← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

قاعدة [١٤٥] المعتدَّة البائن في حكم الزَّوجات في مسائل . منها: أنَّ المبتوتة في مرض الموت ترث في العدَّة دون ما بعدها على إحدى الرِّوايتين؛ لأنَّ الطَّلاق مانع من الإرث، فلمَّا قصد به (١) الفرار من الحقِّ المنعقد سببه؛ ضعف منعه، فلم يعمل في المنع ما دامت عُلَق الزَّوجيَّة باقية. ومنها: تحريم نكاح الأخت في عدَّة أختها البائن، والخامسة في عدَّة الرَّابعة؛ تنزيلاً لحالة العدَّة منزلة حالة النِّكاح. ومنها: أنَّ العدَّتين من رجلين (٢) لا يتداخلان، فإذا وُطئت البائن بشبهة في عدَّتها؛ أتمَّت عدَّة الأوَّل، واستأنفت العدَّة للثَّاني على المذهب؛ فلا تكون محبوسة على رجلين في عدَّة واحدة، كما لا تحبس عليهما في نكاح واحد. وإن كان الواطئ بشبهة هو الزَّوج؛ تداخلت العدَّتان (٣)؛ لأنَّهما من

стр. 1122

رجل واحد (١)، إلَّا أن تحمل من أحد الوطأين؛ ففي التَّداخل وجهان؛ لكون العدَّتين من جنسين. وذكر أبو بكر فيما إذا وُطئت زوجة الطِّفل، ثمَّ مات عنها، ثمَّ وضعت قبل تمام عدَّة الوفاة: أنَّها لا تحلُّ حتَّى تكمل عدَّة الوفاة. قال الشَّيخ مجد الدِّين: وظاهر هذا تداخل العدَّتين (٢). ومنها: لو طلَّق المدخول بها طلاقاً بائناً، ثمَّ نكحها في العدَّة، ثمَّ طلَّقها قبل الدُّخول؛ ففيها طريقان: أحدهما: أنَّها على الرِّوايتين في الرَّجعيَّة إذا روجعت، ثمَّ طلِّقت في العدَّة قبل الإصابة؛ هل تبني، أو تستأنف؟ وهو المذكور في «المجرَّد»، و «الفصول»، و «المحرَّر». والثَّاني: تبني هنا روايةً واحدةً، وهو ما في تعليق القاضي، و «عمد الأدلَّة»؛ لانقطاع النِّكاح الثَّاني عن الأوَّل بالبينونة، بخلاف الرَّجعة. ومنها: لو مات مسلم وزوجته ذمِّيَّة، فأسلمت في العدَّة قبل قسمة

стр. 1123

ميراثه؛ فنصَّ أحمد في رواية البرزاطيِّ: على أنَّها ترث ما لم تنقضِ عدَّتها. وعلى هذا، فلو أسلمت المرأة أوَّلاً، ثمَّ ماتت في مدَّة (١) العدَّة؛ لم يرثها زوجها الكافر ولو أسلم قبل القسمة؛ لانقطاع عُلَق الزَّوجيَّة (٢) عنه بموتها. وحكى القاضي عن أبي بكر: أنَّ الزَّوجين لا يتوارثان بالإسلام قبل القسمة بحال، قال: وظاهر كلام الأصحاب خلافه، وأنَّه لا فرق في ذلك بين الزَّوجين وغيرهما؛ كما يرث الزَّوجان من الدِّية، سواء قيل بحدوثها على ملكهم، أو على ملك الموروث، ولم يذكر القاضي المنصوص عن أحمد. أمَّا نفقة البائن، فإن كانت بفسخ أو طلاق؛ فلها النَّفقة والسُّكنى مع الحمل، وإلَّا فلا، هذا ظاهر المذهب؛ لأنَّ النَّفقة في مقابلة التَّمكُّن من الاستمتاع، ولهذا لم تجب قبل التَّسليم ولا مع النُّشوز. وعنه: لها السُّكنى خاصَّة إذا لم تكن حاملاً. وعنه: لها النَّفقة والسُّكنى، حكاها ابن الزَّاغونيِّ وغيره. (٣)

стр. 1124

قاعدة [١٤٦] تفارق المطلَّقة الرَّجعيَّة الزَّوجات في صور: منها: أنَّ في إباحتها في مدَّة (١) العدَّة روايتين (٢)، وعلى رواية التَّحريم؛ فهل يجب لها المهر بالوطء؟ على وجهين. ومنها: أنَّ طلاقها في مدَّة العدَّة طلاق بدعة على أصحِّ الرِّوايتين. ومنها: أنَّ الإيلاء منها هل يصحُّ؟ على روايتين (٣). ومنها: هل يصحُّ اختيارها لزوجها إذا عتقت تحت عبد؟ على وجهين. ومنها: لو نكحت المطلَّقة ثلاثاً زوجاً آخر، فخلا بها، ثمَّ طلَّقها - وقلنا: يجب عليها العدَّة بالخلوة وثبتت الرَّجعة، وهو ظاهر (٤) المذهب -، ثمَّ وطئها في مدَّة العدَّة؛ فهل يحلُّها لزوجها الأوَّل؟ على وجهين حكاهما صاحب «التَّرغيب».

стр. 1125

ومنها: إذا عَلِقَت الرَّجعيَّة في مدَّة العدَّة بولد؛ فهل يلحق بمطلِّقها أم لا؟ على روايتين. ومنها: أنَّ المعتدَّة من أجنبيٍّ من طفلها؛ هل تعود إلى حضانته (١) في مدَّة الرَّجعة، أم لا تعود حتَّى تنقضي عدَّتها؟ على وجهين. ومنها: لو مات زوج الرَّجعيَّة؛ فهل تنتقل إلى عدَّة الوفاة، أو تعتدُّ بأطولهما؟ على روايتين. ومنها: أنَّ الرَّجعيَّة يجب عليها لزوم منزلها لحقِّ الله ؛ كالمتوفَّى عنها، نصَّ عليه أحمد في رواية أبي داود (٢)، وذكره القاضي في «خلافه» وصاحب «المحرَّر». وقيل: هي كالزَّوجة، يجوز لها الخروج والتَّحوُّل بإذن الزَّوج مطلقاً (٣).

стр. 1126

قاعدة [١٤٧] أحكام النِّساء على النِّصف من أحكام الرِّجال، في مواضع . منها: الميراث. ومنها: الدِّية. ومنها: العقيقة؛ عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة. ومنها: الشَّهادة. ومنها: العتق؛ فيعدل عتق امرأتين بعتق رجل في الفكاك من النَّار؛ كما دلَّ عليه الحديث (١). وحكى ابن أبي موسى في المسألة روايتين: إحداهما: كذلك.

стр. 1127

والثَّانية -وجعلها المذهب-: أنَّ عتق العبد والأمة (١) في ذلك سواء. ومنها: عطيَّة الأولاد في الحياة، فإنَّ المشروع عندنا أن يكون على سبيل الميراث، خلافاً لابن عقيل. ومنها: الصَّلاة، فإنَّ المرأة تسقط عنها الصَّلاة أيَّام الحيض، وأكثر الحيض على ظاهر المذهب خمسة عشر يوماً، وهو نصف الشَّهر.

стр. 1128

قاعدة [١٤٨] من أدلى بوارث، وقام مقامه في استحقاق إرثه؛ سقط به . وإن أدلى به، ولم يرث ميراثه؛ لم يسقط به. ويتخرَّج على ذلك مسألتان: إحداهما: ولد الأمِّ يدلون بالأمِّ ويرثون معها؛ لأنَّهم يرثون بالأخوَّة، لا بالأمومة. والثَّانية: الجدة أمُّ الأب ترث مع ابنها الأب على ظاهر المذهب؛ لأنَّها ترث ميراث جدَّة، لا ميراث جدٍّ.

стр. 1129

قاعدة [١٤٩] الحقُّ الثَّابت لمعيَّن يخالف الثَّابت لغير معيَّن في أحكام . منها: من له وارث معيَّن؛ ليس له أن يوصي بأكثر من ثُلثه، ومن لا وارث له من ذي فرض ولا عصبة ولا رحم؛ هل له أن يوصي بماله كلِّه؟ على روايتين. فمن الأصحاب من بناهما على هذه القاعدة. ومنهم من بناهما على أنَّ بيت المال؛ هل هو عصبة وارث أم لا؟ ويتعلَّق بهذا: إذا أقرَّ الإمام بنسبِ مَن لا يُعلم له وارث معيَّن، قال القاضي وابن عقيل: يثبت نسبه؛ لأنَّ المال للمسلمين، والإمام نائبهم، وهذا كأنَّه تفريع على القول بتوريث بيت المال. ويتوجَّه مثل ذلك في إجازة الإمام وصيَّة من وصى بكلِّ ماله، وقلنا: لا تجوز له الزِّيادة على الثُّلث. وذكر الأصحاب: أنَّ من قُتل ولا وارث له؛ فللإمام العفو عن قاتله إلى الدِّية، وليس له العفو مجَّاناً؛ لأنَّه كتوريث القاتل. وهل له أن يقتصَّ؟ على وجهين قد سبق ذكر مأخذهما. (١)

стр. 1130

ومنها: الأموال الَّتي يُجهل ربُّها؛ يجوز التَّصدُّق بها، بخلاف من (١) علم ربُّها، وقد سبق من ذلك صور عديدة. (٢) ومنها: إذا مات من لا وارث له، وعليه دين مؤجَّل؛ فهل يحلُّ (٣)؟ قال القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل، وصاحب «المغني»: يحلُّ؛ لأنَّ الأجل يستحقُّه الوارث، وقد عدم هنا. وذكر القاضي في «خلافه» احتمالين؛ لأنَّ له وارثاً، لكنَّه غير معيَّن. وقد يتخرَّج على هذا: ما إذا مات المستأجر (٤) ولا وارث له؛ هل تنفسخ الإجارة أم لا؟ فإنَّ أحمد نصَّ فيمن اكترى بعيراً ليحجَّ عليه، فمات في بعض الطَّريق، فإن عاد البعير خالياً؛ فعليه بقدر ما وجب له (٥). ووجَّهه صاحب «المغني» وغيره: بأنَّه تعذَّر انتفاعه في بقيَّة المدَّة، وليس له وارث يستوفي المنفعة؛ فانفسخت الإجارة بذلك. وصرَّح الأصحاب: بأنَّ الإمام يأخذ بالشُّفعة إذا مات من لا وارث له بعد المطالبة بها.

стр. 1131

وفي «عمد الأدلَّة» لابن عقيل: أنَّ حدَّ القذف كذلك في قياس المذهب. ومنها: أنَّ المال المستحَقَّ لغير معيَّن؛ كالزَّكاة؛ لا يقف أداؤه على مطالبتهم، ولا على مطالبة وكيلهم وهو الإمام، ولهذا لا تسقط الزَّكاة عندنا بتلف النِّصاب قبل التَّمكُّن من الأداء، بخلاف المستحَقِّ لمعيَّن؛ فإنَّه لا يجب الأداء إليه بدون مطالبته.

стр. 1132

قاعدة [١٥٠] تعتبر الأسباب في عقود التَّمليكات كما تعتبر في الأيمان . ويتخرَّج على هذا مسائل متعدِّدة: منها: مسائل العينة. ومنها: هديَّة المقترض قبل الوفاء؛ فإنَّه لا يجوز قبولها ممَّن لم تجر منه عادة. ومنها: هديَّة المشركين لأمير الجيش؛ فإنَّه لا يختصُّ بها على المذهب، بل هي غنيمة أو فيء، على اختلاف الأصحاب. ومنها: هدايا العمَّال، قال أحمد في رواية أبي طالب في الهدايا الَّتي تُهدى للأمير فيعطى منها الرَّجل؛ قال: هذا هو (١) الغلول، ومنع الأصحاب من قبول القاضي هدية من لم تجر العادة بهديَّته له قبل ولايته. ومنها: هبة المرأة زوجها صداقها إذا سألها ذلك؛ فإنَّ سببها طلب استدامة النِّكاح، فإن طلَّقها؛ فلها الرُّجوع فيها، نصَّ عليه في رواية عبد الله (٢).

стр. 1133

ومنها: الهديَّة لمن شفع له شفاعة عند السُّلطان (١) ونحوه؛ فلا يجوز، ذكره القاضي، وأومأ إليه أحمد؛ لأنَّها كالأجرة، والشَّفاعة من المصالح العامَّة؛ فلا يجوز أخذ (٢) الأجرة عليها، وفيه حديث صريح في «السُّنن» (٣). ونصَّ أحمد في رواية صالح فيمن عنده وديعة فأدَّاها، فأهديت له هديَّة: أنَّه لا يقبلها إلَّا بنيَّة المكافأة. وحكم الهديَّة عند أداء سائر الأمانات حكم الوديعة. ومنها: ما نصَّ عليه أحمد في رواية ابن ماهان فيمن اشترى لحماً، ثمَّ استزاد البائع، فزاده، ثمَّ ردَّ اللَّحم بعيب؛ فالزِّيادة لصاحب اللَّحم؛ لأنَّها أخذت بسبب العقد؛ فجعلها تابعة للعقد في الرَّدِّ؛ لأنَّها مأخوذة بسببه؛ وإن كانت غير لاحقة به. وتأوَّلها القاضي على أنَّها كانت (٤) مأخوذة في المجلس فلحقت بالعقد. وخرَّج ابن عقيل منها رواية: بلحوق الزِّيادة بعد لزوم العقد، ولا حاجة إلى ذلك.

стр. 1134

ومنها: ما نقله الأثرم عن أحمد في المولى يتزوَّج العربيَّة: يفرَّق بينهما، وإن كان دفع إليها بعض المهر ولم يدخل بها؛ ترادُّوا، وإن أهدى هديَّة؛ يردُّونها عليه. قال القاضي في «الجامع»: (لأنَّ شاهد الحال يدلُّ على أنَّه وهب لها بشرط بقاء العقد، فإذا زال ملك الرُّجوع بها؛ كالهبة بشرط الثَّواب) انتهى. وهذا في الفرقة القهريَّة لفقد الكفاءة ونحوها ظاهر، وكذلك الفرقة الاختياريَّة المسقطة للمهر. فأمَّا الفسخ المقرِّر للمهر أو نصفه؛ فتثبت معه الهديَّة. فأمَّا إن كانت العطيَّة لغير المتعاقدين بسبب العقد؛ كأجرة الدَّلَّال ونحوها؛ ففي «النَّظريات» لابن عقيل: (إن فُسِخ البيع بإقالة ونحوها ممَّا يقف على التَّراضي؛ فلا تردُّ الأجرة، وإن فسخ بخيار أو عيب؛ رُدَّت؛ لأنَّ البيع وقع متردِّداً (١) بين اللُّزوم وعدمه) انتهى. وقياسه في النِّكاح: أنَّه إن فسخ لفقد الكفاءة أو لعيب؛ رُدَّت، وإن فسخ لردَّة أو رضاع أو مخالعة؛ لم تردَّ.

стр. 1135

قاعدة [١٥١] دلالة الأحوال تختلف بها دلالة الأقوال في قبول دعوى ما يوافقها ورد ما يخالفها، ويترتَّب عليها الأحكام بمجرَّدها . ويتخرَّج عليها (١) مسائل: منها: كنايات الطَّلاق في حالة الغضب والخصومة؛ لا تقبل دعوى إرادة غير الطَّلاق بها. ومنها: كنايات القذف، وحكمها كذلك على الصَّحيح، حتَّى إنَّ ابن عقيل جعلها مع دلالة الحال صرائح. ومنها: لو تلفَّظ الأسير بكلمة الكفر، ثمَّ ادَّعى أنَّه كان مكرهاً؛ فالقول قوله؛ لأنَّ الأسر دليل الإكراه والتَّقيَّة. ومنها: لو أتى الكافر بالشَّهادتين على طريق الاستهزاء أو الحكاية، وقال: لم أرد الإسلام، مع دلالة الحال على صدقه؛ فهل يقبل منه؟ على روايتين حكاهما القاضي في روايتيه. ويتخرَّج عليهما: لو أقرَّ بمال في هذه الحال، وأفتى جماعة بلزوم ما أقرَّ به.

стр. 1136

ومنها: لو أقرَّ المحبوس أو المضروب عدواناً، ثمَّ ادَّعى الإكراه؛ قُبل قوله، نصَّ عليه. ولو أُحضر إلى السُّلطان (١) فأقرَّ، ثمَّ ادَّعى أنَّه دهش ولم يعقل ما أقرَّ به؛ لم يقبل، نصَّ عليه أيضاً. ويتخرَّج قبوله إذا ظهرت منه أمارة ذلك من لجلجة في الكلام ورعدة ونحوها. ومنها: لو دخل حربيٌّ إلينا ومعه سلاح، فادَّعى أنَّه جاء مستأمناً؛ لم يقبل قوله، وإن لم يكن معه سلاح؛ قُبل، نصَّ عليه (٢). وكذلك لو جاء بعض عسكرنا بحربيٍّ وادَّعى أنَّه أسره، وقال: بل أمَّنني؛ ففيه روايتان، وثالثة: أنَّ القول قول من يدلُّ الحال على صدقه؛ لضعفه أو قوَّته. ومنها: لو جاء المكاتبُ سيِّدَه بتمام كتابته، فقبضها السَّيِّد، ثمَّ قال له: أنت حرٌّ، ثمَّ بان المال مستحَقًّا، وقال السَّيِّد: إنَّما أردت الإخبار بعتقه بالأداء، لم أرد تنجيز عتقه؛ فالقول قوله، ذكره القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل. وقد نصَّ أحمد في رواية المروذيِّ في رجل قال لامرأته: إن خرجت؛ فأنت طالق. فاستعارت امرأة ثيابها، فلبستها، فأبصرها (٣)

стр. 1137

زوجها حين خرجت من الباب؛ فقال: قد فعلت أنت طالق؛ قال: يقع طلاقه على امرأته. فنصَّ على وقوع طلاقه على امرأته (١)، مع أنَّ الظَّاهر أنَّه أراد الإخبار بوقوع طلاقها المحلوف به على خروجها، ولم يديِّنه في ذلك. وأيضاً؛ فلو قيل: إنَّه قصد إنشاء الطَّلاق؛ فإنَّما أوقعه عليها لخروجها الَّذي منعها منه، ولم يكن موجوداً، وهذا يشهد لقول القاضي فيما إذا قال لزوجته: أنت طالق أن دخلت الدَّار- بفتح الهمزة-؛ أنَّها تطلق مطلقاً، سواء كانت قد دخلت أو لم تدخل، خلافاً لما ذكره ابن أبي موسى: أنَّها لا تطلق إذا لم تكن دخلت من قبل؛ لأنَّه إنَّما طلَّقها لعلَّة؛ فلا يثبت الطَّلاق بدونها. ولذلك أفتى ابن عقيل في «فنونه» فيمن قيل له: قد زنت زوجتك، فقال: هي طالق، ثمَّ تبيَّن أنَّها لم تكن زنت؛ أنَّها لا تطلق، وجعل السَّبب كالشَّرط اللَّفظيِّ، وهو قول عطاء بن أبي رباح (٢). ومنها: لو سرق عيناً، وادَّعى أنَّها ملكه؛ ففي قطعه روايات، ثالثها: إن كان معروفاً بالسَّرقة؛ قطع، وإلَّا فلا، صحَّحها صاحب «التَّرغيب». ومنها: لو دفع ثوبه إلى من يخيطه أو يقصِّره، أو ركب سفينته وهو

стр. 1138

معروف بأخذ الأجرة على ذلك؛ استحقَّ الأجرة. ومنها: الهبة الَّتي يراد بها الثَّواب بدلالة حال الواهب من غير شرط، نقل حنبل ما يدلُّ على وجوب إثابته، والمشهور خلافه (١). ومنها: لو وُجد لقيط وبقربه مال ظاهر، أو مدفون دفناً طريًّا؛ فإنَّه يحكم له به. وكذلك ما يكون بالقرب من الإنسان أو بين يديه من متاع أو طعام ونحوه، ذكره ابن عقيل. قال: (وكذلك رزمة الثِّياب وحزمة الحطب؛ يحكم بها للواقف بقربها؛ لأنَّ ذلك شاهد وضعها عنه للاستراحة؛ فكأنَّها على رأسه) انتهى. وينبغي تقييده بمن كان يليق به حملها دون من لا يحملها مثله. ومنها: لو تنازع الزَّوجان في متاع البيت، فما صلح للرِّجال؛ فهو للرَّجل، وما صلح للنِّساء؛ فهو للمرأة. وكذا لو اختلف صانعان في آلة دكَّان لهما، أو نازع ربُّ الدَّار خيَّاطاً فيها في إبرة أو مقصٍّ، أو تنازع المؤجر والمستأجر في رفٍّ مقلوع أو مصراع له شكل منصوب. ومن هذا الباب: اللَّوث في القسامة، والقضاء بمعاقد القمط (٢) -

стр. 1139

وهو رواية حكاها ابن أبي موسى-، وإلحاق النَّسب بالقافة عند الاختلاف (١). ومنها: لو ادَّعى دعوى يشهد الظَّاهر بكذبها، مثل أن ادَّعى على الخليفة أنَّه اشترى منه باقة بَقْل وحملها بيده؛ لم تُسمع دعواه بغير خلاف (٢)، ذكره القاضي في «خلافه». وإن أطلق الدَّعوى عليه؛ ففي سماعها قبل أن يتبيَّن أنَّ لها أصلاً روايتان؛ لاحتمال معاملته بوكيله. ومنها: لو اختلف الزَّوجان في قدر المهر؛ فالقول قول من يدَّعي مهر المثل على إحدى الرِّوايتين. (٣)

стр. 1140

قاعدة [١٥٢] المحرَّمات في النِّكاح أربعة أنواع: النَّوع الأوَّل: المحرَّمات بالنَّسب. وضابط ذلك: أنَّه يحرم على الإنسان أصوله وفروعه، وفروع أصله الأدنى وإن سَفَلن، وفروع أصوله البعيدة دون بناتهنَّ. فدخل في أصوله: أمُّه، وأمُّ أمِّه، وأمُّ أبيه، وإن علون. ودخل في فروعه: بنته، وبنت بنته، وبنت ابنه، وإن نزلن. ودخل في فروع أصله الأدنى: أخواته من الأبوين أو من أحدهما، وبناتهنَّ، وبنات الإخوة وأولادهم (١)، وإن سَفَلن. ودخل في فروع أصوله البعيدة: العمَّات، والخالات، وعمَّات الأبوين، وخالاتهما، وإن علون. فلم يبق من الأقارب حلالاً سوى فروع أصوله البعيدة، وهنَّ: بنات العمِّ، وبنات العمَّات، وبنات الخال، وبنات الخالات. النَّوع الثَّاني: المحرَّمات بالصِّهر، وهنَّ أقارب الزَّوجين، وكلُّهن حلال، إلَّا أربعة أصناف: حلائل الآباء والأبناء، وأمَّهات النِّساء، وبنات النِّساء المدخول بهنَّ.

стр. 1141

فيحرم على كلِّ واحد من الزَّوجين أصول الآخر وفروعه؛ فيحرم على الرَّجل أمُّ امرأته، وأمُّ أمِّها وأبيها وإن علت. ويحرم عليه بنت امرأته -وهي الرَّبيبة-، وبنت بنتها؛ وإن سفلت. وتحرم بنت الرَّبيب أيضاً، نصَّ عليه أحمد في رواية صالح (١)، وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين أنَّه لا يعلم فيه نزاعاً (٢). ويحرم عليه أن يتزوَّج بامرأة أبيه وإن علا، وامرأة ابنه وإن سفل. النَّوع الثَّالث: المحرَّمات بالجمع. فكلُّ امرأتين بينهما رحم محرِّم، يحرم الجمع بينهما، بحيث لو كانت إحداهما ذكراً؛ لم يجز له التَّزوُّج بالأخرى؛ لأجل النَّسب دون الصِّهر. فلا يجوز الجمع بين المرأة وعمَّتها وإن علت، ولا بينها وبين خالتها وإن علت، ولا بين الأختين، ولا بين البنت وأمِّها وإن علت. قال الشَّعبيُّ: كان أصحاب محمَّد يقولون: «لا يجمع الرَّجل بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلاً؛ لم يصلح له أن يتزوَّجها»، ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله بإسناده (٣).

стр. 1142

وإنَّما قلنا: لأجل النَّسب دون الصِّهر؛ ليخرج من ذلك: الجمع بين زوجة رجل وابنته من غيرها، فإنَّه مباح؛ إذ لا محرميَّة بينهما ليخشى عليهما القطيعة. لكن يرد على هذا من كان بينهما تحريم من الرَّضاع؛ فإنَّه يحرم الجمع بينهما، نصَّ عليه في رواية الأثرم وحرب. وقد توقَّف في رواية ابن منصور في كون تشبيه الزَّوجة بالمحرَّمة من الرَّضاع ظهاراً (١). فدلَّ على أنَّ تحريم الرَّضاع لا يساوي تحريم النَّسب من جميع الوجوه، والله أعلم. النَّوع الرَّابع: المحرَّمات بالرَّضاع. فيحرم به ما يحرم من النَّسب في الأنواع الثَّلاثة المتقدِّمة (٢). واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّه لا يثبت به تحريم المصاهرة؛ فلا يحرم على الرجل نكاح أمِّ زوجته وابنتها من الرَّضاع، ولا على المرأة نكاح أبي زوجها وابنه من الرَّضاع (٣). وقال (٤) أحمد في رواية ابن بدينا (٥) في حليلة الابن من الرَّضاع:

стр. 1143

لا يعجبني أن يتزوَّجها، يحرم من الرَّضاع ما يحرم من النَّسب. وليس على هذا الضَّابط إيراد صحيح سوى المرتضعة بلبن الزِّنى، والمنصوص عن أحمد في رواية عبد الله أنَّها محرَّمة؛ كالبنت من الزِّنى (١)؛ فلا إيراد إذاً، والله أعلم.

стр. 1144

قاعدة [١٥٣] ولد الولد؛ هل يدخل في مسمَّى الولد عند الإطلاق ؟ هذا ثلاثة أنواع: أحدها: أن يدخل في مسمَّاه مطلقاً مع وجود الولد وعدمه، وذلك في صور: منها: المحرَّمات في النِّكاح؛ كالبنات، وحلائل الأبناء. ومنها: امتناع القصاص بين الأب وولده (١). ومنها: وجوب إعفاف الولد على والده (٢). ومنها: امتناع قطعه في السَّرقة من مال ولده. ومنها: ردُّ شهادة الوالد لولده. ومنها: جرُّ الولاء، فإذا كان ابنُ معتقةِ قومٍ، أبوه وجدُّه رقيقان، فعَتَق جدُّه؛ انتقل الولاء إلى موالي الجدِّ، سواء كان الأب موجوداً أو لم يكن في إحدى الرِّوايات. وفي الأخرى: إن كان الأب مفقوداً؛ جرَّ الجدُّ الولاء إلى مواليه، وإن كان موجوداً؛ لم يجرُّه بحال.

стр. 1145

وفي الثَّالثة: لا يجرُّه الجدُّ بحال؛ فيختصُّ جرُّ الولاء بعتق الأب. ومنها: الوقف على الولد، يدخل فيه ولد الولد، نصَّ عليه أحمد في رواية المروذيِّ (١) ويوسف بن موسى ومحمَّد بن عبيد الله المنادي (٢)، وهو الَّذي جزم به الخلَّال وابن أبي موسى والقاضي فيما علَّقه بخطِّه (٣) على ظهر «خلافه» وغيرهم. وهل يدخلون مع آبائهم بالتَّشريك، أو لا يدخلون إلَّا بعدهم على التَّرتيب؟ على وجهين للأصحاب. وعلى التَّرتيب؛ فهل هو ترتيب بطن على بطن، فلا يستحقُّ أحد من ولد الولد شيئاً مع وجود فرد من الأولاد، أو ترتيب فرد على فرد، فيستحقُّ كلُّ ولد نصيب والده بعد فقده؟ على وجهين. والثَّاني هو منصوص أحمد، وقد سبق ذكره (٤). وفي «أحكام القرآن» للقاضي: إن كان ثَمَّ ولد؛ لم يدخل ولد الولد، وإن لم يكن ولد؛ دخل، واستشهد بآية المواريث؛ قال: (ويصحُّ حمل اللَّفظ على حقيقته ومجازه في حالين مختلفين، لا في جهة واحدة)، مع أنَّه ذكر احتمالاً بأنَّ إطلاق الولد على ولد الولد حقيقة؛ قال: (والأشبه أنَّه مجاز؛ لصحَّة نفيه).

стр. 1146

وفي «المجرَّد» للقاضي: لو وقف على أولاده، ثمَّ على أولاد أولاده، ثمَّ على الفقراء؛ فهو بعد البطن الثَّاني من ولده للفقراء. فمن الأصحاب من فهم منه: أنَّ ولد الولد لا يدخلون في إطلاق الولد. ومنهم من قال: بل لمَّا رتَّب بطناً بعد بطن مرَّتين، ثمَّ جعله بعدهما للفقراء؛ عُلم أنَّه أراد البطنين الأوَّلين خاصَّة، بخلاف حالة الإطلاق، وإلى هذا أشار صاحب «التَّلخيص». ومنها: الوصيَّة لولده، وقد جعل الأصحاب حكمها حكم الوقف. وذكر أبو الخطَّاب: أنَّ أحمد نصَّ على دخولهم في ذلك، والمعروف عن أحمد إنَّما هو في الوقف. وأشار الشَّيخ تقيُّ الدِّين إلى دخولهم في الوقف دون الوصيَّة؛ لأنَّ الوقف يتأبَّد، فيستحقُّه ولده طبقة بعد طبقة، والوصيَّة تمليك للموجودين؛ فيختصُّ بالطَّبقة العليا الموجودة. وحيث قيل بدخول ولد الولد في الوقف والوصيَّة؛ فإنَّما هو في ولد البنين، فأمَّا ولد البنات؛ ففيه وجهان للأصحاب: اختار الخرقيُّ والقاضي: أنَّهم لا يدخلون. واختار أبو بكر وابن حامد: دخولهم. ونصَّ أحمد في رواية المروذيِّ على أنَّهم لا يدخلون في الوقف على الولد (١).

стр. 1147

فمن الأصحاب من قال: لا يدخلون في مطلق الولد إذا وقع الاقتصار عليه، ويدخلون في مسمَّى ولد الولد؛ لأنَّهم من ولد الولد حقيقة، وليسوا بولد حقيقة، وهذه طريقة ابن أبي موسى والشِّيرازيِّ، ومال إليها صاحب «المغني». ومنها: المنع من دفع الزَّكاة إلى الولد يدخل فيه ولد الولد، وسواء في ذلك ولد الذُّكور والإناث على المنصوص عن أحمد؛ لأنَّ ولد البنت قد ثبت له حكم الولد في موضع، فثبت له حكم المنع من الزَّكاة، بخلاف الوقف والوصيَّة؛ فإنَّ المراعى فيها صدق (١) الاسم وثبوته في العرف، لا جريان الحكم، والله أعلم. النَّوع الثَّاني: ما يدخل فيه عند عدم الولد لا مع وجوده، وذلك في صور: منها: الميراث، فيرث ولدُ الولد جدَّهم مع فقد أبيهم؛ كما يرثون أباهم، ولكن لا يرثهم الجدُّ مع فقد الأب؛ كما يرث الأب على ظاهر المذهب. وفيه وجه آخر: أنَّه يرثهم كأب مطلقاً، بحيث يحجب الإخوة كلَّهم، واختاره ابن بطَّة، وأبو حفص البرمكيُّ، والشَّيخ تقيُّ الدِّين (٢). ومنها: ولاية النِّكاح، فيلي الجدُّ فيها بعد الأب مقدَّماً على الابن، على قول الخرقيِّ والقاضي، لكن لا يقوم مقام الأب في الإجبار على المذهب.

стр. 1148

وحكى ابن الزَّاغونيِّ رواية: أنَّه يقوم مقامه في الإجبار (١). ومنها: ولاية الصَّلاة على الجنازة؛ فيلي الجدُّ بعد الأب مقدَّماً على الابن على الصَّحيح أيضاً. ومنها: الحضانة؛ فإنَّ الجدَّ أولى رجالها بها بعد الأب. والنَّوع الثَّالث: ما لا يدخل فيه في مسمَّى الولد بحال، وذلك في صور كثيرة: منها: الرُّجوع في الهبة. ومنها: الأخذ من مال الولد لغير حاجة. ومنها: ولاية المال، وفيه رواية. ومنها: الاستئذان في الجهاد. ومنها: الاستتباع في الإسلام. ومنها: الانفراد بالنَّفقة مع وجود (٢) وارث غيره موسرٍ: فإن كان الوارث الَّذي معه معسراً؛ فالمعروف: أنَّ حكمه حكم سائر من تلزمه النَّفقة، وهل (٣) يلزمه كمال النَّفقة أو بقدر إرثه؟ على روايتين، أصحُّهما: لا يلزمه أكثر من مقدار إرثه منه. وفي «الإقناع» لابن الزَّاغونيِّ: أنَّ هذا الخلاف في الجدِّ والجدَّة خاصَّة، وأنَّ سائر الأقارب لا يلزم الغنيَّ منهم النَّفقة إلَّا بالحصَّة بغير خلاف.

стр. 1149

قاعدة [١٥٤] خروج البُضْع من الزَّوج؛ هل هو متقوَّم أم لا ؟ بمعنى أنَّه: هل يَلزم المخرِج له قهراً ضمانُه للزَّوج بالمهر؟ فيه قولان في المذهب، ويذكران روايتين عن أحمد، وأكثر الأصحاب كالقاضي ومن بعده يقولون: ليس بمتقوَّم (١). وخصُّوا هذا الخلاف بمن عدا الزَّوجةَ، فقالوا: لا تضمن للزَّوج شيئاً بغير خلاف. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّه متقوَّم على الزَّوجة وغيرها، وحكاه قولاً في المذهب (٢). ويتخرَّج (٣) على ذلك مسائل: منها: لو أفسد مُفسِدٌ نكاح امرأة قبل الدُّخول بها، برضاع أو غيره؛ فإنَّه يجب عليه نصف المهر، حيث يلزم الزَّوجَ نصف المهر؛ كما إذا كانت الفرقة من الأجنبيِّ وحده، وله مآخذ:

стр. 1150

أحدها: أنَّ خروج البضع من الزَّوج متقوَّم؛ فيقوَّم قبل الدُّخول بنصف المهر المسمَّى. وفيه وجه: بنصف مهر المثل. والثَّاني: أنَّه ليس بمتقوَّم، لكنَّ المفسِد قرَّر هذا النِّصف على الزَّوج، إذ كان بصدد أن يسقط عنه بانفساخ النِّكاح بسبب من جهتها. والثَّالث: أنَّ المهر كلَّه يسقط بالفرقة، لكن يجب لها نصف المهر وجوباً مبتدئاً بالفرقة الَّتي استقلَّ بها الأجنبيُّ؛ فلذلك لزمه ضمانه، ذكره القاضي في «خلافه»، وفيه بُعْد. وأمَّا حيث لا يلزم الزَّوجَ شيء؛ كما إذا وطئ الأب أو الابن زوجته قبل الدُّخول بتمكينها؛ فهل يلزمه له نصف المهر أم لا؟ على وجهين مذكورين في «المغني» وغيره، وهما متنزِّلان على أنَّ البضع؛ هل هو متقوَّم أم لا؟ إذ لا غرم هنا على الزَّوج. ونقل مهنَّى عن أحمد في رجل تزوَّج امرأة، فبعثوا إليه ابنتها، فدخل بها وهو لا يعلم؛ قال: حرمتا عليه جميعاً، قال: فقلت له: ما عليه؟ فقال (١): عليه لهذه المهر بما استحلَّ من فرجها. قلت: وللأخرى ما عليه؟ قال: لها نصف الصَّداق، قلت: هل يرجع بالنِّصف الَّذي غرم لابنتها؟ قال: لا. وإنَّما لم يرجع هنا عنده؛ لأنَّ فساد نكاحه منسوب إليه مباشرة؛ فلذلك استقرَّ الضَّمان عليه.

стр. 1151

ويتخرَّج فيه وجه آخر: أنَّه يرجع بما غرمه على من غرَّه. وأمَّا إن كان الإفساد بعد الدُّخول بإرضاع أو غيره؛ ففيه وجهان: أحدهما: أنَّ على المفسِد ضمانَ المهر المستقرِّ على الزَّوج، وهو منصوص أحمد في رواية ابن القاسم (١)؛ بناء على أنَّ خروج البضع متقوَّم، وكما يضمن الغارُّ المهر لمن غرَّه؛ وإن استقرَّ بالدُّخول، بل هنا أولى؛ لأنَّ المغرور قد يكون فسخ النِّكاح باختياره، كما إذا دُلِّس عليه عيب ونحوه؛ حيث لم يرض بالمهر إلَّا مع السَّلامة من العيوب، وهنا الفسخ بسبب الأجنبيِّ؛ فإنَّه هو المانع للزَّوج من الاستمتاع؛ فكان الرُّجوع عليه بالمهر أولى؛ إذ الزَّوج يجب تمكينه من جنس الاستمتاع، ويعود إليه المهر بمنعه من جنسه إذ لم يكن ما يستحقُّه مقدَّراً، بخلاف منفعة الإجارة؛ فإنَّها تتقسَّط على المدَّة، مع أنَّ الإجارة تسقط فيها الأجرة عندنا بمنع المؤْجِر من التَّسليم المستحَقِّ بالعقد كلِّه. والوجه الثَّاني: أنَّه لا ضمان على المفسد بحال؛ لاستقرار المهر على الزَّوج بالوطء؛ بناء على أنَّ خروجه غير متقوَّم، وإليه ميل ابن أبي موسى، واختاره طائفة من المتأخِّرين. وأمَّا إن كان المفسِدُ للنِّكاح هو الزَّوجةَ وحدها، بالرَّضاع أو غيره؛ فقال الأصحاب: لا ضمان عليها بغير خلاف؛ لئلَّا يلزم استباحة بضعها بغير عوض. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين أنَّ عليها الضَّمان (٢)، وأخذه من مسألة

стр. 1152

المهاجرة وامرأة المفقود، كما سيأتي، وكما قال الأصحاب في الغارَّة: إنَّه لا مهر لها، بل عندنا في الإجارة أنَّ غصب المؤجر يسقط الأجرة كلَّها، بخلاف غصب غيره؛ لاستحقاق التَّسليم عليه. وأجاب عمَّا قيل من استباحة البضع بدون عوض: بأنَّ العوض وجب لها بالعقد، ثمَّ وجب عليها ضمانه بسبب آخر؛ فلم يخلُ العقد من عوض، كما يجب على البائع ضمان ما تعلَّق به حقُّ توفيةٍ بإتلافه قبل القبض، ولم يخلُ البيع من ثمن، والله أعلم. ومنها: شهود الطَّلاق إذا رجعوا قبل الدُّخول؛ فإنَّهم يغرمون نصف المهر. وإن رجعوا بعد الدُّخول؛ فهل يغرمون المهر كلَّه، أم لا يغرمون شيئاً؟ على روايتين، مأخذهما تقويم البضع وعدمه (١). وعلى التَّغريم (٢)؛ يغرمون المهر المسمَّى. وقيل: مهر المثل. ومنها: امرأة المفقود إذا تزوَّجت بعد المدَّة المعتبرة، ثمَّ قدم زوجها المفقود؛ فإنَّه يخيَّر بين زوجته وبين المهر، فإن اختار المهر؛ أخذ من الزَّوج الثَّاني المهر الَّذي أقبضه إيَّاها؛ أعني: الأوَّل؛ لأنَّه هو

стр. 1153

الَّذي استحقَّه على أصحِّ الرِّوايتين. وعلى الثَّانية: يأخذ المهر الَّذي أعطاها الثَّاني. وبكلِّ حال؛ فهل يستقرُّ ضمانه على الزَّوج الثَّاني، أم يرجع به على المرأة؟ على روايتين: إحداهما: يرجع به عليها؛ لأنَّ الفرقة جاءت منها؛ فيستقرُّ الضَّمان عليها. والثَّاني: لا يرجع به؛ لأنَّ المرأة استحقَّته بالإصابة؛ فلا يجوز أخذه منها. ومنها: إذا طلَّق رجل امرأة، ثمَّ راجعها في العدَّة، وأشهد على الرَّجعة، ولم تعلم المرأة حتَّى انقضت عدَّتها، وتزوَّجت ودخل بها الثَّاني، وقلنا على رواية: إنَّ الثَّاني أحقُّ بها؛ فهل تضمن المرأة لزوجها المهر أم لا؟ على وجهين، واختار القاضي الضَّمان؛ لأنَّ خروج البضع متقوَّم. ومنها: إذا أسلمت امرأة من أهل دار الحرب، وهاجرت إلينا، ثمَّ تزوَّجها مسلم بعد انقضاء عدَّتها في دار الإسلام؛ فهل يلزمه أن يردَّ على زوجها الكافر مهرها الَّذي أمهرها إيَّاه؟ على روايتين حكاهما ابن أبي موسى. وظاهر القرآن يدلُّ على وجوبه (١)، لكن أكثر الأصحاب على عدم

стр. 1154

الوجوب، قالوا: لأنَّ الآية نزلت في قصة (١) صلح الحديبية، وكان الصُّلح قد وقع على ردِّ النِّساء قبل تحريمه، فلمَّا حرم الرَّدُّ بعد صحَّة اشتراطه؛ وجب ردُّ بدله، وهو المهر، وأمَّا بعد ذلك؛ فلا يجوز اشتراط ردِّ النِّساء؛ فلا يصحُّ اشتراط ردِّ مهورهنَّ؛ لأنَّه شرطُ مالٍ للكفَّار من غير ضرورة. ومن اختار الوجوب؛ كالشَّيخ تقيِّ الدِّين؛ منع أن يكون ردُّ النِّساء مشروطاً في صلح الحديبية، ومنع عدم جواز شرط ردِّ المهر، لا سيَّما إذا كان مشروطاً من الطَّرفين (٢). ومنها: خُلع المسلم زوجته بمحرم يعلمان تحريمه؛ كخمر أو خنزير، قال أبو بكر والقاضي والأصحاب: هو كالخلع الخالي عن العوض، فإذا صحَّحناه؛ لم يلزم الزَّوج شيء، بخلاف النِّكاح على ذلك. وعند الشِّيخ تقيِّ الدِّين: يرجع إلى المهر؛ كالنِّكاح (٣). ويحتمل (٤) كلام الخرقيِّ في خلع الأمة على سلعة بيدها: أنَّه يصحُّ، ويتبع بقيمتها بعد العتق. ومنها: مخالعة الأب ابنته الصَّغيرة بشيء من مالها، والمذهب: أنَّه

стр. 1155

غير جائز، وأنَّ الضَّمان على الأب، نصَّ عليه أحمد في رواية ابن الحكم. وخرَّج بعض المتأخِّرين جوازه؛ بناء على أنَّ خروج البضع متقوَّم، فما بذل مالها إلَّا فيما له قيمة، فلا يكون تبرُّعاً. وخرَّجه بعضهم من الرِّواية الَّتي نقول فيها: إنَّ للأب العفو عن نصف المهر في الطَّلاق قبل الدُّخول؛ بناء على أنَّه الَّذي بيده عقدة النِّكاح. وذكره صاحب «المغني» احتمالاً في وليِّ الصَّغيرة والسَّفيهة والمجنونة مطلقاً إذا رأى الحظَّ في ذلك، وكذلك أشار إليه ابن عقيل في «الفصول. « ومنها: إذا قال لزوجته: أنت طالق بألف، فلم تقبل؛ طَلَقت رجعيًّا، ولم يلزمها شيء، نصَّ عليه أحمد في رواية مهنَّى (١). ولو قال لعبده: أنت حرٌّ بألف، فلم يقبل؛ لم يَعتِق عند الأصحاب. والفرق بينهما: أنَّ خروج البضع غير متقوَّم، بخلاف العبد؛ فإنَّه مال محض. وخرَّج الشَّيخ تقيُّ الدِّين وجهاً: أنَّه يَعتِق العبد بغير شيء، كما في الطَّلاق؛ لأنَّ الطَّلاق والعتاق فيهما حقٌّ لله تعالى، وليس العوض بركن فيهما إذا (٢) لم يعلِّقهما عليه، بل أوقعهما منجزاً، وشرط فيهما

стр. 1156

العوض، فإذا لم يلتزما العوض؛ لَغِيَ ووقع الطَّلاق والعتاق (١)؛ لما فيهما من الحقِّ لله الَّذي لا يمكن إبطاله.

стр. 1157

قاعدة [١٥٥] يتقرَّر المهر كلُّه للمرأة بأحد ثلاثة أشياء: الأوَّل: الوطء؛ فيتقرَّر به المهر على كلِّ حال. وأمَّا مقدِّماته؛ كاللَّمس بشهوة، والنَّظر إلى الفرج، أو إلى جسدها وهي عارية؛ فمن الأصحاب من ألحقه بالوطء وجعله مقرِّراً رواية واحدة؛ لأنَّه آكد من الخلوة المجرَّدة. ومنهم من خرَّجه على وجهين أو روايتين، من الخلاف في تحريم المصاهرة به. وقال ابن عقيل: إن كانت عادته فعل ذلك في الملأ؛ استقرَّ به المهر؛ لأنَّ ذلك خلوة مثله، وإلَّا فلا. والمنصوص عن أحمد في رواية مهنَّى: أنَّه إذا تعمَّد النَّظر إليها وهي عُريانة تغتسل؛ وجب لها المهر (١). والثَّاني: الخلوة ممَّن يمكنه الوطء بمثله. فإن كان ثَمَّ مانع؛ إمَّا حسيٌّ (٢)؛ كالجَبِّ والرَّتَق، أو شرعيٌّ؛ كالإحرام والحيض؛ فهل يقرِّر المهر؟ على طرق للأصحاب:

стр. 1158

أحدها: أنَّ في المسألة روايتين مطلقتين، وهي طريقة القاضي في «الجامع»، وصاحب «المحرَّر»، وكذلك صاحب «المغني»، إلَّا أنَّه زاد رواية ثالثة: بالفرق بين المانع المتأكِّد شرعاً؛ كالإحرام وصيام رمضان؛ فلا يستقرُّ معه المهر، بخلاف غيره. والثَّانية: إن كان المانع من الوطء ودواعيه؛ كالإحرام وصيام رمضان؛ ففيه روايتان، وإن كان لا يمنع الدَّواعيَ، كالحيض والجَبِّ والرَّتَق؛ استقرَّ رواية واحدة، وهي طريقة القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في «الفصول». والثَّالثة: إن كانت الموانع بالزَّوج؛ استقرَّ الصَّداق رواية واحدة، وإن كانت بالزَّوجة؛ فهل يستقرُّ؟ على روايتين، وهي طريقة القاضي في «خلافه». ومن الأصحاب من حكى رواية أخرى: أنَّه لا يستقرُّ المهر بالخلوة بمجرَّدها بدون الوطء؛ أخذاً (١) ممَّا روى يعقوب بن بختان عن أحمد: إذا خلا بها، وقال: لم أطأ، وصدَّقته؛ أنَّ لها نصف الصَّداق، وعليها العدَّة (٢). وأنكر الأكثرون هذه الرِّواية، وحملوا رواية يعقوب هذه على وجه آخر، وهو (٣) أنَّ الخلوة إنَّما قرَّرت المهر؛ لأنَّها مظنَّة الوطء المقرِّر؛

стр. 1159

فقامت مقامه في التَّقرير؛ لأنَّ حقيقة الوطء لا يطلع عليه غالباً؛ فعُلِّق (١) الحكم بمَظِنَّته، فإذا تصادق الزَّوجان على انتفاء الحقيقة الَّتي هي الوطء؛ لم يقبل ذلك في إسقاط العدَّة؛ لأنَّ فيها حقًّا لله تعالى. وهل يقبل في سقوط نصف المهر؟ على روايتين. نقل ابن بختان: قبوله؛ لأنَّه حقٌّ محض للزَّوجة، وقد أقرَّت بسقوطه. ونقل الأكثرون: عدم قبوله؛ لملازمته للعدَّة، وهذا يرجع إلى أنَّ الخلوة مقرِّرة؛ لكونها مَظِنَّة الوطء (٢). ومن الأصحاب من قال: إنَّما قَرَّرت لحصول التَّمكين بها، وهي طريقة القاضي. وردَّها ابن عقيل: بأنَّ الخلوة مع الجَبِّ لا تمكن معها، قال: وإنَّما قَرَّرت لأحد أمرين: إمَّا لإجماع الصَّحابة (٣)، وهو حجَّة، أو لأنَّ طلاقها بعد الخلوة بها وردَّها زهداً فيها فيه ابتذال وكسر لها؛ فوجب جبره بالمهر. وقيل: بل المقرِّر هو استباحة ما لا يستباح إلَّا بالنِّكاح من المرأة؛ فدخل في ذلك الخلوة واللَّمس بمجرَّدهما؛ لأنَّ ذلك كلَّه معقود عليه في النِّكاح، والمهر يستقرُّ بنيل بعض المعقود عليه، لا يقف على نيل جميعه.

стр. 1160

وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية حرب، وقيل له: فإن أخذها وعندها نسوة، فمسَّها وقبض عليها ونحو ذلك من غير أن يخلوَ بها؛ قال: إذا نال منها شيئاً لا يحلُّ لغيره؛ فعليه المهر (١). وعلى هذا؛ فقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: يتوجَّه أن يستقرَّ المهر بالخلوة؛ وإن منعته الوطء، بخلاف ما ذكره ابن حامد والقاضي والأصحاب (٢). المقرِّر الثَّالث: الموت قبل الدُّخول وقبل الفرقة. وإن طلَّقها في المرض ثمَّ مات فيه؛ فهل يستقرُّ لها المهر؟ على روايتين؛ بناء على توريثها منه وعدمه. (٣)
следующие страницы →