الإجارة أو لم يعلم (١)، هذا قياس المذهب.
وقد ذكروا أنَّه لو اشترى صبرة من طعام، فبَانَ تحتها دكَّةٌ؛ فإن علم بذلك فلا خيار له، وإلَّا فله الخيار، وعلْمُه بها يفضي إلى دخوله على جهالة مقدار الصَّبُرة، ولو استثنى بلفظه مقدار ذلك لم يصحَّ (٢).
ومنها: لو اشترى أمة مزوَّجة؛ صحَّ، سواء علم بذلك أو لم يعلم، وتقع منافع البضع مستثناة في هذا العقد حكماً.
ولو استثناها في العقد لفظاً؛ لم يصحَّ.
ومنها: لو اشترى شجراً عليه ثمرٌ، أو أرضاً فيها زرعٌ، أو داراً فيها طعام كثير؛ صحَّ، ووقع بقاء الثَّمر والزَّرع والطَّعام مستثنًى إلى أوان تفريغه على ما جرت به العادة، وذلك مجهول.
ولو استثنى بلفظه مثل هذه المدَّة؛ لم يصحَّ.
ومنها: لو اشترى أمة أو عبداً مُحرِماً؛ صحَّ، ووقع مدَّة إحرامه
стр. 212
مستثنًى من البيع، وسواء علم بذلك المشتري أو لم يعلم، نصَّ على ذلك أحمد، مع أنَّ مدَّة الإحرام لا تنضبط، لا سيَّما بالعمرة، فقد يقع الإبطاء في السَّير؛ لعائق أو غيره.
لكن قد يقال: إنَّ المسافة معلومة وأفعال النُّسك معلومة؛ فصار كاستثناء ظهر الدَّابَّة إلى بلد معيَّن.
стр. 213
قاعدة [٣٤]
استحقاق منافع العبد بعقد لازم يمنع من سريان العتق إليها؛ كالاستثناء في العقد (١) وأولى ؛ لأنَّ الاستثناء الحكميَّ أقوى، ولهذا يصحُّ بيع العين المؤْجَرة والأمة المزوَّجة عند من لا يرى استثناء المنافع في العقد.
خلافاً للشَّيخ تقيِّ الدين ﵀ في قوله: يسري العتق إليها إن لم يستثنِ (٢).
ويتفرَّع على هذا مسائل:
منها: إذا عَتَقت الأمة المزوَّجة؛ لم تملك منفعة البضع الَّتي هي مورد النِّكاح، وإنَّما يثبت (٣) لها الخيار تحت العبد؛ لأنَّها كملت تحت ناقص، فزالت كفاءته بذلك، أو تعبُّداً غير معقول المعنى.
ومن قال بسراية العتق؛ قال: قد ملكت بضعها، فلم يبقَ لأحد عليها ملك؛ فصار الخيار لها في المقام مع الزَّوج أو مفارقته، سواء
стр. 214
كان حرًّا أو عبداً، وعلى هذا فلو استثنى منفعة بضعها للزَّوج؛ صحَّ، ولم تملك الخيار، سواء كان زوجها حرًّا أو عبداً، ذكره الشَّيخ (١)، وقال: هو مقتضى المذهب.
ويَرِدُ على القول (٢) بملكها بضعَها: أنَّه يلزم منه انفساخ نكاحها؛ حيث لم يبق للزَّوج ملك عليها، ولا قائلَ بذلك.
على أنَّه يمكن أن يقال: عتقُ بضعِها لا يلزم منه ثبوت الخيار لها على الحرِّ؛ لأنَّ حريَّة البضع لا تنافي ثبوتَ استحقاق منفعته بعقد النِّكاح ابتداءً؛ فالحريَّة الطَّارئة أوْلى.
ومنها: لو آجر عبده مدَّة، ثمَّ أعتقه في أثنائها؛ لم تنفسخ الإجارة على المذهب.
وعند الشَّيخ (٣): ينفسخ؛ إلَّا أن يستثنيها في العتق (٤).
وخرَّج صاحب «المقنع» ذلك وجهاً لنا، لا بناءً على السِّراية، بل
стр. 215
على زوال ولاية السَّيِّد عن عبده بعتقه؛ فيكون كما لو آجر الوليُّ الصَّبيَّ مدَّة ثمَّ بلغ في أثنائها؛ فإنَّه ينفسخ في وجه.
وهو ضعيف؛ فإنَّ الوليَّ تنقطع ولايته بالكليَّة عن الصَّبيِّ ببلوغه رشيداً، بخلاف السَّيِّد، فإنَّ له استثناء منافعه بالشَّرط، والاستثناء الحكميُّ أقوى كما تقدَّم.
ومنها: لو أعتق الورثةُ العبدَ الموصى بمنافعه؛ صحَّ، ولم يسرِ إلى المنافع.
стр. 216
قاعدة [٣٥]
من ملك منفعة عين بعقد، ثمَّ ملك العين بسبب آخر؛ هل ينفسخ العقد الأوَّل أم لا ؟
ها هنا صورتان:
إحداهما: أن يكون العقد الَّذي ملك به المنفعة عقداً مؤبَّداً:
فإن لم يكن عقد معاوضة؛ فلا معنى لانفساخه؛ كالموصى له بمنافع الأمة إذا اشتراها؛ فإنَّه يجتمع له ملكها بالعقدين، ولا ضرر في ذلك، فهو كما لو كان ملكه للمنفعة بغير عقد؛ كملك الورثة لمنافع العين الموصى برقبتها إذا اشتروا العين من الموصى له.
وإن كان عقد معاوضة -وهو النِّكاح-؛ انفسخ بملك الرَّقبة؛ لأنَّه ملك ضعيف ومختلف في مورِده؛ هل هو المنفعة أو الانتفاع، ويختصُّ بمنفعة البضع، ويملك به الاستمتاع بنفسه دون المعاوضة عليه (١)؛ فلا يجتمع مع الملك القويِّ، وهو ملك الرَّقبة، بل يندفع به.
стр. 217
ولا نقول: إنَّه يدخل ملكه في ملك الرَّقبة (١)؛ لأنَّ مالك الرَّقبة لم يكن مالكاً له؛ فكيف يتضمَّن عقده على الرَّقبة ملكه؟!
بل نقول: إنَّه قد اجتمع له ملك الرَّقبة بجميع منافعها بجهة، وملك البضع بجهة أخرى ضعيفة؛ فبطلت خصوصيَّات الجهة الضَّعيفة كلُّها؛ لمصيره مالكاً للجميع ملكاً تامًّا.
وهذا صحيح؛ فإنَّه لا يمكن بعد هذا الملك أن يقال: إنَّه يملك الانتفاع بالبضع دون منفعته، ولا إنَّه يملك الانتفاع به بنفسه دون المعاوضة عليه (٢)؛ فتعيَّن إلغاء خصوصيات عقد النِّكاح كلِّها.
والصُّورة الثَّانية: أن يكون العقد المملوك به المنفعة غير مؤبَّد؛ كالإجارة، فإذا ملك العين بعد ذلك؛ فهل ينفسخ؟ فيه وجهان.
ويندرج تحت ذلك صور:
منها: لو اشترى المستأجر العين المستأجرة من مؤجرها؛ ففي انفساخ الإجارة وجهان حكاهما الأصحاب، وربَّما حُكي روايتان:
أحدهما (٣): تنفسخ؛ لأنَّه ملك الرَّقبة، فبطل ملك المنفعة؛ كما لو اشترى زوجته.
стр. 218
والثَّاني: لا تنفسخ، وهو الصَّحيح، واختيار القاضي وابن عقيل والأكثرين؛ لأنَّ (١) المنافع ملكها أوَّلاً بجهة الإجارة وخرجت عن ملك المؤجر، والبيع بعد ذلك يقع على ما يملكه البائع، وهو العين المسلوبة النَّفع، فصار كما لو اشترى العين الموصى بمنافعها من الورثة، واستأجر المنافع من مالكها (٢) في عقد أو عقدين؛ فإنَّ الإجارة لا تنفسخ بغير خلاف (٣)، ولا منافاة بين ثبوت البيع والإجارة، بخلاف النِّكاح.
وأيضاً: فالملك ههنا أقوى من ملك النِّكاح؛ لأنَّه يملك به الانتفاع والمعاوضة، ويملك به عموم المنافع؛ فلا ينفسخ بملك الرَّقبة.
فإن قيل: لو لم تنفسخ الإجارة؛ لعادت المنافع بعد انقضاء مدَّتها إلى المؤجر؛ لأنَّها لم تدخل في عقد البيع، وإنَّما استأجرها مدَّة مؤقَّتة، بخلاف الزَّوج؛ لأنَّه ملك المنفعة ملكاً مؤبَّداً (٤).
فالجواب: أنَّ البائع باع ما يملكه من العين ومنافعها الَّتي يستحقُّها
стр. 219
بعد انقضاء مدَّة الإجارة، فإنَّه يملك العقد على المنافع التي تلي العقد والَّتي تتأخر عنه بالإجارة عندنا، فبالبيع (١) أولى، أمَّا إن كان الاستئجار من غير البائع، وكان مالكاً للمنافع مؤبَّدةً (٢)؛ فالإجارة باقية، وتعود إليه بعد انقضاء المدَّة بغير تردُّد.
ولو ملك المستأجر العين بهبة فهو كما لو ملكها بشراء، صرَّح به الشَّيخ مجد الدِّين في «مسوَّدته على الهداية».
فأمَّا إن وهب العين المستعارة من المستعير؛ فإنَّه تبطل العارية، ذكره القاضي وابن عقيل؛ لأنَّها عقد غير لازم.
ومنها: لو استأجر داراً من أبيه، ثمَّ مات الأب فورثها؛ فهل تنفسخ الإجارة؟ فيه وجهان أيضاً.
وخرَّجهما صاحب «التَّلخيص» من المسألة الَّتي قبلها.
والمذهب عند القاضي في «الخلاف»: أنَّه لا ينفسخ؛ كشراء المستأجر.
وقال في «المجرد»: ينفسخ.
ويوجَّه: بأنَّ الملك بالإرث قهريٌّ يقتضي تملُّك ما لا يُتملَّك مثله
стр. 220
بالعقود؛ فجاز أن يملك به المنافعَ المستأجرة مستأجرُها، فتنفسخ الإجارة.
وأيضاً: فقد ينبني هذا على أنَّ المنافع المستأجرة هل تحدث على ملك المؤجر ثمَّ تنتقل إلى ملك المستأجر؟
فإن قلنا بذلك؛ فلا معنى لحدوثها على ملكه وانتقالها إليه.
هذا إذا كان ثَمَّ وارث سواه؛ لأنَّ فائدة بقاء الإجارة استحقاق بقيَّة الأجرة (١)، فإذا لم يكن وارث سواه؛ فلا معنى لاستحقاقه العوض على نفسه؛ إلَّا أن يكون على أبيه دين لغيره، وقد مات مفلساً بعد (٢) أن سلَّفه الأجرة.
ومنها: لو اشترى طلعاً لم يؤبَّر (٣) في رؤوس نخله بشرط قطعه، ثمَّ اشترى أصله في الحال؛ فهل يتخرَّج انفساخ البيع في الطَّلع على ما مرَّ من الوجهين؛ لأنَّه بمنزلة المنفعة لتبعه في البيع، أم لا؛ لأنَّه عين مستقلَّة؟
فيه تردُّدٌ، والمجزوم به في «الكافي»: أنَّه لا ينفسخ بغير خلاف.
стр. 221
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قاعدة [٣٦]
من استأجر عيناً ممَّن له ولاية الإيجار، ثمَّ زالت ولايته قبل انقضاء المدَّة؛ فهل تنفسخ الإجارة ؟
هذا قسمان:
أحدهما: أن تكون إجارته بولاية محضة:
فإن كان وكيلاً محضاً؛ فالكلام في موكِّله دونه.
وإن كان مستقلًّا بالتَّصرُّف؛ فإن انتقلت الولاية إلى غيره؛ لم تنفسخ الإجارة؛ لأنَّ الولي الثَّاني يقوم مقام الأوَّل، كما يقوم المالك الثَّاني مقام الأوَّل.
وإن زالت الولاية عن المولَّى عليه بالكليَّة؛ كصبيٍّ يبلغ بعد إيجاره أو إيجار عقاره والمدَّة باقية؛ ففي الانفساخ وجهان:
أشهرهما: عدمه، وهو قول القاضي وأصحابه؛ لأنَّه تصرَّف له تصرفاً لازماً؛ فلا تنفسخ ببلوغه، كما لو زوَّجه أو باع عقاره.
والثَّاني: تنفسخ، ذكره في «المغني» وجهاً؛ لأنَّه آجره مدَّة لا ولاية له عليه فيها بالكليَّة، فأشبه إجارة البطن الأوَّل للوقف إذا انقرض قبل انقضاء المدَّة.
стр. 222
وفارق البيع؛ لأنَّه ينبرم في الحال وتنقطع عُلَقه.
نعم؛ لو كان بلوغه في مدَّة الخيار؛ ففيه نظر (١).
وكذلك النِّكاح ينبرم من حينه، ويستقرُّ المهر فيه بالدُّخول، بخلاف الإجارة؛ لأنَّ الأجرة تتقسَّط فيها على المدَّة، ولا يستقرُّ الملك فيها إلَّا باستيفاء المنافع شيئاً بعد شيء.
وذكر في «المغني» وجهاً آخر خرجَّه (٢)(٣): أنَّه إن آجره مدَّة يعلم بلوغه فيها قطعاً؛ لم يصحَّ في الزَّائد، ويخرج الباقي على تفريق الصَّفقة (٤).
ونحوه ذكر صاحب «التَّلخيص».
والقسم الثَّاني: أن تكون إجارته بملكٍ ثمَّ تنتقل إلى غيره، وهو أنواع:
أحدها: أن تنتقل عنه إلى من يملك بالقهر ما يستولي عليه؛ فتنفسخ الإجارة؛ لملكه المنافع الباقية منها (٥).
стр. 223
ودخل تحت هذا: إذا آجر مسلم شيئاً، ثمَّ استولى عليه الكفَّار، وإذا آجر الحربيُّ شيئاً لحربيٍّ ثمَّ استولى عليه المسلمون.
أمَّا إن آجر الحربيُّ شيئاً لمسلم أو ذميٍّ ثمَّ استولى عليه المسلمون؛ فالإجارة باقية؛ لأنَّ المنافع ملك لمعصوم؛ فلا تتملَّك.
وثانيها: أن ينتقل الملك إلى من يخلفه في ماله ويقوم مقامه ويتلقَّى الملك عنه؛ فلا اعتراض له على عقوده، بل هو منفذ لها، وذلك كالوارث، والمشتري، والمتَّهب، والموصى له بالعين، والزَّوجة إذا أخذت العين صداقاً، وأخذه (١) الزَّوج منها عوضاً عن خلع، أو صلحًا (٢)، أو غير ذلك.
وثالثها: أن يكون (٣) مزاحماً للأوَّل في الاستحقاق ومتلقِّياً للملك عمَّن تلقَّاه الأوَّل، لكن لا حقَّ له في العين إلَّا بعد انتهاء استحقاقه؛ كالبطن الثَّاني من أهل الوقف إذا أَجَّر البطنُ الأوَّلُ، ثمَّ انقرض والإجارة قائمة.
стр. 224
وفي المسألة وجهان:
أحدهما: وهو ما قال القاضي في «المجرَّد» إنَّه قياس المذهب: أنَّه لا ينفسخ؛ لأنَّ الثَّاني لا حقَّ له في العين إلَّا بعده؛ فهو كالوارث.
والثَّاني: وهو المذهب الصَّحيح، وبه جزم القاضي في «خلافه»، وقال: (إنَّه ظاهر كلام أحمد)، وابنه أبو الحسين، وحكياه عن أبي إسحاق ابن شاقْلَا، واختاره ابن عقيل وغيره: أنه ينفسخ؛ لأنَّ الطَّبقة (١) الثَّانية تستحقُّ العين بجميع منافعها تلقِّياً عن الواقف بانقراض الطَّبقة الأولى؛ فلا حقَّ للأولى فيه بعد انقراضهم، بخلاف الورثة؛ فإنَّهم لا يتلقَّون عن موروثهم إلَّا ما خلَّفه في ملكه من الأموال، ولم يخلِّف هذه المنافع (٢)، وحقُّ المالك لم ينقطع عن ميراثه بالكليَّة، بل آثاره باقية، ولهذا تُقضَى ديونه وتنفذ وصاياه من التَّركة، وهي ملكه على قولٍ إلى أن يُقضى دينه؛ فكيف يُتعرض عليه في تصرفاته بنفسه (٣)؟!
стр. 225
وأيضاً، فهو كان يملك التَّصرف في ماله (١) على التَّأبيد؛ بوقف عقاره، والوصيَّة به، وبما يحمل شجره أبداً، والموقوف عليه بخلافه في ذلك كلِّه (٢).
وخرَّج صاحب «المغني» وجهاً آخر: ببطلان العقد من أصله؛ بناءً على تفريق الصَّفقة (٣) كما سبق، لكنَّ (٤) الأجرة إن كانت مقسَّطة على
стр. 226
أشهر مدَّة الإجارة أو أعوامها؛ فهي صفقات متعدِّدة على أصحِّ الوجهين؛ فلا يبطل جميعها ببطلان بعضها، وإن لم تكن مقسَّطة؛ فهي صفقة واحدة، فيطَّرد فيها الخلاف المذكور.
واعلم: أنَّ في ثبوت الوجه الأوَّل (١) نظراً؛ لأنَّ القاضي إنَّما فرضه فيما إذا أجَّر الموقوف عليه؛ لكون النَّظر مشروطاً (٢) له.
وهذا (٣) محلُّ تردُّدٍ - أعني: إذا أجَّر بمقتضى النَّظر المشروط له -؛ هل يُلحق بالنَّاظر العامِّ فلا تنفسخ (٤) بموته الإجارات (٥) أم لا؟ فإنَّ من أصحابنا المتأخِّرين من ألحقه بالنَّاظر العامِّ في ذلك.
وهكذا حكم المُقطَع إذا أجَّر إقطاعه، ثمَّ انتقلت عنه إلى غيره بإقطاع آخر.
ورابعها: أن يكون (٦) مزاحماً للأوَّل في استحقاق التَّلقي عمَّن تلقَّى عنه الأوَّل؛ بسبق حقِّه وتقديمه عليه، وهو المشتري للشِّقص المشفوع
стр. 227
إذا أَجَّر - وقلنا (١) بصحَّة تصرفاته بالإجارة وغيرها -، ثمَّ انتزعه الشَّفيع، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها (٢): وهو (٣) ما ذكره صاحب «المقنع»: لا تنفسخ الإجارة؛ لأنَّ ملك المؤجر ثابت، ويستحقُّ الشَّفيعُ الأجرةَ (٤) من يوم أخذه؛ لأنَّه يستحقُّ انتزاع العين والمنفعة، فإذا فات أحدهما؛ رجع إلى بدله وهو الأجرة ههنا؛ كما نقول في الوقف إذا انتقل إلى البطن الثَّاني، ولم تنفسخ إجارته: إنَّهم يستحقُّون الأجرة من يوم الانتقال.
وكذلك نصَّ أحمد في رواية جعفر بن محمَّد على مثل ذلك في بيع العين المؤجرة، وأنَّ المشتري يستحقُّ الأجرة من حين العقد (٥).
وهو مُشْكِلٌ؛ لأنَّ المنافع مدَّة الإجارة غير مملوكة للبائع؛ فلا
стр. 228
تدخل في عقد البيع (١).
ويجاب عنه: بأنَّ البائع يملك عوضها، وهو الأجرة، ولم تستقرَّ بعدُ، ولو انفسخ العقد لرجعت المنافع إليه، فإذا باع العين (٢) ولم يستثنِ شيئاً؛ لم يكن تلك المنافع ولا عوضها (٣) مستحقًّا له (٤)؛ لشمول البيع للعين ومنافعها، فيقوم المشتري مقام البائع فيما كان يستحقُّه منها، وهو استحقاق عوض المنافع مع بقاء الإجارة، وفي رجوعها إليه مع الانفساخ.
وهذا هو أحد الوجهين للأصحاب، وهو قياس نصِّ أحمد المذكور أوَّلاً.
وما ذكرناه قبل ذلك من رجوع المنافع إلى البائع عند الانفساخ هو الَّذي ذكره صاحب «المغني» (٥).
والثَّاني (٦): أنَّه تنفسخ الإجارة بأخذه، وهو المجزوم به في
стр. 229
«المحرَّر» (١)؛ لما قلنا من ثبوت حقِّه في العين والمنفعة، فيملك انتزاع كلٍّ منهما ممَّن هو في يده.
وفارق إجارة الوقف على وجه (٢)؛ لأنَّ البطن الثَّاني لا حقَّ لهم قبل انقراض الأوَّل، وهنا حقُّ الشَّفيع ثابت قبل إيجار المشتري، فتنفسخ بأخذه؛ لسبق حقِّه، ولهذا قلنا على رواية: إنَّ تصرُّف المشتري في مدَّة الخيار مراعًى، فإن فسخ البائع بَطَل.
وأيضاً: فلو لم تنفسخ الإجارة؛ لوجب ضمان المنافع على المشتري (٣) بأجرة المثل لا بالمسمَّى؛ لأنَّه ضمان حيلولة (٤)، كما قلنا في أحد الوجهين: إذا أعتق عبده المستأجَرَ؛ لزمه ضمان قيمة منافعه فيما بقي من المدَّة (٥).
والثَّالث: أنَّ الشَّفيع بالخيار بين أن يفسخ الإجارة أو يتركها، وهو ظاهر كلام القاضي في «خلافه» في مسألة إعارة (٦) العارية، وهو أظهر؛
стр. 230
فإنَّ الإجارة بيع المنافع، ولو باع المشتري العين أو بعضها؛ كان الشَّفيع مخيَّراً بين الأخذ ممَّن هي في يده وبين الفسخ ليأخذ من المشتري.
وخامسها: أن ينفسخ ملك المؤجر، ويعود إلى من انتقل الملك إليه منه؛ فالمعروف من المذهب: أنَّ الإجارة لا تنفسخ بذلك؛ لأنَّ فسخ العقد رفع له من حينه لا من أصله (١).
وصرَّح أبو بكر في «التَّنبيه»: بانفساخ النِّكاح لو أنكحها المشتري ثمَّ ردَّها بعيب؛ بناءً على أنَّ الفسخ رفع للعقد من أصله.
وقال القاضي وابن عقيل في «خلافيهما»: الفسخ بالعيب رفع للعقد من حينه، والفسخ بالخيار رفع له من أصله؛ لأنَّ الخيار يمنع اللُّزومَ (٢) بالكليَّة، ولهذا يُمنَعُ معه من التَّصرُّف في المبيع وثمنه، بخلاف العيب (٣).
стр. 231
قاعدة [٣٧]
في توارد العقود وما يقارب العقود (١) المختلفة بعضها على بعض، وتداخل أحكامها .
ويندرج تحتها صور:
منها: لو (٢) رهنه شيئاً، ثمَّ أذن له في الانتفاع به؛ فهل يصير (٣) عارية حالة الانتفاع أم لا؟
قال القاضي في «خلافه»، وابن عقيل في «نظريَّاته»، وصاحبا «المغني» و «التَّلخيص»: يصير مضموناً بالانتفاع (٤)؛ لأنَّ ذلك حقيقة العارية.
стр. 232
وأورد ابن عقيل في «نظريَّاته» في وقت ضمانه احتمالين:
أحدهما: أنَّه لا يصير مضموناً بدون الانتفاع.
والثَّاني: يصير مضموناً بمجرد القبض إذا قبضه على هذا الشَّرط؛ لأنَّه صار ممسكاً للعين لمنفعة نفسه منفرداً بها.
وهل يزول لزومه (١) أم لا؟ ينبني على أنَّ إعارة الرَّاهن بإذن المرتهن هل يزيل لزوم الرَّهن أم لا؟ وفيه طريقتان:
إحداهما: أنَّه على روايتين، وهي طريقة «المحرَّر».
والثَّانية: إن أعاره من المرتهن؛ لم يُزِل اللُّزوم، بخلاف غيره، وهي طريقة «المغني».
وقال صاحب المحرَّر في «شرح الهداية»: ظاهر كلام أحمد أنَّه لا يصير مضموناً بحال (٢).
ويشهد له قول أبي بكر في «خلافه»: شرط منفعة الرَّهن (٣) باطل، وهو رهن بحاله (٤).
стр. 233
ومنها: إذا أودعه شيئاً، ثمَّ أذن له في الانتفاع به؛ فقال القاضي في «خلافه»، وابن عقيل في «نظريَّاته»، وصاحب «التَّلخيص»: يصير مضموناً حالة الانتفاع؛ لمصيره عارية حينئذ.
قال ابن عقيل: ولا يُضمَن بالقبض قبل الانتفاع ههنا؛ لأنَّه لم يمسكه لمنفعة نفسه منفرداً، بل لمنفعته ومنفعة مالكه (١)، بخلاف الرَّهن (٢).
ومن المتأخِّرين من قال: ظاهر كلام أحمد أنَّه لا يصير مضموناً أيضاً؛ كالرَّهن.
وفرَّق صاحب «المحرَّر» بينهما (٣).
ولا اختلاف ههنا بين العقدين في الجواز؛ إلَّا أن تكون (٤) مدَّة الانتفاع مؤقَّتة، فيخرَّج فيها وجه باللُّزوم من رواية لزوم العارية المؤقَّتة.
ومنها: إذا أعاره شيئاً ليرهنه؛ صحَّ، نصَّ عليه (٥)، ونقل ابن المنذر
стр. 234
الاتِّفاق عليه (١)، ويكون مضموناً على الرَّاهن؛ لأنَّه مستعير، وأمانة عند المرتهن، نصَّ عليه.
وأمَّا اللُّزوم وعدمه؛ فقال الأصحاب: هو لازم (٢) بالنِّسبة إلى الرَّاهن والمالك، لكن للمالك المطالبة بالافتكاك، فإذا انفكَّ؛ زال اللُّزوم، فرجع فيه المالك.
واستشكل ذلك (٣) الحارثيُّ، وقال: إمَّا ألَّا يكون لازماً؛ اعتباراً بحكم العارية، قال: وفي كلام أحمد إيماءٌ إليه، وإمَّا أن يكون لازماً (٤)؛ فلا يملك المالك المطالبة بالافتكاك قبل الأجل، وتكون (٥) العارية هنا لازمة؛ لتعلُّق حقِّ الغير وحصول الضَّرر بالرُّجوع؛ كما في العارية لبناء حائط، ووضع خشب، وشبههما. انتهى.
стр. 235
وصرَّح أبو الخطاب في «انتصاره»: بعدم لزومه، وأنَّ للمالك انتزاعه من يد المرتهن؛ فيبطل الرَّهن.
ومنها: لو أعاره شيئاً ثمَّ رهنه عنده؛ فقال أبو البركات في «الشَّرح»: قياسُ المذهب يصحُّ، ويسقط ضمان العارية؛ لأنَّها ليست لازمة (١)، وعقد هذه الأمانة لازم، ثمَّ أخذه من كلام الإمام أحمد في ورود عقد الإعارة على الرَّهن كما سبق.
ويتخرَّج في هذه المسألة ما في تلك (٢).
ومنها: ورود عقد الرَّهن على الغصب (٣)؛ فيصحُّ عندنا، ذكره أبو بكر والقاضي، ويبرأ به الغاصب.
وكذا لو أودعه عنده، أو أعاره إيَّاه، أو استأجره لخياطته أو نحوها، ذكره أبو الخطَّاب وغيره.
وذكر القاضي في «خلافه» فيما إذا استأجره لخياطته ونحوها؛ هل يبرأ به؟ على وجهين.
وذكر هو في «المجرد»، وابن عقيل في «الفصول» في المضاربة: إذا جعل المالك المغصوب مع الغاصب مضاربة؛ صحَّ (٤)، ولم يبرأ من
стр. 236
ضمانه، إلَّا أن يدفعه ثمناً فيما يشتري به (١)، فيبرأ حينئذٍ (٢) من الضَّمان.
وعلى قول أبي الخطَّاب: يبرأ في الحال (٣).
ومنها: رهن المبيع المضمون على البائع قبل قبضه (٤)، على ثمنه أو غيره - إذا قيل بصحَّته (٥) -؛ يزول به الضَّمان (٦) على قياس الَّتي قبلها؛ لأنَّ يده صارت يد ارتهان.
ومنها: لو قال الرَّاهن للمرتهن: إن جئتك بحقِّك إلى وقت كذا وإلَّا فالرَّهن لك بالدَّين، وقَبِل ذلك؛ فهو أمانة عنده إلى ذلك الوقت، ثمَّ يصير مضموناً؛ لأنَّ قبضه صار بعقد فاسد، ذكره القاضي وابن عقيل.
والمنصوص عن أحمد في رواية محمَّد بن الحسن بن هارون (٧):
стр. 237
أنَّه لا يضمنه بحال، ذكره القاضي في «الخلاف»؛ لأنَّ الشَّرط يفسد، فيصير وجوده كعدمه.
ومنها: لو كاتب المدبَّر أو دبَّر المكاتب؛ صحَّ، نصَّ عليه، ثمَّ إن مات السَّيِّد ولم يؤدِّ العبد من الكتابة شيئاً؛ عَتَق بالتَّدبير من الثُّلث.
وهل يكون كسبه له؛ كما لو عَتَق في حياة السِّيد وهو مكاتب، أو للورثة؛ كعتقه بالتَّدبير؟ على وجهين (١).
وهكذا حكم اجتماع الاستيلاد والكتابة؛ إلَّا أنَّها تَعْتِق من رأس المال.
ونقل ابن الحكم عن أحمد ما يدلُّ على بطلان التَّدبير بالكتابة؛ بناءً على أنَّ التَّدبير وصيَّة، فيبطل بالكتابة.
стр. 238
قاعدة [٣٨]
فيما إذا وُصل بألفاظ العقود ما يُخرِجها عن موضوعها؛ فهل يفسد العقد بذلك (١)، أو يُجعل كنايةً عمَّا يُمكن صحَّته على ذلك الوجه؟
فيه خلاف يلتفت إلى أنَّ المغلَّب هل هو اللَّفظ، أو المعنى (٢)؟
ويتخرَّج على ذلك مسائل:
منها: لو أعاره (٣) وشرط عليه العوض؛ هل يصحُّ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يصحُّ (٤)، ويكون كناية (٥) عن القرض، فيملكه بالقبض إذا كان مكيلاً أو موزوناً، ذكره أبو الخطَّاب في «انتصاره».
стр. 239
وكذلك ذكر القاضي في «خلافه»، وأبو الخطَّاب في موضع من «رؤوس المسائل»: أنَّه يصحُّ عندنا شرط العوض في العارية (١) كما يصحُّ شرط العوض في الهبة؛ لأنَّ العارية هبة منفعة ولا تفسد بذلك.
مع أنَّ القاضي قرَّر أنَّ الهبة المشروط فيها العوض ليست بيعاً، وإنَّما الهبة تارة تكون تبرُّعاً، وتارة تكون بعوض، وكذلك العتق، ولا يخرجان من موضوعهما (٢)؛ فكذلك العارية، فهذا مأخذٌ آخر للصِّحَّة.
والوجه الثَّاني: أنَّها تفسد بذلك، وجعله أبو الخطَّاب في موضع آخر المذهبَ؛ لأنَّ العوض يخرجها عن موضوعها (٣).
وفي «التَّلخيص»: إذا أعاره عبدَه على أن يعيره الآخر فرسه؛ فهي إجارة فاسدة غير مضمونة (٤).
وهذا رجوع إلى أنَّها (٥) كناية (٦) في عقد آخر (٧)، والفساد إمَّا أن يكون لاشتراط عقد في عقد آخر، وإمَّا لعدم تقدير المنفعتين.
стр. 240
وعليه خرَّجه الحارثيُّ، قال (١): (وكذلك لو قال: أعرتك عبدي لتمونه، أو دابَّتي لتعلفها)، وهذا يرجع إلى أنَّ مؤنة العارية على المالك (٢)، وقد صرَّح الحلوانيُّ في «التَّبصرة» بأنَّها على المستعير (٣).
ومنها: لو قال: خذ هذا المال مضاربةً والرِّبح كلُّه لك، أو: لي؛ فقال القاضي وابن عقيل: هي مضاربة فاسدة يَستَحِقُّ فيها (٤) أجرة المثل.
وكذلك قال صاحب «المغني»؛ لكنَّه قال: لا يستحقُّ شيئاً في الصُّورة الثَّانية؛ لأنَّه دخل على أنَّه لا شيء له ورضي به. وقاله ابن عقيل في موضع آخر من المساقاة (٥).
وقال في «المغني» في موضع آخر: إنَّه إبضاع (٦) صحيح. فراعى
стр. 241
الحكم دون اللَّفظ، وعلى هذا؛ فيكون (١) في الصُّورة الأولى قرضًا (٢)(٣).
ومنها: لو استأجر المكيل والموزون، أو النُّقود، أو الفلوس، ولم يذكر ما يستأجرها له؛ فقال القاضي في «خلافه» في الإجارات: يصحُّ ويكون قرضاً (٤).
ولنا وجه آخر: أنَّه لا يصحُّ (٥).
ومنها: لو أجَّره الأرض بثلث ما يخرج منها من زرع؛ نصَّ أحمد على صحَّته (٦)، واختلف الأصحاب في معناه.
فقال القاضي: هي إجارة على حدِّ المزارعة، تصحُّ بلفظ الإجارة، وحكمها حكمها (٧).
وقال أبو الخطَّاب وابن عقيل وصاحب «المغني»: هي مزارعة بلفظ
стр. 242
الإجارة؛ فتصحُّ على قولنا: يجوز أن يكون البذر من العامل، وإلَّا فلا.
ومنها: لو أسلم في شيء (١) حالًّا؛ فهل يصحُّ ويكون بيعاً، أو لا يصحُّ؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر كلام أحمد في رواية المروذيِّ: لا يصحُّ البيع بلفظ السَّلم (٢).
والثَّاني: يصحُّ، قاله القاضي في موضع من «خلافه».
ومنها: إذا قال: أنت عليَّ حرام؛ أعني به: الطَّلاق، وقلنا: الحرام صريح في الظِّهار؛ فهل يلغو تفسيره ويكون ظهاراً، أو يقبل (٣) ويكون طلاقاً؟ على روايتين (٤).
ومنها: لو قال له في دين السَّلم: صالحني منه على مثل الثَّمن؛ قال القاضي: يصحُّ (٥)، ويكون إقالة.
стр. 243
وقال هو وابن عقيل: لا يجوز بيع الدَّين من الغريم بمثله؛ لأنَّه نفس حقِّه.
فيخرَّج في المسألتين وجهان؛ التفاتاً إلى اللَّفظ والمعنى.
стр. 244
قاعدة [٣٩]
في انعقاد العقود بالكنايات
واختلف الأصحاب في ذلك:
فقال القاضي في مواضع: لا كناية إلَّا في الطَّلاق والعتاق، وسائر العقود لا كناية لها.
وذكر أبو الخطاب في «الانتصار» نحوه، وزاد: ولا تحلُّ العقود بالكنايات غير النِّكاح والرِّقِّ.
وقال في موضع آخر منه: تدخل الكنايات في سائر العقود سوى النِّكاح؛ لاشتراط الشَّهادة عليه، وهي لا تقع على النِّيَّة.
وأشار إليه صاحب «المغني» أيضاً، وكلام كثير من الأصحاب يدلُّ عليه (١)، وهل المعاطاة الَّتي ينعقد بها البيع والهبة ونحوهما إلَّا كنايات؟!
وكذلك كنايات الوقف ينعقد به (٢) في الباطن إذا لم يقترن به حكمه أو أحد ألفاظه؛ فأمَّا إذا اقترن ذلك به أو نواه؛ فإنَّه ينعقد به الظَّاهر
стр. 245
أيضاً، صرَّح به الحلوانيُّ.
وقد تقدَّم في القاعدة الَّتي قبلها كثير من فروع هذه القاعدة.
ومنها: لو آجره عيناً بلفظ البيع؛ ففي الصِّحَّة وجهان (١).
وقال صاحب «التَّلخيص»: إن أضاف البيع إلى العين؛ لم يصحَّ، والوجهان في إضافتها إلى المنفعة.
ومنها: الرَّجعة بالكنايات إن اشترطنا الإشهاد عليها؛ لم يصحَّ، وإلَّا فوجهان (٢).
وأطلق الوجهين صاحب «التَّرغيب» وغيره. والأجود ما ذكرنا.
فأمَّا قوله لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صَداقك؛ فجعله ابن حامد كناية (٣)، ولم ينعقد (٤) به النَّكاح حتَّى يقول: وتزوَّجتك.
стр. 246
وقال القاضي: هو صريح بقرينة ذكر الصَّداق، فإنَّ الصَّريح قد يكون مجازاً إذا اشتهر وتبادر فهمه؛ ولو مع القرينة، وفسَّره القاضي بأنَّه الظَّاهر، ولا يشترط أن يكون نصًّا.
وكلام أحمد صريح في أنَّ هذا اللَّفظ كنايةٌ؛ فإنَّه قال في رواية صالح: إذا قال: أجعل عتقك صداقك، أو قال: صداقك عتقك؛ كلُّ ذلك جائز، إذا كانت له نيَّةٌ فنيَّته (١)(٢).
فصرَّح باعتبار النِّية له، وتأوَّله القاضي بتأويل بعيد جدًّا.
وكذلك نصَّ أحمد (٣) على ما إذا قال الخاطب للوليِّ: أزوَّجْتَ وليَّتك؟ فقال: نعم، وقال للمتزوِّج: أَقَبِلْتَ؟ قال: نعم، أنَّ النِّكاح ينعقد به، وذكره الخرقيُّ.
و (نعم) ههنا: كنايةٌ؛ لأنَّ التَّقدير: نعم زوَّجتُ، ونعم قبلتُ، وأكثر ما يقال: إنها صريحة في الإعلام بحصول الإنشاء؛ فالإنشاء إنَّما استفيد منها، وليس فيها من ألفاظ صرائح الإنشاء شيء؛ فيكون كناية عن لفظ النِّكاح وقبوله.
стр. 247
قاعدة [٤٠]
الأحكام المتعلِّقة بالأعيان بالنِّسبة إلى تبدُّل الأملاك واختلافها عليها نوعان:
أحدهما: ما يتعلَّق الحكم فيه بملك واحد، فإذا زال ذلك الملك؛ سقط الحكم، وصور ذلك كثيرة:
منها: الإجارة، فمن استأجر شيئاً مدَّة، فزال ملك صاحبه عنه بتملُّك قهريٍّ (١) يشمل العين والمنفعة، ثمَّ عاد إلى ملك المؤجر والمدَّة باقية؛ لم تعد الإجارة، هذا هو الظَّاهر؛ لأنَّ ملك المستأجر زال عن المنافع، وثبت له الرُّجوع على المالك بقسطه من الأجرة، فإذا استوفاه منه؛ لم يبقَ له حقٌّ، فتعود العين بمنافعها ملكاً للمؤجر.
أمَّا إن لم يستوفِ شيئاً؛ فقد سبق نظائرها في قاعدة: من تعذَّر عليه الأصل واستقرَّ حقُّه في البدل، ثمَّ وجد الأصل (٢)؛ فيحتمل وجهين، والأظهر هنا عدم استحقاق المنافع؛ لأنَّ حقَّه سقط منها وانتقل إلى بدلها.
стр. 248
ومنها: الإعارة، فلو أعاره شيئاً، ثمَّ زال ملكه عنه، ثمَّ عاد؛ لم تعد الإعارة.
ومنها: الوصيَّة تبطل بإزالة الملك، ولا تعود (١) بعوده.
ومنها: الهبة قبل القبض وسائر العقود الجائزة كالوكالة وغيرها.
ومنها: لو أذن السَّيِّد لعبده في النِّكاح، فتزوَّج ثمَّ طلَّق، فإن كان الطَّلاق رجعيًّا؛ فله الرَّجعة بدون إذن السَّيِّد، ذكره القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب؛ لأنَّ الملك قائم بعدُ، وإن كان بائناً لم يملك إعادتها بدون إذن (٢)؛ لأنَّه تجديد ملكٍ، والإذن مطلقٌ؛ فلا يتناوَل أكثر من مرَّة.
النَّوع الثَّاني: ما يتعلَّق الحكم فيه بنفس العين من حيث هي تعلَّقاً لازماً؛ فلا يختصُّ تعلُّقه بملك دون ملك، وله صور:
منها: الرَّهن، فإذا رهن عيناً رهناً لازماً، ثمَّ زال ملكه عنها بغير اختياره، ثمَّ عاد؛ فالرَّهن باق بحاله؛ لأنَّه وثيقة لازمة للعين، فلا تنفكُّ بتبدُّل الأملاك؛ كأرش الجناية؛ غير أنَّ الأرش لازم لرقبة الجاني بدون القبض، والرَّهن لا يلزم أو لا يصحُّ بدون القبض.
وذكر الأصحاب صوراً يعود فيها الرَّهن بعود الملك:
منها: لو سبى الكفَّار العبد المرهون، ثمَّ استُنقِذ منهم؛ عاد رهناً بحاله، نصَّ عليه أحمد.
стр. 249
ومنها: لو تخمَّر العصير المرتهن ثم تخلَّل؛ فإنَّه يعود رهناً كما كان.
وكذلك يعود الرَّهن بعد زواله وإن كان ملك الرَّاهن باقياً عليه في مواضع:
منها: لو صالحه من دين الرَّهن على ما يشترط قبضه في المجلس؛ صحَّ الصُّلح، وبرئت ذمَّته من الدَّين، وزال الرَّهنُ، فإن تفرَّقا قبل القبض؛ بطل الصُّلح، وعاد الدَّين والرَّهن بحاله.
ومنها: ما قاله أبو بكر: إنَّه إن أعاد الرَّهن إلى الرَّاهن؛ بطل (١) الرَّهن، فإن عاد إليه عاد رهناً كما كان.
وفي كلام أحمد نحوه، وتأوَّله القاضي وابن عقيل على أنَّه بطل لزومُه؛ لأنَّه لو بطل بالكليَّة لم يعد بدون عقد، وهذا باطل بمسألة الصُّلح، وقد وافقا عليها، والظَّاهر أنَّ الرَّهن لا يبطل بعد لزومه بدون رضى المرتهن.
ومن صور هذا (٢) النَّوع: المكاتب؛ فإنَّ الكتابة عقدٌ لازمٌ ثابتٌ في الرَّقبة؛ فلا يسقط بانتقال الملك فيه.
ومنها: الأضحية المعيَّنة (٣)، فإنَّ الحقَّ ثابتٌ في رقبتها لا يزول
стр. 250
بدون اختيار المالك (١)، فإذا تعيَّبت؛ خرجت عن كونها أضحية، فإذا زال العيب؛ عادت أضحية كما كانت، ذكره ابن عقيل في «عُمَدِه».
ومنها: التَّدبير على إحدى الرِّوايتين.
ومنها: رجوع الزَّوج في نصف الصَّداق بعد الفرقة؛ فإنَّه يستحقُّه؛ سواء كان قد زال ملك الزَّوجة عنه ثمَّ عاد أو لم يَزُل؛ لأنَّ حقَّه يتعلَّق (٢) بعينه.
ومنها: عُروض التِّجارة إذا خرجت عن ملكه بغير اختياره، ثمَّ عادت؛ فإنَّه لا ينقطع الحول بذلك، كما إذا تخمَّر العصير ثمَّ تخلَّل، ذكره ابن عقيل وغيره.
ومنها: صفة الطَّلاق تعود بعَوْدِ النِّكاح، وسواء وجدت في زمن البينونة أو لم توجد على المذهب الصَّحيح.
ومنها: صفة العتق تعود بعود ملك الرَّقيق في أشهر الرِّوايتين.
وفي الأخرى: لا تعود إذا وجدت الصِّفة بعد زوال الملك.
وفرَّق القاضي بين الطَّلاق والعتاق: بأنَّ ملك الرَّقيق لا ينبني فيه أحد الملكين على الآخر (٣)، بخلاف النِّكاح؛ فإنَّه يبنى فيه أحد