وتتعيَّن الحقوق المشتركة في العقار وغيره بالإقراع في القسمة وغيرها.
ويستثنى من هذا صور لا إقراع فيها ذكرها الأصحاب:
أحدها: إذا كان عِتْق أحد العبدين مرتَّباً على الآخر، بأن قال: إن أعتقتُ سالماً؛ فغانم حرٌّ؛ فإنَّه يَعتِقُ سالم وحده إذا أعتقه، ولا يقرع؛ لأنَّ القرعة قد تفضي إلى عتق غانم وحده؛ فيلزم منه ثبوت المشروط بدون شرطه.
والثَّانية: إذا قال في مرضه: أعتقوا سالماً إن خرج من الثُّلث، وإلَّا فأعتقوا منه ما عَتَق، وقال أيضاً: أعتقوا غانماً إن خرج من الثُّلث، وإلَّا فأعتقوا منه ما عَتَق.
قال الأصحاب: يَعتِقُ من كلِّ واحد نصفُه (١) مع تساوي قيمتهما؛ لأنَّه لم يقصد بالوصيَّة تكميل الحريَّة في كلِّ واحد؛ فلم يقرع؛ كما لو قال: أعتقوا نصف سالم، وإلَّا فنصفَ غانم.
والثَّالثة: لو أعتق أَمَةً حاملاً في مرض موته، ولم يتَّسع الثُّلث لها ولحملها؛ قالوا: لا يجوز الإقراع؛ لأنَّ الحمل تبع لأمِّه وجزء منها؛ فلا يجوز إفراده بالعتق دونها، والقرعة قد تفضي إلى ذلك، ولا أن تَعتِقَ هي دون حملها إذا استوعبت قيمتها الثُّلث؛ لأنَّ الولد تبع لها، وعتقه ملازم لعتقها؛ فلا يمكن أن يَعتِقَ منها شيء ولا يَعتِقَ منه مثله؛ فيتعيَّن أن يَعتِقَ منها ومن حملها بالحصَّة.
وذهب أبو علي بن أبي موسى إلى أنَّ الإقراع إنَّما يدخل حيث كان
стр. 1262
العتق لمبهم غير معيَّن، وتشاحَّ العبيد فيه، فأمَّا إن كان لمعيَّن؛ فلا إقراع، وكذا إن (١) لم يتشاحَّ فيه العبيد.
وحُكي عن أبي بكر في «خلافه» ما يوافق ذلك.
فعلى هذا: إذا أوصى (٢) بعتق عبيده ولم تُجِز الورثة؛ أَعتقوا منهم بمقدار الثُّلُث، فإن تشاحَّ العبيد في العتق؛ أُقرع بينهم؛ فعَتَق مَن وقع عليه سهم الحريَّة منهم، وكذلك لو دبَّرهم، ذكره ابن أبي موسى.
وذكر هو وأبو بكر فيما إذا شهدت بيِّنة على مريض أنَّه أعتق عبده هذا، وشهدت أخرى أنَّه أعتق عبده هذا: أنَّه يجب العتق لهما، ويتحاصَّ (٣) فيه العبدان.
قال أبو بكر: لأنَّ القرعة إنَّما تجب إذا كان أحدهما حرًّا والآخر عبداً؛ يعني: إذا كان العتق لواحد لا للجميع.
وهذا مناقض لما ذكره ابن أبي موسى في تدبيرهم كلِّهم، إلَّا أن يقول: تدبيرهم يقع موقوفاً مراعًى؛ كعتقهم المنجز في مرضه، فيَعتِقُ منهم مع عدم الإجازة قدرُ الثُّلث، وهو مبهم؛ فيميَّز بالقرعة، بخلاف ما إذا أَعتق عبدين معيَّنين.
وهو ضعيف؛ فإنَّه لا فرق بين أن يكون العبيد جميع ماله أو نصفه مثلاً؛ إذ لا بدَّ من الرَّدِّ إلى الثُّلث.
стр. 1263
وقد نقل ابن منصور عن أحمد فيمن قال في وصيَّته: أعتقوا عنِّي أحد عبدَيَّ هذين: أنَّه يُعتَقُ أحدهما، فإن تشاحَّا في العتق؛ يقرع بينهما (١). وإنَّما قال (٢): (يعتق أحدهما) ابتداء؛ لأنَّها وصيَّة؛ فالواجب فيها ما يصدق عليه الاسم؛ كما لو وصَّى بأحدهما لزيد.
ومنها: لو أعتق أحد عبديه؛ فإنَّه يعيَّن بالقرعة.
ويتخرَّج (٣) وجه آخر: أنَّه يعيَّن (٤) بتعيينه من الرِّواية السَّابقة في الطَّلاق.
ولو أعتق عبداً من عبيده ثمَّ أنسيه، أو جهله (٥) ابتداء؛ كمسألة الطَّائر المشهورة؛ فإنَّه يخرج بالقرعة أيضاً.
ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه لا يُقرع ههنا من الطَّلاق، وأشار إليه بعض الأصحاب.
لكن قياس الرِّواية المذكورة في الطَّلاق: أنَّه يقرع، فمن خرجت له القرعة (٦)؛ عَتَق، ويستدام الملك في غيره، إلَّا أنَّه لا يستباح وطء شيء منهنَّ إذا كنَّ إماءً.
ولو قال رجل: إن كان هذا الطَّائر غراباً فعبدي حرٌّ، وقال آخر: إن
стр. 1264
لم يكن غراباً؛ فعبدي حرٌّ، فجهل أمره؛ فالمشهور: أنَّه لا يَعتِقُ واحد من العبدين، فإن اشترى أحد المالكين عبد الآخر؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يَعتِقُ ما اشتراه؛ لأنَّ استدامته لاسترقاق عبده إقرارٌ منه بأنَّ عبد صاحبه هو الَّذي عَتَق، فإذا اشتراه؛ نفذ (١) إقراره على نفسه، فعَتَق عليه.
والثَّاني: أنَّه يَعتِقُ أحدهما غير معيَّن، ثمَّ يميَّز بالقرعة، وهو أصحُّ؛ لأنَّ تمسُّكه بعبده إنَّما كان استصحاباً للأصل لا غير.
وأمَّا الولاء؛ فعلى الوجه الأوَّل: هو (٢) موقوف حتَّى يتصادقا على أمر يتَّفقان عليه.
وعلى الثَّاني: إن وقعت الحريَّة على المشتري؛ فكذلك، وإن وقعت على عبده؛ فولاؤه له.
ويتوجَّه أن يقال: يقرع بينهما، فمن قَرَع؛ فالولاء له؛ كما تقدَّم مثل ذلك في الولد الَّذي يدَّعيه أبوان، وأولى؛ لأنَّه ههنا إنَّما عَتَق على واحد غير معيَّن، وهناك يمكن أن يكون الولد لهما.
وكذلك يقال: لو كان عبد بين شريكين موسرين، فقال أحدهما: إن كان الطَّائر غراباً؛ فنصيبي حرٌّ، وقال الآخر: إن لم يكن غراباً؛ فنصيبي حرٌّ؛ فإنَّ العبد عَتَق على أحدهما، وهو غير معلوم؛ فيميَّز بالقرعة، ويكون له الولاء.
стр. 1265
ومنها: لو قال لأمته: أوَّل من (١) تلدينه حرٌّ، فولدت ولدين، واشتبه أوَّلهما خروجاً؛ فإنَّه يميَّز بالقرعة، نصَّ عليه؛ لأنَّ العتق وقع على معيَّن وجهل ابتداء.
ولو قال: أوَّل غلام لي يطلع؛ فهو حرٌّ، فطلع عبيده كلُّهم، أو قال لزوجاته: أيَّتكنَّ طلع أوَّلًا؛ فهي طالق، فطلعن كلُّهنَّ؛ فنصَّ أحمد على أنَّه يميَّز (٢) واحد من العبيد وامرأة من الزَّوجات بالقرعة في رواية مهنَّى (٣).
واختلف الأصحاب في هذا النَّصِّ؛ فمنهم من حمله على أنَّ اطِّلاعهم كان مرتَّباً وأشكل السَّابق منهم؛ فيميَّز بالقرعة؛ كمسألة الولادة.
ومنهم من أقرَّ النَّصَّ على ظاهره، وأنَّهم طلعوا دفعة واحدة، وقال: صفة الأوَّلِيَّة شاملة لكلِّ واحد منهم بانفراده، والمعتِق إنَّما أراد عتق واحد منهم؛ فيميَّز بالقرعة، وهي طريقة القاضي في «خلافه».
ومن الأصحاب من قال: يَعتِقُ ويطلُقُ الجميع؛ لأنَّ الأوَّلِيَّة صفة لكلِّ واحد منهم، ولفظه صالح للعموم؛ لأنَّه مفرد مضاف.
أو يقال: الأوَّلِيَّة صفة للمجموع لا للأفراد، وهو الَّذي ذكره صاحب «المغني» في الطَّلاق.
стр. 1266
ومنهم من قال: لا يَطْلُقُ، ولا يَعتِقُ شيء منهم؛ لأنَّ الأوَّل لا يكون إلَّا فرداً لا تعدد فيه، والفرديَّة منتفية هنا، وهو الَّذي ذكره القاضي، وابن عقيل في الطَّلاق، والسَّامريُّ، وصاحب «الكافي».
ويتخرَّج وجه آخر: وهو أنَّه إن طَلَع بعدَهم غيرُهم من عبيده وزوجاته؛ طَلَقْنَ وعَتَقْنَ، وإلَّا فلا؛ بناء على أنَّ الأوَّل هو السَّابق لغيره؛ فلا يكون أوَّلاً حتَّى يأتي بعده غيره؛ فيتحقَّق بذلك له صفة الأوَّلِيَّة، وهو وجه لنا ذكره ابن عقيل وغيره.
وقريب من هذه المسألة: ما ذكره ابن أبي موسى في كتاب العتق؛ فقال: (واختلف قوله في الرَّجل يقول لعبيده: أيُّكم جاءني بخبر كذا فهو حرٌّ، فأتى بذلك الخبر اثنان معاً أو أكثر؛ على روايتين:
قال في إحداهما: قد عَتَق واحد منهم؛ فيقرع بينهم، فمن قَرَع صاحبَه؛ فقد عَق.
وقال في الأخرى: قد عَتَقا جميعاً) انتهى.
فأمَّا وجه عتقهما جميعاً؛ فظاهرٌ؛ لأنَّ «أيًّا» من صيغ العموم.
وأمَّا وجه عتق أحدهما بالقرعة؛ فهو أنَّ المتبادر إلى الأفهام من هذا التَّعليق الخصوصُ، وأنَّه إنَّما أريد به عتق واحد يجيء بالخبر؛ فيصير عموم هذا اللَّفظ عموم بَدلِيَّة لا عموم شمول؛ فلا يَعتِقُ به أكثر من واحد، فإذا اجتمع اثنان على الإتيان بالخبر؛ أُعتِقَ أحدُهما بالقرعة.
وليس هذا كما لو قال لزوجاته: أيَّتكنَّ خرجت فهي طالق، فإذا خرجن جميعاً؛ طَلَقْنَ؛ لأنَّ الخروج بالنِّسبة إلى الجميع سواء.
стр. 1267
وأمَّا الإخبار؛ فالمقصود منه يحصل من أحد المُخبِرَيْنِ؛ فلا حاجة إلى الآخر، ولهذا قلنا على أحد الوجوه - وهو قول القاضي -: إنَّه لو قال لزوجاته: من أخبرني منكنَّ بكذا؛ فهي طالق، فأخبرنه متفرِّقات: أنَّه لَا يطلُق منهنَّ إلَّا الأولى؛ لأنَّ مقصوده من الإخبار - وهو الإعلام - حاصل بها، ولهذا لو قال: من دخل داري فله درهم، فدخل جماعة؛ فلكلِّ واحد منهم (١) درهم، ولو قال: من جاءني فله درهم، فجاءه جماعة؛ فلهم درهم واحد بينهم، ذكره القاضي في كتاب «أحكام القرآن»، قال: لأنَّ الشَّرط وجد من الجماعة وجوداً واحداً، بخلاف دخول الدَّار؛ فإنَّ كلَّ واحد منهم وجد منه دخول كامل.
ولو قال رجل: من سبق فله كذا، فسبق اثنان معاً؛ ففيه وجهان:
أحدهما: السَّبَق المذكور بينهما؛ كما لو قال: من ردَّ ضالَّتي فله كذا، فردَّها جماعة.
والثَّاني: لكلٍّ منهم سَبَقٌ كامل؛ لأنَّه سابق بانفراده.
وحاصل الأمر في هذا الباب: أنَّ المعلَّق عليه تارة يكون شيئاً واحداً لا تعدُّد فيه؛ كردِّ الآبق ونحوه؛ فلا يتعدَّد المشروط بتعدُّد المحصِّلين له؛ لأنَّهم اشتركوا في تحصيل شيء واحد، فاشتركوا في استحقاق المرتَّب عليه.
وتارة يكون قابلاً للتَّعدُّد، وهو نوعان:
أحدهما: ما يكون التَّعدُّد فيه مقصوداً؛ كدخول الدَّار ونحوه؛
стр. 1268
فيتعدَّد الاستحقاق على الصَّحيح؛ كما إذا قال: من دخل داري؛ فهو حرٌّ، أو فله درهم، أو فهي طالق.
وكذلك يجيء على هذا إذا قال: من جاءني؛ فله درهم؛ لأنَّ تعدُّد الآتين مطلوب، بخلاف ما ذكره القاضي.
ومسألة السَّبْق قد يقال: هي من هذا النَّوع.
وقد يقال: السَّبْق إنَّما حصل من المجموع لا من كلِّ فرد منهم؛ إذ كلُّ فرد منهم ليس بسابق للباقين، بل هو سابق لمن تأخَّر عنه ومساوق (١) لمن جاء معه؛ فالمتَّصف بالسَّبْق هو المجموع، لا كلُّ فرد منهم؛ فلذلك استحقُّوا جُعْلاً واحداً، وهذا أظهر.
والنَّوع الثَّاني: ما لا يكون التَّعدد فيه مقصوداً؛ كالإتيان بالخبر؛ فهل يشترك الآتون به في الاستحقاق، أم يختصُّ به واحد منهم ويميَّز بالقرعة؟
فيه الخلاف الَّذي ذكره ابن أبي موسى، والَّذي نقله صالح عن أحمد: أنَّه يَعتِق الجميع (٢).
ونقل حنبل: أنَّه يَعتِقُ واحد منهم بالقرعة (٣).
وحمل أبو بكر رواية صالح: على أنَّه أراد العموم، ورواية حنبل: على أنَّه أراد واحداً غير معيَّن، وما ذكرناه أشبه.
стр. 1269
وعلى هذا تتخرَّج مسألة: (أَوّلُكُنَّ يطلع عليَّ)؛ إذا قيل: إنَّ الأوَّلِيَّة صفة لكلِّ واحد من المجتمعين؛ لأنَّ هذا التَّعليق لم يقصد به إلَّا واحداً غير معيَّن، لم يرد به الجميع، وأمَّا إن قيل: الأوَّلِيَّة صفة للمجموع؛ توجَّه وقوع العتق والطَّلاق على الكلِّ.
ومنها: لو اشتبه عبده بعبيد غيره؛ قال القاضي: قياس المذهب: أنَّه يَعتِقُ عبده الَّذي يملكه عن واجب وغيره (١)، ثمَّ يُقرع بينهم، فيخرج عبده بالقرعة.
ولو اشتبهت زوجته بأجانب، فطلَّقها؛ فله إخراجها بالقرعة ونكاح البواقي، على قياس ما ذكره الأصحاب فيمن أسلم على أكثر من أربع، فطلَّق الجميع ثلاثاً: أنَّه يُخرج أربعاً بالقرعة، ثمَّ يَنكِح البواقيَ.
ولو اشتبهت أخته بأجنبيَّات؛ فقال القاضي في «خلافه»: لا يمتنع التمييز بالقرعة؛ كما لو زوَّج إحدى بناته برجل واشتبهت فيهنَّ؛ فإنَّها تُميَّز بالقرعة على المنصوص.
وفي «عمد الأدلَّة» لابن عقيل: لو اختلط عبده بأحرار؛ لم يقرع، ولو اختلط من أعتقه وله عتقه ومن لا يملك عتقه إلَّا بإجازة؛ جاز أن يقرع بينهما؛ لأنَّ القرعة لا تعمل في آكد التَّحريمين، وتعمل في أيسرهما، والله أعلم.
كَمَلَتِ القواعد (٢)
стр. 1270
فصل
وهذه فوائد تلتحق بالقواعد، وهي فوائد مسائل مشتهِرة، فيها خلاف (١) في المذهب، ينبني على الاختلاف فيها فوائد متعدِّدة:
فمن ذلك:
[١] ما يدركه المسبوق في الصَّلاة؛ هل هو آخر صلاته أو أوَّلها ؟
وفي هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد:
إحداهما: أنَّ ما يدركه آخر صلاته، وما يقضيه أوَّلها، وهي ظاهر المذهب.
والثَّانية: عكسها.
ولهذا الاختلاف فوائد:
أحدها: محلُّ الاستفتاح؛ فعلى الأولى: يستفتح في أوَّل ركعة يقضيها (٢)؛ إذ هي أوَّل صلاته، نقلها حرب.
وفي «شرح المذهب» للقاضي: لا يشرع الاستفتاح فيها؛ لفوات محلِّه.
стр. 1271
وعلى الثَّانية: يستفتح في أوَّل ركعة أدركها؛ لأنَّها أوَّلَتُه، نقلها ابن أصرم (١).
الفائدة الثَّانية: التَّعوُّذ؛ فعلى الأولى: يتعوَّذ إذا قام للقضاء خاصَّة.
وعلى الثَّانية: يتعوَّذ في أوَّل ركعة يدركها.
وهذا بناء على قولنا: إنَّ التَّعوُّذ يختصُّ بأوَّل ركعة، فأمَّا على قولنا: هو مشروع في كلِّ ركعة؛ فتلغو هذه الفائدة.
الفائدة الثَّالثة: هيئة القراءة في الجهر والإخفات؛ فإذا فاته الرَّكعتان الأُولَيان من المغرب أو العشاء؛ جهر في قضائهما من غير كراهة، نصَّ عليه في رواية الأثرم (٢).
وإن أمَّ فيهما - وقلنا بجوازه -؛ سنَّ له الجهر، وهذا على الرِّواية الأولى.
وعلى الثَّانية: لا جهر ههنا.
الفائدة الرَّابعة: مقدار القراءة؛ وللأصحاب في ذلك طريقان:
أحدهما (٣): أنَّه إذا أدرك ركعتين من الرُّباعيَّة؛ فإنَّه يقرأ في المقضيتين بالحمد وسورة معها على كِلا الرِّوايتين، قال ابن أبي موسى: (لا يختلف قوله في ذلك)، وذكر الخلَّال أنَّ قوله استقرَّ على
стр. 1272
ذلك، وفي «المغني»: (هو قول الأئمَّة الأربعة، لا نعلم عنهم فيه خلافاً).
والطَّريق الثَّاني: بناؤه على الرِّوايتين، فإن قلنا: ما يقضيه (١) أوَّل صلاته (٢)؛ فكذلك، وإلَّا اقتصر فيه على الفاتحة، وهي طريقة القاضي ومن بعده، وذكره ابن أبي موسى تخريجاً، وقد نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم، وأومأ إليه في رواية حرب وغيره.
وأنكر صاحب «المحرَّر» الطَّريقة الأولى، وقال: لا يتوجَّه إلَّا على رأي من يرى قراءة السُّورة في كلِّ ركعة، أو على رأي من يرى قراءة السُّورة في الأُخريين إذا نسيهما في الأُولَيَيْنِ.
قلت: وقد أشار أحمد إلى مأخذٍ ثالثٍ، وهو الاحتياط؛ للتردُّد فيهما، وقراءة السُّورة سنَّة مؤكَّدة؛ فيحتاط لها أكثر من (٣) الاستفتاح والتَّعوُّذ (٤).
ولو أدرك من الرُّباعيَّة ركعة واحدة، فإن قلنا: ما يقضيه أوَّل صلاته؛ قرأ في الأُولَيين من الثَّلاثة بالحمد وسورة، وفي الثَّالثة بالحمد وحدها.
ونقل عنه الميمونيُّ: يحتاط، ويقرأ في الثَّلاث بالحمد وسورة. قال
стр. 1273
الخلَّال: (رجع عنها أحمد).
الفائدة الخامسة: قنوت الوتر إذا أدركه المسبوق مع من يصلِّي الوتر بسلام واحد؛ فإنَّه يقع في محلِّه ولا يعيده إن قلنا: ما يدركه آخر صلاته.
وإن قلنا أوَّلها: أعاده في آخر ركعة يقضيها.
الفائدة السَّادسة: تكبيرات العيد الزَّوائد، إذا أدرك المسبوق الرَّكعة الثَّانية من العيد، فإن قلنا: هي أوَّل صلاته؛ كبَّر خمساً في المقضيَّة، وإلَّا كبَّر سبعاً.
الفائدة السَّابعة: إذا سُبق ببعض تكبيرات صلاة الجنازة، فإن قلنا: ما يدركه آخر صلاته؛ يتابع الإمام في الذِّكر الَّذي هو فيه، ثمَّ قرأ في أوَّل (١) تكبيرة يقضيها.
وإن قلنا: ما يدركه أوَّل صلاته؛ قرأ فيه بالفاتحة.
الفائدة الثَّامنة: محلُّ التَّشهُّد الأوَّل في حقِّ من أدرك من المغرب أو الرُّباعيَّة ركعة، وفي المسألة روايتان:
إحداهما: يتشهَّد عقيب قضاء ركعة.
والثَّانية: عقيب ركعتين، نقلها حرب (٢).
والأُولى اختيار أبي بكر والقاضي، وذكر الخلَّال: أنَّ الرِّوايات استقرَّت عليها.
стр. 1274
واختلف في بناء الرِّوايتين:
فقيل: هو (١) على الرِّوايتين في أصل المسألة؛ إن قلنا: ما يقضيه أوَّل صلاته؛ لم يجلس إلَّا عقيب ركعتين، وإن قلنا: هو آخرها؛ تشهَّد عقيب ركعة؛ لأنَّها ثانيته، وهذه طريقة ابن عقيل في موضع من «فصوله»، وأومأ إليها أحمد في رواية حرب.
وقيل: بل الرِّوايتان على قولنا: ما يدركه آخر صلاته، وهي طريقة صاحب «المحرَّر» وغيره، ونصَّ أحمد على ذلك صريحاً في رواية عبد الله (٢) والبراثيِّ (٣)، مفرِّقاً بين القراءة والتَّشهُّد.
стр. 1275
وعلَّل في رواية عبد الله: بأنَّه احتياط بالجمع بين (١) مذهب ابن مسعود في الجلوس عقيب ركعة (٢)، ومذهب ابن عمر في القراءة في الرَّكعتين (٣).
وقد صحَّ عن ابن مسعود: أنَّه يجلس عقيب ركعة، مع قوله: «إنَّ ما أدركه مع الإمام آخر صلاته»، نقله عنه أحمد (٤).
وزعم صاحب «المغني» أنَّ الكلَّ جائز.
ويردُّه ما نقله مهنَّى عن أحمد: أنَّه إذا جلس عقيب ركعتين؛ يسجد للسَّهو؛ فجعله كتارك التَّشهُّد الأوَّل.
стр. 1276
وممَّا يحسن تخريجه على هذا الخلاف ولم نجده منقولًا: تطويل الرَّكعة الأولى على الثَّانية، وترتيب السُّورتين في الرَّكعتين.
فأمَّا رفع اليدين إذا قام من التَّشهُّد الأوَّل - إذا قلنا باستحبابه -؛ فيحتمل أن يرفع إذا قام إلى الرَّكعة المحكوم بأنَّها ثالثة، سواء قام عن تشهُّد أو غيره.
ويحتمل أن يرفع إذا قام من تشهُّده الأوَّل المعتدِّ به، سواء كان عقيب الثَّانية أو لم يكن؛ لأنَّ محلَّ هذا الرَّفع هو القيام من هذا التَّشهُّد؛ فيتبعه حيث كان، وهذا أظهر والله أعلم.
стр. 1277
[٢] الزَّكاة، هل تجب في عين النَّصاب أو ذمَّة مالكه ؟
اختلف الأصحاب في ذلك على طرق:
إحداها: أنَّ الزَّكاة تجب في العين رواية واحدة، وهي طريقة ابن أبي موسى، والقاضي في «المجرَّد».
والثَّانية: أنَّ الزَّكاة تجب في الذِّمَّة رواية واحدة، وهي طريقة أبي الخطَّاب في «الانتصار»، وصاحب «التَّلخيص»؛ متابعة للخرقيِّ.
والثَّالثة: أنَّها تجب في الذِّمَّة، وتتعلَّق بالنِّصاب، وقع ذلك في كلام القاضي وأبي الخطَّاب وغيرهما، وهي طريقة الشَّيخ تقيِّ الدِّين.
والرَّابعة: أنَّ في المسألة روايتين:
إحداهما: تجب في العين.
والثَّانية: في الذِّمَّة، وهي طريقة كثير من الأصحاب المتأخِّرين.
وفي كلام أبي بكر في «الشَّافي» ما يدلُّ على هذه الطَّريقة، ولكن آخر كلامه يشعر بتنزيل القولين على اختلاف حالين (١)، وهما: يسار المالك وإعساره، فإن كان موسراً؛ وجبت الزَّكاة في ذمَّته، وإن كان معسراً (٢)؛ وجبت في عين ماله، وهو غريب.
стр. 1278
وللاختلاف في محلِّ التَّعلُّق - هل هو العين أو الذِّمة - فوائد كثيرة:
الأولى: إذا ملك نصاباً واحداً ولم يؤدِّ زكاته أحوالاً، فإن قلنا: الزَّكاة في العين؛ وجبت زكاة الحول الأوَّل دون ما بعده، ونصَّ عليه أحمد (١)، واختاره أكثر الأصحاب؛ لأنَّ قدر الزَّكاة زال الملك فيه على قول، وعلى آخر: ضَعُف الملك فيه؛ لاستحقاق تملُّكه، والمستحَقُّ في حكم المؤدَّى؛ فصار كالمنذور سواء، فإنَّ المنذور يجوز عندنا إبداله بمثله، وهذا كذلك.
وإن قلنا: الزَّكاة في الذِّمَّة؛ وجبت لكلِّ حول، إلَّا إذا قلنا: إنَّ دين الله يمنع الزَّكاة.
وقال السَّامريُّ: (تتكرَّر زكاته لكلِّ حول على القولين)، وتأوَّل كلام أحمد بتأويل فاسد.
وهذا فيما كانت زكاته من جنسه.
فأمَّا إن كانت من غير جنسه؛ كالإبل المزكَّاة بالغنم؛ تكرَّرت زكاته
стр. 1279
لكلِّ حول على كِلا القولين، نصَّ عليه؛ معلِّلاً بأنَّه لم يستحقَّ إخراج جزء منه؛ فبقي (١) الملك فيه تامًّا (٢).
وهكذا ذكر الخلَّال، وابن أبي موسى، والقاضي، والأكثرون.
وذكر الشِّيرازيُّ في «المبهج»: أنَّه كالأوَّل؛ لا يجب فيه سوى زكاة واحدة.
ومتى استأصلت الزَّكاةُ المالَ؛ سقطت بعد ذلك، صرَّح به في «التَّلخيص».
ونصَّ أحمد في رواية مهنَّى: على وجوبها في الدَّين بعد استغراقه بالزَّكاة.
فإمَّا أن يحمل ذلك على القول بالوجوب في الذِّمَّة.
وإما أن يفرَّق بين الدَّين والعين: بأنَّ الدَّين وصف حكميٌّ لا وجود له في الخارج؛ فتتعلَّق زكاته بالذِّمَّة رواية واحدة.
ولكن نصَّ أحمد في رواية غير واحد: على التَّسوية بين الدَّين والعين في امتناع الزَّكاة فيما بعد الحول الأوَّل، وصرَّح بذلك أبو بكر وغيره.
стр. 1280
تنبيه:
تعلُّق الزَّكاة بالعين مانع من وجوب الزَّكاة في الحول الثَّاني وما بعده، وهل هو مانع من انعقاد الحول الثَّاني ابتداء؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه مانع منه؛ لقصور الملك؛ فهو كدين الآدميِّ وأولى؛ لتعلُّقه بالعين، وهو قول القاضي في «شرح المذهب»، وصاحب «المغني».
والثَّاني: أنَّه غير مانع من الانعقاد، وهو قول القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل، ونقل صاحب «المحرَّر» الاتِّفاق عليه، وهو ظاهر ما ذكره الخلَّال في «الجامع»، وأورد عن أحمد من رواية حنبل ما يشهد له.
فلو أخرج الزَّكاة الأولى من غير النِّصاب في أثناء الحول الثَّاني؛ بنى الحول الثَّاني على الأوَّل من غير فصل بينهما على هذا.
وعلى الأوَّل: يستأنفه من حين الإخراج.
وينبني على هذين الوجهين مسألة معروفة في باب الخلطة، والله أعلم.
الفائدة الثَّانية: إذا تلف النِّصاب أو بعضه قبل التَّمكُّن من أداء الزَّكاة وبعد تمام الحول؛ فالمذهب المشهور: أنَّ الزَّكاة لا تسقط بذلك، إلَّا زكاة الزُّروع والثِّمار إذا تلفت بجائحة قبل القطع؛ فتسقط زكاتها اتِّفاقًا؛ لانتفاء التَّمكُّن من الانتفاع بها.
وخرَّج ابن عقيل وجهاً: بوجوب زكاتها أيضاً. وهو ضعيف مخالف للإجماع (١).
стр. 1281
وعن أحمد رواية ثانية: بالسُّقوط.
فمنهم من قال: هي عامَّة في جميع الأموال.
ومنهم من خصَّها بالمال الباطن دون الظَّاهر.
ومنهم من عكس ذلك.
ومنهم من خصَّها بالمواشي.
واختلفوا في مأخذ الخلاف على طريقين:
أحدهما: أنَّه البناء على الخلاف في محلِّ الزَّكاة؛ فإن قيل: هو الذِّمَّة؛ لم تسقط، وإلَّا سقطت، وهو طريق الحلوانيِّ في «التَّبصرة» والسَّامريِّ، وقيل: إنَّه ظاهر كلام الخرقيِّ، وفي كلام أحمد إيماء إليه أيضاً.
والطَّريق الثَّاني: عدم البناء على ذلك، وهو طريق القاضي والأكثرين.
فوجه استقرار الوجوب مطلقاً: أنَّا إن قلنا: التَّعلُّق بالذِّمَّة؛ فظاهر، وإن قلنا: بالعين؛ فلأنَّ وجوبها كان شكراً لنعمة تمَّ سببها - وهو النِّصاب (١) النَّامي -، وشرطها - وهو الحول -؛ فاستقرَّ وجوبها بتمام الانتفاع بهذا المال حولاً؛ كالأجرة المعيَّنة المستقِرَّة بانقضاء مدَّة الإجارة.
стр. 1282
وأيضاً؛ فمنهم من قال: تعلُّقها (١) بالعين لا ينفي تعليقها بالذِّمَّة؛ فهي (٢) كدين الرَّهن.
ووجه السُّقوط مطلقاً: أنَّا إن قلنا: تعلقها بالعين؛ فواضح؛ كالأمانات والعبد الجاني، وإن قلنا: بالذِّمَّة؛ فالوجوب إنَّما يستقِرُّ فيها (٣) بالتَّمكُّن من الفعل؛ كالصَّلاة على رواية.
يوضحه: أنَّ الزَّكاة وجبت مواساة للفقراء من المال؛ فتسقط بتلفه وفقر صاحبه.
واختار السُّقوط مطلقاً صاحب «المغني».
الفائدة الثَّالثة: إذا مات من عليه زكاة ودين، وضاقت التركة عنهما؛ فالمنصوص عن أحمد: أنَّهما يتحاصَّان (٤)، نقله عنه أحمد بن القاسم، وحرب، ويعقوب بن بختان.
واختلف الأصحاب في ذلك:
فمنهم من أقرَّ النَّصَّ على ظاهره، وأجرى المحاصَّة على كِلَا القولين في محلِّ الزَّكاة؛ لأنَّا إن قلنا: هو الذِّمَّة؛ فقد تساويا في محلِّ التَّعلُّق، وفي أنَّ في كلٍّ منهما حقًّا لآدميٍّ، وتمتاز الزَّكاة بما فيها من حقِّ الله ، وإن قلنا: العين؛ فدين الآدميِّ يتعلَّق بعد موته بالتَّركة
стр. 1283
أيضاً؛ فيتساويان، وهذه طريقة أبي الخطَّاب وصاحب «المحرَّر».
ومنهم من حمل النَّصَّ بالمحاصَّة على القول بتعلُّق الزَّكاة بالذِّمَّة؛ لاستوائهما في محلِّ التَّعلُّق، فأمَّا على القول بتعلُّقها بالنِّصاب؛ فتُقَدَّم الزَّكاة لتعلُّقها بالعين؛ كدين الرَّهن، وهذه طريقة القاضي في «المجرَّد» والسَّامريِّ، وفي كلام أحمد إيماء إليها.
ومن الأصحاب من وافق على هذا البناء، لكن بشرط: أن يكون النِّصاب موجوداً؛ إذ لا يعلَّق بالعين إلَّا مع وجوده، فأمَّا (١) مع تلفه؛ فالزَّكاة في الذِّمَّة؛ فتساوي دين الآدميِّ، وهذا تخريج في «المحرَّر»، مع أنَّ صاحبه ذكر في شرح «الهداية»: أنَّ النِّصاب متى كان موجوداً؛ قُدِّمت الزَّكاة، سواء قلنا: يتعلَّق بالعين أو بالذِّمَّة؛ لأنَّه تعلُّقٌ بسبب المال، يزداد بزيادته، وينقص بنقصه، ويختلف باختلاف صفاته، والزَّكاة من قبيل مؤن المال وحقوقه ونوائبه؛ فيُقَدَّم لذلك على سائر الدُّيون، وحُمِل نصُّ أحمد بالمحاصَّة: على حالة عدم النِّصاب.
فأمَّا إن كان المالك حيًّا وأفلس؛ فظاهر كلام أحمد في رواية ابن القاسم: أنَّه يُقدِّم الدَّين على الزَّكاة؛ لأنَّ تأخير إخراج الزَّكاة سائغ للعذر، وهو محتاج ههنا إلى إسقاط مطالبة الآدميِّ له، وملازمته وحبسه؛ فيكون عذراً له في التَّأخير، بخلاف ما بعد الموت؛ فإنَّه لو قُدِّم دين الآدميِّ؛ لفاتت الزَّكاة بالكليَّة.
وظاهر كلام القاضي والأكثرين: أنَّه يُقَدِّم الزَّكاة حتَّى في حالة الحجر.
стр. 1284
وهذا قد يتنزَّل على القول بالوجوب في العين، إلَّا أنَّ صاحب «شرح الهداية» صرَّح بتقديمها على كلا القولين، مع بقاء النِّصاب؛ كقوله فيما بعد الموت على ما سبق (١).
الفائدة الرَّابعة: إذا كان النِّصاب مرهوناً ووجبت فيه الزَّكاة؛ فهل يؤدِّي زكاته منه؟
ههنا حالتان:
إحداهما: ألَّا يكون له مال غيره يؤدِّي منه الزَّكاة؛ فيؤدِّي الزَّكاة من عينه، صرَّح به الخرقيُّ والأصحاب، وله مأخذان:
أحدهما: أنَّ الزَّكاة ينحصر تعلُّقها بالعين، ودين الرَّهن يتعلَّق بالذِّمَّة والعين؛ فيُقَدَّم عند التزاحم ما اختصَّ تعلُّقه بالعين، كما يُقدَّم حقُّ الجاني على المرتهن؛ إذ الحقُّ المنحصر في العين يفوت بفواتها، بخلاف المتعلِّق بالذِّمَّة مع العين؛ فإنَّه يستوفى من الذِّمَّة عند فوات العين، وهذا مأخذ القاضي.
وفيه ضعف، فإنَّ الزَّكاة عندنا لا تسقط بتلف النِّصاب مطلقاً، بل تتعلَّق بالذِّمَّة حينئذٍ؛ فهي إذاً كدين الرَّهن.
وأظهر من هذا أن يقال: تعلُّق الزَّكاة قهريٌّ، وتعلُّق الرَّهن اختياريٌّ، والقهريُّ أقوى؛ كالجناية.
أو يقال: هو تعلُّق بسبب المال، وتعلُّق الرَّهن بسبب خارجيٍّ، والتَّعلُّق بسبب المال مقدَّم؛ كجناية العبد المرهون.
стр. 1285
وعلى هذه المآخذ: متى قيل بتعلُّق الزَّكاة (١) بالذِّمَّة خاصَّة؛ لم يُقدَّم على حقِّ المرتهن؛ لتعلُّقه بالعين، وصرَّح به بعض المتأخِّرين.
والمأخذ الثَّاني: أنَّ النِّصاب سبب دين الزَّكاة؛ فقُدِّم دينها عند مزاحمة غيره من الدُّيون في النِّصاب؛ كما يقدَّم من وجد عين ماله عند إنسان (٢) أفلس، وهذا مأخذ صاحب «التَّلخيص».
وعلى هذا؛ فلا يفترق الحال بين قولنا: تتعلَّق (٣) الزَّكاة بالذِّمَّة، أو بالعين.
الحالة الثَّانية: أن يكون للمالك مال يؤدِّي منه الزَّكاة غير الرَّهن؛ فليس له أداء الزَّكاة منه بدون إذن المرتهن على المذهب، وذكره الخرقيُّ أيضاً؛ لأنَّ تعلُّق حقِّ المرتهن مانع من تصرُّف الرَّاهن في الرَّهن بدون إذن، والزَّكاة لا يتعيَّن إخراجها منه.
وذكر السَّامريُّ أنَّه متى قلنا: الزَّكاة تتعلَّق بالعين؛ فله إخراجها منه أيضاً؛ لأنَّه تعلُّق قهريٌّ، ومنحصر في العين؛ فهو كحقِّ الجناية.
الفائدة الخامسة: التَّصرُّف في النِّصاب أو بعضه بعد الحول ببيع أو غيره، والمذهب: صحَّته، ونصَّ عليه أحمد، قال الأصحاب: وسواء قلنا: الزَّكاة في العين أو الذِّمة.
وذكر أبو بكر في «الشَّافي»: أنَّا إن قلنا: الزَّكاة في الذِّمَّة؛ صحَّ
стр. 1286
التَّصرُّف مطلقاً، وإن قلنا: في العين؛ لم يصحَّ التَّصرُّف في مقدار الزَّكاة.
وهذا متوجِّه على قولنا: إنَّ تعلُّق الزَّكاة تعلُّق شركة أو رهن، صرَّح به بعض المتأخِّرين.
ونزَّل أبو بكر على هذا الاختلاف: الرِّوايتين المنصوصتين عن أحمد في المرأة إذا وهبت زوجها مهرها الَّذي لها في ذمَّته؛ فهل تجب زكاته عليها أو عليه (١)؟
قال: فإن صحَّحنا هبة المهر جميعه؛ فعلى المرأة إخراج زكاته من مالها، وإن صحَّحنا الهبة فيما عدا مقدارَ الزَّكاة؛ كان قدر الزَّكاة حقًّا للمساكينِ في ذمَّة الزَّوج؛ فيلزمه أداؤه إليهم، ويسقط عنه بالهبة ما عداه.
وهذا بناء غريب جدًّا.
وعلى المذهب: فلو باع النِّصاب كلَّه؛ تعلَّقت الزَّكاة بذمَّته حينئذ بغير خلاف؛ كما لو تلف.
فإن عَجَز عن أدائها، فطريقان:
أحدهما: ما قاله صاحب «شرح الهداية»: إن قلنا: الزَّكاة في الذِّمَّة ابتداء؛ لم يفسخ البيع، كما لو وجب عليه دين لآدميٍّ وهو موسر، فباع متاعه، ثمَّ أعسر، وإن قلنا: في العين؛ فُسِخَ البيع في قدرها؛ تقديماً لحقِّ المساكينِ (٢) لسبقه.
стр. 1287
الثَّاني (١): ما قال صاحب «المغني»: إنَّها تتعيَّن في ذمَّته كسائر الدُّيون بكلِّ حال، ثمَّ ذكر احتمالاً بالفسخ في مقدار الزَّكاة من غير بناء على محلِّ التَّعلُّق.
الفائدة السَّادسة: لو كان النِّصاب غائباً عن مالكه لا يقدر على الإخراج منه؛ لم يلزمه إخراج زكاته حتَّى يتمكَّن من الأداء منه، نصَّ عليه أحمد في رواية مهنَّى، وصرَّح به الشَّيخ مجد الدِّين في موضع من «شرح الهداية»؛ لأنَّ الزَّكاة مواساة؛ فلا يلزم أداؤها قبل التَّمكُّن من الانتفاع بالمال المواسى منه.
ونصَّ أحمد في رواية ابن ثواب فيمن وجب عليه زكاة مال فأقرضه: أنَّه لا يلزمه أداء زكاته حتَّى يقبضه؛ لأنَّ عَوْدَه مرجو، بخلاف التَّالف بعد الحول.
وهذا لعلَّه يرجع إلى أنَّ أداء الزَّكاة لا يجب على الفور (٢).
وقال القاضي وابن عقيل: يلزمه أداء زكاته قبل قبضه؛ لأنَّه في يده حكماً، ولهذا يتلف من ضمانه، بخلاف الدَّين الَّذي في ذمَّة غريمه.
وكذلك ذكر صاحب «شرح الهداية» في موضع آخر.
وأشار في موضع آخر (٣) إلى بناء ذلك على محلِّ الزَّكاة؛ فإن قلنا: الذِّمَّة؛ لزمه الإخراج عنه من غيره؛ لأنَّ زكاته لا تسقط بتلفه، بخلاف
стр. 1288
الدَّين، وإن قلنا: العين؛ لم يلزمه الإخراج حتَّى يتمكَّن من قبضه.
والصَّحيح الأوَّل، ووجوب الزَّكاة عن الغائب إذا تلف قبل قبضه مخالف لكلام أحمد.
الفائدة السَّابعة: إذا أخرج ربُّ المال زكاة حقِّه من مال المضاربة منه؛ فهل يحسب ما أخرجه من رأس المال ونصيبه من الرِّبح، أم من نصيبه من الرِّبح خاصَّة؟
على وجهين معروفين، بناهما بعض الأصحاب على الخلاف في محلِّ التَّعلُّق:
فإن قلنا: الذِّمَّة؛ فهي محسوبة من الأصل والرِّبح؛ كقضاء الدُّيون.
وإن قلنا: العين؛ حسبت من الرِّبح؛ كالمؤنة؛ لأنَّ الزَّكاة إنَّما تجب في المال النَّامي، فيحسب من نمائه.
ويمكن أن ينبني على هذا الأصل أيضاً: الوجهان في جواز إخراج المضارِب زكاة حصَّته من مال المضاربة؛ فإن قلنا: الزَّكاة تتعلَّق بالعين؛ فله الإخراج منه، وإلَّا فلا، وفي كلام بعضهم إيماء إلى ذلك.
وأمَّا حقُّ ربِّ المال؛ فليس للمضارِب تزكيته بدون إذنه، نصَّ عليه في رواية المروذي (١)، اللَّهمَّ إلَّا أن يصير المضارِب شريكاً؛ فيكون حكمه حكم سائر الخلطاء، والله أعلم.
стр. 1289
[٣] المستفاد بعد النِّصاب في أثناء الحول؛ هل يضمُّ إلى النِّصاب، أو يفرد عنه ؟
إذا استفاد مالاً زكويًّا من جنس النِّصاب في أثناء حوله؛ فإنَّه يُفرَد بحول عندنا، ولكن هل يضمُّه إلى النِّصاب في العدد، أو يُخلَط (١) به ويزكيه زكاة خلطة، أو يُفرِده بالزَّكاة كما أفرده بالحول؟
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه يفرده بالزَّكاة؛ كما يفرده بالحول، وهذا الوجه مختصٌّ بما إذا كان المستفاد نصاباً أو دون نصاب، ولا يغيِّر فرض النِّصاب.
أمَّا إن كان دون نصاب ويغيِّر فرض النِّصاب؛ لم يتأت فيه هذا الوجه، صرَّح به صاحب «شرح الهداية»؛ لأنَّه مضموم إلى النِّصاب في العدد؛ فيلزم حينئذ جعل ما ليس بوقص في المال وقصاً، وهو ممتنع.
ويختصُّ هذا الوجه أيضاً بالحول الأوَّل دون ما بعده؛ لأنَّ ما بعد الحول الأوَّل يجتمع (٢) فيه مع النِّصاب في الحول كلِّه، بخلاف الحول الأوَّل، صرَّح بذلك غير واحد، وكلام بعضهم مشعر باطِّراده في كلِّ الأحوال.
стр. 1290
وصرَّح القاضي أبو يعلى الصَّغير بحكاية ذلك وجهاً.
والوجه الثَّاني: أنَّه يُزَّكى زكاة خلطة، وصحَّحه صاحب «شرح الهداية»؛ كما لو اختلط نفسان في أثناء حول وقد ثبت لأحدهما حكم الانفراد فيه دون صاحبه، وزعم أنَّ صاحب «المغني» ضعَّفه، وإنَّما ضعَّف الأوَّل.
والوجه الثَّالث: أنَّه يُضَمُّ إلى النِّصاب؛ فيُزَكَّى زكاة ضمٍّ.
وعلى هذا: فهل الزِّيادة كنصاب منفرد، أم الكلُّ نصاب واحد؟ على وجهين:
أحدهما: أنَّها كنصاب منفرد، ولولا ذلك لزُكِّي النِّصاب عقيب تمام حوله بحصَّته من فرض المجموع، كما في سائر الأحوال، ولم يُزَكَّ زكاة انفراد، وهذا قول أبي الخطَّاب في «انتصاره»، وصاحب «المحرَّر».
والثَّاني: أنَّ الجميع نصاب واحد، وهو ظاهر كلام القاضي وابن عقيل وصاحب «المغني»، وهو الأظهر، وإنَّما زَكَّى النِّصاب (١) زكاة انفراد؛ لانفراده في أوَّل حوله الأوَّل، بخلاف الحول الثَّاني وما بعده.
فعلى هذا: إذا تمَّ حول المستفاد؛ وجب إخراج بقيَّة فرض المجموع بكلِّ حال؛ لأنَّه بكمال حوله يتمُّ حول الجميع؛ فيجب تتمَّة زكاته، ولا يكون ذلك عن المستفاد بخصوصه.
وعلى الأوَّل: إذا تمَّ حول المستفاد؛ وجب فيه ما بقي من فرض
стр. 1291
الجميع بعد إسقاط ما أخرج عن الأوَّل منه، إلَّا أن يزيد بقيَّة الفرض على فرض المستفاد بانفراده، أو ينقص عنه، أو يكون من غير جنس فرض الأوَّل؛ فإنَّه يتعذَّر ههنا وجه الضَّمِّ، ويتعيَّن وجه الخلطة أو الانفراد، إلَّا أن يكون المستفاد دون نصاب مغيِّراً للفرض؛ فيتعيَّن وجه الخلطة، ويلغو وجه الانفراد أيضاً على ما سبق، وبهذا كلِّه صرَّح صاحب «شرح الهداية»، وبناه على أنَّ المُخْرَجَ عن المستفاد بخصوصيَّته.
وتظهر (١) فائدة اختلاف هذين الوجهين في أنواع ثلاثة:
النَّوع الأوَّل: أن يكون (٢) تتمة فرض زكاة الجميع أكثر من فرض المستفاد بخصوصه (٣).
مثل أن يملك خمسين من البقر، ثمَّ ثلاثين بعدها، فإذا تمَّ حول الأولى؛ فعليه مسنَّة، فإذا تمَّ حول الثَّانية؛ فعليه مسنَّة أخرى على الوجه الثَّاني، وهو الأظهر.
وعلى الأوَّل: يمتنع (٤) الضَّمُّ هنا؛ لئلَّا يؤدِّي إلى إيجاب مسنَّة عن ثلاثين، ويجب إمَّا تبيع على وجه الانفراد، أو ثلاثة أرباع مسنَّة على وجه الخلطة.
стр. 1292
النَّوع الثَّاني: أن يكون تتمة الواجب دون فرض المستفاد بانفراده.
مثل أن يملك ستًّا وسبعين من الإبل، ثمَّ ستًّا وأربعين بعدها، فإذا تمَّ حول الأولى؛ فعليه ابنتا لبون، وإذا (١) تمَّ حول الثَّانية:
فعلى الوجه الثَّاني: يلزمه تمام فرض المجموع، وهو بنت لبون.
وعلى الأوَّل: يمتنع ذلك؛ لأنَّ فرضه على الانفراد حِقَّة؛ فيزكَّى إمَّا على الخلطة أو الانفراد.
وهذا بعيد؛ فإنَّ وجه الضَّمِّ إذا اعتبر مع كون المستفاد يصير وقصاً محضاً بضمِّه إلى النِّصاب، وإن كان فيه زكاة بانفراده؛ فكيف لا يعتبر إذا كان فرضه دون فرضه بانفراده؟!
النَّوع الثَّالث: أن يكون فرض النِّصاب الأوَّل المُخْرَج عند تمام حوله من غير جنس فرض المجموع أو نوعه.
مثل أن يملك عشرين من الإبل، ثمَّ خمساً بعدها:
فعلى الوجه الأوَّل: يمتنع الضَّمُّ ههنا؛ لتعذُّر طرح المخرج عن الأوَّل من واجب الكلِّ.
وعلى الثَّاني - وهو الأظهر -: يجب إخراج تتمة الزَّكاة وإن كان من غير الجنس؛ لضرورة اختلاف الحولين، لا سيَّما ونحن على أحد الوجهين نجيز تشقيص الفرض لغير ضرورة؛ كإخراج نصفي شاة عن أربعين، أو حقَّتين وبنتي لبون ونصفاً عن مائتين من الإبل؛ فههنا أولى.
وعلى هذا؛ فقد يتَّفق وجه الخلطة ووجه الضَّمِّ على هذا التَّقدير؛
стр. 1293
حيث لم تكن (١) زكاة الخلطة مفضية إلى زيادة الفرض أو نقصه، وقد يختلفان؛ حيث أدَّى الاتِّفاق إلى أحد الأمرين، وسبب ذلك أنَّ هذا النَّوع على ضربين:
أحدهما: ألَّا يكون في واحد منهما (٢) - أعني: النِّصاب والمستفاد - وقص، ولا حدث من اجتماعهما وقص؛ فيزكَّى كما تقدَّم، وهو أنَّا نأخذ فرض الجميع؛ فنخرج (٣) عند تمام حول المستفاد حصَّته منه، ويتَّفق هنا وجه الضَّمِّ والخلطة؛ فتوجب على الوجهين - فيما إذا كان المستفاد خمساً من الإبل بعد عشرين - خُمُس بنت مخاض، وهو مقارب لشاة؛ فإنَّ الشَّارع أوجب أربع شياه في عشرين، وبنتَ مخاض في خمس وعشرين؛ فتكون مقدَّرة بخمس شياه.
وكذا لو استفاد عشرة من البقر بعد ثلاثين؛ فإنَّه يجب للزِّيادة ربع مسنَّة؛ لأنَّ التَّبيع مقابل لثلاثة أرباع المسنَّة، والمسنَّة تعدل تبيعاً وثلثاً أبداً.
الضَّرب الثَّاني: أن يكون في المال وقص؛ إمَّا حالة اجتماعه أو حالة انفراده فقط؛ فيختلف ههنا وجه الضَّمِّ والخلطة، فإنَّا على وجه الضَّمِّ نجمع من النِّصاب الأوَّل ما تعلَّق به الفرض منه، ويضمُّ إليه تتمة نصاب المجموع من الباقي، ثمَّ نأخذ من فرض المجموع حصَّة هذه
стр. 1294
التَّتمة - وهي بقيَّة ما يتعلَّق به الفرض من مجموع المال-، ويجعل الباقي من المال إن بقي منه شيء كالمعدوم.
فمثال ذلك والوقص موجود حالة الاجتماع: لو ملك عشرين من الإبل، ثمَّ تسعاً منها، فإذا تمَّ حول الثَّانية؛ ضممتَ إلى العشرينَ الأولى (١) خمساً، يكُنَّ خمسة وعشرين، فرضها بنت مخاض، وقد أخرجنا عن العشرين أربع شياه؛ فيُخرِج عن الباقي خُمُسَ بنت مخاض.
وعلى وجه الخلطة: يُخرِج عنها تسعةَ أجزاءٍ من أصل تسعة وعشرين جزءًا من بنت مخاض.
ومثاله والوقص موجود حالة الانفراد فقط: لو ملك أربعة عشر من الإبل، ثمَّ أحد عشر بعدها، فإذا تمَّ حول الأولى (٢)؛ فعليه شاتان، فإذا تمَّ حول الثَّانية؛ ضممنا إلى عشرة من الأول تتمة النِّصاب، وهي خمسة عشر؛ فما أوجبنا فيها ثلاثة أخماس بنت مخاض؛ لأنَّ فيهما جميعاً وقصاً لم يؤدِّ عنه، والمال عند الاجتماع لا وقص فيه؛ فيجب تأدية زكاته كلِّه، فإذا كان قد أخرج عن بعضه؛ وجب الإخراج عن جميع ما لم يخرج عنه منه.
وعلى وجه الخلطة: يجب في الزِّيادة وحدها خُمُسان من بنت مخاض، وخُمُسُ خُمُسٍ بنت مخاض (٣).
стр. 1295
فإذا تقرَّر هذا؛ فالمستفاد لا يخلو من أربعة أقسام:
القسم الأوَّل: أن يكون نصاباً مغيِّراً للفرض.
مثل: أن يملك أربعين شاة، ثمَّ إحدى وثمانين بعدها؛ ففي الأربعين: شاةٌ عند حولها، فإذا تمَّ حول الثَّانية؛ فوجهان:
أحدهما: فيها شاة أيضاً، وهو متخرِّج على وجهي الضَّمِّ والانفراد.
والثَّاني: فيها شاةٌ وأحد وأربعون جزءًا من أصل مائة وأحد وعشرين جزءًا من شاة، وهو وجه الخلطة؛ لأنَّ ذلك حصَّة المستفاد من الشَّاتين الواجبتين في الجميع.
وذكر القاضي وابن عقيل وجماعة: أنَّ وجه الخلطة هنا كوجه الانفراد، تجب به شاة أيضاً؛ لئلَّا يفضي إلى إيجاب زيادة على فرض الجميع.
وهو مردود: بأنَّهم أوجبوا بالخلطة زيادة على فرض الجميع في غير هذا الموضع.
القسم الثَّاني: أن تكون (١) الزِّيادة نصاباً لا يغيِّر الفرض؛ كمن ملك أربعين شاة، ثمَّ أربعين بعدها.
ففي الأولى إذا تمَّ حولها: شاةٌ.
فإذا تمَّ حول الثَّانية؛ فثلاثة أوجه:
стр. 1296
أحدها: لا شيء فيها، وهو وجه الضَّمِّ؛ لأنَّ الزِّيادة بالضَّمِّ تصير (١) وقصاً.
والثَّاني: فيها شاة، وهو وجه الانفراد.
والثَّالث: فيها نصف شاة، وهو وجه الخلطة.
القسم الثَّالث: أن تكون (٢) الزِّيادة لا تبلغ نصاباً (٣)، ولا تغيِّر الفرض؛ كمن ملك أربعين من الغنم، ثمَّ ملك بعدها عشرين:
ففي الأولى إذا تمَّ حولها: شاةٌ.
فإذا تمَّ حول الثَّانية؛ فوجهان:
أحدهما (٤): لا شيء فيها، وهو متوجِّه على وجهي الضَّمِّ والانفراد.
والثَّاني: فيها ثلث شاة، وهو وجه الخلطة.
القسم الرَّابع: ألَّا تبلغ الزِّيادة نصاباً، وتُغيِّرَ الفرض؛ كمن ملك ثلاثين من البقر، ثمَّ عشراً بعدها، فإذا تمَّ حول الأولى؛ ففيها تبيع، فإذا تمَّ حول الزِّيادة؛ فقال الأصحاب: يجب فيها ربع مسنَّة، ولم يذكروا فيه خلافاً.
ومنهم من صرَّح بنفي الخلاف؛ كصاحب «المحرَّر»، وعلَّل: بأنَّ
стр. 1297
وجه الانفراد متعذِّر؛ لما سبق، وكذا وجه الضَّمِّ؛ لأنَّه يفضي على أصله إلى استثناء شيء وطرحه من غير جنسه، وهو طرح التَّبيع من المسنَّة، وهو متعذِّر؛ فتعيَّن وجه الخلطة.
وأمَّا صاحب «الكافي»؛ فظاهر كلامه: أنَّ هذا متمشٍّ على وجه الضَّمِّ أيضاً، بناء على أصله الَّذي تقدَّم، من أنَّ الكلَّ نصاب واحد وفرضه مسنَّة، وقد أخرج تبيعاً، وهو يعدل ثلاثة أرباع مسنَّة (١)؛ فيجب إخراج بقيَّة فرض المال، وهو هنا ربع مسنَّة؛ لأنَّ التَّبيع يعدل ثلاثة أرباع المسنَّة كما سبق تقريره؛ فتبيع وربع مسنَّة يعدل مسنَّة كاملة.
فاحتفظ بهذه الفائدة الجليلة؛ فإنَّك لا تظفر بها في غير هذا الموضع، والله أعلم.
стр. 1298
[٤] الملك في مدَّة الخيار؛ هل ينتقل إلى المشتري أم لا ؟
في هذه المسألة روايتان عن الإمام أحمد:
أشهرهما: انتقال الملك إلى المشتري بمجرَّد العقد، وهي المذهب الَّذي عليه الأصحاب.
والثَّانية: لا ينتقل حتَّى ينقضي الخيار، فعلى هذه يكون الملك للبائع.
ومن الأصحاب من حكى: أنَّ الملك يخرج عن البائع ولا يدخل إلى المشتري، وهو ضعيف.
وللرِّوايتين فوائد عديدة:
منها: وجوب الزَّكاة؛ فإذا باع نصاباً من الماشية بشرط الخيار حولاً؛ فزكاته على المشتري على المذهب، سواء فسخ العقد أو أمضى.
وعلى (١) الرِّواية الثَّانية: الزَّكاة على البائع إذا قيل: الملك باق له.
ومنها: لو باعه عبداً بشرط الخيار، وأهلَّ هلال الفطر وهو في مدَّة الخيار؛ فالفطرة على المشتري على المذهب.
стр. 1299
وعلى البائع على الثَّانية.
ومنها: لو كَسَب المبيعُ في مدَّة الخيار كسباً، أو نما نماء منفصلاً؛ فهو للمشتري؛ فسخ العقد أو أمضى.
وعلى الثَّانية: هو للبائع.
ومنها: مؤنة الحيوان والعبد المُشترى بشرط الخيار؛ يجب على المشتري على المذهب.
وعلى البائع على الثَّانية.
ومنها: إذا تلف المبيع في مدَّة الخيار؛ فإن كان بعد القبض، أو لم يكن مبهماً؛ فهو من مال المشتري على المذهب.
وعلى الثَّانية: من مال البائع.
ومنها: لو تعيَّب المبيع في مدَّة الخيار؛ فعلى المذهب: لا ردَّ بذلك؛ إلَّا أن يكون غير مضمون على المشتري؛ لانتفاء القبض.
وعلى الثَّانية: له الرَّدُّ بكلِّ (١) حال.
ومنها: تصرُّف المشتري في مدَّة الخيار؛ فلا يجوز، إلَّا بما يحصل به تجربته، إلَّا أن يكون الخيار له وحده، كذا ذكر الأصحاب.
والمنصوص عن أحمد في رواية أبي طالب: أنَّ له التَّصرُّف فيه بالاستغلال.
وفرَّق بينه وبين وطء الأمة المشتراة بشرط من وجهين:
أحدهما: أن ذاك (٢) فرج؛ فيحتاط له.
стр. 1300
والثَّاني: أنَّ ذاك شرط وهذا خيار.
وهذا يدلُّ على جواز تصرُّفه بما لا يمنع البائع من الرُّجوع؛ كالاستخدام والإجارة، وإنَّما يمنع من إخراجه من ملكه أو تعريضه للخروج بالرَّهن، والتَّدبير، والكتابة، ونحوها، هذا كلُّه على المذهب.
وعلى الرِّواية الثَّانية: يجوز التَّصرُّف للبائع وحده؛ لأنَّه مالك ويملك الفسخ، فإنَّ الخيار وضع لغرض الفسخ دون الإمضاء.
فأمَّا حكم نفوذ التَّصرُّف وعدمه:
فالمذهب (١): أنَّه لا ينفذ بحال، إلَّا بالعتق.
ونقل مهنَّى وغيره عن أحمد: أنَّه موقوف على انقضاء مدَّة الخيار.
وهذا إذا كان الخيار لهما، فإن كان للبائع وحده؛ فكذلك في تصرُّف المشتري الرِّوايتان.
وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى: أنَّه إن أجازه البائع؛ صحَّ، والثَّمن له، وإن ردَّه؛ بطل البيع، وعلى المشتري استرداده، فإن تعذَّر؛ فعليه قيمته، وإن سُرِقَ أو هلك؛ فهو من ضمان المشتري.
فحمل السَّامريُّ هذه الرِّواية: على أنَّ الملك لم ينتقل إلى البائع (٢)، وآخرها يبطل ذلك.
والصَّحيح: أنَّها رواية بطلان التَّصرُّف من أصله، لكنَّها مفرَّعة على أنَّ الفسخ بالخيار رفع للعقد من أصله؛ فتبيَّن به أن الملك كان للبائع،