← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

العقود الصِّحَّة، فإمَّا أن يقال: إنَّ (١) هذا عامٌّ، وإمَّا أن يفرَّق بين أن يُتيقَّن أنَّه وقت التَّصرُّف كان مشكوكاً فيه غير محكوم ببلوغه، أو لا يُتيقَّن، فإنَّا مع تيقُّن الشَّكِّ قد تيقَّنَّا صدور التَّصرُّف ممَّن لم تثبت أهليته، والأصل عدمها؛ فقد شَكَكْنا في شرط الصِّحَّة، وذلك مانع من الصِّحَّة. وأمَّا في الحالة الأخرى؛ فإنَّه يجوز صدوره في حال الأهليَّة وحال عدمها، والظَّاهر صدوره وقت الأهليَّة، والأصل عدمه قبل وقتها؛ فالأهليَّة هنا متيقَّن وجودها. ثمَّ ذكر أنَّ من لم يقرَّ بالبلوغ حتَّى تعلَّق به حقٌّ مثل إسلامه بإسلام أبيه، أو ثبوت الذِّمَّة له تبعاً لأبيه، أو بعد تصرُّف الوليِّ له، أو تزويج وليٍّ أبعد منه لموليَّته؛ فهل يُقبَل منه دعوى البلوغ حينئذٍ، أم لا؛ لثبوت هذه الأحكام المتعلِّقة به في الظَّاهر قبل دعواه؟ وأشار إلى تخريج المسألة على الوجهين فيما إذا ارتجع الرَّجعيَّةَ زوجُها، فقالت: قد انقضت عدَّتي. وشبَّهه (٢) (٣) بما إذا ادَّعى المجهول المحكوم بإسلامه ظاهراً - كاللَّقيط- الكفرَ (٤) بعد البلوغ؛ فإنَّه لا يُسمع منه على الصَّحيح. وكذا لو تصرَّف المحكوم بحريَّته ظاهراً كاللَّقيط، ثمَّ ادَّعى الرِّقَّ؛ ففي قبول قوله خلاف معروف (٥).

стр. 1192

ومنها: إذا غلب على ظنِّه دخول وقت الصَّلاة؛ فإنَّه تصحُّ صلاته، ولا يشترط أن يتيقَّن دخوله في ظاهر المذهب. وحُكي عن ابن حامد: أنَّه يعتبر التَّيقُّن. ومنها: الفطر في الصِّيام؛ يجوز بغلبة ظنِّه (١) غروبَ الشَّمس في ظاهر المذهب. ومن الأصحاب من قال: لا يجوز الفطر إلَّا مع تيقُّن الغروب، وبه جزم صاحب «التَّلخيص». والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ الوقت عليه أمارات يُعرَف بها؛ فاكتُفي فيه بالظَّنِّ الغالب، بخلاف ما لا أمارة عليه؛ من إتمام الصَّلاة، والطَّهارة، والحدث ونحوها. وأيضاً؛ فالصَّلاة والطَّهارة ونحوهما، كلٌّ منهما عبادة فعليَّة مطلوبة الوجود، فإذا شكَّ في فعل شيء منها؛ فالأصل عدمه؛ فلا يخرج من عهدته إلَّا بيقين، والصَّوم عبادة هي ترك وكفٌّ عن محظورات خاصَّة، فمتى لم يتيقَّن وقوع محظوراتها في وقتها؛ لم يحكم ببطلانها، وإنَّما مُنِع من الخروج منها بمجرَّد الشَّكِّ المساوي؛ لأنَّ الأصل بقاء الصَّوم، ولم يترجَّح ظنٌّ يعارضه، فإذا ترجَّح الظَّنُّ؛ عُمِل به ولم يحكم ببطلانه بوقوع محظوراته حينئذٍ، لا سيَّما وفعل محظوراته مع ترجُّح ظنِّ انقضائه مطلوبٌ شرعاً على الأظهر، ولهذا جاز الأكل أو استُحِبَّ مع ظنِّ (٢)

стр. 1193

طلوع الفجر حتَّى يتحقَّق طلوعه كما سبق. والفرق بينه وبين وقت الصَّلاة من وجهين: أحدهما: أنَّ الصَّلاة يجوز فعلها مع غلبة ظنِّ دخول وقتها، ولا يجب، وكذلك الصِّيام يجوز الإمساك بنيَّة الصَّوم مع غلبة ظنِّ طلوع الفجر، ولا يجب، فهما سواء. والثَّاني: أنَّ الصَّلاة عبادة فعليَّة لا يستغرق مجموع وقتها، بل يفعل في جزء منه، فإذا فُعِلت في زمن يغلب على الظَّنِّ أنَّه من وقتها؛ كفى. والصَّوم عبادة يستغرق زمنها، وهي من باب الكَفِّ والتُّروك، لا من باب الأعمال؛ فيكفي اشتراط الكفِّ عن محظوراتها في زمانها المحقَّق دون المشكوك فيه، ولا يبطل بفعل شيء من محظوراتها في زمن لا يتحقَّق أنَّه وقت للصِّيام، إلَّا أن يكون الأصل بقاء وقت الصِّيام، ولم يغلب على الظَّنِّ خروجه؛ فلا يباح حينئذ الإقدام على الإفطار، ولا تبرأ الذِّمَّة بمجرَّد ذلك، وهذا كما قلنا فيمن صلَّى ثمَّ رأى عليه نجاسة يمكن أنَّها لحقته بعد الصَّلاة سواء. ومنها: أنَّ المستحاضة المعتادة ترجع إلى عادتها، وإن لم يكن لها عادة؛ فإلى تمييزها (١)، وإن لم يكن لها عادة ولا تمييز (٢)؛ رجعت إلى غالب عادات النِّساء، وهي ستٌّ أو سبع على الصَّحيح؛ لأنَّ الظَّاهر مساواتها لهنَّ؛ وإن كان الأصل عدم فراغ حيضها حينئذٍ.

стр. 1194

ومنها: امرأة المفقود تُزوَّج بعد انتظار أربع سنين، ويُقسَم ماله حينئذٍ؛ لأنَّ الظاهر موته؛ وإن كان الأصل بقاءه، لكن هل يثبت له أحكام المعدوم من حين فقده، أو لا يثبت إلَّا من حين إباحة أزواجه وقسمة ماله؟ على وجهين، ينبني عليهما: لو مات له في مدَّة انتظاره (١) من يرثه؛ فهل يحكم بتوريثه منه أم لا؟ ونصَّ أحمد على أنَّه يزكَّى ماله بعد مدِّة انتظاره؛ معلِّلاً: بأنَّه مات وعليه زكاة. وهذا (٢) يدلُّ على أنَّه لا يحكم له بأحكام الموتى إلَّا بعد المدَّة، وهو الأظهر. ويلتحق بهذا: أنَّ امرأة المفقود بعد مدَّة انتظاره تعتدُّ للوفاة، ثمَّ تباح للأزواج؛ فهل تجب لها النَّفقة من ماله في مدَّة العدَّة كما في مدَّة الانتظار أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يجب، وهو الَّذي ذكره ابن الزَّاغونيِّ في «الإقناع»، وقال أبو البركات في «الشَّرح»: هو قياس المذهب عندي؛ لأنَّه حُكِم بوفاته بعد مدَّة الانتظار؛ فصارت معتدَّة للوفاة. والثَّاني: تجب لها النَّفقة، قاله القاضي، وهو نصُّ أحمد (٣)؛ لأنَّ النَّفقة لا تسقط إلَّا بيقين (٤) الموت، ولم يوجد ههنا.

стр. 1195

وكذا ذكر صاحب «المغني»، وزاد: أنَّ نفقتها لا تسقط بعد العدَّة أيضاً؛ لأنَّها باقية على نكاحه ما لم تتزوَّج أو يفرِّق الحاكم بينهما. ومنها: أنَّ النَّوم المستثقِل ينقض الوضوء؛ لأنَّه مَظِنَّة خروج الحدث؛ وإن كان الأصل عدم خروجه وبقاء الطَّهارة. وحكى ابن أبي موسى في «شرح الخرقيِّ» وجهاً آخر: أنَّ النَّوم نفسه حدث، لكن يعفى (١) عن يسيره؛ كالدَّم ونحوه. ومنها: إذا زنى من نشأ في دار الإسلام بين المسلمين، وادَّعى الجهل بتحريم الزِّنى؛ لم يُقبل قوله؛ لأنَّ الظَّاهر يُكذِّبه، وإن كان الأصل عدم علمه بذلك. ومثله: إذا ادَّعت المعتَقة تحت عبدٍ الجهلَ بالعتق أو بثبوت الخيار، ومثلها لا يجهل ذلك؛ فإنَّه لا يقبل قولها. ومنها: إذا زوَّج الوليُّ امرأة يعتبر إذنها لصحَّة العقد، ثمَّ أنكرت الإذن؛ فإن كان بعد الدُّخول؛ لم يقبل قولها؛ لأنَّ تمكينها يكذِّبها. وإن كان قبله؛ فإن كان إذنها السُّكوت (٢)، وادَّعت أنَّ سكوتها كان حياء لا رضًا؛ لم يقبل قولها، نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم؛ لأنَّ السُّكوت في حكم الشَّارع إقرار ورضًا؛ فلا يُسمَع دعوى خلافه. وإن كان (٣) ادَّعت أنَّها ردَّت، أو كان إذنها النِّطق فأنكرته؛ فقال

стр. 1196

القاضي: القول قولها؛ لأنَّ الأصل معها، ولم يوجد ظاهر يخالفه. ومنها: لو ادَّعت امرأة على رجل أنَّه تزوَّجها في يوم معيَّن بمهر مسمًّى، وشهد به شاهدان، ثمَّ ادَّعت عليه أنَّه تزوَّجها في يوم آخر معيَّن (١) بمهر مسمًّى، وشهد به شاهدان، ثمَّ اختلفا؛ فقالت المرأة: هما نكاحان؛ فلي المهران (٢)، وقال الزَّوج: بل هما (٣) نكاح واحد تكرَّر عقده؛ فالقول قول الزَّوجة؛ لأنَّ الظَّاهر معها. وكذا لو شهدت بيِّنة أنَّه باعه هذا الثَّوب في يوم كذا بثمنٍ، وشهدت (٤) بيِّنة أخرى أنَّه باعه منه بثمنٍ في يوم آخر (٥)، فقال المشتري: هو عقد واحد كرَّرناه، وقال البائع: بل عقدان؛ فالقول قوله؛ لأنَّ الظَّاهر معه، ذكره أبو بكر والقاضي والأصحاب. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: ينبغي أن يكون القول قول الزَّوج؛ لأنَّ الأصل عدم الفرقة بينهما، والأصل براءته من المهر الثَّاني (٦). القسم الرَّابع: ما خرج (٧) فيه خلاف في ترجيح الظَّاهر على

стр. 1197

الأصل، وبالعكس، ويكون ذلك غالباً عند تقاوم الظَّاهر والأصل وتساويهما. وله صور كثيرة: منها: إذا سُخِّن الماء بنجاسة، وغلب على الظَّنِّ وصول الدُّخان إليه؛ ففي كراهته وجهان، أشهرهما: أنَّه يكره. ومنها: لو أدخل الكلب رأسه في إناء فيه ماء، وشكَّ؛ هل ولغ فيه أم لا؟ وكان فمه رطباً؛ فهل يحكم بنجاسة الماء؛ لأنَّ الظَّاهر ولوغه، أم بطهارته؛ لأنَّها الأصل؟ على وجهين ذكرهما الأَزَجيُّ. ومنها: إذا وقع في ماء يسير ما لا نفس له (١) سائلة، وشكَّ هل هو متولِّد من النَّجاسات أم لا؟ وكان هناك بئر وحُشٌّ: فإن كان إلى البئر أقرب أو هو بينهما بالسَّويَّة؛ فهو طاهر. وإن كان إلى الحشِّ أقرب؛ فوجهان: أحدهما: أنَّه نجس. والآخر: أنَّه طاهر ما لم يعاين خروجه من الحشِّ، نقل ذلك صاحب «المهمِّ» عن شيخه ابن تميم (٢).

стр. 1198

ومنها: طين الشَّوارع، وفيه روايتان: إحداهما: أنَّه طاهر، ونصَّ عليه أحمد في مواضع (١)، وجعله أبو البركات في «شرحه» المذهبَ؛ ترجيحاً للأصل، وهو الطَّهارة في الأعيان كلِّها. والثَّانية: أنَّه نجس؛ ترجيحاً للظَّاهر، وجعله صاحب «التَّلخيص» المذهبَ؛ حتَّى حكى عن ظاهر كلام الأصحاب: أنه لا يعفى عن يسيره، وأبدى احتمالاً بالعفو عنه لمشقَّة الاحتراز، وحكى عن ابن عقيل العفو عن يسيره، إلَّا ما تحقَّق نجاسته من الأرض؛ فلا يعفى عنه. وذكر صاحب «المهمِّ» عن ابن تميم أنَّه قال: إذا كان الشِّتاء، ولم يتعيَّن موضع النَّجاسة؛ ففي نجاسة الأرض روايتان، فإذا جاء الصَّيف؛ حكم بطهارتها رواية واحدة. وللمسألة أصول تنبني عليها: أحدها: ما ذكرنا من تعارض الأصل والظَّاهر. والثَّاني: طهارة الأرض وغسالتها بماء المطر وغيره إذا لم يبق

стр. 1199

للنَّجاسة أثر، سواء كانت النَّجاسة الَّتي على الأرض أثراً أو عيناً على الصَّحيح من المذهب (١). و [الثَّالث] (٢): طهارة النَّجاسة بالاستحالة، وفي المذهب فيه خلاف ينبني عليه طهارة الطِّين إذا (٣) بقيت فيه عين النَّجاسة ثمَّ استهلكت فيه حتَّى ذهب أثرها. و [الرَّابع] (٤): طهارة الأرض بالجفاف والشَّمس والرِّيح، وقد توقَّف فيه أحمد، وذهب كثير من الأصحاب إلى عدم طهارتها بذلك. وخالفهم صاحب «المحرَّر» في «شرح الهداية». وينبني على ذلك: طهارة الأرض مع مشاهدة النَّجاسات فيها وإن لم يصبها الماء، والله أعلم. ومنها: المقبرة المشكوك في نبشها إذا تقادم عهدها؛ هل يحكم بنجاستها؛ لأنَّ الظَّاهر نبشها، أو بطهارتها؛ لأنَّ الأصل عدمه؟ على وجهين. ومنها: ثياب الكفَّار وأوانيهم، وفيها روايات عن أحمد:

стр. 1200

أحدها: الإباحة؛ ترجيحاً للأصل، وهو الطَّهارة. والثَّانية: الكراهة؛ لخشية إصابة النَّجاسة لها؛ إذ هو الظَّاهر. والثَّالثة: إن قوي الظَّاهر جدًّا؛ لم يجز استعمالها بدون غسل، ويتفرَّع على هذه الرِّواية روايتان: إحداهما: أنَّه يُمنع من استعمال ما وَلِيَ عوراتهم من الثِّياب قبل غسله، دون ما علا منها. والثَّانية: يُمنع من استعمال الأواني والثِّياب مطلقاً ممَّن يُحكم بأنَّ ذبيحته ميتة؛ كالمشركين والمجوس، دون غيرهم. وقال الخرقيُّ في «شرحه» وابن أبي موسى: لا يجوز استعمال قدور النَّصارى؛ لاستحلالهم الخنزير. وزاد الخرقيُّ: ولا أواني طبيخهم، دون أوعية الماء ونحوها ممَّا يبعد إصابته للنَّجاسة. وزاد ابن أبي موسى: المنع من استعمال ثياب من لا تحلُّ ذبيحته؛ كالمجوس مطلقاً، وما سَفَل من ثياب أهل الكتاب ولصق بأبدانهم حتَّى يغسل. ومنها: ثياب الصِّبيان ومن لا يتحرَّز من النَّجاسة، وفيها ثلاثة أوجه: الكراهة، وعدمها، والمنع حتَّى تغسل، وهو اختيار ابن أبي موسى. ومنها: إذا شكَّ المصلِّي في عدد الرَّكعات، وفيه ثلاث روايات عن أحمد:

стр. 1201

أحدها: أنَّه يبني على الأقلِّ (١)، وهو المتيقَّن؛ لأنَّ الأصل عدم الزِّيادة المشكوك فيها. والثَّانية: يبني على غالب ظنِّه؛ للحديث الوارد في ذلك (٢). والثَّالثة: إن قوي الظَّنُّ بإقرار غيره له عليه؛ بنى على غالب ظنِّه، وهو الإمام إذا أقرَّه المأمومون، وإن كان منفرداً؛ بنى على اليقين، وهي المشهورة في المذهب (٣). فأمَّا (٤) إن سبَّح به اثنان من المأمومين؛ فإنَّه يرجع إليهما ما لم يتيقَّن صواب نفسه، على الرِّوايات كلِّها. وقال ابن عقيل: إنَّما يرجع إليهما إذا قلنا: يبني (٥) على غالب ظنِّه؛ لأنَّ تنبيههما إنَّما يفيد غلبة الظَّنِّ. والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ الرُّجوع إلى قولهما رجوع إلى بيِّنة شرعيَّة؛ فيترك الأصل لأجلها؛ كسائر البيِّنات الشَّرعيَّة، بخلاف غلبة الظَّنِّ المجرَّدة، وإذا جوَّزنا له العمل بالظَّنِّ الغالب؛ فإنَّه يجوز له تركه والعمل باليقين، صرَّح به القاضي في كتاب «أحكام القرآن» وغيره.

стр. 1202

ولو شهد اثنان من المأمومين (١) على الإمام أنَّه أحدث في الصَّلاة، وأنكر هو وبقيَّة المأمومين؛ أعادوا الصَّلاة كلُّهم، نصَّ عليه في رواية مهنَّى (٢)، واحتجَّ بحديث ذي اليدين (٣). ومنها: إذا شكَّ في عدد الطَّواف، وفيه روايتان: إحداهما: يرجع إلى الأصل، وهو المتيقَّن. والثَّانية: يرجع إلى غالب ظنِّه؛ كالصَّلاة. فإن أخبره اثنان بما طاف؛ فهل يرجع إلى قولهما؟ على وجهين، والمنصوص: أنَّه يرجع إليهما. وكذلك الوجهان لو أخبر المصلِّيَ من ليس معه في الصَّلاة، هل يرجع إليهما أم لا؟ وفي «المغني»: يرجع الطَّائف إلى خبر الثِّقة الواحد العدل؛ لأنَّه خبر ديني؛ فلا يشترط فيه العدد (٤)، وإنَّما اشترطنا العدد في الصَّلاة؛

стр. 1203

لخبر ذي اليدين، فبقي ما عداها على الأصل. ومنها: لو وجد في دار الإسلام ميِّت مجهول الدِّين، فإن لم يكن عليه علامة إسلام ولا كفر، أو تعارض فيه علامتا الإسلام والكفر؛ صُلِّي عليه، نصَّ عليه. فإن كان عليه علامة الكفر خاصَّة؛ فمن الأصحاب من قال: يصلَّى عليه. والمنصوص عن أحمد: أنه يدفن من غير صلاة. وهذا يرجع إلى تعارض الأصل والظَّاهر؛ إذ الأصل في أهل دار الإسلام الإسلام، والظَّاهر في هذا الكفر. ولو كان هذا الميِّت في دار الكفر، فإن كان عليه علامة (١) الإسلام؛ صلِّي عليه، وإلَّا فلا، نصَّ عليه في رواية عليِّ بن سعيد. وهذا ترجيح للظَّاهر (٢) على الأصل ههنا؛ كما رجَّحه في الصُّورة الأولى، ولم يرجِّح الأصحاب ههنا (٣) الأصل كما رجَّحوه ثَمَّ؛ لأنَّ هذا الأصل قد عارضه أصل آخر، وهو أنَّ الأصل في كلِّ مولود أنَّه يولد على الفطرة. ومنها: إذا اختلف الزَّوجان في قدر المهر ولا بيِّنة؛ ففيه روايتان: إحداهما: القول قول الزَّوج؛ لأنَّه منكر وغارم، والأصل براءة ذمَّته من القدر الزَّائد على ما يقرُّ به.

стр. 1204

والثَّانية: القول قول مدَّعي مهر المثل؛ لأنَّ الظَّاهر معه. ومنها: إذا أسلم الزَّوجان قبل الدُّخول، وقال الزَّوج: أسلمنا معاً؛ فنحن على نكاحنا، وقالت الزَّوجة: بل على التَّعاقب؛ فلا نكاح؛ فوجهان: أحدهما: القول قول الزَّوج؛ لأنَّ الأصل معه. والثَّاني: القول قول الزَّوجة، لأنَّ الظَّاهر معها؛ إذ وقوع إسلامهما معاً في آن واحد نادر، والظَّاهر خلافه. ومنها: إذا خلا بامرأته، وصدَّقته أنَّه لم يطأها، وقلنا: لا يتقرَّر بذلك المهر على رواية سبقت، وكان له منها ولد؛ فهل يتقرَّر المهر بذلك؛ لأنَّ الغالب أنَّ الولد إنَّما ينعقد عن الاصابة، أوْ لا؛ لأنَّ الأصل عدم إصابتها، ويحتمل أنَّه سبق الماء إلى فرجها فانعقد الولد؟ على وجهين ذكرهما القاضي في «المجرَّد». وفيه نظر؛ فإن سبق الماء إلى الفرج إنَّما يكون بعد ما تقرَّر المهر من وطء دون الفرج كما سبق تقريره. والأظهر في تعليل عدم تقرُّر المهر أن يقال: الولد يثبت نسبه بمجرَّد الإمكان، بخلاف استقرار المهر. ومنها: لو زوَّج رجل وليَّته، ثمَّ ظهرت مَعِيبةً، فادَّعى الوليُّ: أنَّه لم يعلم عيبها؛ ففيه وجهان: أحدهما: القول قوله مع يمينه؛ لأنَّ الأصل معه؛ إلَّا أن يكون العيب جنوناً، ويكون الوليُّ ذا اطِّلاع عليها؛ فلا يُقبَل قوله، وهو

стр. 1205

اختيار صاحب «المغني». والثَّاني: إن كان الوليُّ قريباً - كالأب والجدِّ والابن-؛ لم يقبل قوله مطلقاً؛ لأنَّ الظَّاهر يكذِّبه، وإن كان بعيداً؛ قُبِل مع يمينه، وهو قول القاضي، ووافقه ابن عقيل؛ إلَّا أنَّه فصَّل بين عيوب الفرج وغيرها؛ فسوَّى بين الأولياء كلِّهم في عيوب الفرج، بخلاف غيرها. ومنها: إذا اختلط مالٌ حرامٌ بحلال، وكان الحرام أغلبَ؛ فهل يجوز التَّناول منه أم لا؟ على وجهين؛ لأنَّ الأصل في الأعيان الإباحة، والغالب ههنا الحرام. قال أحمد في رواية حرب: إذا كان أكثر ماله النَّهب أو الرِّبا ونحو ذلك؛ فكأنَّه ينبغي له أن يتنزَّه عنه؛ إلَّا أن يكون شيئاً يسيراً أو شيئاً لا يعرف (١). وقريب من هذا: إذا اشتبه الماء الطَّاهر بالنَّجس، وكان الطَّاهر (٢) أكثر؛ فإنَّ في جواز التَّحرِّي روايتين، وظاهر كلام أحمد في رواية المروذي جوازه، واختاره أبو بكر وابن شاقْلَا وأبو عليٍّ النَّجاد، وصحَّحه ابن عقيل، لكن هنا اعتضد أصل الطَّهارة: بأنَّ الظَّاهر إصابة الطَّاهر؛ لكثرته. ومنها: إذا قذف مجهول النَّسب، وادَّعى رقَّه، وأنكر المقذوف؛ فهل يحدُّ؟ على روايتين؛ لأنَّ الأصل عدم لزوم الحدِّ، والأغلب على

стр. 1206

النَّاس الحريَّة، أو يقال: الأصل فيهم الحريَّة؛ فيكون إذاً من باب تعارض الأصلين. ومنها: إذا قال لمدخول بها: أنت طالق أنت طالق، ولم يقصد بالثَّانية تأكيداً ولا إيقاعاً، بل أطلق النِّيَّة؛ فقال الأصحاب: تَطلُقُ اثنتين؛ لأنَّه موضوع للإيقاع؛ كاللَّفظ الأوَّل، ولهذا يقال: إذا دار الأمر بين التَّأسيس والتَّأكيد؛ فالتَّأسيس أولى. وهذا يرجع إلى الحمل على الظَّاهر، مع أنَّ الأصل بقاء الزَّوجيَّة وعدم وقوع الثَّانية والثَّالثة إذا كرَّره ثلاثاً؛ فيتوجَّه: أن يخرَّج رواية أخرى بوقوع واحدة مع الإطلاق؛ لأنَّه المتيقَّن. ويشهد له ما نقله صالح عن أبيه أنَّه قال: إذا قال: أنت طالق أنت طالق، وقد دخل بها؛ فهو على ما أراد؛ إن كان أراد إفهامها فهو الَّذي أراد، وإن أراد غير ذلك فهو على ما أراد (١). فلم يوقع الثَّانية بدون النِّيَّة. وقد حكى أبو بكر عبد العزيز فيما إذا قال: أنت طالق بل أنت طالق، وأطلق النِّيَّة: أنَّه لا يلزمه أكثر من واحدة، فإن نوى بالثَّانية طلْقة أخرى؛ فهل يلزمه أم لا؟ على قولين؛ لأنَّه إعادة للَّفظ الأوَّل بعينه؛ فلا يحتمل التكرار، كذلك حكاه القاضي عنه في «كتاب الرِّوايتين». ويلزم من ذلك أنَّه إذا قال: أنت طالق، وكرَّره وأطلق النِّيَّة: أنَّه لا يلزمه أكثر من واحدة.

стр. 1207

وههنا مسألة حسنة، نصَّ عليها أحمد في رواية ابن منصور: إذا قال لامرأته: أنت طالق بل أنت طالق؛ قال: هي تطليقتان، هذا كلام مستقيم، وإن قال: أنت طالق لا بل أنت طالق؛ قال: (١) هي واحدة (٢). والفرق بينهما: أنَّ (بل) من حروف العطف إذا كان بعدها مفرد، وهي هنا كذلك؛ لأنَّ اسم الفاعل من المفردات، وإن كان متحمِّلاً لضمير؛ بدليل أنَّه يُعرَب، والجمل لا تُعرَب، ولأنَّه لا يقع صلة، ولو كان جملة لوقع صلة، وحينئذٍ فيكون ما بعده معطوفاً على ما قبله، وقد أوقع قبله واحدة ثمَّ عطف عليها أخرى؛ فيقع اثنتان؛ كما لو أتى بواو العطف. وهذا معنى قول أحمد: (هذا كلام مستقيم) يعني: أنه نسق معطوف بعضه على بعض؛ كسائر المعطوفات بـ (الواو) و (ثمَّ) ونحوهما. وأمَّا قول النَّحويين: إنَّ ما قبله يصير مسكوتاً عنه غير مثبَت ولا مَنفيٍّ؛ فهذا فيما يقبل النَّفي بعد إثباته، والطَّلاق ليس كذلك؛ فتعيَّن إثبات الأوَّل، وعطف الثَّاني عليه. وأمَّا إذا قال: أنت طالق، لا بل أنت طالق؛ فقد صرَّح بنفي الأوَّل، ثمَّ أثبته بعد نفيه؛ فيكون المثبَت هو المنفيَّ بعينه، وهو الطَّلْقة الأولى؛ فلا يقع به طلقة ثانية، وهو قريب من معنى الاستدراك، كأنَّه

стр. 1208

نسي أنَّ الطَّلاق الموقَعَ لا يُنفى؛ فاستدرك وأثبته؛ لئلَّا يَتوهَّم السَّامع أنَّ الطَّلاق قد ارتفع بنفيه؛ فهذا إعادة الأوَّل، لا استئناف طلاق. ومنها: إذا قال: الطَّلاق يلزمني، أو: أنت الطَّلاق؛ فهل يلزمه واحدة أو الثَّلاث؟ على روايتين؛ لأنَّ الألف واللَّام قد يراد بها العهد؛ أي: الطَّلاق المعهود المسنون، وهو الواحدة، ويراد بها مطلق الجنس، ويراد بها استغراق الجنس، لكنَّها في الاستغراق والعموم أظهر، والمتيقَّن من ذلك الواحدة، والأصل بقاء النِّكاح. وعلى رواية وقوع الثَّلاث: فلو نوى به ما دونها؛ فهل يقع به ما نواه خاصَّة، أو يقع به الثَّلاث، ويكون ذلك (١) صريحاً في الثَّلاث؟ فيه طريقان للأصحاب. ولو قال: الطَّلاق يلزمني، وله أكثر من زوجة؛ فإن كان هناك نيَّة أو سبب يقتضي التَّعميم أو التَّخصيص؛ عُمل به. ومع فقد النِّيَّة والسَّبب؛ خرَّجها بعض الأصحاب على الرِّوايتين في وقوع الثَّلاث بذلك على الزَّوجة الواحدة؛ لأنَّ الاستغراق في الطَّلاق يكون تارة في نفسه وتارة في محلِّه. وقد فرَّق بعضهم بينهما: بأنَّ عموم المصدر لأفراده أقوى من عمومه لمفعولاته؛ لأنَّه يدلُّ على أفراده بذاته عقلاً ولفظاً، وإنَّما يدلُّ على مفعولاته بواسطة. فلفظ الأكل والشُّرب - مثلاً - يعمُّ الأنواع منه، والأعداد أبلغ من

стр. 1209

عمومه المأكول والمشروب إذا كان عامًّا؛ فلا يلزم من عمومِه لأفراده وأنواعه عمومَه لمفعولاته، ذكر ذلك كلَّه الشَّيخ تقيُّ الدِّين ﵀ بمعناه (١). وفي موضع آخر قوَّى (٢) وقوع الطَّلاق بجميع الزَّوجات، دون وقوع الثَّلاث بالزَّوجة الواحدة، وفرَّق: بأنَّ وقوع الثَّلاث بالواحدة محرَّم، بخلاف وقوع الطَّلاق بالزَّوجات المتعدِّدات. وقد يقال: إنَّ قوله: (الطَّلاق يلزمه) وإن كان (٣) صيغة عموم، لكن إذا لم ينوِ عمومه (٤)؛ كان مخصَّصاً بالشَّرع عند من يحرِّم (٥) جمع الثَّلاث، وهو ظاهر المذهب؛ فتكون المسألة حينئذٍ من صور التَّخصيص بالشَّرع، وقد ذكرنا نظائرها في قاعدة سبقت (٦). ومنها: إذا قال: زوجتي طالق، أو عبدي حرٌّ، وله زوجات وعبيد؛ فالمنصوص: أنَّه يقع الطَّلاق والعتاق بالجميع، إلَّا أن ينوي عدداً معيَّناً؛ لأنَّ اسم الجنس المضاف للعموم؛ فهو كالجمع المعرَّف. وذكر صاحب «المغني» احتمالاً ورجَّحه: أنَّه لا يقع الطَّلاق والعتاق مع إطلاق النِّيَّة إلَّا بواحد؛ لأنَّ اللَّفظ صالح للواحد والجمع؛

стр. 1210

فحَمْلُه على الواحد أولى؛ لأنَّه المتيقَّن، ولو كان الجمع أظهر فيه؛ ترجيحاً للأصل على الظَّاهر. ومنها: إذا قال: له عندي درهم ودرهم ودرهم؛ فهل يلزمه درهمان أو ثلاثة؟ على وجهين ذكرهما أبو بكر في «الشَّافي»، ونزَّلهما صاحب «التَّلخيص» على تعارض الأصل والظَّاهر، فإنَّ الظَّاهر عطف الثَّالث على الثَّاني، ويحتمل إرادة التكرار به؛ لأنَّه بلفظه؛ فيحمل عليه عند الإطلاق؛ لأنَّه اليقين، قال: (ولو قال: أردت بالثَّالث تكرار الثَّاني؛ قُبِل على الوجهين؛ لاحتماله). وذكر صاحب «المغني» في الطَّلاق احتمالاً: أنَّه لا يقبل إرادة التكرار والتَّأكيد مع حرف العطف؛ لمخالفته للظَّاهر؛ لأنَّ ظاهر العطف يقتضي المغايرة.

стр. 1211

قاعدة [١٦٠] تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّ إذا ثبت الاستحقاق ابتداء لمبهم غير معيَّن عند تساوي أهل الاستحقاق . وتستعمل (١) أيضاً في تمييز المستحَقِّ المعيَّن في نفس الأمر عند اشتباهه والعجز عن الاطِّلاع عليه، وسواء في ذلك الأموال والأبضاع في ظاهر المذهب. وفي الأبضاع قول آخر: أنَّه لا تؤثِّر القرعة في حلِّ المعيَّن منها في الباطن. ولا تستعمل في إلحاق النَّسب عند الاشتباه على ظاهر المذهب. وتستعمل (٢) في حقوق الاختصاص والولايات ونحوها. ولا تستعمل في تعيين الواجب المبهم من العبادات ونحوها ابتداء. وفي الكفَّارة وجه ضعيف: أنَّ القرعة تميِّز اليمين المنسيَّة. ونحن نذكر ههنا مسائل القرعة المذكورة في المذهب من أوَّل الفقه إلى آخره بحسب الإمكان، والله الموفِّق:

стр. 1212

فمنها: إذا اجتمع محدثان حدثاً أكبر، أو أصغر، وعندهما ما يكفي أحدهما، ولا اختصاص لأحدهما به؛ ففيه وجهان: أحدهما: يقترعان عليه؛ لاستوائهما في الحاجة إليه. والثَّاني: يقسم بينهما. ولو كان أحدهما جنباً والآخر محدثاً حدثاً أصغر، وكان الماء يكفي كلَّ واحد منهما ويفضل عنه فضلة لا تكفي الآخر؛ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها (١): المحدث أولى؛ لأنَّ فضلته يمكن الجنبَ استعمالها، بخلاف فضلة الجنب؛ فإنَّها لا ترفع حدث المحدث ولا شيئاً منه. والثَّاني: الجنب أولى؛ لغلظ حدثه. والثَّالث: هما سواء؛ فيُقرَع بينهما، أو يعطيه باذل الماء لمن شاء منهما. قال صاحب «التَّلخيص»: (هذه المسألة صوَّرها جماعة من أصحابنا في ماء مباح أو مملوك أراد مالكه بذله لأحدهم، وفيه نظر؛ فإنَّ المباح قبل وضع الأيدي عليه لا ملك فيه، وبعد وضع الأيدي للجميع، والمالك له ولاية صرفه إلى من شاء)، قال: (ويتصوَّر ذلك عندي في الوصيَّة بالماء لأولاهم به) انتهى. ويتصوَّر أيضاً في النَّذر لأولاهم، والوقف عليه، وفيما إذا طلب المالك معرفة أولاهم ليؤثِرَه به، وفيما إذا وردوا على ماء مباح

стр. 1213

وازدحموا وتشاحُّوا في التَّناول (١) أولًا. ومنها: إذا تشاحُّوا في الأذان مع تساويهم في الصِّفات المرجَّح بها فيه (٢)؛ فإنَّه يقرع بينهم، نصَّ عليه أحمد في رواية أبي داود وأبي طالب ومحمَّد بن موسى (٣)، واحتجَّ بأنَّ سعداً أقرع بينهم في الأذان يوم القادسيَّة (٤). ونصَّ في رواية أبي داود: على تقديم القرعة على اختيار الجيران. وفي رواية محمَّد بن موسى: على أنَّ المتعاهِد للمسجد بالعمارة أحقُّ. ومنها: إذا اجتمع عراة ومع واحد منهم ثوب قد صلَّى فيه؛ استُحِبَّ له إعارته لرفقائه. فإن ضاق الوقت، وفيهم من يصلح للإمامة؛ استحبَّ له إعارته، فيصلِّي فيه إماماً والعراة خلفه، فإن استووا، أو لم يكن الثَّوب لواحد منهم (٥)؛ أُقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة؛ فهو أحقُّ به، ذكره في «المغني».

стр. 1214

ومنها: إذا استوى اثنان في الصِّفات المرجَّح بها في الإمامة من كلِّ وجه وتشاحَّا؛ أُقرع بينهما؛ كما في الأذان. وكذلك إذا اجتمع اثنان من أولياء الميِّت واستويا وتشاحَّا في الصَّلاة عليه؛ أُقرع بينهما. ولو وُلِّي إمامة المسجد رجلان؛ صحَّ، وكانا في الإمامة سواء، وأيُّهما سبق إليها كان أحقَّ بها، فإن حضرا معاً؛ احتمل أن يقرع بينهما، فيقدَّم من قَرَع منهما، واحتمل أن يرجع إلى اختيار أهل المسجد لأحدهما، ذكر ذلك القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة». ومنها: إذا قُدِم بميتين إلى مكان من مقبرة مسبَّلة في آن واحد، ولم يكن لأحدهما هناك مزيَّة من أهلٍ مدفونين عنده أو نحو ذلك؛ فإنَّه يقرع بينهما، صرَّح به الأصحاب. وكذلك إذا دفن اثنان في قبر واحد واستويا في الصِّفات؛ فإنَّه يقدَّم أحدهما إلى القبلة بالقرعة؛ كما فعل معاذ بن جبل بامرأتيه. (١) ومنها: إذا اجتمع ميِّتان، فبُذل لهما كفنان، وكان أحد الكفنين أجود من الآخر، ولم يعيِّن الباذل ما لكلِّ واحد منهما؛ فإنَّه يقرع بينهما كما وردت السُّنَّة بذلك؛ فروى الإمام أحمد في «المسند» من حديث

стр. 1215

الزُّبير أنَّه قال: لمَّا كان يوم أحد؛ أقبلت صفيَّة- يعني: أمَّه- فأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة؛ فكفِّنوه فيهما، قال: فجئت بالثَّوبين ليكفَّن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل قد فُعل به كما فعل بحمزة؛ قال: فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفِّن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له؛ فقلنا: لحمزة ثوبٌ، وللأنصاري ثوبٌ، فقدرَّناهما؛ فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما؛ فكفَّنَّا كلَّ واحد منهما في الَّذي طار له (١). وقد ذكره الأثرم للإمام أحمد لمَّا عدَّد أحاديث القرعة؛ فعرفه أحمد وعدَّه معها، وهذا يشعر بأنَّه يأخذ به. ومنها: لو اشتبه عبده بعبد غيره؛ فهل يصحُّ بيع عبده المشتبه من مالك الآخر قبل تمييزه أم لا؟ قال القاضي في «خلافه»: (يحتمل ألَّا يصحَّ العقد حتَّى يقع التمييز، وبماذا يقع؟ يحتمل أن يقرع بينهما؛ فتَعيَّن بالقرعة، ثمَّ يبيعه؛ لأنَّه قد اختلط المستحَقُّ بغيره. ويحتمل أن يقف على المراضاة، ولو سلَّمناه (٢)؛ فلأنَّ الجهالة هنا بغير فعله؛ فعفي عنها)؛ قال: (وأجود ما يقال فيه: إنَّهما يبيعان العبدين ويقتسمان الثَّمن على قيمة العبدين، كما قلنا فيما إذا اختلط زيت

стр. 1216

أحدهما بزيت الآخر، وأحدهما أجود من الآخر: إنَّهما يبيعان الزَّيت ويقتسمان الثَّمن على القيمة) انتهى. ومنها: إذا ادَّعى الوديعة اثنان، فقال المودَع: لا أعلم لمن هي منكما؛ فإنَّه يقرع بينهما، فمن قَرَع صاحبَه؛ حلف وأخذها، نصَّ عليه أحمد، وهو من فروع مسألة تداعي عين (١) بيد ثالث يعترف بأنَّها لأحدهما، وسنذكرها إن شاء الله (٢). ومنها: إذا استبق اثنان إلى الجلوس بالأماكن المباحة؛ كالطُّرق الواسعة ورحاب المساجد ونحوها، لمعاش أو غيره؛ فالمذهب: أنَّه يقدَّم أحدهما بالقرعة. وفيه وجه: بتقديم السُّلطان لمن يرى منهما بنوع من التَّرجيح. وكذلك لو استبقا إلى موضع في رباط مسبَّل (٣) أو خانٍ (٤)، أو استبق فقيهان إلى مدرسة أو صوفيَّان إلى خانكاه (٥)، ذكره الحارثيُّ. وهذا يتوجَّه على أحد الاحتمالين اللَّذين ذكرهما في المدارس والخوانق المختصَّة بوصف معيَّن: أنَّه لا يتوقَّف الاستحقاق على تنزيل

стр. 1217

ناظر، فأمَّا على الوجه الآخر، وهو توقُّف الاستحقاق على تنزيله؛ فليس إلَّا ترجيحه بنوع من التَّرجيحات، وقد يقال: إنَّه يرجَّح بالقرعة مع التَّساوي. ومنها: إذا استبق اثنان إلى مَعِدنٍ مباح (١) أو غيره من المباحات، وضاق المكان إلَّا عن أحدهما؛ ففيه وجهان: أحدهما: يقترعان (٢) عليه، اختاره صاحب «المغني». والثَّاني: قاله القاضي: إن كان أخذهما للتِّجارة؛ هايأ (٣) الإمام بينهما باليوم أو السَّاعة بحسب ما يرى؛ لأنَّه يطول، وإن كان للحاجة؛ فاحتمالات: أحدها: يقرع بينهما. والثَّاني: ينصِّب من يأخذ لهما ثمَّ يقسم. والثَّالث: يقدِّم من يراه أحوج وأولى. وأمَّا إن وقعت أيديهما على المباح؛ فهو بينهما بغير خلاف، وإن كان في كلام بعض الأصحاب ما يوهم خلاف ذلك؛ فليس بشيء. ومنها: إذا اجتمع اثنان بين نهر مباحٍ، لكلِّ واحد (٤) منهما أرض تحتاج إلى السَّقي منه، وكانا متقابلين، ولم يمكن (٥) قسمة الماء بينهما؛

стр. 1218

أقرع بينهما، فقُدِّم من له القرعة، فإن كان لا يفضل عن أحدهما؛ سقى من له القرعة بقدر حقِّه من الماء، ثمَّ تركه للآخر؛ لأنَّه يساويه في استحقاق الماء، وإنَّما القرعة للتَّقديم في استيفاء الحقِّ لا في أصل الحقِّ، بخلاف الأعلى مع الأسفل؛ فإنَّه ليس للأسفل حقٌّ إلَّا فيما فَضَل عن الأعلى، وهنا الماء بينهما يستحقُّ كلٌّ منهما أن يأخذ بقدر نسبة أرضه، ذكره في «المغني». ومنها: إذا وصف اللُّقطة نفسانِ؛ فهل يقسم بينهما، أو يقرع فمن خرجت له القرعة فهي له؟ على وجهين. ومنها: إذا التقط اثنان طفلاً، وتساويا في الصِّفات؛ أقرع بينهما، ولم يُقَرَّ في أيديهما جميعاً؛ كما في الحضانة. وإن ادَّعى نفسان التقاط طفل، فإن كان في أيديهما؛ أقرع بينهما؛ فأُقِرَّ في يد (١) من خرجت له القرعة. وإن استويا في عدم اليد، ولم يصفه أحدهما؛ فقال القاضي والأكثرون: لا حقَّ لأحدهما فيه، ويعطيه الحاكم لمن شاء منهما أو من غيرهما؛ لأنَّه لم يثبت لهما سبب الاستحقاق. وقال صاحب «المغني»: الأولى أن يقرع بينهما؛ لأنَّهما تنازعا شيئاً في يد غيرهما، فأشبه ما لو تنازعا وديعة. وفيه نظر؛ فإنَّ الوديعة لمعيَّن، ولا مدَّعٍ لهما سواهما، بخلاف اللَّقيط؛ فإنَّ الحقَّ لمن سبق إليه، ولم يثبت السَّبق لواحد منهما؛ فصارا كغيرهما.

стр. 1219

ولو ادَّعى اثنان لقطة بين أيديهما، كلٌّ منهما يقول: أنا سبقت إليها؛ أقرع بينهما، ذكره القاضي في «خلافه». وهذا في الظَّاهر يخالف (١) قوله في دعوى التقاط الطِّفل؛ إلَّا أن يفرَّق بينهما: بأنَّ اللُّقطة تؤول إلى الملك؛ فهي كتداعي اثنين في (٢) ملكيَّة عين بين أيديهما لا يد عليها لأحد (٣)؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى (٤). ومنها: لو (٥) وصَّى لجاره محمَّد، وله جاران بهذا الاسم؛ فهل تبطل الوصيَّة، أو تصحُّ ويميَّز أحدهما بالقرعة؟ فيه خلاف سبق ذكره مبسوطاً. (٦) وكذلك سبق ذكر من وهب أحد أولاده، وتعذَّر الوقوف على عينه، أو وقف عليه واشتبه فيهم. (٧) ومنها: إذا وصَّى لزيد بعبد من عبيده، قال الخرقيُّ: يُعطَى واحداً منهم بالقرعة؛ كما لو أَعَتق واحداً مبهماً. والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور: أنَّ له أخسَّهم (٨)؛

стр. 1220

يعني: أدنى ما يقع عليه الاسم منهم؛ لأنَّه المتيقَّن، وإنَّما أقرعنا في العتق؛ لأنَّ العتق حقٌّ للعبد، وقد تساووا في استحقاقه؛ فيميَّز بالقرعة، وهنا الحقُّ للموصى له، وإنَّما يستحِقُّ ما يصدق عليه الاسم. ومنها: إذا مات المتوارثان، وعُلِم أسبقهما موتاً ثمَّ نُسي؛ فقال القاضي: لا يمتنع أن نقول هنا بالقرعة لتعيين السَّابق. والمذهب: أنَّ حكم ذلك حكم ما لو جهلوا الحال أوَّلاً: أنَّه يورَّث كلُّ واحد منهما من الآخر من تِلاد ماله، دون ما ورثه منه. ولو ادَّعى ورثة كلِّ واحد منهما سبق الآخر، ولا بيِّنةَ لهما، أو تعارضت البيِّنتان؛ ففيه أوجه: أحدها: يعيَّن السَّابق بالقرعة، اختاره ابن أبي موسى، وضعَّفه أبو بكر في كتاب «الخلاف». والثَّاني: يتوارثان؛ كما لو جهل الورثة الحال، وهو قول أبي الخطَّاب، وقال القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل: هو قياس المذهب. والثَّالث: يحلف ورثة كلِّ واحد لإسقاط دعوى الآخر، ولا يتوارثان، نصَّ عليه أحمد (١)، واختاره الخرقيُّ؛ لأنَّ ورثة كلِّ واحد قد علم استحقاقهم لإرثه، وغيرهم يدَّعي عليهم استحقاق مشاركتهم، وهم ينكرون ذلك؛ فيكون القول قولهم مع أيمانهم، بخلاف مسائل الغرقى؛ فإنَّ الورثة متَّفقون فيها على عدم العلم بالسَّابق، وليس فيهم مدَّع لاستحقاق انفراده بمال ميِّته.

стр. 1221

والوجه الرَّابع، وهو اختيار أبي بكر في «الخلاف»: أنَّه يُقسَم القدر المتنازع فيه من الميراث بين مدَّعيه نصفين، وعليهما اليمين في ذلك؛ كما لو تنازعا دابَّة في أيديهما. ومنها: إذا مات عن زوجات وقد طلَّق إحداهنَّ طلاقاً يقطع الإرث، أو كان نكاح بعضهنَّ فاسداً لا توارث فيه، وجهل عين المطلَّقة وذات النِّكاح الفاسد؛ فإنَّها تعيَّن بالقرعة، والميراث للبواقي، نصَّ عليه أحمد (١) (٢). ومنها: الأولياء المستوون في النِّكاح، إذا تشاحُّوا أُقرِع بينهم. فإن سبق من أخطأته القرعة، فزوَّج؛ فهل يصحُّ أم لا؟ على وجهين. ومنها: لو زوَّج وليَّان من اثنين، وجُهل أسبق العقدين؛ ففيه روايتان: إحداهما: يميَّز الأسبق بالقرعة، فمن خرجت له القرعة فهي زوجته، ولا يحتاج إلى تجديد عقد، ولا يحتاج الآخر إلى طلاق، هذا

стр. 1222

ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل وابن منصور (١). وقد ذكر هذه الرِّواية على هذا الوجه القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل، وغيرهما. وذكر القاضي في «الجامع» و «الخلاف» و «الرِّوايتين»، وأبو الخطَّاب، وغيرهما: أنَّ الآخر يؤمر بالطَّلاق كما يطلِّق في النِّكاح الفاسد. وفيه ضعف؛ فإنَّ هذا لم يتحقَّق له نكاح منعقد، بخلاف النَّاكح نكاحاً فاسداً. وأيضاً؛ فمجرَّد طلاقه بتقدير أن يكون نكاحه هو السَّابق؛ لا يفيد حلَّ المرأة للآخر، فلهذا قال طائفة من الأصحاب: يجدِّد الَّذي خرجت عليه القرعة النِّكاح؛ لتحلَّ له بيقين. وقد حكى ذلك القاضي في كتاب «الرِّوايتين» عن أبي بكر أحمد بن سلمان النَّجَّاد، ثمَّ ردَّه بأنَّه لا يبقى حينئذٍ معنًى للقرعة؛ فإنَّه إذا أمر أحدهما بالطَّلاق، وأمر القارع بتجديد النِّكاح؛ فقد خلت المرأة من زوجيَّتهما جميعاً، فلها أن تتزوَّج حينئذٍ من شاءت منهما ومن غيرهما، ولا فائدة حينئذ للقرعة، وهذا بعينه قول من يقول بفسخ نكاحهما؛ كما سيأتي (٢).

стр. 1223

وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لو كان الأمر كما ذكروه؛ لم يبق بين الرِّوايتين فرق، ولا للقرعة فائدة، وإنَّما يجب على رواية القرعة أن يقال: هي زوجة القارع، بحيث يجب عليه نفقتها وسكناها، ولو مات ورثته، لكن لا يطؤها حتَّى يجدِّد العقد؛ فيكون تجديد العقد لحلِّ الوطء فقط، هذا قياس المذهب. أو يقال: إنَّه لا يحكم بالزَّوجيَّة إلَّا بالتَّجديد، ويكون التَّجديد واجباً عليه وعليها، كما كان الطَّلاق واجباً على الآخر (١). قال: وليس في كلام أحمد تعرض للطَّلاق، ولا لتجديد الآخر النِّكاح، فإنَّ القرعة جعلها الشَّارع حجَّة وبيِّنة تفيد الحلَّ ظاهراً؛ كالشَّهادة والنُّكول ونحوهما (٢) ممَّا لا يوقف معه على حقيقة الأمر في الباطن، والمجهول غير مكلَّف به العباد، بل هو في نظر الشَّرع كالمعدوم ما دام مجهولاً. ونظير هذه الرِّواية في القرعة: أنَّ المشهور من المذهب: أنَّ من طلَّق واحدة من زوجاته ثمَّ أُنسِيَها؛ فإنَّها تُعيَّن بالقرعة، ويحلُّ له وطء البواقي؛ فكذلك ههنا يميَّز النِّكاح الصَّحيح من الباطل بالقرعة، وتفيد حلَّ الوطء. ولا يقال هناك: الأصل فيمن لم يخرج عليها القرعة بقاء النِّكاح، ولم يتيقَّن وقوع الطَّلاق عليها، وهنا الأصل عدم انعقاد النِّكاح في كلِّ

стр. 1224

واحد منهما؛ فلا يباح الوطء بدون تيقُّن العقد الصَّحيح. لأنَّا نقول: الاستصحاب بَطَل بيقينِ وقوعِ الطَّلاقِ المحرِّم، ولهذا أبطل أصحابنا الاستصحاب في مسألة اشتباه الماء الطَّاهر بالماء النَّجس (١)، ومنعوا استعمال أحدهما بالتَّحرِّي؛ لأنَّ الاستصحاب زال حكمه بيقين التَّنجس، وحينئذٍ تتفق الصُّورتان؛ لأنَّ في إحداهما اشتبهت الزَّوجة بالمطلَّقة ثلاثاً، وفي الأخرى اشتبه الزَّوج بغيره، وكون أحدهما له أصل في الحلِّ دون الآخر لا أثر له عندنا، ولهذا يسوَّى بين اشتباه البول بالماء الطَّاهر واشتباه الماء النَّجس بالطَّاهر، ونحن نقول على أحد الوجهين: لو أقرَّ بأنَّ ولد إحدى إمائه ابنُه، ثمَّ مات ولم يعيِّنه؛ عُيِّن بالقرعة؛ وإن كان المشتبَه (٢) حرَّ الأصل. واعلم أنَّ القاضي حكى عن أبي بكر بن سلمان النَّجَّاد أنَّه يقرع بين الزَّوجين، فمن قَرَع؛ أمر صاحبه بالطَّلاق، ثمَّ جدَّد الآخر نكاحه. وقرأت بخطِّ القاضي في بعض مجاميعه قال: حكى أبو الحسن الخرزيُّ؛ قال: سئل أبو عليٍّ النَّجَّاد عن رجل زوَّج ابنته على صداق ألف درهم، ثمَّ مات الأب قبل دخول الزَّوج بها، فحضر ثلاثة رجال كلُّ واحد منهم يقول: زوَّجني أبوك منك على صداق ألف درهم قبضها منِّي، وعَدِم كلُّ واحد منهم في الحال البيِّنة، وقالت البنت: أعلم أنَّ واحداً من هؤلاء الثَّلاثة زوجي يقيناً، ولكن لا أعرفه عيناً (٣)؛ فقال

стр. 1225

أبو عليٍّ النَّجَّاد: يُرفع أمرها إلى الحاكم، فيجبر الثَّلاثة على أن يطلِّقها كلُّ واحد منهم طلقة واحدة، ثمَّ يقترع الثَّلاثة على الألف؛ فأيُّهم كانت له القرعة أخذ الألف، ثمَّ يقال للمرأة: تزوجي أيَّهم شئت إن أحببت. فإن كانت هذه الحكاية مستندَ القاضي في الحكاية عن النَّجَّاد؛ فقد وهم في تسميته؛ فإنَّ الحكاية عن أبي عليٍّ، ونسبها هو إلى أبي بكر بن سلمان، وليست المسألة في نكاحين مشتبهين، بل في دعوى، والقرعة فيها إنَّما هي للمال لا لحلِّ البُضع؛ فلا يصحُّ ما حكاه القاضي عن أبي بكر النَّجَّاد بالكليَّة؛ فليحقَّق ذلك. والرِّواية الثَّانية: يُفسخ النِّكاحان جميعاً، ثمَّ تتزوَّج من شاءت منهما أو من غيرهما إذا شاءت، نقلها أبو الحارث (١) ومهنَّى، وهي اختيار أبي بكر في «خلافه»، والخرقيِّ. وحكى ابن أبي موسى في المسألة روايتين: إحداهما: يبطل النِّكاحان. والثَّانية: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ فهي له. قال: (والأوَّل أظهر وأصحُّ). وظاهره: أنَّ النِّكاحين يبطلان من غير فسخ، ويشهد له ما نقله ابن منصور عن أحمد في وليَّين زوَّجا امرأة، لا تدري أيُّهما زوَّج قبل؛ قال: ما أرى لواحد ههنا نكاحاً (٢).

стр. 1226

ومن الأصحاب من حكى ذلك وجهاً، وقيَّده بما إذا أمكن وقوعهما معاً. وقد جعل القاضي في «خلافه» المذهب كذلك. وأمَّا إن عُلم وقوعهما معاً؛ فهما جميعاً باطلان غير منعقدين. وذكر القاضي في «خلافه»، وفي «كتاب «الرِّوايتين»: أنَّ حكمه حكم ما لو وقعا (١) مترتِّبين، وجُهل أسبقهما، وفيه الرِّوايتان. قال أبو البركات: (وهذا لا وجه له، ولعلَّه خرق الإجماع). فأمَّا حكم المهر في هذين النِّكاحين المشتبهين؛ فقد سبق ذكره، وأنَّ في وجوب نصف المهر على من يخرج عليه القرعة فيهما (٢) وجهين. فإن ماتت المرأة قبل الفسخ؛ ففي «المغني» احتمالان: أحدهما: يوقف نصف ميراثها أو ربعه حتَّى يصطلحا عليه. والثَّاني: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ حلف أنَّه المستحِقُّ ووَرِث. قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (وكلا الوجهين لا يخرَّج على المذهب، أمَّا الأوَّل؛ فلأنَّا لا نقف الخصومات قطُّ، وأمَّا الثَّاني؛ فكيف يحلف من قال: لا أعرف الحال، وإنَّما المذهب على رواية القرعة: أيُّهما قرع (٣)؛ فله الميراث بلا يمين.

стр. 1227

وأمَّا على قولنا: لا يقرع، فإذا قلنا: إنَّها تأخذ من أحدهما نصف المهر بالقرعة؛ فكذلك يرثها أحدهما بالقرعة بطريق الأولى، وإن قلنا: لا مهر؛ فهنا قد يقال بالقرعة أيضاً) انتهى (١). وإن مات الزَّوجان جميعاً؛ فلها ربع (٢) ميراث أحدهما، فإن اتَّفقت هي مع أحد الزَّوجين قبل موته أو مع ورثته أنَّه هو السَّابق؛ فالميراث لها منه بغير إشكال. وإن ادَّعت أنَّ أحدهما هو السَّابق، وأنكر هو أو ورثته؛ فالقول قولهم مع أيمانهم، فإن نكلوا؛ قضي عليهم. وإن لم تقرَّ المرأة بسبق أحدهما؛ ففي «المغني» احتمالان: أحدهما: أن تحلف ورثة كلٍّ منهما ويبرأ. والثَّاني: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ فلها ربع ميراثه. وهذا الوجه الثَّاني يتعيَّن فيما إذا أنكر الورثة العلم بالحال، ويشهد له نصُّ أحمد في رواية حنبل وغيره؛ فيمن زوَّج إحدى بناته من رجل ثمَّ مات الأب، ثمَّ مات الزَّوج، ولم يُعلم عين الزَّوجة: أنَّه يقرع بينهنَّ، فأيَّتهنَّ أصابتها القرعة؛ فهي الَّتي ترثه (٣). وقد ذكر ذلك صاحب «المغني» أيضاً فيما إذا ادَّعى كلٌّ منهما أنَّه السَّابق بالعقد، ولم تُقِرَّ الزَّوجة (٤) لواحد منهما بذلك، ثمَّ ماتا: أنَّه

стр. 1228

يقرع بينهما، ويكون لها ميراث من تقع القرعة عليه، ولم يذكر فيه خلافاً. ومنها: إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة، ثمَّ طلَّق الجميعَ ثلاثاً؛ فالمشهور عند الأصحاب: أنَّه يخرُجُ منهنَّ أربع بالقرعة، فيكُنَّ المختارات، وله نكاح البواقي بعد عدَّة الأربع؛ بناء على أنَّ الطَّلاق اختيار، والقرعة لها مدخل في تعيين المطلَّقات المبهمات، فيميَّزن بالقرعة، ويحكم باختيارهنَّ، وينفسخ نكاح البواقي بغير طلاق؛ فيباح له نكاحُهنَّ (١) بدون زوجٍ وإصابةٍ بعد انقضاء عدَّة الأربع. وقال القاضي في «خلافه» في كتاب البيع: يَطلُقُ الجميع ثلاثاً؛ لأنَّ نكاحهنَّ ثابت لم يحكم بفساده، فيلحقهنَّ الطَّلاق الثَّلاث؛ فلا ينكح شيئاً منهنَّ إلَّا بعد زوج وإصابة. وهذا يرجع إلى أنَّ الطَّلاق فسخ وليس باختيار، ولكن يلزم منه أن يكون للرَّجل في الإسلام أكثر من أربع زوجات يتصرَّف فيهنَّ بخصائص ملك النِّكاح من الطَّلاق وغيره، وهو بعيد. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّ الطَّلاق ههنا فسخ لا يحسب من الطَّلاق الثَّلاث، وليس باختيار (٢). وإن مات قبل أن يختار منهنَّ أربعاً؛ فإنَّه يقرع بينهنَّ، فيورَّث أربع منهن بالقرعة.

стр. 1229

وأما العدَّة؛ ففيها وجهان: أحدهما: على الجميع عدَّة الوفاة، قاله القاضي في «الجامع»؛ لأنَّه مات والكلُّ محبوسات على نكاحه؛ فكان عليهنَّ عدَّة الوفاة، وإسلامه لم يوجب البينونة في الزَّائد على الأربع، بل البينونة تقف على اختياره، فإذا اختار في حياته أربعاً؛ فعدَّة البواقي من حين الاختيار على المشهور، لا من حين الإسلام. الثَّاني: وهو قول القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل، وصاحب «المغني»: أنَّ عليهنَّ أطول الأمرين من عدَّة الوفاة وعدة الوطء؛ وعلَّلوه: بأنَّ أربعاً منهنَّ زوجات والبواقي موطوءات بشبهة؛ فيجب على الجميع أطول العدَّتين؛ لتبرأ الذِّمَّة من العدَّة الواجبة بيقين. وهذا لا يتخرَّج إلَّا على القول: بأنَّ البينونة تثبت بالإسلام وتتبيَّن بالاختيار، فإذا اختار أربعاً؛ فعدَّة البواقي من حين إسلامه. أمَّا إذا قلنا: عدَّتهن من حين اختياره فهنَّ زوجات له حتَّى يختار؛ فلا يتوجَّه أن يجب عليهنَّ سوى عدَّة الوفاة، إلَّا أن يقال: نكاحهنَّ في حكم الفاسد؛ لأنَّه لا يجوز استدامته بحال؛ فلا يجوز (١) أن يثبت له خصائص النِّكاح الصَّحيح. ويجاب عنه: بأنَّ النِّكاح الفاسد إذا اتَّصل به الموت؛ أوجب عدَّة الوفاة على المنصوص، فهذا أولى. ويلتحق بهذه المسألة: ما إذا طلَّق واحدة مبهمة، أو معيَّنة ثمَّ

стр. 1230

أنسيها، ثمَّ مات قبل القرعة؛ فإنَّا نقرع بينهنَّ، ونخرج المطلَّقة بالقرعة، ونورِّث البواقي، كما نصَّ عليه أحمد (١). وأمَّا العدَّة؛ فذكر القاضي في «خلافه»: أنَّه يجب على كلِّ واحدة منهنَّ عدَّة الوفاة إن لم يكن دخل بهنَّ؛ ليسقط الفرض بيقين، وإن دخل بهنَّ؛ لزمهنَّ أطول الأمرين من عدَّة الطَّلاق من حينه وعدَّة الوفاة من حينها؛ لأنَّ كلَّ واحدة منهنَّ تحتمل أن تكون مطلَّقة وأن تكون زوجة؛ فلا تبرأ الذِّمَّة بدون ذلك. وهذا يخالف المنصوص عن أحمد؛ فإنَّه نصَّ في رواية أبي طالب أنَّه يقرع بينهنَّ، فأيَّهنَّ أصابتها القرعة؛ لم تورَّث ولم تعتدَّ. ومراده: أنَّها لا تعتدُّ عدَّة الوفاة (٢). وهذا يدلُّ على أنَّ (٣) العدَّة تابعة للميراث، وهو ظاهر كلام القاضي في «المجرَّد»، فمن خرجت لها قرعة الطَّلاق؛ فليس عليها سوى عدَّة الطَّلاق من حينها، وعلى البواقي عدَّة الوفاة من حينها؛ لأنَّ القرعة بيِّنة شرعيَّة، وقد حكمنا بحلِّ البُضع بها كما سبق؛ فجاز أن ينبني عليها حكم العدَّة؛ لأنَّها من توابع الطَّلاق ولوازمه.
следующие страницы →