قاعدة [٤٩]
القبض في العقود على قسمين:
أحدهما: أن يكون من موجَبِ العقد ومقتضاه؛ كالبيع اللَّازم، والرَّهن اللَّازم، والهبة اللَّازمة (١)، والصَّدَاق (٢)، وعوض الخلع؛ فهذه العقود تلزم من غير قبض، وإنَّما القبض فيها من موجَبات عقودها.
والثَّاني: أن تكون من تمام العقد؛ كالقبض في السَّلم والرِّبويات، وفي الرَّهن والهبة والوقف على رواية، والوصية على وجه، وفي بيع غير المعيَّن (٣) أيضاً على خلاف فيه.
فأمَّا السَّلَم: فمتى تفرَّقا قبل قبض رأس ماله؛ بطل (٤)، وكذلك في الرِّبويات.
وأمَّا الرَّهن والهبة: فهل يعتبر القبض فيهما في جميع الأعيان، أو
стр. 317
في المبهم غير المتميِّز؛ كقفيز من صبرة؟ على روايتين (١).
وأمَّا الوقف: ففي لزومه بدون إخراج الواقف عن يده روايتان معروفتان (٢).
وأمَّا الوصية: فهل تلزم بالقبول في المبهم (٣)؟ فيه وجهان.
واختار القاضي وابن عقيل: أنَّها لا تلزم فيه بدون قبض.
وخرَّج صاحب «المغني» وجهاً ثالثاً: أنَّها لا تلزم بدون القبض مطلقاً؛ كالهبة.
وكذلك حكى صاحب «المغني» وغيره وجهين في ردِّ الموقوف عليه المعيَّن للوقف؛ هل يبطل برده (٤)؟
стр. 318
وصرَّح القاضي في «المجرد»: بأنَّ الملك فيه لا يلزم بدون القبض.
وأمَّا المبيع المبهم: فذكر القاضي في موضع: أنَّه غير لازم بدون القبض.
وذكر في موضع آخر: أنَّه لازم من جهة البائع، ولم يتعرَّض للمشتري، ولعلَّه جعله غير لازم من جهته؛ لأنَّه لم يدخل في ضمانه بعد.
واختار صاحب «المغني»: أنَّه لازم في حقِّهما جميعاً، وقال: هو ظاهر كلام الخرقيِّ (١).
واعلم: أنَّ كثيراً من الأصحاب يجعل القبض في هذه العقود معتبراً للزومها واستمرارها، لا لانعقادها وإنشائها، وممَّن صرَّح بذلك (٢) صاحب «المغني»، وأبو الخطَّاب في «انتصاره»، وصاحب «التَّلخيص»، وغيرهم.
ومن الأصحاب من جعل القبض فيها شرطاً للصِّحَّة، وممَّن صرح بذلك صاحب «المحرر» فيه في الصَّرف والسَّلم والهبة، وقال في «الشرح» (٣): مذهبنا أنَّ الملك في الموهوب لا يثبت بدون القبض،
стр. 319
وفرِّع عليه: إذا دخل وقت الغروب من ليلة الفطر والعبد موهوب (١) لم يُقبَض، ثمَّ قبض، وقلنا: يعتبر في هبته القبض؛ ففطرته على الواهب.
وكذلك صرح ابن عقيل: بأنَّ القبض ركن من أركان الهبة؛ كالإيجاب في غيرها، وكلام الخرقيِّ يدلُّ عليه أيضاً.
وكذلك ذكر القاضي: أنَّ القبض شرط في صحَّة الصَّرف والسَّلم، وصرَّح به كثير من الأصحاب (٢)، ولكن صاحب «المحرر» لم يذكر في الرَّهن إلَّا أنَّ القبض شرط للزومه (٣).
وصرَّح أبو بكر بأنَّه شرط لصحته، وأنَّ الرَّهن يبطل بزواله، وكذلك صاحب «المحرر» في «شرح الهداية»، والشِّيرازيُّ، والحلوانيٌّ (٤) وغيرهم.
وأمَّا القرض، والصَّدقة كالزَّكاة وغيرها؛ ففيها طريقتان:
إحداهما: لا تملك إلَّا بالقبض رواية واحدة، وهي طريقة «المجرد» و «المبهج»، ونصَّ عليه أحمد في مواضع (٥).
стр. 320
والثَّانية: أنَّه في المبهم لا يملك بدون القبض، بخلاف المعيَّن؛ فإنَّه يملك فيه بالعقد، وهي طريقة القاضي في «خلافه»، وابن عقيل في «مفرداته»، والحلوانيِّ وابنه، إلَّا أنَّهما حكيا في المعيَّن روايتين؛ كالهبة.
وأمَّا السَّهم من الغنيمة: فيملك بدون القبض إذا عيَّنه الإمام، بغير خلاف، صرَّح به الحلواني وابن عقيل وغيرهما.
وأمَّا العارية: فلا تملك بدون القبض إن قيل: إنَّها هبة منفعة.
وخرَّج القاضي فيها رواية أخرى: أنَّها تملك بمجرَّد العقد؛ كهبة الأعيان، وتلزم إذا كانت مؤقتة.
وإن قيل: هي إباحة (١)؛ فلا يحصل الملك فيها بحال، بل تستوفى على ملك المالك؛ كطعام الضَّيف.
قال الشيخ تقيُّ الدِّين: (التحقيق أن يقال في هذه العقود: إذا لم يحصل القبض؛ فلا عقد، وإن كان بعض الفقهاء يقول: بطل العقد، فكما يقال: إذا لم يقبل المخاطب؛ بطل الإيجاب؛ فهذا بطلان ما لم يتمَّ، لا بطلان ما تمَّ) (٢) انتهى.
ولا يستبعد توقُّف انعقاد العقد على أمر زائد (٣) على الإيجاب
стр. 321
والقبول؛ كما يتوقَّف انعقاد النِّكاح معهما على الشَّهادة.
وفي الهبة وجه ثالث حُكي عن ابن حامد: أنَّ الملك يقع فيها مراعًى، فإن وجد القبض تبيَّنا أنَّه كان للموهوب بقبوله، وإلَّا فهو للواهب، وفرَّع على ذلك حكم الفطرة (١)، وقد يطَّرد قوله (٢) بالوقف (٣) والمراعاة إلى بقيَّة هذه العقود.
وأمَّا البيع الَّذي يعتبر له القبض؛ ففي كلام أبي بكر ما يدلُّ على أنَّه لا ينعقد بدون القبض أيضاً؛ فإنَّه قال: إذا اشتراه كيلاً، فلا بيع بينهما إلَّا كيلاً.
وتأوَّله القاضي على نفي انتقال (٤) الضَّمان، وهو (٥) بعيد (٦)، قال: لأنَّ أحمد قيل له في رواية ابن مُشَيش: أليس قد ملكه المشتري؟! قال: بلى، ولكن هو من مال البائع؛ يعني: إذا تلف.
قلت: ولكن صرَّح أحمد في رواية ابن منصور (٧) بانتفاء الملك قبل
стр. 322
القبض، فقال: أمَّا ما يكال ويوزن؛ فلا بدَّ للبائع أن يوفِّيه المبتاع؛ لأنَّ ملك البائع فيه قائم حتَّى يوفِّيه المشتري، وما لا يكال ولا يوزن إذا كان معلوماً؛ فهو ملك للمشتري، فما لزمه من شيء فهو عليه.
وقال أيضاً في طعام اشتُري (١) بالصِّفة: لا يحرِّك (٢) البائع الثَّمن، والبائع مالك بعد، ما لم يكله المشتري.
وهذا صريح لا يمكن تأويله، فيكون إذاً عن أحمد في انتقال الملك في بيع المكيل والموزون بدون القبض: روايتان (٣).
стр. 323
قاعدة [٥٠]
هل يتوقَّف الملك في العقود القهريَّة على دفع الثَّمن، أو يقع (١) بدونه مضموناً في الذِّمة ؟
هذا على ضربين:
أحدهما: التَّملُّك الاضطراريُّ؛ كمن اضطرَّ إلى طعام الغير ومُنِعَه وقدر على أخذه؛ فإنَّه يأخذه مضموناً، سواء كان معه ثمن يدفعه في الحال أو لا؛ لأنَّ ضرره لا يندفع إلَّا بذلك.
والثَّاني: ما عداه من التَّملُّكات المشروعة؛ لإزالة ضرر ما؛ كالأخذ بالشُّفعة، وأخذ الغراس والبناء من المستعير والمستأجر، والزَّرع من الغاصب، وتقويم الشِّقص من العبد المشترك إذا قيل: إنَّه (٢) تملُّك يقف على التَّقويم (٣)، وكالفسوخ الَّتي يستقلُّ بها البائع بعد قبض الثَّمن؛ فيُخرَّج ذلك كلُّه على وجهين؛ فإنَّ لأصحابنا في الأخذ بالشُّفعة وجهين:
стр. 324
أحدهما: لا يملك بدون دفع الثَّمن، وهو محكي عن ابن عقيل، ويشهد له نصُّ أحمد: أنَّه إذا لم يحضر المال مدَّة طويلة؛ بطلت شفعته.
والثَّاني (١): يملك بدونه مضموناً في الذِّمة.
ونصَّ أحمد في فسخ البائع: أنَّه لا ينفذ بدون ردِّ الثَّمن، قال أبو طالب: قلت لأحمد: يقولون: إذا كان له الخيار؛ فمتى قال (٢): اخترت داري أو أرضي؛ فالخيار له، ويطالب بالثَّمن، قال: كيف له الخيار ولم يعطه ماله؟! ليس هذا بشيء، إن أعطاه فله الخيار، وإن لم يعطه ماله فليس له خيار.
واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين ذلك، وقد يتخرَّج مثله في سائر المسائل؛ لأنَّ التَّسليط على انتزاع الأموال قهراً إن لم يقترن به دفع العوض، وإلَّا حصل به ضرر وفساد، وأصل الانتزاع القهريِّ إنَّما يُشرع (٣) لدفع الضَّرر، والضرر لا يزال بالضَّرر.
وقد يفرَّق بين مسألة أبي طالب وبقيَّة المسائل: بأنَّ البائع لو فسخ من غير دفع الثَّمن؛ لاجتمع له العوض والمعوَّض، وذلك ممتنع، ولا يوجد مثله في بقية الصُّور؛ إذ أكثر ما فيها التَّملك بعوض في الذِّمَّة، وهو جائز كالقرض وغيره.
стр. 325
تنبيه:
الأملاك القهريَّة تخالف الاختياريَّة من جهة أسبابها، وشروطها، وأحكامها، وتملك ما لا يُتملَّك بها.
أمَّا الأوَّل؛ فيحصل التَّملُّك القهريُّ بالاستيلاء على ملك الغير (١) الأجنبيِّ، بخلاف الاختياريِّ.
وأمَّا الثَّاني؛ فالتَّملُّك القهريُّ كالأخذ بالشُّفعة (٢): هل يشترط له معرفته؛ كالبيع؟ أم لا؛ لأنَّه قهريٌّ كالميراث؟ قال في «التَّلخيص»: فيه تردد (٣).
وأمَّا الثَّالث؛ فقد ذكرنا اشتراط دفع الثَّمن للتَّملُّك القهريِّ، وللمشتري حبس الشِّقص المشفوع على دفع الثَّمن وإن قلنا: يملك بدونه وينفذ تصرف الشفيع (٤) فيه قبل قبضه.
стр. 326
وهل يثبت له (١) فيه خيار المجلس؟ على وجهين (٢)، قال في «التلخيص»: ويخرَّج التَّردد في الجميع؛ نظراً إلى الجهتين.
وأمَّا الرَّابع؛ فيَملِك الكافرُ العبدَ المسلم بالإرث، ويردُّه (٣) عليه بعيب ونحوه في أحد الوجهين، وباستيلاد المسلم أمته (٤)، وبالقهر.
وكذلك تُملك المصاحف بهذه الأسباب.
وهل تُملك أمُّ ولد (٥) المسلم بالقهر؟ على روايتين (٦).
ويُملك بالميراث الخمرُ والكلبُ.
وكذا الصَّيد في حقِّ المحرم على أحد الوجهين، والمرهون.
ولا يُتملَّك ذلك كلُّه بالاختيار.
стр. 327
قاعدة [٥١]
فيما يُعتبر القبض لدخوله في ضمان مالكه وما لا يعتبر له .
الملك يقع تارة بعقد، وتارة بغير عقد.
والعقود نوعان:
أحدهما: عقود المعاوضات المحضة؛ فينتقل الضَّمان فيها إلى من ينتقل الملك إليه بمجرَّد التَّمكُّن من القبض التَّامِّ والحيازة، إذا تميَّز المعقود عليه من غيره وتعيَّن.
فأمَّا المبيع (١) المبهم غير المتعيِّن؛ كقفيز من صبرة (٢)؛ فلا ينتقل ضمانها بدون القبض.
وهل يكفي كيله وتمييزه، أم لا بدَّ من نقله؟ حكى الأصحاب فيه روايتين (٣)، ثمَّ لهم طريقان (٤):
стр. 328
منهم من يقول: هل التَّخلية قبض في جميع الأعيان المبيعة أم لا؟ على الرِّوايتين (١).
ومنهم من يقول: التَّخلية قبض في المبيع المتعيِّن رواية واحدة، وفيما ليس بمتعين إذا عُيِّن وخلِّي بينه وبينه روايتان.
وكلا الطَّريقين سلكه القاضي في «خلافه».
وله طريقة ثالثة سلكها في «المجرَّد»: أنَّ الكيل قبض للمبهم رواية واحدة، وذكر قول أحمد في رواية محمَّد بن الحسن بن هارون: قبضه كيله (٢)، وهل التَّخلية قبض في المعيَّنات (٣)؟ على روايتين، وهذه أصحُّ ممَّا قبلها.
وقد فرَّق أحمد بين المبهم؛ فجعل قبضه كيله، وبين الصبرة؛ فجعل قبضها نقلها في رواية الأثرم (٤)؛ لأنَّ المبهم إذا كيل فقد حصل فيه التَّمييز وزيادة، وهي اعتبار قدره، وكلاهما من فعل البائع، وهو الواجب عليه، ولم يوجد في بقيَّة المعيَّنات شيء من ذلك سوى تمييزها بنفسها (٥).
стр. 329
وعلى الطَّريقة الأولى: فيكون بعد كيله وتمييزه كسائر الأعيان المتميِّزة، وما عدا ذلك من الأعيان المتميِّزة فهو داخل في ضمان المشتري بالعقد في ظاهر المذهب؛ لتمكُّنه من قبضه التَّامِّ بالحيازة، وقد انقطعت عُلَق البائع منه؛ لأنَّ عليه تسليمه والتَّمكين من قبضه وقد حصل، إلَّا الثَّمر المشترى في رؤوس شجره، فإنَّ المشتري لا يتمكَّن من كمال قبضه في الحال بحيازته إليه، وكذلك ما لا يتأتَّى نقله في ساعة واحدة لكثرته؛ فإنَّه لا ينتقل ضمانه إلى المشتري إلَّا بعد مضيِّ زمن يتأتَّى فيه نقله عادة، صرَّح به القاضي وغيره.
والنَّاقل للضَّمان هو القدرة التَّامَّة على الاستيفاء والحيازة.
وحكم المبهم المشترى بعدد أو ذرع كذلك.
وأنكر أحمد في رواية ابن منصور دخول المعدود فيه، ولعلَّ مراده: إذا اشترى صبرة، وأمَّا المشاع؛ فكالمتعيِّن؛ لأنَّ تسليمه يكون على هيئته لا يقف على إفرازه، كذلك ذكره القاضي وابن عقيل.
والصُّبَر المبتاعة كيلاً أو وزناً (١)؛ كالقفيز المبهم عند الخرقيِّ وأبي بكر والأكثرين؛ لأنَّ عُلَق البائع لم تنقطع منها ولم تتميَّز (٢)، فإنَّ زيادتها له ونقصها عليه.
وفي «التَّلخيص»: أنَّ بعض الأصحاب خرَّج فيها وجهاً آخر بإلحاقها بالعبد والثَّوب؛ بناءً على أنَّ العلَّة اختلاط المبيع بغيره، قال:
стр. 330
وهو ضعيف.
قال: واستثنى بعض أصحابنا منها المتعيِّنات في الصَّرف؛ لقوله ﵊: «إلَّا هاء وهاء» (١)، ومراده: أنَّ الشَّارع اعتبر له القبض، فالتحق بالمبهمات (٢)، يقصد سرعة انبرام العقد فيها؛ فناسبه قطع علق البائع عنها في الحال.
ونقل صالح عن أحمد فيمن اشترى عبداً، فمات في يد المبتاع: هو من مال المبتاع (٣)، إلَّا أن يقول للمبتاع (٤): تسلمه؛ فلا يتسلَّمه (٥).
وظاهر هذا: أنَّه يكون من ضمان البائع؛ إلَّا أن يمتنع المشتري من تسلُّمه بعد عرضه عليه، فيدخل في ضمانه.
ونقل حنبل عنه: إذا عرضه البائع عليه ولم ينقده الثَّمن، فتلف؛ فهو من مال البائع، وإن نقده الثَّمن وتركه عنده؛ فهو من مال المشتري.
ويلتحق بهذه المضمونات (٦) من المبيع: ما اشتُري بصفة أو رؤية
стр. 331
سابقة على العقد؛ لأنَّ الغيبة مانعة من التَّمكُّن من القبض.
فأمَّا البيع في مكان أو زمان يغلب فيه (١) هلاك السِّلعة؛ فهل يكون مضموناً على البائع مطلقاً أم لا؟
هذه مسألة تبايع الغنيمة بعد القسمة في دار الحرب إذا غلب عليها العدوُّ بعد ذلك، وعن أحمد في ضمانها روايتان (٢)، كذا حكى الأصحاب، ولم يفرِّق أكثرهم بين ما قبل القبض وبعده.
وظاهر كلام ابن عقيل التَّفريق، وأنَّه قبل القبض من ضمان البائع قولاً واحداً؛ كالثَّمر المعلَّق في رؤوس الشَّجر؛ لتعرضه للآفات.
وفيه نظر؛ فإن الثَّمر لم يتمكَّن المشتري من قبضه تامًّا، بخلاف المبيع المعيَّن في دار الحرب.
وخصَّ أكثر الأصحاب ذلك بمال الغنيمة؛ لأنَّ تَطلُّب الكفار لها شديد، وحرصهم على استردادها معلوم، بخلاف غيرها من أموال المسلمين.
وحكى ابن عقيل في تبايع المسلمين (٣) أموالهم بينهم بدار الحرب إذا غلب عليه العدوُّ قبل قبضه وجهين؛ كمال الغنيمة.
فأمَّا ما بِيع في دار الإسلام في زمن نهب ونحوه؛ فمضمون على المشتري قولاً واحداً، ذكره كثير من الأصحاب؛ كشراء من يغلب على
стр. 332
الظَّنِّ هلاكه؛ كمرض مأيوس منه، أو (١) مرتدٍّ، أو قاتل في محاربة، أو في زمن طاعون غالب.
ويحتمل: أن يفرَّق في هذا بين التَّلف قبل القبض وبعده.
وأمَّا الأعيان المملوكة بعقد غير البيع (٢)؛ كالصُّلح والنِّكاح والخلع والعتق ونحو ذلك؛ فحكمها حكم البيع فيما ذكرنا عند أكثر الأصحاب، قال في «المغني»: ليس فيه اختلاف.
وحكى أبو الخطاب ومن اتَّبعه رواية (٣): بأنَّ الصَّداق مضمون على الزَّوج قبل القبض مطلقاً، فإنَّه نصَّ فيما إذا أصدقها غلاماً ففقئت عينه قبل أن تقبضه؛ أنَّ عليه ضمانه (٤).
وتأوَّلها القاضي على أنَّ الزوَّج فقأ عينه، أو أنَّه امتنع من التَّسليم حتَّى فقئت عينه؛ فيكون ضامناً له بلا ريب.
ويمكن أن يتخرَّج من هذا روايةٌ: بأنَّ ضمان جميع الأعيان لا ينتقل إلَّا بالقبض في البيع وغيره.
وخرَّجها طائفة من الأصحاب روايةً عن أحمد من نصِّه على ضمان صُبَر الطَّعام على البائع قبل القبض.
стр. 333
فمن الأصحاب من تأوَّلها على أنَّها بِيعت كيلاً، ومنهم من أقرَّها رواية في المكيل والموزون وإن بِيع جزافاً، ومنهم من خرَّج منها رواية في جميع الأعيان المتميِّزة.
ومأخذ ذلك: أنَّ عُلَق المملِّك لا تنقطع عنه بدون القبض؛ لأنَّ تسليمه واجب عليه بحقِّ العقد ولم يوجد، فلم تتم أحكام العقد؛ فكان مضموناً على المملِّك.
وهذه شبهة ابن عقيل الَّتي اعتمدها في أنَّ ضمان جميع الأعيان على البائع قبل القبض، وهي ضعيفة؛ فإنَّ البائع عليه التَّمكين من القبض، وهو معنى التَّسليم، فإذا وجد منه فقد قضى ما عليه.
أمَّا النقل؛ فهو على المشتري دون البائع، وهو واجب عليه؛ لتفريغ ملك البائع من ملكه، فكيف يكون تعدِّيه بشغل أرض المالك بملكه من غير إذنه، أو مع مطالبته بتفريغه موجباً للضَّمان على البائع؟!
ويحتمل أن يفرَّق بين النِّكاح وغيره من العقود؛ بأنَّ (١) المهر في النَّكاح ليس بعوض أصليٍّ، بل هو شبيه بالهبة، ولهذا سمَّاه الله تعالى: (نحلة)؛ فلا ينتقل ضمانه إلى المرأة بدون القبض؛ كالهبة والصَّدقة والزَّكاة، وهذا كلُّه في الأعيان.
فأمَّا المنافع في الإجارة؛ فلا تدخل في ضمان المستأجر بدون القبض، أو التَّمكُّن منه إذا فوَّته (٢) باختياره، فإن استوفى المنافع؛ فلا
стр. 334
كلام، وإن تمكَّن من استيفائها بقبض العين (١) أو تسليم الأجير الخاصِّ نفسه؛ تلفت من ضمانه أيضاً؛ لتمكُّنه من الانتفاع.
والنَّوع الثَّاني: عقود لا معاوضة فيها؛ كالصَّدقة والهبة والوصيَّة؛ فالوصيَّةُ تملك بدون القبض، والهبة والصَّدقة فيهما خلاف سبق.
فإذا قيل: لا يملكان بدون القبض؛ فلا كلام، لكن هل يكتفى في القبض فيهما بالتَّخلية على رواية كالبيع؟ أم لا بدَّ من النَّقل؟
جمهور الأصحاب على تسوية الهبة والرَّهن بالبيع في كيفيَّة القبض.
واختار صاحب «التَّلخيص»: أنَّه لا يكفي التَّمكُّن ههنا في اللُّزوم؛ ففي أصل الملك أولى، قال: لأنَّ القبض ههنا سبب للاستحقاق، بخلاف القبض في البيع، فإنَّ العقد سبب لاستحقاق القبض؛ فيكفي فيه التَّمكين.
وإن قيل: يحصل الملك بمجرَّد العقد (٢)؛ فلا ينبغي أن يكون مضموناً على المملِّك إذا تلف في يده من غير منع؛ لأنَّها عقود برٍّ وتبرُّع فلا تقتضي الضَّمان، وكلام الأصحاب يشهد لذلك.
وأمَّا الوصيَّة إذا ثبت الملك للموصى له - إمَّا بالموت بمجرَّده من غير قبول، أو بالموت مراعًى بالقبول، أو بالقبول من حينه (٣) دون ما
стр. 335
قبله على اختلاف الوجوه في المسألة -؛ فإنَّ ضمانه (١) من حين القبول على الموصى له بغير خلاف نعلمه إذا كان متمكِّناً من قبضه، وأمَّا قبل القبول (٢)؛ ففيه وجهان:
أحدهما: أنَّه من ضمان الموصى له أيضًا (٣)، وهو ظاهر كلام أحمد والخرقيِّ، وصرَّح به القاضي وابن عقيل في كتاب العتق، وكذلك صاحب «المغني»، و «التَّرغيب» وغيرهم، ولم يحكوا فيه خلافاً، وهذا لأنَّا إن قلنا: يملكه بمجرَّد الموت - إمَّا مع القبول أو بدونه -؛ فهو ملكه، فإذا تمكَّن من قبضه؛ كان عليه ضمانه؛ كما لو ملكه بهبة أو غيرها من العقود.
وإن قلنا: لا يملكه إلَّا من حين القبول؛ فلأنَّ حقَّه تعلَّق بالعين تعلُّقاً يمنع الورثة من التَّصرف فيه؛ فأشبه العبد الجاني إذا أخَّر المجنيُّ عليه استيفاءَ حقِّه حتَّى نقص أو تلف، ولأنَّ حقَّ الموصى له في التَّملُّك ثابت لا يمكن إبطاله (٤)، فكان ضمان النَّقص عليه وإن لم يحصل له
стр. 336
الملك؛ كما في ربح المضاربة إذا قلنا: لا يملك (١) إلَّا بالقسمة (٢)، ونصفِ الصَّداق إذا قلنا: لا يملك إلَّا بالتَّملُّك (٣)، والمغانمِ إذا قيل: لا يملك بدون القسمة، بخلاف بقيَّة العقود (٤)؛ فإنَّ الحقَّ فيها يمكن إبطاله.
والوجه الثَّاني: لا يدخل في ضمانه إلَّا بالقبول على الوجوه كلِّها، وهو المجزوم به في «المحرَّر»؛ لأنَّه إن قيل: لا يملكه إلَّا من حينه؛ فواضح؛ لأنَّه لم يكن قبل ذلك على ملكه، فلا يحسب نقصه عليه.
وإن قيل: يملكه بالموت؛ فالعين (٥) مضمونة على التَّركة (٦)؛ بدليل
стр. 337
ما لو تلفت (١) قبل القبول فإنَّها تتلف من التَّركة لا من مال الموصى له؛ فكذلك أجزاؤها؛ لأنَّ القبول وإن كان مثبتاً للملك من حين الموت (٢)؛ إلَّا أنَّ ثبوته السَّابق (٣) تابع لثبوته من حين القبول، والمعدوم حال القبول لا يتصوَّر الملك فيه، فلا يثبت فيه ملك.
نعم؛ إن قيل: يملكه بمجرَّد الموت من غير قبول؛ فينبغي أن يكون ضمانه عليه بكلِّ حال؛ كالموروث.
وهذا كلُّه في المملوك بالعقود.
وأمَّا (٤) ما ملك بغير عقد؛ فنوعان:
أحدهما: الملك القهريُّ (٥)؛ كالميراث، وفي ضمانه وجهان:
أحدهما: أنَّه يستقرُّ على الورثة بالموت إذا كان المال عيناً حاضرة
стр. 338
يتمكَّن من قبضها، قال أحمد في رواية ابن منصور، في رجل ترك مئتي دينار وعبداً قيمته مائة، وأوصى لرجل بالعبد، فسرقت الدَّنانير بعد موت الرَّجل: وجب العبد للموصى له، وذهبت دنانير الورثة (١).
وهكذا ذكر الخرقيُّ وأكثر الأصحاب؛ لأنَّ ملكهم استقرَّ بثبوت سببه؛ إذ هو لا يخشى انفساخه، ولا رجوع لهم بالبدل على أحد؛ فأشبه ما في يد المودع ونحوه، بخلاف المملوك بالعقود؛ لأنَّه إمَّا أن يخشى انفساخ سبب الملك فيه أو يرجع ببدله؛ فلذلك اعتبر له القبض (٢).
وأيضاً: فالمملوك بالبيع ونحوه ينتقل الضَّمان فيه بالتَّمكُّن من القبض؛ فالميراث أولى (٣).
وقال القاضي وابن عقيل في كتاب العتق: لا يدخل في ضمانهم بدون القبض؛ لأنَّه لم يحصل في أيديهم ولم ينتفعوا به؛ فأشبه الدَّين والغائب (٤) ونحوهما ممَّا لم يتمكَّنوا من قبضه.
стр. 339
فعلى هذا (١): إن زادت التَّركة قبل القبض؛ فالزيادة للورثة، وإن نقصت؛ لم يحسب النَّقص عليهم، وكانت التَّركة ما بقي بعد النَّقص، حتَّى لو تلف المال كلُّه سوى القدر الموصى به؛ صار هو التَّركة، ولم يكن للموصى له سوى ثلثه.
إلَّا أن يقال: إنَّ الموصى له يملك الوصيَّة بالموت بمجرَّده (٢)، أو مراعًى بالقبول؛ فلا يزاحمه (٣) الورثة؛ لأنَّ ملكه سبق استحقاقهم لمزاحمته (٤) بالنقص (٥)؛ فيختصُّ به كما لو لم يتلف المال إلَّا بعد قبوله، وعلى ذلك خرَّج صاحب «التَّرغيب» وغيره كلام أحمد في رواية ابن منصور.
والأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ الموصى له تمكَّن (٦) من أخذ العين الموصى بها مع حضور التَّركة والتَّمكُّن من قبضها بغير خلاف (٧)، ولو لم يدخل في
стр. 340
ضمانهم إلَّا بالقبض (١) لم يمكن أن يأخذ من العين أكثر من ثلثها، وتوقَّف قبض الباقي على قبض الورثة، فكلَّما قبضوا شيئاً؛ أخذ من العين بقدر ثلثه؛ كما لو كانت التَّركة ديناً أو غائباً لا يتمكَّن من قبضه.
والنَّوع الثَّاني: ما يحصل بسببٍ من الآدميِّ يترتب عليه الملك، فإن كان حيازةَ مباح؛ كالاحتشاش والاحتطاب والاغتنام ونحوها؛ فلا إشكال، ولا ضمان هنا على أحد سواه، ولو وكَّل في ذلك أو شارك فيه؛ دخل في حكم الشَّركة والوكالة، وكذلك اللُّقطة (٢) بعد الحول؛ لأنَّها في يده.
وإن كان تعيين ماله في ذمَّة غيره من الدُّيون (٣)؛ فلا يتعيَّن في المذهب المشهور إلَّا بالقبض، وعلى القول الآخر يتعيَّن بالإذن في القبض؛ فالمعتبر حكم ذلك الإذن (٤).
стр. 341
قاعدة [٥٢]
في التَّصرُّف في المملوكات قبل قبضها .
وهي منقسمة إلى عقود وغيرها.
فالعقود نوعان:
أحدهما: عقود المعاوضات، وينقسم إلى بيع وغيره.
فأمَّا البيع: فقالت طائفة من الأصحاب: التَّصرُّف قبل القبض والضَّمان متلازمان، فإن كان المبيع مضموناً على البائع؛ لم يجز التَّصرُّف فيه للمشتري حتَّى يقبضه، وإن كان قبل القبض من ضمان المشتري؛ جاز له التَّصرُّف فيه، وصرَّح بذلك القاضي في «الجامع الصغير» وغيره، وجعلوا العلَّة المانعة من التَّصرُّف: توالي الضَّمانات (١).
وفي المذهب طريقة أخرى، وهي أنَّه لا تلازم بين التَّصرف والضَّمان (٢)؛ فيجوز التَّصرُّف والضَّمان على البائع؛ كما في بيع الثَّمرة
стр. 342
قبل جَذِّها، فإنَّه يجوز في أصحِّ الرِّوايتين، وهي مضمونة على البائع، ويمتنع التَّصرُّف في صبرة الطَّعام المشتراة جزافاً على أصحِّ (١) الرِّوايتين وهي اختيار الخرقيِّ، مع أنَّها (٢) في ضمان المشتري (٣)، وهذه طريقة الأكثرين من الأصحاب؛ فإنَّهم حكوا الخلاف في بيع الصُّبرة مع عدم الخلاف في كونها مضمونة على البائع (٤).
وممَّن ذكر ذلك: ابن أبي موسى، والقاضي في «المجرَّد» و «الخلاف»، وابن عقيل في «الفصول» و «المفردات»، والحلوانيُّ وابنه وغيرهم.
стр. 343
وصرَّح ابن عقيل في «النَّظريَّات» بأنَّه (١) لا تلازم بين الضَّمان والتَّصرُّف.
وعلى هذا (٢)؛ فالقبض نوعان: قبض يبيح التَّصرُّف، وهو الممكَّن في حال العقد، وقبض ينقل الضَّمان، وهو القبض التَّامُّ المقصود بالعقد.
وقد حكى ابن عقيل وغيره الخلاف فيما يمتنع التَّصرُّف فيه قبل قبضه؛ هل هو المبهم، أو جنس المكيل والموزون وإن بيع جزافاً، أو المطعوم خاصَّة، مكيلاً أو موزوناً كان أو غيرهما (٣)، أو المطعوم المكيل أو الموزون؟
ونقله مهنَّى عن أحمد (٤)، وضعَّف القاضي هذه الرِّواية، ورجَّحها صاحب «المغني»، ولم يذكروا في الضَّمان مثل ذلك (٥).
واختار ابن عقيل: المنع من بيع جميع الأعيان قبل القبض؛ معلِّلاً
стр. 344
بأنَّ العقد الأوَّل لم يتمَّ؛ حيث بقي من أحكامه التَّسليم؛ فلا يرد عليه عقد آخر قبل انبرامه، ولم يجعل الضَّمان ملازماً له (١).
وكلام القاضي في «الجامع الصغير» قد يتأوَّل بأنَّه ذكر أنَّ المتعيِّن يجوز بيعه قبل القبض، وغير المتعيِّن لا يجوز، ثمَّ لازم بعد ذلك بين جواز البيع والضَّمان، وهو صحيح على ما ذكره؛ فإنَّه اقتصر على ذكر جادَّة المذهب، وهو أنْ لا ضمان ولا منع (٢) إلَّا في المبهم خاصَّة (٣).
وممَّا يبيِّن أنْ لا تلازم بين التَّصرف والضَّمان (٤): أنَّ المنافع المستأجرة يجوز أن يؤجرها المستأجر وهي مضمونة على المؤجر الأوَّل، والثَّمر المبيع على شجره يجوز بيعه على المنصوص وهو مضمون على البائع الأوَّل، والمقبوض قبضاً فاسداً كالمكيل إذا قبض جزافاً ينتقل الضَّمان فيه إلى المشتري، ولا يجوز التَّصرُّف فيه قبل كيله، وبيع الدَّين ممَّن هو في ذمَّته جائز على المذهب وليس مضموناً على مالكه، وكذلك المالك يتصرَّف في المغصوب والمعار والمقبوض بعقد فاسد وضمانها على القابض.
والتَّعليل بتوالي الضَّمانين ضعيف؛ لأنَّه لا محذور فيه، كما لو تبايع
стр. 345
الشِّقصَ المشفوع جماعة ثمَّ انتزعه الشَّفيع من الأوَّل.
وكذلك التَّعليل بخشية انتقاض الملك بتلفه عند البائع؛ يبطل بالثَّمر (١) المشترى في رؤوس الشَّجر وبإجارة المنافع المستأجرة (٢)، وبهذا أيضاً ينتقض تعليل ابن عقيل (٣)، وببيع الدَّين ممَّن هو عليه (٤)، ولأنَّ (٥) البائع وفَّى ما عليه بالتَّخلية والتَّمييز؛ فلم يبق له علقة في العقد.
وعلَّل أيضاً: بأنَّه داخل في بيع ما ليس عنده، وهو شبيه بالغرر؛ لتعرُّضه للآفات، وهو يقتضي المنع في جميع الأعيان.
وأشار الإمام أحمد إلى أنَّه (٦) المراد من النَّهي عن ربح ما لم
стр. 346
يضمن؛ حيث كان مضموناً على بائعه، فلا يربح فيه مشتريه، وكأنَّه (١) حمل النَّهي عن الرِّبح على النَّهي عن أصل البيع؛ لأنَّه مَظِنَّة الرِّبح.
ويتخرَّج له قول آخر: أنَّ المنهيَّ عنه هو حقيقة الرِّبح، دون البيع بالثَّمن الَّذي اشتراه به؛ فإنَّه منع في روايةٍ من إجارة المنافع المستأجرة إلَّا بمثل الأجرة؛ لئلَّا يربح فيما لم يضمن، ومنع في رواية أخرى من ربح ما اشتراه المضارب على وجه المخالفة لربِّ المال؛ لأنَّه ضامن له بالمخالفة؛ فكره أحمد ربحه؛ لدخوله في ربح ما لم يضمن، وأجاز أصل البيع، وأجاز الاعتياض عن ثمن المبيع قبل قبضه بقيمته (٢) من غير ربح؛ لئلَّا يكون ربحاً فيما لم يضمنه.
فيُخرَّج من هذا روايةٌ عنه: أنَّ كلَّ مضمون على غير مالكه يجوز بيعه بغير ربح، ويلزم مثل ذلك في بيع الدَّين من الغريم، والثَّمر على رؤوس النَّخل، وغيرهما ممَّا لم يضمنه البائع (٣).
ونقل حنبل عن أحمد في بيع الطَّعام الموهوب قبل قبضه: لا بأس به ما لم يكن للتِّجارة، وهذا يدلُّ على أنَّ الممنوع في بيع الطَّعام قبل قبضه هو الرِّبح والتَّكسُّب، ولا فرق في ذلك بين بيعه من بائعه وغيره،
стр. 347
وقد نصَّ أحمد على منع بيعه من بائعه حتَّى يكيله (١).
واختلف الأصحاب في الإقالة فيه قبل القبض؛ فمنهم من خرَّجها على الخلاف في كونها بيعاً أو فسخاً، فإن قيل: إنَّها بيع؛ لم يصحَّ، وإلَّا صحَّت (٢).
وعن أبي بكر: أنَّه منعها (٣) على الرِّوايتين بدون كيل ثان؛ لأنَّها تجديد ملك.
ويتخرَّج لنا رواية ثانية: بجواز البيع من البائع؛ لأنَّ أحمد أجاز في رواية منصوصة عنه بيعه من الشَّريك الَّذي حضر كيله وعلمه من غير كيل آخر؛ فالبائع أولى.
وحكى القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل في «الفصول» في كتاب الإجارات روايتين في جواز بيعه قبل القبض من بائعه خاصَّة، وذكرا مأخذها، وهو اختلاف الرِّوايتين عنه في بيع الدَّين في الذِّمة إذا كان طعاما مكيلاً أو موزوناً قبل قبضه، وهذا مخالف لما ذكراه في البيع؛ فإنَّهما خصَّا فيه (٤) الرِّوايتين بما في الذِّمَّة، سواء كان طعاماً أو غيره (٥).
стр. 348
وهذا في التَّصرُّف فيه (١) بالبيع، وأمَّا غيره من العقود؛ فقال القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل: لا يجوز رهنه ولا هبته ولا إجارته قبل القبض؛ كالبيع، ثمَّ ذكرا في الرَّهن عن الأصحاب: أنَّه يصحُّ رهنه قبل قبضه؛ لأنَّه لا يؤدِّي إلى ربح ما لم يضمن، بخلاف البيع.
وفي هذا المأخذ نظرٌ؛ لأنَّ الرَّهن إنَّما يصحُّ فيما يصح بيعه؛ لأنَّه يفضي إلى البيع، لكن تركه (٢) في يد البائع لا يطول غالباً، وقبضه متيسِّر؛ فلذلك يصحُّ رهنه.
وعلَّل ابن عقيل المنع من رهنه: بأنَّه غير مقبوض ولا متميِّز ولا متعيِّن. وفيه ضعف؛ لإمكان تمييزه وقبضه.
وعلَّل مرَّة أخرى في الرَّهن والهبة: بأنَّ القبض شرط لهما (٣)؛ فكيف ينبني عقدٌ مِن شَرْطِه القبض على عقدٍ لم يوجد فيه القبض؟!
وللأصحاب وجه آخر: بجواز رهنه على غير ثمنه، حكاه أبو الخطَّاب فيما كان معيَّناً؛ كالصُّبرة، وأظنُّه منع منه في المبهم؛ لعدم تأتِّي القبض، وهو معتبر فيه (٤) كما ذكر ابن عقيل؛ فخُرِّج من هذا وجهان للأصحاب في سائر (٥) العقود.
стр. 349
ومن الأصحاب من قطع بجواز جعله مهراً (١)، معلِّلاً: بأنَّ ذلك غرر (٢) يسير؛ فيغتفر في الصَّداق، ومنهم صاحب «المحرَّر»، وهذا وجه ثالث.
هذا كلُّه في المبيع.
فأمَّا ثمنه:
فإن كان معيَّناً؛ جاز التَّصرُّف فيه قبل قبضه، سواء كان المبيع يجوز التَّصرف فيه قبل القبض أو لا، صرَّح به القاضي (٣).
وإن كان مبهماً؛ لم يجز إلَّا بعد قبضه (٤).
وإن كان ديناً؛ جاز أن يعاوض عنه قبل قبضه، ذكره القاضي وابن عقيل، ولم يخرِّجا المعاوضة على الدَّين على الخلاف في بيع الدَّين ممَّن هو (٥) عليه، وقد حكيا في ذلك روايتين، والأكثرون أدخلوه في
стр. 350
جملة صورة الخلاف.
وقد نصَّ أحمد على جواز اقتضاء أحد النَّقدين من الآخر بالقيمة في رواية الأثرم وابن منصور وحنبل (١).
ونقل عنه القاضي البرتيُّ (٢) في طعام في الذِّمَّة؛ هل يشتري به شيئاً ممَّن عليه؟ فتوقَّف، قال: فقلت له: لم لا يكون هذا مثل اقتضاء الوَرِق من الذِّهب؟! فكأنَّه أجازه من غير أن يوضحه إيضاحاً بيِّناً.
وهذا يشعر بأنَّ اقتضاء أحد النَّقدين من الآخر يجوز من غير خلاف؛ لحديث ابن عمر ﵁ في ذلك (٣)،
стр. 351
والخلاف في المعاوضة (١) عنهما بغيرهما، ولم يذكر القاضي وابن عقيل في الصَّرف في ذلك (٢) خلافاً.
والمعنى في ذلك (٣): أنَّ النَّقدين لتقاربهما في المعنى أُجريا مُجرى الشَّيء الواحد، فأخْذُ أحدهما عن الآخر ليس معاوضة محضة، بل هو نوع استيفاء، وقد صرَّح بذلك أحمد في رواية أبي طالب، قال: ليس هو ببيع إنَّما هو اقتضاء.
وكذلك لم يجز (٤) إلَّا بالسِّعر؛ لأنَّه لمَّا فاتت المماثلة في القدر لاختلاف الجنس؛ اعتُبِرت في القيمة، وهذا المأخذ (٥) هو الذي ذكره صاحب «المغني».
ومن الأصحاب من جعل مأخذه (٦) النَّهي عن ربح ما لم يضمن.
وأمَّا القاضي؛ فأجاز المعاوضة عن أحد النَّقدين بالآخر بما يتَّفقان عليه، وتأوَّل كلام أحمد بتأويل بعيد جداً، وقد ذكرنا أنَّ طريقة القاضي
стр. 352
وابن عقيل في الإجارة: أنَّ ما في الذِّمة إذا كان مكيلاً أو موزوناً؛ لم يجز بيعه قبل قبضه لأجنبيٍّ رواية واحدة، وفي بيعه لمن هو في ذمته روايتان؛ لأنَّه قبل القبض مبهم غير متميِّز.
فهذا الكلام في التَّصرُّف في المبيع وعوضه.
فأمَّا غير المبيع من عقود المعاوضات؛ فهي ضربان:
أحدهما: ما يخشى انفساخ العقد بتلفه قبل قبضه؛ مثل: الأجرة المعينة، والعِوَض في الصُّلح بمعنى البيع ونحوهما؛ فحكمه حكم البيع فيما سبق.
وأمَّا التَّصرُّف في المنافع المستأجرة:
فإن كان بإعارة ونحوها؛ فيجوز؛ لأنَّ له استيفاء العوض بنفسه وبمن يقوم مقامه.
وإن كان بإجارة؛ صحَّ أيضاً بعد قبض العين (١) ولم يصحَّ قبلها؛ إلَّا للمؤجر على وجه سبق (٢).
ويصحُّ إيجارها بمثل الأجرة، وبأزيد في إحدى (٣) الرِّوايتين.
وفي الأخرى: يمنع بزيادة؛ لدخوله في ربح ما لم يضمن.
والصَّحيح: الجواز؛ لأنَّ المنافع مضمونة على المستأجر من وجه،
стр. 353
بدليل أنَّه لو عطَّلها حتَّى فاتت من غير استيفاء؛ تلفت من ضمانه، فهي كالثَّمر في رؤوس الشَّجر هو مضمون عليه (١) بإتلافه.
والضَّرب الثَّاني: ما لا يخشى انفساخ العقد بهلاكه قبل قبضه؛ مثل: الصَّداق، وعوض الخلع، والعتق (٢)، والمصالح به عن دم العمد، ونحو ذلك؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز التَّصرُّف فيه قبل القبض، وهو قول القاضي في «المجرد»، وأبي الخطاب، غير أنَّه استثنى منه الصداق، والسَّامريِّ، وصاحبي «المغني» و «التَّلخيص»، ونصَّ أحمد على صحة هبة المرأة صداقها قبل القبض، وهو تصرُّفٌ فيه.
ووجه ذلك: أنَّ تلف هذه الأعواض لا تنفسخ بها عقودها؛ فلا ضرر في التَّصرُّف فيها، بخلاف البيع والإجارة ونحوهما.
ومع هذا (٣)؛ فصرَّح القاضي (٤) في «المجرَّد»: بأنَّ غير المتميِّز فيها مضمون على من هو بيده؛ ففرَّق بين الضَّمان والتَّصرُّف (٥) ههنا (٦)،
стр. 354
ونسب إليه صاحب «التَّلخيص»: أنَّه سوَّى بينهما (١)؛ فأثبت الضَّمان ومنع التَّصرُّف، وهو وهم عليه.
والوجه الثَّاني: أنَّ حكمها حكم البيع (٢)؛ فلا يجوز التَّصرُّف في غير المتعيِّن منها قبل القبض، وهو الَّذي ذكره القاضي في «خلافه»، وقال: (هو قياس قول أصحابنا)، وابن عقيل في «الفصول» و «المفردات»، والحلوانيُّ، والشِّيرازيُّ، وصاحب «المحرر»، واختاره صاحب «المغني» في كتاب النكاح؛ إلحاقاً لها بسائر عقود المعاوضات.
ولا يصحُّ التَّفريق بعدم الانفساخ؛ لأنَّ الزُّبرة - الحديد العظيمة - إذا اشتريت وزناً؛ فلا يخشى هلاكها والتَّصرُّف فيها ممنوع، ومنافع الإجارة يخشى هلاكها والتَّصرُّف فيها جائز.
ورجَّح الشَّيخ تقيُّ الدِّين الوجه الأوَّل، ولكنه بناه على أنَّ علةَ منعِ التَّصرُّفِ (٣) الرِّبحُ فيما لم يضمن (٤)(٥)،
стр. 355
وهو (١) منتف ههنا، وهو أحد المآخذ للأصحاب في أصل المسألة.
وعدَّ القاضي من هذا الضَّرب (٢): القرض وأروش الجنايات وقيم المتلفات، ووافقه ابن عقيل على قيم المتلفات.
وفيه نظر؛ فإنَّ القرض لا يملك بدون القبض، على ما جزم به في «المجرَّد» (٣)، وقيم المتلفات ينفسخ الصُّلح عنها بتلف العوض المضمون، وكذلك أروش جنايات الخطأ بخلاف العمد (٤)؛ لأنَّه لا يمكن الرُّجوع إلى القصاص بعد العفو عنه، وتعيين قيمة المتلف أو مثله ليس بعقد ليدخله الفسخ (٥)، ثمَّ إنَّه مضمون في الذِّمَّة كالدَّين، وذلك لا يتعيَّن في الخارج إلَّا بالقبض على المذهب.
وألحق صاحب «التَّلخيص» بهذا أيضاً: الملك العائد بالفسخ قبل القبض والاسترداد؛ لأنَّه لا يخشى انتقاض سببه، وهذا متَّجه على الوجه الأول (٦) الَّذي اختاره.