذا يتنزَّل على أنَّ الصُّلح وقع على المال.
أمَّا إن قيل: إنَّه واقع عن القود؛ فقد يقال كذلك؛ لأنَّه بدل عن العبد، وقد يقال: لا يصير للتِّجارة إلَّا بنيَّة، وظاهر تعليل القاضي يدلُّ عليه؛ لأنَّه عوض عمَّا كان يستحقُّه على مالك الجاني من إراقة دمه، بخلاف ما إذا أخذ قيمة الجاني أو باعه في الجناية؛ فإنَّه استوفى المال الواجب بالقتل عوضاً عن العبد المقتول.
وذكر القاضي وابن عقيل في المضاربة: إذا قتل عبدٌ عبداً من عبيد المضاربة عمداً، فصالح عنه بمال؛ فهو من مال المضاربة؛ لأنَّه بدل عن مال المضاربة؛ فهو كالثَّمن، ولم يبنياه على الخلاف في موجب العمد؛ إذ هو بدل عنه بكلِّ حال، ولا حاجة ههنا إلى نيَّة.
стр. 1084
ولكن قد ينبني على ما ذكرناه من أنَّ الصُّلح هل وقع عن المال أو عن القود؟
وقال أبو البركات في «تعليقه على الهداية»: يحتمل عندي أنَّه متى قلنا: القصاص يجب عيناً؛ أنَّ المضاربة قد بطلت، ويكون جميع ما تصالح عليه للسَّيِّد ملكاً جديداً.
стр. 1085
قاعدة [١٣٨]
العين المتعلِّق بها حقٌّ لله تعالى أو لآدميٍّ: إمَّا أن تكون مضمونة، أو غير مضمونة .
فإن كانت مضمونة؛ وجب ضمانها بالتَّلف والإتلاف بكلِّ حال.
وإن لم تكن مضمونة؛ لم يجب ضمانها بالتَّلف، ووجب بالإتلاف إن كان لها مستحِقٌّ موجود، وإلَّا فلا (١).
أمَّا الأوَّل؛ فله أمثلة:
منها: الزَّكاة إذا قلنا: تتعلَّق بالعين على المشهور؛ فإنَّها لا تسقط بتلف المال، ويجب ضمانها.
ومنها: الصَّيد في حقِّ المحرم وفي الحرم؛ مضمون على المالك بالجزاء.
وأمَّا الثَّاني؛ فله أمثلة كثيرة:
منها: الرَّهن يُضمن بالإتلاف، مثل أن يَستهلكه الرَّاهن، أو يُعتقه إن كان عبداً، ولا يُضمن بالتَّلف.
стр. 1086
ومنها: العبد الجاني إذا أعتقه سيِّده؛ فإنَّه يضمنه، وهل يضمنه بأرش الجناية مطلقاً، أو بأقلِّ الأمرين منه ومن قيمته؟ على روايتين ذكرهما القاضي في «المجرَّد» (١).
وأنكر في «الخلاف» رواية الضَّمان بالأرش مطلقاً؛ قال: لأنَّه أتلف محلَّ الحقِّ؛ فلا يلزمه أكثر من ضمانه، بخلاف (٢) ما إذا اختار فداءه؛ فإنَّه مع بقائه قد يرغب فيه راغب، فيبذل فيه ما يستوفى منه الأرش كلَّه؛ فلذلك ضمنه بالأرش كلِّه على رواية.
ونقل عنه ابن منصور: أنَّه إن (٣) علم بالجناية؛ ضمنه بالأرش كلِّه، وإن لم يعلم؛ لزمه الأقل (٤).
ونقل عنه حرب (٥): إن لم يعلم؛ فلا شيءَ عليه بحال، وإن علم؛
стр. 1087
ضمنه بالقيمة فقط (١).
ولو قتله المالك؛ لزمته قيمته للمجني عليه، ذكره القاضي في «خلافه».
وإن قتله أجنبيٌّ؛ ففي «الخلاف الكبير»: يسقط الحقُّ (٢)؛ كما لو مات.
وحكى القاضي في كتاب «الرِّوايتين» والآمديُّ روايتين:
إحداهما: يسقط الحقُّ، قال القاضي: نقلها مهنَّى (٣)؛ لفوات محلِّ الجناية.
والثَّانية: لا يسقط، نقلها حرب (٤)، واختارها أبو بكر، وبها جزم القاضي في «المجرَّد»؛ فيتعلَّق الحقُّ بقيمته؛ لأنَّها بدله؛ فهو كما لو مات القاتل عمداً؛ فإنَّ الدِّية تجب في تركته.
وجعل القاضي المطالبة على هذه الرِّواية للسَّيِّد، والسَّيِّد يطالب
стр. 1088
الجاني (١) بالقيمة.
ومنها: إذا قَتَل رجلاً عمداً، ثمَّ قُتِل القاتل؛ قال أحمد في رواية ابن ثواب في رجل قتل رجلاً عمداً، ثمَّ قُتِل الرَّجل خطأً: لهم الدِّية، قيل له: وإن قُتل عمداً؟ قال: وإن قُتل عمداً، قيل له: فإنَّ قوماً يقولون: إنَّه إذا قُتل إنَّما كان لهم دمه، وليس لهم الدِّية، قال: ليس كذلك، الحديث: «إنَّ أولياءه بالخيار؛ إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا قبلوا الدِّية» (٢).
فقد نصَّ على أنَّ القاتل إذا قُتل؛ تعينَّت الدِّية في تركته، وعلَّل: بأنَّ الواجب بقتل العمد أحد شيئين، وقد فات أحدهما؛ فتعيَّن الآخر.
وهذا يدلُّ على أنَّه لا يجب شيء إذا قلنا: الواجب القود عيناً، وهذا يقوى على قولنا: إنَّ الدِّية لا تثبت إلَّا بالتَّراضي.
وخرَّج الشَّيخ تقيُّ الدِّين وجهاً آخر، وقوَّاه: أنَّه تسقط الدِّية بموت القاتل أو قتله بكلِّ حال؛ معسراً كان أو موسراً، وسواء قلنا: الواجب القود عيناً، أو: أحد شيئين؛ لأنَّ الدِّية إنَّما تجب بإزاء العفو، وبعد موت القاتل لا عفو؛ فيكون موته كموت العبد الجاني.
والعجب من القاضي في «خلافه» كيف حمل هذه الرِّواية على أنَّ
стр. 1089
أولياء المقتول الأوَّل يُخيَّرون في القاتل الثَّاني بين (١) أن يقتصُّوا منه أو يأخذوا الدِّية؟! وتبعه على ذلك صاحب «المحرَّر» (٢)؛ فحكاه رواية.
ومن تأمَّل لفظ الرِّواية؛ علم أنَّها لا تدلُّ على ذلك البتَّة (٣).
стр. 1090
وقال القاضي أيضاً في «خلافه»: الدِّية واجبة في التَّركة، سواء قلنا: الواجب أحد شيئين، أو القصاص عيناً.
وكلام أحمد يدلُّ على خلاف ذلك كما رأيته، وكذلك نصَّ عليه في رواية ابن القاسم في الرَّجل يَقتل عمداً، ثم يُقدَّم ليُقاد منه، فيأتي رجل فيقتله؛ قال: كان الوليُّ الأوَّل بالخيار؛ إن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدِّية، فلمَّا ذهب الدَّم؛ فينظر إلى أولياء هذا المقتول الثَّاني؛ فإن هم أخذوا الدِّية من القاتل الأخير؛ فقد صار ميراثاً من ماله، ثمَّ يعود أولياء الدَّم الأوَّل فيأخذونها منهم بدم صاحبهم (١).
وكذلك نقل أبو طالب عن أحمد، وقال: إذا فاته الدَّم؛ أخذ الدِّية من ماله إن كان له مال؛ لأنَّه مخيَّر: إن شاء أخذ الدِّية، وإن شاء عفا.
وهذا كلُّه تصريح بالحكم والتَّعليل، وجعل المطالبة بالدِّية لأولياء القاتل الأوَّل؛ لأنَّ الدِّية في ماله.
وخرَّج صاحب «المغني» وجهاً: أنَّ المطالبة لقاتل القاتل؛ لأنَّه فوَّت محلَّ الحقِّ؛ فهو (٢) كما لو قُتِل العبدُ الجاني.
وللأصحاب وجهان فيما إذا قتَلَ الجانيَ بعضُ الورثة، حيث لا