العوض، فإذا لم يلتزما العوض؛ لَغِيَ ووقع الطَّلاق والعتاق (١)؛ لما فيهما من الحقِّ لله الَّذي لا يمكن إبطاله.
стр. 1157
قاعدة [١٥٥]
يتقرَّر المهر كلُّه للمرأة بأحد ثلاثة أشياء:
الأوَّل: الوطء؛ فيتقرَّر به المهر على كلِّ حال.
وأمَّا مقدِّماته؛ كاللَّمس بشهوة، والنَّظر إلى الفرج، أو إلى جسدها وهي عارية؛ فمن الأصحاب من ألحقه بالوطء وجعله مقرِّراً رواية واحدة؛ لأنَّه آكد من الخلوة المجرَّدة.
ومنهم من خرَّجه على وجهين أو روايتين، من الخلاف في تحريم المصاهرة به.
وقال ابن عقيل: إن كانت عادته فعل ذلك في الملأ؛ استقرَّ به المهر؛ لأنَّ ذلك خلوة مثله، وإلَّا فلا.
والمنصوص عن أحمد في رواية مهنَّى: أنَّه إذا تعمَّد النَّظر إليها وهي عُريانة تغتسل؛ وجب لها المهر (١).
والثَّاني: الخلوة ممَّن يمكنه الوطء بمثله.
فإن كان ثَمَّ مانع؛ إمَّا حسيٌّ (٢)؛ كالجَبِّ والرَّتَق، أو شرعيٌّ؛ كالإحرام والحيض؛ فهل يقرِّر المهر؟ على طرق للأصحاب:
стр. 1158
أحدها: أنَّ في المسألة روايتين مطلقتين، وهي طريقة القاضي في «الجامع»، وصاحب «المحرَّر»، وكذلك صاحب «المغني»، إلَّا أنَّه زاد رواية ثالثة: بالفرق بين المانع المتأكِّد شرعاً؛ كالإحرام وصيام رمضان؛ فلا يستقرُّ معه المهر، بخلاف غيره.
والثَّانية: إن كان المانع من الوطء ودواعيه؛ كالإحرام وصيام رمضان؛ ففيه روايتان، وإن كان لا يمنع الدَّواعيَ، كالحيض والجَبِّ والرَّتَق؛ استقرَّ رواية واحدة، وهي طريقة القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في «الفصول».
والثَّالثة: إن كانت الموانع بالزَّوج؛ استقرَّ الصَّداق رواية واحدة، وإن كانت بالزَّوجة؛ فهل يستقرُّ؟ على روايتين، وهي طريقة القاضي في «خلافه».
ومن الأصحاب من حكى رواية أخرى: أنَّه لا يستقرُّ المهر بالخلوة بمجرَّدها بدون الوطء؛ أخذاً (١) ممَّا روى يعقوب بن بختان عن أحمد: إذا خلا بها، وقال: لم أطأ، وصدَّقته؛ أنَّ لها نصف الصَّداق، وعليها العدَّة (٢).
وأنكر الأكثرون هذه الرِّواية، وحملوا رواية يعقوب هذه على وجه آخر، وهو (٣) أنَّ الخلوة إنَّما قرَّرت المهر؛ لأنَّها مظنَّة الوطء المقرِّر؛
стр. 1159
فقامت مقامه في التَّقرير؛ لأنَّ حقيقة الوطء لا يطلع عليه غالباً؛ فعُلِّق (١) الحكم بمَظِنَّته، فإذا تصادق الزَّوجان على انتفاء الحقيقة الَّتي هي الوطء؛ لم يقبل ذلك في إسقاط العدَّة؛ لأنَّ فيها حقًّا لله تعالى.
وهل يقبل في سقوط نصف المهر؟ على روايتين.
نقل ابن بختان: قبوله؛ لأنَّه حقٌّ محض للزَّوجة، وقد أقرَّت بسقوطه.
ونقل الأكثرون: عدم قبوله؛ لملازمته للعدَّة، وهذا يرجع إلى أنَّ الخلوة مقرِّرة؛ لكونها مَظِنَّة الوطء (٢).
ومن الأصحاب من قال: إنَّما قَرَّرت لحصول التَّمكين بها، وهي طريقة القاضي.
وردَّها ابن عقيل: بأنَّ الخلوة مع الجَبِّ لا تمكن معها، قال: وإنَّما قَرَّرت لأحد أمرين: إمَّا لإجماع الصَّحابة (٣)، وهو حجَّة، أو لأنَّ طلاقها بعد الخلوة بها وردَّها زهداً فيها فيه ابتذال وكسر لها؛ فوجب جبره بالمهر.
وقيل: بل المقرِّر هو استباحة ما لا يستباح إلَّا بالنِّكاح من المرأة؛ فدخل في ذلك الخلوة واللَّمس بمجرَّدهما؛ لأنَّ ذلك كلَّه معقود عليه في النِّكاح، والمهر يستقرُّ بنيل بعض المعقود عليه، لا يقف على نيل جميعه.
стр. 1160
وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية حرب، وقيل له: فإن أخذها وعندها نسوة، فمسَّها وقبض عليها ونحو ذلك من غير أن يخلوَ بها؛ قال: إذا نال منها شيئاً لا يحلُّ لغيره؛ فعليه المهر (١).
وعلى هذا؛ فقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: يتوجَّه أن يستقرَّ المهر بالخلوة؛ وإن منعته الوطء، بخلاف ما ذكره ابن حامد والقاضي والأصحاب (٢).
المقرِّر الثَّالث: الموت قبل الدُّخول وقبل الفرقة.
وإن طلَّقها في المرض ثمَّ مات فيه؛ فهل يستقرُّ لها المهر؟ على روايتين؛ بناء على توريثها منه وعدمه. (٣)
стр. 1161
قاعدة [١٥٦]
فيما يتنصَّف فيه المهر قبل استقراره، وما يسقط به الفرقة قبل الدُّخول .
إن كانت من جهة الزَّوج وحده، أو من جهة أجنبيٍّ وحده: يُنصَّف بها المهر المسمَّى.
وإن كانت من جهة الزَّوجة وحدها: سقط بها المهر.
وإن كانت من جهة الزَّوجين معاً، أو من جهة الزَّوجة مع أجنبيٍّ: ففي تنصيف المهر وسقوطه روايتان.
فهذه خمسة أقسام.
القسم الأوَّل: ما استقلَّ به الزَّوج، وله صور:
منها: طلاقه، وسواء كان منجزاً أو معلَّقاً بصفة، وسواء كانت الصَّفة من فعلها أو لم يكن، كذا ذكره الأصحاب؛ قالوا: لأنَّ السَّبب كان منه، وهو الطَّلاق، وإنَّما حقَّقته (١) بوجود شرطه، والحكم إنَّما يضاف إلى صاحب السَّبب.
وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: إن كانت الصِّفة من فعلها الَّذي لها منه بدٌّ؛
стр. 1162
فلا مهر لها.
ويمكن تخريج ذلك من إحدى الرِّوايتين في المريض إذا علَّق طلاق امرأته على ما لَها منه بدٌّ ففعلته؛ فإنَّ في إرثها روايتين.
ويشهد لذلك مسألة التَّخيير؛ فإنَّه لو خيَّرها قبل الدُّخول فاختارت نفسها؛ فهل يسقط مهرها أو يتنصَّف؟ على روايتين حكاهما ابن أبي موسى.
والتَّخيير توكيل محض، والتَّعليق بفعلها في معناه.
والمنصوص عن أحمد: أنَّه لا مهر للمخيَّرة، قال مهنَّى: سألت أحمد عن رجل تزوَّج امرأة، ثمَّ طلبت منه الخيار، فاختارت نفسها، ولم يكن دخل بها، لها عليه نصف الصَّداق؟ قال: في قلبي منها شيء، ثمَّ قال: لا ينبغي أن يكون لها شيء، قلت: إنِّي سألت غير واحد، فقال: يكون لها عليه نصف الصَّداق، فقال لي: فإن أسلمت امرأة مجوسيَّة وأبى زوجها يسلم؛ يكون لها عليه صداقها؟ قال لي: هذا يدخل عليهم، انتهى.
ومنها: خُلعه، ونصَّ أحمد في رواية مهنَّى: أنَّه يوجب نصف المهر، وعلَّله القاضي: بأنَّ الخلع يستقلُّ به الزَّوج؛ لأنَّه يصحُّ مع الأجنبيِّ بدون رضا المرأة؛ فلذلك نسب إليه.
وفيه وجه آخر: أنَّه يسقط به المهر.
فمن الأصحاب من خرَّجه على أنَّه فسخ؛ فيكون كسائر الفسوخ من الزَّوج.
стр. 1163
ومنهم من جعله ممَّا يشترك فيه الزَّوجان؛ لأنَّه إنَّما يكون بسؤال المرأة (١)؛ فتكون الفرقة فيه من قبلها، ولذلك يسقط إرثها بالخلع في المرض.
وهذا على قولنا: لا يصحُّ مع الأجنبيِّ إذا قلنا: هو فسخ (٢) أظهر، فأمَّا إن وقع مع الأجنبيِّ وصحَّحناه؛ فينبغي أن يتنصَّف به المهر وجهاً واحداً.
ومنها: إسلامه والزَّوجة غير كتابيَّة في إحدى الرِّوايتين.
وفي الأخرى: يسقط المهر؛ لأنَّه فعل الواجب عليه، وإنَّما وقعت الفرقة بامتناعها من الإسلام؛ فلا يكون لها مهر.
ومنها: ردَّته عن الإسلام.
ومنها: إقراره بالنَّسب أو بالرَّضاع أو غير ذلك من المفسدات؛ فتقبل منه في انفساخ النِّكاح، دون سقوط النِّصف.
ومنها: أن يطأ أمَّ زوجته أو ابنتها بشبهة أو زنًى؛ فينفسخ نكاح البنت، ويجب لها نصف الصَّداق، نصَّ عليه في رواية ابن هانئ (٣).
ويستثنى من هذا القسم: الفسوخ الَّتي تملَّكها الزَّوج لضرر يلحقه؛
стр. 1164
إمَّا لظهور عيب في الزَّوجة، أو فوات شرط، فيسقط بها المهر؛ لأنَّ حكم الفسوخ في العقود لعيب ظهر في المعقود عليه ترادُّ العوضين من الجانبين، وقد وُجد ذلك قبل تمكُّنه من قبض المعقود عليه واستيفائه، وإنَّما استحقَّت نصف المهر في الطَّلاق وما كان في معناه؛ جبراً لها، حيث لم يكن له موجِب من جهتها، وهنا قد وجد سبب من جهتها؛ فصار كالمنسوب إليها.
القسم الثَّاني: ما استقلَّ به الأجنبيُّ وحده.
ومن صور ذلك: أن تُرضع زوجتُه الكبرى زوجتَه الصُّغرى.
ومنها: أن يُكرِه الرَّجل (١) زوجة أبيه أو ابنه على الوطء قبل الدُّخول.
القسم الثَّالث: ما استقلَّت به الزَّوجة وحدها، وله صور:
منها: ردَّتها.
ومنها: إسلامها (٢).
وفيه رواية أخرى: أنَّ لها نصف المهر؛ لأنَّها فعلت الواجب عليها؛ فنسب الفسخ إلى امتناع الزَّوج من الإسلام (٣).
стр. 1165
ومنها: إرضاعها من تثبت به المحرميَّة بينها وبين الزَّوج، وكذلك ارتضاعها بنفسها وهي صغيرة.
ومنها: فسخها النِّكاح لعيب الزَّوج، قال الأصحاب: هو منسوب إليها؛ فيسقط به مهرها، بخلاف فسخ الزَّوج لعيبها؛ فإنَّه منسوب إليها لا إليه؛ فسقط المهر أيضاً لذلك.
وفرَّقوا بينهما: بأنَّ فسخه لعيبها ردٌّ للمعقود عليه بعيب؛ فلا ينسب إلَّا إلى من دلَّس العيب، بخلاف فسخها لعيبه؛ فإنَّ العيب ليس في المعقود عليه، بل في غيره؛ فقد امتنعت من تسليم المعقود عليه مع سلامة العوضين لضرر دخيل؛ فلذلك نسب الفعل إليها، وهذا يرجع إلى أنَّ الزَّوج غير معقود عليه في النِّكاح، وفيه خلاف سبق ذكره.
والأظهر في الفرق أن يقال: الفسوخ الشَّرعيَّة الَّتي يملكها كلٌّ من الزَّوجين على الآخر إنَّما شرعت لإزالة ضرر حاصل، فإذا وقعت قبل الدُّخول؛ فقد رجع كلٌّ من الزَّوجين إلى ما بذله سليماً كما خرج منه؛ فلا حقَّ له في غيره، بخلاف الطَّلاق وما في معناه من موجِبات الفرقة بغير ضرر ظاهر؛ فإنَّه يحصل بها للمرأة انكسار وضرر؛ فجبره الشَّارع بإعطائها نصف المهر عند تسمية المهر، وبالمتعة عند فقد التَّسمية، والله أعلم.
ونقل مهنَّى عن أحمد في مجبوب تزوَّج امرأة، فلمَّا دخل عليها لم ترض به؛ لها ذلك، وعليه نصف الصَّداق إذا لم ترض به.
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: هذا يدلُّ على أنَّ المرأة إذا فسخت قبل
стр. 1166
الدُّخول، فلها نصف الصَّداق؛ لأنَّ سبب الفسخ وهو العيب من جهته، وهي معذورة في الفسخ (١).
وأمَّا القاضي؛ فقال: قد وجد الدُّخول، وإنَّما (٢) لم تقرِّر المهر كلَّه؛ للمانع القائم به.
ومنها: فسخها النِّكاح لإعسار الزَّوج بالمهر أو النَّفقة أو غير ذلك؛ كالفسخ لفوات شرط صحيح، قال القاضي والأكثرون: هو منسوب إليها؛ فيسقط به مهرها؛ كما في الفسخ لعيب (٣) الزَّوج.
وقال أبو بكر في «التَّنبيه»: فسخها لفوات الشَّرط يجب لها به نصف المهر؛ لأنَّ فوات الشَّرط من قبل الزَّوج، فنسب الفسخ به إليه دونها.
وقياسه: الفسخ لمنع النَّفقة ونحوه ممَّا هو من فعل الزَّوج وهو قادر على إزالته.
فأمَّا (٤) الفسخ لعسرته؛ فهو كالفسخ لعيبه على ما تقدَّم.
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين (ويلزم من قال: إنَّ خروج البُضع متقوَّم بمهر المثل، وإنَّ الفرقة من جهتها كإتلاف البائع للمبيع قبل القبض؛ أن
стр. 1167
يخيَّر الزَّوج بين (١) مطالبتها بمهر المثل وضمان المسمَّى لها، وبين إسقاط المسمَّى) (٢).
ومنها: فسخ المعتَقة تحت عبد قبل الدُّخول، وفيه روايتان:
إحداهما: لا مهر لها، اختارها الخرقيُّ وغيره؛ لاستقلالها بالفسخ؛ كالحرَّة.
والثَّانية: يتنصَّف المهر، نقلها مهنَّى، واختارها أبو بكر؛ لأنَّ السَّيِّد هو مستحقُّ المهر؛ فلا يسقط بفسخ غيره.
ويجاب عنه: بأن (٣) إعتاق السَّيِّد تسبَّب في الفسخ؛ فسقط حقُّه لتسبُّبه في سقوطه، وإن باشره غيره؛ كمن قال لغيره: ألقِ متاعي في البحر، ففعل.
القسم الرَّابع: ما اشترك فيه الزَّوجان، وله صور:
منها: لِعانهما؛ فذكر أبو بكر: أنَّ فرقة اللِّعان جاءت من جهة الزَّوجة؛ لأنَّ الفرقة إنَّما تقع بلعانها.
وقال القاضي: يُخرَّج على روايتين، أصلهما: إذا لاعنها في مرض موته؛ فهل ترثه؟ على روايتين.
ومنها: تخالُعُهما، وقد سبق أنَّ المنصوص عن أحمد: أنَّ لها نصف الصَّداق، وهو قول القاضي وأصحابه.
стр. 1168
وإنَّ لنا وجهاً آخر: أنَّه يسقط المهر إذا قلنا: هو فسخ؛ فإنه يكون منسوباً إليهما، فيكون كالتَّلاعن، بخلاف ما إذا قلنا: إنَّه طلاق؛ فإنَّ (١) الطَّلاق يستقلُّ به الزَّوج؛ فهو كما لو قال لها ابتداء: أنت طالق بألف، فقبلته.
ويتخرَّج لنا وجه آخر: أنَّه يسقط به المهر - وإن قلنا: هو طلاق -؛ بناء على أنَّه جاء من قِبَلِها بسؤالها، ولهذا كان لنا فيمن خالعت زوجها في مرضه؛ هل ترثه؟ روايتان، وجزم ابن أبي موسى: بأنَّها لا ترثه؛ لأنَّ الفرقة جاءت من قِبَلِها، فلا يكون لها شيء من الصَّداق حينئذ.
يؤيِّد هذا: أنَّ الخلع يُسقِط حقوق الزَّوجيَّة كلَّها في إحدى الرِّوايتين عن أحمد، ونصف المهر من الحقوق؛ فيسقط على هذه الرِّواية.
القسم الخامس: ما كان من جهة الزَّوجة مع أجنبيٍّ، وله صور:
منها: شراؤها للزَّوج، وفيه وجهان:
أشهرهما -وهو اختيار أبي بكر والقاضي وأصحابه-: أنَّه يتنصَّف بها المهر؛ تغليباً لجهة الأجنبيِّ هنا، وهو البائع؛ إذ هو أصل العقد، ومنه نشأ، وعنه تُلُقِّي.
والثَّاني: يسقط المهر؛ تغليباً لجهة الزَّوجة؛ إذ الانفساخ متعقِّب لقبولها.
فأمّا شراء الزَّوج لزوجته، فهل يتنصَّف به المهر أو يسقط؟ على وجهين أيضاً، واختيار أبي بكر: أنَّه يسقط؛ تغليباً لجهة البائع هنا
стр. 1169
أيضاً، وهو سيِّد الأمة المستحقُّ لمهرها؛ فهو كمجيء الفسخ من الحرَّة المستحقَّة للمهر.
وهذا يتَّجه على ما اختاره في فسخ المعتَقة تحت عبد.
فعلى هذا؛ لو باعها السَّيِّد الَّذي زوَّجها لأجنبيٍّ، ثمَّ باعها الأجنبيُّ للزَّوج قبل الدُّخول؛ لم يسقط المهر؛ لأنَّ الفرقة جاءت من البائع الثَّاني، وهو غير مستحقٍّ المهر، هذا ظاهر كلام صاحب «المحرَّر».
وعلَّل صاحب «الكافي» سقوط المهر: بأنَّ الزَّوجة شاركت في الفسخ، فسقط مهرها؛ كالفسخ بعيب.
ومعنى هذا: أنَّ كونها أمةً صفةٌ لها ثابتة بعد ملك الزَّوج، وذلك يوجب الفسخ؛ فأسند إليه وإن لم يكن باختيارها؛ كما أسند فسخها لعيب الزَّوج إليه وإن لم يكن باختياره.
وعلى هذا؛ فلا فرق بين شرائها من مستحِقِّ مهرها وغيره، وهو مقتضى إطلاق الأكثرين.
ومنها: إذا مكَّنت الزَّوجة من نفسها من ينفسخ النِّكاح بوطئه؛ كأبي الزَّوج أو ابنه؛ فقال القاضي ومن تبعه: يسقط مهرها؛ إسناداً للفسخ إليها.
وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: يتخرَّج على وجهين؛ لأنَّ الفرقة منها ومن أجنبيٍّ.
стр. 1170
وبقي ههنا قسم سادس: وهو الفرقة الإجباريَّة (١)، ولها صور:
منها: أن يسلم كافر وتحته عدد لا يجوز له جمعه في الإسلام؛ فينفسخ (٢) نكاح العدد الزَّائد؛ فلا يجب لهنَّ شيء من المهر، ذكره القاضي في «الجامع» و «الخلاف»؛ معلِّلاً: بأنَّه ممنوع من إمساكهنَّ؛ فهو كالنِّكاح الفاسد، وجزم به صاحب (٣) «المغني» و «المحرَّر».
ويتخرَّج لنا وجه آخر: أنَّه يجب نصف المهر من المسألة الَّتي بعدها.
وأمَّا الطَّلاق في النِّكاح الفاسد، فقد (٤) ذكر ابن عقيل وجهاً: أنَّ المهر يتنصَّف به قبل الدُّخول.
وعلى المشهور: فإنِّما سقط؛ لأنَّ المهر يجب في النِّكاح الفاسد بالإصابة لا بالعقد، بخلاف الصَّحيح.
ومنها: إذا تزوَّج أختين في عقدين، وأشكل السَّابق، وأمرناه بالطَّلاق، فطلَّقهما؛ فقال أبو بكر: يتوجَّه في المهر قولان:
أحدهما: يجب نصف المهر، ثمَّ يقترعان عليه؛ فمن وقعت عليها القرعة؛ حكم لها به؛ لأنَّه واجب لإحداهما في نفس الأمر، فتعيَّن بالقرعة.
стр. 1171
والثَّاني: لا يجب شيء؛ لأنَّه مكره على الطَّلاق، فكأنَّ الفسخ جاء من جهة المرأة، فلا تستحقُّ شيئاً.
والمنقول عن أحمد في هذه المسألة ما نقله عنه مهنَّى أنَّه قال: (يفرَّق بينهما، وقد قيل: يكون نصف المهر لهما جميعاً، وما أخلقه أن يكون كذلك (١)! ولكن لم أسمع فيه شيئاً) (٢).
وهذا يدلُّ على أنَّهما يقتسمان نصف المهر، لا يقترعان عليه.
ولو زوَّج الوليَّان امرأة من زوجين (٣)، وجهل السَّابق منهما، وأمرناهما بالطَّلاق؛ فهل يجب لها نصف المهر على أحدهما ويعيَّن بالقرعة، أم لا يجب لها شيء؟ على وجهين.
وحُكي عن أبي بكر أنَّه اختار: أنَّه لا شيء لها، وبه أفتى أبو عليٍّ النَّجاد (٤).
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (ويتخرَّج على هذا الخلاف: ما إذا ورثت المرأة زوجها؛ فإنَّ الفرقة ههنا بفعل الله ؛ فهو كاشتباه الزَّوج).
стр. 1172
قاعدة [١٥٧]
إذا تغيَّر حال المعتدَّة بانتقالها من رقٍّ إلى حريَّة، أو طرأ عليها سبب موجِب لعدَّة أخرى من الزَّوج؛ كوفاته؛ فهل يلزمها الانتقال إلى عدَّة الوفاة ، أو إلى عدَّة حرَّة؟
إن كان زوجها متمكِّناً من (١) تلافي نكاحها في العدَّة؛ لزمها الانتقال، وإلَّا فلا، إلَّا ما يستثنى من ذلك من الإبانة في المرض.
ويتخرَّج على هذا مسائل:
منها: الرَّجعيَّة إذا أُعتقت (٢)، أو توفِّي زوجها؛ انتقلت إلى عدَّة حرَّة، وعدَّة وفاة.
ومنها: إذا كان تحت عبد مُشرِك إماءٌ، فأسلمنَ وأُعتقن؛ فإنَّ عدَّتهنَّ عدَّة حرائر؛ لأنَّه عتقٌ في عدَّة يتمكَّن الزَّوج فيها من الاستدراك بالإسلام؛ فهي في معنى عدَّة الرَّجعيَّة، بخلاف ما لو أسلم العبد، ثمَّ عَتَق الإماءُ وهنَّ على الشِّرك؛ فإنَّ عدَّتهنَّ عدَّة إماء؛ لأنَّ الزَّوج لا يمكنه تلافي نكاحهنَّ.
ومنها: المرتدُّ إذا قُتل في عدَّة امرأته؛ فإنَّها تستأنف عدَّة الوفاة،
стр. 1173
نصَّ عليه في رواية ابن منصور (١)؛ لأنَّه كان يمكنه تلافي النِّكاح بالإسلام؛ بناء على أنَّ الفسخ يقف على انقضاء العدَّة.
ومنها: لو أسلمت امرأة كافر، ثمَّ مات قبل انقضاء العدَّة؛ فإنَّها تنتقل إلى عدَّة الوفاة في قياس الَّتي قبلها، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين.
стр. 1174
قاعدة [١٥٨]
إذا تعارض معنا أصلان؛ عمل بالأرجح منهما؛ لاعتضاده بما يرجِّحه .
فإن تساويا؛ خُرِّج في المسألة وجهان غالباً.
ومن صور ذلك: ما إذا وقع في الماء نجاسة، وشكَّ في بلوغه قُلَّتين؛ فهل يحكم بنجاسته أو طهارته (١)؟ على وجهين:
أحدهما: يحكم بنجاسته، وهو المرجَّح عند صاحبي «المغني» و «المحرَّر»؛ لأنَّ الأصل عدم بلوغه قلَّتين.
والثَّاني: هو طاهر، وهو أظهر؛ لأنَّ الأصل في الماء الطَّهارة، وأمَّا أنَّ أصله القُلَّة؛ فقد لا يكون كذلك، كما إذا كان كثيراً ثمَّ نقص وشكَّ في قدر الباقي منه.
ويعضد هذا: أنَّ الأصل وجوب الطَّهارة بالماء؛ فلا يعدل إلى التَّيمُّم إلَّا بعد تيقن عدمه.
وأيضاً؛ فللأصحاب خلاف في الماء الَّذي وقعت فيه النَّجاسة؛ هل الأصل فيه أن ينجس إلَّا أن يبلغ حدَّ الكثرة فلا ينجس لمشقَّة حفظ الكثير من النَّجاسة، أم الأصل فيه الطَّهارة إلَّا أن يكون يسيراً فينجس؛
стр. 1175
لأنَّ اليسير لا يكاد يحيل (١) النَّجاسة غالبًا؟
فعلى الأوَّل؛ يجب الحكم بنجاسة هذا الماء.
وعلى الثَّاني؛ يحكم بطهارته.
وعلى هذين المأخذين يتخرَّج الخلاف في إثبات نصف القِربة الَّذي روي الشَّكُّ فيه في ضبط القلَّتين وإسقاطه (٢).
وينبني على ذلك: أنَّ القلَّتين؛ هل هما خمس قَرِبٍ أو أربع قرب (٣)؟ والله أعلم.
ومنها: ما (٤) إذا وقع في الماء اليسير روثة، وشكَّ: هل هي من مأكول أو غيره؟ أو مات فيه حيوان، وشكَّ: هل هو ذو نفس سائلة أم لا؟ وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّه نجس؛ لأنَّ الأصل في الأرواث والميتات النَّجاسة، وحيث قضي بطهارة شيء منهما؛ فرخصة على خلاف الأصل، ولم يتحقَّق وجود المرخِّص ههنا؛ فبقيتا (٥) على الأصل.
стр. 1176
والثَّاني: أنَّه طاهر، وهو المرجَّح عند الأكثرين؛ لأنَّ الأصل في الماء الطَّهارة؛ فلا يُزال عنها بالشَّكِّ.
وقد منع بعضهم أنَّ الأصل في الأرواث النَّجاسة (١).
ونصَّ أحمد في رواية محمَّد بن أبي حرب في رجل وطئ على روث لا يدري لحمار أو برذون؛ فرخَّص فيه إذا لم يعرفه (٢).
ومنها: إذا قعد الذُّباب على نجاسة رطبة، ثمَّ سقط بالقرب على ثوب، وشكَّ في جفاف النَّجاسة؛ ففيه وجهان:
أحدهما: أنَّه ينجس؛ لأنَّ الأصل بقاء الرُّطوبة، ونقله أبو بكر عن أحمد.
والثَّاني: لا ينجس؛ لأنَّ الأصل طهارة الثَّوب.
ومنها: إذا أدرك الإمامَ في الرُّكوع، فكبَّر وركع معه، وشكَّ: هل رفع إمامه قبل ركوعه أو بعده؟
فالمذهب: أنَّه لا يعتدُّ له بتلك الرَّكعة؛ لأنَّ الأصل عدم الإدراك، وهو منقول عن ابن عمر ﵄ (٣).
стр. 1177
وقال صاحب «التَّلخيص»: يحتمل وجهين: أحدهما أنَّه يعتدُّ له بها؛ لأنَّ الأصل بقاء الإمام في الرُّكوع.
ومنها: إذا شكَّ: هل ترك واجباً في الصَّلاة؛ فهل يلزمه السُّجود؟ على وجهين:
أحدهما: يلزمه، لأنَّ الأصل عدم الإتيان به.
والثَّاني: لا؛ لأنَّ الأصل عدم لزوم السُّجود.
ومنها: إذا كان ماله غائباً، فإن كان منقطعاً خبره؛ لم يجب إخراج زكاته، وإن لم يكن خبره منقطعاً؛ كالمودَع ونحوه؛ ففي وجوب إخراج زكاته قبل قبضه وجهان.
والمنصوص عن أحمد في رواية مهنَّى: أنَّه لا يجب، وعلَّل: بأنَّه لا ندري لعلَّ المال ذهب.
وبنى بعض الأصحاب هذا الخلاف على الخلاف في محلِّ الزَّكاة، فإن قلنا: العين؛ لم يجب الإخراج حتَّى يقبضها ويتمكَّن من الإخراج منها.
وإن قلنا: الذِّمَّة؛ وجب الإخراج من غيرها.
ويتوجَّه عندي: أن يتخرَّج في وجوب الزَّكاة في المال المنقطِع خبرُه وجهان؛ بناء على محلِّ التَّعلُّق، فإن قلنا: هو العين؛ وجب؛ لأنَّ الأصل بقاؤها، لكن لا يلزم إخراج الزَّكاة حتَّى يقبض؛ كالدَّين، وإن
стр. 1178
قلنا: هو الذِّمَّة؛ لم يجب؛ لأنَّ الأصل براءة الذِّمَّة، وقد شكَّ في اشتغالها، وأمَّا إن قلنا: لا تجب الزَّكاة في المال الضَّالِّ والمغصوب؛ فهذا مثله.
ومنها: العبد الآبق المنقطع خبره؛ هل تجب فطرته أم لا؟
المنصوص عن أحمد في رواية صالح: أنَّه لا يجب؛ لأنَّ الأصل براءة الذِّمَّة والفطرة في الذِّمَّة.
ويتخرَّج لنا وجه آخر: أنَّه تجب فطرته (١)؛ بناء على جواز عتقه؛ لأنَّ الأصل بقاؤه.
ومنها: جواز عتقه في الكفَّارة، والمشهور: عدمه، وذكر أبو الخطَّاب احتمالاً بالإجزاء؛ لأنَّ الأصل بقاؤه.
وذكر ابن أبي موسى في «شرح الخرقيِّ» في المسألة وجهين عن الأصحاب، وصحَّح عدم الإجزاء؛ لأنَّ الأصل بقاء الكفَّارة في الذِّمَّة، وقد عضده الظَّاهر الدَّالُّ على هلاك العبد من انقطاع خبره؛ فرجَّح هذا الأصل باعتضاده بهذا الظَّاهر.
وأيضاً؛ فالكفَّارة ثابتة في الذِّمَّة، وقد شكَّ في وقوع العتق عنها؛ فلا يسقط بمجرَّد ذلك.
ومنها: إذا ظهر بالمبيع عيب، واختلفا؛ هل حدث عند المشتري أو عند البائع؟ ففيه روايتان:
إحداهما: القول قول البائع؛ لأنَّ الأصل سلامة المبيع، ولزوم
стр. 1179
البيع بالتَّفرُّق.
والثَّانية: القول قول المشتري؛ لأنَّ الأصل عدم القبض المُبْرِئ.
وأطلق أكثر الأصحاب هذا الخلاف.
وفرَّق بعضهم بين أن يكون البيع عيناً معيَّنة، أو في الذِّمَّة، فإن كان في الذِّمَّة؛ فالقول قول القابض وجهاً واحداً؛ لأنَّ الأصل اشتغال ذمَّة البائع (١)، ولم تثبت براءتها.
ومنها: من لزمه ضمان قيمة عين، فوصفها بعيب ينقُصُ القيمةَ، وأنكر المستحِقُّ، فهل يقبل قوله في دعوى العيب؛ لأنه غارم والأصل براءة ذمَّته، أو قول خصمه في إنكار العيب؛ لأنَّ الأصل عدمه؟ على وجهين.
ومنها: إذا آجَرَه عبداً وسلَّمه إليه، ثمَّ ادَّعى المستأجر أنَّ العبد أَبَق من يده، وأنكر المؤْجِر؛ ففيه روايتان:
إحداهما: القول قول المؤْجِر، نقلها حنبل؛ لأنَّ الأصل عدم الإباق، وأنَّ المؤْجِرَ ملك الأجرة كلَّها بالعقد.
والثَّانية: القول قول المستأجر، نقلها ابن منصور (٢)؛ لأنَّ الأصل عدم تسليمه (٣) المنفعة المعقود عليها.
ولو ادَّعى أنَّ العبد مرض؛ فالقول قول المؤْجِر، نصَّ عليه في رواية
стр. 1180
ابن منصور (١)، مفرِّقاً بينه وبين الإباق؛ لأنَّ المرض يمكن إقامة البيَّنة عليه، بخلاف الإباق.
ومنها: إذا ضُرب للعنين الأجل، واختلفا في الإصابة، والمرأة ثيِّب؛ فهل القول قول الزَّوجة؛ لأنَّ الأصل عدم الوطء، أو القول (٢) قول الزَّوج؛ لأنَّ الأصل عدم ثبوت الفسخ؟ على روايتين.
وعنه رواية ثالثة: أنَّه يخلَّى معها، ويؤمر بإخراج مائه، وهذا يرجع إلى ترجيح الظَّاهر على الأصل.
ومنها: إذا أسلم الزَّوجان بعد الدُّخول، فقال الزَّوج: أسلمتِ في عدَّتِكِ؛ فالنِّكاح باقٍ، وقالت: بل أسلمتُ بعد انقضاء عدَّتي؛ فوجهان (٣):
أحدهما: القول قوله؛ لأنَّ الأصل بقاء النِّكاح.
والثَّاني: أنَّ القول قولها؛ لأنَّ الأصل عدم إسلامه في العدَّة.
ومنها: إذا قال: أسلمتُ قَبْلَكِ؛ فلا نفقة لك، وقالت: بل أسلمتُ قَبْلَكَ؛ فلي النَّفقة؛ وفيه وجهان أيضاً:
أحدهما: القول قولها؛ لأنَّ الأصل وجوب النَّفقة.
والثَّاني: القول قوله؛ لأنَّ النَّفقة إنَّما تجب بالتَّمكين من الاستمتاع (٤)، والأصل عدم وجوده، كذا ذكر صاحب «الكافي».
стр. 1181
وعلَّل القاضي: بأنَّ النَّفقة تجب يوماً فيوماً؛ فالأصل (١) عدم وجوبها.
وينتقض التَّعليلان بالاختلاف في النُّشوز.
ومنها: إذا علَّق الطَّلاق على عدم شيء، وشكَّ في وجوده؛ فهل يقع الطَّلاق؟ على وجهين:
أصحُّهما: أنَّه لا يقع، وهو المذهب عند صاحب «المحرَّر»؛ لأنَّ الأصل بقاء النِّكاح، وعدم وقوع الطَّلاق.
والثَّاني: يقع، ونقل مهنَّى عن أحمد ما يدلُّ عليه فيمن حلف ليأكلنَّ (٢) تمرة، فاختلطت في تمر كثير: (إن لم يأكله كلَّه حنِث)، وبذلك جزم ابن أبي موسى والشِّيرازيُّ والسَّامريُّ، ورجَّحه ابن عقيل في «فنونه» (٣)؛ لأنَّ الأصل وجود شرط الطَّلاق، وهو العدم المعلَّق عليه.
وذكر القاضي (٤) في «الجامع الكبير» ما يدلُّ على أنَّه إن وجد ما يدلُّ على انتفائه ظاهراً؛ وقع الطَّلاق، وإن وجد ما يدلُّ على وجوده ظاهراً؛ فوجهان (٥)؛ لأنَّ الأصل وجود شرط الطَّلاق، وهو العدم المعلَّق عليه.
стр. 1182
وهذا الخلاف إنَّما هو فيما إذا استمرَّ الشَّكُّ، ولم يوجد ما يدلُّ على بقاء العدم ولا على انتفائه؛ فإن وجد ما يدلُّ على بقائه يقيناً؛ وقع الطَّلاق بغير خلاف.
وإن وجد ما يدلُّ على بقائه ظاهراً، وكان حجَّة شرعيَّة يجب قبولها؛ فكذلك.
وإن كان أمارة محضة؛ وقع أيضاً على المشهور.
وإن وجد ما يدلُّ على انتفاء العدم يقيناً؛ لم يقع الطَّلاق بغير خلاف.
وإن وجد ما يدلُّ على انتفائه ظاهراً؛ فوجهان على قولنا: بوقوع الطَّلاق مع استمرار الشَّكِّ المساوي.
ومنها: لو قَتَل من لا يعرف، ثمَّ ادَّعى رقَّه أو كفره، وأنكر الوليُّ ذلك؛ فهل يقبل قوله؛ لأنَّ الأصل عصمة دمه، أو قول الوليِّ؛ لأنَّ الأصل في القتل إيجاب القصاص إلَّا أن يمنع مانع، ولم يتحقَّق وجود المانع؟ على وجهين، أشهرهما الثَّاني.
وحُكي الأوَّل عن أبي بكر.
وكذا الخلاف فيما إذا جنى على عضو، ثمَّ ادَّعى شلله، وأنكر المجنيُّ عليه.
لكن المحكي عن أبي بكر ههنا: أنَّ القول قول المنكر.
وكذلك الوجهان إذا قدَّ ملفوفاً نصفين، ثمَّ ادَّعى أنَّه كان ميِّتاً، وأنكر الوليُّ؛ لأنَّ الأصل عصمة الدَّم، والأصل حياة المقدود.
стр. 1183
وكذا الوجهان لو جنى على بطن حامل، فألقت ولداً لوقت يعيش المولود في مثله، واختلفا في حياته عند الوضع لتعارض أصل الحياة وبراءة الذِّمَّة.
وكذا الوجهان لو زاد في القصاص من الجراح، وقال: إنَّما حصلت الزِّيادة باضطراب المقتصِّ منه، وأنكر ذلك؛ لأنَّ الأصل عدم الاضطراب ووجوب الضَّمان، والأصل براءة ذمَّته، وما يدَّعيه محتمل.
ومنها: لو شهدت بيِّنة بالنِّكاح، وقد ثبت الطَّلاق؛ فهل يجب به جميع المهر، أم نصفه فقط؟ على وجهين:
أحدهما: يجب المهر كلُّه؛ لأنَّه وجب بالعقد، ولم يثبت له مسقط ولا لبعضه، وهو مقتضى قول أبي الخطَّاب وصاحب «المحرَّر».
والثَّاني: يجب نصف المهر فقط؛ لأنَّ النِّصف الآخر لا يستقرُّ إلَّا بالدُّخول، ولم يتحقَّق، والأصل عدمه، وهو قول القاضي.
وقال صاحب «المغني»: إن أنكر الزَّوج الدُّخول؛ فالقول قوله في تنصُّف المهر، وإلَّا فالقول قولها في وجوبه كلِّه.
ومنها: إذا رمى صيداً فجرحه، ثمَّ غاب عنه ووجده ميِّتاً ولا أثر به غير سهمه، أو جرحه جرحاً موحياً، ثمَّ سقط في ماء ونحوه؛ فهل يباح؟ على روايتين؛ لأنَّ الأصل عدم مشاركة سبب آخر في قتله، والأصل تحريم الحيوان حتَّى يتيقَّن سبب إباحته، لكنَّ الأصل الأوَّل معتضد بأنَّ الظَّاهر موته بهذا السَّبب دون غيره.
стр. 1184
ومنها: إذا جاء بعض العسكر بمشرك، فادَّعى المشرك أنَّ المسلم أمَّنه، وأنكر؛ ففيه روايتان:
إحداهما: القول قول المسلم في إنكار الأمان؛ لأنَّ الأصل عدم الأمان.
والثَّانية: القول قول المشرك؛ لأنَّ الأصل في الدِّماء الحظر إلَّا بيقين الإباحة، وقد وقع الشَّكُّ هنا فيها.
وفيه رواية ثالثة: أنَّ القول قول من يدلُّ الحال على صدقه منهما؛ ترجيحاً لأحد الأصلين بالظَّاهر الموافق له.
وقريبٌ من هذه المسألة: إذا دخل حربيٌّ دار الإسلام، وادَّعى أنَّ بعض المسلمين عقد له أماناً؛ هل يقبل قوله؟ على وجهين ذكرهما صاحب «المغني».
ونصَّ أحمد: (أنَّه إذا ادَّعى أنَّه جاء مستأمناً، فإن كان معه سلاح؛ لم يقبل منه، وإلَّا قُبل) (١)، فيُخرَّج ههنا مثله.
стр. 1185
قاعدة [١٥٩]
إذا (١) تعارض الأصل والظَّاهر:
فإن كان الظَّاهر حجَّة يجب قبولها شرعاً؛ كالشَّهادة والرِّواية والإخبار؛ فهو مقدَّم على الأصل بغير خلاف.
وإن لم يكن كذلك، بل كان مستندُه العرفَ، أو (٢) العادةَ الغالبةَ، أو القرائنَ، أو غلبةَ الظَّنِّ، ونحوَ ذلك:
فتارة يعمل بالأصل، ولا يلتفت إلى هذا الظَّاهر.
وتارة يعمل بالظَّاهر، ولا يلتفت إلى الأصل.
وتارة يخرَّج في المسألة خلاف.
فهذه أربعة أقسام:
القسم الأوَّل: ما ترك فيه العمل بالأصل للحجَّة الشَّرعيَّة، وهي قول من يجب العمل بقوله، وله صور كثيرة جدًّا:
منها: شهادة عدلين بشغل ذمَّة المدَّعى عليه.
ومنها: شهادة عدلين ببراءة ذمَّة من علم اشتغال ذمَّته بدَيْن ونحوه.
стр. 1186
ومنها: إخبار الثِّقة العدل بأنَّ كلباً ولغ في هذا الإناء.
ومنها: إخباره بدخول وقت الصَّلاة.
ومنها: شهادة الواحد العدل برؤية هلال رمضان؛ فإنَّه مقبول على ظاهر المذهب.
وفيه رواية أخرى: أنَّه (١) لا بدَّ من شهادة عدلين؛ كسائر الشُّهود.
وفرَّق أبو بكر بين أن يراه في المصر؛ فلا يقبلُ، وبين أن يراه خارجاً من المصر ثمَّ يَقدَمَ إلى المصر؛ فيقبل خبره.
ومنها: إخبار الثِّقة بطلوع الفجر في رمضان؛ فإنَّه يحرِّم الطَّعام والشَّراب والجماع.
ومنها: إخباره بغروب الشَّمس في رمضان؛ فإنَّه يبيح الفطر، صرَّح به الأصحاب، ولم يجعلوه كالشَّهادة على هلال شوَّال، والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أنَّ وقت الفطر ملازم لوقت صلاة المغرب، فإذا ثبت دخول وقت (٢) الصَّلاة بإخبار الثِّقة؛ ثبت دخول وقت الإفطار تبعاً له، وقد يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، بخلاف الشَّهادة بهلال شوَّال.
والثَّاني: أنَّ إخبار الثِّقة تقارنه (٣) أمارات تشهد بصدقه؛ لأنَّ وقت الغروب يتميِّز (٤) بنفسه، وعليه أمارات تورث غلبة ظنٍّ، فإذا انضمَّ إليها
стр. 1187
إخبار الثِّقة؛ قوي الظَّنُّ، وربَّما أفاد العلم، بخلاف هلال الفطر؛ فإنَّه لا أمارة عليه.
وفي «صحيح ابن حبَّان» من حديث سهل بن سعد، قال: كان النَّبيُّ ﷺ إذا كان صائماً؛ أمر رجلاً فأوفى على شيء، فإذا قال: قد غابت الشَّمس؛ أفطر (١).
وصحَّ عن ابن عبَّاس: أنَّه كان يضع طعامه عند الفطر في رمضان، ويبعث مرتئياً يرقب الشَّمس، فإذا قال: وجبت؛ قال: كلوا (٢).
ومن ذلك: قبول قول الأمناء ونحوهم ممَّن يقبل قوله في تلف ما اؤتمن عليه من مال أو غيره.
ومنه أيضاً: قبول قول المعتدَّة في انقضاء عدَّتها بالأقراء، ولو في شهر في أحد الوجهين.
والمنصوص: أنَّه لا يقبل إلَّا بالبيِّنة في الشَّهر.
وفرَّق صاحب «التَّرغيب» بين من لها عادة منتظمة؛ فلا تقبل مخالفتها إلَّا ببيِّنة، بخلاف من لا عادة لها.
وفي «الفنون» لابن عقيل: لا تقبل مع فساد النِّساء إلَّا ببيِّنة تشهد أنَّ هذه عادتها، أو أنَّها رأت الحيض على هذا المقدار، وتكرَّر ثلاثاً.
القسم الثَّاني: ما عمل فيه بالأصل، ولم يلتفت إلى القرائن الظَّاهرة ونحوها.
стр. 1188
وله صور كثيرة:
منها: إذا ادَّعت الزَّوجة بعد طول مقامها مع الزَّوج: أنَّه لم يوصلها النَّفقة الواجبة ولا الكسوة؛ فقال الأصحاب: القول قولها مع يمينها، لأنَّ الأصل معها، مع أنَّ العادة تُبعد ذلك جدًّا.
واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: الرُّجوع إلى العادة هنا، وخرَّجه وجهاً من المسائل المختلف فيها كما سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، قال: (فإذا (١) وجد معها نظير الصَّداق أو الكسوة، ولم يُعلَم لها سببٌ تَملِكُ ذلك به من غير الزَّوج؛ فينبغي أن يخرَّج على وجهين، كما إذا أصدقها تعليم سورة، ثمَّ وجدت متعلِّمة لها بعد مدَّة، وقالت: لم يعلِّمني الزَّوج، وادَّعى هو أنَّه علَّمها؛ فإنَّ في المسألة وجهين) (٢).
ومنها: إذا تيقَّن الطَّهارة أو النَّجاسة في ماء، أو ثوب، أو أرض، أو بدن، وشكَّ في زوالها، فإنَّه يبني على الأصل إلى أن يتيقَّن زواله، ولا يكتفي في ذلك بغلبة ظنٍّ ولا غيره.
وكذلك لو تيقَّن حدثاً أو نجاسة، وغلب على ظنِّه زوالهما؛ فإنَّه يبني على الأصل.
وكذلك في النِّكاح والطَّلاق وغيرهما.
ومنها: إذا شكَّ في طلوع الفجر في رمضان؛ فإنَّه يباح له الأكل حتَّى يتيقن طلوعه، نصَّ عليه أحمد (٣)، ولا عبرة في ذلك بغلبة الظَّنِّ
стр. 1189
بالقرائن ونحوها، ما لم يكن مستنداً إلى إخبار ثقة بالطُّلوع.
ومنها: إذا زنى من له زوجة وولد، فأنكر أن يكون وطئ زوجته؛ قال أصحابنا: لا يُرجم؛ لأنَّ الأصل عدم الوطء، ولحوق النَّسب يثبت بمجرَّد الإمكان ووجود الفراش.
القسم الثَّالث: ما عُمِل فيه بالظَّاهر ولم يلتفت إلى الأصل، وله صور:
منها: إذا شكَّ بعد الفراغ من الصَّلاة أو غيرها من العبادات في ترك ركن منها؛ فإنَّه لا يلتفت إلى الشَّكِّ، وإن كان الأصل عدم الإتيان به وعدم براءة الذِّمَّة؛ لكنَّ الظَّاهر من أفعال المكلَّفين للعبادات: أن تقع على وجه الكمال؛ فرُجِّح هذا الظَّاهر على الأصل.
ولا فرق في ذلك بين الوضوء وغيره على المنصوص عن أحمد.
وفي الوضوء وجه: أنَّ الشَّكَّ في ترك بعضه بعد الفراغ كالشَّكِّ في ذلك (١) قبل الفراغ؛ لأنَّ حكمه باقٍ بعد الفراغ منه، بخلاف الصَّلاة وغيرها.
ومنها: لو صلَّى ثمَّ رأى عليه نجاسة، وشكَّ: هل لحقته قبل الصَّلاة أو بعدها، وأمكن الأمران؛ فالصَّلاة صحيحة، وإن كان الأصل عدمَ انعقاد الصَّلاة وبقاءَها في الذِّمَّة حتَّى يتيقَّن صحَّتها، لكن حُكِم بالصِّحَّة؛ لأنَّ الظَّاهر صحَّة أعمال المكلَّف وجريانها على الكمال.
وعَضَد ذلك: أنَّ الأصل عدم مقارنة الصَّلاة للنَّجاسة؛ فتَرجِعُ
стр. 1190
المسألة حينئذ إلى تعارض أصلين، ورُجِّح (١) أحدهما بظاهرٍ يعضده.
ومنها: إذا اختلف المتبايعان بعد العقد في بعض شرائط صحَّة العقد؛ كما إذا ادَّعى البائع أنَّه كان صبيًّا، أو غير مأذون له، أو غير ذلك، وأنكر المشتري؛ فالقول قول المشتري على المذهب (٢)، ونصَّ عليه أحمد في صورة دعوى الصِّغر في رواية ابن منصور (٣)؛ لأنَّ الظَّاهر وقوع العقود على وجه الصِّحَّة دون الفساد؛ وإن كان الأصل عدم البلوغ والإذن.
وذكر الأصحاب وجهاً آخر في دعوى الصِّغر: أنَّه يقبل؛ لأنَّه لم يثبت تكليفه، والأصل عدمه، بخلاف دعوى عدم الإذن من المكلَّف؛ فإنَّ المكلَّف لا يتعاطى في الظَّاهر إلا الصَّحيح.
وقال (٤) الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وهكذا يجيء في الإقرار وسائر (٥) التَّصرُّفات إذا اختلفا (٦)؛ هل وقعت بعد البلوغ أو قبله؟ لأنَّ الأصل في
стр. 1191
العقود الصِّحَّة، فإمَّا أن يقال: إنَّ (١) هذا عامٌّ، وإمَّا أن يفرَّق بين أن يُتيقَّن أنَّه وقت التَّصرُّف كان مشكوكاً فيه غير محكوم ببلوغه، أو لا يُتيقَّن، فإنَّا مع تيقُّن الشَّكِّ قد تيقَّنَّا صدور التَّصرُّف ممَّن لم تثبت أهليته، والأصل عدمها؛ فقد شَكَكْنا في شرط الصِّحَّة، وذلك مانع من الصِّحَّة.
وأمَّا في الحالة الأخرى؛ فإنَّه يجوز صدوره في حال الأهليَّة وحال عدمها، والظَّاهر صدوره وقت الأهليَّة، والأصل عدمه قبل وقتها؛ فالأهليَّة هنا متيقَّن وجودها.
ثمَّ ذكر أنَّ من لم يقرَّ بالبلوغ حتَّى تعلَّق به حقٌّ مثل إسلامه بإسلام أبيه، أو ثبوت الذِّمَّة له تبعاً لأبيه، أو بعد تصرُّف الوليِّ له، أو تزويج وليٍّ أبعد منه لموليَّته؛ فهل يُقبَل منه دعوى البلوغ حينئذٍ، أم لا؛ لثبوت هذه الأحكام المتعلِّقة به في الظَّاهر قبل دعواه؟
وأشار إلى تخريج المسألة على الوجهين فيما إذا ارتجع الرَّجعيَّةَ زوجُها، فقالت: قد انقضت عدَّتي.
وشبَّهه (٢)(٣) بما إذا ادَّعى المجهول المحكوم بإسلامه ظاهراً - كاللَّقيط- الكفرَ (٤) بعد البلوغ؛ فإنَّه لا يُسمع منه على الصَّحيح.
وكذا لو تصرَّف المحكوم بحريَّته ظاهراً كاللَّقيط، ثمَّ ادَّعى الرِّقَّ؛ ففي قبول قوله خلاف معروف (٥).
стр. 1192
ومنها: إذا غلب على ظنِّه دخول وقت الصَّلاة؛ فإنَّه تصحُّ صلاته، ولا يشترط أن يتيقَّن دخوله في ظاهر المذهب.
وحُكي عن ابن حامد: أنَّه يعتبر التَّيقُّن.
ومنها: الفطر في الصِّيام؛ يجوز بغلبة ظنِّه (١) غروبَ الشَّمس في ظاهر المذهب.
ومن الأصحاب من قال: لا يجوز الفطر إلَّا مع تيقُّن الغروب، وبه جزم صاحب «التَّلخيص».
والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ الوقت عليه أمارات يُعرَف بها؛ فاكتُفي فيه بالظَّنِّ الغالب، بخلاف ما لا أمارة عليه؛ من إتمام الصَّلاة، والطَّهارة، والحدث ونحوها.
وأيضاً؛ فالصَّلاة والطَّهارة ونحوهما، كلٌّ منهما عبادة فعليَّة مطلوبة الوجود، فإذا شكَّ في فعل شيء منها؛ فالأصل عدمه؛ فلا يخرج من عهدته إلَّا بيقين، والصَّوم عبادة هي ترك وكفٌّ عن محظورات خاصَّة، فمتى لم يتيقَّن وقوع محظوراتها في وقتها؛ لم يحكم ببطلانها، وإنَّما مُنِع من الخروج منها بمجرَّد الشَّكِّ المساوي؛ لأنَّ الأصل بقاء الصَّوم، ولم يترجَّح ظنٌّ يعارضه، فإذا ترجَّح الظَّنُّ؛ عُمِل به ولم يحكم ببطلانه بوقوع محظوراته حينئذٍ، لا سيَّما وفعل محظوراته مع ترجُّح ظنِّ انقضائه مطلوبٌ شرعاً على الأظهر، ولهذا جاز الأكل أو استُحِبَّ مع ظنِّ (٢)
стр. 1193
طلوع الفجر حتَّى يتحقَّق طلوعه كما سبق.
والفرق بينه وبين وقت الصَّلاة من وجهين:
أحدهما: أنَّ الصَّلاة يجوز فعلها مع غلبة ظنِّ دخول وقتها، ولا يجب، وكذلك الصِّيام يجوز الإمساك بنيَّة الصَّوم مع غلبة ظنِّ طلوع الفجر، ولا يجب، فهما سواء.
والثَّاني: أنَّ الصَّلاة عبادة فعليَّة لا يستغرق مجموع وقتها، بل يفعل في جزء منه، فإذا فُعِلت في زمن يغلب على الظَّنِّ أنَّه من وقتها؛ كفى.
والصَّوم عبادة يستغرق زمنها، وهي من باب الكَفِّ والتُّروك، لا من باب الأعمال؛ فيكفي اشتراط الكفِّ عن محظوراتها في زمانها المحقَّق دون المشكوك فيه، ولا يبطل بفعل شيء من محظوراتها في زمن لا يتحقَّق أنَّه وقت للصِّيام، إلَّا أن يكون الأصل بقاء وقت الصِّيام، ولم يغلب على الظَّنِّ خروجه؛ فلا يباح حينئذ الإقدام على الإفطار، ولا تبرأ الذِّمَّة بمجرَّد ذلك، وهذا كما قلنا فيمن صلَّى ثمَّ رأى عليه نجاسة يمكن أنَّها لحقته بعد الصَّلاة سواء.
ومنها: أنَّ المستحاضة المعتادة ترجع إلى عادتها، وإن لم يكن لها عادة؛ فإلى تمييزها (١)، وإن لم يكن لها عادة ولا تمييز (٢)؛ رجعت إلى غالب عادات النِّساء، وهي ستٌّ أو سبع على الصَّحيح؛ لأنَّ الظَّاهر مساواتها لهنَّ؛ وإن كان الأصل عدم فراغ حيضها حينئذٍ.
стр. 1194
ومنها: امرأة المفقود تُزوَّج بعد انتظار أربع سنين، ويُقسَم ماله حينئذٍ؛ لأنَّ الظاهر موته؛ وإن كان الأصل بقاءه، لكن هل يثبت له أحكام المعدوم من حين فقده، أو لا يثبت إلَّا من حين إباحة أزواجه وقسمة ماله؟ على وجهين، ينبني عليهما: لو مات له في مدَّة انتظاره (١) من يرثه؛ فهل يحكم بتوريثه منه أم لا؟
ونصَّ أحمد على أنَّه يزكَّى ماله بعد مدِّة انتظاره؛ معلِّلاً: بأنَّه مات وعليه زكاة.
وهذا (٢) يدلُّ على أنَّه لا يحكم له بأحكام الموتى إلَّا بعد المدَّة، وهو الأظهر.
ويلتحق بهذا: أنَّ امرأة المفقود بعد مدَّة انتظاره تعتدُّ للوفاة، ثمَّ تباح للأزواج؛ فهل تجب لها النَّفقة من ماله في مدَّة العدَّة كما في مدَّة الانتظار أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يجب، وهو الَّذي ذكره ابن الزَّاغونيِّ في «الإقناع»، وقال أبو البركات في «الشَّرح»: هو قياس المذهب عندي؛ لأنَّه حُكِم بوفاته بعد مدَّة الانتظار؛ فصارت معتدَّة للوفاة.
والثَّاني: تجب لها النَّفقة، قاله القاضي، وهو نصُّ أحمد (٣)؛ لأنَّ النَّفقة لا تسقط إلَّا بيقين (٤) الموت، ولم يوجد ههنا.
стр. 1195
وكذا ذكر صاحب «المغني»، وزاد: أنَّ نفقتها لا تسقط بعد العدَّة أيضاً؛ لأنَّها باقية على نكاحه ما لم تتزوَّج أو يفرِّق الحاكم بينهما.
ومنها: أنَّ النَّوم المستثقِل ينقض الوضوء؛ لأنَّه مَظِنَّة خروج الحدث؛ وإن كان الأصل عدم خروجه وبقاء الطَّهارة.
وحكى ابن أبي موسى في «شرح الخرقيِّ» وجهاً آخر: أنَّ النَّوم نفسه حدث، لكن يعفى (١) عن يسيره؛ كالدَّم ونحوه.
ومنها: إذا زنى من نشأ في دار الإسلام بين المسلمين، وادَّعى الجهل بتحريم الزِّنى؛ لم يُقبل قوله؛ لأنَّ الظَّاهر يُكذِّبه، وإن كان الأصل عدم علمه بذلك.
ومثله: إذا ادَّعت المعتَقة تحت عبدٍ الجهلَ بالعتق أو بثبوت الخيار، ومثلها لا يجهل ذلك؛ فإنَّه لا يقبل قولها.
ومنها: إذا زوَّج الوليُّ امرأة يعتبر إذنها لصحَّة العقد، ثمَّ أنكرت الإذن؛ فإن كان بعد الدُّخول؛ لم يقبل قولها؛ لأنَّ تمكينها يكذِّبها.
وإن كان قبله؛ فإن كان إذنها السُّكوت (٢)، وادَّعت أنَّ سكوتها كان حياء لا رضًا؛ لم يقبل قولها، نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم؛ لأنَّ السُّكوت في حكم الشَّارع إقرار ورضًا؛ فلا يُسمَع دعوى خلافه.
وإن كان (٣) ادَّعت أنَّها ردَّت، أو كان إذنها النِّطق فأنكرته؛ فقال