← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

ومن الأصحاب من حكى ذلك وجهاً، وقيَّده بما إذا أمكن وقوعهما معاً. وقد جعل القاضي في «خلافه» المذهب كذلك. وأمَّا إن عُلم وقوعهما معاً؛ فهما جميعاً باطلان غير منعقدين. وذكر القاضي في «خلافه»، وفي «كتاب «الرِّوايتين»: أنَّ حكمه حكم ما لو وقعا (١) مترتِّبين، وجُهل أسبقهما، وفيه الرِّوايتان. قال أبو البركات: (وهذا لا وجه له، ولعلَّه خرق الإجماع). فأمَّا حكم المهر في هذين النِّكاحين المشتبهين؛ فقد سبق ذكره، وأنَّ في وجوب نصف المهر على من يخرج عليه القرعة فيهما (٢) وجهين. فإن ماتت المرأة قبل الفسخ؛ ففي «المغني» احتمالان: أحدهما: يوقف نصف ميراثها أو ربعه حتَّى يصطلحا عليه. والثَّاني: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ حلف أنَّه المستحِقُّ ووَرِث. قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (وكلا الوجهين لا يخرَّج على المذهب، أمَّا الأوَّل؛ فلأنَّا لا نقف الخصومات قطُّ، وأمَّا الثَّاني؛ فكيف يحلف من قال: لا أعرف الحال، وإنَّما المذهب على رواية القرعة: أيُّهما قرع (٣)؛ فله الميراث بلا يمين.

стр. 1227

وأمَّا على قولنا: لا يقرع، فإذا قلنا: إنَّها تأخذ من أحدهما نصف المهر بالقرعة؛ فكذلك يرثها أحدهما بالقرعة بطريق الأولى، وإن قلنا: لا مهر؛ فهنا قد يقال بالقرعة أيضاً) انتهى (١). وإن مات الزَّوجان جميعاً؛ فلها ربع (٢) ميراث أحدهما، فإن اتَّفقت هي مع أحد الزَّوجين قبل موته أو مع ورثته أنَّه هو السَّابق؛ فالميراث لها منه بغير إشكال. وإن ادَّعت أنَّ أحدهما هو السَّابق، وأنكر هو أو ورثته؛ فالقول قولهم مع أيمانهم، فإن نكلوا؛ قضي عليهم. وإن لم تقرَّ المرأة بسبق أحدهما؛ ففي «المغني» احتمالان: أحدهما: أن تحلف ورثة كلٍّ منهما ويبرأ. والثَّاني: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة؛ فلها ربع ميراثه. وهذا الوجه الثَّاني يتعيَّن فيما إذا أنكر الورثة العلم بالحال، ويشهد له نصُّ أحمد في رواية حنبل وغيره؛ فيمن زوَّج إحدى بناته من رجل ثمَّ مات الأب، ثمَّ مات الزَّوج، ولم يُعلم عين الزَّوجة: أنَّه يقرع بينهنَّ، فأيَّتهنَّ أصابتها القرعة؛ فهي الَّتي ترثه (٣). وقد ذكر ذلك صاحب «المغني» أيضاً فيما إذا ادَّعى كلٌّ منهما أنَّه السَّابق بالعقد، ولم تُقِرَّ الزَّوجة (٤) لواحد منهما بذلك، ثمَّ ماتا: أنَّه

стр. 1228

يقرع بينهما، ويكون لها ميراث من تقع القرعة عليه، ولم يذكر فيه خلافاً. ومنها: إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة، ثمَّ طلَّق الجميعَ ثلاثاً؛ فالمشهور عند الأصحاب: أنَّه يخرُجُ منهنَّ أربع بالقرعة، فيكُنَّ المختارات، وله نكاح البواقي بعد عدَّة الأربع؛ بناء على أنَّ الطَّلاق اختيار، والقرعة لها مدخل في تعيين المطلَّقات المبهمات، فيميَّزن بالقرعة، ويحكم باختيارهنَّ، وينفسخ نكاح البواقي بغير طلاق؛ فيباح له نكاحُهنَّ (١) بدون زوجٍ وإصابةٍ بعد انقضاء عدَّة الأربع. وقال القاضي في «خلافه» في كتاب البيع: يَطلُقُ الجميع ثلاثاً؛ لأنَّ نكاحهنَّ ثابت لم يحكم بفساده، فيلحقهنَّ الطَّلاق الثَّلاث؛ فلا ينكح شيئاً منهنَّ إلَّا بعد زوج وإصابة. وهذا يرجع إلى أنَّ الطَّلاق فسخ وليس باختيار، ولكن يلزم منه أن يكون للرَّجل في الإسلام أكثر من أربع زوجات يتصرَّف فيهنَّ بخصائص ملك النِّكاح من الطَّلاق وغيره، وهو بعيد. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّ الطَّلاق ههنا فسخ لا يحسب من الطَّلاق الثَّلاث، وليس باختيار (٢). وإن مات قبل أن يختار منهنَّ أربعاً؛ فإنَّه يقرع بينهنَّ، فيورَّث أربع منهن بالقرعة.

стр. 1229

وأما العدَّة؛ ففيها وجهان: أحدهما: على الجميع عدَّة الوفاة، قاله القاضي في «الجامع»؛ لأنَّه مات والكلُّ محبوسات على نكاحه؛ فكان عليهنَّ عدَّة الوفاة، وإسلامه لم يوجب البينونة في الزَّائد على الأربع، بل البينونة تقف على اختياره، فإذا اختار في حياته أربعاً؛ فعدَّة البواقي من حين الاختيار على المشهور، لا من حين الإسلام. الثَّاني: وهو قول القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل، وصاحب «المغني»: أنَّ عليهنَّ أطول الأمرين من عدَّة الوفاة وعدة الوطء؛ وعلَّلوه: بأنَّ أربعاً منهنَّ زوجات والبواقي موطوءات بشبهة؛ فيجب على الجميع أطول العدَّتين؛ لتبرأ الذِّمَّة من العدَّة الواجبة بيقين. وهذا لا يتخرَّج إلَّا على القول: بأنَّ البينونة تثبت بالإسلام وتتبيَّن بالاختيار، فإذا اختار أربعاً؛ فعدَّة البواقي من حين إسلامه. أمَّا إذا قلنا: عدَّتهن من حين اختياره فهنَّ زوجات له حتَّى يختار؛ فلا يتوجَّه أن يجب عليهنَّ سوى عدَّة الوفاة، إلَّا أن يقال: نكاحهنَّ في حكم الفاسد؛ لأنَّه لا يجوز استدامته بحال؛ فلا يجوز (١) أن يثبت له خصائص النِّكاح الصَّحيح. ويجاب عنه: بأنَّ النِّكاح الفاسد إذا اتَّصل به الموت؛ أوجب عدَّة الوفاة على المنصوص، فهذا أولى. ويلتحق بهذه المسألة: ما إذا طلَّق واحدة مبهمة، أو معيَّنة ثمَّ

стр. 1230

أنسيها، ثمَّ مات قبل القرعة؛ فإنَّا نقرع بينهنَّ، ونخرج المطلَّقة بالقرعة، ونورِّث البواقي، كما نصَّ عليه أحمد (١). وأمَّا العدَّة؛ فذكر القاضي في «خلافه»: أنَّه يجب على كلِّ واحدة منهنَّ عدَّة الوفاة إن لم يكن دخل بهنَّ؛ ليسقط الفرض بيقين، وإن دخل بهنَّ؛ لزمهنَّ أطول الأمرين من عدَّة الطَّلاق من حينه وعدَّة الوفاة من حينها؛ لأنَّ كلَّ واحدة منهنَّ تحتمل أن تكون مطلَّقة وأن تكون زوجة؛ فلا تبرأ الذِّمَّة بدون ذلك. وهذا يخالف المنصوص عن أحمد؛ فإنَّه نصَّ في رواية أبي طالب أنَّه يقرع بينهنَّ، فأيَّهنَّ أصابتها القرعة؛ لم تورَّث ولم تعتدَّ. ومراده: أنَّها لا تعتدُّ عدَّة الوفاة (٢). وهذا يدلُّ على أنَّ (٣) العدَّة تابعة للميراث، وهو ظاهر كلام القاضي في «المجرَّد»، فمن خرجت لها قرعة الطَّلاق؛ فليس عليها سوى عدَّة الطَّلاق من حينها، وعلى البواقي عدَّة الوفاة من حينها؛ لأنَّ القرعة بيِّنة شرعيَّة، وقد حكمنا بحلِّ البُضع بها كما سبق؛ فجاز أن ينبني عليها حكم العدَّة؛ لأنَّها من توابع الطَّلاق ولوازمه.

стр. 1231

فعلى هذا المنصوص: يتخرَّج في مسألةِ مَن (١) أسلم على أكثر من أربع، ثمَّ مات قبل أن يختار منهنَّ: أن يقرع بين أربع منهنَّ؛ فيكُنَّ المختارات، ويلزمهنَّ عدَّة الوفاة من حينها، ويلزم البواقي عدَّة الوطء من حين الإسلام - إذا قلنا: إنَّ عدَّتهنَّ من حين الإسلام -. وعلى قول القاضي: على الجميع الاعتداد بأطول الأجلين. ومنها: إذا أصدق الزَّوجة عبداً من عبيده؛ فحكى طائفة من الأصحاب في المسألة روايتين: إحداهما: أنَّه يعيَّن بالقرعة. والثَّانية: لها الوسط منهم. وخرَّج ابن عقيل فيها وجهين آخرين: أحدهما: أنَّه يعطيها (٢) ما يختاره هو. والثَّاني: تعطى ما تختاره هي. واختار: أنَّهم إن تساووا؛ فلها واحد بالقرعة، وإلَّا فلها الوسط. والمنصوص عن أحمد في ذلك: ما نقله عنه مهنَّى في رجل تزوَّج امرأة على عبد من عبيده، فقال: أعطيها من أخسِّهم، قال: ليس له ذاك، ولكن يعطيها من أوسطهم، فقلت له: ترى أن يقرع بينهم؟ فقال: نعم، فقلت: تستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم، يقرع بين العبيد (٣).

стр. 1232

وتأوَّل أبو بكر هذا على أنَّه تزوَّجها على عبد معيَّن واشتبه. قال القاضي: (ولا يصحُّ هذا التَّأويل)، قال (١): (لأنَّه قال: تُعَطى وسطَهم، ولو كان معيَّناً؛ لم يُعتبر الوسط). ونقل عنه جعفر بن محمَّد: يقوَّم الخادم وسطاً على قدر ما يُخدَمُ مثلُها (٢). ومنها: إذا دعاه اثنان إلى وليمة عرس، واستويا في الصِّفات المرجِّحة؛ أُقرع بينهما. ومنها: إذا زُفَّت إليه امرأتان معاً؛ فإنَّه يقدِّم إحداهما بالقرعة. ومنها: إذا أراد السَّفر بإحدى زوجاته أو البِداءة بها؛ لم يجز بدون قرعة، إلَّا أن يرضى البواقي بذلك. ومنها: لو طلَّق امرأة من نسائه مبهمة؛ بأن قال لامرأتيه: إحداكما طالق، ولم ينوِ معيَّناً؛ فإنَّه يعيِّن المطلَّقة بالقرعة في ظاهر المذهب، ونصَّ عليه أحمد في رواية جماعة (٣). وفيه رواية ثانية: أنَّ له تعيينها باختياره. وتوقَّف أحمد مرَّة فيها (٤) في رواية أبي الحارث. ومنها: إذا طلَّق واحدة معيَّنة من نسائه، ثمَّ أنسيها، أو جهلها

стр. 1233

ابتداء؛ كمن قال: إن كان هذا الطَّائر غراباً ففلانة طالق، وإن لم يكن غراباً ففلانة طالق، وطار ولم يعرف ما كان؛ فالمشهور أيضاً: أنَّها تعيَّن بالقرعة، ويحلُّ له البواقي؛ كما أنَّه لو أعتق أمة من إمائه وأنسيها؛ عيَّنها بالقرعة، وحلَّ له البواقي؛ لأنَّ القرعة قامت مقام الشَّاهد والمخبر للضَّرورة، والشَّارع لم يكلِّف العباد بما في نفس الأمر، بل بما ظهر وبدا، وإن كان مخالفاً لما (١) في نفس الأمر، والمجهول كالمعدوم ما دام مجهولاً، فإذا عُلم؛ ظهر حكمه؛ كالاجتهاد مع النَّصِّ، والتَّيمُّم مع الماء (٢)، وقد نصَّ أحمد صريحاً على هذا في رواية جماعة. وعن أحمد: أنَّه لا يقرع، بل يوقف الأمر حتَّى يتبيَّن. قال الشَّالنجيُّ: سألت أحمد عن الرَّجل يطلِّق امرأة من نسائه ولا يعلم أيَّتهنَّ طلَّق؟ قال: أكره أن أقول في الطَّلاق بالقرعة، قلت: أرأيت إن مات هذا؟ قال: أقول بالقرعة؛ أي: لأجل الميراث بعد الموت (٣). وهذا اختيار صاحب «المغني». والمذهب الأوَّل. وعليه؛ فلو ذكر أنَّ المطلَّقة غير من أصابتها القرعة، وأنَّه تذكَّر ذلك؛ لزمه الطَّلاق فيها، وهل يرجع إليه الَّتي وقعت عليها القرعة؟ توقَّف فيها (٤) أحمد مرَّة.

стр. 1234

وقال في رواية الميمونيِّ: إن كانت تزوَّجت؛ لم ترجع (١) إليه؛ لأنَّ حقَّ الزَّوج الثَّاني تعلَّق بها؛ فلا يقبل قوله في إبطال حقِّه وفسخ نكاحه. وإن لم تتزوَّج؛ فإن كانت القرعة بفعل الحاكم؛ لم ترجع إليه أيضاً، نصَّ عليه في رواية الميمونيِّ أيضاً (٢). قال ابن أبي موسى: وهو يرجع إلى أنَّ حكم الحاكم له تأثير في التَّحريم. وفيما قاله نظر، بل الظَّاهر أنَّه يرجع إلى أنَّ فعل الحاكم حكم؛ فلا يقبل قول الزَّوج فيما يرفع فعل الحاكم؛ لأنَّ تعلُّق حكم الحاكم كتعلُّق حقِّ الزَّوج وأولى. وإن لم تكن القرعة من الحاكم؛ رجعت إليه، نصَّ عليه أيضاً؛ لأنَّ إخباره بذلك مقبول قبل القرعة؛ فكذلك بعدها، إلَّا أن يتضمَّن إبطال حقٍّ لغيره، ولم يوجد ذلك هنا. وعن أبي بكر وابن حامد: لا ترجع إليه؛ لأنَّه متَّهم في نفي الطَّلاق عنها؛ فلا يقبل قوله فيه. ومنها: لو رأى رجلان طائراً، فقال أحدهما: إن كان غراباً؛ فامرأتي طالق ثلاثاً، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً؛ فامرأتي طالق ثلاثاً؛ ففيه وجهان:

стр. 1235

أحدهما: يبني (١) كلُّ واحد منهما (٢) على يقين نكاحه، ولا يحكم عليه بالطَّلاق؛ لأنَّه متيقِّن لحِلِّ زوجته، شاكٌّ في تحريمها، بخلاف ما إذا كانت الزَّوجتان لرجل واحد؛ فإنَّه تيقَّن زوال النِّكاح في إحدى زوجتيه؛ فلذلك (٣) عُيِّنت بالقرعة، وهذا اختيار القاضي، وأبي الخطَّاب، وكثير من المتأخِّرين. والثَّاني: أنَّه يقرع بينهما؛ فمن وقعت عليه القرعة؛ طَلَقَتْ زوجته؛ كما لو كانا لرجل واحد، وهو اختيار الشِّيرازيِّ في «الإيضاح»، وابن عقيل، والحلوانيِّ، وفي «الجامع» للقاضي: (أنَّه قياس المذهب). وعلى الأوَّل؛ فمن اعتقد خطأ الآخر دونه؛ حلَّ له الوطء، وإن شكَّ وتردَّد؛ كفَّ عنه وجوباً عند القاضي، وورعاً عند ابن عقيل. والمنصوص عن أحمد في هذه المسألة: ما رواه عنه ابنه عبد الله أنَّه قال: يعتزلان نساءهما حتَّى يُتيقَّن (٤). فيحتمل أن يكون حكَم بوقوع الطَّلاق على أحدهما ولكن لم يخرجه بالقرعة كما رواه الشَّالنجيُّ عنه. ويحتمل -وهو الأظهر-: أنَّه منع من الوطء خاصَّة كما قاله القاضي. قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: تأمَّلت نصوص أحمد؛ فوجدته يأمر باعتزال

стр. 1236

الرَّجل امرأته في كلِّ يمين حلف الرَّجل عليها بالطَّلاق وهو لا يدري أهو بارٌّ فيها أم لا حتَّى يتيقن (١) أنَّه بارٌّ، فإن لم يعلم أنَّه بارٌّ؛ اعتزلها أبداً، وإن علم أنَّه بارٌّ في وقت؛ اعتزلها وقت الشَّكِّ. وحاصله: أنَّه متى علَّق الطَّلاق بشرطٍ وأمكن وجوده؛ فإنَّه يعتزل امرأته حتَّى يُعلم انتفاؤه، نصَّ على فروع هذا الأصل في مواضع: منها: إذا قال: إن كنتِ حاملاً؛ فأنتِ طالق؛ يعتزلها حتَّى يتبيَّن الحمل. ومنها: إذا وكَّل وكيلاً في طلاق امرأته؛ يعتزلها حتَّى يدري ما يفعل. ومنها: إذا قال: أنتِ طالق ليلة القدر؛ يعتزلها إذا دخل العشر الأواخر؛ لإمكان أن يكون أوَّل ليلة. ومنها: إذا قال: أنتِ طالق قبل موتي بشهر؛ فإنَّه يعتزلها مطلقاً، نقله عنه مهنَّى. ومنها: مسألة إن كان الطَّائر غراباً، وهي هذه المسألة (٢). ومن مسائل القرعة: إذا قال لامرأته: إن ولدتِ ذكراً فأنتِ طالق طلْقة، وإن ولدتِ أنثى فأنتِ طالق طلقتين؛ فولدت ذكراً وأنثى متعاقبين، وأشكل السَّابق منهما؛ ففيه وجهان: أحدهما: أنَّه يقع بها واحدة؛ لأنَّه اليقين، والزَّائد عليه مشكوك فيه

стр. 1237

فيلغى، كما لو طلَّق وشكَّ: هل طلَّق (١) واحدة أو اثنتين؟ وهذا قول أبي الخطَّاب، ورجَّحه صاحب «المغني». والثَّاني: يعيَّن الواقع منهما بالقرعة، قاله القاضي وابن عقيل؛ لأنَّه تحقَّق وقوع أحد المعلَّقين، وشكَّ في عينه؛ فمُيِّز بالقرعة، كما لو تيقَّن وقوع طلاق إحدى الزَّوجتين وشكَّ في عينها. ومأخذ الخلاف: أنَّ القرعة لا مدخل لها في إلحاق الطَّلاق المشكوك فيه، ولها مدخل في تعيين المحلِّ المشتبه عند لحوق الطَّلاق لأحد الأعيان المشتبهة، فمن قال بالقرعة هنا؛ جعلها لتعيين إحدى الصِّفتين، وجعل وقوع الطَّلاق لازماً لذلك، ومن منعها؛ نظر إلى أنَّ القصد بها هنا هو اللَّازم - وهو الوقوع- ولا مدخل للقرعة فيه، وهذا أظهر. ومن غرائب مسائل القرعة في الطَّلاق: إذا قال لزوجاته الأربع: أيَّتكنَّ لم أطأها اللَّيلة؛ فصواحباتها طوالق، ولم يطأ تلك اللَّيلة واحدة منهنَّ؛ فالمشهور عند الأصحاب: أنَّهنَّ يَطْلُقنَ ثلاثاً ثلاثاً؛ لأنَّ شرط الطَّلاق - وهو خلوُّ الوطء في اللَّيلة - قد تحقَّق في آخر جزء منها، فإذا بقي جزء منها لا يتَّسع للإيلاج؛ تحقَّق شرط طلاق الجميع دفعة واحدة، فيَطْلُقن (٢) الجميع ثلاثاً ثلاثاً؛ لأنَّ لكلِّ واحدة ثلاث صواحبات لم يطأهنَّ، فاجتمعت شروط وقوع الثَّلاث عليها.

стр. 1238

وحكى أبو بكر في «التَّنبيه»: في المسألة وجهين عن الأصحاب: أحدهما: هذا. والآخر - وهو الَّذي ذكره أوَّلًا وجزم به -: أنَّ إحداهنَّ تطلق ثلاثاً والبواقي تطلق اثنتين اثنتين. وعلَّله: بأنَّه لمَّا امتنع عن الأولى؛ طَلَقتِ الثَّلاث واحدة واحدة، فلمَّا امتنع عن الثَّانية؛ طَلَقتِ الأولى واحدة والثَّالثة والرابعة ثنتين، فلمَّا امتنع عن الثَّالثة؛ طَلَقتِ الأولى اثنتين، والثَّانية اثنتين، والثَّالثة كذلك، وبانت الرَّابعة، فلمَّا امتنع عن الرَّابعة؛ امتنع عنها وهي غير زوجة؛ فلم يقع بالامتناع منها طلاق. فعلى هذا الوجه؛ ينبغي أن يُقرَع بينهنَّ، فمن خرجت لها قرعة الثَّلاث؛ حَرُمت بدون زوج وإصابة، وملك رجعة البواقي. وشرح كلامه: أنَّه يقدَّر الامتناع من وطئهنَّ مرتَّباً؛ لأنَّه لا يمكن إلَّا كذلك، فإذا بقي من اللَّيلة زمن لا يتَّسع للإيلاج في أربع؛ فقد تعذَّر وطء الأولى حينئذٍ؛ فتطلُقُ الثَّلاثة البواقي طلقة طلقة، فإذا بقي زمن لا يتَّسع للإيلاج في الثَّلاث؛ فقد تعذَّر وطء الثَّانية؛ فطَلَقتِ الأولى والثَّالثة والرَّابعة طلْقة طلْقة، فيجتمع على الأولى والثَّانية طلقة، وعلى الثَّالثة والرَّابعة طلقتان، فإذا بقي زمن لا يتَّسع للإيلاج في اثنتين؛ فقد تعذَّر وطء الثَّالثة، فتطلق به الأولى والثَّانية والرَّابعة؛ فيجتمع على الأولى والثَّانية طلْقتان، وعلى الرَّابعة ثلاث طَلَقات؛ فتَحرُم حينئذٍ، وتخرج عن الزَّوجيَّة (١)؛ فلا يبقى الامتناع من وطئها شرطاً لطلاق صواحباتها؛ لأنَّ

стр. 1239

تقدير كلامه: أيَّتكنَّ لم أطأها اللَّيلة وهي زوجتي، وقد تعذَّر ذلك في هذه الرَّابعة. وهذا يرجع إلى أنَّه متى حلف بالطَّلاق على فعل شيء في وقت متَّسع، فتعذَّر فعله في آخر أجزاء ذلك الوقت؛ أنَّه لا يحنث؛ لأنَّ حنثه إنَّما هو بترك ذلك في آخر الوقت؛ فيستدعي وجود المحلوف عليه حينئذ، والمعروف من المذهب: أنَّه يحنث في حال التَّعذُّر؛ كما لو حلف ليشربنَّ ماء هذا الكوز اليوم، فتلف قبل مضي اليوم؛ فإنَّه يحنث في الحال. وعلى ما ذكره أبو بكر: لا يحنث. وقال صاحب «المستوعب»: ويمكن أن يقال: الأوَّلة منهنَّ من كان وقت اليمين حصتها (١) من القسم، والثَّانية الَّتي تليها. ومنها: إذا ادَّعى الزَّوج الرَّجعة، والزَّوجةُ انقضاءَ العدَّة، في آن واحد؛ ففيه وجهان: أحدهما: القول قول المرأة؛ لأنَّ الزَّوج مدَّعٍ، وهي تنكر. والثَّاني: يقرع بينهما، فمن قَرَع؛ فالقول قوله. ومنها: إذا آلى من واحدة معيَّنة (٢) واشتبهت عليه؛ فإنَّها تُميَّز بالقرعة، ذكره أبو بكر. وإن آلى من واحدة مبهمة؛ ففي «المحرَّر» وجهان:

стр. 1240

أحدهما: تُعيَّن بالقرعة. والثَّاني: بتعيينه. وهما مخرَّجان من الرِّوايتين في مسألة الطَّلاق. وفي «المغني»: له وطء الجميع سوى واحدة منهنَّ، فإذا لم يبق سوى واحدة؛ تعيَّن الإيلاء فيها، لأنَّه لا يمكن وطؤها بدون الحنث في هذه الحال، بخلاف ما قبلها؛ فلا يصير مولياً بدون ذلك. ومنها: إذا تعذَّر إثبات النَّسب بالقافة؛ إمَّا لعدمها، أو لعدم إلحاقها النَّسب لإشكاله عليها، أو لاختلافها فيه ونحو ذلك؛ فالمشهور: أنَّه لا يُلحق بالقرعة. وقد قال أحمد في رواية علي بن سعيد (١) في حديث عليٍّ؛ في ثلاثة وقعوا على امرأة، فأقرع بينهم (٢)؛ قال: (لا أعرفه صحيحاً)، وأوهنه (٣)، وقال في رواية ابن منصور: (وحديث عمر في القافة أعجب

стр. 1241

إليَّ) (١)؛ يعني: من هذا الحديث. وعلى هذا؛ فهل يضيع نسبه، أو يترك حتَّى يبلغ فينتسب إلى من يميل طبعه إليه من المدَّعِينَ له فيلحق به؟ على وجهين: والأوَّل: قول أبي بكر. والثَّاني: قول ابن حامد. واختار صاحب «المحرَّر»: أنَّه يلحق بالمدَّعِيَيْنِ معاً؛ كالمدَّعيين لعين ليست في يد أحدهما إذا استويا في البيِّنة أو عدمها؛ فإنَّ العين تُقسم بينهما، كذلك ههنا يلحق النَّسب بهما؛ إذ لا يمكن إلحاقه بالقرعة. وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت أبا عبد الله عن حديث عمر: أنَّ رجلين اختصما إليه أنَّهما وقعا على امرأة في طهرها؛ أيش (٢) يقول فيه؟

стр. 1242

قال أحمد: إن وَلَدَتْ؛ خَيَّرتُ الابنَ أيَّهما شاء اختار، ويرثهما جميعاً، ويخيَّر في حياتهما أيَّهما شاء من الأبوين اختار (١). قال القاضي: هذا موافق لقول ابن حامد: أنَّه ينسب إلى من اختار منهما. وقال الحارثيُّ: إنَّما دلَّ على أنَّه ينسب إليهما، كما اختاره صاحب «المحرَّر»؛ لأنَّه ورثه منهما، ولم يوقفه إلى بلوغه، وتخييره إنَّما هو للحضانة. والأظهر عندي: أنَّ مراد أحمد أنَّه إذا ألحقته القافة بالأبوين معاً؛ وَرِثَهما، وخُيِّر في المقام عند من يختاره منهما؛ فإنَّه سئل عن حديث عمر، وحديث عمر فيه هذان الحُكْمان. وعن أحمد: أنَّه يقرع بينهما؛ فيلحق نسبه بالقرعة، ذكرها في «المغني» (٢) في كتاب الفرائض.

стр. 1243

وهي مأخوذة - والله أعلم - مما روى صالح عن أبيه أنَّه قال: القرعةَ أَراها، قد أقرع النَّبيُّ ﷺ في خمس مواضع)، فذكر منها: وأقرع في الولد حديث الأجْلَحِ عن الشَّعبيِّ عن أبي الخليل عن زيد بن أرقم (١)، وهو مختلف فيه، وأَذْهبُ إلى القرعة؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقرع. قلت: إنَّ بعض النَّاس لا يجيزون القرعة إلَّا في الأموال. فقال: أليس قد أقرع النَّبيُّ ﷺ بين نسائه، والقرعة في القرآن في موضعين (٢). وظاهر هذا: أنَّه أخذ بالقرعة في النَّسب. وقد ذكرنا طرق حديث زيد بن أرقم، والاختلافَ فيه، وكلامَ الحفَّاظ عليه، وتوجيهَ ما تضمَّنه من توزيع الغرم، في جزء مفرد. وقد قال أبو بكر عبد العزيز: لو صحَّ؛ لقلنا به. وأمَّا حكم تحريم النِّكاح؛ فإن أَلحَقَت القافةُ الولدَ بأحد الواطئَينِ، وكان بنتاً؛ حلَّت لأولاد الآخر، ولم تحل لأحد من الواطِئَينِ؛ لكونها رَبيبةً له.

стр. 1244

وإن لم توجد قافة؛ فإن قلنا: يضيع النَّسب؛ حَرُمت على الواطِئَيْنِ وأولادهما؛ كما إذا اشتبهت ذاتُ مَحْرمٍ بأجنبيَّة، وإن قلنا: تترك حتَّى تبلغ، فتنتسب إلى أحدهما بميل الطَّبع؛ ففي حلِّها لولد الآخر (١) احتمالان، ذكرهما صاحب «التَّرغيب» في الرَّضاع بلبن هذه المرأة. وأمَّا حكم العدَّة؛ فقال أكثر الأصحاب: إن ألحقت القافة الولد بأحدهما؛ انقضت به عدَّتها منه، ثمَّ اعتدَّت للآخر، وإن ألحقته بهما؛ انقضت به عدَّتها منهما. وفي «الانتصار» لأبي الخطَّاب: لا يمتنع على أصلنا أن نقول: تنقضي به عدَّة أحدهما لا بعينه، وتعتدُّ للآخر فيما إذا ألحقته القافة بهما؛ كما لو وطئها رجلان بشبهة وجهل السَّابق. وأمَّا إن ضاع نسبه؛ بأن لم يوجد قافة، أو أشكل عليهم؛ ففي «الإقناع» لابن الزَّاغونيِّ: يضاف إلى أحدهما بالقرعة، وتنقضي به عدَّتها منه، قال: (ويحتمل أن تستأنف العدَّة لهما؛ لأنَّه لا يعلم به البراءة من ماء أحدهما؛ حيث لم ينسب إلى واحد منهما). وفي «المجرَّد» و «الفصول» و «المغني»: يلزمها أن تعتدَّ بعد وضعه بثلاثة قروء؛ لأنَّه إن كان من الأوَّل؛ فقد أتت بما عليها من عدَّة الثَّاني، وإن كان من الثَّاني؛ فعليها أن تكمل عدَّة الأوَّل؛ ليسقط الفرض بيقين. وأمَّا حكم الميراث إذا تعذَّر إلحاق النَّسب بواحد منهما، ومات

стр. 1245

الولد: ففي «المجرَّد» في كتاب العدد: (قياس المذهب أنَّه يقرع بينهما، فمن تقع عليه القرعة؛ حُكِم له بالميراث؛ كما قلنا: إذا طلَّق إحدى نسائه ومات)، ثمَّ قال: (فإن (١) كان للطفل أمٌّ ولأحد المتداعيين فيه ولدان، أو كان لها ولد ولأحدهما ولد؛ فيجوز أن يكون للميِّت أَخَوان، ويجوز ألَّا يكون؛ فيحكم لها بالثُّلث، ولا تحجب بالشَّكِّ). قال الشَّيخ مجد الدِّين: (وفي هذا عندي نظر من وجهين: أحدهما: أنَّ القرعة إنَّما تشرع عندنا إذا امتنع الجمع بين الأمرين، وهنا يمكن أن يكون منهما عندنا. والثَّاني: أنَّ القاضي ذكر في «المجرَّد» في كتاب الفرائض: أنَّه يوقف المشكوك فيه حتَّى يصطلح عليه، ثمَّ العجب أنَّه جعل للأمِّ هنا الثُّلث؛ حيث يُشَكُّ؛ هل لها الثُّلث أو السُّدس؟ وكان ينبغي أن تعطى (٢) بمقتضى القرعة؟!) انتهى. وأقول: القرعة هنا أرجح من الإيقاف؛ لأنَّ فيها فصلاً للأحكام، وأمَّا احتمال كونه منهما؛ فهو بعيد جدًّا؛ فلا تعويل عليه، وإنَّما التَّعويل على العادة الغالبة، وأنَّه ابن لواحد منهما. نعم، لو عوَّلنا على هذا الاحتمال؛ لقسمنا إرثه بينهما بالسَّويَّة، وهو متوجِّه أيضاً. وأمَّا دخول القرعة فيما تستحقه الأمُّ من الثُّلث أو السُّدس (٣)؛ فغير

стр. 1246

ممكن، كما لا تدخل (١) القرعة فيما يستحقه الخنثى من ميراثِ ذكرٍ أو أنثى، ولا فيما يستحِقُّه مَن له حاجب مفقود، ونحو ذلك. تنبيه: هذا الكلام في إلحاق النَّسب ابتداء بالقرعة، فأمَّا إذا أقرَّ بولد مبهم من أَمَةٍ (٢) له، ثمَّ مات ولم يبيِّن (٣)، وتعذَّرت القافة؛ أقرعنا لأجل الحريَّة، فمن خرجت عليه القرعة؛ فهو حرٌّ. وهل يثبت نسبه بذلك؟ فيه خلاف سبق ذكره (٤)؛ لأنَّ الحريَّة هنا مستندة إلى الإقرار (٥)، والقرعة مرجِّحة. ومنها: أنَّ الغلام إذا بلغ سبع سنين؛ فإنَّه يخيَّر بين أبيه وأمِّه في الحضانة على ظاهر المذهب، فإن لم يختر واحداً منهما، أو اختارهما جميعاً؛ أقرع بينهما على المشهور.

стр. 1247

وفيه وجه: يعطى لأمِّه. وأمَّا قبل السَّبع؛ فإذا استوى في استحقاق حضانته رجلان؛ كأخوين، أو امرأتان؛ كأختين؛ فإنَّه يعيَّن أحدهما بالقرعة أيضاً. ومنها: إذا استحقَّ القَوَدَ جماعة، وتشاحُّوا في مباشرة الاستيفاء؛ ففيه وجهان: أشهرهما: أنَّه يقدَّم أحدهم بالقرعة. والثَّاني: بتعيين الإمام، قاله ابن أبي موسى. هذا إذا كان المقتول واحداً. فإن كانوا جماعة، وطلب وليُّ كلِّ واحد منهم أن يقتصَّ على الكمال؛ ففيه وجهان أيضاً: أحدهما: أنَّه يقرع بينهم، فمن خرجت قرعته؛ أُقيد به، ويجب للباقين الدِّيَة. والثَّاني: يبدأ بالسَّابق في القتل؛ فيقاد به، وتتعيَّن الدَّيَة للباقين، فإن قتلهم دفعة واحدة؛ قُدِّم من تخرج (١) له القرعة. ولم يذكر صاحب «المغني» سوى هذا الوجه. وقال أبو الخطَّاب في «الانتصار»: يقتل للجميع، ويؤخذ من ماله بقيَّة ديات الجميع يقسم بينهم، وحكى أنَّ المنصوص عن أحمد: أنَّهم إذا طلبوا القتل؛ فليس لهم غيره، ويكون قد أخذوا بعض حقوقهم، ويسقط (٢) بعضها.

стр. 1248

وبَعَّده: بأنَّ القصاص لا يتبعَّض في الاستيفاء (١) والإسقاط. ومنها: إذا أعطينا الأمان لمشرك في حصن ليفتحه لنا، ففعل، ثمَّ اشتبه علينا، وادَّعى كلٌّ منهم أنَّه المستأمِن؛ ففيه وجهان: أحدهما، وهو المنصوص في رواية ابن هانئ: أنَّه يحرم قتلهم واسترقاقهم جميعاً. (٢) والثَّاني: يخرج أحدهم بالقرعة؛ فيكون حرًّا، ويرقُّ الباقون، وحكي عن أبي بكر والخرقيِّ؛ لأنَّ القرعة تميِّز الحرَّ من العبد عند الاشتباه؛ ولو كان حرَّ الأصل، كما لو أقرَّ أنَّ أحد هذين الولدين من هذه الأمة ولدُه، ثمَّ مات ولم توجد (٣) قافة؛ فإنَّا نقرع بينهما للحريَّة؛ وإن كان حرَّ الأصل. ومن (٤) نصر الأوَّل؛ قال: إرقاق الباقين هنا يؤدِّي إلى ابتداء الإرقاق مع الشَّكِّ في إباحته، بخلاف من أعتق أحد عبيده واشتبه عليه؛ فإنَّه ليس فيه سوى استدامة الإرقاق مع الشَّكِّ في زواله؛ فالاستدامة تبقية على الأصل الَّذي لم يتحقَّق زواله، والابتداء نقل عن الأصل المتحقِّق مع الشَّكِّ في إباحته. نعم، لو كان المعطى (٥) للأمان امرأةً، واشتبهت علينا؛ لتوجَّه جواز

стр. 1249

استرقاق (١) النِّساء سوى واحدة بالقرعة؛ لأنَّ النِّساء يصرن أرقَّاء بنفس السَّبي؛ فقد اشتبه ههنا الرَّقيق بحرِّ الأصل؛ فهي كمسألة الإقرار المشار إليها. وكذلك لو أسلم واحد من حصن قبل فتحه، ثمَّ فتحناه، وادَّعى كلُّهم أنَّه المسلم؛ فإنَّه يخرج بالقرعة واحد فلا يسترقُّ، ويسترقُّ الباقون؛ لأنَّهم إنَّما أسلموا بعد القهر، وذلك يوجب استرقاقهم على المنصوص؛ فقد اشتبه ههنا الحرُّ بمن ثبت استرقاقه؛ فيميَّز بالقرعة. وجعل أصحابنا حكم هذه المسألة حكم مسألة دعوى الأمان في جريان الخلاف فيها. ومنها: إذا ضَمِنَّا مالاً لمن يفتح الحصن، فادَّعى اثنان منهم (٢) أنَّه الَّذي فتحه دون الآخر؛ فقال أبو بكر في «التَّنبيه»: فيه قولان: أحدهما: أنَّ المال بينهما جميعاً؛ لأنَّهما فيه سواء بدعواهما له. والآخر: يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة؛ كان المال له. ومنها: إذا قُسم خُمُس الغنيمة؛ فإنَّه يُجَزَّأ خمسة أقسام بالسَّويَّة؛ سهمٌ لله وللرَّسول، وسهمٌ لذوي القربى، وسهمٌ لليتامى، وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لأبناء السَّبيل، ثمَّ يقرع بينها برقاع يكتب فيها أسهام كلِّ سهم من هذه السِّهام، فمن خرج له سهم؛ فهو له من غير تخيُّر.

стр. 1250

وكذلك الفيء إذا قلنا: إنَّه يخمَّس، ذكره أبو حفص العُكْبَريُّ، حكاه عنه الآمديُّ، وذكر في ذلك آثاراً عن عثمان وعليٍّ وغيرهما من الصَّحابة ﵃ (١). ومنها: لو حلف بيمين ولم يدر أيَّ الأيمان هي؛ فالمنصوص عن أحمد: أنَّه لا يلزمه شيء، قال في رواية ابن منصور، في رجل حلف بيمين لا يدري ما هي طلاق أو غيره؛ قال: لا يجب عليه الطَّلاق حتَّى يعلم أو يستيقن (٢). وظاهره: أنَّه لا يلزمه شيء من موجَبات الأيمان كلِّها؛ لأنَّ الأصل براءة الذِّمَّة من موجَب كلِّ يمين بانفرادها. وتوقَّف أحمد في رواية أخرى، قال صالح: سألت أبي عن رجل حلف على يمين لا يدري بما (٣) حلف؛ بالله، أو بالطَّلاق، أو بالمشي؟

стр. 1251

قال: لو عرف اجترأت أن أجيب فيها؛ فكيف إذا لم يدر؟! (١). وفي المسألة قولان آخران: أحدهما: أنَّه يقرع بين الأيمان كلِّها؛ من الطَّلاق والعتاق والظِّهار واليمين بالله؛ فما خرج بالقرعة؛ لزمه مقتضاه. وهو بعيد؛ لما تضمَّنه (٢) من إيقاع الطَّلاق والعتاق بالشَّكِّ، ولكنَّه احتمال ذكره ابن عقيل في «فنونه». وذكر القاضي في بعض تعاليقه: أنَّه استُفتي في هذه المسألة، فتوقَّف فيها، ثمَّ نظر؛ فإذا قياس المذهب: أنَّه يقرع بين الأيمان كلِّها؛ الطَّلاق والعتاق والظِّهار واليمين بالله تعالى، فأيُّ يمين وقعت عليها القرعة؛ فهي المحلوف عليها. قال: ثمَّ (٣) وجدت عن أحمد ما يقتضي أنَّه لا يلزمه حكم هذه اليمين، وذكر رواية ابن منصور المتقدِّمة (٤) (٥). والثَّاني: أنَّه يلزمه كفَّارة كلِّ يمين؛ لأنَّه تيقَّن وجوب أحدها وشكَّ في عينه، ذكره ابن عقيل في «فنونه» أيضاً.

стр. 1252

وهو متَّجهٌ فيما إذا علم أنَّها إحدى الأيمان المكفَّرة، أمَّا إن شكَّ هل هي ممَّا يدخله التَّكفير أوْ لا؛ فلا يزول شكُّه بالتَّكفير المذكور. وفي مسائل إبراهيم الحربيِّ: سمعت رجلاً يسأل أحمد بن حنبل عن يمين حلفها، فقال له أحمد: كيف حلفتَ؟ فقال له الرجل (١): ليس أدري (٢) كيف حلفتُ؟ فقال أحمد: حدَّثنا يحيى بن آدم؛ قال: قال رجل لشَريكٍ: حلفت وليس أدري كيف حلفتُ؟ فقال له شَريك: ليتني إذا دَرَيتَ أنت كيف حلفتَ دَرَيتُ أنا كيف أُفتيك! انتهى. وهذه الرِّواية تحتمل أن يكون المراد: أنَّه لم يدرِ بماذا حلف؛ فتكون كرواية صالح السَّابقة. ويحتمل أنَّه لم يدر ما حلف عليه؛ مثل أن يعلم أنَّه حلف بالطَّلاق - مثلاً - ليفعلنَّ (٣) شيئاً، ونسي (٤) ما حلف عليه؛ فهنا قد شكَّ في شرط الطَّلاق، وهو عدميٌّ؛ فلا يلزمه الطَّلاق على المذهب عند صاحب «المحرَّر». وفيه وجه: يحنث في آخر أوقات الإمكان؛ لأنَّ الأصل وجود ما علِّق عليه، وهو العدم. وإن حلف بالطَّلاق لا يفعل كذا، فهنا شرط الطَّلاق وجوديٌّ، وهو

стр. 1253

الفعل؛ فلا يقع الطَّلاق بالشَّكِّ في وجوده. وأفتى الشَّيخ تقيُّ الدِّين فيمن حلف ليفعلنَّ شيئاً ثمَّ نسيه: أنَّه لا يحنث؛ لأنَّه عاجز عن البرِّ (١). وهو يرجع إلى (٢) الوجه المذكور في الصُّورة الأولى. ومنها: إذا تناضل (٣) حزبان واقتسموا الرِّجال بالاختيار، واختلفوا في البادئ بالاختيار من كلِّ حزب؛ أُقرع بينهم لذلك. وكذلك إذا اختلف الرُّماة في المبتدئ بالرَّمي (٤) وتشاحُّوا؛ أُقرِع بينهم في قياس المذهب، قاله الآمديُّ. واختار القاضي: أنَّه يقدَّم من أخرج السَّبَقَ، فإن لم يكن؛ أقرع بينهم. واختار صاحب «التَّرغيب»: أنَّه لا يصحُّ عقد المناضلة حتَّى يعيَّن فيه المبتدئ بالرَّمي. ومنها: إذا استوى اثنان من أهل الفيء في درجة (٥)؛ ففي «المجرَّد»: يقدَّم أسنُّهما، ثمَّ أقدمهما هجرة. وفي «الأحكام السُّلطانيَّة»: يقدَّم بالسَّابقة في الإسلام، ثمَّ بالدين،

стр. 1254

ثم بالسِّنِّ، ثمَّ بالشَّجاعة، ثمَّ وليُّ الأمر مخيَّر: إن شاء أقرع بينهما، وإن شاء رتَّبهما على رأيه واجتهاده. ومنها: إذا تنازع الإمامة العظمى اثنان، وتكافئا في صفات التَّرجيح؛ قُدِّم أحدهما بالقرعة، قال القاضي: هذا قياس المذهب؛ كالأذان. ومنها: لو عُقِدت الإمامة لاثنين في عقدين مترتِّبين، وجُهل السَّابق منهما؛ فقال القاضي: (يخرَّج على روايتين: إحداهما: بطلان العقد فيهما. والثَّانية: استعمال القرعة؛ بناء على ما إذا زوَّج الوليَّان وجُهِل السَّابق منهما (١)؛ فإنَّه على روايتين، كذلك هنا) انتهى. ولكنَّ المشهور في حكاية الرِّواية الأولى في كتب القاضي وأصحابه: أنَّه يفسخ النِّكاحان، وقياس هذا: أن يفسخ العقدان، لا أنَّهما يبطلان من غير فسخ. ومنها: إذا ولَّى الإمام قاضيين في بلد عملاً واحداً - وقلنا بصحَّة ذلك -، فاختلف الخصمان فيمن يحتكمان إليه؛ فالقول قول المدَّعي، فإن تساويا في الدَّعوى؛ اعتُبِر أقرب الحاكمين (٢) إليهما، فإن استويا؛ أُقرع بينهما. وقيل: يمنعان من التَّخاصم حتَّى يتَّفقا على أحدهما. قال القاضي: والأوَّل أشبه بقولنا.

стр. 1255

ومنها: إذا هجم الخصوم على القاضي دفعة واحدة، وتشاحُّوا في التَّقدُّم، وليس فيهم مسافر؛ فإنَّه يُقدَّم أحدهم بالقرعة. وكذلك إذا ادَّعى الخصمان عنده معاً؛ فإنَّه يُقدِّم أحدهما بالقرعة. ومنها: القرعة في القسمة، إذا عدَّل القاسم السِّهام بالأجزاء إن تساوت، وبالقيمة إن اختلفت، وبالرَّدِّ فيما يقتضي الرَّدَّ؛ فإنَّه يُقرِع بين الشُّركاء، وهو مخيَّر: إن شاء كتب اسم كلِّ واحد منهم في رقعة، ثمَّ يخلط الرِّقاع ويخرج على كلِّ سهم (١) رقعة منها، وإن شاء كتب اسم كلِّ سهم في رقعة، ثمَّ خلطها وأخرج واحدة واحدة منها على اسم واحد واحد من الشُّركاء، فإذا تمَّت القرعة؛ لزمت القسمة للشُّركاء. وفيه وجه: لا يلزم فيما فيه ردٌّ حتَّى يتراضيا به بعد القسمة؛ لأنَّها بيع إذا دخلها الرَّدُّ؛ فيشترط لها التَّراضي. ومنها: إذا تداعى اثنان عيناً بيد ثالث، فأقرَّ بها لأحدهما مبهماً وقال: لا أعلم عينه؛ فإنَّه يقرع بينهما، فمن قَرَع؛ فهي له. وهل يحلف؟ على وجهين ذكرهما أبو بكر. والمنصوص عن أحمد: أنَّ عليه اليمين، وعليه حُمِل حديث أبي هريرة: «إذا أحبَّ الرَّجلان اليمين أو كرهاها؛ فلْيَسْتَهِما عليها» (٢)، لكنَّه قال: (إذا كرها اليمين وخرجت القرعة لأحدهما؛ فهي له بغير يمين) (٣).

стр. 1256

ولا فرق بين أن تكون (١) وديعة، أو عاريَّة، أو رهناً، أو بيعاً مردوداً بعيب أو خيار أو غيرهما، نصَّ عليه في المردود في رواية ابن منصور. وإن قال من هي في يده: ليست لي، ولا أعلم لمن هي؛ ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: يقترعان عليها؛ كما لو أقرَّ بها لأحدهما مبهماً. والثَّاني: تجعل عند أمين الحاكم. والثَّالث: تقرُّ في يد من هي في يده. والأوَّل ظاهر كلام أحمد في رواية صالح وأبي طالب وأبي النَّضر وغيرهم (٢)، والوجهان الآخران مخرَّجان من مسألة من في يده شيء معترف بأنَّه ليس له، ولا يعرف مالكه، فادَّعاه معيَّن؛ فهل يدفع إليه أم لا؟ وهل يقرُّ بيد من هو في يده، أم ينزعه الحاكم؟ فيه خلاف معروف. ومنها: إذا تداعى اثنان عيناً ليست في يد أحد؛ ففيها وجهان: أحدهما: يقسم بينهما؛ كالَّتي بأيديهما. والثَّاني: يقرع بينهما؛ فتعطى لمن قَرَع؛ كما لو كانت بيد ثالث، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية صالح في اثنين تداعيا كيساً ليست أيديهما عليه: (أنَّهما يستهمان عليه، فمن خرج سهمه؛ فهو له مع يمينه) (٣)، ولم يفرِّق بين أن يكون في يد غيرهما، أو لا يكون في يد أحد.

стр. 1257

ومنها: إذا تعارضت البيِّنتان؛ ففي المسألة ثلاث روايات: إحداهنَّ: يسقطان بالتَّعارض، ويصيران كمن لا بيِّنة لهما. والثَّانية: يستعملان بقسمة العين بينهما بغير يمين. والثَّالثة: يرجَّح إحداهما بالقرعة، فمن قَرَع؛ حلف وأخذ العين. هكذا حكى القاضي في بعض كتبه هذه الرِّواية (١)، وتبعه عليها كثير (٢) من الأصحاب، وأنكرها في كتاب «المجرَّد» و «الخلاف»، وقال: إنَّما معناها أنَّ البيِّنتين يسقطان بالتَّعارض، وتصير العين في يد غير المتداعيين؛ فيقرع بينهما على ما تقدَّم. وصرَّح أحمد بهذا المعنى في رواية حنبل؛ فقال: (لو أقاما البيِّنة جميعاً؛ أسقطت البيِّنتين جميعاً؛ لأنَّ كلَّ واحدة منهما قد أكذبت صاحبتها، ويستهمان على اليمين) (٣). وحكى ابن شهاب في «عيون المسائل» رواية أخرى: أنَّه يوقف الأمر حتَّى يتبيَّن (٤) أو يصطلحا عليه. ولو كانت العين المتنازع فيها بيد (٥) أحدهما؛ فلا تعارض، بل تقدَّم بيِّنة الخارج في أشهر الرِّوايتين.

стр. 1258

وفي الأخرى: بيِّنة الدَّاخل، إلَّا أن يكون التَّنازع في سبب اليد؛ بأن يدَّعي كلٌّ منهما أنَّه اشتراها من زيد أو اتَّهبها (١) منه، ويقيم بذلك بيِّنة؛ ففيه روايتان: إحداهما (٢): أنَّها كبيِّنة الدَّاخل والخارج على ما سبق، وهي المذهب عند القاضي. والثَّانية: يتعارضان؛ لأنَّ سبب اليد هو نفس المتنازَع فيه؛ فلا تبقى مؤثِّرة؛ لأنَّهما اتَّفقا على أنَّ ملك هذه الدَّار لزيد، وعنه هو متلقًّى؛ فلذلك (٣) لم يبقَ لليد تأثير؛ لأنَّه قد علم مستندها، وهو الشِّراء الَّذي عورض بمثله، وهذه الرِّواية اختيار أبي بكر، وابن أبي موسى، وصاحب «المحرَّر». واختار أبو بكر وابن أبي موسى ههنا: أنَّه يرجَّح بالقرعة، ونصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور؛ في رجل باع ثوباً، فجاء رجل، فأقام البيِّنة أنَّه اشتراه بمائة، وأقام الآخر البيِّنة أنَّه اشتراه بمائتين، والبائع يقول: بعته بمائتين، والثَّوب في يد البائع بعد، قال: ليس قول البائع بشيء، يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة فهو له بالَّذي ادَّعى أنَّه اشتراه به، قلت: فإن كان الثَّوب في يد أحدهما، ولا يُدرى أيُّهما اشتراه أوَّل؟ قال: لا ينفعه ما في يديه، إذا كان مقِرًّا أنَّه اشتراه من فلان؛ فلا

стр. 1259

ينفعه ما في يديه (١). والعجب أنَّ القاضي في «المجرَّد» حكى هذا النَّص عن أحمد، وذكر أنَّه أجاب بقسمة الثَّوب بينهما نصفين، ثمَّ تأوَّله على أنَّه كان في أيديهما. وإنَّما أجاب أحمد فيه بالقرعة كما ذكرناه، وإنَّما المجيب بالقسمة سفيانُ الثَّوريُّ؛ فإنَّ إسحاق بن منصور يذكر لأحمد أوَّلاً المسألة وجواب سفيان فيها، فيجيبه أحمد عنها بعد ذلك بالموافقة أو بالمخالفة؛ فربَّما يشتبه جواب أحمد بجواب سفيان، وقد وقع ذلك للقاضي كثيراً؛ فليتنبه لذلك، وليراجع كلام أحمد من أصل مسائل ابن منصور. ووقع في «الإرشاد» لابن أبي موسى في هذه المسألة كما وقع للقاضي؛ فإنَّه نقل عن أحمد: أنَّه (٢) إذا كان الثَّوب في يد البائع، فهو بينهما نصفين، وإن كان في يد أحدهما؛ أقرع بينهما. وهو وَهَمٌ أيضاً. وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين ﵀: أنَّ مقتضى المذهب: أنَّه إذا شهدت البيِّنتان بالعقدين أو الإقرارين أو الحكمين؛ أنْ تُصدَّق البيِّنتان، ثمَّ إن عُلم السَّابق، وإلَّا كان بمنزلة أن تشهد بيِّنة واحدة بالعقدين ولا يعلم السَّابق منهما؛ فهنا إمَّا أن يقرع، وإما أن يبطل العقدان؛ فلا يبقى هنا عقد صحيح يحكم به؛ فيقرُّ في يد ذي اليد، وتكون الدَّعوى حينئذ لمن

стр. 1260

انتقل عنه على صاحب اليد. قال: وقياس المذهب فيما إذا اشتبه أسبق عقدي البيع: أن نفسخهما، إلَّا أن يتعذَّر موجَبُ الفسخ من ردِّ الثَّمن ونحوه؛ فإنَّا نقرع؛ لأنَّ مِن أصلنا: أنَّه إذا اشتبه المالك بغير المالك، أو الملك بغير الملك؛ فإنَّا نقرع، فإذا أمكن فسخ العقد وردُّ كلِّ ملك إلى صاحبه، فهو خير من خطر القرعة (١). ومنها: الإقراع في العتق، وهو أشهر ما وردت فيه السُّنَّة بالإقراع فيه (٢)، ويندرج تحته صور كثيرة: فمنها: إذا أعتق في مرضه عبيدَه، أو دبَّرهم، ولم يخرجوا من ثلثه؛ فإنَّه يقرع بينهم، فيَعتِقُ منهم بقدر الثُّلث، نصَّ عليه أحمد في رواية جماعة (٣). قال القاضي: ويكون العتق مراعىً، فإن مات ولم تُجِز الورثة؛ تبيَّنا أنَّ الحرَّ منهم اثنان مثلاً، وأنَّ العتق كان واقعاً عليهما دون غيرهما، ولكنَّهما كانا غير معيَّنين، وإنَّما تميَّزا وتعيَّنا بالقرعة؛ كما تتميَّز (٤)

стр. 1261

وتتعيَّن الحقوق المشتركة في العقار وغيره بالإقراع في القسمة وغيرها. ويستثنى من هذا صور لا إقراع فيها ذكرها الأصحاب: أحدها: إذا كان عِتْق أحد العبدين مرتَّباً على الآخر، بأن قال: إن أعتقتُ سالماً؛ فغانم حرٌّ؛ فإنَّه يَعتِقُ سالم وحده إذا أعتقه، ولا يقرع؛ لأنَّ القرعة قد تفضي إلى عتق غانم وحده؛ فيلزم منه ثبوت المشروط بدون شرطه. والثَّانية: إذا قال في مرضه: أعتقوا سالماً إن خرج من الثُّلث، وإلَّا فأعتقوا منه ما عَتَق، وقال أيضاً: أعتقوا غانماً إن خرج من الثُّلث، وإلَّا فأعتقوا منه ما عَتَق. قال الأصحاب: يَعتِقُ من كلِّ واحد نصفُه (١) مع تساوي قيمتهما؛ لأنَّه لم يقصد بالوصيَّة تكميل الحريَّة في كلِّ واحد؛ فلم يقرع؛ كما لو قال: أعتقوا نصف سالم، وإلَّا فنصفَ غانم. والثَّالثة: لو أعتق أَمَةً حاملاً في مرض موته، ولم يتَّسع الثُّلث لها ولحملها؛ قالوا: لا يجوز الإقراع؛ لأنَّ الحمل تبع لأمِّه وجزء منها؛ فلا يجوز إفراده بالعتق دونها، والقرعة قد تفضي إلى ذلك، ولا أن تَعتِقَ هي دون حملها إذا استوعبت قيمتها الثُّلث؛ لأنَّ الولد تبع لها، وعتقه ملازم لعتقها؛ فلا يمكن أن يَعتِقَ منها شيء ولا يَعتِقَ منه مثله؛ فيتعيَّن أن يَعتِقَ منها ومن حملها بالحصَّة. وذهب أبو علي بن أبي موسى إلى أنَّ الإقراع إنَّما يدخل حيث كان

стр. 1262

العتق لمبهم غير معيَّن، وتشاحَّ العبيد فيه، فأمَّا إن كان لمعيَّن؛ فلا إقراع، وكذا إن (١) لم يتشاحَّ فيه العبيد. وحُكي عن أبي بكر في «خلافه» ما يوافق ذلك. فعلى هذا: إذا أوصى (٢) بعتق عبيده ولم تُجِز الورثة؛ أَعتقوا منهم بمقدار الثُّلُث، فإن تشاحَّ العبيد في العتق؛ أُقرع بينهم؛ فعَتَق مَن وقع عليه سهم الحريَّة منهم، وكذلك لو دبَّرهم، ذكره ابن أبي موسى. وذكر هو وأبو بكر فيما إذا شهدت بيِّنة على مريض أنَّه أعتق عبده هذا، وشهدت أخرى أنَّه أعتق عبده هذا: أنَّه يجب العتق لهما، ويتحاصَّ (٣) فيه العبدان. قال أبو بكر: لأنَّ القرعة إنَّما تجب إذا كان أحدهما حرًّا والآخر عبداً؛ يعني: إذا كان العتق لواحد لا للجميع. وهذا مناقض لما ذكره ابن أبي موسى في تدبيرهم كلِّهم، إلَّا أن يقول: تدبيرهم يقع موقوفاً مراعًى؛ كعتقهم المنجز في مرضه، فيَعتِقُ منهم مع عدم الإجازة قدرُ الثُّلث، وهو مبهم؛ فيميَّز بالقرعة، بخلاف ما إذا أَعتق عبدين معيَّنين. وهو ضعيف؛ فإنَّه لا فرق بين أن يكون العبيد جميع ماله أو نصفه مثلاً؛ إذ لا بدَّ من الرَّدِّ إلى الثُّلث.

стр. 1263

وقد نقل ابن منصور عن أحمد فيمن قال في وصيَّته: أعتقوا عنِّي أحد عبدَيَّ هذين: أنَّه يُعتَقُ أحدهما، فإن تشاحَّا في العتق؛ يقرع بينهما (١). وإنَّما قال (٢): (يعتق أحدهما) ابتداء؛ لأنَّها وصيَّة؛ فالواجب فيها ما يصدق عليه الاسم؛ كما لو وصَّى بأحدهما لزيد. ومنها: لو أعتق أحد عبديه؛ فإنَّه يعيَّن بالقرعة. ويتخرَّج (٣) وجه آخر: أنَّه يعيَّن (٤) بتعيينه من الرِّواية السَّابقة في الطَّلاق. ولو أعتق عبداً من عبيده ثمَّ أنسيه، أو جهله (٥) ابتداء؛ كمسألة الطَّائر المشهورة؛ فإنَّه يخرج بالقرعة أيضاً. ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه لا يُقرع ههنا من الطَّلاق، وأشار إليه بعض الأصحاب. لكن قياس الرِّواية المذكورة في الطَّلاق: أنَّه يقرع، فمن خرجت له القرعة (٦)؛ عَتَق، ويستدام الملك في غيره، إلَّا أنَّه لا يستباح وطء شيء منهنَّ إذا كنَّ إماءً. ولو قال رجل: إن كان هذا الطَّائر غراباً فعبدي حرٌّ، وقال آخر: إن

стр. 1264

لم يكن غراباً؛ فعبدي حرٌّ، فجهل أمره؛ فالمشهور: أنَّه لا يَعتِقُ واحد من العبدين، فإن اشترى أحد المالكين عبد الآخر؛ ففيه وجهان: أحدهما: يَعتِقُ ما اشتراه؛ لأنَّ استدامته لاسترقاق عبده إقرارٌ منه بأنَّ عبد صاحبه هو الَّذي عَتَق، فإذا اشتراه؛ نفذ (١) إقراره على نفسه، فعَتَق عليه. والثَّاني: أنَّه يَعتِقُ أحدهما غير معيَّن، ثمَّ يميَّز بالقرعة، وهو أصحُّ؛ لأنَّ تمسُّكه بعبده إنَّما كان استصحاباً للأصل لا غير. وأمَّا الولاء؛ فعلى الوجه الأوَّل: هو (٢) موقوف حتَّى يتصادقا على أمر يتَّفقان عليه. وعلى الثَّاني: إن وقعت الحريَّة على المشتري؛ فكذلك، وإن وقعت على عبده؛ فولاؤه له. ويتوجَّه أن يقال: يقرع بينهما، فمن قَرَع؛ فالولاء له؛ كما تقدَّم مثل ذلك في الولد الَّذي يدَّعيه أبوان، وأولى؛ لأنَّه ههنا إنَّما عَتَق على واحد غير معيَّن، وهناك يمكن أن يكون الولد لهما. وكذلك يقال: لو كان عبد بين شريكين موسرين، فقال أحدهما: إن كان الطَّائر غراباً؛ فنصيبي حرٌّ، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً؛ فنصيبي حرٌّ؛ فإنَّ العبد عَتَق على أحدهما، وهو غير معلوم؛ فيميَّز بالقرعة، ويكون له الولاء.

стр. 1265

ومنها: لو قال لأمته: أوَّل من (١) تلدينه حرٌّ، فولدت ولدين، واشتبه أوَّلهما خروجاً؛ فإنَّه يميَّز بالقرعة، نصَّ عليه؛ لأنَّ العتق وقع على معيَّن وجهل ابتداء. ولو قال: أوَّل غلام لي يطلع؛ فهو حرٌّ، فطلع عبيده كلُّهم، أو قال لزوجاته: أيَّتكنَّ طلع أوَّلًا؛ فهي طالق، فطلعن كلُّهنَّ؛ فنصَّ أحمد على أنَّه يميَّز (٢) واحد من العبيد وامرأة من الزَّوجات بالقرعة في رواية مهنَّى (٣). واختلف الأصحاب في هذا النَّصِّ؛ فمنهم من حمله على أنَّ اطِّلاعهم كان مرتَّباً وأشكل السَّابق منهم؛ فيميَّز بالقرعة؛ كمسألة الولادة. ومنهم من أقرَّ النَّصَّ على ظاهره، وأنَّهم طلعوا دفعة واحدة، وقال: صفة الأوَّلِيَّة شاملة لكلِّ واحد منهم بانفراده، والمعتِق إنَّما أراد عتق واحد منهم؛ فيميَّز بالقرعة، وهي طريقة القاضي في «خلافه». ومن الأصحاب من قال: يَعتِقُ ويطلُقُ الجميع؛ لأنَّ الأوَّلِيَّة صفة لكلِّ واحد منهم، ولفظه صالح للعموم؛ لأنَّه مفرد مضاف. أو يقال: الأوَّلِيَّة صفة للمجموع لا للأفراد، وهو الَّذي ذكره صاحب «المغني» في الطَّلاق.
следующие страницы →