النَّفقة للحمل.
ومنها: لو تزوَّج امرأة على أنَّها حرَّة، فبانت أمة، وهو ممَّن يباح له نكاح الإماء، ففسخ بعد الدُّخول وهي حامل منه؛ ففي كتاب (١) النِّكاح من «المجرَّد»: هو كالنِّكاح الفاسد؛ إن قلنا: النَّفقة للحمل؛ وجبت على الزَّوج، وإن قلنا: للحامل؛ لم تجب عليه.
وذكر في النَّفقات ما يدلُّ على وجوبها عليه على الرِّوايتين، وهو الصَّحيح؛ لأنَّ هذا نكاح صحيح؛ فيلزم فيه النَّفقة، وفي عدَّته.
ومنها: لو وُطِئتِ الرَّجعيةُ بشبهة أو نكاح فاسد، ثمَّ بان بها حمل يمكن أن يكون من الزَّوج والواطئ؛ فيلزمها أن تعتدَّ بعد وضعه عدَّة الوطء.
فأمَّا (٢) نفقتها في مدَّة العدَّة:
فإن قلنا: النَّفقة للحمل؛ فعليهما النَّفقة عليها حتَّى تضع؛ لأنَّ الحمل لأحدهما يقيناً، ولا نعلم عينه، ولا ترجع المرأة على الزَّوج بشيء من الماضي.
وإن قلنا: النَّفقة للحامل؛ فلا نفقة لها على واحد منهما مدَّة الحمل؛ لأنَّه يحتمل أنَّه من الزَّوج؛ فيلزمه النَّفقة، ويحتمل أنَّه من الآخر؛ فلا نفقة لها؛ فلا تجب بالشَّكِّ.
فإذا وضعته؛ فقد علمنا أنَّ النَّفقة على أحدهما، وهو غير معيَّن؛ فيلزمهما جميعاً النَّفقة حتَّى ينكشف الأب منهما، وترجع المرأة على
стр. 1402
الزَّوج بعد الوضع بنفقة أقصر المدَّتين من مدَّة الحمل، أو قدر ما بقي من العدَّة بعد الوطء الفاسد؛ لأنَّها تعتدُّ عنه بأحدهما قطعاً، ثمَّ إذا زال الإشكال، وألحقته القافة بأحدهما بعينه؛ عُمل بمقتضى ذلك، فإن كان معها وفق حقِّها من النَّفقة، وإلَّا رجعت على الزَّوج بالفضل.
ولو كان الطَّلاق بائناً؛ فالحكم كما تقدَّم في جميع ما ذكرنا، إلَّا في مسألة واحدة، وهي أنَّه لا ترجع المرأة بعد الوضع بشيء على الزَّوج، سواء قلنا: النَّفقة للحمل أو للحامل؛ لأنَّ النَّفقة لا تستحقُّ مع البينونة إلَّا بالحمل، وهو غير متحقِّق هنا أنَّه منه، بخلاف الرَّجعيَّة، ذكر ذلك القاضي في «المجرَّد».
ولو قيل في صورة الرَّجعيَّة: إذا قلنا: النَّفقة للحمل؛ إنَّها تجب على من خرجت عليه القرعة من الزَّوج والواطئ، وكذا بعد الوضع وقبل ثبوت نسبه من أحدهما؛ لتوجَّه، إلَّا أن يقال: يحتمل أن يكون منهما جميعاً؛ فتمتنع القرعة على أحدهما لذلك.
ومتى ثبت نسبه من أحدهما؛ فقال (١) القاضي في موضع من «المجرَّد»: يرجع عليه الآخر بما أنفق؛ لأنَّه لم ينفق متبرِّعاً.
وقيَّده في موضع آخر منه: بأن يشرط الرُّجوع وينفق بإذن الحاكم، فإن شرط الرُّجوع وأنفق بغير إذن حاكم؛ فعلى روايتين؛ كقضاء الدَّين، وقد ذكرنا ذلك مستوفًى في القواعد (٢)، والصَّحيح هنا: الرُّجوع
стр. 1403
مطلقاً (١)؛ لأنه واجب عليه في الظَّاهر.
وقد ذكر صاحب «المغني»: أنَّ الملاعِنة لو أنفقت على الولد ثمَّ استلحقه الملاعِن؛ رجعت عليه؛ لأنَّها إنَّما أنفقت لظنِّها أنَّه لا أب له.
وأمَّا إذا قلنا: النَّفقة للحامل؛ فإنَّما لم تجب لها النفقة (٢) على واحد منهما؛ لأنَّ الحامل لا نفقة لها على الواطئ بشبهة أو في (٣) نكاح فاسد؛ كما سبق، والزَّوج ليس بمتمكِّن من الاستمتاع بها في حال الحمل؛ لأنَّ الرَّجعيَّة إذا حملت في عدَّتها من شبهة؛ انقطعت عدَّة الزَّوج في (٤) مدَّة الحمل، وحرم على الزَّوج الاستمتاع بها.
وهل له رجعتها في هذه المدَّة؛ لبقاء (٥) بقيَّة عدَّته عليها؟ على وجهين.
وجزم (٦) القاضي في «خلافه» بالمنع.
ورجَّح صاحب «المغني» الجواز.
стр. 1404
وعلى الوجهين: لا نفقة لها؛ لتحريم الاستمتاع بها على الزَّوج، سواء كانت مكَّنت من الوطء أو لا، فإنَّه لو غصبها غاصب؛ فلا نفقة لها.
стр. 1405
[١٥] القتل العمد؛ هل موجَبُه القَوَدُ عيناً، أو أحد أمرين ؟
في المسألة روايتان، وقد سبق ذكرهما وفوائدهما في القواعد بما يغني عن إعادتها هنا (١).
стр. 1406
[١٦] المرتد؛ هل يزول ملكه بالرِّدَّة أم لا ؟
في المسألة روايتان:
إحداهما: لا يزول ملكه؛ بل هو باقٍ عليه؛ كالمستمرِّ على عصمته.
والثَّانية: يزول، وفي وقت زواله روايتان:
إحداهما: من حين موته مرتدًّا.
والثَّانية: من حين ردَّته، فإن أسلم؛ أعيد إليه ماله ملكاً جديداً، وهي اختيار أبي بكر وابن أبي موسى.
وفيه رواية ثالثة: أنَّا نتبيَّن بموته مرتدًّا زوال ملكه من حين الرِّدَّة.
ولهذا الاختلاف فوائد كثيرة:
منها: لو ارتدَّ في أثناء حول الزَّكاة:
فإن قلنا: زال ملكه بالرِّدَّة؛ انقطع الحول بغير تردُّد.
وإن قلنا: لا يزول؛ فالمشهور: أنَّ الزَّكاة لا تجب عليه، وإن عاد إلى الإسلام؛ فينقطع الحول أيضاً؛ لأنَّ الإسلام من شرائط وجوب الزَّكاة؛ فيعتبر وجوده في جميع الحول.
وحكى ابن شاقلا رواية: أنَّه تجب عليه الزكاة إذا عاد لما مضى من الأحوال، واختارها ابن عقيل.
стр. 1407
وإن ارتدَّ بعد الحول؛ لم يسقط عنه، إلَّا إذا عاد إلى الإسلام وقلنا: إنَّ المرتدَّ لا يلزمه قضاء ما تركه قبل الرِّدَّة من الواجبات، والصَّحيح من المذهب خلافه.
ومنها: لو ارتدَّ المعسر، ثمَّ أيسر في زمن الرِّدَّة، ثمَّ عاد إلى الإسلام وقد أعسر:
فإن قلنا: إنَّ ملكه يزول بالرِّدَّة؛ لم يلزمه الحجُّ باليسار السَّابق.
وإن قلنا: لا يزول ملكه؛ فهل يلزمه الحجُّ بذلك اليسار؟ ينبني على وجوب العبادات عليه في حال الرِّدَّة، وإلزامه قضاءها بعد عوده إلى الإسلام، والصَّحيح: عدم الوجوب؛ فلا يكون بذلك مستطيعاً.
ومنها: حكم تصرُّفاته بالمعاوضات والتَّبرُّعات وغيرها:
فإن قلنا: لا يزول ملكه بحال، فهي صحيحة نافذة.
وإن قلنا: يزول بموته؛ أُقِرَّ المال بيده في حياته، ونُفِّذت معاوضاته، ووُقِفَت تبرُّعاته المنجزة والمعلَّقة بالموت، فإذا مات؛ رُدَّت كلُّها وإن لم تبلغ الثُّلث؛ لأنَّ حكم الرِّدَّة حكم المرض المَخُوفِ، وإنَّما لم تنفذ من ثلثه؛ لأنَّ ماله يصير فيئاً بموته مرتدًّا.
وإن قلنا: يزول ملكه في الحال؛ جُعِل في بيت المال، ولم يصحَّ تصرُّفه فيه بحال، لكن إن أسلم؛ رُدَّ إليه ملكاً جديداً.
وإن قلنا: هو موقوف مراعًى؛ حفظ الحاكم ماله ووقفت تصرُّفاته كلُّها، فإن أسلم؛ أمضيت، وإلَّا تبيَّنا فسادها.
стр. 1408
تنبيه:
إنَّما تبطل (١) تصرُّفاته لنفسه في ماله، فلو تصرَّف لغيره بالوكالة؛ صحَّ، ذكره القاضي وابن عقيل؛ لأنَّ إبطال تصرُّفاته (٢) إنَّما هو لزوال ملكه، ولا أثر لذلك في تصرُّفه بالوكالة.
نعم، لو كان قد (٣) وكَّل وكيلاً ثمَّ ارتدَّ، وقلنا: يزول ملكه؛ بطلت وكالته.
ولو تصرَّف لنفسه بنكاح؛ لم يصحَّ؛ لأنَّ الرِّدَّة تمنع الإقرار على النِّكاح.
وإن زوَّج موليَّته؛ لم يصحَّ؛ لزوال ولايته بالرِّدَّة، حتَّى على أمته الكافرة.
ومنها: لو باع شقصاً مشفوعاً في الرِّدَّة، فإن حكمنا بصحَّة بيعه؛ أخذ منه بالشُّفعة، وإلَّا فلا.
ولو بيع في زمن ردَّته شقص في شركته، فإن قلنا: ملكه باق؛ أخذ بالشُّفعة، وإلَّا فلا.
ومنها: لو حاز مباحاً، أو عمل عملاً بأجرة؛ فإن قلنا: ملكه باق؛ ملك ذلك، وإن قلنا: زال ملكه؛ لم يملكه.
فإن عاد إلى الإسلام بعد ذلك؛ فهل يعود ملكها إليه؟ فيه احتمالان
стр. 1409
مذكوران في «المغني».
ومنها: الوصيَّة له، وفي صحَّتها وجهان، بناء على زوال ملكه وبقائه، فإن قلنا: زال ملكه؛ لم تصحَّ (١) الوصيَّة له، وإلَّا صحَّت.
ومنها: ميراثه؛ فإن قلنا: لا يزول ملكه بحال؛ فهو لورثته من المسلمين، أو مِن أهل دينه الَّذي اختاره على اختلاف الرِّوايتين في ذلك.
وإن قلنا: يزول ملكه من حين الرِّدَّة أو بالموت؛ فماله فيء، ليس لورثته منه شيء.
ومنها: نفقة من تلزمه نفقته؛ فإن قلنا: ملكه باقٍ ولو في حياته (٢)، أو مراعًى مدَّة الرِّدة (٣)؛ أنفق عليهم من ماله.
وإن قلنا: زال بالرِّدَّة؛ فلا نفقة لهم منه في مدَّة الرِّدَّة؛ لأنَّه لا يملكه.
ومنها: قضاء ديونه، وهو كالنَّفقة؛ فتقضى (٤) ديونه على الرِّوايات كلِّها، إلَّا على رواية زوال ملكه من حين الرِّدَّة؛ فلا يقضى منه الدُّيون المتجدِّدة في الرِّدَّة، وتقضى منه الدُّيون الماضية؛ فإنَّه إنَّما يكون فيئاً ما فَضَل عن أداء ديونه ونفقات من تلزمه نفقته؛ لأنَّ هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها؛ فتؤخذ من ماله، ويصير الباقي فيئاً.
стр. 1410
ومنها: لو دبَّر عبداً، ثمَّ ارتدَّ السَّيِّد، ثمَّ عاد إلى الإسلام؛ فإن قلنا: لا يزول ملكه؛ فالتَّدبير بحاله.
وإن قلنا: زال ملكه؛ انبنى على أنَّ زوال الملك عن المدبَّر؛ هل يبطل تدبيره أم لا؟ وجزم ابن أبي موسى ببطلان تدبيره.
стр. 1411
[١٧] الكفَّار؛ هل يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء أم لا ؟
المذهب عند القاضي: أنَّهم يملكونها من غير خلاف.
والمذهب عند أبي الخطَّاب في «انتصاره»: أنَّهم لا يملكونها، وقد نقل أبو طالب عن أحمد ما يدلُّ على ذلك (١).
وحكى طائفة روايتين في المسألة، منهم ابن عقيل في «فنونه» و «مفرداته»، وصحَّح فيها عدم الملك.
وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّ أحمد لم ينصَّ على الملك ولا على عدمه، وإنَّما نصَّ على أحكام أخذ منها ذلك (٢).
والصَّواب: أنَّهم يملكونها ملكاً مقيَّداً، لا يساوي أملاك المسلمين من كلِّ وجه.
ولهذا الخلاف فوائد:
منها: أنَّ من وَجَد من المسلمين عينَ مالِه قبل القسمة؛ أخذه مجَّاناً بغير عوض.
стр. 1412
وإن وجده بعد القسمة؛ فالمنصوص عن أحمد: أنَّه لا يأخذه بغير عوض (١).
وهل يسقط حقُّه منه بالكليَّة، أو يكون أحقَّ به بالثَّمن؟ على روايتين، واختار أبو الخطَّاب: أنَّه أحقُّ به مجَّاناً بكلِّ حال.
وقد قال أحمد في رواية أبي طالب: هذا هو القياس؛ لأنَّ الملك لا يزول إلَّا بهبة أو صدقة، لكنَّ عمر قال: لا حقَّ له (٢).
ومنها: إذا قلنا: يملكون أموال المسلمين، فغُنِمت منهم، ولم تعلم أربابها من المسلمين؛ فإنَّه يجوز قسمتها والتَّصرُّف فيها.
ومن قال: لم يملكوها، فقياس قوله أنَّه لا تجوز قسمتها ولا التَّصرُّف فيها، بل توقف كاللُّقطة، ذكره صاحب «المغني» وغيره.
وأمَّا ما عرف مالكه من المسلمين؛ فإنَّه لا تجوز قسمته، بل يردُّ إليه على القولين، ونصَّ عليه أحمد في رواية غير واحد (٣).
وقيَّد ذلك في رواية أبي داود: فيما (٤) إذا كان مالكه (٥) بالقرب (٦).
стр. 1413
ومنها: إذا أسلموا وفي أيديهم أموال المسلمين؛ فهي لهم، نصَّ عليه أحمد، وقال في رواية أبي طالب: (ليس بين النَّاس اختلاف في ذلك)، وهذا متنزِّل (١) على القول بالملك.
فإن قيل: لا يملكونها؛ فهي لربِّها متى وجدها، وقاله أبو الخطَّاب في «انتصاره».
ونفى صاحب «المغني» الخلاف في المذهب في المسألة (٢)، فكأنَّه ظنَّ أنَّ أبا الخطَّاب وافق عليها؛ فإنَّه لم يقف على «الانتصار»، ولعلَّ مأخذه: أنَّ الشَّارع ملَّك الكافر بإسلامه ما في يده من أموال المسلمين بقوله: «من أسلم على شيء؛ فهو له» (٣)، فهذا تمليك جديد يملكونها به، لا بالاستيلاء الأوَّل، والله أعلم.
وقد قيل: إنَّ هذا يرجع إلى أنَّ كلَّ ما قبضه الكفَّار من الأموال وغيرها قبضاً يعتقدون جوازه، فإنَّه يستقرُّ لهم بالإسلام؛ كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث وغيرها، ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين من النُّفوس والأموال بالإجماع.
ومنها: لو كان لمسلمٍ أمتان أختان، فأبَقَت إحداهما إلى دار الحرب، فاستولوا عليها؛ فله وطء الباقية عنده؛ لأنَّ ملكه زال عن أختها.
стр. 1414
وقياس قول أبي الخطَّاب: لا يجوز حتَّى يحرِّم الآبقة بعتق أو نحوه (١)؛ لأنَّه يمنع من وطء إحدى الأختين ابتداء قبل تحريم (٢) الأخرى.
ومنها: لو استولى العدو على مال مسلم، ثمَّ عاد إليه (٣) بعد حولٍ أو أحوال:
فإن قلنا: ملكوه؛ فلا زكاة عليه لما مضى من المدَّة بغير خلاف.
وإن قلنا: لم يملكوه؛ فهل تلزمه زكاته لما مضى؟ على روايتين؛ بناء على زكاة المال المغصوب والضَّائع من ربِّه.
ومنها: لو أعتق المسلم عبدَه الَّذي استولى عليه الكفَّار، فإن قلنا: ملكوه؛ لم يعتق، وإلَّا عتق.
ومنها: لو سبى الكفَّار أمةً مزوَّجة بمسلم، فإن قلنا: يملكونها؛ فالقياس: أنَّه ينفسخ النِّكاح؛ لأنَّهم يملكون رقبتها ومنافعها، فيدخل فيه منفعة بُضعها، فينفسخ نكاح زوجها؛ كما ينفسخ نكاح الكافرة المسبيَّة لسَبْيِنَا (٤) لها لهذا المعنى.
ومن الأصحاب من علَّل انفساخ نكاح الكافرة المسبيَّة: بالجهل ببقاء زوجها؛ فيكون كالمعدوم، وعلى هذا يمتنع انفساخ النِّكاح ههنا.
стр. 1415
وأبو الخطَّاب منع من انفساخ النِّكاح بالسَّبي بكلِّ حال، وهو قول شاذٌّ يخالف الكتاب والسُّنَّة (١).
والعين المُؤْجَرة كالأمة المزوَّجة سواء.
فأمَّا الزَّوجة الحرَّة؛ فلا ينفسخ النِّكاح بسببها؛ لأنَّهم لا يملكون الحرَّة بالسَّبي؛ فلا يملكون بضعها.
وفي مسائل ابن هانئ عن أحمد (٢): إذا سبيت المرأة ولها زوج، ثمَّ استنقذت؛ تعود إلى زوجها إن شاءت.
وهذا يدلُّ على انفساخ النِّكاح بالسَّبي، ووجهه: أنَّ منافع الحرِّ في حكم الأموال، ولهذا تضمن بالغصب على رأي؛ فجاز أن تملك بالاستيلاء، بخلاف عينه، لا سيَّما والاستيلاء سبب قويٌّ يملك به ما لا يملك بالعقود الاختياريَّة، ولهذا يملكون به المصاحف، والرَّقيق المسلمين، ويملكون به أمَّ الولد على رواية؛ فجاز أن يملكوا به منفعة بضع الحرَّة، ولا يلزم من ذلك إباحة وطئها لهم؛ لأنَّ تصرُّفهم في أموال المسلمين لا يباح (٣) لهم وإن قيل: إنَّهم يملكونها.
стр. 1416
وعلى هذا، فلو سَبَوْا حرًّا مستأجراً لمسلم؛ انفسخت الإجارة أيضاً.
وقد تأوَّل الآمديُّ قول أحمد: (ترجع إليه إن شاءت) على أنَّ المراد إن شاءت ترجع إليه في العدَّة من وطء أهل الحرب، وإن شاءت اعتدت في موضع آخر؛ لأنَّ العدَّة ليست بحقٍّ له، وإنَّما هي حقٌّ عليها لزمها من غير جهته.
ولا يخفى (١) بُعْدُ هذا التَّأويل من كلام أحمد، وأنَّ كلامه لا يدلُّ عليه بوجه.
ومنها: لو استولى الكفَّار على مدبَّر لمسلم، ثمَّ عاد إلى سيِّده؛ فهل يبطل تدبيره؟
إن قلنا: إنَّهم لم يملكوه؛ لم يبطل.
وإن قلنا: ملكوه؛ انبنى على أنَّ المدبَّر إذا زال الملك فيه؛ فهل يبطل التَّدبير أم لا؟ على روايتين (٢)، وجزم ابن أبي موسى ببطلانه ههنا.
فأمَّا المكاتب؛ فلا تبطل كتابته؛ لأنَّه يجوز بيعه ويبقى على كتابته.
وكذلك المرهون؛ لأنَّ الملك ينتقل فيه بالإرث وغيره، والرَّهن باقٍ.
стр. 1417
سؤال:
عندكم الكافر لا يملك انتزاع ملك المسلم بالشُّفعة قهراً، مع أنَّها معاوضة؛ فكيف يملك عليه قهراً بغير عوض؟
الجواب عنه:
أنَّ الكفَّار لا يملكون أموال المسلمين بمجرَّد الاستيلاء على المنصوص عن أحمد (١)، بل بالحيازة إلى دارهم؛ فعلى هذا لا يثبت لهم تملُّك في دار الإسلام.
وعلى الرِّواية الأخرى المخرَّجة أنَّهم يملكونها بمجرَّد الاستيلاء؛ فالمستولى عليه إمَّا أن يكون عقاراً؛ فلا يتصوَّر استيلاؤهم عليه إلَّا أن تصير (٢) الدَّار دار حرب؛ فلا ملك لهم في دار الإسلام أيضاً.
وإمَّا أن يكون منقولاً؛ فالمنقول يخالف حكمه حكم العقار؛ لأنَّ العقار يختصُّ (٣) بدار الإسلام، والكافر ملتجئ إليها ومُسْتذِمٌّ ومتحقن بها، وليس من أهلها بالأصالة؛ فهو كالمستأجر مع المالك، ولهذا يمنع الكافر من إحياء موات دار الإسلام على قول، مع أنَّه زيادة عمارة، وليس الموات ملكاً لمعيَّن من المسلمين؛ فكيف يمكَّن من انتزاع ملك المسلم المعيَّن؟!
وإذا كان المسلم يباح له مزاحمة الكافر فيما يثبت (٤) له فيه حقُّ
стр. 1418
رغبة، وإبطال حقِّه منه بعد سبقه إليه بالخِطبة على خِطبته والسَّوم على سومه، كما نص عليه أحمد استدلالاً بالحديث (١)، فكيف يُمَكَّن من نقض مِلك المسلم وانتزاعه منه (٢) قهراً بعد ثبوت الملك له؟! هذا باطل قطعاً.
وهذا أحسن من الاستدلال بقوله: «وإذا لقيتموهم في طريق؛ فاضطروهم إلى أضيقه» (٣)، مع أنَّي لم أر أحداً استدلَّ به.
وقد استدلَّ أحمد بحديث الطَّريق، وبالأمر بإخراجهم من جزيرة العرب (٤).
стр. 1419
[١٨] الغنيمة؛ هل تملك بالاستيلاء المجرَّد، أم لا بدَّ معه من نيَّة التَّملُّك ؟
المنصوص عن أحمد وعليه أكثر الأصحاب: أنَّها تملك بمجرَّد الاستيلاء، وإزالة أيدي الكفَّار عنها.
وهل يشترط مع ذلك فعل الحيازة؛ كالمباحات أم لا؟ على وجهين.
وقال القاضي في «خلافه»: لا تملك بدون اختيار التَّملُّك، وتردَّد في الملك قبل القسمة؛ هل هو باق للكفَّار، أو أنَّ ملكهم انقطع عنها؟
وينبني على هذا الاختلاف فوائد عديدة:
منها: جريانه في حول الزَّكاة، فإن كانت الغنيمة أجناساً؛ لم ينعقد عليها حول بدون القسمة وجهاً واحداً؛ لأنَّ حقَّ الواحد منهم لم يستقرَّ في جنس معيَّن.
وإن كانت جنساً واحداً، فوجهان:
أحدهما: ينعقد الحول عليها بالاستيلاء، بناء على حصول الملك به، قاله القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل.
والثَّاني: لا ينعقد بدون القسمة، قاله القاضي في «خلافه»، وحكاه عن أبي بكر، وبناه على أنَّ الملك لا يثبت فيها بدون اختيار
стр. 1420
التَّملُّك (١) لفظاً.
وهذا بعيد؛ لأنَّ أبا بكر يقول بنفوذ العتق قبل القسمة، ولأنَّه لو كان كذلك؛ لانعقد الحول عليها باختيار التَّملُّك دون القسمة؛ إذ القسمة بمجرَّدها لا تفيد الملك عند القاضي.
وإنَّما مأخذ أبي بكر: أنَّ استحقاق الغانمين ليس على وجه الشَّركة المحضة، ولذلك لا يتعيَّن حقُّ أحد منهم في شيء منها (٢) بدون حصوله له بالقسمة؛ فلا ينعقد عليها الحول قبلها؛ كما لو كانت أصنافاً.
ومنها: لو أعتق أحد الغانمين رقيقاً من المغنم بعد ثبوت رقِّه، أو كان فيهم (٣) من يعتق عليه بالملك؛ عتق إن كان بقدر حقِّه، وإن كان حقُّه دونه؛ فهو كمن أعتق شقصاً من عبد، نصَّ عليه أحمد في رواية المروذيِّ وابن الحكم، واختاره أبو بكر والقاضي في «المجرَّد».
وقال في «الخلاف»: لا يعتق حتَّى يسبق تملُّكه لفظاً، ووافقه أبو الخطَّاب في «انتصاره»، لكنَّه أثبت الملك بمجرَّد قصد التَّملُّك.
واختار صاحب «المحرَّر» المنصوص فيما إذا كانت الغنيمة جنساً واحداً، وقول القاضي فيما إذا كانت أجناساً؛ كما سبق في الزَّكاة (٤).
وفي «الإرشاد» لابن أبي موسى: (إن أعتق جارية معيَّنة قبل
стр. 1421
القسمة؛ لم تعتق، فإن حصلت له بعد ذلك بالقسمة؛ عتقت).
قال: (وإن كان في السَّبي من يعتق عليه بالملك؛ عتق عليه إن كان بقدر حصَّته، وإلَّا عتق منه بقدر حصَّته)، فكأنَّه جعله عتقاً قهريًّا؛ كالإرث، وفرَّق بينه وبين العتق الاختياري.
ومنها: لو استولد أحد الغانمين جارية من السَّبي قبل القسمة؛ فالمنصوص: أنَّها تصير أمَّ ولد له، ويضمن لبقيَّة الغانمين حقوقهم منها.
وقال القاضي في «خلافه»: لا تصير مستولدة له، وإنَّما يتعيَّن حقُّه فيها؛ لأنَّ حملها بحُرٍّ يمنع بيعها وقسمتها، وفي تأخير قسمتها حتَّى تضع ضررٌ على أهل الغنيمة؛ فوجب تسليمها إليه من حقِّه. وهذا بعيد جدًّا.
ولأبي الخطَّاب في «انتصاره» طريقة (١) أخرى: وهي أنَّه إنَّما نفذ استيلادها لشبهة الملك فيها، وإن لم ينفذ إعتاقها، كما ينفذ استيلاد الأب في أمة ابنه دون إعتاقها.
وهو أيضاً ظاهر ما ذكره صاحب «المحرَّر».
وحكى في تعليقه على «الهداية» احتمالاً آخر بالفرق بين أن تكون الغنيمة جنساً واحداً أو أجناساً؛ كما ذكره في العتق.
ومنها: لو أتلف أحد الغانمين شيئاً من الغنيمة قبل القسمة، فإن قلنا: الملك ثابت فيها؛ فعليه ضمان نصيب شركائه خاصَّة، ونصَّ عليه
стр. 1422
أحمد في الاستيلاد.
وإن قلنا: لم يثبت الملك فيها؛ فعليه ضمان جميعها.
ومنها: لو أسقط الغانم حقَّه قبل القسمة؛ ففيه طريقان:
أحدهما: أنَّه مبنيٌّ على الخلاف، فإن قلنا: ملكوها؛ لم يسقط الحقُّ بذلك، وإلَّا سقط، وهو ظاهر ما ذكره القاضي في «خلافه».
والثَّاني: يسقط على القولين؛ لضعف الملك، وعدم استقراره، وهو ما ذكر صاحبا (١) «التَّرغيب» و «المحرَّر».
ومنها: لو مات أحدهم قبل القسمة والاختيار؛ فالمنصوص: أنَّ حقَّه ينتقل إلى ورثته.
وظاهر كلام القاضي: أنَّه وافق على ذلك، وجعل الموروث هو الحقَّ دون المال.
وفي «التَّرغيب»: إن قلنا: لا يملك بدون الاختيار، فمن مات قبله؛ فلا شيء له، ولا يورث عنه؛ كحقِّ الشُّفعة، ويحتمل أن يقال على هذا: يكتفي بالمطالبة في ميراث الحقِّ؛ كالشُّفعة.
ومنها: لو شهد أحد الغانمين بشيء من المغنم قبل القسمة، فإن قلنا: قد ملكوا؛ لم تقبل؛ كشهادة أحد الشَّريكين للآخر، وإن قلنا: لم يملكوا؛ قُبلت، ذكره القاضي في «خلافه».
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وفي قبولها نظر؛ وإن قلنا: لم يملكوا؛ لأنَّها شهادة تجرُّ نفعاً.
стр. 1423
قلت: هذا ذكره القاضي في مسألة ما إذا وطئ أحد الغانمين جارية من المغنم، وذكر في مسألة السَّرقة من بيت المال والغنيمة: أنَّه لا تقبل شهادة أحد الغانمين بمال الغنيمة مطلقاً، وهو الأظهر، والله أعلم (١).
стр. 1424
[١٩] القسمة؛ هل هي إفراز أو بيع ؟
المذهب: أنَّ قسمة الإجبار - وهي ما لا يحصل فيه ردُّ عوض من أحد الشَّريكين ولا ضرر عليه (١) -؛ إفراز لا بيع.
وذهب ابن بطَّة: إلى أنَّها كالبيع في أحكامه (٢).
قال الشَّيخ مجد الدِّين: (الَّذي يتحرَّر عندي فيما فيه ردٌّ: أنَّه بيع فيما يقابل الرَّدَّ، وإفراز في الباقي؛ لأنَّ الأصحاب (٣) قالوا في قسمة الطَّلق عن الوقف: إذا كان فيها ردٌّ من جهة صاحب الوقف؛ جاز؛ لأنَّه يشترى به الطَّلق، وإن كان من جهة صاحب الطَّلق؛ لم يجز).
ويتفرَّع على الاختلاف في كونها إفرازاً أو بيعاً فوائد كثيرة:
منها: لو كان بينهما ماشية مشتركة، فقسَّماها (٤) في أثناء الحول، واستداما خلطة الأوصاف، فإن قلنا: القسمة إفراز؛ لم ينقطع الحول
стр. 1425
بغير خلاف، وإن قلنا: بيع؛ خُرِّج على بيع الماشية بجنسها في أثناء الحول؛ هل يقطعه أم لا؟
ومنها: إذا تقاسما وصرَّحا بالتَّراضي، واقتصرا على ذلك؛ فهل يصحُّ؟
إن قلنا: هي إفراز؛ صحَّت.
وإن قلنا: هي بيع؛ فوجهان ذكرهما صاحب «التَّرغيب»، وكأن مأخذهما الخلاف في اشتراط الإيجاب والقبول.
وظاهر كلامه: أنَّها تصحُّ بلفظ القسمة على الوجهين.
ويتخرَّج ألَّا يصحَّ من الرِّواية الَّتي حكاها في «التَّلخيص» باشتراط لفظ البيع والشِّراء في البيع (١).
ومنها: لو تقاسموا ثمر النَّخل والعنب على الشَّجر، أو الزَّرع المشتدَّ في سنبله خرصاً، أو الرِّبويَّات على ما يختارون من كيل أو وزن، فإن قلنا: هي إفراز؛ جاز، نصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم في جواز القسمة بالخرص.
وإن قلنا: بيع؛ لم يصحَّ.
وفي «التَّرغيب» إشارة إلى خلاف في الجواز مع القول بالإفراز.
وكذلك لو تقاسموا الثَّمر على الشَّجر قبل صلاحه بشرط التَّبقية؛ فيجوز على القول بالإفراز دون البيع.
ومنها: لو تقاسموا أموالاً رِبويَّة؛ جاز أن يتفرَّقوا قبل القبض على
стр. 1426
القول بالإفراز، ولم يجز على القول بالبيع.
ومنها: لو كان بعض العقار وقفاً وبعضه طلقاً، وطلب أحدهما القسمة؛ جازت إن قلنا: هي إفراز.
وإن قلنا: بيع؛ لم يجز؛ لأنَّه بيع للوقف.
فأمَّا إن كان الكلُّ وقفاً؛ فهل يجوز قسمته؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنَّه كإفراز الطلق (١) من الوقف سواء، وهو المجزوم به في «المحرَّر».
والثَّاني: أنَّه لا تصحُّ (٢) القسمة على الوجهين جميعاً على الأصح، وهي طريقة «التَّرغيب».
وعلى القول بالجواز؛ فهو مختصٌّ بما إذا كان وقفاً على جهتين لا على جهة واحدة، صرَّح به الأصحاب، نقله الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٣).
ومنها: قسمة المرهون كلِّه أو بعضه مشاعاً، إن قلنا: هي إفراز، صحَّت.
стр. 1427
وإن قلنا: بيع؛ لم تصحَّ (١).
ولو استضرَّ بها المرتهن؛ بأن رهنه أحد الشَّريكين حصَّة من بيت معيَّن من دار، ثمَّ اقتسما فحصل البيت في حصَّة شريكه؛ فظاهر كلام القاضي: أنَّه لا يمنع منه على القول بالإفراز.
وقال صاحب «المغني»: يمنع منه.
ومنها: إذا اقتسما أرضاً، فبنى أحدهما في نصيبه وغرس، ثمَّ استحِقَّت الأرض، فقُلع غرسه وبناؤه، فإن قلنا: هي إفراز؛ لم يرجع على شريكه.
وإن قلنا: بيع؛ رجع عليه بقيمة النَّقص إذا كان عالماً بالحال دونه، ذكره في «المغني».
وجزم القاضي بالرُّجوع عليه مع قوله: إنَّ القسمة إفراز.
ومنها: ثبوت الخيار فيها، وفيه طريقان:
أحدهما: ينبني على الخلاف، فإن قلنا: إفراز؛ لم يثبت فيها خيار، وإن قلنا: بيع؛ ثبت، وهو المذكور في «الفصول» و «التَّلخيص»، وفيه ما يوهم اختصاص الخلاف بخيار المجلس، فأمَّا خيار الشَّرط؛ فلا (٢) يثبت فيها على الوجهين.
والثَّاني: يثبت فيها خيار المجلس وخيار الشَّرط على الوجهين جميعاً، قاله القاضي في «خلافه»، معلِّلاً: بأنَّ ذلك جعل للارتياء فيما
стр. 1428
فيه الحظُّ، وهذا المعنى موجود في القسمة.
قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وهذا صريح في أنَّ قسمة التَّراضي إفراز؛ لأنَّ قسمة الإجبار لا معنى لثبوت الخيار فيها؛ إذ في كلِّ لحظة يملك الإجبار؛ فلا ينفع ثبوت الخيار في فسخها.
وذكر أيضاً: أنَّه حيث وجبت القسمة؛ فينبغي أن تكون (١) لازمة؛ لأنَّ أحدهما إذا فسخها؛ كان للآخر مطالبته بإعادتها؛ فلا فائدة فيه، وقد يكون فيه ضرر على أحدهما؛ فإنَّه قد يتصرَّف فيما حصل له وبغيره، فإذا نُقضت القسمة؛ تضرر بذلك، ولم يحصل له الانتفاع، ولا سيَّما إن تكرر ذلك من شريكه مضاررة. (٢)
قلت: ويشهد لهذا ما ذكره القاضي في «خلافه» في المعسر بالنَّفقة إذا طلَّق الحاكم عليه رجعيًّا، ثمَّ ارتجع من غير يسار تجدَّد له: أنَّه لا تصحُّ رجعته؛ لما فيه من إعادة الضَّرر الَّذي أزلناه بالطَّلاق.
وقال ابن عقيل في «عمد الأدلَّة»، وصاحب «المغني»: له الرَّجعة، فإذا ارتجع؛ عادت المطالبة له، فإن أبى؛ طلَّق عليه حتَّى يستوفي الطَّلاق الثَّلاث.
وأخذه ابن عقيل من المُولي إذا طلَّق في أثناء المدَّة بعد طلب الفيئة (٣) طلاقاً رجعيًّا، فإنَّ له الرَّجعة، ويطالب بالفيئة (٤) ثانياً.
стр. 1429
والقاضي يفرِّق بينهما: بأنَّ رجعة المُولي أقرب إلى حصول مقصود المرأة من الفيئة من حال العدَّة الجارية إلى البينونة، بخلاف رجعة المعسر.
ولكن لا يتوجَّه على قول ابن عقيل: التَّمكينُ من فسخ قسمة الإجبار هنا؛ لأنَّ الضَّرر في الطَّلاق لا يتأبَّد؛ لأنَّه محدود بثلاث مرَّات، بخلاف ضرر الفسخ هنا؛ فإنَّه لا نهاية له.
وذكر الشَّيخ تقيُّ الدِّين: أنَّ المولي إذا طلَّق؛ لم يمكَّن من الرَّجعة إلَّا بشرط أن يفيء؛ لأنَّ أصل الرَّجعة إنَّما أباحها الله تعالى لمن أراد الإصلاح؛ فكيف بالمولي الَّذي ظهر (١) منه قصد الإضرار؟! فلا يمكَّن من الرَّجعة بدون شرط الفيئة؛ لئلَّا يكون ارتجاعه زيادة في الإضرار (٢).
وذكر في «الكافي» في هذه المسألة: أنَّهما إن اقتسما بأنفسهما؛ لم تلزم القسمة إلَّا بتراضيهما وتفرُّقهما (٣)؛ كالبيع، وإن قسم بينهما الحاكم، أو قاسمه، أو رجل عالم (٤) نصباه بينهما؛ لزمت قسمته بغير رضاهما، إلَّا أن يكون فيها ردٌّ؛ فوجهان؛ نظراً إلى أنَّها بيع، فيقف على الرِّضا، وإلى أنَّ القاسم كالحاكم، وقرعته كحكمه.
ومنها: ثبوت الشُّفعة بها (٥)، وفيه طريقان:
стр. 1430
أحدهما: بناؤه على الخلاف، فإن قلنا: إفراز؛ لم يثبت، وإن قلنا: بيع؛ ثبتت، وهو ما ذكره السَّامريُّ في باب الرِّبا.
والثَّاني: لا يوجب الشُّفعة على الوجهين، قاله القاضي وصاحب «المحرَّر»؛ لأنَّه لو ثبت لأحدهما على الآخر؛ لثبت للآخر عليه، فيتنافيان (١).
ومنها: قسمة المتشاركين في الهدي والأضاحي اللَّحمَ، فإن قلنا: إفراز؛ جازت، وإن قلنا: بيع؛ لم يجز، هذا ظاهر كلام الأصحاب.
ومنها: لو حلف لا يبيع، فقاسم، فإن قلنا: القسمة بيع؛ حنث، وإلَّا فلا، ذكره الأصحاب.
وقد يقال: الأيمان محمولة على العرف، ولا تسمَّى القسمة بيعاً في العرف؛ فلا يحنث بها، ولا بالحوالة، ولا بالإقالة، وإن قيل: هي بيوع.
ومنها: لو اقتسم الورثة التَّركة، ثمَّ ظهر على الميت دين أو وصيَّة: فإن قلنا: هي إفراز؛ فالقسمة باقية على الصِّحَّة.
وإن قلنا: بيع؛ فوجهان، بناءً على الخلاف في بيع التَّركة المستغرقة بالدَّين، وقد سبق. (٢)
ومنها: لو ظهر في القسمة غَبن فاحش: فإن قلنا: هي إفراز؛ لم تصح (٣)؛ لتبيُّن فساد الإفراز.
стр. 1431
وإن قلنا: بيع؛ صحَّت، وثبت فيها خيار الغبن في البيع، ذكره في «التَّرغيب»، وقيَّده بقسمة القراض.
ومنها: لو اقتسما داراً نصفين، ثمَّ ظهر بعضُها مستحَقًّا: فإن قلنا: إفراز؛ انتقضت القسمة؛ لفساد الإفراز.
وإن قلنا: بيع؛ لم تنتقض، ويرجع (١) على شريكه بقدر حقِّه في المستحَقِّ إذا قلنا بذلك في تفريق الصَّفقة؛ كما لو اشترى داراً، فبان بعضُها مستحَقًّا، ذكره الآمدي.
وفي «المحرَّر»: إن كان المستحَقُّ معيَّناً وهو في الحصَّتين؛ فالقسمة بحالها، ولم يحك خلافاً.
وذكر صاحب «الكافي» احتمالاً بالبطلان؛ بناءً على عدم تفريق الصَّفقة إذا قلنا: هي بيع.
وإن كان المستحَقُّ معيَّناً في إحدى الحصَّتين، أو شائعاً فيها، أو في إحداهما؛ فثلاثة أوجه في «المحرَّر»:
أحدها: تبطل.
والثاني: لا يبطل.
والثالث: يبطل بالإشاعة في إحداهما خاصَّةً، وهو ظاهر كلام صاحب «المغني».
والأوَّل اختيار القاضي وابن عقيل، مع قولهما بتفريق الصَّفقة.
قال الشَّيخ مجد الدِّين: والوجهان الأوَّلان فرع على قولنا بتفريق
стр. 1432
الصَّفقة في البيع، فأمَّا إن قلنا: لا تتفرَّق هناك؛ بطلت ههنا وجهاً واحداً.
وفي «البلغة»: إذا ظهر بعض حصَّة أحدهما مستحَقًّا؛ انتقضت القسمة، وإن ظهر في حصَّتهما على استواء النِّسبة وكان (١) معيَّناً؛ لم تنتقض إذا علَّلنا فساد تفريق الصَّفقة بالجهالة، وإن علَّلناه باشتمالها على ما لا (٢) يجوز؛ بطلت، وإن كان المستحَقُّ مشاعاً؛ انتقضت القسمة في الجميع على أصحِّ الوجهين.
ومنها: إذا مات رجل وزوجته حامل- وقلنا: لها السُّكنى-، فأراد الورثة قسمة المسكن قبل انقضاء العدَّة، من غير إضرار بها، بأن يُعلموا الحدود بخطٍ أو نحوه من غير نقض ولا بناء؛ ففي «المغني»: (يجوز ذلك)، ولم يبنه على الخلاف في القسمة (٣)، مع أنَّه قال: (لا يصحُّ بيع المسكن في هذه الحال؛ لجهالة مدَّة الحمل المستثناة فيه حكماً)، وهذا يدلُّ على أنَّ مثل هذا يغتفر في القسمة على الوجهين.
ويحتمل أن يقال: متى قلنا: القسمة بيع، وإنَّ بَيْعَ هذا المسكن لا يصحُّ؛ لم تصح القسمة.
ومنها: قسمة الدَّين في ذمم الغرماء، فإن قلنا: القسمة إفراز؛ صحَّت.
стр. 1433
وإن قلنا: بيع؛ لم تصح (١).
وقد حكى الأصحاب في المسألة روايتين، وهذا البناء يتوجه على طريقة من طرد الخلاف في قسمة التراضي؛ كالشيخ تقي الدين ﵀ (٢)، مع أنه يميل إلى دخول الإجبار في قسمة الديون على الغرماء المتقاربين في الملاءة؛ لأنَّ الذِّمم عندنا تتكافأ، بدليل الإجبار على قبول الحوالة على المليء.
وخصَّ القاضي وابن عقيل الروايتين بما إذا كان الدَّين في ذمَّتين فصاعداً، فإن كان في ذمَّةٍ واحدة؛ لم تصحَّ قسمته رواية واحدة.
وأنكر ذلك الشيخ مجد الدين (٣)،
ويشهد لقوله أن القاضي في «خلافه» قال (٤): (إذا قبض أحد الشريكين من الدَّين بإذن شريكه؛ اختصَّ بما قبضه).
وفرَّق في موضع آخر بين الدَّين الثابت بعقد؛ فيختص أحد الشريكين بما قبضه منه ولو بغير إذن شريكه، وبين الثابت بإرث ونحوه؛
стр. 1434
فلا يختصُّ.
وقد نصَّ أحمد في «رواية ابن منصور» على الاشتراك في ثمن الطعام المشترك (١)، ونصَّ في روايته أيضاً على جواز القسمة بالتراضي في الذِّمَّة الواحدة (٢).
وسلك صاحب «المغني» في توجيه الروايتين في المسألة طريقةً ثانية، وهي أنَّ قبض أحد الشريكين من الدَّين المشترك؛ هل هو قسمة للدَّين، أو تعيين لحقه بالأخذ كالإبراء؟
فإن قلنا: هو قسمة (٣)؛ لم يجز لأحدهما الانفراد بالقبض، فإن أذن الشريك؛ فيه وجهان (٤):
стр. 1435
أحدهما: يصحُّ، وينفرد به القابض؛ لأنَّ الحقَّ لشريكه، وقد أسقطه.
والثاني: لا يصحُّ، وهو قول أبي بكر؛ لأنَّ حقَّ الشريك في الذِّمَّة، لا في عين المال؛ فلا تنفع إذنه في قبض الأعيان.
وفيه ضعف؛ فإنَّ الأعيان هي متعلَّقُ حقِّه، ولذلك تتعلَّق حقوق غرماء المفلس بماله.
وإن قلنا: ليس القبض قسمةً؛ جاز؛ لأنَّ حقَّ الشريك في الذِّمَّة، ولا (١) ينتقل إلى العين إلا بقبض الغريم أو وكيله، فقبض الشريك لنفسه تعيين لحقِّه لا غير؛ فيختصُّ به دون شريكه، سواء كان بإذن الشريك أو بدونه.
كذلك (٢) حكى صاحب «المغني» هذه الرواية، وذكر عن أحمد ما يدلُّ عليها (٣)، وقد ذكرها (٤) أبو بكر عبد العزيز.
стр. 1436
ويتوجَّه عندي في توجيه الروايتين طريقةٌ ثالثة، وهي: أنَّ أحد الشريكين إذا قبض من الدَّين المشترك؛ فإنَّما قبض حقَّه المختصَّ به، لكن ليس له القبض دون شريكه؛ لاشتراكهما في أصل الاستحقاق؛ كغرماء المفلس، فإذا قبض بدون إذن شريكه؛ فهل لشريكه مقاسمته فيما قبضه (١) أم لا؟ على الروايتين.
فوجه المحاصَّة: القياس على قبض بعض الشركاء من الأعيان المشتركة بدون قسمة؛ كالمواريث، أو من الأعيان المتعلِّق بها حقوقهم؛ كمال المفلس.
ووجه عدم المحاصَّة: أنَّ المقبوض من الدين كلِّه حقٌّ للقابض (٢)؛ ولهذا لو تلف في يده؛ لتلف كلُّه من نصيبه، ولم يضمن لشريكه شيئاً، بخلاف القبض من الأعيان.
فعلى هذه الرواية: لا فرق بين أن يقبض بإذن الشريك أو بدونه.
وعلى الأولى (٣): إن قبض بإذنه؛ فهل له محاصَّته فيه؟ على وجهين؛ لأنَّ حقَّه في المحاصَّة إنَّما يثبت بعد القبض؛ فهو كإسقاط الشُّفعة قبل البيع.
وقد يقال: التراضي بقبض كل واحد منهما بعض الدَّين؛ قسمة له؛ لأنَّ القسمة في الأعيان تقع بالمحاسبة والأقوال في المنصوص (٤)،
стр. 1437
فكذا في الدُّيون.
وأمَّا إن كان المشترك بعضه عيناً وبعضه ديناً؛ فأخذ بعض الشركاء العين، وبعضهم الدَّين؛ فقد نصَّ أحمد على جوازه مع الكراهة، وحكاه عن ابن عبَّاس (١)، وقال: لا يكون إلَّا في الميراث.
وخرَّجه الشيخ مجد الدين على القول بجواز بيع الدَّين من غير الغريم؛ لأنَّ هذه القسمة بيع بغير خلاف عنده.
وعلى ما ذكره الشيخ تقي الدين: قد يطَّرد فيها الخلاف، والله أعلم.
ومنها: قبض أحد الشريكين نصيبه من المال المشترك المثلي مع غيبة (٢) الآخر، أو امتناعه من الإذن بدون إذن الحاكم، وفيه وجهان سبق ذكرهما في القواعد (٣)، والوجهان على قولنا: القسمة إفراز.
فإن قلنا: هي بيع؛ لم يجز وجهاً واحداً.
فأمَّا غير المثليِّ؛ فلا يقسم إلَّا مع الشريك أو من يقوم مقامه؛ كالوصيِّ، والوليِّ، والحاكم.
ومنها: لو اقتسما داراً، فحصل الطريق في نصيب أحدهما، ولم
стр. 1438
يكن للآخر منفذ يتطرَّق منه؛ فقال أبو الخطَّاب، وصاحبا (١) «المغني» و «المحرر»: تبطل القسمة.
وخرَّج صاحب «المغني» فيه (٢) وجهاً آخر: أنَّها تصحُّ، ويشتركان في الطريق؛ من نصِّ أحمد ﵀ على اشتراكهما في مسيل الماء، وقد ذكرنا ذلك فيما سبق في القواعد.
ويتوجَّه أن يقال: إن قلنا: القسمة إفراز؛ بطلت، وإن قلنا: بيع؛ صحَّت، ولزم الشريك تمكينه من الاستطراق، بناءً على قول الأصحاب: إذا باعه بيتاً من وسط داره، ولم يذكر طريقاً؛ صحَّ البيع، واستتبع طريقه، كما (٣) ذكره القاضي في «خلافه».
ولو اشترط عليه الاستطراق في القسمة؛ صحَّ، قال الشيخ مجد الدين: هذا قياس مذهبنا في جواز بيع الممر.
ومنها: لو حلف لا يأكل ممَّا اشتراه زيد، فاشترى زيد وعمرو طعامًا مشاعاً، وقلنا: يحنث بالأكل منه، فتقاسماه، ثمَّ أكل الحالف من نصيب عمرو:
فذكر الآمديُّ: أنَّه لا يحنث؛ لأنَّ القسمة إفراز حقٍّ (٤) لا بيع، وهذا يقتضي أنَّه يحنث إذا قلنا: هي بيع.
стр. 1439
وقال القاضي: قياس المذهب: أنَّه يحنث مطلقاً؛ لأنَّ القسمة لا تخرجه عن أن يكون زيد اشتراه.
ويحنث عند أصحابنا بأكل ما اشتراه زيد، ولو انتقل الملك عنه إلى غيره.
وفي «المغني» احتمال: لا يحنث هنا (١).
وعليه يتخرج: أنَّه لا يحنث إذا (٢) قلنا: القسمة بيع، والله أعلم (٣).
стр. 1440
ونختم هذه الفوائد بذكر فائدتين، بل قاعدتين يكثر ذكرهما في مسائل الفقه، وتنتشر فروعهما انتشاراً كثيراً، ونذكر ضوابطها وأقسامها:
الفائدة الأولى
التصرفات للغير بدون إذنه؛ هل تقف (١) على إجازته أم لا؟ ويعبَّر عنها بتصرُّف الفضوليِّ .
وتحتها أقسام:
القسم الأول: أن تدعو الحاجة إلى التصرُّف في مال الغير أو حقِّه، ويتعذَّر استئذانه؛ إمَّا للجهل بعينه، أو لغيبته، أو مشقَّة (٢) انتظاره؛ فهذا التصرُّف مباح جائز موقوف على الإجازة.
وهو في الأموال غير مختلف فيه في المذهب، وغير محتاج إلى إذن حاكم على الصحيح.
وفي الأبضاع مختلف فيه، غير أنَّ الصحيح من المذهب جوازه