← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

كالرَّهن (١)، والمضاربة، والشِّركة، والوكالة بجُعلٍ، والوصيَّة كذلك؛ فهذا كلُّه أمانة على المذهب. وفي الرَّهن رواية أخرى تدلُّ على ضمانه، وتأوَّلها القاضي، وأثبتها ابن عقيل. والأعيان المستأجرة والموصى بمنفعتها: أمانةٌ كالرَّهن؛ لأنَّه مقبوض على وجه الاستحقاق. تنبيه: من الأعيان المضمونة ما ليس له مالك من الخلق، وما له مالك غير معيَّن. فالأوَّل: كالصَّيد إذا قبضه المحرم؛ فإنَّه يجب تخليته وإرساله، وسواء (٢) ابتدأ قبضه في الإحرام أو كان في يده (٣) ثمَّ أحرم. وإن تلف قبل إرساله: فإن كان بعد التَّمكُّن منه؛ وجب ضمانه للتَّفريط، وإن كان قبله؛ لزمه الضَّمان فيما ابتدأ قبضه في الإحرام دون ما كان في يده قبله؛ لتفريطه في الأولى دون الثَّانية، هذا قول القاضي وصاحب «المغني» (٤).

стр. 282

وخرَّج ابن عقيل: الضَّمان فيهما؛ لأنَّها عين مضمونة، فلا يقف ضمانها على التَّمكُّن (١) من الرَّدِّ؛ كالعواري والغصوب. والثَّاني: الزَّكاة، إذا قلنا: يجب في العين؛ فالمذهب: وجوب الضَّمان بتلفها بكلِّ حال (٢)؛ لأنَّها وجبت شكراً لنعمة المال النَّامي الموجود في جميع الحول؛ فهي شبيهة بالمعاوضة (٣). ويستثنى من ذلك (٤): ما لم يدخل تحت اليد؛ كالدُّيون، والثَّمر في رؤوس الشَّجر؛ لانتفاء قبضه وكمال الانتفاع به. ومن الأصحاب من خرَّج وجهاً (٥): بسقوط الضَّمان قبل إمكان الأداء مطلقاً.

стр. 283

قاعدة [٤٤] في قبول قول الأمناء في الرَّدِّ والتَّلف . أمَّا التَّلف؛ فيقبل فيه قول كلِّ أمين؛ إذ لا معنى للأمانة إلَّا انتفاء الضَّمان، ومن لوازمه قبول قوله في التَّلف، وإلَّا للزم الضَّمان باحتمال التَّلف، وهو لا يلزمه الضَّمان (١) مع تحقُّقه. ويستثنى من ذلك: الوديعة إذا هلكت دون (٢) مال المودَع، على طريقة من يحكي الخلاف فيها في قبول قول المودَع في التَّلف، لا في أصل ضمانه (٣). وكذلك العين المستأجرة والمستأجر على عمل فيها، حُكي فيها رواية بالضَّمان. فمن الأصحاب من جعلها رواية بثبوت الضَّمان فيها؛ فلا تكون أمانة.

стр. 284

ومنهم (١) من حكى الخلاف في قبول دعوى التَّلف بأمر خفيٍّ، وهي طريقة ابن أبي موسى؛ فلا يخرج بذلك عن الأمانة. وأمَّا الرَّدُّ؛ فالأمناء فيه (٢) ثلاثة أقسام: الأوَّل: من قبض المال لمنفعة مالكه وحده؛ فالمذهب: أنَّ قولهم في الرَّدِّ مقبول. ونقل أبو طالب وابن منصور عن أحمد: أنَّ الوديعة إذا ثبتت (٣) ببيِّنة؛ لم يقبل دعوى الرَّدِّ بدون بيِّنة (٤) (٥)، وخرَّجها ابن عقيل: على أنَّ الإشهاد على دفع الحقوق الثَّابتة بالبيِّنة واجب؛ فيكون تركه تفريطاً،

стр. 285

فيجب به الضَّمان. وكذلك خرَّج طائفة من الأصحاب في وصيِّ اليتيم: أنَّه لا يقبل قوله في الرَّد بدون بيِّنة (١)، وعزاه القاضي في «خلافه» إلى قول الخرقيِّ، وهو متوجِّه على هذا المأخذ؛ لأنَّ الإشهاد بالدَّفع إلى اليتيم مأمور به بنصِّ القرآن (٢)، وقد صرَّح أبو الخطاب في «انتصاره» باشتراط الشَّهادة عليه؛ كالنِّكاح. القسم الثَّاني: من قبض المال لمنفعة نفسه؛ كالمرتهن (٣)، فالمشهور: أنَّ قوله في الرَّدِّ غير مقبول؛ لشبهه بالمستعير. وخرَّج أبو الخطاب وأبو الحسين وجهاً آخر: بقبول قوله في الرَّدِّ؛ لأنَّه أمين في الجملة. وكذلك الخلاف في المستأجر (٤). القسم الثَّالث: من قبض المال لمنفعة مشتركة بينه وبين مالكه؛ كالمضارب، والشَّريك، والوكيل بجُعْل، والوصيِّ كذلك؛ ففي قبول قولهم في الرَّدِّ وجهان معروفان؛ لوجود الشَّائبتين في حقِّهم:

стр. 286

أحدهما: عدم القبول (١)، ونصَّ عليه أحمد في المضارب في رواية ابن منصور (٢): أنَّ عليه البَيِّنة بدفع رأس المال (٣)، وهو اختيار ابن حامد، وابن أبي موسى، والقاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل وغيرهم (٤). والثَّاني: قبول قولهم في ذلك، وهو اختيار القاضي في «خلافه»، وابنه أبي الحسين، والشَّريف أبي جعفر، وأبي الخطَّاب في «خلافه». ووجدت ذلك منصوصاً عن أحمد في رواية ابن منصور في المضارب أيضاً، في رجل دفع إلى آخر ألف درهم مضاربة، فجاء بألف، فقال: هذا ربح، وقد دفعت إليك ألفاً رأس مالِكَ؛ قال: (هو مصدَّق فيما قال) (٥).

стр. 287

ووجدت في «مسائل أبي داود» عن أحمد نحو هذا أيضاً (١). وكذلك نقل عنه مهنَّى في مضارب دفع إلى ربِّ المال كلَّ يوم شيئاً، ثم قال: كان من رأس المال؛ أنَّ القول قوله مع يمينه. وحكم الأجير المشترك حكم هؤلاء، وكذلك من يعمل في عينٍ بجزء من نمائها؛ لأنَّه إمَّا أجير أو شريك. والفرق بينهم وبين المستأجر: أنَّ المستأجر قبض مال المؤجر؛ ليستوفي منه حقَّ نفسه؛ فصار حفظه لنفسه، وهؤلاء المال في أيديهم أمانةٌ لا حقَّ لهم فيه، وإنَّما حقُّهم فيما ينمو (٢) منه أو في ذمَّة المالك. فأمَّا من يعمل في المال بجزء من عينه؛ فهو كالوصيِّ الَّذي يأكل من مال اليتيم، والقول قوله في الرَّدِّ أيضاً، صرَّح به القاضي؛ لأنَّ المال لم يقبضه لحقِّ نفسه، بل للحفظ على المالك، وحقُّه فيه متعلِّق بعمله، بخلاف المرتهن والمستأجر. ثمَّ ههنا أربعة أقسام: أحدها: أن يدَّعي الأمين أنَّه ردَّ الأمانة إلى من ائتمنه، وهذا هو الَّذي ذكرناه.

стр. 288

والثَّاني: أن يدعي الرَّدَّ إلى غير من ائتمنه بإذنه؛ فهل يقبل قوله (١)؟ على وجهين: أحدهما: وهو المنصوص، وهو اختيار أبي الحسن التَّميمي (٢): أنَّه يقبل قوله. والثَّاني: لا يقبل؛ فقيل: لتفريطه بترك الإشهاد على المدفوع إليه، فلو صدَّقه الآمر على الدَّفع؛ لم يسقط الضَّمان. وقيل: بل لأنَّه ليس أمينًا للمأمور بالدَّفع إليه؛ فلا يقبل قوله في الرَّدِّ إليه (٣)؛ كالأجنبيِّ. وكلٌّ من هذه الأقوال الثَّلاثة قد نُسب إلى الخرقيِّ. بل ونُسب إليه: أنَّ دعوى الوصيِّ الرَّدَّ إلى اليتيم غيرُ مقبول كما سبق، فربَّما اطَّرد هذا في دعوى الرَّدِّ من جميع الأمناء إلى من ائتمنهم، وهو بعيد جداً، وربَّما اختصَّ بالوصيِّ؛ لأنَّ ائتمانه ليس من جهة الصَّبيِّ، فهو كالأجنبيِّ معه. هذا إذا ادَّعى الرَّدَّ بإذن المالك، وإن ادَّعاه مع عدم إذنه؛ فلا يقبل

стр. 289

منه، حتَّى ولا الأداء إلى الوارث والحاكم؛ لأنَّهما لم يأتمناه، نقله في «التَّلخيص». إلَّا أن يدَّعي الرَّدَّ إلى من يده كيد المالك؛ كوكيله، أو ردَّ الوديعة إلى عبده وخازنه ونحوهما ممَّن يحفظ ماله؛ لأنَّ أيديهم كيَدِه. ويتوجَّه في دعوى الرَّدِّ إلى الحاكم والوارث بعد موت الموروث: القبول؛ لقيامهما مقام المؤتمن، وهو ردٌّ مبرئٌ. القسم الثَّالث: أن يدَّعي غير الأمين - كَوَارِثِه - أنَّ الأمين ردَّ إلى المالك؛ فلا يقبل؛ لأنَّه غير مؤتمن، فلا يقبل قوله. ومن المتأخِّرين (١) من خرَّج وجهاً: بالقبول؛ لأنَّ الأصل عدم حصولها في يده، وجعل أصله أحد الوجهين فيما إذا مات من كان عنده أمانة، ولم يُوجَد في تركته، ولم يعلم بقاؤها عنده: أنَّها لا تضمن، ولا حاجة إلى التَّخريج إذاً (٢)؛ لأنَّ الضَّمان على هذا (٣) الوجه منتفٍ، سواء ادَّعى الوارث الرَّدَّ أو التَّلف، أو لم يدَّعِ شيئاً. القسم الرَّابع: أن يدَّعي من حكمه حكم الأمناء في سقوط الضَّمان عنه بالتَّلف قبل التَّمكن من الرَّدِّ؛ كوارث المودَع ونحوه، والملتقِط بعد ظهور المالك، ومن أطارت الرِّيح إلى داره ثوباً، إذا ادَّعوا الرَّدَّ إلى المالك:

стр. 290

ففي «التَّلخيص»: لا يقبل؛ لأنَّ المالك لم يأتمنه. ويتوجَّه: قبول دعواه في حالةٍ لا يُضمَن فيها بالتَّلف؛ لأنَّه مؤتمن شرعاً في هذه الحالة. تنبيه: عامل الصَّدقة مقبول القول في دفعها إلى المستحقِّين ولو كذَّبوه، بغير خلاف، وإن كان وكيلاً بجُعل، ذكره القاضي في «الأحكام السُّلطانية» (١)؛ لأنَّ الصَّدقة عبادة فلا استحلاف فيها، وكذلك لا يستحلف أربابها إذا ادَّعوا الدَّفع إلى العامل وأنكر، فكذلك العامل؛ لأنَّه أمين لأربابها، فيقبل قوله عليهم في الرَّدِّ. وأمَّا عامل الخراج؛ فلا يقبل قوله في الدَّفع إلَّا ببيِّنة أو تصديق، ذكره القاضي أيضاً (٢)، وعلَّل: بأنَّ الخراج دين؛ فلا يقبل قول (٣) مستوفيه في دفعه إلى مستحقِّه. وهذا التَّعليل منتقض بالوكيل (٤) في استيفاء دين ودفعه إلى مستحقِّه، فإنَّ قوله مقبول في ذلك كما سبق. والأظهر: تخريج حكم عامل الخراج على الوكيل، فإن كان

стр. 291

متبرِّعاً؛ فالقول قوله، وإن كان بجُعل؛ ففيه قولان (١)، وكذلك يخرَّج في عامل الوقف وناظره.

стр. 292

قاعدة [٤٥] عقود الأمانات؛ هل تنفسخ بمجرَّد التَّعدي فيها أم لا ؟ المذهب: أنَّ الأمانة المحضة تبطل بالتَّعدي، والأمانة المتضمِّنة لأمر آخر لا تبطل على الصَّحيح. ويتخرَّج على هذا مسائل: منها: إذا تعدَّى في الوديعة؛ بطلت، ولم يجز له الإمساك، ووجب الرَّدُّ على الفور؛ لأنَّها أمانة محضة، وقد زالت بالتَّعدِّي؛ فلا تعود (١) بدون عقد متجدِّد، هذا هو المشهور. ولو كانت عينين فتعُدِّي في إحداهما؛ فهل يصير ضامناً لهما، أو لما وجد فيه التَّعدي (٢) خاصَّة؟ فيه تردد، ذكره القاضي أبو يعلى الصَّغير. وذكر ابن الزَّاغونيِّ: أنَّه إذا أزال التَّعدِّي وعاد إلى الحفظ؛ لم تبطل (٣)، وقد يوجَّه: بأنَّ المالك أسند إليه الحفظ لرضاه بأمانته (٤)،

стр. 293

فمتى وُجدت الأمانة فالإسناد موجود لوجود علَّتِه، كما لو صرَّح بالتَّعليق، فقال: كلَّما خنت ثمَّ عدت فأنت أمين؛ فإنَّه يصحُّ؛ لصحَّة تعليق الإيداع على الشَّرط؛ كالوكالة، صرَّح به القاضي. ومنها: الوكيل إذا تعدَّى؛ فالمشهور: أن وكالته لا تنفسخ، بل تزول أمانته ويصير ضامناً، ولهذا لو باع بدون ثمن المثل؛ صحَّ، وضمن النقص؛ لأنَّ الوكالة إذنٌ في التَّصرُّف مع ائتمان، فإذا زال أحدهما (١)؛ لم يَزُل الآخر، هذا هو المشهور. وعلى هذا: فإنَّما يضمن ما وقع فيه التَّعدِّي خاصَّة، حتَّى لو باعه وقبض ثمنه لم يضمنه؛ لأنَّه لم يتعدَّ في عينه، ذكره في «التَّلخيص». ولا يزول الضَّمان عن عين ما وقع فيه التَّعدِّي بحالٍ، إلَّا على طريقة ابن الزاغونيِّ في الوديعة. وظاهر كلام كثير من الأصحاب: أنَّ المخالفة من الوكيل تقتضي فساد الوكالة لا بطلانها (٢)؛ فيفسد العقد، ويصير متصرِّفاً بمجرَّد الإذن. وحكى ابن عقيل في «نظريَّاته» وصاحب «المحرَّر» وجهاً آخر، وبه جزم القاضي في «خلافه»: أنَّ الوكالة تبطل كالوديعة؛ لزوال الائتمان، والإذن في التَّصرف كان منوطاً به.

стр. 294

ومنها: الشَّركة والمضاربة إذا تعدَّى فيها (١)؛ فالمعروف من المذهب: أنَّه يصير ضامناً، ويصحُّ تصرُّفه؛ لبقاء الإذن. ويتخرَّج: بطلان تصرُّفه من الوكالة. ومنها: الرَّهن إذا تعدَّى المرتهن فيه؛ زال ائتمانه، وبقي مضموناً عليه، ولم تبطل توثقته. وحكى ابن عقيل في «نظريَّاته» احتمالاً ببطلان الرَّهن (٢)، وفيه بُعد؛ لأنَّه عقد لازم، وحقٌّ للمرتهن على الرَّاهن، لا سيَّما إن كان مشروطاً في عقد (٣) وقلنا: يلزم بمجرد العقد؛ فإنَّ الرَّاهن يجبر على تقبيضه، فكيف يزول بالتَّعدِّي؟! ومنها: إذا استأجره لحفظ شيء مدَّة، فحفظه في بعضها ثمَّ ترك؛ فهل تبطل الإجارة؟ فيه وجهان: قال ابن المَنِّيِّ (٤): أصحُّهما: لا تبطل (٥) (٦)، بل يزول الاستئمان

стр. 295

ويصير ضامناً. وفي «مسائل ابن منصور» عن أحمد: إذا استاجر أجيراً شهراً معلوماً، فجاء إليه في نصف ذلك الشَّهر أنَّ للمستأجر الخيار (١). والوجه الآخر (٢): يبطل العقد، فلا يستحقُّ شيئاً من الأجرة؛ بناءً على أصلنا فيمن امتنع من تسليم بعض المنافع المستأجرة: أنَّه لا يستحقُّ أجرة، وبذلك أفتى ابن عقيل في «فنونه». ومنها: الوصيُّ إذا تعدَّى في التَّصرُّف؛ فهل يبطل كونه وصيًّا أم لا؟ ذكر ابن عقيل في «المفردات» فيه احتمالين: أحدهما: لا يبطل، بل تزول أمانته ويصير ضامناً؛ كالوكيل. والثَّاني: يبطل؛ لأنَّه خرج من حيِّز الأمانة بالتَّفريط، فزالت ولايته بانتفاء شرطها؛ كالحاكم إذا فسق. وفرض المسألة: فيما إذا أقدم على البيع بدون قيمة المثل. وعلى هذا يتخرَّج بيع العدل الَّذي بيده الرَّهن له بدون ثمن المثل أو الثَّمن المقدَّر؛ هل يصحُّ أو لا؛ لأنَّ الأمانة معتبرة فيه، واختيار صاحب «المغني»: أنَّه لا يصحُّ بيعه بدون ثمن المثل، لكنَّه علَّل

стр. 296

بمخالفة الإذن، وهو منتقض بالوكيل، ولهذا ألحقه القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل في «الفصول» ببيع الوكيل؛ فصحَّحاه وضمَّناه النَّقص. ومثله: إجارة النَّاظر للوقف بدون أجرة المثل.

стр. 297

قاعدة [٤٦] في العقود الفاسدة؛ هل هي منعقدة أو لا ؟ وهي نوعان: أحدهما: العقود الجائزة؛ كالشركة والمضاربة والوكالة، وقد ذكرنا آنفًا: أنَّ فسادها لا يمنع نفوذ التَّصرف فيها بالإذن، لكن خصائصها تزول بفسادها؛ فلا يصدق عليها أسماء العقود الصَّحيحة إلَّا مقيَّدة بالفساد. وصرَّح القاضي في «خلافه»: بأنَّه لو حلف على الشركة الفاسدة من أصلها أنَّها شركة؛ حنث (١)، قال: ويمنع من التَّصرُّف فيها. والمنع من التَّصرف مع القول بنفوذه وبقاء الإذن مشكلٌ، لا سيَّما وقد قرَّر أن العامل يستحقُّ المسمَّى. والنَّوع الثَّاني: العقود اللَّازمة، فما كان منها لا يتمكَّن العبد من الخروج منه بقوله؛ كالإحرام؛ فهو منعقد (٢)؛ لأنَّه لا سبيل إلى التَّخلُّص منه إلَّا بإتمامه أو الإحصار عنه.

стр. 298

وما كان العبد متمكِّناً من الخروج منه بقوله؛ فهو منقسم إلى قسمين: أحدهما: ما يترتَّب عليه حكم مبنيٌّ على التَّغليب والسِّراية والنفوذ؛ فهو منعقد، وهو النِّكاح والكتابة، يترتَّب عليهما الطَّلاق والعتق؛ فلقوَّتهما ونفوذهما انعقد العقد المختصُّ (١) بهما، ونفذا فيه، ويتبعهما أحكام كثيرة من أحكام العقد (٢). ففي النِّكاح: يجب المهر بالعقد، حتَّى لو طلقها قبل الدُّخول؛ لزمه نصف المهر على وجه (٣)، ويستقرُّ بالخلوة، وتعتدُّ فيه من حين الفرقة لا من حين الوطء، وتعتدُّ للوفاة فيه (٤) قبل الطَّلاق. وفي الكتابة: تستتبع الأولاد والأكساب. والثَّاني: ما لا يترتَّب عليه ذلك؛ كالبيع والإجارة؛ فالمعروف من المذهب: أنَّه غير منعقد، ويترتَّب عليه أحكام الغصب. وخرَّج أبو الخطَّاب في «انتصاره»: صحَّة التَّصرُّف في البيع الفاسد من النِّكاح. واعترضه أحمد الحربيُّ في «تعليقه» (٥)، وقال: النِّكاح الفاسد

стр. 299

منعقد، فلهذا صحَّ التَّصرُّف فيه، بخلاف البيع. ولكنْ أبو الخطَّاب قال (١): لا يسلم انعقاد النِّكاح الفاسد ولا غيره؛ لأنَّه يرى أنَّ المجامع يحلُّ من إحرامه، وأنَّ الطَّلاق في النِّكاح الفاسد إنَّما يقع ممَّن يعتقد صحَّته؛ فمن ههنا حسن عنده هذا التَّخريج؛ إذ البيع والنِّكاح في هذا على حدٍّ واحد. وأبدى ابن عقيل في «عُمَدِه» احتمالاً بنفوذ الإقالة في البيع الفاسد؛ كالطَّلاق في النِّكاح الفاسد؛ قال: ويفيد ذلك أنَّ حكم الحاكم -بعد الإقالة- بصحَّة العقد لا يؤثِّر. وذكر ابن عقيل وغيره وجهين في نفوذ العتق في البيع الفاسد؛ كالطَّلاق في النِّكاح الفاسد. وفرَّق بينهما على أحد الوجهين (٢): بأنَّ الطَّلاق يسقط به حقُّ نفسه فنفذ، بخلاف العتق؛ فإنَّه يسقط به حقُّ غيره، وهو البائع. وهذا كلُّه يشعر بانعقاد البيع. وذكر ابن عقيل في «فصوله» احتمالين فيما إذا قال لغيره بعد نداء الجمعة: أعتق عبدك عنِّي وعليَّ ثمنه، ففعل؛ فهل (٣) ينفذ عتقه عن

стр. 300

نفسه أو عن الآمر له؟ ولكن هذا عقدٌ موضوع للعتق، والملك تابع له؛ فهو كالكتابة، بخلاف البيع. فإن قيل: هلَّا قلتم: إنَّ صحَّة التَّصرُّف في البيع الفاسد مستندٌ إلى الإذن؛ كما في العقود الجائزة إذا فسدت؟! قيل: لا يصحُّ ذلك لوجهين: أحدهما: أنَّ البيع وُضِع لنقل الملك لا للإذن (١)، وصحَّة التَّصرف فيه تُستفاد من الملك لا من الإذن، بخلاف الوكالة؛ فإنَّها موضوعة للإذن. يوضحه: أنَّ الموكِّل أذِن لوكيله أن يتصرَّف له، وقد فعل ما أمره، والبائع إنَّما أذِن للمشتري في التَّصرُّف لنفسه بالملك، ولا ملك ههنا. والثَّاني: أنَّ (٢) الإذن في البيع مشروط بسلامة عِوَضِه، فإذا لم يُسلَّم العوض (٣)؛ انتفى الإذن، والوكالة إذنٌ مطلق بغير شرط.

стр. 301

قاعدة [٤٧] في ضمان المقبوض بالعقد الفاسد . كلُّ عقد يجب الضمان في صحيحه؛ يجب الضَّمان في فاسده. وكلُّ عقد لا يجب الضَّمان في صحيحه؛ لا يجب في فاسده. ونعني بذلك: أنَّ العقد الصَّحيح إذا كان موجباً للضَّمان؛ فالفاسد كذلك، وإذا لم يكن الصَّحيح موجباً للضَّمان؛ فالفاسد كذلك (١). فالبيع والإجارة والنِّكاح موجبة للضَّمان مع الصِّحَّة، فكذلك مع الفساد. والأمانات؛ كالمضاربة والشركة والوكالة والوديعة، وعقود التَّبرُّعات كالهبة؛ لا يجب الضَّمان فيها مع الصِّحَّة، فكذلك مع الفساد. وكذلك الصَّدقة.

стр. 302

فأمَّا قول أصحابنا فيمن عجَّل زكاته ثمَّ تلف المال، وقلنا: له (١) الرُّجوع به: إنَّه إذا تلف ضمنه القابض، فليس من القبض الفاسد بشيء؛ لأنَّه وقع صحيحاً، لكنَّه مراعًى، فإن بقي النِّصاب تبيَّنَّا أنَّه قبض زكاة، وإن تلف تبيَّنَّا أنَّها لم تكن زكاة؛ فيرجع بها. نعم، إذا ظهر قابض الزَّكاة ممَّن لا يجوز له أخذها؛ فإنَّه يضمنها؛ لكون القبض لم يملك به، وهو مفرِّط بقبض ما لا يجوز له قبضه؛ فهذا من القبض (٢) الباطل لا الفاسد (٣). وليس المراد: أنَّ كلَّ حال ضمن فيها في العقد الصَّحيح ضمن في مثلها من (٤) الفاسد، فإنَّ البيع الصَّحيح لا يجب فيه ضمان المنفعة، وإنَّما تضمن (٥) العين بالثمن، والمقبوض بالبيع الفاسد يجب ضمان الأجرة فيه على المذهب. والإجارة الصَّحيحة تجب فيها الأجرة بتسليم (٦) العين المعقود

стр. 303

عليها، سواء انتفع بها المستأجر أو لم ينتفع، وفي الإجارة الفاسدة روايتان: إحداهما (١): كذلك. والثَّانية: لا تجب الأجرة إلَّا بالانتفاع، ولعلَّها راجعة إلى أنَّ المنافع لا تضمن في الغصب ونحوه إلَّا بالانتفاع، وهو الأشبه. وكذلك يخرَّج في ضمان منفعة المبيع (٢) (٣) ههنا، ولكن نقل جماعة عن أحمد ما يدلُّ على أنَّ الإجارة الصَّحيحة لا تجب فيها الأجرة إلَّا بقدر الانتفاع إذا ترك المستأجر بقيَّة الانتفاع بعذر من جهته (٤)، وتأوَّلها القاضي وابن عقيل، وأقرَّها صاحب «شرح الهداية» والقاضي أيضاً في بعض تعاليقه (٥). والنِّكاح الصَّحيح يستقرُّ فيه المهر بالخلوة بدون الوطء، وفي النِّكاح

стр. 304

الفاسد روايتان أيضاً (١)، وقد قيل: إنَّ ذلك مبنيٌّ (٢) على أنَّ البضع هل تثبت عليه اليد أم لا؟ وقد نُقل عن أحمد فيما إذا نكح العبد نكاحاً فاسداً: أنَّه لا مهر لها (٣)، وهو محمول على أنَّه لم يوجد دخول، أو على أنَّهما كانا عالمين بالتَّحريم فتكون زانيةً. ونقل ابن مُشَيش وحرب عنه: أنَّ البيع المقبوض (٤) من غير تسمية ثمن لا يُضمَن؛ لأنَّه على ملك البائع، وقد سبق ذلك (٥)، والعمل في المذهب على خلافه. إذا تقرَّر هذا: فهل يضمن في العقد الفاسد بما سمَّى فيه، أو بقيمة المثل؟ فيه خلاف في مسائل: منها: البيع، والمعروف في المذهب: ضمانه بالقيمة لا بالثَّمن

стр. 305

المسمَّى فيه، نصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور وأبي طالب (١)؛ لأنَّ المسمَّى إنَّما وقع الرِّضى به في ضمان العقد، والعقد غير موجب للضَّمان، وإنَّما يترتَّب الضَّمان بأمر آخر طارئ على العقد، وهو التَّلف تحت يده، فيجب ضمانه بالقيمة أو المثل، كما لو اتَّفقا على ضمان العارية عند إقباضها بشيء ثمَّ تلفت؛ فإنَّه يلغو المتَّفق عليه، ويجب المثل أو القيمة كذلك ههنا. وحكى القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في «الفصول» في الكتابة عن أبي بكر عبد العزيز: أنَّ المقبوض بالبيع الفاسد يُضمن بالمسمَّى، وهو اختيار الشَّيخ تقيِّ الدِّين، وقال: إنَّه قياس المذهب (٢)؛ آخذاً له من النِّكاح. قال: لأنَّ إقباضه إيَّاه إذن له في إتلافه بالعوض المسمَّى، فأشبه ما لو قال له: أتلفه بألف درهم، فأتلفه؛ فإنَّه لا يستحقُّ غير ما سُمِّي له. وقد يجاب عن هذا: بأنَّ المسمَّى إنَّما جعل عوضاً عن الملك لا عن الإتلاف، ولم يتضمَّن العقد إذناً في الإتلاف، إنَّما تضمَّن نقل ملك بعوض، ولم يوجد نقل الملك؛ فلا يثبت العوض، وإنَّما وجب الضَّمان بسبب متجدِّد (٣).

стр. 306

ومنها: الإجارة الفاسدة، والمعروف من المذهب: ضمانها بأجرة المثل أيضاً. ويتخرَّج على قول أبي بكر: أنَّها تضمن بالأجرة المسمَّاة، والقول فيها كالقول في البيع سواء. ومنها: الكتابة الفاسدة تُضمن بالمسمَّى، فإذا أدَّى ما سمَّى فيها؛ حصل العتق، ولم يلزمه ضمان قيمته، ذكره أبو بكر، وهو ظاهر كلام أحمد (١)، واتَّفق الأصحاب على ذلك. لكنِ المتأخِّرون زعموا أنَّ الكتابة الفاسدة تعليق بصفة (٢)؛ فلا يؤثِّر فسادها ولا تحريمها، كما لو قال لعبده: إن أعطيتني خمراً؛ فأنت حرٌّ، فأعطاه؛ عَتَق لوجود الصِّفة. وأمَّا أبو بكر؛ فعنده أنَّ الكتابة عقد معاوضة أبداً (٣)، وهو اختيار ابن عقيل، وهو الأظهر، ولا يقع العتق عنده بأداء المحرَّم؛ لأنَّ العقد لا ينعقد بعوض محرَّم، بل هو عنده باطل. ومنها: النِّكاح الفاسد يستقرُّ بالدُّخول فيه وجوب المهر المسمَّى في الرِّواية المشهورة عن أحمد، وهي المذهب عند أبي بكر وابن

стр. 307

أبي موسى، واختارها القاضي وأكثر أصحابه في كُتب الخلاف. ويفرَّق بين النِّكاح والبيع: بأنَّ النَّكاح مع فساده منعقد، ويترتَّب عليه أكثر أحكام الصَّحيح؛ من وقوع الطَّلاق، ولزوم عدَّة الوفاة بعد الموت، والاعتداد منه بعد المفارقة في الحياة، ووجوب المهر فيه بالعقد، وتقرُّره بالخلوة؛ فلذلك لزم المهر المسمَّى فيه كالصَّحيح. يوضحه (١): أنَّ ضمان المهر (٢) في النِّكاح الفاسد ضمان عقد؛ كضمانه في الصَّحيح، وضمان البيع الفاسد ضمان تلف، بخلاف البيع الصَّحيح؛ فإنَّ ضمانه ضمان عقد. وحكي عن أحمد رواية أخرى: أنَّ الواجب مهر المثل؛ أخذاً من رواية المروذيِّ عنه في عبد تزوَّج بغير إذن سيِّده، فدخل بها؛ فقد جعل لها عثمان الخُمُسَيْن (٣)، وأنا أذهب إلى أن تُعطى شيئاً (٤).

стр. 308

فلم يوجب المسمَّى، وهو اختيار الخرقيِّ وصاحب «المغني»، واستدلُّوا بقوله ﵊ فيمن أنكحت نفسها: «إنَّ لها المهر بما استحل منها» (١)؛ فأوجب المهر بالاستحلال وهو الإصابة؛ فدلَّ على أنَّه لم يجب بالعقد، وإنَّما وجب بالوطء، والواجب بالوطء: مهر المثل. وهذا ضعيف؛ فإنَّ الاستحلال يحصل بمحاولة الحلِّ وتحصيله وإن لم يوجد الوطء، وقد يطلق (٢) على استحلال ما لا يحلُّ من الأجنبية مثله (٣)، وهو (٤) الخلوة أو المباشرة (٥) (٦)، وذلك مقرِّر عندنا للمهر (٧)، وقد قال ﷺ للملاعن مثل ذلك (٨)، وليس محمولاً عندنا إلَّا على ما

стр. 309

ذكرنا، لا على حقيقة الوطء. فأمَّا عقود المشاركات إذا فسدت؛ كالشركة والمضاربة؛ فهل يجب المسمَّى فيها أو أجرة المثل؟ فيه خلاف بين الأصحاب، وليس ذلك ممَّا نحن فيه؛ لأنَّ كلامنا في ضمان القابض بالعقد الفاسد، وهذه العقود لا ضمان فيها على القابض، وإنَّما يجب له فيها العوض بعمله (١)؛ إمَّا المسمَّى، وإمَّا أجرة المثل على خلافٍ فيه.

стр. 310

قاعدة [٤٨] كلُّ من ملك شيئاً بعوض؛ ملك عليه عوضه في آن واحد . ويطَّرد هذا في البيع، والسَّلم، والقرض، والإجارة؛ فيملك المستأجر المنافع، والمؤجر الأجرة بنفس العقد. وكذلك في النِّكاح على ظاهر المذهب؛ فيملك الزَّوج منفعة (١) البضع بالعقد، وتملك المرأة به الصَّداق كلَّه. وكذلك الكتابة، يملك العبد منافعه وأكسابه، وتملك (٢) عليه النُّجوم بنفس العقد. وكذلك الخلع، والإعتاق على مال. وكذلك المعاوضات القهريَّة؛ كأخذ المضطرِّ طعام الغير، وأخذ الشِّفيع الشِّقص ونحوهما. وأمَّا تسليم العوضين (٣)؛ فمتى كان أحدهما مؤجَّلاً؛ لم يمنع ذلك المطالبة بتسليم الآخر.

стр. 311

وإن كانا حالَّين: ففي البيع؛ إن كان الثَّمن ديناً في الذِّمة، فالمذهب: وجوب إقباض البائع أوَّلاً؛ لأنَّ حقَّ المشتري (١) تعلَّق بعين؛ فقُدِّم على الحقِّ المتعلِّق بالذِّمة، ولا يجوز للبائع (٢) حبس المبيع عنده على الثَّمن على المنصوص؛ لأنَّه صار في يده أمانة، فوجب ردُّه بالمطالبة كسائر الأمانات. واختار صاحب «المغني»: أنَّ له الامتناع من إقباضه حتَّى يحضر الثَّمن؛ لأنَّ في تسليمه بدون الثَّمن ضرراً بفوات الثَّمن عليه؛ فلا يلزمه تسليمه حتَّى يُحضِره. وقال أبو الخطاب في «انتصاره»: الصَّحيح عندي أنَّه لا يلزمه التَّسليم حتَّى يتسلَّم الثَّمن كما في النِّكاح، وإن كان عيناً فهما سواء، ولا يجبر أحدهما على البداءة بالتَّسليم، بل ينصَّب عند التَّنازع من يَقْبض منهما، ثَّم يُقْبِضُهما، فإن كان هناك خيار لهما أو لأحدهما؛ لم يملك البائع المطالبة بالنَّقد، ذكره القاضي في الإجارات من «خلافه»، وصرَّح به الأزجيُّ في «نهايته». ولا يملك المشتري قبض المبيع في مدَّة الخيار بدون إذن صريح من البائع، نصَّ عليه أحمد في رواية الشَّالنجيِّ. وأمَّا في الإجارة؛ فالمذهب (٣): أنَّه لا يجب تسليم الأجرة إلَّا بعد

стр. 312

تسليم العمل المعقود عليه أو العين المعقود عليها، كما لا يجب دفع الثَّمن إلَّا بعد تسلم المبيع، ومتى تسلَّم العين؛ وجب عليه تسليم الثَّمن (١)؛ لتمكُّنه من الانتفاع بقبضها، نصَّ عليه أحمد. وقال القاضي في «تعليقه»: إنَّ الأجير يجب دفع الأجرة إليه إذا شرع في العمل (٢)؛ لأنَّه قد سلَّم نفسه لاستيفاء المنفعة؛ فهو كتسليم الدَّار المؤجرة. ولعلَّه يخصُّ ذلك بالأجير الخاصِّ؛ لأنَّ منافعه تتلف تحت يد المستأجر؛ فهو شبيه بتسلم العقار. وقال ابن أبي موسى: من استؤجر لعمل معلوم؛ استحقَّ الأجرة عند إيفاء العمل، وإن استؤجر في كلِّ يوم بأجر معلوم؛ فله أجر كلِّ يوم عند تمامه (٣). وظاهر هذا: أنَّ المستأجر للعمل مدَّة تجب له أجرة كلِّ يوم في آخره؛ لأنَّ ذلك مقتضى العرف، وقد يحمل على ما إذا كانت المدَّة مطلقة غير معيَّنة؛ كاستئجاره كلَّ يوم بكذا؛ فإنَّه يصحُّ، ويثبت له الخيار في آخر كلِّ يوم، فتجب له الأجرة فيه؛ لأنَّه غير ملزَم بالعمل فيما بعده، ولأنَّ مدَّته لا تنتهي؛ فلا يمكن تأخير إعطائه إلى تمامها، أو على

стр. 313

أنَّ المدَّة المعيَّنة إذا عَيَّن لكلِّ يوم منها قسطاً من الأجرة؛ فهي إجارات متعدِّدة. وأمَّا النِّكاح؛ فتستحقُّ المرأة فيه المهر (١) بالعقد، ولها الامتناع من التَّسليم حتَّى تقبضه في المذهب، ذكره الخرقيُّ والأصحاب، ونقله ابن المنذر اتِّفاقاً من العلماء (٢)، وعلَّله الأصحاب: بأنَّ المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء، فإذا تعذَّر استيفاء المهر عليها؛ لم يمكنها استرجاع عوضها، بخلاف المبيع، فلذلك ملكت الامتناع من التَّسليم حتَّى تقبضه. وهذه العلَّة موجودة فيما لا يتباقى من المبيع من المطعومات والمشروبات والفواكه والرَّياحين، بل وفي سلع التِّجارة أيضاً، وهذا ممَّا يرجِّح ما اختاره أبو الخطَّاب. وأيضاً: فطرد هذا التَّعليل أن يجوز الامتناع من تسليم العين المؤجرة حتَّى يستوفي الأجرة؛ لأنَّ المعقود عليه يتلف أيضاً ويستهلك، فلا يمكن استرداده عند تعذُّر الوصول إلى الأجرة. لكن قد يفرَّق بينهما (٣): بأنَّ الزَّوج إذا تسلَّم المرأة؛ فإنَّه يستوفي

стр. 314

في الحال ما يستقرُّ به المهر، فإذا تعذَّر أخذ المهر منه؛ فات على الزَّوجة المهر وما قابله، وأمَّا في الإجارة: فإذا تسلَّم المستأجر العين المؤجرة؛ فللمؤجر المطالبة حينئذ بالأجرة، فإن تعذَّر حصولها؛ ملك الفسخ، فيرجع إلى المؤجر ما خرج عنه أو غالبه. وهذا إذا كانت الزَّوجة ممَّن يمكن الاستمتاع بها، فإن كانت لا تصلح لذلك: فقال ابن حامد وغيره: لها المطالبة به أيضاً (١). ورجَّح صاحب «المغني» خلافه (٢)، وخرَّجه صاحب «التَّرغيب» ممَّا حكى الآمديُّ: أنَّه لا تجب البداءة بتسليم المهر، بل يُعدَّل كالثمن المعين (٣)؛ فلا يلزم تسليم المهر إلا عند التمكن من تسليم (٤) العوض المعقود عليه. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: الأشبه عندي: أنَّ الصَّغيرة تستحقُّ المطالبة لها بنصف الصَّداق؛ لأنَّ النصف يُستحقُّ بإزاء الحبس، فهو حاصل بالعقد، والنِّصف الآخر بإزاء الدُّخول؛ فلا تستحقُّه إلَّا بالتَّمكن (٥).

стр. 315

أمَّا لو استقرَّ المهر بالدُّخول، ثمَّ نشزت المرأة: فلا نفقة لها، ولها ولوليها - أو سيِّدها إن كانت أمة - المطالبة بالمهر (١)، ذكره أبو بكر وغيره؛ لأنَّ وجوبه استقرَّ بالتَّمكُّن؛ فلا يؤثِّر فيه ما طرأ عليه بعده.

стр. 316

قاعدة [٤٩] القبض في العقود على قسمين: أحدهما: أن يكون من موجَبِ العقد ومقتضاه؛ كالبيع اللَّازم، والرَّهن اللَّازم، والهبة اللَّازمة (١)، والصَّدَاق (٢)، وعوض الخلع؛ فهذه العقود تلزم من غير قبض، وإنَّما القبض فيها من موجَبات عقودها. والثَّاني: أن تكون من تمام العقد؛ كالقبض في السَّلم والرِّبويات، وفي الرَّهن والهبة والوقف على رواية، والوصية على وجه، وفي بيع غير المعيَّن (٣) أيضاً على خلاف فيه. فأمَّا السَّلَم: فمتى تفرَّقا قبل قبض رأس ماله؛ بطل (٤)، وكذلك في الرِّبويات. وأمَّا الرَّهن والهبة: فهل يعتبر القبض فيهما في جميع الأعيان، أو

стр. 317

في المبهم غير المتميِّز؛ كقفيز من صبرة؟ على روايتين (١). وأمَّا الوقف: ففي لزومه بدون إخراج الواقف عن يده روايتان معروفتان (٢). وأمَّا الوصية: فهل تلزم بالقبول في المبهم (٣)؟ فيه وجهان. واختار القاضي وابن عقيل: أنَّها لا تلزم فيه بدون قبض. وخرَّج صاحب «المغني» وجهاً ثالثاً: أنَّها لا تلزم بدون القبض مطلقاً؛ كالهبة. وكذلك حكى صاحب «المغني» وغيره وجهين في ردِّ الموقوف عليه المعيَّن للوقف؛ هل يبطل برده (٤)؟

стр. 318

وصرَّح القاضي في «المجرد»: بأنَّ الملك فيه لا يلزم بدون القبض. وأمَّا المبيع المبهم: فذكر القاضي في موضع: أنَّه غير لازم بدون القبض. وذكر في موضع آخر: أنَّه لازم من جهة البائع، ولم يتعرَّض للمشتري، ولعلَّه جعله غير لازم من جهته؛ لأنَّه لم يدخل في ضمانه بعد. واختار صاحب «المغني»: أنَّه لازم في حقِّهما جميعاً، وقال: هو ظاهر كلام الخرقيِّ (١). واعلم: أنَّ كثيراً من الأصحاب يجعل القبض في هذه العقود معتبراً للزومها واستمرارها، لا لانعقادها وإنشائها، وممَّن صرَّح بذلك (٢) صاحب «المغني»، وأبو الخطَّاب في «انتصاره»، وصاحب «التَّلخيص»، وغيرهم. ومن الأصحاب من جعل القبض فيها شرطاً للصِّحَّة، وممَّن صرح بذلك صاحب «المحرر» فيه في الصَّرف والسَّلم والهبة، وقال في «الشرح» (٣): مذهبنا أنَّ الملك في الموهوب لا يثبت بدون القبض،

стр. 319

وفرِّع عليه: إذا دخل وقت الغروب من ليلة الفطر والعبد موهوب (١) لم يُقبَض، ثمَّ قبض، وقلنا: يعتبر في هبته القبض؛ ففطرته على الواهب. وكذلك صرح ابن عقيل: بأنَّ القبض ركن من أركان الهبة؛ كالإيجاب في غيرها، وكلام الخرقيِّ يدلُّ عليه أيضاً. وكذلك ذكر القاضي: أنَّ القبض شرط في صحَّة الصَّرف والسَّلم، وصرَّح به كثير من الأصحاب (٢)، ولكن صاحب «المحرر» لم يذكر في الرَّهن إلَّا أنَّ القبض شرط للزومه (٣). وصرَّح أبو بكر بأنَّه شرط لصحته، وأنَّ الرَّهن يبطل بزواله، وكذلك صاحب «المحرر» في «شرح الهداية»، والشِّيرازيُّ، والحلوانيٌّ (٤) وغيرهم. وأمَّا القرض، والصَّدقة كالزَّكاة وغيرها؛ ففيها طريقتان: إحداهما: لا تملك إلَّا بالقبض رواية واحدة، وهي طريقة «المجرد» و «المبهج»، ونصَّ عليه أحمد في مواضع (٥).

стр. 320

والثَّانية: أنَّه في المبهم لا يملك بدون القبض، بخلاف المعيَّن؛ فإنَّه يملك فيه بالعقد، وهي طريقة القاضي في «خلافه»، وابن عقيل في «مفرداته»، والحلوانيِّ وابنه، إلَّا أنَّهما حكيا في المعيَّن روايتين؛ كالهبة. وأمَّا السَّهم من الغنيمة: فيملك بدون القبض إذا عيَّنه الإمام، بغير خلاف، صرَّح به الحلواني وابن عقيل وغيرهما. وأمَّا العارية: فلا تملك بدون القبض إن قيل: إنَّها هبة منفعة. وخرَّج القاضي فيها رواية أخرى: أنَّها تملك بمجرَّد العقد؛ كهبة الأعيان، وتلزم إذا كانت مؤقتة. وإن قيل: هي إباحة (١)؛ فلا يحصل الملك فيها بحال، بل تستوفى على ملك المالك؛ كطعام الضَّيف. قال الشيخ تقيُّ الدِّين: (التحقيق أن يقال في هذه العقود: إذا لم يحصل القبض؛ فلا عقد، وإن كان بعض الفقهاء يقول: بطل العقد، فكما يقال: إذا لم يقبل المخاطب؛ بطل الإيجاب؛ فهذا بطلان ما لم يتمَّ، لا بطلان ما تمَّ) (٢) انتهى. ولا يستبعد توقُّف انعقاد العقد على أمر زائد (٣) على الإيجاب
следующие страницы →