ومنها: العبد الجاني إذا أعتقه سيِّده؛ فإنَّه يضمنه، وهل يضمنه بأرش الجناية مطلقاً، أو بأقلِّ الأمرين منه ومن قيمته؟ على روايتين ذكرهما القاضي في «المجرَّد» (١).
وأنكر في «الخلاف» رواية الضَّمان بالأرش مطلقاً؛ قال: لأنَّه أتلف محلَّ الحقِّ؛ فلا يلزمه أكثر من ضمانه، بخلاف (٢) ما إذا اختار فداءه؛ فإنَّه مع بقائه قد يرغب فيه راغب، فيبذل فيه ما يستوفى منه الأرش كلَّه؛ فلذلك ضمنه بالأرش كلِّه على رواية.
ونقل عنه ابن منصور: أنَّه إن (٣) علم بالجناية؛ ضمنه بالأرش كلِّه، وإن لم يعلم؛ لزمه الأقل (٤).
ونقل عنه حرب (٥): إن لم يعلم؛ فلا شيءَ عليه بحال، وإن علم؛
стр. 1087
ضمنه بالقيمة فقط (١).
ولو قتله المالك؛ لزمته قيمته للمجني عليه، ذكره القاضي في «خلافه».
وإن قتله أجنبيٌّ؛ ففي «الخلاف الكبير»: يسقط الحقُّ (٢)؛ كما لو مات.
وحكى القاضي في كتاب «الرِّوايتين» والآمديُّ روايتين:
إحداهما: يسقط الحقُّ، قال القاضي: نقلها مهنَّى (٣)؛ لفوات محلِّ الجناية.
والثَّانية: لا يسقط، نقلها حرب (٤)، واختارها أبو بكر، وبها جزم القاضي في «المجرَّد»؛ فيتعلَّق الحقُّ بقيمته؛ لأنَّها بدله؛ فهو كما لو مات القاتل عمداً؛ فإنَّ الدِّية تجب في تركته.
وجعل القاضي المطالبة على هذه الرِّواية للسَّيِّد، والسَّيِّد يطالب
стр. 1088
الجاني (١) بالقيمة.
ومنها: إذا قَتَل رجلاً عمداً، ثمَّ قُتِل القاتل؛ قال أحمد في رواية ابن ثواب في رجل قتل رجلاً عمداً، ثمَّ قُتِل الرَّجل خطأً: لهم الدِّية، قيل له: وإن قُتل عمداً؟ قال: وإن قُتل عمداً، قيل له: فإنَّ قوماً يقولون: إنَّه إذا قُتل إنَّما كان لهم دمه، وليس لهم الدِّية، قال: ليس كذلك، الحديث: «إنَّ أولياءه بالخيار؛ إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا قبلوا الدِّية» (٢).
فقد نصَّ على أنَّ القاتل إذا قُتل؛ تعينَّت الدِّية في تركته، وعلَّل: بأنَّ الواجب بقتل العمد أحد شيئين، وقد فات أحدهما؛ فتعيَّن الآخر.
وهذا يدلُّ على أنَّه لا يجب شيء إذا قلنا: الواجب القود عيناً، وهذا يقوى على قولنا: إنَّ الدِّية لا تثبت إلَّا بالتَّراضي.
وخرَّج الشَّيخ تقيُّ الدِّين وجهاً آخر، وقوَّاه: أنَّه تسقط الدِّية بموت القاتل أو قتله بكلِّ حال؛ معسراً كان أو موسراً، وسواء قلنا: الواجب القود عيناً، أو: أحد شيئين؛ لأنَّ الدِّية إنَّما تجب بإزاء العفو، وبعد موت القاتل لا عفو؛ فيكون موته كموت العبد الجاني.
والعجب من القاضي في «خلافه» كيف حمل هذه الرِّواية على أنَّ
стр. 1089
أولياء المقتول الأوَّل يُخيَّرون في القاتل الثَّاني بين (١) أن يقتصُّوا منه أو يأخذوا الدِّية؟! وتبعه على ذلك صاحب «المحرَّر» (٢)؛ فحكاه رواية.
ومن تأمَّل لفظ الرِّواية؛ علم أنَّها لا تدلُّ على ذلك البتَّة (٣).
стр. 1090
وقال القاضي أيضاً في «خلافه»: الدِّية واجبة في التَّركة، سواء قلنا: الواجب أحد شيئين، أو القصاص عيناً.
وكلام أحمد يدلُّ على خلاف ذلك كما رأيته، وكذلك نصَّ عليه في رواية ابن القاسم في الرَّجل يَقتل عمداً، ثم يُقدَّم ليُقاد منه، فيأتي رجل فيقتله؛ قال: كان الوليُّ الأوَّل بالخيار؛ إن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدِّية، فلمَّا ذهب الدَّم؛ فينظر إلى أولياء هذا المقتول الثَّاني؛ فإن هم أخذوا الدِّية من القاتل الأخير؛ فقد صار ميراثاً من ماله، ثمَّ يعود أولياء الدَّم الأوَّل فيأخذونها منهم بدم صاحبهم (١).
وكذلك نقل أبو طالب عن أحمد، وقال: إذا فاته الدَّم؛ أخذ الدِّية من ماله إن كان له مال؛ لأنَّه مخيَّر: إن شاء أخذ الدِّية، وإن شاء عفا.
وهذا كلُّه تصريح بالحكم والتَّعليل، وجعل المطالبة بالدِّية لأولياء القاتل الأوَّل؛ لأنَّ الدِّية في ماله.
وخرَّج صاحب «المغني» وجهاً: أنَّ المطالبة لقاتل القاتل؛ لأنَّه فوَّت محلَّ الحقِّ؛ فهو (٢) كما لو قُتِل العبدُ الجاني.
وللأصحاب وجهان فيما إذا قتَلَ الجانيَ بعضُ الورثة، حيث لا
стр. 1091
ينفرد بالاستيفاء؛ هل للباقين حصَّتهم من الدِّية في مال الجاني، أو على المقتصِّ؟ على وجهين.
وعلى الأوَّل: يرجع ورثة الجاني على المقتصِّ بما فوق حقِّه.
ونقل صالح وابن منصور عن أحمد في رجل قتل رجلاً، فقامت البيِّنة عند الحاكم، فأمر بقتله، فعدا بعض ورثة المقتول، فقتل الرَّجل بغير أمر الحاكم؛ فقال: هذا قد وجب عليه القتل، ما للحاكم ههنا؟! (١).
وظاهر هذا: أنَّه لا يلزمه ضمان؛ لأنَّه استوفى الحقَّ لنفسه ولشركائه، ولا سيَّما إن قلنا: الواجب بقتل العمد القود عيناً.
ومنها: لو عيَّن أضحية أو هدياً لا عن واجب في الذِّمَّة، فإن أتلفه أو تلف بتفريطه؛ فعليه ضمانه بمثله؛ لأنَّ مستحقَّه موجود، وهم المساكين، وإن تلف بغير تفريط؛ فلا شيء عليه.
ونقل القاضي في «خلافه»، وأبو الخطَّاب في «انتصاره»، وابن عقيل في «عُمَدِه»، رواية بوجوب الضَّمان؛ كالزَّكاة، وأخذوه من قول الخرقيِّ: ومن ساق هدياً واجباً، فعطب دون محلِّه؛ فعليه مكانه.
وهذا بعيد جدًّا، وكلام الخرقيِّ إنَّما هو في الواجب في الذِّمَّة.
قالوا: وكذا الخلاف فيمن نذر الصَّدقة بمال معيَّن، فلم يفعل حتَّى
стр. 1092
تلف؛ هل يضمنه؟ على الرِّوايتين.
ومنها: لو نذر عتق عبد معيَّن، فمات قبل أن يعتقه؛ لم يلزمه عتق غيره، ولزمه كفَّارة يمين، نصَّ عليه أحمد (١)؛ لعجزه عن المنذور.
وإن قتله السَّيِّد؛ فهل يلزمه ضمانه؟ على وجهين:
أحدهما: لا يلزمه، قاله القاضي وأبو الخطَّاب؛ لأنَّ القصد من العتق تكميل الأحكام، والمصرف العبد، فإذا فات المصرف؛ لم يبق مستحقٌّ للعتق.
والثَّاني: يلزمه، قاله ابن عقيل؛ فيجب صرف قيمته في الرِّقاب؛ أخذاً من قولنا في الولاء: إذا حصل من المعتقين في الكفَّارة صرف في الرقاب، والولاء أيسر من القيمة؛ لأنَّه بدل الأكساب، والقيمة بدل الذَّات، وإذا كانت الرِّقاب مصرفاً؛ فلا وجه لسقوط القيمة عنه.
ولو أتلفه أجنبيٌّ؛ فقال أبو الخطَّاب: لسيِّده القيمة، ولا يلزمه صرفها في العتق.
وخرَّج بعض الأصحاب وجهاً بوجوبه، وهو قياس قول ابن عقيل؛ لأنَّ البدل قائم مقام المبدل، ولهذا لو وصَّى له بعبد، فقُتِل قبل قبوله؛ فإنَّ قيمته له إذا قبل.
стр. 1093
قاعدة [١٣٩]
الحقوق الواجبة من جنس إذا كان بعضها مقدَّراً بالشَّرع، وبعضها غير مقدَّر به، فهي ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يكون تقدير الحقِّ خشية سقوط صاحبه، حيث كان من لم يقدَّر حقُّه يستحقُّ الجميع عند الانفراد؛ كذوي الفروض مع العصبات في الميراث؛ فههنا (١) قد يزيد الحقُّ الَّذي لم يقدَّر على الحقِّ المقدَّر؛ لأنَّه أقوى منه.
والنَّوع الثَّاني: أن يكون التَّقدير لنهاية الاستحقاق، وغير المقدَّر موكولاً إلى الرَّأي والاجتهاد من غير تقديره بأصل يُرجع إليه؛ فلا يزاد الحقُّ الَّذي لم يقدَّر على المقدَّر ههنا.
وله (٢) صور:
منها: الحدُّ والتَّعزير؛ فلا يبلغ بتعزير الحرِّ والعبد أدنى حدودهما، إلَّا فيما سببه الوطء؛ فيجوز أن يبلغ بالتَّعزير عليه في حقِّ الحرِّ مائة جلدة بدون نفي.
стр. 1094
وقيل: لا يبلغ المائة، بل ينقص منها سوطاً، وفي حقِّ العبد خمسين إلَّا سوطاً، ويجوز النَّقص منه على ما يراه السُّلطان.
ومن الأصحاب من حكى أنَّه لا يبلغ بالتَّعزير في معصية حدًّا مشروعاً في جنسها، ويجوز أن يزيد على حدِّ غير جنسها، قال في «المغني»: ويحتمله كلام أحمد والخرقيِّ.
وعن أحمد: لا يزاد في كلِّ تعزير على عشر جلدات؛ لخبر أبي بردة. (١)
ومنها: السَّهم من الغنيمة والرَّضخ (٢)؛ فلا يبلغ بالرَّضخ لآدميٍّ سهمه المقدَّر، ولا بالرَّضخ لمركوبٍ سهمه المقدَّر.
النَّوع الثَّالث: أن يكون أحدهما مقدَّراً شرعاً، والآخر تقديره راجع إلى الاجتهاد، لكنه يرجع إلى أصل يُضبَط به؛ فهل هو كالمقدَّر أم لا؟
إن كان محلُّهما واحداً؛ لم يجاوز به المقدَّر، وفي بلوغه خلاف.
وإن كان محلُّهما مختلفاً؛ فالخلاف في بلوغ المقدَّر ومجاوزته.
فالأوَّل: كالحكومة إذا كانت في محلٍّ له مقدَّر؛ فلا يجاوز بها المقدَّر لذلك المحلِّ، وفي بلوغه وجهان.
والثَّاني: كدِيَة الحرِّ مع (٣) قيمة العبد، فإذا جاوزت قيمته الدِّية؛
стр. 1095
فهل تجب القيمة بكمالها، أم لا يجوز أن تبلغ بها دية الحرِّ، بل ينقص منها؟ على روايتين.
وقد يخرَّج عليهما (١) جواز بلوغ الحكومة الأرش المقدَّر مطلقاً.
стр. 1096
قاعدة [١٤٠]
من سقطت عنه العقوبة بإتلاف نفس أو طرف، مع قيام المقتضي له، لمانع؛ فإنَّه يتضاعف عليه الغرم .
ويتخرَّج على ذلك مسائل:
منها: إذا قتل مسلمٌ ذميًّا عمداً؛ ضمنه بدية مسلم.
ومنها: من سرق من غير حرز؛ فإنَّه يتضاعف عليه الغرم، نصَّ عليه (١)(٢).
وقيل: يختصُّ ذلك بالثَّمر والكَثَر.
ومنها: الضَّالَّة المكتومة تضمن بقيمتها مرَّتين، نصَّ عليه أحمد (٣) في رواية ابن منصور (٤)؛ معلِّلاً: بأن التَّضعيف في الضَّمان هو لدرء
стр. 1097
القطع، وهذا متوجِّه (١) على أصله في قطع جاحد العارية.
ومنها: إذا قلع الأعور عين الصَّحيح؛ فإنَّه لا يُقتصَّ منه، ويلزمه الدِّية كاملة، نصَّ عليه (٢).
ومنها: الصَّغير إذا قَتَل عمداً، وقلنا (٣): إنَّ له عمداً صحيحاً؛ ضوعفت عليه الدِّية في ماله.
ومنها: السَّرقة عام المجاعة، قال القاضي في «خلافه»: يتضاعف الغرم فيها من غير قطع على قول أحمد؛ لأنَّه احتجَّ في رواية الأثرم بحديث عمر في رقيق حاطب (٤).
ومنها: السَّرقة من الغنيمة، إذا قلنا: هي كالغلول، وإنَّ الغالَّ يُحرَم سهمَه منها على رواية (٥)؛ فيجتمع عليه غرم ما سرقه، مع حرمان سهمه
стр. 1098
المستحَقِّ منها، وقد يكون قدر السَّرقة، وأقلَّ وأكثر.
وليس من هذه القاعدة تغليظ الدِّية بقتل ذي الرَّحم المحرم عمداً؛ لأنَّ القصاص فيه قد يكون واجباً في قتل غير الابن، وإنَّما هو لزيادة حرمة الجناية؛ فهو كالتَّضعيف بالقتل في الحرم والإحرام.
стр. 1099
قاعدة [١٤١]
إذا أتلف عيناً تعلَّق بها حقُّ لله (١) تعالى من يجب عليه حفظها واستبقاؤها إلى مدَّة معلومة ؛ لزمه ضمانها بقيمتها في ذلك الوقت، لا يوم تلفها، أو بمثلها على صفاتها في ذلك الوقت، لا يوم تلفها على أصحِّ الوجهين.
ويتخرَّج على ذلك (٢) صور:
منها: لو ترك السَّاعي زكاة الثِّمار أمانة بيد ربِّ المال، فأتلفها قبل جفافها، أو تلفت بتفريطه؛ ضمنها بقدرها يابساً لا رطباً على الصَّحيح.
وعنه: يضمنها بمثلها رطباً.
ومنها: لو أتلف الأضحيّة أو الهدي قبل يوم النَّحر؛ فعليه ضمانه بأكثر القيمتين من يوم الإتلاف، أو يوم النَّحر.
وفيه وجه: يضمنها بقيمتها (٣) يوم التَّلف بكلِّ حال، كما لو كان أجنبيًّا.
وفي «الكافي»: يضمنها بأكثر الأمرين من قيمتها، أو هدي
стр. 1100
مثلها؛ لأنَّه فوت الإراقة والتَّفرقة بعد لزومهما؛ فلزمه ضمانها (١)، كما لو أتلف شيئين.
قال: ويشترى بالقيمة هدياً، ويحتمل: أن يتصدَّق به. (٢)
ويلتحق بهذا: ما إذا أكل المضحِّي أو المهدي ممَّا مُنع من أكله؛ فإنَّه يضمنه بمثله لحماً، نصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور (٣)؛ لأنَّه تلزمه الإراقة والتَّفرقة، وقد أتى بأحدهما (٤) وبقي الآخر (٥)؛ فلزمه ضمانه.
ولو أتلفه غيره؛ فعليه قيمته؛ لأنَّه لا يلزمه الإراقة (٦)، فلزمته القيمة، ويشتري بها مثله.
стр. 1101
قاعدة [١٤٢]
ما زال من الأعيان، ثمَّ عاد بأصل الخلقة أو بصنع آدميٍّ؛ هل يحكم على العائد بحكم الأوَّل أو لا ؟
فيه خلاف يطرد في مسائل:
منها: لو قلع سنَّه، أو قطع أذنه، فأعاده في الحال، فثبت والتحم كما كان ولم يَرِح؛ فهل يحكم بطهارته، أم لا؟
نصَّ أحمد على طهارته إذا ثبت والتحم، وعلى نجاسته إذا لم يثبت (١)؛ فحكى القاضي المسألة على روايتين.
وفرَّق ابن أبي موسى بين أن يثبت ويلتحم، فيحكم بطهارته لعود الحياة إليه، بخلاف ما إذا لم يثبت، وهذا حسن.
فإن كان ذلك بجناية جانٍ؛ فالمنصوص: أنَّه لا قود فيه ولا دية، سوى حكومة نقصه (٢)، واختاره أبو بكر، وبناه كثير من الأصحاب على القول بطهارته.
стр. 1102
وقال القاضي: حقُّه بحاله.
فأمَّا إن اقتصَّ من الجاني فأعاده والتحم؛ فهل للمقتصِّ إبانته ثانياً أم لا؟
نصَّ أحمد في رواية ابن منصور على أنَّ له إبانته، وعلَّل بأنَّ القصاص للشَّين وقد زال الشَّين بذلك (١).
وقال القاضي في «المجرَّد»: ليس له ذلك.
ومنها: لو قلع ظفر آدميٍّ، أو سنَّه، أو شعره، ثمَّ عاد، أو جنى عليه فأذهب شمَّه أو بصره، ثمَّ عاد بحاله؛ فلا ضمان بحال في المذهب؛ لأنَّ أطراف الآدميِّ لا تضمن بالإتلاف؛ إذ ليست أموالاً، وإنَّما تضمن بما نقص الجملة، ولم يوجد نقص.
ولا فرق في ذلك بين الحرِّ والعبد، صرَّح به جماعة.
ويتوجَّه التَّفريق؛ لأنَّ أعضاء الرَّقيق أموال، ولهذا يجوز بيع لبن الأمة دون الحرَّة على وجه لنا.
وقد ذكروا في الجارية المغصوبة إذا هزلت عند الغاصب، ثم سمنت؛ فهل يضمن نقصها؟ على وجهين، والأشبه بكلامه أن لا ضمان؛ لأنَّه نصَّ في رواية ابن منصور فيمن كسر خلخالاً لغيره: أنَّ عليه إصلاحه (٢).
وبينهما فرق؛ فإنَّ إصلاح الخلخال نوع ضمان، بخلاف عود السِّمن.
стр. 1103
ولكن صرَّح صاحب «التَّلخيص»: بأنَّه لو غصب جداراً فنقضه، ثمَّ أعاده؛ فإنَّ عليه (١) أرش نقصه، إلَّا أنَّ هذا بناه على أنَّ الواجب الأرش؛ فالبناء عدوان؛ فلا يسقط به الواجب.
وكذلك ذكر القاضي فيما إذا باع الغاصب الدَّار المغصوبة، فنقضها المشتري، ثمَّ بناها: أنَّ على (٢) المشتري ضمان ما بين قيمتها مبنيَّة ومنقوضة، يرجع به على الغاصب.
ومنها: نبات الحرم إذا قطعه، أو قلع غصناً من شجرة منه، ثمَّ عاد؛ ففي ضمانه وجهان.
وكذلك لو جنى على ريش طائر في الحرم أو الإحرام، ثمَّ نبت؛ فهل يضمنه؟ على وجهين؛ لتردُّد ضمان صيد الحرم ونباته وصيد المحرم بين ضمان الأموال - إذ هي أموال في الجملة- وبين ضمان الآدميِّين؛ لأنَّه (٣) ضمان واجب لحقِّ الله تعالى.
والأشبه: أنَّ صيد الحرم ونباته ملحق بالآدميِّ (٤)؛ لعصمته بمحلِّه (٥) بالنِّسبة إلى جميع النَّاس، بخلاف صيد المحرم؛ فإنَّ تحريمه يختصُّ به، فهو شبيه بالأموال المملوكة الَّتي تحلُّ لمالكها دون غيره.
ومنها: لو أعاره حائطاً لوضع خشبه عليه، فسقط الجدار، ثمَّ
стр. 1104
أعاده؛ فهل له إعادة الوضع أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: ليس له ذلك بدون إذن؛ لأنَّ الثَّاني غير الأوَّل، فلم تتناوله الإعارة، ذكره القاضي وابن عقيل في باب العارية والصُّلح.
والثَّاني: له ذلك إن أعاده بآلته العتيقة، وإلَّا فلا، وحكي عن القاضي أيضاً، ولا أظنُّه يصحُّ عنه.
ولو كان الوضع مستحقًّا بعقد صلح؛ فله الوضع بكلِّ حال وجهاً واحداً.
ومنها: إذا أجَره داراً، فانهدم جدارها، فأعاده المؤْجر؛ فصرَّح القاضي وابن عقيل بأنَّ هذا المجدَّد لم يقع عليه العقد، وفرَّعا عليه أنَّه لا يجبر على التَّجديد.
وكذا ذكر صاحب «التَّلخيص»، مع قوله: (إن جدَّد؛ فلا خيار له).
وحكى وجهاً بإجباره على التَّجديد، كما يجبر على التَّرميم.
ويتوجَّه التَّفريق بين أن يعاد بآلتها العتيقة أو غيرها؛ كما في الَّتي قبلها.
ومنها: مسألة الجدار المشترك إذا انهدم وأعاده أحد الشَّريكين؛ فهل يعود حقُّ شريكه فيه؟ إن أعاده بآلة جديدة؛ لم يَعُد، وإن كان بآلته العتيقة؛ فوجهان سبق ذكرهما.
ومنها: لو وصَّى له بدار، فانهدمت فأعادها؛ فالمشهور: بطلان الوصيَّة بزوال الاسم، ولا تعود بعود البناء؛ لأنَّه غير الأوَّل.
ويتوجَّه: عودها إن أعادها بآلتها القديمة.
стр. 1105
وفيه وجه آخر: لا تبطل الوصيَّة بكلِّ حال، ولو لم يُعِد بناءها.
وعلى هذا؛ فهل يستحق أنقاضها الموجودة حال الوصيَّة؟ على وجهين، يرجعان إلى أنَّ الاعتبار هل هو بحال الوصيَّة أو بحال الموت؟
وهل يستحقُّ البناء المتجدِّد فيها؟ على الوجهين أيضاً.
ومنها: إذا انهدمت الكنيسة الَّتي تقرُّ في دار الإسلام؛ فهل يمكَّنون من إعادتها؟ على روايتين معروفتين، بناءً على أنَّ الإعادة هل هي استدامة أو إنشاء؟
ولو فُتح بلد عَنوةً، وفيه كنيسة منهدمة تقرُّ؛ فهل يجوز بناؤها؟ فيه طريقان:
أحدهما: المنع منه (١) مطلقاً.
والثَّاني: بناؤه على الخلاف في بناء المنهدمة.
стр. 1106
قاعدة [١٤٣]
يقوم البدل مقام المبدل، ويسدُّ مسدَّه، ويبنى حكمه على حكمه في مواضع كثيرة ، قد سبق ذكر بعضها.
ومنها: إذا مسح على الخفِّ، ثمَّ خلعه؛ فإنَّه يجزئه غسل قدميه على إحدى الرِّوايتين، ولو فاتت الموالاة؛ لأنَّ المسح كمَّل الوضوء وأتمَّه، وقام مقام غسل الرِّجلين إلى حين الخلع، فإذا وجد الخلع وتعقَّبه غسل القدمين؛ فالوضوء كالمتواصل.
وعلى هذا: لو وجد ماءً يكفي بعض أعضاء الحدث الأصغر، فاستعمله فيها، ثمَّ تيمَّم للباقي، ثمَّ وجد الماء بعد فوات الموالاة؛ لم يلزمه إلَّا غسل باقي الأعضاء، وهو ظاهر ما ذكره الشَّيخ مجد الدِّين في «شرح الهداية»، لكنَّه بناه على سقوط الموالاة بالعذر.
ومنها: إذا افترق المتصارفان، ثمَّ وجد أحدهما بما قبضه عيباً (١)، وأراد الرَّدَّ، وأخذ بدله في مجلس الرَّدِّ؛ فهل ينتقض الصَّرف بذلك أم
стр. 1107
لا؟ على روايتين (١).
ومنها: إذا حضر الجمعة أربعون من أهل وجوبها، ثمَّ تبدَّلوا في أثناء الخطبة، أو الصَّلاة بمثلهم؛ انعقدت الجمعة، وتمَّت بهم.
ومنها: لو أبدل نصاباً من أموال الزَّكاة بنصاب من جنسه؛ بنى على حول الأوَّل على المذهب.
ولو أبدله بغير جنسه؛ استأنف إلَّا في إبدال أحد النَّقدين بالآخر؛ فإنَّ فيه روايتين (٢).
وخرَّج أبو الخطَّاب في «انتصاره»: روايةً بالبناء في الإبدال من غير الجنس مطلقاً.
ومنها: لو أبدل مصحفاً بمثله؛ جاز، نصَّ عليه (٣)، بخلاف ما لو باعه بثمن.
وذكر أبو بكر في المبادلة: هل هي بيع أم لا؟ روايتين، وأنكر القاضي ذلك، وقال: (هي بيع بغير خلاف، وإنَّما أجاز أحمد إبدال المصحف بمثله؛ لأنَّه لا يدلُّ على الرَّغبة عنه، ولا على (٤) الاستبدال به
стр. 1108
بعوض (١) دنيويٍّ، بخلاف أخذ ثمنه).
ومنها: لو أبدل جلود الأضاحيّ بما ينتفع به في البيت من آلاته؛ جاز، نصَّ عليه (٢)؛ لأنَّ ذلك يقوم مقام الانتفاع بالجلد نفسه في متاع البيت.
ومنها: إبدال الهدي والأضاحيّ بخير منها، وهو جائز، نصَّ عليه (٣).
وكذلك إبدال الوقف إذا خرب، والمسجد إذا باد أهله.
وفي إبدال الوقف مع عمارته بخير منه؛ روايتان.
ومنها: لو مات ربُّ المال وهو في يد المضارب أو شريك العنان، وأراد الوارث تقريره، وأذن له في التَّصرُّف؛ جاز.
وهل هو ابتداء عقد أو استدامة؟ على وجهين ذكرهما في «التَّلخيص» وغيره، وأشار إليهما القاضي وابن عقيل.
فإن كان المال عرضاً، وقلنا: يصحُّ القراض على العرض، فلا كلام.
وإن قلنا: لا يصحُّ؛ فخرَّجها القاضي على وجهين.
стр. 1109
قال في «التَّلخيص»: إن قلنا: هو ابتداء؛ فلا يصحُّ، وإن قلنا: تقرير؛ جاز؛ لأنَّه عرض هو اشتراه، وجنس رأس المال قد تعين من قبل؛ فيرجع إليه، بخلاف الابتداء.
وأمَّا إذا مات العامل، وأراد المالك تقرير وارثه، وكان المال عرضاً؛ فهو كالابتداء وجهاً واحداً، قاله القاضي والأكثرون.
وفرَّقوا بين موت ربِّ المال وموت العامل؛ بأنَّ ربَّ المال ترك للوارث أصلاً يبني عليه وهو المال؛ فلذلك صحَّ بناء العقد عليه، بخلاف العامل؛ فإنَّه لم يكن منه سوى العمل، وقد زال بموته؛ فلم يخلِّف لوارثه أصلاً يبني عليه.
ومنها: لو كاتبه على عرض فأدَّاه، فبان معيباً فردَّه؛ فهل يستحقُّ بدله (١) ولا يرتفع العتق، أم يرتفع العتق بردِّه؟ على وجهين.
وبناه بعضهم: على أنَّ الملك هل حصل بالقبض، أم يقف على الرِّضى؟
ومنها: لو اعتاض عن دين الكتابة بغير جنسه؛ فهل يعتق المكاتب؟ على وجهين (٢).
ومنها: أنَّ العوض هل يقوم مقام المعوَّض في البرِّ والحنث أم لا؟ على وجهين (٣).
стр. 1110
قاعدة [١٤٤]
فيما يقوم فيه الورثة مقام موروثهم من الحقوق .
وهي نوعان: حقٌّ له، وحقٌّ عليه.
فأمَّا النَّوع الأوَّل؛ فما كان من حقوقه يجب بموته؛ كالدِّية والقصاص في النَّفس؛ فلا ريب في أنَّ لهم استيفاءه، وسواء قلنا: إنَّه ثابت لهم ابتداءً، أو منتقل إليهم عن مورِّثهم، ولا تؤثِّر مطالبة المقتول بذلك شيئاً على المعروف من المذهب.
ومال الشَّيخ تقيُّ الدين: إلى أنَّ مطالبته بالقصاص توجب تحتُّمه؛ فلا يتمكَّنون (١) بعدها من العفو (٢).
وما كان واجباً له في حياته؛ إن كان قد طالب به أو هو في يده؛ ثبت لهم إرثه.
فمنه: الشُّفعة إذا طالب بها، نصَّ عليه أحمد في أكثر الرِّوايات (٣).
стр. 1111
وتوقَّف في رواية ابن القاسم، وقال: هو موضع نظر.
ومنه: حدُّ القذف، ونصَّ عليه أيضاً (١)، ويستوفيه الوارث لنفسه بحكم الإرث عند القاضي.
وقال ابن عقيل فيما قرأته بخطِّه: إنَّما يُستوفى للميِّت بمطالبته به ولا ينتقل.
وكذا الشُّفعة، فإنَّ ملك الوارث وإن كان طارئاً على البيع، إلَّا أنَّه مبنيٌّ على ملك موروثه.
ومنه: خيار الشَّرط، ونصَّ عليه أيضاً (٢).
ومنه: الدَّم، نصَّ عليه في رواية محمَّد بن موسى، والمراد به ما دون النَّفس إذا وجب له في حياته، ثمَّ مات من غير سرايته بعد طلبه.
ومنه: خيار الرُّجوع في الهبة إذا طالب به، ذكره القاضي في «خلافه».
ومنه: الأرض الخراجيَّة الَّتي بيده؛ لأنَّ هذا حقٌّ قد أخذ به وحازه، وكذلك الموات المتحجِّر، وحقوق الاختصاصات الَّتي تحت يده كلِّها.
ومنه: حصَّة المضارَب من الرِّبح إذا قلنا: لا تملك بالظُّهور؛ فإنَّ اشتراطه لها في العقد مع عمله في المال لأجلها أبلغ من المطالبة باللَّفظ، وهذا بخلاف الغانم - إن سلَّمنا على قولنا: لا يملك حصَّته بدون التَّملُّك -؛ فإنَّه لم يجاهد للغنيمة، وإنَّما جاهد لإعلاء كلمة الله تعالى، والغنيمة تابعة.
стр. 1112
وأمَّا إن لم يكن طالب به؛ فهو ضربان:
أحدهما (١): حقوق التَّملُّكات، والحقوق الَّتي ليست ماليَّة؛ كالقصاص وحدِّ القذف؛ ففيه قولان في المذهب، أشهرهما: أنَّه لا يورَّث.
ويندرج تحت (٢) ذلك صور:
منها: الشُّفعة؛ فلا تورَّث بدون مطالبته على المذهب، وله مأخذان أشار إليهما أحمد:
أحدهما: أنَّه حقٌّ له؛ فلا يثبت بدون مطالبته به، ولو علمت رغبته من غير مطالبة؛ لكفى في الإرث، ذكره القاضي في «خلافه».
والثَّاني: أنَّ حقه فيها سقط بتركه وإعراضه، لا سيَّما على قولنا: إنَّها على الفور.
فعلى هذا لو كان غائباً؛ فلهم المطالبة، وليس لهم ذلك على الأوَّل.
ونقل عنه أبو الحارث: إذا مات صاحب الشُّفعة؛ فلولده أن يطلبوا الشُّفعة، تورث.
وظاهر هذا: أنَّ لهم المطالبة بها بكلِّ حال؛ فإنَّه صرَّح بنفي إرثها في رواية مهنَّى وغيره؛ فقد وقع التَّردُّد في كلامه في ثبوت الإرث فيها.
стр. 1113
ومنها: حقُّ الفسخ بخيار الشَّرط؛ فلا يورث بغير مطالبة، نصَّ عليه أيضاً (١).
وخرَّج أبو الخطَّاب وغيره وجهاً آخر: بإرثه مطلقاً (٢).
ومنها: الفسخ الثَّابت بالرُّجوع في الهبة؛ فلا يثبت بدون المطالبة أيضاً، صرَّح به القاضي.
وظاهر كلام أبي الخطَّاب تخريج الخلاف فيه.
وعن أحمد في الهبة المخصَّص بها بعض الولد: إذا مات الواهب قبل التَّعديل والرُّجوع؛ هل للورثة الرُّجوع أم لا؟ روايتان.
مأخذهما: أنَّ رجوع الوالد في هذه الهبة؛ هل هو من باب الرُّجوع في الهبة الثَّابت للوالد دون غيره، فلا يقوم غيره فيه مقامه، أو هو ثابت لاستدراك الظُّلم والجور؟
وعلى هذا؛ فهل هو مأمور به لحقِّ نفسه حيث ظلم واعتدى فأمر بالتَّعديل، فإذا لم يفعله سقط، أو هو مأمور به لحقِّ بقيَّة الأولاد المظلومين، فيثبت لهم الرَّدُّ إذا تعذَّر الرَّدُّ من جهته؟
стр. 1114
ومنها: حدُّ القذف؛ فلا يورث بدون المطالبة أيضاً، نصَّ عليه (١).
وخرَّج أبو الخطَّاب فيه وجهاً: بالإرث مطلقاً.
ومنها: القصاص فيما دون النَّفس، وظاهر كلام أحمد كما قدَّمنا: أنَّه يسقط بدون الطَّلب.
وظاهر كلام القاضي والأكثرين: أنَّه يستوفى؛ وعلَّلوا: بأنَّه يسقط إلى مال؛ فهو كخيار الرَّدِّ بالعيب.
ومنها: خيار قبول الوصيَّة، والمنصوص عن أحمد: أنَّ الوصيَّة تبطل بموت الموصى له قبل وصولها إليه، كذلك نقله عنه ابن منصور وغيره (٢)، وهو اختيار القاضي والأكثرين إذا مات قبل القبول.
وقال الخرقيُّ: يثبت الخيار بين القبول والرَّدِّ لورثة الموصى له؛ لأنَّ الوصيَّة لزمت بموت الموصي (٣)؛ فهي كالمملوكة.
ونقل صالح عن أبيه: إذا أوصَى (٤) لقرابته أو أهل بيته، ثمَّ مات
стр. 1115
بعضهم بعد الميِّت وقبل القسمة؛ قد وجبت الوصيَّة لكلِّ من أوصى له إذا كان حيًّا يوم أوصى له. (١)
قال الشَّيخ مجد الدِّين: (وهذا نصٌّ بما قاله الخرقيُّ).
وليس بنصٍّ فيه؛ لاحتمال أن يكون أثبت ملكها بمجرَّد الموت من غير قبول، أو بالقبول؛ فليس في النَّصِّ ما ينفيه صريحاً، ورواية ابن منصور بالبطلان لم يتعرَّض فيها للقبول، بل للقبض.
الضَّرب الثَّاني: حقوق أملاك ثابتة متعلِّقة بالأموال الموروثة، فتنتقل إلى الورثة بانتقال الأموال المتعلِّقة بها بدون المطالبة، بخلاف الضَّرب الأوَّل، فإنَّ الحقوق فيه من حقوق المالكين، لا من حقوق الأملاك، ولهذا لا تجب الشُّفعة عندنا لكافر على مسلم؛ لأنَّه ليس من أهل الاستحقاق على المسلم.
ومن صور ذلك: الرَّهن، فإذا مات وله دين برهن؛ انتقل برهنه إلى الورثة.
ومنها: الكفيل، وهو كالرَّهن؛ لأنَّه توثقة؛ فهو كالشَّهادة.
وعلَّله القاضي: بأنَّه يستوفى منه المال؛ فهو كالرَّهن؛ فالضَّابط عنده: أنَّ ما فيه مال؛ ينتقل إلى الورثة، وما لا فلا.
ومنها: الضَّمان، فإذا مات وله دين به ضامن؛ انتقل إلى الورثة مضموناً، بخلاف ما إذا أحال به ربُّ الدَّين في حياته (٢)؛ فإنَّه ينفسخ
стр. 1116
الضَّمان بالحوالة، نصَّ عليه أحمد في رواية مهنَّى (١)؛ لأنَّ الأجنبيَّ ليس بخليفةٍ لربِّ الدَّين؛ فلا ينتقل إليه بحقوقه، بخلاف الوارث (٢).
ومنها: الأجل؛ فلا يحلُّ الدَّين المؤجَّل إذا وثَّقه الورثة برهن أو كفيل في أشهر الرِّوايتين.
ومنها: الرَّدُّ بالعيب، وقد تردَّد القاضي في «خلافه»: هل هو ثابت للورثة ابتداءً، أو بطريق الإرث؟ والمشهور: أنَّه إرث؛ لأنَّ الرَّدَّ إنَّما يثبت لمن كان العقد له، والخيار الثَّابت بفوات الصِّفة المشترطة في العقد مثله، ذكره القاضي أيضاً معلِّلًا: بأنَّه يستحقُّ به الأرش.
وذكر القاضي في كتاب «التَّخريج»: أنَّه (٣) من باع سلعةً إلى أجل،
стр. 1117
ثمَّ مات المشتري، فاشتراها البائع من وارثه بأقلَّ من الثَّمن؛ لم يجز؛ لأنَّ الوارث يملكها على حكم ملك الميِّت، بدليل أنَّه يردُّها على بائعها بالعيب؛ فصار الشِّراء منه كالشِّراء من الموروث.
وهذا غريب، وهو يشبه الوجه الَّذي حكاه ابن عقيل في بناء الوارث على حول الموروث في الزَّكاة.
النَّوع الثَّاني: الحقوق الَّتي على الموروث:
فإن كانت لازمةً؛ قام الوارث مقامه في إيفائها.
وإن كانت جائزةً، فإن بطلت بالموت؛ فلا كلام.
وإن لم تبطل؛ فالوارث قائم مقامه في إمضائها وردِّها.
ويخرَّج على ذلك مسائل:
منها: إذا مات وعليه ديون، أو وصَّى بوصايا؛ فللورثة تنفيذها إذا لم يعيِّن وصيًّا (١).
ومنها: إذا مات وعليه عبادة واجبة تفعل عنه بعد موته؛ كالحجِّ والمنذورات؛ فإن الورثة يفعلونها عنه، ويجب عليهم ذلك إن كان له مال، وإلَّا فلا.
стр. 1118
ولو فعلها عنه أجنبيٌّ بدون إذنهم؛ ففي الإجزاء وجهان.
وكذلك الكفَّارات الواجبة بالمال، قال في «المغني»: إن أعتق فيها الأجنبيُّ؛ لم يصحَّ، وإن أعتق الوارث؛ صحَّ؛ لأنَّه قائم مقام الموروث في ماله وأداء واجباته.
وفي «البلغة»: إن كان له مال؛ صحَّ عتقه عنه، وإن لم يكن له (١) مال؛ لم يصحَّ عتقه عنه (٢)، وصحَّ إطعامه عنه، وأمَّا الأجنبيُّ؛ فلا يصحُّ عتقه عنه، وفي صحَّة إطعامه عنه وجهان.
ولو مات من أوجب أضحية قبل ذبحها؛ فالوارث يقوم مقامه في الذَّبح.
تنبيه:
كثير من الأصحاب يطلق ذكر الوارث هنا.
وقال ابن عقيل وغيره: الأقرب فالأقرب، وكذلك قال الخرقيُّ: هو الوارث من العصبة.
فأمَّا الوارث للشُّفعة؛ فيدخل فيه العصبات، وذوو الفروض، والرَّحم.
стр. 1119
وأمَّا الوارث لحدِّ (١) القذف؛ فكذلك على المنصوص.
وقيل: يختصُّ بالعصبة.
وقيل: من عدا الزَّوجين من الورثة.
ومنها: إذا مات الرَّاهن قبل إقباض الرَّهن الَّذي لا يلزم بدون قبض؛ فوارثه قائم مقامه في اختيار التَّقبيض والامتناع، ذكره القاضي والأصحاب (٢)، وقالوا: هو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور وأبي طالب؛ لأنَّه عقد يؤول إلى اللُّزوم؛ فلا يبطل بالموت؛ كالمبيع في مدَّة الخيار (٣)، بخلاف الشركة والمضاربة، مع أنَّ في المضاربة خلافاً سبق.
ومنها: إذا مات الواهب قبل لزوم الهبة بالقبض؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يقوم وارثه مقامه في ذلك؛ كالرَّهن، قاله أبو الخطَّاب.
والثَّاني: يبطل، وهو المنصوص في رواية ابن منصور (٤)، واختيار ابن أبي موسى، وقاله القاضي وابن عقيل في الهبة في الصِّحَّة، وأمَّا
стр. 1120
الهبة في المرض إذا مات قبل إقباضها؛ فجعلا الورثة فيها بالخيار؛ لشبهها بالوصيَّة.
стр. 1121
قاعدة [١٤٥]
المعتدَّة البائن في حكم الزَّوجات في مسائل .
منها: أنَّ المبتوتة في مرض الموت ترث في العدَّة دون ما بعدها على إحدى الرِّوايتين؛ لأنَّ الطَّلاق مانع من الإرث، فلمَّا قصد به (١) الفرار من الحقِّ المنعقد سببه؛ ضعف منعه، فلم يعمل في المنع ما دامت عُلَق الزَّوجيَّة باقية.
ومنها: تحريم نكاح الأخت في عدَّة أختها البائن، والخامسة في عدَّة الرَّابعة؛ تنزيلاً لحالة العدَّة منزلة حالة النِّكاح.
ومنها: أنَّ العدَّتين من رجلين (٢) لا يتداخلان، فإذا وُطئت البائن بشبهة في عدَّتها؛ أتمَّت عدَّة الأوَّل، واستأنفت العدَّة للثَّاني على المذهب؛ فلا تكون محبوسة على رجلين في عدَّة واحدة، كما لا تحبس عليهما في نكاح واحد.
وإن كان الواطئ بشبهة هو الزَّوج؛ تداخلت العدَّتان (٣)؛ لأنَّهما من
стр. 1122
رجل واحد (١)، إلَّا أن تحمل من أحد الوطأين؛ ففي التَّداخل وجهان؛ لكون العدَّتين من جنسين.
وذكر أبو بكر فيما إذا وُطئت زوجة الطِّفل، ثمَّ مات عنها، ثمَّ وضعت قبل تمام عدَّة الوفاة: أنَّها لا تحلُّ حتَّى تكمل عدَّة الوفاة.
قال الشَّيخ مجد الدِّين: وظاهر هذا تداخل العدَّتين (٢).
ومنها: لو طلَّق المدخول بها طلاقاً بائناً، ثمَّ نكحها في العدَّة، ثمَّ طلَّقها قبل الدُّخول؛ ففيها طريقان:
أحدهما: أنَّها على الرِّوايتين في الرَّجعيَّة إذا روجعت، ثمَّ طلِّقت في العدَّة قبل الإصابة؛ هل تبني، أو تستأنف؟ وهو المذكور في «المجرَّد»، و «الفصول»، و «المحرَّر».
والثَّاني: تبني هنا روايةً واحدةً، وهو ما في تعليق القاضي، و «عمد الأدلَّة»؛ لانقطاع النِّكاح الثَّاني عن الأوَّل بالبينونة، بخلاف الرَّجعة.
ومنها: لو مات مسلم وزوجته ذمِّيَّة، فأسلمت في العدَّة قبل قسمة
стр. 1123
ميراثه؛ فنصَّ أحمد في رواية البرزاطيِّ: على أنَّها ترث ما لم تنقضِ عدَّتها.
وعلى هذا، فلو أسلمت المرأة أوَّلاً، ثمَّ ماتت في مدَّة (١) العدَّة؛ لم يرثها زوجها الكافر ولو أسلم قبل القسمة؛ لانقطاع عُلَق الزَّوجيَّة (٢) عنه بموتها.
وحكى القاضي عن أبي بكر: أنَّ الزَّوجين لا يتوارثان بالإسلام قبل القسمة بحال، قال: وظاهر كلام الأصحاب خلافه، وأنَّه لا فرق في ذلك بين الزَّوجين وغيرهما؛ كما يرث الزَّوجان من الدِّية، سواء قيل بحدوثها على ملكهم، أو على ملك الموروث، ولم يذكر القاضي المنصوص عن أحمد.
أمَّا نفقة البائن، فإن كانت بفسخ أو طلاق؛ فلها النَّفقة والسُّكنى مع الحمل، وإلَّا فلا، هذا ظاهر المذهب؛ لأنَّ النَّفقة في مقابلة التَّمكُّن من الاستمتاع، ولهذا لم تجب قبل التَّسليم ولا مع النُّشوز.
وعنه: لها السُّكنى خاصَّة إذا لم تكن حاملاً.
وعنه: لها النَّفقة والسُّكنى، حكاها ابن الزَّاغونيِّ وغيره. (٣)
стр. 1124
قاعدة [١٤٦]
تفارق المطلَّقة الرَّجعيَّة الزَّوجات في صور:
منها: أنَّ في إباحتها في مدَّة (١) العدَّة روايتين (٢)، وعلى رواية التَّحريم؛ فهل يجب لها المهر بالوطء؟ على وجهين.
ومنها: أنَّ طلاقها في مدَّة العدَّة طلاق بدعة على أصحِّ الرِّوايتين.
ومنها: أنَّ الإيلاء منها هل يصحُّ؟ على روايتين (٣).
ومنها: هل يصحُّ اختيارها لزوجها إذا عتقت تحت عبد؟ على وجهين.
ومنها: لو نكحت المطلَّقة ثلاثاً زوجاً آخر، فخلا بها، ثمَّ طلَّقها - وقلنا: يجب عليها العدَّة بالخلوة وثبتت الرَّجعة، وهو ظاهر (٤) المذهب -، ثمَّ وطئها في مدَّة العدَّة؛ فهل يحلُّها لزوجها الأوَّل؟ على وجهين حكاهما صاحب «التَّرغيب».
стр. 1125
ومنها: إذا عَلِقَت الرَّجعيَّة في مدَّة العدَّة بولد؛ فهل يلحق بمطلِّقها أم لا؟ على روايتين.
ومنها: أنَّ المعتدَّة من أجنبيٍّ من طفلها؛ هل تعود إلى حضانته (١) في مدَّة الرَّجعة، أم لا تعود حتَّى تنقضي عدَّتها؟ على وجهين.
ومنها: لو مات زوج الرَّجعيَّة؛ فهل تنتقل إلى عدَّة الوفاة، أو تعتدُّ بأطولهما؟ على روايتين.
ومنها: أنَّ الرَّجعيَّة يجب عليها لزوم منزلها لحقِّ الله ؛ كالمتوفَّى عنها، نصَّ عليه أحمد في رواية أبي داود (٢)، وذكره القاضي في «خلافه» وصاحب «المحرَّر».
وقيل: هي كالزَّوجة، يجوز لها الخروج والتَّحوُّل بإذن الزَّوج مطلقاً (٣).