← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال القاضي: هو صريح بقرينة ذكر الصَّداق، فإنَّ الصَّريح قد يكون مجازاً إذا اشتهر وتبادر فهمه؛ ولو مع القرينة، وفسَّره القاضي بأنَّه الظَّاهر، ولا يشترط أن يكون نصًّا. وكلام أحمد صريح في أنَّ هذا اللَّفظ كنايةٌ؛ فإنَّه قال في رواية صالح: إذا قال: أجعل عتقك صداقك، أو قال: صداقك عتقك؛ كلُّ ذلك جائز، إذا كانت له نيَّةٌ فنيَّته (١) (٢). فصرَّح باعتبار النِّية له، وتأوَّله القاضي بتأويل بعيد جدًّا. وكذلك نصَّ أحمد (٣) على ما إذا قال الخاطب للوليِّ: أزوَّجْتَ وليَّتك؟ فقال: نعم، وقال للمتزوِّج: أَقَبِلْتَ؟ قال: نعم، أنَّ النِّكاح ينعقد به، وذكره الخرقيُّ. و (نعم) ههنا: كنايةٌ؛ لأنَّ التَّقدير: نعم زوَّجتُ، ونعم قبلتُ، وأكثر ما يقال: إنها صريحة في الإعلام بحصول الإنشاء؛ فالإنشاء إنَّما استفيد منها، وليس فيها من ألفاظ صرائح الإنشاء شيء؛ فيكون كناية عن لفظ النِّكاح وقبوله.

стр. 247

قاعدة [٤٠] الأحكام المتعلِّقة بالأعيان بالنِّسبة إلى تبدُّل الأملاك واختلافها عليها نوعان: أحدهما: ما يتعلَّق الحكم فيه بملك واحد، فإذا زال ذلك الملك؛ سقط الحكم، وصور ذلك كثيرة: منها: الإجارة، فمن استأجر شيئاً مدَّة، فزال ملك صاحبه عنه بتملُّك قهريٍّ (١) يشمل العين والمنفعة، ثمَّ عاد إلى ملك المؤجر والمدَّة باقية؛ لم تعد الإجارة، هذا هو الظَّاهر؛ لأنَّ ملك المستأجر زال عن المنافع، وثبت له الرُّجوع على المالك بقسطه من الأجرة، فإذا استوفاه منه؛ لم يبقَ له حقٌّ، فتعود العين بمنافعها ملكاً للمؤجر. أمَّا إن لم يستوفِ شيئاً؛ فقد سبق نظائرها في قاعدة: من تعذَّر عليه الأصل واستقرَّ حقُّه في البدل، ثمَّ وجد الأصل (٢)؛ فيحتمل وجهين، والأظهر هنا عدم استحقاق المنافع؛ لأنَّ حقَّه سقط منها وانتقل إلى بدلها.

стр. 248

ومنها: الإعارة، فلو أعاره شيئاً، ثمَّ زال ملكه عنه، ثمَّ عاد؛ لم تعد الإعارة. ومنها: الوصيَّة تبطل بإزالة الملك، ولا تعود (١) بعوده. ومنها: الهبة قبل القبض وسائر العقود الجائزة كالوكالة وغيرها. ومنها: لو أذن السَّيِّد لعبده في النِّكاح، فتزوَّج ثمَّ طلَّق، فإن كان الطَّلاق رجعيًّا؛ فله الرَّجعة بدون إذن السَّيِّد، ذكره القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب؛ لأنَّ الملك قائم بعدُ، وإن كان بائناً لم يملك إعادتها بدون إذن (٢)؛ لأنَّه تجديد ملكٍ، والإذن مطلقٌ؛ فلا يتناوَل أكثر من مرَّة. النَّوع الثَّاني: ما يتعلَّق الحكم فيه بنفس العين من حيث هي تعلَّقاً لازماً؛ فلا يختصُّ تعلُّقه بملك دون ملك، وله صور: منها: الرَّهن، فإذا رهن عيناً رهناً لازماً، ثمَّ زال ملكه عنها بغير اختياره، ثمَّ عاد؛ فالرَّهن باق بحاله؛ لأنَّه وثيقة لازمة للعين، فلا تنفكُّ بتبدُّل الأملاك؛ كأرش الجناية؛ غير أنَّ الأرش لازم لرقبة الجاني بدون القبض، والرَّهن لا يلزم أو لا يصحُّ بدون القبض. وذكر الأصحاب صوراً يعود فيها الرَّهن بعود الملك: منها: لو سبى الكفَّار العبد المرهون، ثمَّ استُنقِذ منهم؛ عاد رهناً بحاله، نصَّ عليه أحمد.

стр. 249

ومنها: لو تخمَّر العصير المرتهن ثم تخلَّل؛ فإنَّه يعود رهناً كما كان. وكذلك يعود الرَّهن بعد زواله وإن كان ملك الرَّاهن باقياً عليه في مواضع: منها: لو صالحه من دين الرَّهن على ما يشترط قبضه في المجلس؛ صحَّ الصُّلح، وبرئت ذمَّته من الدَّين، وزال الرَّهنُ، فإن تفرَّقا قبل القبض؛ بطل الصُّلح، وعاد الدَّين والرَّهن بحاله. ومنها: ما قاله أبو بكر: إنَّه إن أعاد الرَّهن إلى الرَّاهن؛ بطل (١) الرَّهن، فإن عاد إليه عاد رهناً كما كان. وفي كلام أحمد نحوه، وتأوَّله القاضي وابن عقيل على أنَّه بطل لزومُه؛ لأنَّه لو بطل بالكليَّة لم يعد بدون عقد، وهذا باطل بمسألة الصُّلح، وقد وافقا عليها، والظَّاهر أنَّ الرَّهن لا يبطل بعد لزومه بدون رضى المرتهن. ومن صور هذا (٢) النَّوع: المكاتب؛ فإنَّ الكتابة عقدٌ لازمٌ ثابتٌ في الرَّقبة؛ فلا يسقط بانتقال الملك فيه. ومنها: الأضحية المعيَّنة (٣)، فإنَّ الحقَّ ثابتٌ في رقبتها لا يزول

стр. 250

بدون اختيار المالك (١)، فإذا تعيَّبت؛ خرجت عن كونها أضحية، فإذا زال العيب؛ عادت أضحية كما كانت، ذكره ابن عقيل في «عُمَدِه». ومنها: التَّدبير على إحدى الرِّوايتين. ومنها: رجوع الزَّوج في نصف الصَّداق بعد الفرقة؛ فإنَّه يستحقُّه؛ سواء كان قد زال ملك الزَّوجة عنه ثمَّ عاد أو لم يَزُل؛ لأنَّ حقَّه يتعلَّق (٢) بعينه. ومنها: عُروض التِّجارة إذا خرجت عن ملكه بغير اختياره، ثمَّ عادت؛ فإنَّه لا ينقطع الحول بذلك، كما إذا تخمَّر العصير ثمَّ تخلَّل، ذكره ابن عقيل وغيره. ومنها: صفة الطَّلاق تعود بعَوْدِ النِّكاح، وسواء وجدت في زمن البينونة أو لم توجد على المذهب الصَّحيح. ومنها: صفة العتق تعود بعود ملك الرَّقيق في أشهر الرِّوايتين. وفي الأخرى: لا تعود إذا وجدت الصِّفة بعد زوال الملك. وفرَّق القاضي بين الطَّلاق والعتاق: بأنَّ ملك الرَّقيق لا ينبني فيه أحد الملكين على الآخر (٣)، بخلاف النِّكاح؛ فإنَّه يبنى فيه أحد

стр. 251

الملكين على الآخر في عدد الطَّلقات على الصَّحيح. وهذا التَّفريق لا أثر له؛ إذ لو كان معتبراً لم يشترط لعدم الحنث وجود الصِّفة في غير الملك. ومنها: الرَّدُّ بالعيب لا يمتنع بزوال الملك إذا لم يدلَّ على الرِّضى. وههنا صور مختلف في إلحاقها بأحد النَّوعين، وهي محتملة (١): فمنها: رجوع الأب فيما وهبه لولده إذا أخرجه الابن عن ملكه ثمَّ عاد إليه؛ فهل يسقط حقُّه من الرُّجوع أم لا؟ ومنها: رجوع غريم المفلس في السِّلعة الَّتي وجدها بعينها، وكان المفلس قد أخرجها عن ملكه ثمَّ عادت إليه. وفي المسألتين ثلاثة أوجه: أحدها: لا حقَّ لهما فيها؛ لأنَّ حقَّهما يتعلّق (٢) بالعقد الأوَّل المتلقَّى عنهما، والثَّاني غير متلقًّى عنهما، فلا يستحقَّان فيه رجوعاً (٣).

стр. 252

والثَّاني (١): لهما الرُّجوع؛ نظراً إلى أنَّ حقَّهما ثابت في العين، وهي موجودة؛ فأشبه الرَّدَّ بالعيب. والثَّالث (٢): إن عاد بملك جديد سقط حقُّهما، وإن عاد بفسخ العقد (٣) فلهما الرُّجوع؛ لأنَّ الملك العائد بالفسخ تابعٌ للملك الأوَّل؛ فإنَّ الفسخ رفع للعقد الحادث (٤)؛ فيعود الملك كما كان. ومنها: الفراش، فإذا وطئ أمة له، ثمَّ باعها ووطئ أختها بالملك (٥)، ثمَّ عادت الأولى إلى ملكه؛ فهل يعود الفراش أم لا؟ على وجهين: أشهرهما: أنَّه يعود، وهو المنصوص؛ فيجب عليه اجتنابهما؛ حتَّى يحرِّم إحداهما. والثَّاني: له استدامة استفراش الثَّانية ويجتنب الرَّاجعة؛ لزوال الفراش فيها بزوال الملك، وهو اختيار صاحب «المحرَّر».

стр. 253

قاعدة [٤١] إذا تعلَّق بعينٍ حقٌّ تعلُّقاً لازماً، فأتلفها من يلزمه الضَّمان ؛ فهل يعود الحقُّ إلى البدل المأخوذ من غير عقد آخر؟ فيه خلاف. ويتخرَّج على ذلك مسائل: منها: لو أتلف الرَّهنَ متلِفٌ، وأُخذت قيمته؛ فظاهر كلامهم: أنَّها تكون رهناً بمجرَّد الأخذ. وفرَّع القاضي على ذلك: أنَّ الوكيل في بيع المتلف (١) يملك بيع البدل المأخوذ بغير إذن جديد. وخالفه صاحبا «الكافي» و «التَّلخيص»، وظاهر كلام أبي الخطَّاب في «الانتصار» في مسألة إبدال الأضحية: أنَّه لا يصير رهناً إلَّا بجعل الرَّاهن. ومنها: الوقف إذا أتلفه متلِفٌ، وأخذت قيمته فاشترى بها بدله؛ فهل يصير وقفاً بدون إنشاء الوقف عليه من النَّاظر؟ حكى بعض الأصحاب في ذلك وجهين. ومنها: إذا أتلف الأضحيةَ متلِفٌ، وأخذت منه القيمة أو باعها من

стр. 254

أوجبها، ثمَّ اشترى بالثَّمن أو بالقيمة مثلها؛ فهل تصير متعيِّنة (١) بمجرَّد الشِّراء؟ يتخرَّج على الوجهين. ومنها: الموصى له بعين إذا أتلفها متلفٌ بعد الموت وقبل القبول؛ فحقُّه باق في بدلها.

стр. 255

قاعدة [٤٢] في أداء الواجبات الماليَّة. وهي منقسمة إلى دين وعين: فأمَّا الدَّين؛ فلا يجب أداؤه بدون مطالبة المستحِقِّ إذا كان آدميًّا، حتَّى ذكر ابن عقيل في جواز السَّفر قبل المطالبة وجهين. وهذا ما لم يكن قد عيَّن له وقتاً للوفاء. فأمَّا إن عيَّن وقتاً كيوم كذا؛ فلا ينبغي أن يجوز تأخيره عنه؛ لأنَّه لا فائدة للتَّوقيت إلَّا وجوب الوفاء فيه بدون مطالبته، فإنَّ تعيين الوفاء فيه أولًّا كالمطالبة به. وأمَّا إن كان الدَّين لله ؛ فالمذهب: أنَّه يجب أداؤه على الفور؛ لتوجُّه الأمر بأدائه من الله ، ودخل في ذلك الزَّكاة والكفَّارات والنُّذور، وقد نصَّ أحمد على إجبار المظاهِر على الكفَّارة في رواية ابن هانئ (١) (٢).

стр. 256

وأمَّا العين؛ فأنواع: منها: الأمانات الَّتي حصلت في يد المؤتمن برضى صاحبها؛ فلا يجب أداؤها إلَّا بعد المطالبة منه، ودخل في ذلك الوديعة، وكذلك أموال الشَّركة والمضاربة والوكالة مع بقاء عقودها. ومنها: الأمانات الحاصلة في يده بدون رضى أصحابها؛ فيجب المبادرة إلى ردِّها مع العلم بمستحِقِّها والتَّمكُّن منه، ولا يجوز التَّأخير مع القدرة، ودخل في ذلك اللُّقَطَةُ إذا علم صاحبها، والوديعة والمضاربة والرَّهن ونحوها إذا مات المؤتمن وانتقلت إلى وارثه؛ فإنَّه لا يجوز الإمساك بدون إذنٍ؛ لأنَّ المالك لم يرضَ به. وكذلك من أطارت الرِّيح إلى داره ثوباً لغيره، لا يجوز له الإمساك مع العلم بصاحبه. ثمَّ إنَّ كثيراً من الأصحاب قالوا ههنا: الواجب الرَّدُّ. وصرَّح كثير منهم بأنَّ الواجب أحد شيئين: إمَّا الرَّدُّ، أو الإعلام، كما في «المغني» و «المحرَّر» و «المستوعب» ونحوه ذكر ابن عقيل، وهو مراد غيرهم؛ لأنَّ مؤنة الرَّدِّ لا تجب عليه، وإنَّما الواجب التَّمكين من الأخذ.

стр. 257

ثمَّ إنَّ الثَّوب هل يحصل في يده بسقوطه في داره من غير إمساك له أم لا؟ قال القاضي: لا يحصل في يده بذلك. وخالف ابن عقيل، والخلاف هنا منزَّل على الخلاف فيما حلَّ في أرضه من المباحات؛ هل يملكها بذلك أم لا (١)؟ وكذلك حكم الأمانات إذا فسخها المالك؛ كالوديعة، والوكالة، والشركة، والمضاربة؛ يجب الرَّدُّ على الفور؛ لزوال الائتمان، صرَّح به القاضي في «خلافه»، وسواء كان الفسخ في حضرة الأمين أو غيبته. وظاهر كلامه: أنَّه يجب فعل الرَّدِّ، فإنَّ العلم هنا حاصل للمالك. وكذلك جعل ضمان الزَّكاة مبنيًّا على حصولِها في يده بغير رضى المستحِقِّ، وأوجب عليه البداءة بالدَّفع، وقاسها على اللُّقَطَة ونحوها؛ فدلَّ على أنَّ فعل الدَّافع في هذه الأعيان عنده واجب. وعلى قياس ذلك: الرَّهن بعد استيفاء الدَّين، والعين المؤجرة بعد انقضاء المدَّة. وذكر طائفة من الأصحاب في العين المؤجَّرة: أنَّه لا يجب على المستأجر فعل الرَّدِّ، ومنهم من ذكر في الرَّهن كذلك، وسيأتي في القاعدة الَّتي تليها. وأمَّا الأعيان المملوكة بالعقود قبل تقبيضها؛ فالأظهر أنَّها من هذا القبيل؛ لأنَّ المالك لم يرضَ بإبقائها في يد الآخر؛ فيجب التَّمكين من الأخذ ابتداءً؛ بدليل أنَّه لا يجوز عندنا حبس المبيع على الثَّمن.

стр. 258

وذكر ابن عقيل في الصَّداق: أنَّه إذا تلف (١) قبل المطالبة أو بعدها وقبل التَّمكُّن (٢) من الأداء؛ أنَّه لا يضمن؛ كسائر الأمانات، وقاسه على من أطارت الرِّيح إلى داره ثوباً. وهذا الكلام فيه نظرٌ؛ فإنَّ الثَّوب لا يقف ضمانُه على المطالبة، لكنَّ مراده - والله أعلم -: أنَّ العلم (٣) يكفي، فمتى كان المالك عالماً ولم يطلب فلا ضمان إذا لم تكن مؤنة الرَّدِّ واجبة على من هو عنده، وهذا حسن. ومنها: الأعيان المضمونة؛ فيجب المبادرة إلى الرَّدِّ بكلِّ حال، وسواء كان حصولها في يده بفعل مباح أو محظور أو بغير فعله. فالأوَّل: كالعواري، يجب ردُّها إذا استوفى منها الغرض المستعار له، قاله الأصحاب. وهذا إذا انتهى قدر الانتفاع المأذون فيه؛ متوجِّه، وسواء طالب المالك أو لم يطالب؛ لأنَّها من قبيل المضمونات؛ فهي شبيهة بالغُصُوبِ. وكذا حكم المقبوض للسَّوم. ويستثنى من ذلك: المبيع المضمون على بائعه؛ فلا يجب عليه

стр. 259

سوى تمييزه وتمكين المشتري من قبضه؛ لأنَّ نقله على المشتري دون البائع. والثَّاني: كالغصوب (١)، والمقبوض بعقد فاسد، ونحوهما. والثَّالث: كالزَّكاة إذا قلنا: تجب في العين (٢)؛ فتجب المبادرة إلى الدَّفع إلى المستحِقِّ مع القدرة عليه من غير ضرر؛ لأنَّها من قبيل المضمونات عندنا. وكذلك الصَّيد إذا أحرم وهو في يده، أو حصل في يده بعد الإحرام بغير فعل منه (٣).

стр. 260

قاعدة [٤٣] فيما يُضمَن من الأعيان بالعقد أو باليد . القابض لمال غيره لا يخلو؛ إمَّا أن يقبضه بإذنه أو بغير إذنه: فإن قبضه بغير إذنه؛ فإن استند إلى إذن شرعي؛ كاللُّقَطَة؛ لم يضمن، وكذا إن استند إلى إذن عرفيٍّ؛ كالمنقذ لمال غيره من التَّلف ونحوه، وحكى في «التَّلخيص» وجهاً بضمان هذا، وفيه بُعْد. ونصَّ أحمد على أنَّ من أخذ عبداً آبقاً ليردَّه، فَأَبَق منه؛ فلا ضمان عليه (١)، لكن قد يقال: هنا إذن شرعيٌّ في أخذ الآبق ليردَّه (٢). وإن خلا عن ذلك كلِّه (٣)؛ فهو متعدٍّ، وعليه الضَّمان في الجملة.

стр. 261

هذا إذا كان أصل القبض غير مستندٍ إلى إذن، أمَّا إن وجد استدامةُ قبض من غير إذن في الاستدامة؛ فها هنا ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون عَقَد على ملكه عقداً لازماً ينقل الملك فيه (١)، ولم يقبضه المالك بعدُ، فإن كان ممتنعاً من تسليمه؛ فهو غاصب، إلَّا حيث يجوز الامتناع من التَّسليم؛ لتسليم العوض على وجهٍ، أو لكونه رهناً عنده، أو لاستثنائه منفعته مدَّة. وأمَّا إن لم يكن ممتنعاً من التَّسليم، بل باذلاً له؛ فلا ضمان عليه على ظاهر المذهب، إلَّا أن يكون المعقود عليه مبهماً لم يتعيَّن بعد؛ كقفيز من صُبْرَة، فإنَّ عليه ضمانه في الجملة. وبماذا يخرج من ضمانه؟ قال الخرقيُّ والأصحاب: لا يزول ضمانه بدون قبض المشتري. وهل يحصل القبض بمجرَّد التَّخلية مع التَّمييز، أو لا يحصل بدون النَّقل فيما ينقل؟ على روايتين.

стр. 262

فإن اعتبرنا النَّقل (١)؛ امتدَّ الضَّمان إليه. وهل يسقط بتفريط المشتري في النَّقل؟ على وجهين: أشهرهما: أنَّه يسقط به. والثَّاني: لا يسقط حتَّى يوجد النَّقل بكلِّ حال، وذكر القاضي في «خلافه» في مسألة الجوائح أنَّه ظاهر كلام أحمد، وفيه بُعدٌ، ثمَّ وجدته منصوصاً صريحاً عن أحمد في الثَّمرة المشتراة قبل بدوِّ (٢) صلاحها بشرط القطع (٣) إذا أخَّره (٤) المشتري حتَّى تلفت بجائحة قبل صلاحها: أنَّها من ضمان البائع؛ معلِّلاً بأنَّها في ملك البائع وفي نخله، نقله عنه الحسن بن ثواب (٥). وإن اعتبرنا التَّخلية (٦) مع التَّمييز (٧) - وهو الصَّحيح -؛ فلأنَّه

стр. 263

يحصل بها التَّمكين (١) من القبض، ولهذا ينتقل الضَّمان في بيع الأعيان المتميِّزة بمجرَّد العقد على المذهب؛ لحصول التَّمكين (٢) من القبض. ولعلَّ اشتراط النَّقل إنَّما يخرَّج على الرِّواية الأخرى، وهي ضمان جميع الأعيان قبل القبض، فلا ينتقل الضَّمان هنا إلَّا بحقيقة القبض دون التَّمكين (٣) منه. والأوَّل أظهر؛ لأنَّ الَّذي يجب على البائع: التَّمييز والتَّخلية، وهو التَّسليم، وأمَّا (٤) النَّقل؛ فواجب على المشتري؛ لأنَّ فيه تفريغاً لملك (٥) البائع من ماله، فيكون بتركه مفرِّطاً، فينتقل الضَّمان إليه. ويشهد له: شراء (٦) الثَّمر في رؤوس النَّخل، فإنَّ الضَّمان ينتقل فيه بمجرَّد انتهاء الثَّمر إلى أوان أخذه وصلاحيته له، سواء (٧) قطعه المشتري أو لم يقطعه على الصَّحيح. ولكن هل يعتبر لانتقال الضَّمان (٨) التَّمكُّن من القطع أو لا (٩)؟

стр. 264

خرَّجها ابن عقيل على وجهين من الزَّكاة (١)، ورجَّح عدم اعتبار التَّمكُّن (٢). والَّذي عليه القاضي والأكثرون: اعتبار التَّمكُّن من النَّقل في جميع الأعيان؛ فلا يزال في ضمان البائع حتَّى يحصل تمكُّن المشتري من النَّقل. وصرَّح ابن عقيل بخلاف ذلك، وأنَّه يضمن الأعيان المتميزة بمجرَّد العقد، سواء تمكَّن من القبض أو لم يتمكَّن، كما قال في مسألة الجوائح. وكذلك حكم المملوك (٣) بصلح أو خلع أو صداق. القسم الثَّاني: أن يعقد عليه (٤) عقداً، وينقله إلى يد المعقود له، ثمَّ ينتهي العقد أو ينفسخ، وهو نوعان: أحدهما: أن يكون عقد معاوضة؛ كالبيع إذا انفسخ - بعد قبضه - بعيب أو خيار، والعين المستأجرة إذا انتهت المدَّة، أو العين الَّتي أصدقها المرأة وأقبضها، ثمَّ طلقها قبل الدُّخول.

стр. 265

والثَّاني: أن يكون فيما يضمن من الأعيان بالعقد أو باليد (١) غير معاوضة؛ كعقد الرَّهن إذا وفَّى الدَّين، وكعقد الشَّركة والمضاربة والوديعة والوكالة إذا فُسخ العقد والمال في أيديهم. فأمَّا عقود المعاوضات؛ فيتوجَّه فيها للأصحاب وجوه: أحدها: أنَّ حكم الضَّمان بعد زوال العقد حكم ضمان المالك الأوَّل قبل التَّسليم، فإن كان مضموناً عليه؛ كان بعد انتهاء العقد مضموناً له، وإلَّا فلا، وهي طريقة أبي الخطَّاب وصاحب «الكافي» في آخرين (٢)؛ اعتباراً لأحد الضَّمانين بالآخر. فعلى هذا: إن كان (٣) عوضاً في بيع أو نكاح وكان متميِّزاً؛ لم يضمن على الصَّحيح، وإن كان غير متميِّز؛ ضمن (٤)، وإن كان في

стр. 266

إجارة؛ ضمنه بكلِّ حال (١). والوجه الثَّاني: إن كان انتهاء العقد بسبب يستقلُّ به من هو في يده؛ كفسخ المشتري، أو يشارك فيه الآخر؛ كالفسخ منهما (٢)؛ فهو ضامن له؛ لأنَّه تسبَّب إلى جعل ملك غيره في يده (٣). وإن استقلَّ به الآخر؛ كفسخ البائع وطلاق الزَّوج؛ فلا ضمان؛ لأنَّه حصل في يد هذا بغير سبب منه ولا عدوان، فهو كما لو ألقى ثوبه في داره بغير أمره. وهذا الوجه ظاهرُ ما ذكره صاحب «المغني» في مسألة الصَّداق.

стр. 267

وعلى هذا: فيتوجَّه (١) ضمان العين المؤجرة (٢) بعد انتهاء المدَّة؛ لأنَّه تسبَّب إلى رفع العقد مع المؤجر، ووجهه: أنَّ الإذن في القبض إنَّما كان لازماً؛ لوجوب الدَّفع للملك، ولهذا يملك المشتري والمستأجر أخذه بدون إذنه، فبعد زوال الملك لا يوجد إذن سابق ولا لاحق، ولو قُدِّر وجود الإذن في القبض؛ فإنَّما أذن في قبض ما ملك عليه؛ فلا يكون إذناً في قبض ملكه هو. والوجه الثَّالث: حكم الضَّمان بعد الفسخ حكم ما قبله، فإن كان مضموناً؛ فهو مضمون، وإلَّا فلا، فيكون البيع بعد فسخه مضموناً (٣)؛ لأنَّه كان مضموناً على المشتري بحكم العقد، فلا يزول الضَّمان بالفسخ، صرَّح بذلك القاضي في «خلافه». ومقتضى هذا: ضمان الصَّداق على المرأة، وهذا (٤) ظاهر كلام صاحب «المحرَّر»، وأنَّه لا ضمان في الإجارة؛ لأنَّ العين لم تكن (٥) مضمونة من قبل، وصرَّح القاضي وغيره بذلك. ويوجَّه: بأنَّ المبيع والصَّداق إنَّما أقبضه (٦) لانتقال ملكه عنه،

стр. 268

بخلاف العين المستأجرة، فإنَّه أقبضها مع علمه بأنَّها ملكه، فكان إذناً في قبض ملكه، بخلاف الأوَّل؛ حتَّى قال القاضي وأبو الخطَّاب: لو عجَّل أجرتَها، ثمَّ انفسخت قبل انتهاءِ المدَّة؛ فله حبسها حتَّى يستوفي الأجرة، ولا يكون ضامناً. والوجه الرَّابع: أنَّه لا ضمان في الجميع، ويكون المبيع بعد فسخه أمانة محضة، صرَّح بذلك أبو الخطاب في «الانتصار»؛ لأنَّه حصل تحت يده ملك غيره بغير عدوان، فلم يضمنه؛ كما لو أطارت الرِّيح إليه ثوباً، وكذلك اختاره القاضي في «المجرد»، وابن عقيل في الصَّداق بعد الطَّلاق. والوجه الخامس: التَّفريق بين أن ينتهي العقد أو يطلِّق الزَّوج، وبين أن ينفسخ العقد. ففي الأوَّل: يكون أمانة محضة؛ لأنَّ حكم الملك ارتفع وعاد ملكًا للأوَّل، وفي الفسخ يكون مضموناً؛ لأنَّ الفسخ يرفع حكم العقد بالكليَّة؛ فيصير مقبوضاً بغير عقد، أو على وجه السَّوم في صورة البيع، وممَّن صرَّح بذلك الأزجيُّ في «النِّهاية» وصاحب «التَّلخيص»، وهو ظاهر كلام ابن عقيل في مسائل الرَّدِّ بالعيب، وصرَّح بأنَّه يضمن نقصه فيما قبل الفسخ وبعده بالقيمة؛ لارتفاع العقد (١)، ومصيرِه مقبوضاً على وجه السَّوم. ونقل الأثرم عن أحمد فيمن دفع إلى آخر ديناراً من شيء كان له

стр. 269

عليه، فخرج فيه نقص، فقال للدَّافع: خذه وأعطني غيره، فقال: أمسكه معك حتَّى أبدله لك، فضاع الدِّينار، قال (١): ما أعلم عليه شيئاً، إنَّما هو السَّاعة مؤتمن. فيحتمل أنْ يكون مرادُه: أنَّ المفسوخ بعيب بعد فسخه أمانة. ويحتمل - وهو أظهر -: أن يكون (٢) جعله أمانة لأمر المعطي بإمساكه (٣) له، فهو كإيداعه منه. والنَّوع الثَّاني: عقود الأمانات (٤)؛ كالوكالة والوديعة والشَّركة والمضاربة والرَّهن، إذا انتهت أو انفسخت (٥)، والهبة إذا رجع فيها الأب، أو قيل بجواز فسخها مطلقاً (٦) كما أفتى به الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٧)؛ ففيها وجهان:

стр. 270

أحدهما: أنَّها غير مضمونة (١)، صرَّح به القاضي وابن عقيل في الرَّهن، وأنَّه لا يجب ردُّه إلى صاحبه؛ استصحاباً للإذن السَّابق والائتمان، كما صرَّحوا به في الإجارة، وكذلك صرَّح به القاضي وأبو الخطَّاب في «خلافهما» في بقيَّة العقود المسمَّاة: أنَّها (٢) تبقى أمانة؛ كما لو أطارت الرِّيح إلى داره ثوباً. وهذا يحتمل أنَّه مع علم المالك بالحال لا يجب الدَّفع؛ لأنَّ الواجب التَّمكين (٣) منه لا حمله إليه كما تقدَّم. والفرق بين عقود الأمانات المحضة والمعاوضات: أنَّ المعاوضات تُضمن بالعقد وبالقبض، فإذا كان عقدها مضمَّناً؛ كان فسخها كذلك، وعقود الأمانات لا تضمن بالعقد، فكذلك بالفسخ. والوجه الثَّاني: أنَّه يصير مضموناً إن لم يبادر إلى الدَّفع إلى المالك؛ كمن أطارت الرِّيح إلى داره ثوباً، وصرَّح به القاضي في موضع آخر من «خلافه» في الوديعة والوكالة. وكلام القاضي وابن عقيل يشعر بالفرق بين الرَّهن والوديعة؛ فإنَّهما علَّلا كون الرَّهن أمانة: بأنَّه أمانة ووثيقة، فإذا زالت الوثيقة؛ بقيت الأمانة، كما لو كان عنده وديعة فأذن له في بيعها ثمَّ نهاه. وهذا التَّعليل مقتضاه: الفرق بين الوديعة، وبين الشَّركة والمضاربة

стр. 271

والوكالة؛ لأنَّ هذه العقودَ كلَّها مشتملةٌ على ائتمان وتصرُّف (١)، فإذا زال التَّصرُّف بقي الائتمان، بخلاف الوديعة، فإنَّه ليس فيها غير ائتمان مجرَّد (٢)، فإذا زال (٣) صار ضامناً، وحكم الغصوب إذا أبرأ المالك الغاصب من ضمانها كما ذكرنا. القسم الثَّالث: أن يحصل في يده بغير فعله (٤)؛ كمن مات مَورُوثه وعنده وديعة أو شركة أو مضاربة، فانتقلت إلى يده؛ فلا يجوز له الإمساك بدون إعلام المالك كما سبق؛ لأنَّ المالك لم يأتمنه، وقد نصَّ أحمد في رواية ابن هانئ في الرَّهن: أنَّه لا يقرُّ في يد الوصي (٥) حتَّى يقرَّه الحاكم في يده (٦). فإن تلف تحت يده قبل التَّمكُّن من الأداء؛ فلا ضمان؛ لعدم التفريط، وكما لو تلفت اللُّقطة قبل ظهور المالك.

стр. 272

ويتخرَّج بترك الرد وجه آخر (١) بالضَّمان؛ كما خرَّجه ابن عقيل في البيع. وإن تلفت بعده؛ فالمشهور الضمان (٢)؛ لتعدِّيه بترك الرَّدِّ مع إمكانه، وهو غير مؤتمن. وحكى صاحب «المقنع» وجهاً آخر، وأشار إليه صاحب «التَّلخيص»: أنَّه لا ضمان، ويكون أمانة عنده؛ كما لو انقضت مدَّة الإجارة ثمَّ تلفت العين عند المستأجر. وبينهما فرق؛ فإنَّ المستأجر مستصحب للإذن له في القبض، بخلاف هذا. وكذلك حكم من أطارت الرِّيح إلى بيته ثوباً كما سبق، وفي كلام ابن عقيل وأبي الخطاب في الثوب: لا يجب دفعه بدون علم ومطالبة (٣). ووقع في بعض كلام القاضي: أنَّها أمانة عنده. ولعلَّ مراده: مع علم المالك وإمساكه عن المطالبة؛ فيكون تقريراً (٤).

стр. 273

ولو دخل حيوان لغيره أو عبد له إلى داره؛ فعليه أن يخرجه ليذهب كما جاء؛ لأنَّ يده لم تثبت عليهما، بخلاف الثَّوب، ذكره ابن عقيل. فصل وأمَّا ما قبض من مالكه بعقد لا يحصل به الملك؛ فثلاثة أقسام: أحدها: ما قبضه آخِذُه لمصلحة نفسه؛ كالعارية؛ فهو مضمون في ظاهر المذهب، قالوا: لأنَّ الإذن إنَّما يتعلَّق (١) بالانتفاع، وقبض العين وقع من حيث اللُّزوم (٢)، فهو كقبض المضطرِّ مال غيره لإحياء نفسه؛ لا يسقط عنه الضَّمان؛ لأنَّ إذن الشَّرع تعلَّق بإحياء نفسه، وجاء الإذن في الإتلاف من باب اللزوم. ولو وهبه شِقصاً من عين، ثمَّ أقبضه العين كلَّها: ففي «المجرَّد» و «الفصول»: يكون نصيب الشَّريك وديعة عنده. واستدرك ذلك ابن عقيل في «فنونه»، وقال: بل هو عارية؛ حيث قبضه لينتفع به بلا عوض. وهذا صحيح إن كان أذن له في الانتفاع به مجَّاناً، أمَّا إن طلب منه أجرة؛ فهي إجارة، وإن لم يأذن له في الانتفاع بل في الحفظ؛ فوديعة (٣).

стр. 274

ولو قال أحد الشَّريكين للعبد المشترك: أنت حبيس (١) على آخرنا موتاً؛ لم يَعتق بموت الأوَّل منهما، ويكون في يد الباقي (٢) عارية، فإذا مات عَتَق، ذكره القاضي في «المجرَّد». القسم الثَّاني: ما أخذه لمصلحة مالكه خاصَّة؛ كالمودَع؛ فهو أمين محض، لكن إذا تلفت الوديعة من بين ماله؛ ففي ضمانه خلافٌ: فمن الأصحاب من يَبْنيه على أنَّ قوله هل يقبل في ذلك أم لا. ومنهم من يقول: تلفها من بين ماله أمارةٌ على تفريطه فيها. وقد فرَّق أحمد بين العارية والوديعة: بأنَّ اليد في العارية آخذة وفي الوديعة معطاة، وهو يرجع إلى تعيين جهة المصلحة فيهما. وكذلك الوصيُّ والوكيل بغير جُعل، حتَّى لو كان له (٣) دين ولآخر عليه دين، فوكَّله في قبض مال له، وأذن له أن يستوفي حقَّه منه، فتلف المال قبل استيفائه (٤)؛ فإنَّه لا يضمنه، نصَّ عليه أحمد في رواية مثنى الأنباريِّ. والقسم الثَّالث: ما قبضه لمنفعة تعود إليهما، وهو نوعان: أحدهما: ما أخذه على وجه الملك فتبين فساده، أو على وجه السَّوم.

стр. 275

فأمَّا الأوَّل: فهو المقبوض بعقد فاسد، وهو مضمون في المذهب؛ لأنَّه قبضه على وجه الضَّمان ولا بدَّ. ونقل ابن مُشَيش (١) وحرب عن أحمد ما يدلُّ على أنَّه غير مضمون؛ كالمقبوض على السَّوم (٢). وكذلك صرَّح بجريان الخلاف فيه (٣) ابن الزَّاغوني في «فتاويه». ونقل حنبل عن أحمد في الهبة للثَّواب: «إن أراد ردَّها على صاحبها، وقد نَقَصَت بغير استعماله؛ لم يضمن النَّقص»، وشبَّهه بالرَّهن. وتأوَّله القاضي بتأويل بعيد جداً، وقد ذكره (٤) أبو البركات في «تعليقه على الهداية»، ثمَّ اختار هو تخريجه على أنَّ الهبة للثَّواب يغلب فيها حكم الهبات، ومن حكم الهبة ألَّا يضمن نقصها. قال: (ولازم هذا أن نقول: لا يضمن قيمتها إذا تلفت بغير تعدٍّ)، قال: (وهذا عندي أحسن الوجوه)، قال (٥): (ومع هذا (٦)؛ ففيه نظر).

стр. 276

وهو كما قال؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما فرَّق بين أن تنقص بفعله أو بغير فعله، ولما صحَّ تشبيهه بالرَّهن. ويحتمل عندي تخريجه (١) على أحد وجهين (٢): إمَّا أن يكون على أنَّ الهبة بالثَّواب المجهول فاسدة، فيكون ذلك موافقاً لما روي عنه (٣) في المقبوض بعقد فاسد (٤): أنَّه غير مضمون. وإمَّا على أنَّها صحيحة - وهو الأظهر (٥) -؛ لقوله: «ثمَّ أراد ردَّه إلى مالكه»؛ فدلَّ على أنَّ له إمساكه، وذلك لا يكون إلَّا مع الصِّحة. فعلى هذا: إنَّما لم يضمِّنه النَّقص؛ لأنَّ الهبة للثَّواب لا تملك بدون دفع العوض، ولذلك شبَّهها بالرَّهن (٦)، وسنزيده إيضاحاً في المقبوض بالسَّوم إن شاء الله تعالى. وأمَّا المقبوض على وجه السَّوم (٧): فمن الأصحاب من يحكي في ضمانه روايتين، سواء أخذ بتقدير الثَّمن أو بدونه، وهي طريقة القاضي

стр. 277

وابن عقيل، وصحَّح الضَّمان؛ لأنَّه مقبوض على وجه البدل (١) والعوض؛ فهو كالمقبوض بعقد فاسد. ثمَّ إن كان لم يقدَّر الثَّمن؛ ضمنه بقيمته، وإلَّا (٢) فهل يضمنه بالقيمة أو بالثَّمن المقدَّر؟ على وجهين، ذكرهما ابن عقيل. وقال ابن أبي موسى (٣): إن أخذه مع تقدير الثَّمن ليريه أهله فإن رضوه ابتاعه؛ فهو مضمون بغير خلاف، وكذلك إن ساوم صاحبه به ولم يقطع ثمنه وأخذه ليريه أهله، وإن أخذه بإذن مالكه من غير سوم ولا قطع ثمن ليريه أهله فإن رضوه وزن ثمنه؛ ففيه روايتان أيضاً، أظهرهما: أنَّه غير مضمون (٤). وجعل السَّامريُّ (٥) الضَّمان فيما قطع ثمنه مبنيًّا على أنَّه بيع بالمعاطاة بشرط الخيار، وهذا يدلُّ على أنَّه يجري فيه الخلاف (٦) إذا

стр. 278

قلنا: لم ينعقد البيع بذلك، وفي كلام أحمد إيماء إلى ذلك؛ لأنَّه علَّل الضَّمان في رواية ابن منصور بأنَّه ملكه (١)، وعلَّل في رواية غيره انتفاء الضَّمان فيما إذا لم يقطع ثمنه: بأنَّه ملك للبائع بعدُ حتَّى يقطع ثمنه، ففهم منه: أنَّه مع القطع ينتقل الملك فيه (٢) إلى المشتري، ويؤخذ من ذلك: أنَّ المقبوض بعقد فاسد لا يضمن؛ لبقاء الملك فيه لمالكه. وكذلك فرَّق بين أن يكون المأخوذ سلعتين ليختار أيَّهما شاء فلا يضمنهما، وبين أن يكون سلعة واحدة. وهذا يحتمل ثلاثة أمور: أحدها: ما قال السَّامريُّ: إنه بيع بشرط الخيار (٣)، ويكون المعلَّقُ على الرَّضا فسخَه لا عقده.

стр. 279

والثَّاني: أن يكون بيعاً معلَّقاً على شرط (١)؛ فقد فعله أحمد بنفسه لمَّا رهن نعله باليمن (٢). ويبعِّد هذا: أنَّه لم يفرِّق (٣) بين أن يتلف قبل الرِّضى به أو بعده. والثَّالث: أن يكون بيعاً بمعاطاةٍ تراخى القبول فيه عن المجلس، وقد نصَّ على صحَّة مثل ذلك في النَّكاح في رواية أبي طالب (٤). ومن هذا النوَّع: ما إذا قبض المشتري زيادة على حقِّه غلطاً؛ فإنَّها تكون مضمونة عليه؛ لأنَّه قبضها على وجه العوض، ذكره (٥) القاضي وابن عقيل والأصحاب.

стр. 280

ويحتمل: ألَّا يضمن، على معنى تعليل أحمد في المقبوض بالسَّوم: أنَّه على ملك البائع. ومن ذلك لو دفع إليه كيساً، وقال له: استوف منه قدر حقِّك، ففعل؛ فهل يصحُّ؟ على وجهين (١)؛ بناءً على قبض الوكيل لنفسه من نفسه، والمنصوص الصِّحَّة، نصَّ عليه في رواية الأثرم (٢)، ويكون الباقي في يده وديعة. وعلى عدم الصِّحَّة: قدر حقِّه؛ كالمقبوض على (٣) السَّوم، والباقي أمانة، ذكره في «التَّلخيص». ولو دفع إلى غريم له نقداً من غير جنس ما عليه ليصارفه عليه فيما بعد؛ فهي أمانة محضة، نصَّ عليه؛ مع أنَّها قبضت للمعاوضة. وقياس قول الأصحاب: أنَّها مضمونة؛ كما قالوا في الضَّامن إذا قبض من المضمون عنه قبل الأداء على وجه الاستيفاء منه عند الوفاء: إنَّه مضمون؛ لقبضه على وجه المعاوضة. وهو أولى؛ لأنَّ القبض هنا (٤) وجد قبل الاستحقاق، فهو كما لو أقبضت المرأة زوجها مالاً عوضاً عمَّا يستحقُّه عليها بالطَّلاق قبله. النَّوع الثَّاني: ما أخذ لمصلحتهما على غير وجه التَّمليك لعينه؛

стр. 281

كالرَّهن (١)، والمضاربة، والشِّركة، والوكالة بجُعلٍ، والوصيَّة كذلك؛ فهذا كلُّه أمانة على المذهب. وفي الرَّهن رواية أخرى تدلُّ على ضمانه، وتأوَّلها القاضي، وأثبتها ابن عقيل. والأعيان المستأجرة والموصى بمنفعتها: أمانةٌ كالرَّهن؛ لأنَّه مقبوض على وجه الاستحقاق. تنبيه: من الأعيان المضمونة ما ليس له مالك من الخلق، وما له مالك غير معيَّن. فالأوَّل: كالصَّيد إذا قبضه المحرم؛ فإنَّه يجب تخليته وإرساله، وسواء (٢) ابتدأ قبضه في الإحرام أو كان في يده (٣) ثمَّ أحرم. وإن تلف قبل إرساله: فإن كان بعد التَّمكُّن منه؛ وجب ضمانه للتَّفريط، وإن كان قبله؛ لزمه الضَّمان فيما ابتدأ قبضه في الإحرام دون ما كان في يده قبله؛ لتفريطه في الأولى دون الثَّانية، هذا قول القاضي وصاحب «المغني» (٤).

стр. 282

وخرَّج ابن عقيل: الضَّمان فيهما؛ لأنَّها عين مضمونة، فلا يقف ضمانها على التَّمكُّن (١) من الرَّدِّ؛ كالعواري والغصوب. والثَّاني: الزَّكاة، إذا قلنا: يجب في العين؛ فالمذهب: وجوب الضَّمان بتلفها بكلِّ حال (٢)؛ لأنَّها وجبت شكراً لنعمة المال النَّامي الموجود في جميع الحول؛ فهي شبيهة بالمعاوضة (٣). ويستثنى من ذلك (٤): ما لم يدخل تحت اليد؛ كالدُّيون، والثَّمر في رؤوس الشَّجر؛ لانتفاء قبضه وكمال الانتفاع به. ومن الأصحاب من خرَّج وجهاً (٥): بسقوط الضَّمان قبل إمكان الأداء مطلقاً.

стр. 283

قاعدة [٤٤] في قبول قول الأمناء في الرَّدِّ والتَّلف . أمَّا التَّلف؛ فيقبل فيه قول كلِّ أمين؛ إذ لا معنى للأمانة إلَّا انتفاء الضَّمان، ومن لوازمه قبول قوله في التَّلف، وإلَّا للزم الضَّمان باحتمال التَّلف، وهو لا يلزمه الضَّمان (١) مع تحقُّقه. ويستثنى من ذلك: الوديعة إذا هلكت دون (٢) مال المودَع، على طريقة من يحكي الخلاف فيها في قبول قول المودَع في التَّلف، لا في أصل ضمانه (٣). وكذلك العين المستأجرة والمستأجر على عمل فيها، حُكي فيها رواية بالضَّمان. فمن الأصحاب من جعلها رواية بثبوت الضَّمان فيها؛ فلا تكون أمانة.

стр. 284

ومنهم (١) من حكى الخلاف في قبول دعوى التَّلف بأمر خفيٍّ، وهي طريقة ابن أبي موسى؛ فلا يخرج بذلك عن الأمانة. وأمَّا الرَّدُّ؛ فالأمناء فيه (٢) ثلاثة أقسام: الأوَّل: من قبض المال لمنفعة مالكه وحده؛ فالمذهب: أنَّ قولهم في الرَّدِّ مقبول. ونقل أبو طالب وابن منصور عن أحمد: أنَّ الوديعة إذا ثبتت (٣) ببيِّنة؛ لم يقبل دعوى الرَّدِّ بدون بيِّنة (٤) (٥)، وخرَّجها ابن عقيل: على أنَّ الإشهاد على دفع الحقوق الثَّابتة بالبيِّنة واجب؛ فيكون تركه تفريطاً،

стр. 285

فيجب به الضَّمان. وكذلك خرَّج طائفة من الأصحاب في وصيِّ اليتيم: أنَّه لا يقبل قوله في الرَّد بدون بيِّنة (١)، وعزاه القاضي في «خلافه» إلى قول الخرقيِّ، وهو متوجِّه على هذا المأخذ؛ لأنَّ الإشهاد بالدَّفع إلى اليتيم مأمور به بنصِّ القرآن (٢)، وقد صرَّح أبو الخطاب في «انتصاره» باشتراط الشَّهادة عليه؛ كالنِّكاح. القسم الثَّاني: من قبض المال لمنفعة نفسه؛ كالمرتهن (٣)، فالمشهور: أنَّ قوله في الرَّدِّ غير مقبول؛ لشبهه بالمستعير. وخرَّج أبو الخطاب وأبو الحسين وجهاً آخر: بقبول قوله في الرَّدِّ؛ لأنَّه أمين في الجملة. وكذلك الخلاف في المستأجر (٤). القسم الثَّالث: من قبض المال لمنفعة مشتركة بينه وبين مالكه؛ كالمضارب، والشَّريك، والوكيل بجُعْل، والوصيِّ كذلك؛ ففي قبول قولهم في الرَّدِّ وجهان معروفان؛ لوجود الشَّائبتين في حقِّهم:
следующие страницы →