في الوصيَّة، إلَّا إن كان يصلهم في حياته، وهذه طريقة القاضي في «المجرَّد».
والطَّريق الثَّاني: أنها هي المذهب، وأنَّ الاعتبار بمن كان يصله في حياته بكلِّ حال؛ فإن لم يكن له عادة بالصِّلة؛ فهي لقرابة الأب (١)، وهي طريقة القاضي في «خلافه».
ونقل عن أحمد: أنَّه لا اعتبار بالصِّلة، قال في رواية ابن منصور في رجل وصَّى في فقراء أهل بيته، وله قرابة في بغداد وقرابة في بلاده، وكان يصل في حياته الَّذين ببغداد، قال: (يعطى هؤلاء الحضور والَّذين في بلاده)، وكذلك نقل عبد الله (٢).
قال أبو حفص البرمكيُّ: هذا قول آخر لا يعتبر بمن كان يصل في حياته.
قلت: ويحتمل أن يقال: منع الصِّلة ههنا لمن ليس ببغداد قد علم سببه، وهو تعذُّر الصِّلة للبعد، والكلام إنَّما هو فيما تركه مع قدرته عليه.
قال القاضي: ويشهد لرواية ابن منصور ما روى عبد الله عنه في رجل وصَّى بصدقة في أطراف بغداد، وقد كان ربَّما تصدَّق في بعض
стр. 982
الأرباض (١) وهو حيٌّ، قال: يتصدَّق عنه في أبواب بغداد كلِّها. (٢)
ومنها: لو وصَّى لقرابة غيره، وكان يصل بعضهم، أو وصَّى للفقهاء أو للفقراء، وكان يصل بعضهم؛ قال القاضي في «خلافه»: لا رواية فيه، ولا يمتنع أن يقول فيه ما يقول في أقارب نفسه.
ومنها: لو وقف على بعض أولاده وسمَّاهم، ثمَّ على أولاد أولاده؛ فهل يختصُّ البطن الثَّاني بالأولاد المسمَّيين (٣) أوَّلاً، أو يشمل جميع ولد ولده؟
نصَّ أحمد في رواية حرب على أنَّه يشمل جميع ولد الولد. (٤)
ويتخرَّج وجه آخر بالاختصاص بولد من وقف عليهم؛ اعتباراً بآبائهم، فإنَّ هذه عطيَّة واحدة؛ فحَمْلُ بعضها على بعض أقرب من حمل الوصيَّة على العطيَّة في الحياة.
وهذا النَّصُّ هو قوله في رواية حرب في رجل له ولد صغار خاف عليهم الضَّيعة، فأوقف ماله على ولده، وكتب كتاباً، وقال: هذا صدقة على ولده فلان وفلان، وسمَّاهم، ثمَّ قال: وولد ولده، وله ولد غير هؤلاء، قال: هم شركاء.
فحمله الشَّيخان صاحبا «المغني» و «المحرَّر» على ما قلنا، وتبويب
стр. 983
الخلَّال يدلُّ عليه.
وقد يقال: إنَّما عمَّ البطن الثَّاني ولد الولد؛ لأنَّ تخصيص البطن الأوَّل بالصِّغار كان لخوفه عليهم الضَّيعة، وهذا المعنى مفقود في البطن الثَّاني؛ فلذلك اشترك فيه أولاد الأولاد كلُّهم.
وحمله القاضي وابن عقيل على أنَّ البطن الأوَّل يشترك فيه الولد المسمَّون وغيرهم؛ أخذاً من عموم قوله: (صدقة على ولده)، وتخصيص بعضهم بالذِّكر لا يقتضي التَّخصيص بالحكم؛ كقوله: ﴿وملائكته وجبريل وميكال﴾.
وهذا فاسد؛ لأنَّ الآية فيها عطف نسق بالواو، وههنا إمَّا عطف بيان أو بدل، وأيُّهما كان فيقتضي التَّخصيص بالحكم؛ لأنَّ عطف البيان موضِّح لمتبوعه، ومطابق له، وإلَّا لم يكن بياناً، والبدل هو الواسطة (١) المقصود بالحكم؛ فيتعيَّن التَّخصيص به (٢).
ولهذا لو قال من له أربع زوجات: زوجتي فلانة طالق؛ لم تطلق الثَّلاثة البواقي، أو قال من له عبيد: عبدي فلان حرٌّ؛ لم يعتق ما (٣) عداه بغير خلاف.
стр. 984
ومنها: لو استأجر أجيراً يعمل له مدَّة معيَّنة؛ حمل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزَّمان دون غيره بغير خلاف.
ومنها: لو حلف لا يأكل من هذه الشَّجرة؛ اختصَّت يمينه بما يؤكل منها عادة، وهو الثَّمر، دون ما لا يؤكل عادة؛ كالورق والخشب.
стр. 985
قاعدة [١٢٣]
ويُخَصُّ العموم بالشَّرع - أيضاً - على الصَّحيح في مسائل:
منها: إذا نذر صوم الدَّهر؛ لم يدخل في ذلك ما يحرم صومه من أيَّام السنة، أو ما يجب صومه شرعاً؛ كرمضان، على أصحِّ الرِّوايتين.
ومنها: لو حلف لا يأكل لحماً؛ لم تتناول يمينه اللَّحم المحرَّم شرعاً على أحد الوجهين.
ومنها: لو وصَّى لأقاربه؛ لم يدخل فيهم الوارثون في أحد الوجهين، حكاهما في «التَّرغيب».
وظاهر كلام القاضي الدُّخول.
وظاهر كلام ابن أبي موسى وابن عقيل خلافه.
ومنها: لو وكَّله أن يطلِّق زوجته؛ فهل يدخل فيه الطَّلاق المحرَّم؟ على وجهين، ذكرهما ابن عقيل وصاحب «المحرَّر».
ومنها: لو نذر اعتكاف شهر متتابع؛ فله أن يعتكف في غير الجامع، ويخرج إلى الجمعة؛ لاستثنائها بالشَّرع.
وفيه وجه: لا يجوز الاعتكاف في غير الجامع.
والأوَّل المذهب، كما أنَّه لا ينقطع الصِّيام المتتابع بصوم رمضان، ولا فطر أيَّام النَّهي.
стр. 986
قاعدة [١٢٤]
هل يُخَصُّ (١) اللَّفظ العامُّ بسببه الخاص إذا كان السَّبب هو المقتضيَ له؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يُخصُّ به، بل يقضى بعموم اللَّفظ، وهو اختيار القاضي في «الخلاف»، والآمديِّ، وأبي الفتح الحلوانيِّ، وأبي الخطَّاب، وغيرهم.
وأخذوه من نصِّ أحمد في رواية علي بن سعيد؛ فيمن حلف لا يصطاد من نهر لظلم (٢) رآه فيه (٣)، ثمَّ زال الظُّلم؛ قال: (النَّذر يوفَّى به) (٤).
وكذلك أخذوه من قاعدة المذهب: فيمن حلف لا يكلِّم هذا الصَّبيَّ، فصار شيخاً؛ إنَّه يحنث بتكليمه؛ تغليباً للتَّعيين على الوصف، قالوا: والسَّبب والقرينة عندنا تعمِّم الخاصَّ، ولا تخصِّص العامَّ.
стр. 987
والوجه الثَّاني: لا يحنث (١)، وهو الصَّحيح عند صاحبي «المحرَّر» و «المغني»، لكنَّ صاحب «المحرَّر» استثنى صورة النَّهر وما أشبهها؛ كمن حلف لا يدخل بلداً؛ لظلم رآه فيه (٢)، ثمَّ زال.
وصاحب «المغني» عدَّى الخلاف إليها، ورجَّحه (٣) ابن عقيل في «عمد الأدلَّة»، وقال: (هو قياس المذهب)؛ لأنَّ المذهب: أنَّ الصِّفة لا تنحلُّ بالفعل حالة البينونة؛ لأنَّ اليمين بمقتضى دلالة الحال تقتضي التَّخصيص بحالة الزَّوجيَّة دون غيرها (٤).
وكذلك جزم به القاضي في موضع من «المجرَّد»، واختاره الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وفرَّق بينه وبين مسألة النَّهر المنصوصة: بأنَّ نصَّ أحمد إنَّما هو في النَّذر، والنَّاذر إذا قصد التَّقرُّب بنذره؛ لزمه الوفاء مطلقاً، كما مُنع المهاجرون من العود إلى ديارهم الَّتي تركوها لله وإن زال المعنى
стр. 988
الَّذي تركوها لأجله (١)؛ فإنَّ تَرْك شيءٍ لله يمنع العود فيه مطلقاً، وإن كان لسبب قد يتغيَّر، ولهذا نهي المتصدِّق أن يشتري صدقته (٢).
وهذا حسن، وقد يكون جدُّه صاحب «المحرَّر» لحظ هذا؛ حيث خصَّ صورة النَّهر بالحنث مع الإطلاق، بخلاف غيرها من الصُّور.
وأمَّا مسألة الحلف على العين الموصوفة بالصِّفة؛ فإن كان ثَمَّ سبب يقتضي اختصاص اليمين بحال بقاء الصِّفة؛ لم يحنث بالكلام بعد زوالها، صرَّح به في «الكافي» و «المحرَّر»، فهي كمسألتنا.
ويتفرَّع على هذه القاعدة مسائل:
منها: لو دُعي إلى غداء، فحلف لا يتغدَّى؛ فهل يحنث بغداء غير ذلك المحلوف بسببه؟ على الوجهين، وجزم القاضي في «الكفاية» وصاحب «المحرَّر» بعدم الحنث.
ومنها: لو حلف لا رأيت منكراً إلَّا رفعته إلى فلان القاضي،
стр. 989
فعزل؛ فهل تنحلُّ يمينه؟ على الوجهين (١).
وفي «التَّرغيب»: (إن كان السَّبب أو القرائن تقتضي حالة الولاية؛ اختصَّ بها، وإن كانت تقتضي الرَّفع إليه بعينه، مثل أن يكون مرتكب المنكر قرابة الوالي مثلاً، وقصد إعلامه بذلك لأجل قرابته، وذكر الولاية تعريفاً تناول اليمين حال الولاية والعزل.
وإن لم يكن دلالة بحال؛ فهل يبرُّ برفعه إليه بعد العزل ويحنث بتركه؟ على وجهين.
فإن كانت يمينه: رَفْعه إلى الوالي من غير تعيين؛ فهل يتعيَّن المنصوب في الحال، أم يبرُّ بالرَّفع إلى كلِّ من ينصب بعده؟ على وجهين؛ لتردِّد الألف واللَّام بين تعريف العهد والجنس (٢).
ولو علم بمنكر بعد علم الوالي احتمل وجهين:
أحدهما: أنَّ البرَّ قد فات (٣)، كما لو رآه معه.
والثَّاني: لم يَفُتْ؛ لأنَّ صورة الرَّفع ممكنة.
ثمَّ على الوجه الأوَّل: يخرَّج على ما إذا تبدَّد الماء الَّذي في الكوز
стр. 990
بعد حلفه على شربه، أو أبرأه من الدَّين بعد حلفه على قضائه، وفيه وجهان (١) انتهى.
فجعَل محلَّ الوجهين إذا انتفت القرائن والدَّلائل بالكليَّة، ومع دلالة الحال والسَّبب يختصُّ الرَّفع بحال الولاية وجهاً واحداً.
ومنها: لو حلف على عبده، أو زوجته، أو لغريمه: لا يخرج إلَّا بإذنه، ثمَّ باع العبد، وطلَّق الزَّوجة، ووفَّى الغريم؛ فهل تنحلُّ يمينه؟ على الوجهين.
ومنها: لو قالت له زوجته: تزوَّجتَ عليَّ؟ فقال: كلُّ امرأة لي طالق، فإنَّ المخاطبة تطلق بذلك، نصَّ عليه في رواية المروذيِّ وابن هانئ (٢).
وكذلك نقل عنه أبو داود في رجل تزوَّج (٣) امرأة، فقيل له: إن لك غيرها، فقال: كلُّ امرأة لي طالق، فسكت، فقيل: إلَّا فلانة، فقال: إلَّا فلانة فإنِّي لم أعنها، فأبى أن يفتي فيه (٤)، وهذا توقُّف منه.
وخرَّج ابن عقيل في «عمد الأدلَّة» المسألة على روايتين.
стр. 991
قاعدة [١٢٥]
النِّيَّة تعمِّم الخاصَّ، وتخصِّص العامَّ بغير خلاف فيهما .
وهل تقيِّد المطلق، أو تكون استثناءً من النصَّ؟ (١) على وجهين فيهما.
فهذه أربعة أقسام:
أمَّا القسم الأوَّل؛ فله صور كثيرة:
منها: لو حلف على زوجته: لا تركت هذا الصَّبيَّ يخرج، فخرج بغير اختيارها عليه؛ فنصَّ أحمد في رواية مهنَّى: أنَّه إن نوى ألَّا يخرج من الباب فخرج؛ فقد حنث، وإن كان نوى ألَّا تدعه؛ لم يحنث (٢)؛ لأنَّها لم تدعه.
ومنها: لو قال: إن رأيتك تدخلين هذه الدَّار فأنت طالق؛ فنصَّ أحمد في رواية مهنَّى: أنَّه إن أراد ألَّا تدخلها بالكليَّة، فدخلت ولم يرها؛ حنث، وإن كان نوى إذا رآها؛ فلا يحنث حتَّى يراها تدخلها (٣).
стр. 992
ومنها: لو حلف لا يدخل هذا البيت، يريد هجران قوم، فدخل عليهم بيتاً آخر (١)؛ حنث، نصَّ عليه في رواية محمَّد بن يحيى الكحَّال.
ومنها: لو حلف لا يشرب له الماء، ونوى الامتناع من جميع ماله؛ حنث بتناول كلِّ ما يملكه.
وقرَّر القاضي في موضع: أنَّ هذا اللَّفظ ونحوه موضوع في العرف لعموم الامتناع، وكذلك ابن عقيل، فعلى هذا لا يحتاج إلى نيَّة العموم، بل إذا أطلق اقتضى الامتناع من شرب الماء فما فوقه خاصة، وصرَّح به ابن عقيل (٢).
ومنها: لو حلف لا يضربه، ونوى ألَّا يؤلمه؛ حنث بكلِّ ما يؤلمه من خنق، وعضٍّ، وغيرهما، نصَّ عليه (٣).
ومنها: لو حلف لا يكلِّم امرأته، يقصد هجرانها بذلك؛ حنث بوطئها، أومأ إليه أحمد. (٤)
ومنها: لو طلَّق امرأته طلقةً رجعيَّةً، وحلف لا راجعتها، وأراد
стр. 993
الامتناع من عودها إليه مطلقاً؛ حنث بتزوُّجها (١) بنكاح جديد بعد البينونة، نصَّ عليه في رواية ابن منصور (٢).
ومنها: لو حلف على زوجته لا تخرج من بيته لتهنئة ولا تعزية، ونوى ألَّا تخرج أصلاً؛ هل يحنث بخروجها لغير تهنئة أو تعزية؟
فذكر القاضي في بعض تعاليقه: أنَّه توقَّف فيها، وأنَّ القاضي أبا الطيِّب الطَّبريَّ من الشَّافعيَّة (٣) قال له: مقتضى مذهبكم أنَّه لا يحنث؛ لأنَّ الغرض يختلف في الخروج، ولا يوجد المقصود في كلِّ خروج، بخلاف ما إذا قصد قطع المنَّة، فإنَّ المنَّة توجد في غير المحلوف عليه.
قلت: والصَّواب الجزم بالحنث ههنا مطلقاً، وعليه يدلُّ نصُّ أحمد في المسألتين الأوليَيْن المذكورتين ههنا.
ولا يشبه هذا ما لو حلف لا يلبس من غزلها، يقصد قطع المنَّة؛ فإنَّه لا يحنث بالانتفاع بغير الغزل، وثمنه من أموالها (٤)؛ لأنَّ العموم هناك يستفاد من السَّبب، وهنا يستفاد من النِّيَّة؛ فهو أبلغ.
وأمَّا القسم الثَّاني؛ فصوره كثيرة جدًّا:
стр. 994
فمنها: أن يقول: نسائي طوالق، ويستثني بقلبه واحدة، أو يحلف لا يسلِّم على زيد؛ فسلَّم على جماعة هو فيهم، ويستثنيه بقلبه، ووقع في كلام القاضي وابن عقيل في هذه المسألة ما يقتضي حكاية روايتين في حنثه في مسألة السَّلام.
وتأوَّله صاحب «المحرَّر» في تعليقه على «الهداية» على أنَّ المراد: هل تقبل منه دعوى إرادة ذلك أم لا؟ قال: وقد صرَّحا بذلك في موضع آخر من كتابيهما.
ولو حلف لا يدخل على فلان بيتاً، فدخل بيتاً هو فيه مع جماعة، ونوى بدخوله غيره (١)؛ هل يحنث؟
خرَّجه القاضي، وابن عقيل، وأبو الخطَّاب على وجهين من (٢) مسألة السَّلام.
قال صاحب «المحرَّر»: وفيه عندي نظر؛ لأنَّ الدُّخول فعل حسيٌّ لا يتميَّز، بخلاف السَّلام.
ومنها: لو قال لزوجته: إن لبست ثوباً فأنت طالق، وقال: أردت أحمر، أو قال: إن لبست فأنت طالق، ثمَّ قال: أردت ثوباً أحمر، أو قال: إن دخلت الدَّار فأنت طالق، ثمَّ قال: أردت في هذه السَّنة؛ فالجمهور من الأصحاب على أنَّه يُدَيَّن في ذلك، وفي قبوله في الحكم روايتان.
стр. 995
وشذَّ طائفة؛ فحكوا الخلاف في تَدْيِينه في الباطن، منهم الحلوانيُّ وابنه، وكذلك وقع في موضع من «مفردات ابن عقيل» في الأيمان، وكذلك وقع للقاضي في «المجرَّد»، وقال (١) صاحب «المحرَّر»: وهو سهو.
وعن القاضي في «كتاب الحيل»: أنَّه إن كان المخصَّص بالنِّيَّة ملفوظاً به؛ صحَّ تخصيصه، وإلَّا فلا، فلو حلف لا يأكل شيئاً أبداً، ونوى به اللَّحم؛ قُبِل، وإن حلف لا يأكل، ونوى اللَّحم لم تنفعه نيَّته؛ لأنَّه خصص ما ليس في لفظه.
وحُمِلَ اختلاف كلام أحمد في قبول دعوى خلاف الظَّاهر في اليمين على اختلاف حالين (٢)، لا على اختلاف قولين، ذكره (٣) السَّامريُّ في «فروقه» (٤): أنَّ المنويَّ إن كان يرفع مقتضى الحكم بالكليَّة، كالاستثناء بالمشيئة في اليمين بالله، أو حيث تنفع؛ لم تصحَّ بالنِّيَّة إلَّا مع الظُّلم.
وقد نصَّ أحمد في رواية حرب على صحِّة استثناء المظلوم في نفسه بالمشيئة؛ لأنَّها ترفع الحكم بالكليَّة، فهي كالنَّسخ؛ فلا تصحُّ بالنِّيَّة إلَّا مع العذر، بخلاف شروط الطَّلاق ونحوها، فإنَّها تصحُّ بالنِّيَّة مطلقاً؛ لأنَّها مخصِّصة لا رافعة.
стр. 996
وأمَّا القسم الثَّالث؛ فله صور:
منها: إذا نذر الصَّدقة بمال، ونوى في نفسه قدراً معيَّناً؛ فنصَّ أحمد في رواية أبي داود: أنَّه لا يلزمه ما نواه (١).
وخرَّج صاحب «المحرَّر» في تعليقه على «الهداية»: اللُّزوم، قال: وقد نصَّ أحمد على أنَّ من (٢) نذر صوماً أو صلاة، ونوى في نفسه أكثر ممَّا يتناوله اللَّفظ؛ أنَّه يلزمه ما نواه (٣)، وهذا مثله، ولذلك رجَّح ابن عقيل اللُّزوم فيما نواه في الجميع.
وكذلك ذكر صاحب «الكافي»: أنَّه لو حلف ليأكلنَّ لحماً أو فاكهة، أو ليشربنَّ ماء، أو ليكلِّمنَّ رجلاً، أو ليدخلنَّ داراً، وأراد بيمينه معيَّناً؛ تعلَّقت يمينه به دون غيره، وإن نوى الفعل في وقت بعينه؛ اختصَّ به، ولم يذكر فيه خلافاً.
ومنها: لو قال: أنت طالق، ونوى ثلاثاً؛ فهل يلزمه الثَّلاث، أم لا يقع به أكثر من واحدة؟ على روايتين.
وجه القول بلزوم الثَّلاث: أنَّ (طالقاً) اسم فاعل، وهو صادق على من قام به الفعل مرَّة وأكثر، فيكون محتملاً للكثرة، فينصرف إليها بالنِّيَّة.
стр. 997
ورأيت في كتاب «شرح القوافي» لابن جنِّي (١): أنَّ الأفعال كلَّها للعموم، وحكاه عن أبي عليٍّ (٢)، وهو غريب.
وأمَّا إذا قال: ثلاثاً؛ فتطلق ثلاثاً، لكن لنا فيه طريقان:
أحدهما: أنَّ ثلاثاً صفة لمصدر محذوف، تقديره: طلاقاً ثلاثاً، والمصدر يتضمَّن العدد.
والثَّاني: أنَّ ثلاثاً صالح لإيقاع الثَّلاث من طريق الكناية، وذِكر الطَّلاق يقرِّر الإيقاع بها كنيَّة الطَّلاق.
ويتفرَّع على المأخذين: هل وقع الثَّلاث بقوله: أنت طالق، أم بقوله: ثلاثاً؟ فلو ماتت مثلاً في حال قوله: ثلاثاً؛ هل تقع (٣) الثَّلاث أو واحدة؟ على وجهين، ذكرهما في «التَّرغيب».
وهذا إنَّما يتوجَّه على قولنا: إنَّه إذا قال: أنت طالق، ونوى ثلاثاً؛ أنَّه يقع به الثَّلاث، أمَّا إن قلنا: لا يقع الثَّلاث بالنِّيَّة؛ لم يقع الثَّلاث إلَّا بقوله ثلاثاً، بغير خلاف.
стр. 998
ومنها: إذا وقع العقد على اسم مطلق، ونوى تعيينه قبل العقد؛ فهل يصحُّ أم لا؟
قد سبق أنَّ لنا في صحَّة النِّكاح وجهين إذا قال: زوَّجتك بنتي، وله بنات، ونويا واحدة معيَّنة، وأنَّ مأخذ البطلان اشتراط الشَّهادة على النِّكاح، وهذا يقتضي صحَّة سائر العقود الَّتي لا تحتاج إلى الشَّهادة بمثل ذلك.
وصرَّح صاحب «المحرَّر» بأنَّه إذا اشترى شيئاً بثمن مطلق في الذِّمة، ونوى نقده من المال المغصوب، ونقده منه؛ فهل يكون العقد باطلاً كما لو وقع على عين المغصوب، أو يكون صحيحاً؟ على روايتين.
وإنَّما خرَّج الخلاف في تقييد المطلق بالنِّيَّة دون تخصيص العامِّ بها؛ لأنَّ تخصيص العامِّ نقص منه، وقصر له على بعض مدلوله، وذلك إنَّما يكون بالنِّيَّة والإرادة؛ فهي المخصِّصة، وإنَّما تسمَّى الأدلَّةُ الدَّالَّة على التَّخصيص مخصِّصات؛ لدلالتها على الإرادة المخصِّصة (١)، بخلاف تقييد المطلق؛ فإنَّه زيادة على مدلوله، فلا تثبت الزِّيادة بالنِّيَّة المجرَّدة.
فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بتعميم الخاصِّ بالنِّيَّة؛ فإنَّه إلتزام بزيادة (٢) على اللَّفظ بمجرَّد النِّيَّة.
стр. 999
قيل: الفرق بينهما أنَّ الخاصَّ إذا أريد به العامُّ؛ كان نصًّا على الحكم في صورة لعلَّة، تعدَّى إلى كلِّ ما وُجدت فيه تلك العلَّة، وهذا غير موجود في المطْلَق إذا أريد به بعض مقيَّداته، والله أعلم.
وأمَّا القسم الرَّابع؛ فله صور:
منها: لو قال: أنت طالق ثلاثاً، واستثنى بقلبه إلَّا واحدة؛ فهل يلزمه الثَّلاث في الباطن؟ على وجهين:
أحدهما: لا يلزمه، وهو قول أبي الخطَّاب وصاحبه الحلوانيِّ.
والثَّاني: يقع به الثَّلاث في الباطن، وهو الَّذي جزم به السَّامريُّ في «فروقه»، وصاحب «المغني»، واختاره صاحب «المحرَّر»؛ لأنَّ النِّيَّة إنَّما تصرف اللَّفظ إلى محتمل، ولا احتمال في النَّصِّ الصَّريح، إنَّما الاحتمال في العموم، ويشهد له قول أحمد في رواية صالح: (النِّيَّة فيما خفي، ليس فيما ظهر) (١).
ومنها: لو قال: نسائي الأربع طوالق، واستثنى بقلبه فلانة؛ فهي كالَّتي قبلها.
ومنها: لو قال: كلُّ عبد لي حرٌّ، واستثنى بقلبه بعض عبيده؛ فذكر ابن أبي موسى في صحَّته روايتين، ولكن صحَّة الاستثناء هنا أظهر، وفي كلام أحمد (٢) في مسألة الأشقاص ما يدلُّ عليه؛ لأنَّ (كلًّا) وإن
стр. 1000
كانت موضوعة لاستغراق ما تضاف إليه، إلَّا أنَّها من صيغ العموم القابلة للتَّخصيص في الجملة.
تنبيه حسن:
فرَّق الأصحاب بين الإثبات والنَّفي في الأيمان في مسائل، وقالوا: في الإثبات لا يتعلَّق البرُّ إلَّا بتمام المسمَّى، وفي الحنث يتعلَّق ببعضه على الصَّحيح.
وقالوا: الأيمان تُحمل على عرف الشَّرع (١)، والشَّارع إذا نهى عن شيء؛ تعلَّق النَّهي بجملته وأبعاضه، وإذا أمر بشيء؛ لم يحسن الامتثال بدون الإتيان بكماله.
فأخذ الشَّيخ تقيُّ الدِّين من هذا: أنَّ اليمين في الإثبات لا تعمُّ، وفي النَّفي تعمُّ؛ كما عمَّت أجزاء المحلوف عليه، قال (٢): (وقد ذكر القاضي في موضع من «خلافه»: أنَّ السَّبب يقتضي التَّعميم في النَّفي دون الإثبات) (٣).
стр. 1001
قال الشَّيخ: وهذا قياس المذهب في الأيمان، وقرَّره: بأنَّ المفاسد يجب اجتنابها كلِّها، بخلاف المصالح؛ فإنَّه إنَّما يجب تحصيل ما يحتاج إليه منها، فإذا وجب تحصيل مصلحة؛ لم يجب تحصيل أخرى مثلها؛ للاستغناء عنها بالأولى.
وكلامه يشمل التَّعميم بالنِّيَّة حتَّى ذكر في العلَّة المنصوصة في كلام الشَّارع: أنَّها إن كانت في تحريمٍ؛ تعدَّى بالقياس إلى غير المنصوص عليه بالعلَّة، وإن كانت إيجاباً؛ لم يتعدَّ، وذكر أنَّ هذا قياس المذهب (١).
وحكى عن أبي الخطَّاب: أنَّه لو قال: أوجبت كلَّ يوم أكل السُّكَّر؛ لأنَّه حلو؛ وجب أكل كلِّ حلو.
ثمَّ قال: هذا بعيد، بل الَّذي يقال: إنَّه يجب كلَّ يوم أكل شيء من الحلو كائناً ما كان، قال: وفيه نظر؛ لأنَّه يبطل إيجاب السُّكَّر.
وعلى هذا التَّقدير؛ فلا إشكال في مسألة قول السَّيِّد: أعتقت غانماً لسواده، وأنَّه لا يعتق عليه كلُّ أسود؛ كما هو قول الجمهور، خلافاً لما ذكره أبو الفتح الحلوانيُّ وأبو الخطَّاب، والله أعلم.
стр. 1002
قاعدة [١٢٦]
الصُّور الَّتي لا تُقصَد من العموم عادة؛ إمَّا لندورها، أو لاختصاصها بمانع، لكن يشملها اللَّفظ مع اعتراف المتكلِّم بأنَّه لم يُرد إدخالها فيه ؛ هل يحكم بدخولها أم لا؟
في المسألة خلاف، ويترجَّح في بعض المواضع الدُّخول وفي بعضها عدمه؛ بحسب قوَّة القرائن وضعفها.
ويتخرَّج على هذه القاعدة مسائل كثيرة:
منها: إذا قيل له: تزوَّجت على امرأتك؟ فقال: كلُّ امرأة لي طالق؛ هل تطلق المرأة المخاطبة أم لا، إذا قال: لم أردها؟
وقد سبق (١) أنَّ أحمد نصَّ تارة على أنَّها تطلق، وتوقَّف فيها (٢) أخرى، وخرَّجها ابن عقيل على روايتين.
ومنها: لو قذف آباءه إلى آدم وحوَّاء؛ فنصَّ أحمد في رواية حرب: على أنَّ عليه حدًّا واحداً (٣)، ولم يجعله ردَّة عن الإسلام؛ لأنَّه لم يقصد دخول الأنبياء في ذلك، ولا يقصد ذلك مسلم.
стр. 1003
وخرَّج الشَّيخ تقيُّ الدِّين فيه وجهاً آخر: أنَّه ردَّة من المسألة الآتية (١).
ومنها: لو قال: عصيت الله فيما أمرني به؛ هل تكون يميناً؟
قال القاضي: ليس بيمين؛ لأنَّ المشهور تخصيص المعاصي بالذُّنوب دون الكفر.
وقال صاحب «المحَّرر»: عندي أنَّه يمين لدخول التَّوحيد فيه.
ومنها: لو قال لعبيده وهم عنده: أنتم أحرار، وكان فيهم أمُّ ولده وهو لا يعلم بها، ولم يُرِد عِتقَها؛ هل تعتق أم لا؟ على روايتين، حكاهما أبو بكر وابن أبي موسى، ونصَّ أحمد على عتقها في رواية ابن هانئ وغيره (٢).
وشبَّهها في رواية أحمد بن الحسين بن حسَّان بمن نادى امرأة له، فأجابته أخرى، فطلَّقها يظنُّها المناداة، وقال: تطلق هذه بالإجابة، وتلك بالتَّسمية (٣).
وهذه المسألة- أعني: مسألة المناداة - فيها روايتان:
إحداهما: تطلق المناداة وحدها، نقلها مهنَّى (٤)، وهي اختيار الأكثرين؛ كأبي بكر وابن حامد والقاضي؛ فيتعيَّن تخريج رواية في أمِّ
стр. 1004
الولد: أنَّها لا تعتق منها (١).
وعلى الرِّواية الثَّانية: تعتق المناداة والمجيبة.
وظاهر كلام أحمد في رواية أحمد بن الحسين بن حسَّان: أنَّهما تطلقان جميعاً في الباطن والظَّاهر، كما تقول في إحدى الرِّوايتين: إذا لقي امرأة يظنُّها أجنبيَّة، فطلَّقها، فإذا هي زوجته؛ أنَّ زوجته تطلق ظاهراً وباطناً.
وزعم صاحب «المحرَّر» أنَّ المجيبة إنَّما تطلق ظاهراً.
والفرق بينها وبين المطلَّقة الَّتي يعتقدها أجنبيَّة: أنَّ الطَّلاق ههنا صادف محلًّا ينفذ فيه، وهو المناداة؛ فلا تحتاج إلى محلٍّ آخر، بخلاف طلاق من يعتقدها أجنبيَّة؛ فإنَّه لو لم يقع بها؛ لَلَغِيَ الطَّلاق الصَّادر من أهله في محلِّه، ولا سبيل إليه، وقد أشار أحمد إلى معنى هذا الفرق، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله (٢).
ومنها: لو حلف لا يسلِّم على فلان، فسلَّم على جماعة هو فيهم، وهو لا يعلم بمكانه، ولم يرده بالسَّلام؛ فحكى الأصحاب في حنثه الرِّوايتين.
ويشبه تخريجهما على مسألة من حلف لا يفعل شيئاً ففعله جاهلاً بأنَّه المحلوف عليه.
стр. 1005
والمنصوص عن أحمد ههنا الحنث في رواية مهنَّى (١)؛ حتَّى فيما إذا كان المحلوف عليه مستتراً بين القوم ببارية في المسجد وهو لا يراه.
ونقل عنه أبو طالب: إن كان وحده فسلَّم عليه وهو لا يعرفه؛ حنث، وإن كان بين جماعة ولم يعلم به؛ لم يحنث؛ لأنَّه أراد الجماعة.
وهذا يشبه ما تقدَّم في الفرق بين المناداة إذا أجابت غيرها، وبين من يطلِّقها يعتقدها أجنبيَّة، فإنَّ المحلوف عليه لم يقصد السَّلام عليه بالكليَّة، وهناك من يصحُّ قصده غيره، فانصرف السَّلام إليه دونه، بخلاف ما إذا كان وحده؛ فإنَّ المحلوف عليه وجد، ولكن مع الجهل به.
وقد تأوَّل القاضي رواية أبي طالب هذه على أنَّه أخرجه بالنِّيَّة من السَّلام، ولا يصحُّ؛ لأنَّه لم يكن عالماً بحضوره بينهم؛ فكيف يستثنيه بالنِّيَّة؟!
ومنها: لو وقف المسلم على قرابته، أو أهل قريته، أو وصَّى لهم وفيهم مسلمون وكفَّار؛ لم يتناول الكفَّار حتَّى يصرِّح بدخولهم، نصَّ عليه في رواية حرب وأبي طالب (٢).
ولو كان فيهم مسلم واحد والباقي كفَّار؛ ففي الاقتصار عليه وجهان؛ لأنَّ حمل اللَّفظ العامِّ على واحد بعيد جدًّا (٣).
стр. 1006
ومنها: لو تهايأ المعتَق بعضه وسيِّده على منافعه وأكسابه؛ فهل يدخل فيها الأكساب النَّادرة؛ كالرِّكاز والهديَّة واللُّقطة، أم لا؟ على وجهين.
ومنها: لو قال: ما أحلَّ الله عليَّ حرام، وله زوجة ومال، وقال: لم أرد زوجتي؛ فهو مظاهر، عليه كفَّارة الظِّهار، نصَّ عليه في رواية ابن منصور (١)؛ لأنَّ الزَّوجة أشهر أفراد الحلال الَّذي يقصد تحريمه، ولا ينصرف الذِّهن ابتداء إلى غيره؛ فلا يصحُّ إخراجه من العموم بعدم إرادة دخوله، وإنَّما يصحُّ إخراجه بإرادة عدم دخوله.
فأمَّا إن لم يكن له زوجة وله مال؛ فهو يمين كسائر تحريم المباحات.
وإذا كان له زوجة ومال؛ فعليه كفَّارة ظهار لا غير، نصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور (٢) وأبي طالب (٣) في صورة: كلُّ ما أحلَّ الله عليَّ حرام.
وقال ابن عقيل: تجب مع كفَّارة الظِّهار كفَّارة يمين؛ لدخول المال في العموم.
ووجَّه القاضي نصَّ أحمد بتوجيهات مستبعدة، وعندي في تخريجه وجهان:
стр. 1007
أحدهما: أنَّ المتبادر إلى الأفهام من تحريم الحلال؛ تحريم الزَّوجة دون الأموال؛ فإنَّها لا تُقصد بالتَّحريم، فلا تدخل في العموم؛ لكونها لا تُقصد عادة، فتكون المسألة حينئذ من صور القاعدة.
والثَّاني: أن تكون مخرَّجة على قوله بتداخل الأيمان، وأنَّ موجَبها واحد؛ فإنَّ الجنس ههنا واحد، وهو تحريم الحلال؛ فصار موجبه كفَّارة واحدة، ثمَّ تعيَّنت بكفَّارة الظِّهار؛ لدخول كفَّارة اليمين فيها، من غير عكس.
стр. 1008
قاعدة [١٢٧]
إذا استند إتلاف أموال الآدميِّين ونفوسهم إلى مباشرة وسبب ؛ تعلَّق الضَّمان بالمباشرة دون السَّبب، إلَّا أن تكون المباشرة مبنيَّة على السَّبب وناشئة عنه (١)، سواء كانت ملجئة (٢) إليه أو غير ملجئة (٣).
ثمَّ إن كانت المباشرة والحالة هذه (٤) لا عدوان فيها بالكليَّة؛ استقلَّ
стр. 1009
السَّبب وحده بالضَّمان.
وإن كان فيها عدوان؛ شاركت السَّبب في الضَّمان. فالأقسام ثلاثة. (١)
من (٢) صور القسم الأوَّل (٣) مسائل:
منها: إذا حفر واحد بئراً عدواناً، ثمَّ دفع غيره فيها؛ آدميًّا معصوماً أو مالاً لمعصوم، فسقط، فتلف؛ فالضَّمان على الدَّافع وحده.
ومنها: لو فتح قفصاً عن طائر، فاستقرَّ بعد فتحه، فجاء آخر فنفَّره؛ فالضَّمان على المنفِّر وحده.
стр. 1010
ومنها: لو رمى معصوماً من شاهق، فتلقَّاه آخر بسيف، فقدَّه به؛ فالقاتل هو الثَّاني دون الأوَّل.
فأمَّا إذا (١) ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً وفيه حياة غير مستقِرَّة، فضربه آخر فمات؛ فالقاتل هو الأوَّل، وعليه الغرَّة، ويعزَّر الثَّاني؛ لأنَّ الضَّارب ليس بمتسبِّب، بل هو مباشر للقتل؛ فلذلك لزمه الضَّمان.
وكذا لو رمى صيداً فأصاب مقتله، ثمَّ رماه آخر فمات؛ فالقاتل هو الأوَّل، فيباح الصَّيد بذلك، والثَّاني جان عليه؛ فيضمن ما خرق من جلده، هذا قول القاضي والأكثرين.
وخرَّجه طائفة على الخلاف في تحريم ما سقط بعد الذَّبح في ماء ونحوه؛ لإعانته على قتله، وظاهر كلام الخرقيِّ تحريمه ههنا؛ فيضمن الثَّاني قيمته كاملة، ويسقط منها قدر جرح الأوَّل.
ومن صور القسم الثَّاني (٢) مسائل:
منها: إذا قدَّم إليه طعاماً مسموماً عالماً به، فأكله وهو لا يعلم بالحال؛ فالقاتل هو المقدِّم، وعليه القصاص والدِّية (٣).
ومنها: لو قتل الحاكم حدًّا أو قصاصاً بشهادة، ثمَّ أقرَّ الشُّهود أنَّهم تعمَّدوا الكذب؛ فالضَّمان والقود عليهم دون الحاكم.
стр. 1011
ونقل أبو النَّضر العجليُّ (١) عن أحمد: إذا رجم الحاكم بشهادة أربعة، ثمَّ تبيَّن أنَّ المرجوم مجبوب؛ فالضَّمان على الحاكم.
وهو مشكل؛ لأنَّه قد تبيَّن كذبهم بالعيان؛ فهو كإقرارهم بتعمُّد الكذب.
وقد يفرَّق بأنَّ المجبوب لا يخفى حاله (٢) غالباً؛ فالإقدام على رجمه لا يخلو من تفريط، وبأنَّ الشُّهود قد يشتبه عليهم؛ فلا يتحقَّق تعمُّدهم للكذب.
وأمَّا إن تبيَّن أنَّ الشُّهود فسقة أو كفَّار - وقلنا: يُنقض الحكم (٣) - وكان الحقُّ لآدميٍّ؛ فالضَّمان على المحكوم له.
стр. 1012
وإن كان لله تعالى؛ فله حالتان:
إحداهما: أن يستند الحاكم في قبول الشَّهادة إلى تزكية من زكَّاهم، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها (١): الضَّمان على المزكِّين، قاله أبو الخطَّاب، وصحَّحه صاحبا «الكافي» و «التَّرغيب»؛ لأنَّهم ألجؤوا الحاكم إلى الحكم، والحاكم فعل ما وجب عليه، والشُّهود لا يعترفون ببطلان شهادتهم؛ فتعيَّن إحالة الضَّمان على المزكِّين.
والثَّاني: الضَّمان على الحاكم وحده، قاله القاضي وابن عقيل في كتاب الشَّهادات؛ لأنَّه مفرِّط بالحكم بشهادة من لا تجوز شهادته، وحكمه يختصُّ بالمحكوم به، بخلاف التَّزكية؛ فإنَّها لا تختصُّ المحكوم به.
والثَّالث: يخيَّر المستحِقُّ بين تضمين من شاء من الحاكم والمزكِّين، والقرار على المزكِّين، قاله القاضي وابن عقيل في كتاب الحدود؛ لما ذكرنا من وجه تغريم كلٍّ منهما؛ فيخيَّر المستحِقُّ، ويستقرُّ الضَّمان على المزكِّين؛ لإلجائهم الحاكم إلى الحكم.
وحُكي عن أبي الخطَّاب وجه رابع: أنَّ الضَّمان على الشُّهود؛ كما لو رجعوا عن الشَّهادة.
ولا تصحُّ حكايته عنه؛ لتصريحه بخلافه (٢)، وهو غير متوجِّه؛ لأنَّهم
стр. 1013
لم يعترفوا ببطلان شهادتهم ولا ظهر كذبهم، بخلاف الرَّاجعين عن الشَّهادة، ولكن ذكر القاضي وأبو الخطَّاب رواية أنَّه لا يُنقض الحكم (١) ويضمن الشُّهود، وهذا ضعيف جدًّا.
وخرَّج صاحب المحرَّر في «تعليقه على الهداية» ضمان الشُّهود من إحدى الرِّوايتين فيما إذا شهد أربعة بالزِّنى ثمَّ بانوا فسَّاقاً؛ فإنَّهم يُحَدُّون على إحدى الرِّوايتين؛ وإن لم يعترفوا ببطلان قولهم.
وهذا تخريج ضعيف؛ لأنَّ الشَّهادة بالزِّنى قذف في المعنى، موجِبة للحدِّ في نفسها؛ إلَّا أن يوجد معها كمال النِّصاب المعتبر، ولم يوجد ذلك هنا.
وكذلك يجب عليهم حدُّ القذف، سواء استُوفِي من المشهود عليه الحدُّ أو لا، وليس المستوفَى من الشَّاهد نظير المستوفَى من المشهود عليه.
وأمَّا الشَّهادة بالمال؛ فلا يترتَّب عليها ضمان إلَّا أن ينشأ عنها غرم، ثمَّ يتبيَّن بطلانها؛ إمَّا بإقرار الشَّاهد، أو يتبيَّن كذبها بالعيان، ولم يوجد هنا واحد منهما.
والحالة الثَّانية: ألَّا يكون ثَمَّ تزكية؛ فالضَّمان على الحاكم وحده، ذكره الخرقيُّ والأصحاب؛ لتفريطه بقبول من لا يجوز قبول شهادته من غير إلجاء إلى القبول.
стр. 1014
ومنها: المكره على إتلاف مال الغير، وفي الضَّمان وجهان:
أحدهما: أنَّه على المكرِه وحده، لكن للمستحِقِّ مطالبة المتلِف، ويرجع به على المكرِه؛ لأنَّه معذور في ذلك الفعل؛ فلم يلزمه الضَّمان، بخلاف المكرَه على القتل؛ فإنَّه غير معذور؛ فلهذا شاركه في الضَّمان، وبهذا جزم القاضي في كتاب «الأمر بالمعروف والنَّهيِّ عن المنكر»، وابن عقيل في «عمد الأدلَّة».
والثَّاني: عليهما الضَّمان؛ كالدِّية، صرَّح به في «التَّلخيص»، وذكره القاضي في بعض تعاليقه احتمالاً، وعلَّل باشتراكهما في الإثم، وهذا تصريح بأنَّ الإكراه لا يبيح إتلاف مال الغير، وكان فرض الكلام في الوديعة.
وحكى احتمالاً آخر: أنَّ الضَّمان على المتلِف وحده، كما لو اضطر إلى طعام الغير فأكله، وهذا ضعيف جدًّا؛ لأنَّ المضطر لم يُلجئه إلى الإتلاف من يحال الضَّمان عليه.
ولو أُكره على تسليم الوديعة إلى غير المالك، فقال القاضي: لا ضمان؛ لأنَّه ليس بإتلاف، كذا ذكره في بعض تعاليقه، وصرَّح به في «المجرَّد» مفرِّقاً بينه وبين الإكراه على القتل: بأنَّ القتل لا يُعذر فيه بالإكراه، بخلاف هذا، وهذا التَّعليل يشمل الإتلاف أيضاً.
وتابع ابن عقيل في «الفصول» وصاحب «المغني» القاضيَ في «المجرَّد».
وفي «شرح الهداية» لأبي البركات: المذهب (١) أنَّه لا يضمن؛ كما
стр. 1015
لو حلف لا يدخل الدَّار فدخلها مكرهاً.
وفي «الفتاوى الرَّجبيات» عن أبي الخطَّاب وابن عقيل: الضَّمان مطلقاً؛ لأنَّه افتدى بها ضرره.
وعن ابن الزاغونيِّ: أنَّه إن أُكره على التَّسليم بالتَّهديد والوعيد؛ فعليه الضَّمان ولا إثم، وإن ناله العذاب؛ فلا إثم ولا ضمان.
وأشار صاحب «المحرَّر» في مسألة الإكراه على الأكل في الصَّوم (١) من «شرح الهداية» إلى خلافٍ في أصل جواز تضمين المكرَه على إتلاف المال.
وقد ذكر صاحب «المغني» في الأيمان: أنَّ المحرِم إذا قتل صيداً مكرهاً؛ فضمانه على المكرِه له.
وقد نصَّ أحمد في رواية ابن ثواب على أنَّ حافر البئر عدواناً إذا أكرهه السُّلطان على الحفر؛ لم يضمن (٢)، لكن هذا إكراه على السَّبب دون المباشرة.
وهذه النُّقول الثَّلاثة ترجع إلى أنَّه لا يضمن ابتداء من لا يستقرُّ عليه
стр. 1016
الضَّمان، وقد تقدَّم ذلك (١).
وأمَّا المكرهة على الوطء في الحجِّ والصِّيام إذا أفسدنا حجَّها وصيامها (٢)؛ فهل تجب عليها الكفَّارة في مالها، أو لا يجب عليها شيء، أو يجب على الزَّوج أن يتحمَّلها عنها؟
على ثلاث روايات، وتأوَّل بعضهم الأولى على أنَّها ترجع بها على الزَّوج.
والمكرَه على حلق رأسه في الإحرام؛ تجب الفدية على الحالق في أشهر الوجهين، قاله أبو بكر.
والثَّاني: على المحلوق، يرجع بها على الحالق، ذكره ابن أبي موسى وجهاً؛ لأنَّ حلق الشَّعر كالإتلاف، ولهذا يستوي عمده وسهوه على المشهور (٣).
ومن صور القسم الثَّالث (٤)(٥) مسائل:
стр. 1017
منها: المكرَه على القتل، والمذهب: اشتراك المكرَه والمكرِه في القَوَد والضَّمان؛ لأنَّ الإكراه ليس بعذر في القتل.
وذكر القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في باب الرَّهن: أنَّ أبا بكر ذكر أنَّ القود على المكرَه المباشر، ولم يذكر على المكرِه قوداً، قالا: والمذهب وجوبه عليهما؛ كما نصَّ عليه أحمد (١) في الشُّهود الرَّاجعين إذا اعترفوا بالعمد (٢)(٣).
وقد بيَّن القاضي في «خلافه» كلام أبي بكر، وأنَّه قال في الأسير إذا أُكره على قتل مسلم فقتله؛ فعليه القود، وههنا المكرِه ليس من أهل الضَّمان؛ لأنَّه حربيٌّ؛ فلذلك لم يذكر تضمينه.
وذكر ابن الصَّيرفيِّ أنَّ أبا بكر السَّمرقنديِّ (٤) من أصحابنا خرَّج وجهاً: أنَّه لا قود على واحد منهما، من رواية امتناع قتل الجماعة بالواحد، وأولى؛ لأنَّ السَّبب ههنا غير صالح في كلِّ واحد منهما؛ لأنَّ أحدهما
стр. 1018
متسبِّب والآخر مُلجَأ، وفي صورة الاشتراك هما مباشران مختاران.
ومنها: الممسِك مع القاتل؛ فإنَّهما يشتركان في الضَّمان والقود على إحدى الرِّوايتين.
وفي الأخرى: يختصُّ بالقود (١) المباشر بهما، ويُحبس الممسِك حتَّى يموت.
ومنها: لو حفر بئراً عدواناً في الطَّريق، فوضع آخر حجراً إلى جانبها؛ فهل يختصُّ بالضَّمان الواضع؛ جعلاً له كالدَّافع، أو يشتركان فيه؛ كالممسك والقاتل؟ على روايتين.
ولو كان الحافر غير متعدٍّ؛ فالضَّمان على الواضع وحده، وهي من صور القسم الثَّاني (٢).
ومنها: لو دلَّ المودَع لصًّا على الوديعة، فسرقها؛ فالضَّمان عليهما، ذكره القاضي وغيره؛ كما لو دلَّ المحرِم محرِماً آخر على صيد فقلته.
ولو دلَّ حلالاً؛ فالضَّمان على المحرِم وحده، وهي من صور القسم الثَّاني.
ومنها: لو أحرم وفي يده المشاهدة صيد، وتمكَّن من إرساله، فلم
стр. 1019
يفعل حتَّى قتله محرم آخر؛ ففيه احتمالان ذكرهما القاضي في «المجرَّد»:
أحدهما: الضَّمان على القاتل؛ لأنَّه مباشر، والأوَّل متسبِّب غير ملجِئ.
والثَّاني: الضَّمان عليهما، على الأوَّل باليد، وعلى الثَّاني بالمباشرة.
ويتخرَّج على هذين الوجهين: كلُّ من أتلف عيناً في يد من هي مضمونة عليه باليد؛ هل يضمن المتلف وحده الجميع دون صاحب اليد، أو يجوز تضمين صاحب اليد ويرجع على المتلف؟
وفرض القاضي في كتاب التَّخريج مسألة الصَّيد في حلالين: صاد أحدهما في الحرم صيداً، فقتله الآخر فيه، وذكر أنَّ عليهما جزاءين كاملين: أحدهما على القاتل بقتله، والآخر على الممسك؛ لتلفه في يده قبل إرساله، ثمَّ يرجع الَّذي في يده على القاتل بما غرمه؛ لأنَّه قرَّر عليه ضماناً كان قادراً على التَّخلُّص منه بالإرسال.
وصرَّح في أثناء المسألة بأنَّ المغصوب إذا أتلفه متلِف في يد الغاصب؛ كان المالك مخيَّراً في المطالبة لمن شاء منهما.
стр. 1020
قاعدة [١٢٨]
إذا اختلف حال المضمون (١) في حالي الجناية والسِّراية .
فههنا أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون مضموناً في الحالين، لكن يتفاوت قدر الضَّمان فيهما (٢)؛ فهل الاعتبار بحال السِّراية أو بحال الجناية؟ على روايتين (٣).
والقسم الثَّاني: أن يكون مهدراً في الحالين (٤)؛ فلا ضمان بحال.
والثَّالث: أن تكون الجناية مهدرة والسِّراية في حال الضَّمان؛ فتهدر (٥) تبعاً للجناية بالاتِّفاق.