ثمَّ يكمل لصاحب النِّصف ثلثٌ (١) بالإجازة، وهذا مبنيٌّ على أنَّ القول بأنَّ الإجازة عطيَّة أو تنفيذ مفرَّع على القول بإبطال الوصيَّة بالزائد على الثُّلث وصحَّتها؛ كما سبق.
ومنها: لو أجاز المريض في مرض موته وصيَّة موروثه، فإن قلنا: إجازته عطيَّة؛ فهي معتبرة من ثلثه.
стр. 1367
وإن قلنا: تنفيذ؛ فطريقان:
أحدهما: القطع بأنَّها من الثُّلث أيضاً، كذا قال القاضي في «خلافه» وصاحب «المحرر»، وشبَّهه بالصَّحيح إذا حابى في بيع له فيه خيار، ثمَّ مرض في مدَّة الخيار؛ فإنَّه تصير محاباته من الثُّلث؛ لأنَّه تمكَّن من استرداد ماله إليه، فلم يفعل، فقام ذلك مقام ابتداء إخراجه في المرض، ونظيره لو وهب الأب لولده شيئاً، ثمَّ مرض وهو بحاله ولم يرجع فيه.
والطَّريق الثَّاني: أنَّ المسألة على وجهين، وهي طريقة أبي الخطَّاب في «انتصاره»، وهما منزَّلان على أصل الخلاف في حكم الإجازة، وقد يتنزَّلان على أنَّ الملك هل ينتقل إلى الورثة في الموصى به، أم تمنع الوصيَّة الانتقال؟ وفيه وجهان.
فإن قلنا: ينتقل إليهم؛ فالإجازة من الثُّلث؛ لأنَّه إخراج مال مملوك، وإلَّا فهي من رأس المال؛ لأنَّه امتناع من تحصيل مال لم يدخل بعد في ملكه، وإنَّما تعلَّق به حقُّ ملكه، بخلاف محاباة الصَّحيح إذا مرض، فإنَّ المال كان على ملكه، وهو قادر على استرجاعه.
ومنها: إجازة المفلس، وفي «المغني»: هي نافذة، وهو يتنزَّل (١) على القول بالتَّنفيذ.
ولا يبعد على قول القاضي في الَّتي قبلها ألَّا ينفذ، وقاله صاحب «المغني» في السَّفيه، معلِّلاً بأنَّه ليس من أهل التَّبرُّع.
стр. 1368
[١١] الموصى له؛ هل يملك الوصيَّة من حين الموت، أو من حين قبوله لها ؟
في المسألة وجهان معروفان.
وعلى القول بأنَّه إنَّما يملكها من حين قبوله؛ فهل هي قبله على ملك الميِّت، أو على ملك الورثة؟
على وجهين أيضاً، وأكثر الأصحاب على القول بأنَّه ملك للموصى له، وهو قول أبي بكر والخرقيِّ ومنصوص أحمد، بل نصَّ أحمد في مواضع (١) على أنَّه لا يعتبر له القبول؛ فيملكه قهراً؛ كالميراث، وهو وجه للأصحاب، حكاه غير واحد.
ولهذا الاختلاف فوائد عديدة:
فمنها: حكم نمائه بين الموت والقبول؛ فإن قلنا: هو على ملك الموصى له؛ فهو له (٢)، لا يحسب عليه من الثُّلث.
وإن قلنا: هو على ملك الميِّت؛ فتتوفَّر به التَّركة، فيزداد به الثُّلث.
وإن قلنا: على ملك الورثة؛ فنماؤه لهم خاصَّةً.
стр. 1369
وذكر القاضي في «خلافه»: أنَّ ملك الموصى له لا يتقدَّم القبول، وأنَّ النَّماء قبله للورثة، مع أنَّ العين باقية على حكم ملك الميِّت؛ فلا يتوفَّر به الثُّلث؛ لأنَّه لم يكن ملكاً له حين الوفاة.
وذكر أيضاً: إذا قلنا: إنَّه مراعًى، وإنَّا نتبين بقبول الموصى له ملكه له من حين الموت؛ فإنَّ النَّماء يكون للموصى له معتبراً من الثُّلث، فإن خرج من الثُّلث مع الأصل؛ فهما له، وإلَّا كان له بقدر الثُّلث من الأصل، فإن فَضَل شيء من الثُّلث؛ كان له من النَّماء.
ومنها: لو نَقَص الموصى به في سعر أو صفة؛ ففي «المحرَّر»: إن قلنا: يملكه بالموت؛ اعتبرت قيمته من التركة بسعره يوم الموت على أدنى صفاته من يوم الموت إلى القبول؛ لأنَّ الزِّيادة حصلت في ملكه؛ فلا تحتسب (١) عليه، والنَّقص لم يدخل في ضمانه، بل هو من ضمان التركة، ولهذا لو تلفت العين أو بعضها؛ لبطلت الوصيَّة (٢) في التَّالف، وأمَّا نقص الأسعار؛ فلا يُضمن عندنا.
وإن قلنا: يملكه من حين القبول؛ اعتبرت قيمته يوم القبول سعراً وصفةً (٣)؛ لأنَّه لم يملكه قبل ذلك.
стр. 1370
والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور، وذكره الخرقيُّ: أنَّه تعتبر قيمته يوم الوصيَّة (١)، ولم يحكِ صاحب «المغني» فيه خلافاً.
فظاهره: أنَّه يُعتبر بيوم (٢) الموت على الوجوه كلِّها؛ لأنَّ حقَّه تعلَّق بالموصى به تعلُّقاً قطع تصرُّف الورثة فيه؛ فيكون ضمانه عليه؛ كالعبد الجاني إذا أخَّر المجني عليه استيفاء حقِّه منه حتَّى تلف أو نقص.
ومنها: لو كان الموصى به أمةً، فوطئها الموصى له قبل القبول وبعد الموت، فإن قلنا: الملك له؛ فهي أمُّ ولده، وإلَّا فلا.
ولو وطئها الوارث، فإن قلنا: الملك له؛ فهي أمُّ ولد، ويلزمه قيمتها للموصى له، وإن قلنا: لا يملكها؛ لم تكن أمَّ ولد له.
ومنها: لو وصَّى بأمة لزوجها، فلم يعلم حتَّى أولدها أولاداً، ثمَّ قَبِلَ الوصيَّة، فإن قيل: يملكها بالموت؛ فولده حرٌّ، والأمة أمُّ ولده، ويبطل (٣) نكاحه بالموت.
وإن قيل: لا يملكها إلَّا بعد القبول؛ فنكاحه باقٍ قبل القبول، وولده رقيق للوارث.
ومنها: لو وصَّى لرجل بأبيه، فمات الموصى له قبل القبول، وقلنا:
стр. 1371
يقوم وارثه مقامه فيه، فقبل ابنه؛ صحَّ وعتق.
وهل يرث من ابنه الميِّت، أم لا؟
إن قلنا: يملكه بالموت؛ فقد عتق به؛ فيكون حرًّا عند موت ابنه، فيرث منه.
وإن قلنا: إنَّما يملكه بعد القبول؛ فهو عند موت ابنه رقيق؛ فلا يرث.
ولو كانت الوصيَّة بمال في هذه الصُّورة، فإن قلنا: ثبت الملك بالموت؛ فهو ملك للميِّت، فتوفَّى منه ديونه ووصاياه.
وعلى الوجه الآخر: هو ملك للوارث (١) الَّذي قَبِل، ذكره في «المحرَّر».
ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه يكون ملكاً للموصى له على الوجهين؛ لأنَّ التَّمليك حصل له؛ فكيف يصحُّ الملك ابتداءً لغيره؟!
ولهذا نقول على إحدى الرِّوايتين: إنَّ المكاتب إذا مات وخلَّف وفاء: أنَّه يؤدَّى منه بقية مال الكتابة، ويتبيَّن بذلك موته حرًّا، مع أنَّ الحرِّيَّة لا تثبت للمكاتب إلَّا بعد الأداء.
ومنها: لو وُصِّي لرجل بأرض، فبنى الوارث فيها وغرس قبل القبول، ثمَّ قَبِل؛ ففي «الإرشاد»: إن كان الوارث عالماً بالوصيَّة؛ قُلع بناؤه وغرسُه مجَّاناً، وإن كان جاهلاً؛ فعلى وجهين.
وهذا متوجِّه على القول بالملك بالموت.
стр. 1372
أمَّا إن قيل: هي قبل القبول على ملك الوارث؛ فهي (١) كبناء مشتري الشِّقص المشفوع وغرسِه؛ فيكون محترماً، يُتملَّك بقيمته.
ومنها: لو بِيع شقص في شركة الورثة والموصى له قبل قبوله، فإن قلنا: الملك له من الموت؛ فهو شريك للورثة في الشُّفعة، وإلَّا فلا حقَّ له فيها.
ومنها: جريانه من حين الموت في حول الزَّكاة، فإن قلنا: ملكه للموصى له؛ جرى في حوله.
وإن قلنا: للورثة؛ فهل يجري في حولهم حتَّى لو تأخَّر القبول سنة كانت زكاته عليه، أم لا؛ لضعف ملكهم فيه وتزلزله، وتعلُّق حقِّ الموصى له به، فهو كمال المكاتب؟ فيه تردُّد.
стр. 1373
[١٢] الدَّين؛ هل يمنع انتقال التَّركة إلى الورثة، أم لا ؟
في المسألة روايتان:
أشهرهما: الانتقال، وهو اختيار أبي بكر والقاضي وأصحابه، قال ابن عقيل: (هي المذهب)، وقد نصَّ أحمد: أنَّ المفلس إذا مات؛ سقط حقُّ البائع من عين ماله؛ لأنَّ الملك انتقل إلى ورثته.
والرِّواية الثَّانية: لا ينتقل، نقلها ابن منصور في رجل مات وترك داراً وعليه دين، فجاء الغرماء يبيعون المال، وقال أحد بنيه: أنا أعطي ربع الدَّين ودعوا لي ربع الدَّار؛ قال أحمد: (هذه الدَّار للغرماء، لا يرثونها) (١)؛ يعني: الأولاد.
ولا فرق بين ديون الآدميِّين وديون الله ، ولا بين الدُّيون الثَّابتة في الحياة والمتجدِّدة بعد الموت بسبب منه يقتضي الضَّمان؛ كحفر بئر ونحوه، صرَّح به القاضي.
وهل يعتبر كون الدَّين محيطاً بالتَّركة، أم لا؟
ظاهر كلام طائفة اعتباره؛ حيث فرضوا المسألة في الدَّين المستغرِق، وكلام أبي الخطَّاب في «انتصاره» كالصَّريح فيه.
стр. 1374
ومنهم من صرَّح بالمنع من الانتقال وإن لم يكن مستغرِقاً، ذكره في مسائل الشُّفعة.
وعلى القول بالانتقال؛ فيتعلَّق حقُّ الغرماء بها جميعها؛ وإن لم يستغرقها الدَّين، صرَّح به صاحب «التَّرغيب (١)».
وهل يتعلَّق (٢) حقُّهم بها تعلُّق رهن أو جناية؟
فيه خلافٌ يتحرَّر بتحرير مسائل:
إحداها: هل يتعلَّق جميع الدَّين بالتَّركة وبكلِّ جزء من أجزائها، أم يتقسَّط؟
صرَّح القاضي في «خلافه» بالأوَّل إن كان الوارث واحداً، وإن كان متعدِّداً؛ انقسم على قدر حقوقهم، وتعلَّق بحصَّة كلِّ وارث (٣) منهم قسطها من الدَّين وبكلِّ جزء منها؛ كالعبد المشترك إذا رهنه الشَّريكان بدين عليهما.
والثَّانية: هل يمنع هذا التَّعلُّق من نفوذ التَّصرُّف؟ وسنذكره.
والثَّالثة: هل يتعلَّق الدَّين بعين التركة مع الذِّمة؟ فيه للأصحاب (٤) ثلاثة أوجه:
أحدها: ينتقل إلى ذمم الورثة، قاله القاضي وأبو الخطَّاب في
стр. 1375
«خلافهما»، وابن عقيل.
ومنهم من قيَّده بالمؤجَّل (١).
ومنهم من خصَّه بالقول بانتقال التَّركة إليهم.
والثَّاني: هو باقٍ في ذمَّة الميِّت، ذكره القاضي أيضاً، والآمديُّ، وابن عقيل في «فنونه»، وصاحب «المغني»، وهو ظاهر كلام الأصحاب في ضمان دين الميِّت.
والثَّالث: يتعلَّق بأعيان التَّركة فقط، قاله ابن أبي موسى.
ورُدَّ: بلزوم براءة ذمَّة الميِّت منها بالتَّلف.
وإذا عرف هذا؛ فلهذا الاختلاف فوائد:
منها: نفوذ تصرُّف الورثة فيها ببيع أو غيره من العقود، فإن قلنا بعدم الانتقال إليهم؛ فلا إشكال في عدم النُّفوذ.
وإن قلنا بالانتقال؛ فوجهان:
أحدهما: لا ينفذ، قاله القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل في باب الشركة من كتابيهما، وحمل القاضي في غير «المجرَّد» رواية ابن منصور على هذا.
والثَّاني: ينفذ، قاله القاضي وابن عقيل أيضاً في باب الرَّهن والقسمة، وجعلاه المذهب، وإنَّما يجوز لهم التَّصرُّف بشرط الضَّمان، قاله القاضي؛ قال: (ومتى خلَّى الورثة بين التَّركة والغرماء؛ سقطت مطالبتهم بالدُّيون، ونصَّب الحاكم من يوفِّيهم منها، ولم يملكها الغرماء بذلك).
стр. 1376
وهذا يدلُّ على أنَّهم إذا تصرَّفوا فيها طولبوا بالدُّيون كلِّها (١)؛ كما نقول (٢) في سيِّد الجاني إذا فداه: إنَّه يَفْدِيه بأرش الجناية بالغاً ما بلغ على رواية، وكلام أحمد في رواية البرزاطيِّ ههنا يدلُّ عليه، وسنذكره.
وفي «الكافي»: إنَّما يضمنون أقلَّ الأمرين من قيمة التَّركة أو الدَّين.
وعلى الأوَّل (٣): ينفذ العتق خاصَّةً؛ كعتق الرَّاهن، ذكره أبو الخطَّاب في «انتصاره».
стр. 1377
وحكى القاضي في «المجرَّد» في باب العتق في نفوذ العتق مع عدم العلم بالدَّين وجهين، وأنَّه لا ينفذ مع العلم.
وجعل صاحب «الكافي» مأخذهما: أنَّ حقوق الغرماء المتعلِّقة بالتَّركة؛ هل تملك (١) الورثة إسقاطها بالتزامهم الأداء من عندهم، أم لا؟
ورواية ابن منصور السَّابقة تدلُّ على أنَّهم لا يملكون ذلك.
وفي «النَّظريَّات» لابن عقيل: إنَّ عتق الورثة إنَّما ينفذ مع يسارهم دون إعسارهم؛ اعتباراً بعتق موروثهم في مرضه؛ لأنَّ موروثهم كان ملكه ثابتاً فيها بغير خلاف، ولا ينفذ عتقه مع الإعسار، فلَأَنْ لا يَنفذ عتقهم مع إعسارهم والاختلافِ في ملكهم أولى.
وهل يصحُّ رهن التَّركة عند الغرماء؟
قال القاضي في «المجرَّد»: لا يصحُّ، وعلَّل بأنَّها كالمرهونة عندهم بحقِّهم، والمرهون لا يصحُّ رهنه، وبأنَّ التَّركة ملك للورثة؛ فلا يصحُّ رهن ملك الغير بغير إذنه.
فعلى التَّعليل الأوَّل: لا يصحُّ رهن الورثة لها من الغرماء وإن قلنا: هي ملكهم.
وعلى الثَّاني؛ ينبغي أن يصحَّ رهن الوصيِّ لها إذا قلنا: ليست ملكاً للورثة.
ومنها: نماء التَّركة، فإن قلنا: لا ينتقل إلى الورثة؛ تعلَّق حقُّ
стр. 1378
الغرماء بالنَّماء؛ كالأصل.
وإن قلنا: ينتقل إليهم؛ فهل يتعلَّق حقُّ الغرماء بالنَّماء؟ على وجهين.
وقد سبق بسط هذه المسألة في قاعدة النَّماء (١).
ومنها: لو مات رجل عليه دين وله مال زكويٌّ؛ فهل يبتدئ الوارث حول زكاته من حين موت موروثه، أم لا؟
إن قلنا: لا تنتقل التَّركة إليه مع الدَّين؛ فلا إشكال في أنَّه لا يجري في حوله حتَّى ينتقل إليه.
وإن قلنا: ينتقل؛ انبنى على أنَّ الدَّين هل هو مضمون في ذمَّة الوارث، أو هو في ذمَّة الميِّت خاصَّةً؟
فإن قلنا: الدَّين في ذمَّة الوارث، وكان ممَّا يمنع الزَّكاة؛ انبنى على أنَّ الدَّين المانع هل يمنع انعقاد الحول من ابتدائه، أو يمنع الوجوب في انتهائه خاصَّةً؟ فيه روايتان محكيَّتان في شرح «الهداية».
والمذهب: أنَّه يمنع الانعقاد، فيمنع انعقاد الحول على مقدار الدَّين من المال.
وإن قلنا: إنَّما يمنع وجوب الزَّكاة في آخر الحول؛ منع الوجوب ههنا آخر الحول في قدره أيضاً.
وإن قلنا: ليس في ذمَّة الوارث شيء؛ فظاهر كلام الأصحاب (٢):
стр. 1379
أنَّ تعلُّق الدين بالمال مانع أيضاً، وسنذكره.
ومنها: لو كان له شجر، وعليه دين فمات؛ فههنا صورتان:
إحداهما: أن يموت قبل أن يثمر، ثمَّ أثمر قبل الوفاء؛ فينبني على أنَّ الدَّين هل يتعلَّق بالنَّماء، أم لا؟
فإن قلنا: يتعلَّق به؛ خرج على الخلاف في منع الدَّينِ الزَّكاةَ في الأموال الظَّاهرة.
وإن قلنا: لا يتعلَّق به؛ فالزَّكاة على الوارث.
وهذا كلُّه بناءً على القول بانتقال الملك إليه، أمَّا إن قلنا: لا ينتقل؛ فلا زكاة عليه فيه، إلَّا أن ينفكَّ التَّعلُّق قبل بدوِّ صلاحه.
الصُّورة الثَّانية: أن يموت بعدما أثمرت، فيتعلَّق الدَّين بالثَّمرة، ثمَّ إن كان موته بعد وقت الوجوب؛ فقد وجبت عليه الزَّكاة، إلَّا أن نقول: إنَّ الدَّين يمنع الزَّكاة في المال الظَّاهر؛ وإن كان قبل وقت الوجوب، فإن قلنا: تنتقل التَّركة إلى الورثة مع الدَّين؛ فالحكم كذلك؛ لأنَّه مال لهم تعلَّق به دين (١)، ولا سيما إن قلنا: إنَّه في ذممهم.
وإن قلنا: لا تنتقل التَّركة إليهم؛ فلا زكاة عليهم.
وهذه المسألة تدلُّ على أنَّ النَّماء المتَّصل (٢) يتعلَّق به حقُّ الغرماء
стр. 1380
بغير خلاف.
ومنها: لو مات وعليه دين وله عبيد (١)، وأهلَّ هلال الفطر، فإن قلنا: لا ينتقل الملك؛ فلا فطرة لهم على أحد.
وإن قلنا: ينتقل؛ ففطرتهم على الورثة.
ومنها: لو كانت التَّركة حيواناً، فإن قلنا بالانتقال إلى الورثة؛ فالنَّفقة عليهم، وإلَّا فمن التَّركة.
وكذلك مؤنة المال؛ كأجرة المخزن ونحوه.
ومنها: لو مات المدين وله شقص، فباع شريكه نصيبه قبل الغرماء؛ فهل للورثة الأخذ بالشُّفعة؟
إن قلنا بالانتقال إليهم؛ فلهم ذلك، وإلَّا فلا.
ولو كان الوارث شريك الموروث، وبِيع نصيب الموروث (٢) في دَينه، فإن قلنا بالانتقال؛ فلا شفعة للوارث؛ لأنَّ البيع وقع في ملكه؛ فلا يملك استرجاعه.
وإن قيل بعدمه؛ فله الشُّفعة؛ لأنَّ المبيع لم يكن في ملكه، بل في شركته.
ومنها: لو وطئ الوارث الجارية الموروثة - والدَّين مستغرِق (٣) -، فأولدها، فإن قلنا: هي ملكه؛ فلا حدَّ، ويلزمه قيمتها يوفي منها
стр. 1381
الدَّين؛ كما لو وطئ الرَّاهن.
وإن قلنا: ليست ملكه؛ فلا حدَّ أيضاً؛ لشبهة الملك، فإنَّه يملكها بالفكاك؛ فهي كالرَّهن، وعليه قيمتها ومهرها يوفي بها الدَّين، ذكره أبو الخطَّاب في «انتصاره».
ففائدة الخلاف حينئذ: وجوب المهر.
ومنها: لو تزوَّج الابن أمَةَ أبيه، ثمَّ قال لها: إن مات أبي فأنت طالق، وقال أبوه: إن متُّ فأنتِ حرَّة، ثمَّ مات وعليه دين مستغرِق؛ لم تعتق؛ لاستغراق الدَّينِ التَّركةَ (١)؛ فلا ثلث للميِّت لينفذ منه العتق.
وهل يقع الطَّلاق؟
قال القاضي في «المجرَّد»: نعم، وعلَّل بأنَّه (٢) لم يملكها؛ فهي باقية على نكاحه.
وقال ابن عقيل: لا تطلق؛ لأنَّ التَّركة تنتقل إلى الورثة؛ فيسبق الفسخ الطَّلاق.
فالوجهان مبنيَّان على الانتقال وعدمه، وكذلك لو لم يدبِّرها الأب سواء.
وفي المذهب وجه آخر بالوقوع وإن قيل بالانتقال، حتَّى ولو لم يكن دين؛ بناءً على سبق زمن الطَّلاق للفسخ، وقد ذكرناه في القواعد (٣).
стр. 1382
ومنها: لو أقرَّ لشخص، فقال: له في ميراثي ألف؛ فالمشهور: أنَّه متناقض في إقراره.
وفي «التَّلخيص»: يحتمل أن يلزمه؛ إذ المشهور عندنا: أنَّ الدين لا يمنع الميراث؛ فهو كما لو قال: له في هذه التَّركة ألف؛ فإنَّه إقرار صحيح.
وعلى هذا؛ فإذا قلنا: يمنع الدَّين الميراث؛ كان تناقضاً بغير خلاف.
ومنها: لو مات وترك ابنين وألف درهم، وعليه ألف درهم دين، ثمَّ مات أحد الابنين وترك ابناً، ثمَّ أبرأ الغريم الورثة؛ فذكر القاضي: أنَّه يستحق ابن الابن نصف التَّركة بميراثه عن أبيه، وذكره في موضع إجماعاً، وعلَّله في موضع: بأنَّ التَّركة تنتقل مع الدَّين؛ فانتقل ميراث الابن إلى ابنه (١).
وهذا يفهم (٢) منه: أنَّه على القول بمنع الانتقال يختصُّ به ولد الصُّلب؛ لأنَّه هو الباقي من الورثة، وابن الابن ليس بوارث معه، والتَّركة لم تنتقل إلى أبيه، وإنَّما انتقلت بعد موته.
ويشهد لهذا ما ذكره صاحب «المحرَّر» في الوصيَّة إذا مات الموصى له وقَبِل وارثه؛ فإنَّه يملكه هو دون موروثه على قولنا بملك (٣) الوصيَّة
стр. 1383
من حين القبول.
ومنها: رجوع بائع المفلس في عين ماله بعد موت المفلس؛ يحتمل بناؤه على هذا الخلاف، فإن قلنا: ينتقل إلى الورثة؛ امتنع رجوعه، وبه علَّل الإمام أحمد.
وإن قلنا: لا ينتقل؛ رجع به، لا سيما والحقُّ هنا متعلِّق في الحياة تعلُّقاً متأكداً.
ومن العجيب: أنَّ عن أحمد روايةً بسقوط حقِّ المرتهن من الرَّهن بموته (١)؛ فيكون أسوة الغرماء؛ كغريم المفلس، حكاها القاضي وابن عقيل، وهذا عكس ما نحن فيه.
ومنها: ما نقل البرزاطيُّ عن أحمد: أنَّه سئل عن رجل مات وخلَّف ألف درهم، وعليه للغرماء ألفا درهم، وليس له وارث غير ابنه، فقال ابنه لغرمائه: اتركوا هذه (٢) الألف في يدي، وأَخِّروني في حقوقكم ثلاث سنين حتَّى أوفِّيكم جميع حقوقكم؛ قال: إذا كانوا قد استحقُّوا قبض هذه الألف، وإنَّما يؤخِّرونه ليوفِّيهم لأجل تركها في يديه؛ فهذا لا خير له فيه، إلَّا أن يقبضوا الألف منه، ويؤخِّرونه في
стр. 1384
الباقي ما شاؤوا (١).
قال بعض مشايخنا (٢): تُخرَّج هذه الرِّواية على القول بأنَّ التَّركة لا تنتقل، قال: وإن قلنا: تنتقل إليهم؛ جاز ذلك، وهو أقيس بالمذهب.
وتوجيه (٣) ما قال: أنَّ حقَّ الغرماء في عين التَّركة دون ذمَّة الورثة، فإذا أسقطوا حقهم (٤) من التَّعلُّق (٥) بشرط أن توفيهم الورثة بقيَّة حقوقهم؛ فهو إسقاط بعوض غير لازم للوارث.
فإن قيل: بانتقال التَّركة إلى الوارث؛ فقد أذن له في الانتفاع بماله بعوض يلزمه (٦) له في ذمَّته.
وإن قيل: بعدم الانتقال؛ فهو شبيه بتمليكه ألفاً بألفين إلى أجل، وإن لم يكن تمليكاً من الغريم لما يملكه، لكنَّه لمَّا أسقط حقَّه؛ ملكه الوارث حينئذ فصار تمليكاً، مع أنَّ قول أحمد: (لا خير فيه) ليس صريحاً (٧) بالتَّحريم، فيحتمل الكراهة.
وقوله: (ويؤخِّرونه في الباقي ما شاؤوا)؛ يدلُّ على أنَّ الورثة إذا
стр. 1385
تصرَّفوا في التَّركة؛ صاروا ضامنين جميع الدَّين في ذممهم (١)؛ فيطالَبون به، ومتى كان الدَّين في ذمم الورثة؛ قوي الجواز؛ لأنَّ انتقاله إلى ذممهم فرع انتقال التَّركة إليهم؛ فيبقى كالمفلس إذا طلب من غرمائه الإمهال وإسقاط حقوقهم من أعيان ماله ليوفِّيهم إيَّاها كاملة إلى أجل.
ومنها: ولاية المطالبة بالتَّركة إذا كانت ديناً ونحوه؛ هل هو للورثة خاصَّة أم للغرماء والورثة؟
قال أحمد في رواية عبد الله، في رجل مات وخلَّف وديعة عند رجل، ولم يوصِ إليه بشيء، وخلَّف عليه ديناً، يجوز لهذا المودَع أن يدفع إلى ولد الميِّت؟ فقال: إن كان أصحاب الدَّين يعلمون أنَّه مودَع، ويخاف تَبِعَتَهم أن يرجعوا عليه فيحلِّفوه، جَمَع (٢) أصحاب الدَّين والورثة فسلم إليهم جميعاً (٣). ونقل صالح نحوه.
стр. 1386
وهذا يدلُّ على أنَّ للغرماء ولايةَ المطالبة والرُّجوع على المودَع إذا سلَّم الوديعة إلى الورثة.
وحمله القاضي على الاحتياط؛ قال: لأنَّ التَّركة ملكٌ للورثة، ولهم الوفاء من غيرها.
فظاهر (١) كلامه: أنَّا إن قلنا: التَّركة ملك لهم؛ فلهم ولاية الطَّلب والقبض.
وإن قلنا: ليست ملكاً لهم؛ فليس لهم (٢) الاستقلال بذلك.
وقال الشَّيخ مجد الدِّين: (عندي أنَّ نصَّ أحمد على ظاهره؛ لأنَّ الورثة والغرماء تتعلَّق حقوقهم بالتَّركة؛ كالرَّهن والجاني؛ فلا يجوز الدَّفع إلى بعضهم)، قال: (وإنَّما المشكل أنَّ مفهوم كلامه جواز الدَّفع إلى الورثة بمفردهم، ولعلَّه أراد إذا وثق بتوفيتهم للدَّين) انتهى.
ولا ريب أنَّ حقوق الورثة تتعلَّق بها أيضاً - وإن قلنا: لا تنتقل إليهم-، وهم قائمون مقام الوصيِّ عند عدمه في إيفاء الدُّيون وغيرها
стр. 1387
عند طائفة من الأصحاب.
والمتوجِّه (١): هو الدَّفع إلى الورثة والغرماء جميعاً، ولا يملك الدَّفع إلى الغرماء بانفرادهم بكلِّ حال.
وقد نصَّ أحمد في رواية مهنَّى، فيمن عنده وديعة وصَّى بها ربُّها لرجل ثمَّ مات: أنَّ المودَع لا يدفعها إلى الموصى له، فإن فعل؛ ضمن، ولكن تجمع الورثة والموصى (٢) له، فإن أجازوا، وإلَّا دفعه إليهم جميعاً.
ولعلَّ هذا فيما إذا لم تثبت الوصيَّة في الظَّاهر، وإنَّما المودَع يدَّعي ذلك، أو أنَّها لا تخرج من الثُّلث، ولذلك قال: (فإن أجازوا)؛ يعني: الورثة، وإلَّا فالعين الموصى بها إذا خرجت من الثُّلث لا حق فيها للورثة، ولا تنتقل إليهم بكلِّ حال على الصَّحيح.
وفي «المحرَّر»: أنَّ من عليه دَين موصًى به لمعيَّن؛ فهو مخيَّر: إن شاء دفعه إلى الوصي، وإن شاء إلى الموصى له؛ بخلاف الوصيَّة المطلقة؛ فإنَّه لا يبرأ بدون الدَّفع إلى الوارث والوصي جميعاً؛ لأنَّها كالدَّين.
وقد نصَّ أحمد أيضاً في رواية أبي طالب؛ فيمن عليه دين لميِّت وعلى الميِّت دين؛ فقضاه به عنه: أنَّه يجوز في الباطن دون الظَّاهر.
ووجَّهه القاضي: بأنَّ الورثة لا حق لهم في ذلك المال الَّذي في
стр. 1388
مقابلة الدَّين؛ فلا يكون متصرِّفاً في حقوقهم.
وهذا متوجِّه على القول: بأنَّ التَّركة لا تنتقل إليهم مع الدَّين؛ فلا يكون القضاء من أموالهم، ويرجع ذلك إلى أنَّ كلَّ مال مستحَقٍّ يجوز دفعه إلى مستحِقِّه مع وجود من له ولاية القبض، وقد سبق ذكره في القواعد (١).
стр. 1389
[١٣] التَّدبير؛ هل هو وصية، أو عتق بصفة ؟
في المسألة روايتان.
وينبني عليهما فوائد كثيرة:
منها: لو قتل المدبَّرُ سيِّدَه؛ هل يعتق؟ وفيه طريقتان:
إحداهما: بناؤه على الرِّوايتين؛ إن قلنا: هو عِتقٌ بصفةٍ عتَقَ.
وإن قلنا: وصيَّة؛ لم يَعتق؛ لأنَّ المذهب أنَّ الموصى له إذا قتل الموصي بعد الوصيَّة لم يستحِقَّ الوصية (١)، وهي طريقة ابن عقيل وغيره.
والثَّانية: أنَّه لا يعتق على الرِّوايتين، وهي طريقة القاضي؛ لأنَّه لم يعلِّقه على موته بقتله إيَّاه.
ومنها: بيع المدبَّر وهبته، والمذهب: الجواز؛ لأنَّه وصيَّة أو تعليق بصفة، وكلاهما لا يمنع نقل الملك قبل الصِّفة.
وفيه رواية أخرى: بالمنع؛ بناء على أنَّه عِتق (٢)؛ فيكون لازماً؛ كالاستيلاد.
стр. 1390
ومنها: اعتباره من الثُّلث على المذهب؛ لأنَّه وصيَّة.
ونقل حنبل: أنَّه من رأس المال (١)، وهو (٢) متخرِّج على أنَّه عتق لازم؛ كالاستيلاد.
ومنها: إبطال التَّدبير والرُّجوع عنه بالقول، وفي صحَّته روايتان، بناهما الخرقيُّ والأكثرون على هذا الأصل؛ فإن قلنا: هو وصيَّة؛ جاز الرُّجوع فيه.
وإن قلنا: عِتق؛ فلا.
وللقاضي وأبي الخطَّاب في تعليقهما طريقة أخرى: أنَّ الرِّوايتين هنا على قولنا: إنَّه وصيَّة؛ لأنَّها وصيَّة تتنجز بالموت من غير قبول، بخلاف بقيَّة الوصايا.
وهو منتقض بالوصيَّة لجهات البرِّ.
ولأبي الخطَّاب في «الهداية» طريقة ثالثة: وهي بناء هاتين الرِّوايتين على جواز الرُّجوع بالبيع.
أمَّا إن قلنا: يمنع الرُّجوع بالفعل؛ فبالقول أولى.
ومنها: لو باع المدبَّرَ ثمَّ اشتراه؛ فهل يكون بيعه رجوعاً فلا يعود تدبيره، أو لا يكون رجوعاً فيعود؟ فيه روايتان أيضاً، بناهما القاضي والأكثرون على هذا الأصل؛ فإن قلنا: التَّدبير وصيَّة؛ بَطَلت بخروجه عن ملكه، ولم يَعُد بعوده.
стр. 1391
وإن قلنا: هو تعليق (١) بصفة؛ عاد بعود الملك؛ بناء على أصلنا في عود الصِّفة بعود الملك في العتق والطَّلاق.
وطريقة الخرقيِّ وطائفة من الأصحاب: أنَّ التَّدبير يعود بعود الملك ههنا رواية واحدة (٢)، بخلاف ما إذا أبطل تدبيره بالقول.
وهو يتنزَّل على أحد أمرين: إمَّا أنَّ الوصيَّة لا تبطل بزوال الملك مطلقاً، بل يعود بعوده، وإمَّا أنَّ هذا حكم الوصيَّة بالعتق خاصَّة.
ومنها: لو قال: عبدي فلان حرٌّ بعد موتي بسنة؛ فهل يصحُّ ويعتق بعد موته بسنة، أم يبطل ذلك؟ على روايتين بناهما طائفة من الأصحاب على هذا الأصل، فإن قلنا: التَّدبير وصيَّة؛ صحَّ تقييدها بصفة أخرى توجد بعد الموت.
وإن قلنا: عتق بصفة؛ لم يصحَّ ذلك.
وهؤلاء قالوا: لو صرَّح بالتَّعليق، فقال: إن دخلتَ الدَّار بعد موتي بسنة فأنت حرٌّ؛ لم يَعتق رواية واحدة، وهي طريقة ابن عقيل في «إشارته».
والصَّحيح: أنَّ هذا الخلاف ليس مبنيًّا على هذا الأصل؛ فإنَّ التَّدبير والتَّعليق بالصِّفة إنَّما بطل بالموت مع الإطلاق؛ لأنَّ مقتضى الإطلاق وجود الصِّفة في حياة السَّيِّد، فأمَّا مع التَّقييد بما بعد الموت؛ فيتقيَّد به.
стр. 1392
ثمَّ من الأصحاب من يجعل هذا العقد تدبيراً، ومنهم من ينفي ذلك، ولهم في حكاية الخلاف فيه أربعة طرق قد ذكرناها في غير هذا الموضع.
ومنها: لو كاتب مدبَّره؛ فهل يكون رجوعاً عن التَّدبير؟
إن قلنا: التَّدبير عتق بصفة؛ لم يكن رجوعاً.
وإن قلنا: هو وصيَّة؛ انبنى على أنَّ كتابة الموصى به هل يكون رجوعاً؟ وفيه وجهان:
أشهرهما: أنَّه رجوع.
والمشهور في المذهب: أنَّ كتابة المدبَّر ليست (١) رجوعاً عن تدبيره.
ونقل ابن الحكم عن أحمد ما يدلُّ على أنَّه رجوع.
ومنها: لو وصَّى بعبد ثمَّ دبَّره؛ ففيه وجهان:
أشهرهما: أنَّه رجوع عن الوصيَّة.
والثَّاني: ليس برجوع، فعلى هذا؛ فائدة الوصيَّة به: أنَّه لو أبطل تدبيره بالقول؛ لاستحقَّه (٢) الموصى له، ذكره في «المغني».
وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (ينبني على أنَّ التَّدبير هل هو عتق بصفة أو وصيَّة؟ فإن قلنا: هو عتق بصفة؛ قدِّم على الوصيَّة، وإن قلنا: هو وصيَّة؛ فقد ازدحمت وصيَّتان في هذا العبد؛ فينبني على أنَّ الوصايا
стр. 1393
المزدحمة إذا كان بعضها عتقاً؛ هل يقدَّم أم يتحاصَّ العتق وغيره؟ على روايتين، فإن قلنا بالمحاصَّة؛ فهو كما لو دبَّر نصفه ووصَّى بنصفه، ويصحُّ ذلك على المنصوص).
وقد يقال: الموصى له إن قيل: لا يملك حتَّى يقبل؛ فقد سبق زمن العتق لزمن ملكه؛ فينفذ، وإن قيل: إنَّه يملك من حين الموت؛ فقد تقارن زمن ملكه وزمن العتق؛ فينبغي تقديم العتق، كما نصَّ عليه أحمد في مسألة من علَّق عتق عبده ببيعه.
ومنها: الوصيَّة بالمدبَّر، والمذهب: أنَّها لا تصحُّ، ذكره القاضي وأبو الخطَّاب في «خلافيهما» (١)؛ لأنَّ التَّدبير الطارئ إذا أبطل الوصيَّة - على المشهور-؛ فكيف يصحُّ طريان الوصيَّة على التَّدبير ومزاحمتها له؟!
وبنى الشَّيخ هذه المسألة أيضاً على الأصول السَّابقة. (٢)
ومنها: ولد المدبَّرة، والمشهور: أنَّه يتبعها في التَّدبير كلُّ ما ولدته بعده، سواء كان موجوداً حال التَّعليق (٣) أو العتق، أو حادثاً بينهما.
وحكى القاضي في «كتاب الرِّوايتين» في تبعيَّة الولد روايتين، وبناهما على أنَّ التَّدبير هل هو عتق لازم؛ كالاستيلاد، أو وصية؟
стр. 1394
ومن هنا قال أبو الخطَّاب في «انتصاره»: تبعيَّة الولد مبنيٌّ على لزوم التَّدبير.
وخرَّج أبو الخطَّاب في «الهداية» وجهاً: أنَّه لا يتبعها الولد (١) الحادث بينهما، وإنَّما يتبعها إذا كان موجوداً معها في أحدهما، مِنْ حُكْمِ ولدِ المعلَّقِ عتقُها بصفة، بناء على أنَّ التَّدبير تعليق بصفة.
وينبغي على هذا أن يخرَّج طريقة أخرى: أنَّه لا يتبعها الولد الحادث بينهما بغير خلاف.
وإن كان موجوداً في أحد الحالين؛ فهل يتبعها؟ على وجهين؛ بناء على أنَّ التَّدبير وصيَّة.
وحكم ولد الموصى بها كذلك عند الأصحاب.
ومنها: لو جحد السَّيِّد التَّدبير؛ فالمنصوص عن أحمد: أنَّه ليس برجوع.
وقال الأصحاب: إن قلنا: هو عتق بصفة؛ لم يكن رجوعاً، وإن قلنا: هو وصيَّة؛ فوجهان؛ بناء على أن جحد الموصي الوصيَّة؛ هل هو (٢) رجوع أم لا.
стр. 1395
[١٤] نفقة الحامل (١)؛ هل هي واجبة لها أو لحملها ؟
في المسألة روايتان مشهورتان، أصحُّهما: أنَّها للحمل، وهي اختيار الخرقيِّ وأبي بكر.
وينبني عليهما فوائد:
منها: إذا كان أحد الزَّوجين رقيقاً؛ فإن قلنا: النَّفقة للزَّوجة؛ وجبت لها (٢) على الزَّوج؛ لأنَّ نفقة زوجة العبد عليه (٣) في كسبه أو تتعلَّق برقبته، حكاه (٤) ابن المنذر إجماعاً.
وفي «الهداية»: نفقة زوجته على سيِّده، فتجب ههنا على السَّيِّد.
وإن قلنا: للحمل؛ لم تجب عليه؛ لأنَّه إن كان هو الرَّقيقَ؛ فلا يجب عليه نفقة أقاربه، وإن كانت هي الرَّقيقةَ؛ فالولد مملوك لسيِّد الأمة؛ فنفقته على مالكه.
ومنها: إذا كان الزَّوج معسراً؛ فإن قلنا: النَّفقة للزَّوجة؛ وجبت عليه.
стр. 1396
وإن قلنا: للحمل؛ لم تجب؛ لأنَّ نفقة الأقارب مشروطة باليسار دون نفقة الزَّوجة (١).
ومنها: لو مات الزَّوج؛ فهل يلزم أقاربَه النَّفقةُ؟ إن قلنا: هي للحمل؛ لزمت الورثة.
وإن قلنا: للزَّوجة؛ لم تلزمهم (٢) بحال.
ومنها: لو غاب الزَّوج؛ فهل تثبت النَّفقة في ذمَّته؟ فيه طريقان:
أحدهما: إن قلنا: هي للزَّوجة؛ ثبتت في ذمَّته، ولم تسقط بمضي الزَّمان على المشهور من المذهب.
وإن قلنا: هي للحمل؛ سقطت؛ لأنَّ نفقة الأقارب لا تثبت في الذِّمَّة.
والثَّاني: لا تسقط بمضي الزَّمان على الرِّوايتين، وهي طريقة «المغني»، وعلَّل: بأنَّها مصروفة إلى الزَّوجة، ويتعلَّق (٣) حقُّها بها؛ فهي كنفقتها، ويشهد له قول الأصحاب: لو لم ينفق عليها يظنُّها حائلاً، ثمَّ بانت (٤) حاملاً؛ لزمه نفقة الماضي.
стр. 1397
ومنها: إذا اختلعت الحامل بنفقتها؛ فهل يصحُّ جعل النَّفقة عوضاً للخلع؟
قال الشِّيرازيُّ: إن قلنا: النَّفقة لها؛ صحَّ، وإن قلنا: للحمل؛ لم يصحَّ؛ لأنَّها لا تملكها.
وقال القاضي والأكثرون: يصحُّ على الرِّوايتين؛ لأنَّها مصروفة إليها، وهي المنتفعة بها (١).
ومنها: لو نشزت الزَّوجة حاملاً، فإن قلنا: نفقة الحامل لها؛ سقطت بالنُّشوز.
وإن قلنا: للحمل؛ لم تسقط به.
ومنها: الحامل من وطء الشُّبهة أو نكاح فاسد؛ هل تجب نفقتها على الواطئ؟
إن قلنا: النَّفقة لها؛ لم تجب؛ لأنَّ النَّفقة لا تجب للموطوءة بشبهة ولا نكاح فاسد؛ لأنَّه لا يتمكَّن من الاستمتاع بها (٢)، إلَّا أن يسكنها في منزل يليق بها تحصيناً لمائه؛ فيلزمها ذلك، ذكره (٣) في «المحرَّر» (٤)، وتجب النَّفقة لها حينئذٍ (٥)، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين.
стр. 1398
وإن قلنا: النَّفقة للحمل؛ وجبت؛ لأنَّ النَّسب لاحق بهذا الوطء، ونصَّ أحمد في رواية ابن الحكم على وجوب النَّفقة لها.
وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: يتوجَّه وجوب النَّفقة لها مطلقاً من غير حمل؛ كما يجب لها المهر المسمَّى، ويتقرَّر بالخلوة على المنصوص؛ ولأنَّها (١) محبوسة عليه في العقد الفاسد، ولا تتزوَّج عندنا (٢) بدون طلاقه. وقاسه على العبد المقبوض بعقد فاسد.
ولو ألزم حاكم بالنَّفقة في النِّكاح الفاسد المختلف فيه لاعتقاده صحَّته؛ فللزَّوج الرُّجوع بالنَّفقة عند من يرى فساده، ذكره القاضي في «المجرَّد».
وذكر صاحب «المغني» احتمالاً بعدم الرُّجوع؛ لأنَّه نقض للحكم المختلف فيه، ولا يجوز ما لم يخالف كتاباً أو إجماعاً.
وذكر في «المغني» أيضاً: أنَّه إذا (٣) أنفق في النِّكاح الفاسد من غير حاكم؛ لم يرجع؛ لأنَّه إن علم فساده (٤)؛ كان متبرعاً، وإن لم يعلم؛ فهو مفرط (٥).
стр. 1399
ومنها: لو كان الحمل موسراً؛ بأن يوصَى له بشيء فيقبله الأب؛ فإن قلنا: النَّفقة له؛ سقطت نفقته عن أبيه.
وإن قلنا: لأمِّه؛ لم تسقط، ذكره القاضي في «خلافه».
ومنها: لو دفع إليها النَّفقة، فتلفت بغير تفريط؛ فإن قلنا: النَّفقة لها؛ لم يلزمه بدلها.
وإن قلنا: للحمل؛ وجب إبدالها؛ لأنَّ ذلك حكم نفقة الأقارب.
ومنها: لو أعتق الحاملَ من ملك يمينه؛ فهل تلزمه (١) نفقتها؟ إن قلنا: النَّفقة لها؛ لم تجب إلَّا حيث يجب نفقة العتيق (٢).
وإن قلنا (٣): النَّفقة للحمل؛ وجبت بكلِّ حال.
ومنها: فطرة المطلَّقة الحامل، إن قلنا: النَّفقة لها؛ وجبت لها الفطرة.
وإن قلنا: للحمل؛ ففطرة الحمل على أبيه غير واجبة على الصَّحيح.
ومنها: هل تجب السُّكنى للمطلَّقة الحامل؟ إن قلنا: النَّفقة لها، فلها السُّكنى أيضاً.
وإن قلنا: للحمل؛ فلا سكنى لها، ذكره الحلوانيُّ في «التَّبصرة».
стр. 1400
ومنها: نفقة المتوفَّى عنها إذا كانت حاملًا، وفي وجوبها روايتان، بناهما ابن الزَّاغونيِّ على هذا الأصل؛ قال: (فإن قلنا: النَّفقة للحمل؛ وجبت من التَّركة، كما لو كان الأب حيًّا، وإن قلنا: للمرأة؛ لم يجب).
وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ نفقة الأقارب لا تجب بعد الموت.
والأظهر: أنَّ الأمر بالعكس، وهو أنَّا إن قلنا: النَّفقة للحمل؛ لم تجب للمتوفَّى عنها لهذا المعنى، وإن قلنا: للمرأة؛ وجبت؛ لأنَّها محبوسة على الميِّت لحقه، فتجب نفقتها من ماله، وقد سبق ذكر ذلك في قاعدة الحمل: هل له حكم أم لا؟ (١).
ومنها: البائن في الحياة بفسخ أو طلاق إذا كانت حاملاً؛ فلها النَّفقة.
وحكى الحلوانيُّ وابنه رواية: أنَّه لا نفقة لها؛ كالمتوفَّى عنها، وخصَّها ابنه بالمبتوتة بالثَّلاث، وبناها على أنَّ النَّفقة للمرأة، والمبتوتة لا تستحقُّ نفقة، وإنَّما تستحقُّ النَّفقة إذا قلنا: هي للحمل.
وهذا متوجِّه في القياس، إلَّا أنَّه ضعيف مخالف للنَّصِّ (٢) والإجماع -فيما أظنُّ- (٣)، ووجوب النَّفقة للمبتوتة الحامل يرجِّح القول بأنَّ
стр. 1401
النَّفقة للحمل.
ومنها: لو تزوَّج امرأة على أنَّها حرَّة، فبانت أمة، وهو ممَّن يباح له نكاح الإماء، ففسخ بعد الدُّخول وهي حامل منه؛ ففي كتاب (١) النِّكاح من «المجرَّد»: هو كالنِّكاح الفاسد؛ إن قلنا: النَّفقة للحمل؛ وجبت على الزَّوج، وإن قلنا: للحامل؛ لم تجب عليه.
وذكر في النَّفقات ما يدلُّ على وجوبها عليه على الرِّوايتين، وهو الصَّحيح؛ لأنَّ هذا نكاح صحيح؛ فيلزم فيه النَّفقة، وفي عدَّته.
ومنها: لو وُطِئتِ الرَّجعيةُ بشبهة أو نكاح فاسد، ثمَّ بان بها حمل يمكن أن يكون من الزَّوج والواطئ؛ فيلزمها أن تعتدَّ بعد وضعه عدَّة الوطء.
فأمَّا (٢) نفقتها في مدَّة العدَّة:
فإن قلنا: النَّفقة للحمل؛ فعليهما النَّفقة عليها حتَّى تضع؛ لأنَّ الحمل لأحدهما يقيناً، ولا نعلم عينه، ولا ترجع المرأة على الزَّوج بشيء من الماضي.
وإن قلنا: النَّفقة للحامل؛ فلا نفقة لها على واحد منهما مدَّة الحمل؛ لأنَّه يحتمل أنَّه من الزَّوج؛ فيلزمه النَّفقة، ويحتمل أنَّه من الآخر؛ فلا نفقة لها؛ فلا تجب بالشَّكِّ.
فإذا وضعته؛ فقد علمنا أنَّ النَّفقة على أحدهما، وهو غير معيَّن؛ فيلزمهما جميعاً النَّفقة حتَّى ينكشف الأب منهما، وترجع المرأة على
стр. 1402
الزَّوج بعد الوضع بنفقة أقصر المدَّتين من مدَّة الحمل، أو قدر ما بقي من العدَّة بعد الوطء الفاسد؛ لأنَّها تعتدُّ عنه بأحدهما قطعاً، ثمَّ إذا زال الإشكال، وألحقته القافة بأحدهما بعينه؛ عُمل بمقتضى ذلك، فإن كان معها وفق حقِّها من النَّفقة، وإلَّا رجعت على الزَّوج بالفضل.
ولو كان الطَّلاق بائناً؛ فالحكم كما تقدَّم في جميع ما ذكرنا، إلَّا في مسألة واحدة، وهي أنَّه لا ترجع المرأة بعد الوضع بشيء على الزَّوج، سواء قلنا: النَّفقة للحمل أو للحامل؛ لأنَّ النَّفقة لا تستحقُّ مع البينونة إلَّا بالحمل، وهو غير متحقِّق هنا أنَّه منه، بخلاف الرَّجعيَّة، ذكر ذلك القاضي في «المجرَّد».
ولو قيل في صورة الرَّجعيَّة: إذا قلنا: النَّفقة للحمل؛ إنَّها تجب على من خرجت عليه القرعة من الزَّوج والواطئ، وكذا بعد الوضع وقبل ثبوت نسبه من أحدهما؛ لتوجَّه، إلَّا أن يقال: يحتمل أن يكون منهما جميعاً؛ فتمتنع القرعة على أحدهما لذلك.
ومتى ثبت نسبه من أحدهما؛ فقال (١) القاضي في موضع من «المجرَّد»: يرجع عليه الآخر بما أنفق؛ لأنَّه لم ينفق متبرِّعاً.
وقيَّده في موضع آخر منه: بأن يشرط الرُّجوع وينفق بإذن الحاكم، فإن شرط الرُّجوع وأنفق بغير إذن حاكم؛ فعلى روايتين؛ كقضاء الدَّين، وقد ذكرنا ذلك مستوفًى في القواعد (٢)، والصَّحيح هنا: الرُّجوع
стр. 1403
مطلقاً (١)؛ لأنه واجب عليه في الظَّاهر.
وقد ذكر صاحب «المغني»: أنَّ الملاعِنة لو أنفقت على الولد ثمَّ استلحقه الملاعِن؛ رجعت عليه؛ لأنَّها إنَّما أنفقت لظنِّها أنَّه لا أب له.
وأمَّا إذا قلنا: النَّفقة للحامل؛ فإنَّما لم تجب لها النفقة (٢) على واحد منهما؛ لأنَّ الحامل لا نفقة لها على الواطئ بشبهة أو في (٣) نكاح فاسد؛ كما سبق، والزَّوج ليس بمتمكِّن من الاستمتاع بها في حال الحمل؛ لأنَّ الرَّجعيَّة إذا حملت في عدَّتها من شبهة؛ انقطعت عدَّة الزَّوج في (٤) مدَّة الحمل، وحرم على الزَّوج الاستمتاع بها.
وهل له رجعتها في هذه المدَّة؛ لبقاء (٥) بقيَّة عدَّته عليها؟ على وجهين.
وجزم (٦) القاضي في «خلافه» بالمنع.
ورجَّح صاحب «المغني» الجواز.
стр. 1404
وعلى الوجهين: لا نفقة لها؛ لتحريم الاستمتاع بها على الزَّوج، سواء كانت مكَّنت من الوطء أو لا، فإنَّه لو غصبها غاصب؛ فلا نفقة لها.
стр. 1405
[١٥] القتل العمد؛ هل موجَبُه القَوَدُ عيناً، أو أحد أمرين ؟
في المسألة روايتان، وقد سبق ذكرهما وفوائدهما في القواعد بما يغني عن إعادتها هنا (١).