← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والخلاف في المعاوضة (١) عنهما بغيرهما، ولم يذكر القاضي وابن عقيل في الصَّرف في ذلك (٢) خلافاً. والمعنى في ذلك (٣): أنَّ النَّقدين لتقاربهما في المعنى أُجريا مُجرى الشَّيء الواحد، فأخْذُ أحدهما عن الآخر ليس معاوضة محضة، بل هو نوع استيفاء، وقد صرَّح بذلك أحمد في رواية أبي طالب، قال: ليس هو ببيع إنَّما هو اقتضاء. وكذلك لم يجز (٤) إلَّا بالسِّعر؛ لأنَّه لمَّا فاتت المماثلة في القدر لاختلاف الجنس؛ اعتُبِرت في القيمة، وهذا المأخذ (٥) هو الذي ذكره صاحب «المغني». ومن الأصحاب من جعل مأخذه (٦) النَّهي عن ربح ما لم يضمن. وأمَّا القاضي؛ فأجاز المعاوضة عن أحد النَّقدين بالآخر بما يتَّفقان عليه، وتأوَّل كلام أحمد بتأويل بعيد جداً، وقد ذكرنا أنَّ طريقة القاضي

стр. 352

وابن عقيل في الإجارة: أنَّ ما في الذِّمة إذا كان مكيلاً أو موزوناً؛ لم يجز بيعه قبل قبضه لأجنبيٍّ رواية واحدة، وفي بيعه لمن هو في ذمته روايتان؛ لأنَّه قبل القبض مبهم غير متميِّز. فهذا الكلام في التَّصرُّف في المبيع وعوضه. فأمَّا غير المبيع من عقود المعاوضات؛ فهي ضربان: أحدهما: ما يخشى انفساخ العقد بتلفه قبل قبضه؛ مثل: الأجرة المعينة، والعِوَض في الصُّلح بمعنى البيع ونحوهما؛ فحكمه حكم البيع فيما سبق. وأمَّا التَّصرُّف في المنافع المستأجرة: فإن كان بإعارة ونحوها؛ فيجوز؛ لأنَّ له استيفاء العوض بنفسه وبمن يقوم مقامه. وإن كان بإجارة؛ صحَّ أيضاً بعد قبض العين (١) ولم يصحَّ قبلها؛ إلَّا للمؤجر على وجه سبق (٢). ويصحُّ إيجارها بمثل الأجرة، وبأزيد في إحدى (٣) الرِّوايتين. وفي الأخرى: يمنع بزيادة؛ لدخوله في ربح ما لم يضمن. والصَّحيح: الجواز؛ لأنَّ المنافع مضمونة على المستأجر من وجه،

стр. 353

بدليل أنَّه لو عطَّلها حتَّى فاتت من غير استيفاء؛ تلفت من ضمانه، فهي كالثَّمر في رؤوس الشَّجر هو مضمون عليه (١) بإتلافه. والضَّرب الثَّاني: ما لا يخشى انفساخ العقد بهلاكه قبل قبضه؛ مثل: الصَّداق، وعوض الخلع، والعتق (٢)، والمصالح به عن دم العمد، ونحو ذلك؛ ففيه وجهان: أحدهما: يجوز التَّصرُّف فيه قبل القبض، وهو قول القاضي في «المجرد»، وأبي الخطاب، غير أنَّه استثنى منه الصداق، والسَّامريِّ، وصاحبي «المغني» و «التَّلخيص»، ونصَّ أحمد على صحة هبة المرأة صداقها قبل القبض، وهو تصرُّفٌ فيه. ووجه ذلك: أنَّ تلف هذه الأعواض لا تنفسخ بها عقودها؛ فلا ضرر في التَّصرُّف فيها، بخلاف البيع والإجارة ونحوهما. ومع هذا (٣)؛ فصرَّح القاضي (٤) في «المجرَّد»: بأنَّ غير المتميِّز فيها مضمون على من هو بيده؛ ففرَّق بين الضَّمان والتَّصرُّف (٥) ههنا (٦)،

стр. 354

ونسب إليه صاحب «التَّلخيص»: أنَّه سوَّى بينهما (١)؛ فأثبت الضَّمان ومنع التَّصرُّف، وهو وهم عليه. والوجه الثَّاني: أنَّ حكمها حكم البيع (٢)؛ فلا يجوز التَّصرُّف في غير المتعيِّن منها قبل القبض، وهو الَّذي ذكره القاضي في «خلافه»، وقال: (هو قياس قول أصحابنا)، وابن عقيل في «الفصول» و «المفردات»، والحلوانيُّ، والشِّيرازيُّ، وصاحب «المحرر»، واختاره صاحب «المغني» في كتاب النكاح؛ إلحاقاً لها بسائر عقود المعاوضات. ولا يصحُّ التَّفريق بعدم الانفساخ؛ لأنَّ الزُّبرة - الحديد العظيمة - إذا اشتريت وزناً؛ فلا يخشى هلاكها والتَّصرُّف فيها ممنوع، ومنافع الإجارة يخشى هلاكها والتَّصرُّف فيها جائز. ورجَّح الشَّيخ تقيُّ الدِّين الوجه الأوَّل، ولكنه بناه على أنَّ علةَ منعِ التَّصرُّفِ (٣) الرِّبحُ فيما لم يضمن (٤) (٥)،

стр. 355

وهو (١) منتف ههنا، وهو أحد المآخذ للأصحاب في أصل المسألة. وعدَّ القاضي من هذا الضَّرب (٢): القرض وأروش الجنايات وقيم المتلفات، ووافقه ابن عقيل على قيم المتلفات. وفيه نظر؛ فإنَّ القرض لا يملك بدون القبض، على ما جزم به في «المجرَّد» (٣)، وقيم المتلفات ينفسخ الصُّلح عنها بتلف العوض المضمون، وكذلك أروش جنايات الخطأ بخلاف العمد (٤)؛ لأنَّه لا يمكن الرُّجوع إلى القصاص بعد العفو عنه، وتعيين قيمة المتلف أو مثله ليس بعقد ليدخله الفسخ (٥)، ثمَّ إنَّه مضمون في الذِّمَّة كالدَّين، وذلك لا يتعيَّن في الخارج إلَّا بالقبض على المذهب. وألحق صاحب «التَّلخيص» بهذا أيضاً: الملك العائد بالفسخ قبل القبض والاسترداد؛ لأنَّه لا يخشى انتقاض سببه، وهذا متَّجه على الوجه الأول (٦) الَّذي اختاره.

стр. 356

فأمَّا على (١) الثاني (٢): فإن كان العقد المنفسخ غير (٣) معاوضة؛ صارت العين أمانة كالوديعة، فيجوز التَّصرُّف فيها قبل القبض، وإن كان عقد معاوضة؛ فهو مضمون (٤) على الأشهر، فيتوجَّه: أن يمنع التَّصرُّف فيه؛ لأنَّ ضمانه (٥) من آثار ضمان العقد السَّابق؛ فيلتحق به. ويتوجَّه: ألَّا يمنع؛ كالعواري والغصوب. ولو حجر الحاكم على المفلس، ثمَّ عيَّن لكلِّ غريم عيناً من المال بحقِّه؛ ملكه (٦) بمجرَّد التعيين، ذكره القاضي في الزكاة من «المجرد». فعلى هذا يتوجه: أن يجوز له التصرف فيه قبل القبض. تنبيه: ما اشترط القبض لصحَّة عقده لا يصحُّ التَّصرُّف فيه قبل القبض؛ لعدم ثبوت الملك، وقد صرَّح به في «المحرر» في الصَّرف ورأس مال السَّلَم. فأمَّا إن قيل بالملك بالعقد؛ فحكى في «التَّلخيص» في الصَّرف المتعيِّن وجهين؛ لأنَّ انتفاء القبض ههنا مؤثِّر في إبطال العقد؛ فلا

стр. 357

يصحُّ ورود عقد آخر عليه قبل انبرامه. والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور: المنع في الصَّرف والسَّلم (١). والعقود القهريَّة كالأخذ بالشفعة؛ يصح التصرف فيها قبل القبض، ذكره أيضاً في «التلخيص». النَّوع الثَّاني: عقود يثبت بها الملك من غير عوض؛ كالوصيَّة والهبة (٢) والصَّدقة. فأمَّا الوصية: فيجوز التَّصرف فيها بعد ثبوت الملك وقبل القبض باتفاق الأصحاب فيما نعلم (٣)، وسواء كان الموصى به معيَّناً أو مبهماً، وسواء قلنا: إنَّ له ردَّ المبهم (٤) قبل قبضه أو لا، لأنَّ أكثر ما في جواز

стр. 358

ردِّه أنَّه غير لازم من جهته، وهذا لا يمنع صحَّة التَّصرُّف؛ لأنَّها لازمة من جهة الميت بموته؛ فهو كالمبيع المشترط فيه الخيار للمشتري وحده. وأمَّا الهبة الَّتي تملك بالعقد بمجرَّده: فيجوز التَّصرُّف فيها أيضًا قبل القبض (١)، وقد نصَّ أحمد عليه كما سنذكره؛ لأنَّ حقَّ الواهب ينقطع عنها بمجرَّد انتقال ملكه، وليست في ضمانه؛ فلا محذور في التَّصرُّف فيها بوجه. وأمَّا الصَّدقة الواجبة والتَّطوُّع؛ فالمذهب المنصوص: أنَّها لا تملك بدون القبض كما سبق؛ فلا كلام على هذا. وعلى التَّخريج المذكور يملكها قبل القبض: فينبغي أن تكون كالهبة (٢). وقد نصَّ أحمد في رواية أبي الحارث وابن بختان (٣) وابن هانئ: في رجل عليه دين، ويريد رجل يقضيه عنه من زكاته؟ فقال: يدفعه إليه. فقيل له: هو محتاج ويخاف أن يدفعه إليه يأكله. قال: يقول له حتَّى

стр. 359

يوكِّله فيقضيه عنه. وهذا ظاهر في أنَّه ملك الزكاة بالتعيين والقبول؛ وجاز تصرفه فيها بالوكالة قبل القبض. وكذلك نقل حنبل في «مسائله»: أنَّ أحمد ذكر له قول أبي سلمة: «لا بأس إذا كان للرَّجل طعام أمر له به سلطان أو وهب له أن يبيعه قبل أن يقبضه، والعبد مثل ذلك، والدَّابَّة يبيعها قبل أن يقبضها»، فقال أحمد: لا بأس بذلك ما لم تكن للتِّجارة، وقوله: إذا لم يكن للتِّجارة؛ لأنَّ المنع من البيع إنَّما كان لدخوله في ربح ما لم يضمن، وما ملكه بغير عوض؛ فلا يتصوَّر فيه ربح. فأمَّا لو نوى بتملِّكه (١) التِّجارة؛ فظاهر كلامه المنع؛ لأنَّه جعله من الأموال المعدَّة للرِّبح، فامتنع بيعه قبل القبض. هذا الكلام في العقود. فأمَّا الملك بغير عقد؛ كالميراث، والغنيمة، والاستحقاق من أموال الوقف أو الفيء للمتناولين منه؛ كالمرتزقة (٢) في ديوان الجند، وأهل الوقف المستحقِّين له، فإذا ثبت لهم الملك، وتعيَّن مقداره؛ جاز لهم التَّصرُّف فيه قبل القبض بغير خلاف أيضاً؛ لأنَّ حقَّهم مستقرٌّ فيه، ولا علاقة لأحد معهم، ويد من هو في يده بمنزلة يد المودع ونحوه من الأمناء.

стр. 360

وأمَّا قبل ثبوت الملك؛ فله حالتان: إحداهما: ألَّا يوجد سببه؛ فلا يجوز التَّصرُّف بغير إشكال؛ كتصرُّف الوارث قبل موت موروثه، والغانمين قبل انقضاء الحرب، ومن لا رسم له في ديوان العطاء في الرِّزق. والثَّانية: بعد وجود السَّبب وقبل الاستقرار؛ كتصرُّف الغانمين قبل القسمة - على قولنا: إنَّهم يملكون الغنيمة بالحيازة، وهو المذهب الصَّحيح -، والمرتزقة قبل حلول العطاء ونحوهم؛ فقال ابن أبي موسى: (لا يجوز بيع العطاء قبل قبضه ولا بيع الصَّكِّ بعين ولا وَرِق قولاً واحداً، وإن باعه بعروض؛ جاز في إحدى الرِّوايتين إذا قبض العروض قبل أن يتفرَّقا، ومنع منه في الأخرى، ولا يجوز بيع المغانم قبل أن تقسم (١)، ولا الصَّدقات قبل أن تقبض (٢) (٣) انتهى. فهذه أربع مسائل (٤): أحدها: بيع العطاء قبل قبضه، وهو رزق بيت المال. وقد نصَّ أحمد على كراهته في رواية أبي طالب وابن منصور وبكر بن محمَّد (٥)، وقال: هو شيء مغيَّب، لا يدري يصل إليه أو لا،

стр. 361

أو ما هو (١). وقال مرَّة: لا يدري؛ يخرج أو لا يخرج. وقال في رواية أبي طالب في بيع الزِّيادة في العطاء: قال ابن عبَّاس: ما (٢) يدريه ما يخرج ومتى يخرج؟! لا يشتريه (٣) (٤)، وكرهه، وربَّما سُمِّي هذا أيضاً بيع الصِّكاك. ونقل حرب عن أحمد في بيع الزِّيادة في العطاء: لا بأس به بعرض، قلت: وما تفسيره؟ قال: هو الرَّجل يزاد في عطائه عشرة دنانير

стр. 362

فيشتريها منه بعرض، قال: وسألته عن بيع الصَّكِّ بالعرض قال: لا بأس به (١). وروى حرب بإسناد صحيح عن ابن عبَّاس: أنَّه كان يكره بيع الزِّيادة في العطاء إلَّا بعرض (٢)، وهذه رواية ثانية (٣) بالجواز (٤). قال القاضي وابن عقيل: هذه الرِّواية فيما إذا بيع بعد حلول العطاء؛ لأنَّه وقت الاستحقاق، فهو حينئذ دين ثابت فيجوز بيعه. لكن على طريقتهما: لا يجوز بيعه من غير الغريم، فرجعا وتأوَّلا الرِّواية على أنَّه اشترى ذلك العرض بثمن مؤجَّل إلى وقت قبض العطاء، وكان وقته معلوماً عندهما، أو أنَّه أحال بثمن العرض على حقِّه من العطاء، ولا يخفى فساد هذا التَّأويل لمن تأمَّل كلام أحمد. وقد يكون مراد ابن أبي موسى ببيع العطاء قبل قبضه: قبل استحقاق قبضه، فأمَّا إذا استحق؛ فهو داخل في بيع الصِّكاك.

стр. 363

المسألة الثَّانية: بيع الصِّكاك قبل قبضها، وهي الدُّيون الثَّابتة على النَّاس، ويسمَّى صكاكاً لأنَّها تكتب في صكاك، وهي ما يكتب فيه من الرَّقِّ ونحوه؛ فيباع ما في الصَّكِّ، فإن كان الدَّين نقداً وبيع بنقد؛ لم يجز بلا خلاف؛ لأنَّه صرف بنسيئة، وإن بيع بعرض وقبضه في المجلس؛ ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز (١)، قال أحمد في رواية ابن منصور في بيع الصَّكِّ: هو غرر (٢)، ونقل أبو طالب عنه أنَّه كرهه، وقال: الصَّكُّ لا يدرى يخرج أو لا يخرج، وهذا يدلُّ على أنَّ مراده الصَّكُّ من عطاء الديوان. والثَّانية: الجواز، نصَّ عليها في رواية حرب وحنبل ومحمَّد بن الحكم، وفرَّق (٣) بينه وبين العطاء وقال (٤): الصَّكُّ إنَّما يحتال على رجل وهو مقِرٌّ بدين عليه، والعطاء إنَّما هو شيء مغيَّب لا يدري يصل إليه أم لا. وكذلك نقل حنبل عنه في الرَّجل يشتري الصَّكَّ على الرَّجل بالدَّين؛ قال: لا بأس به بالعرض إذا خرج، ولا يبيعه حتَّى يقبضه؛ يعني: مشتريه، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يجعله من ضمان مشتريه بمجرَّد

стр. 364

القبض (١)، ولا أباح له التَّصرُّف فيه؛ لأنَّه بمنزلة المنافع والثَّمر في شجره، وحاصل هذا: يرجع إلى جواز بيع الدَّين من غير الغريم، وقد نصَّ على جوازه (٢) كما ترى. المسألة الثَّالثة: بيع المغانم قبل أن تقسم، ونصَّ أحمد على كراهته (٣) في رواية حرب وغيره، وعلَّله في رواية صالح وابن منصور: بأنَّه لا يدرى ما يصيبه (٤)؛ يعني: أنَّه مجهول القدر والعين وإن كان ملكه ثابتاً عليه، لكنَّ الإمام له أن يخصَّ كلَّ واحد بعين من الأعيان، بخلاف قسمة الميراث. وصحَّ عن أبي الزُّبير؛ قال: قال جابر: «أكره بيع الخمس من قبل أن يقسم» (٥). وروى محمَّد بن إبراهيم الباهليُّ، عن محمَّد بن زيد؛ يعني: العبديَّ، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تشتروا الصَّدقات حتَّى تقبض، والمغانم حتَّى تقسم» أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه، وإسحاق بن راهويه والبزَّار

стр. 365

في «مسنديهما» (١). ومحمَّد بن زيد: صالح لا بأس به، والباهليُّ: بصريٌّ مجهول، وشهرٌ حاله مشهور. وفي «سنن أبي داود» (٢) من حديث رويفع بن ثابت: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنماً حتَّى يقسم»، وفي الحديث طول، وأخرج التِّرمذيُّ بعضه وحسَّنه (٣). وخرَّج النسائي (٤) من حديث ابن عباس ﵄: أنَّ النبي ﷺ : «نهى عن بيع المغانم حتَّى تقسم»، وخرَّجه الإمام أحمد وأبو داود (٥) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ . وروى ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مكحول: «أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن بيع المغانم حتى تقسم» (٦)، مرسل. وهذا في حقِّ آحاد الجيش منهيٌّ عنه، سواء باعه قبل القبض أو بعده (٧)؛ لأنَّه قبل القبض مجهول، وبعده تعدٍّ وغلول؛ فإنَّه لا يستبدُّ

стр. 366

بالقسمة دون الإمام. أمَّا الإمام؛ فإذا رأى المصلحة في بيع شيء من الغنيمة وقسم ثمنه؛ فله ذلك. المسألة الرَّابعة: بيع الصَّدقات قبل القبض. ومأخذه: أنَّ الصَّدقة لا تملك بدون القبض (١)، وفي «مصنَّف عبد الرَّزَّاق» (٢) عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن غير واحد: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أن تباع (٣) الصدقة حتَّى تعقل (٤) وتوسم». وعن يحيى بن العلاء البجليِّ، عن [جهضم] (٥) بن عبد الله، عن محمَّد بن زيد (٦)، عن شهر بن حوشب؛ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصَّدقات حتَّى تقبض» (٧)، وهذا المرسل أشبه من المسند السابق. فأما على القول بملكها بمجرد القبول إذا تعيَّنت من غير قبض؛ فقد

стр. 367

تقدَّم نصُّ أحمد بجواز التَّوكيل فيها (١)، وهو نوع تصرُّف؛ فقياسه سائر التَّصرُّفات، ويكون حينئذ كالهبة المملوكة بالعقد. وأمَّا إذا عيَّنها المالك من ماله وأفردها؛ فلا تصير بذلك صدقة، ولا تخرج عن ملكه بدون قبض (٢) المستحقِّ أو قبوله (٣)، وقد نصَّ أحمد على أنَّها إذا تلفت بعد تعيينها؛ لم تبرأ ذمَّته من الزَّكاة (٤). وأمَّا إن كان صدقة تطوُّع؛ فاستُحِبَّ إمضاؤها، وكُره الرُّجوع فيها، ونقل عنه ما يدلُّ على خروجها عن ملكه بمجرَّد التعيين (٥)، نقل عبد الله عنه أنَّه قال: «كلُّ شيء جعله الرَّجل لله يُمضيه، ولا يرجع في ماله» (٦)، وذلك أنَّه قد خرج من ملكه؛ فليس هو له من صدقة أو معروف أو صلة رحم، وإن كان قليلاً أمضاه.

стр. 368

ونقل عنه حبيش بن سنديٍّ (١) في رجل دفع إلى رجل دراهمَ، فقال له: تصدَّق بهذه الدَّراهم، ثمَّ إنَّ الدَّافع جاء، فقال: ردَّ عليَّ الدَّراهم، ما يصنع المدفوع، يردُّها عليه؟ قال: لا يردها عليه، يمضيها فيما أمره به. ونقل جعفر بن محمد معناه، وحمل القاضي ذلك على الاستحباب. قال ابن عقيل: لا أعلم للاستحباب وجهاً، وهو كما قال، وإنَّما يتخرَّج على أنَّ الصَّدقة تتعيَّن بالتَّعيين (٢)؛ كما نقول في الهدي والأضحية: إنَّه يتعيَّن بالقول بغير خلاف. وفي تعيينه بالنِّيَّة وجهان (٣). فإذا قال: هذه صدقة؛ تعيَّنت وصارت في حكم المنذورة، صرَّح به الأصحاب، لكن هل ذلك إنشاء منه للنَّذر أو إقرار به؟ فيه خلاف بين الأصحاب. وإذا عيَّن بنيَّته أن يجعلها صدقة وعزلها من ماله؛ فهو كما لو اشترى شاة ينوي التَّضحية بها، ولا يلزم من ذلك سقوط الزَّكاة عنه بتلفها قبل

стр. 369

قبض المستحقِّ أو الإمام؛ لأنَّا إن قلنا: الزَّكاة في الذِّمَّة؛ فهو كما لو عين عن هدي واجب في الذِّمَّة هدياً، فعطب؛ فإنَّه يلزمه إبداله، وإن قلنا: في العين؛ فلا يبرأ منها لفوات قبض المستحقِّ أو من يقوم مقامه، وإيصاله إليه واجب عليه؛ فلا يبرأ بدونه، ولا يكتفى فيه بالتَّمييز ولو حصل التَّمكين من القبض؛ لأنَّ فعل الدَّفع واجب عليه؛ فكيف إذا لم يحصل التَّمكين، والله أعلم.

стр. 370

قاعدة [٥٣] من تصرَّف في عين تعلَّق بها حقٌّ لله تعالى (١) أو لآدميٍّ معيَّنٍ (٢): إن كان الحقُّ مستقرًّا فيها بمطالبة من له الحقُّ بحقِّه (٣) أو يأخذه بحقِّه (٤)؛ لم ينفذ التَّصرُّف. وإن لم يوجد سوى تعلُّق الحقِّ (٥) لاستيفائه منها؛ صحَّ التَّصرُّف على ظاهر المذهب. وقياس قول أبي بكر: لا يصحُّ؛ حيث قال: لا يصحُّ وقف الشَّفيع (٦) ولا رهن الجاني، وكلامه في «الشافي» يدلُّ على أنَّ التَّصرُّف فيما وجبت فيه الزَّكاة لا يصحُّ في قدرها.

стр. 371

وكذلك اختار أبو الخطاب في «الانتصار»: أنَّه لا يصحُّ التَّصرُّف في الجاني بالبيع؛ لتعلُّق الحقِّ بعينه، فإن فداه السيد؛ كان افتكاكاً له، وسقط الحقُّ المتعلِّق به، كما لو وفَّى دين الرهن. والمذهب الأوَّل؛ وهو الفرق بين أن يثبت استحقاق يتعلَّق بالعين، وبين (١) أن يترتَّب على الثُّبوت مقتضاه بالأخذ بالحقِّ أو بالمطالبة به؛ فالأوَّل ملك أن يتملَّك، والثَّاني تملَّك أو طالب بحقِّه الَّذي لا يمكن دفعه عنه (٢)، وهو شبيه بالفرق بين المفلس قبل الحجر عليه وبعده؛ فالفلس مقتضٍ للحجر والمنع من التَّصرُّف، ولا يثبت ذلك إلَّا بالمطالبة والحكم. ويتخرَّج على هذه القاعدة مسائل كثيرة: منها: التَّصرُّف في المرهون ببيع أو غيره ممَّا لا سراية له (٣)؛ لا يصحُّ؛ لأنَّ المرتهن أخذ بحقِّه في الرَّهن من التَّوثُّق والحبس وقبضه، وحُكم له به؛ فهو بالنِّسبة إلى الرَّهن كغرماء المفلس المحجور عليه. وأمَّا العتق؛ فإنَّما نفذ لقوَّته وسرايته، كما نفذ حجُّ المرأة والعبد بدون إذن السَّيِّد والزَّوج، حتَّى إنَّهما لا يملكان تحليلهما على

стр. 372

إحدى الرِّوايتين (١)؛ لقوَّة الإحرام ولزومه، ولهذا ينعقد مع فساده ويلزم إتمامه. ومنها: الشفيع إذا طالب بالشُّفعة؛ لا يصحُّ تصرف المشتري بعد طلبه؛ لأنَّ حقَّه تقرَّر وثبت، وقبل المطالبة إنَّما كان له (٢) أن يتملَّك، والمطالبة إمَّا تملُّك (٣) على رأي القاضي، وإمَّا مؤذنة بالتَّملُّك ومانعة للمشتري من التصرف؛ إذ تصرُّف المشتري إنَّما كان نافذاً؛ لترك الشَّفيع الاحتجار عليه والأخذ بحقِّه، وقد زال (٤). فإن نهى الشَّفيع المشتري عن التَّصرُّف ولم يطالب بها؛ لم يصر المشتري ممنوعاً، بل تسقط الشُّفعة على قولنا: هي على الفور (٥)، ذكره القاضي في «خلافه». ومنها: إذا حلَّ الدَّين على الغريم وأراد السَّفر، فإن منعه غريمه من ذلك؛ لم يجز له السفر، وإن فعل؛ كان عاصياً به؛ لأنَّه حبسه (٦)، وله ولاية حبسه لاستيفاء حقِّه؛ كالمرتهن في الرَّهن (٧).

стр. 373

وإن لم يمنعه، فهل له الإقدام على السفر؟ ذكر ابن عقيل فيه وجهين: أحدهما: يجوز (١)؛ لأنَّ الحبس عقوبة لا يتوجَّه بدون الطَّلب والإلزام. والثَّاني: لا؛ لأنَّه يمنع بسفره حقًّا واجباً عليه، لا لثبوت الحبس في حقِّه (٢)؛ بل لما يلزم من سفره من تأخير (٣) الحقِّ الواجب. ومنها: المفلس إذا طلب البائع منه سلعته الَّتي يرجع بها (٤) قبل الحجر؛ لم ينفذ تصرُّفه، نصَّ عليه، قال إسماعيل بن سعيد (٥): سألت أحمد عن المفلس: هل يجوز فعله فيما اشترى قبل أن يطلب البائع منه ما بايع المشتري عليه؛ فقال: إن أحدث المشتري فيه عتقاً أو بيعاً أو هبة؛ فهو جائز عندنا (٦) ما لم يطلب البائع ذلك، وذلك أنَّ الحديث قال: «هو أحقُّ به» (٧)؛ ولا يكون أحقَّ به إلَّا بالطَّلب، فلعلَّه ألَّا يطلبه،

стр. 374

فقلت: أرأيت إن طلبه منه؛ فلم يدفعه إليه؟ قال: فلا يجوز بيعه ولا هبته ولا صدقته بعد الطَّلب. ونقل عنه إسماعيل أيضاً كلاما يدلُّ على أنَّ مطالبة البائع تثبت إمَّا بتفليس الحاكم، أو باشتهار فلسه بين النَّاس. وكذلك نقل عنه محمَّد بن موسى الدَّنْداني (١) (٢) أنَّ اشتهار (٣) فلسه بظهور أماراته يمنع نفوذ تصرُّفاته مطلقاً (٤). ومنها: لو وَجَد مضطرًّا وعنده طعام فاضل، فبادر فباعه أو رهنه؛ هل يصحُّ؟ قال أبو الخطاب في «الانتصار» في الرَّهن: يصحُّ، ويستحقُّ أخذه من يد المرتهن، والبائع مثله، ولم يفرق بين ما قبل الطلب وبعده. والأظهر: أنَّه لا يصح بيعه بعد الطلب؛ لوجوب الدفع، بل ولو

стр. 375

قيل: لا يصحُّ بيعه مطلقاً مع علمه باضطراره؛ لم يبعد؛ لأنَّ بذله له واجب بالثمن، فهو كما لو طالب الشَّفيع بالشُّفعة وأولى؛ لأنَّ هذا يجب بذله ابتداء لإحياء النَّفس. وقد يفرَّق بأن الشَّفيع حقه منحصر (١) في عين الشِّقص، وهذا حقُّه في سدِّ الرَّمق، ولهذا كان إطعامه فرضاً على الكفاية، فإذا نقله إلى غيره؛ تعلَّق الحقُّ بذلك الغير، ووجب البدل عليه. وأمَّا ما تعلَّق به حقٌّ مجرَّد؛ فيندرج تحته مسائل متعدِّدة: منها: بيع النِّصاب بعد الحول؛ فإنَّه يصحُّ، نصَّ عليه؛ لأنَّ الوجوب إن كان متعلِّقاً في الذمة وحدها فلا إشكال، وإن كان في العين وحدها؛ فليس بمعنى الشَّركة، ولا بمعنى انحصار الحقِّ فيها، ولا تجوز (٢) المطالبة بالإخراج منها عيناً مع وجود غيرها، فلا يتوجَّه انحصار الاستحقاق فيها بحال. ومنها: بيع الجاني، يصحُّ في المنصوص، وهو قول أكثر الأصحاب، وسواء (٣) طالب المجنيُّ عليه بحقه أو لا؛ لأنَّ حقه ليس في ملك العبد، ولو كان كذلك لملكه ابتداء، وإنَّما وجب له أرش جنايته، ولم يجد محلًّا يتعلَّق به الوجوب سوى رقبة العبد الجاني؛ فانحصر الحقُّ فيها بمعنى الاستيفاء منها، فإن رضي المالك (٤) ببذله

стр. 376

جاز، وإلَّا فإنَّما له أقل الأمرين من قيمة الجاني أو أرش جنايته، فأيُّهما بُذِل له؛ لزمه قبوله، والمطالبة منه (١) إنَّما تتوجَّه بحقِّه، وحقُّه هو أرش الجناية لا ملك رقبة العبد على الصَّحيح، فلا يتوجَّه المنع من التَّصرُّف فيه (٢)؛ لأنَّ تسليمه إليه (٣) لم يتعيَّن. ومنها: من ملك عبداً من الغنيمة، ثمَّ ظهر سيِّده، وقلنا: حقُّه ثابت فيه بالقيمة، فباعه المغتنم قبل أخذ سيِّده؛ صحَّ، ويملك السيد انتزاعه من الثَّاني (٤). وكذلك لو رهنه؛ صحَّ، ويملك السَّيِّد انتزاعه من المرتهن، ذكره أبو الخطاب في «الانتصار» أيضاً، ولم يفرق بين أن يطالب (٥) بأخذه أو لا. والأظهر: أنَّ المطالبة تقطع التَّصرُّف؛ كمطالبة الشَّفيع. ومنها: تصرُّف الورثة (٦) في التَّركة المتعلِّق بها حقُّ الغرماء، وفي صحَّته وجهان: أصحُّهما: الصِّحَّة (٧).

стр. 377

وعلى المنع ينفذ بالعتق كالرَّهن. واختار ابن عقيل في «نظريَّاته»: أنَّه لا ينفذ إلَّا مع يسارهم؛ لأنَّ تصرُّفهم تبع لتصرُّف الموروث في مرضه، وهذا متوجه على قولنا: إن حقَّ الغرماء تعلق بالتَّركة في المرض. ومنها: تصرف الزوجة في نصف الصداق بعد الطلاق إذا قلنا: لم يدخل في ملك الزوج قهراً (١). قال صاحب «التَّرغيب»: يحتمل وجهين؛ لتردُّده بين خيار البيع (٢) وبين خيار الواهب. ومنها: تصرُّف من وهبه المريض ماله كلَّه في مرضه قبل موته؛ فيجوز (٣)، وينفذ حتى لو كان أمة كان له وطؤها، ذكره القاضي في «خلافه».

стр. 378

واستبعده الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١)؛ لأنَّه يتوقَّف على إجازة الورثة (٢)؛ فكيف يجوز قبلها؟! وقد يقال: هو في الظَّاهر ملكه بالقبض، وموت الواهب وانتقال الحقِّ إلى ورثته مظنون؛ فلا يمنع التَّصرُّف. وأما تصرُّف المشتري في مدة الخيار له وللبائع؛ فالمنصوص عن أحمد: أنه موقوف على إمضاء البيع (٣) (٤)، وكذلك ذكره أبو بكر في «التَّنبيه»، وهو ظاهر كلام القاضي في «خلافه»؛ لأنه تصرف (٥) في خالص ملكه (٦)، ولم يتعلَّق به سوى حق البائع في الفسخ، وقد زال (٧)، فأشبه تصرُّف الابن فيما وهبه له الأب؛ غير أنَّ تصرف الابن لا يقف على

стр. 379

إمضاء الأب؛ لأنَّ حق الأب في الفسخ يسقط بانتقال الملك (١)، ولأنَّ تسلُّط الأب على الرجوع (٢) لم يكن لبقاء أثر ملكه، بل هو حقٌّ ثابت بالشرع مع ثبوت ملك الولد واستقراره؛ فلا يمنع التصرف. وطَرْدُ هذا: في كلِّ من تصرف في ماله وقد تعلق به حق غيره؛ لا يبطل من أصله؛ كتصرف المريض فيما زاد على ثلث ماله؛ فإنَّه يقف على إمضاء الورثة، وعتق المكاتب لرقيقه يقف على تمام ملكه بالعتق، ذكره أبو بكر في «الخلاف». وكذا ذكر أبو الخطاب في «انتصاره» في مسألة إجازة الورثة: أنَّ تصرُّف الرَّاهن يصح ويقف على إجازة المرتهن. وذكر الشَّيخ مجد الدين: أن هذا قول من يقول بوقف تصرف الفضولي. وذكر أبو الخطاب أيضاً: أن تصرف المشتري في الشِّقص المشفوع يصح ويقف على إجازة الشفيع.

стр. 380

قاعدة [٥٤] من ثبت له حقٌّ في عين وسقط بتصرُّف غيره فيها؛ فهل يجوز للمتصرِّف فيها الإقدام على التصرف المسقط لحق غيره قبل استئذانه أم لا ؟ هذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون الحقُّ الذي سقط (١) بالتصرف قد أخذ به صاحبه وتملَّكه. والثَّاني: أن يكون قد طالب به صريحاً أو إيماء. والثَّالث: أن يثبت له الحقُّ شرعاً، ولم يأخذ به، ولم يطالب به. فأمَّا الأول: فلا يجوز إسقاط حقِّه ولو ضمنه بالبدل؛ كعتق العبد المرهون - إذا قلنا بنفوذه على المشهور من المذهب -؛ فإنَّه لا يجوز، ذكره غير واحد من الأصحاب، منهم صاحب «الكافي» والقاضي وابن عقيل، مع أنَّ عتقه يوجب ضمان قيمته تكون (٢) رهناً؛ لأنَّ فيه إسقاطاً لحقه القائم في العين بغير رضاه.

стр. 381

وكذلك إخراج الرهن بالاستيلاد محرَّم (١)، ولأجله منعنا أصل الوطء. وكذلك ينبغي أن يكون عتق المفلس (٢) المحجور عليه إذا نفذناه؛ لأنَّ غرماءه قد قطعوا تصرُّفه فيه بالحجر وتملَّكوا المال، وقد ذكره (٣) ابن عقيل أيضاً في تبذيره قبل الحجر. وذكر القاضي في «خلافه»: أنَّ ظاهر كلام أحمد جواز عتق الرَّاهن؛ كاقتصاصه من أحد عبديه المرهونين إذا قتل الآخر، ولم يذكر بذلك نصًّا، ولعلَّه أخذه من قوله بنفوذ العتق، ولا يدلُّ (٤). وأمَّا اقتصاص الرَّاهن من العبد المرهون أو من قاتله (٥)؛ فقد صرَّح القاضي وابن عقيل: بأنَّه لا يجوز؛ لأنَّ فيه تفويتاً لحق المرتهن من عين الرهن أو قيمته الواجبة له؛ وأوجبا على الراهن قيمته تكون رهناً. وصرَّحا أيضاً ههنا: بأنَّ العتق لا يجوز، وإنَّما ذكرا جوازه في مسألة العتق. وظاهر كلام أحمد: جواز القصاص.

стр. 382

فيكون الفرق بين القصاص والعتق: أنَّ وجوب القصاص تعلَّق بالعبد تعلُّقاً يقدَّم به على حق المرتهن، بدليل أن حق الجاني مقدَّم على المرتهن لانحصار حقِّه فيه، بخلاف المرتهن، وهذا مفقود في العتق. وأمَّا الثَّاني: فلا يجوز أيضاً، ومنه: خيار البائع المشترط في العقد لا يجوز للمشتري إسقاطه بالتَّصرُّف في المبيع (١) ولو قلنا: إن الملك له (٢)؛ فإن اشتراط الخيار في العقد تعريض بالمطالبة بالفسخ. وأمَّا الثَّالث: ففيه خلاف، والصَّحيح: أنَّه لا يجوز أيضاً، ولهذا لم يجز إسقاط خياره الثابت في المجلس بالعتق ولا غيره، كما لو اشترطه. ويندرج في صور الخلاف مسائل: منها: مفارقة أحد المتبايعين للآخر في المجلس بغير إذنه خشية أن يفسخ الآخر، وفيه روايتان: إحداهما: يجوز؛ لفعل ابن عمر (٣). والثَّانية: لا يجوز (٤)؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:

стр. 383

أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ولا يحلُّ له أن يفارقه خشيةَ أن يستقيله» (١)، وهو صريح في التحريم، وهي اختيار أبي بكر وصاحب «المغني». ومنها: تصرُّف المشتري في الشقص المشفوع بالوقف قبل الطلب، ينبغي أن تخرَّج على الخلاف في الَّتي قبلها. وصرح القاضي بجوازه. وظاهر كلامه في مسألة التَّحيُّل على إسقاط الشفعة تحريمه، وهو الأظهر (٢)، ويدلُّ عليه: «أنَّ النَّبي ﷺ نهى عن بيع الشَّريك حتى يعرض على شريكه ليأخذ أو يذر» (٣)، مع أنَّ حقَّه من الأخذ لا يسقط بذلك، فأولى أن ينهى (٤) عمَّا يُسقِط حقَّه بالكليَّة. ومنها: وطء العبد زوجته الأمة إذا عَتَقَت ولم تعلم (٥) بالعتق؛ ليسقط اختيارها للفسخ؛ الأظهر تخريجه على الخلاف أيضاً (٦).

стр. 384

وقال الشَّيخ مجد الدين في «تعليقه على الهداية»: قياس مذهبنا جوازه. وفيما قاله نظر. ومنها: تصرُّف الزوجة في نصف الصَّداق إذا طلق الزوج قبل الدُّخول، وقلنا: لم يملكه قهراً؛ فإنَّه لا يجوز، صرَّح به في «المحرَّر». فأما تصرف أحد المتبايعين فيما بيده من العوض إذا استحقَّ الآخر ردَّ ما بيده بعيب أو خُلْفٍ في صفة (١)؛ فيجوز، ذكره القاضي في «خلافه»؛ لأنَّ تصرُّفه لا يمنع حقَّ الآخر من رد ما بيده، فإذا رده استحق الرُّجوع بالعوض الَّذي بذله إن كان باقياً، وإلَّا رجع ببدله. وقياس هذا: أنَّ للبائع التصرف في الثَّمن في مدَّة الخيار (٢) (٣). وظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم: أنَّ للبائع التَّصرُّف في الثمن في مدَّة الخيار، إلَّا أن يُتَّخذ حيلة على أن يقرض غيره مالًا ويأخذ منه ما ينتفع به على صورة البيع (٤) ويشترط الخيار ليرجع فيه، وإن كان على غير وجه الحيلة، فيجوز، ولم يمنعه من التَّصرُّف في الثَّمن.

стр. 385

قاعدة [٥٥] من ثبت له حقُّ التملك بفسخ أو عقد؛ هل يكون تصرفه تملُّكاً أم لا؟ وهل ينفذ تصرفه أم لا ؟ المشهور من المذهب: أنَّه لا يكون تملُّكًا، ولا ينفذ، وفي بعض صورها خلاف. ومن صور المسألة: البائع بشرط الخيار إذا تصرَّف في المبيع؛ لم يكن تصرُّفه فسخاً ولم ينفذ، نصَّ عليه، وقال في رواية ابن القاسم: لا يجوز عتق البائع؛ لأنَّه غير مالك له في ذلك الوقت، إنَّما له فيه خيار (١)، فإذا اختاره ثمَّ أعتقه؛ جاز، فأمَّا دون أن يردَّ البيع؛ فلا. واختلف الأصحاب في المسألة على طرق: أحدها: أنَّه لا يكون فسخاً رواية واحدة، وإنَّما ينفسخ بالقول، وهي طريقة أبي بكر، والقاضي في «خلافه»، وصاحب «المحرر»، وهي أصحُّ. وقد نصَّ أحمد على أنَّ بيعه ليس بفسخ في رواية إسماعيل بن سعيد. ونصَّ على أنه إذا وطئ؛ فعليه الحدُّ في رواية مهنَّى.

стр. 386

والطَّريقة الثَّانية: أن المسألة على روايتين (١)، وهي طريقة القاضي في «كتاب الرِّوايتين»، وأبي الخطاب، وابن عقيل، وصاحب «المغني»، ورجَّحا أنَّه فسخ؛ لأنَّ ملك المشتري في مدة الخيار غير مستقر؛ فينفسخ بمجرَّد تصرف البائع، بخلاف بائع المفلس؛ لأنَّ ملك المفلس تامٌّ. والطريقة الثالثة: أنَّ تصرُّفه فسخ بغير خلاف، كما أنَّ تصرُّف المشتري إمضاء وإبطال للخيار في المنصوص، وهي طريقة القاضي في «المجرد»، والحلوانيِّ في «الكفاية»، وهي مخالفة للمنصوص، ولا يصحُّ اعتبار فسخ البائع بإمضاء المشتري؛ لأنَّ ملك المشتري قائم وملك البائع مفقود. والطَّريقة (٢) الرابعة: أن تصرُّفه بالوطء فسخ بغير خلاف؛ لأنَّه اختيار، بدليل وطء من أسلم على أكثر من أربع نسوة، وبغيره فيه الخلاف، وهي طريقة صاحب «الكافي». وممَّن صرَّح بأن الوطء اختيارٌ: القاضي في «المجرد»، وحكاه في «الخلاف» عن أبي بكر في «التَّنبيه»، ولم أجده فيه. ولا يصحُّ إلحاق وطء البائع بوطء من أسلم على أكثر من أربع نسوة؛ لأنَّ ملكه قائم؛ فكذلك كان الوطء اختياراً في حقِّه، فهو كوطء

стр. 387

المشتري ههنا، والبائع بخلافه، وقد نصَّ أحمد على أنَّ عليه الحدَّ في رواية مهنَّى (١). وأمَّا نفوذ التَّصرُّف؛ فممتنع على الأقوال كلِّها، صرَّح به الأكثرون من الأصحاب؛ لأنَّه لم يتقدمه ملك، اللَّهم إلَّا أن يتقدَّمه سبب يوجب الانفساخ كالسَّوم ونحوه. وذكر الحلوانيُّ في «التبصرة»: أنَّه ينفذ، ويتخرَّج (٢) من قاعدة لنا ستذكر إن شاء الله تعالى، وهي: أنَّه يكفي مقارنة شروط العقد للعقد في صحَّته. ومنها: إذا باع أمة بعبد، ووجد بالعبد عيباً؛ فله الفسخ واسترجاع الأمة، وكذلك سائر السِّلع المعيبة إذا علم بها بعد العقد، وليس له التَّصرُّف في عوضه (٣) الذي أداه؛ لأن ملك الآخر عليه تام مستقر، فلو أقدم وأعتق الأمة أو وطئها؛ لم يكن ذلك فسخاً، ولم ينفذ عتقه، ذكره القاضي في «خلافه». وذكر في «المجرَّد» وابن عقيل في «الفصول» احتمالاً آخر: أنَّ وطأه يكون استرجاعاً كما في وطء المطلَّقة الرجعية، ومن أسلم على أكثر من أربع نسوة. وهذا واهٍ جدًّا؛ فإن الملك عن الرَّجعيَّة ومن أسلم عليهنَّ لم يزل،

стр. 388

وههنا قد زال (١). ومنها: لو باع أمة، ثمَّ أفلس المشتري قبل نقد الثمن والأمة موجودة بعينها، فله استرجاعها بالقول بدون إذن الحاكم على أصحِّ الوجهين، حكاهما القاضي؛ بناءً على نقض حكم الحاكم بخلافه (٢)، فيكون كالفسخ المجمع عليه، فلا يحتاج إلى حاكم، ولو أقدم على التصرف فيها ابتداء (٣)؛ لم ينفذ، ولم يكن استرجاعاً، وكذلك الوطء، ذكره القاضي في «الخلاف»؛ لتمام ملك المفلس. وفي «المجرَّد» و «الفصول»: أنَّ الوطء استرجاع، وأنَّ فيه احتمالاً آخر بعدمه (٤). ويمكن تخريج هذا الخلاف في سائر التصرفات على طريقة من أثبت الخلاف في تصرف البائع في مدَّة الخيار؛ لأن ملك المفلس غير تامٍّ، بدليل منعه من التصرف في ماله لحقِّ البائع؛ فهو كالمشتري في مدَّة الخيار، غير أنَّ ضعف الملك هنا طارئ، وفي مدَّة الخيار مبتدأ،

стр. 389

ولا أثر لذلك. ومنها: تصرف الشَّفيع في الشقص المشفوع قبل التملك؛ هل يكون تملكاً، ويقوم ذلك مقام قوله: تملَّكته، أو مقام المطالبة عند من أثبت بها الملك، أو مقام الأخذ باليد عند من أثبت الملك به؟ يمكن تخريجه على الخلاف في المسألة الَّتي (١) قبلها، ولا سيَّما بعد المطالبة؛ لأنَّ حقَّه استقرَّ وثبت، وانقطع تصرُّف المشتري. ومنها: لو وهب الأب لولده شيئاً، وقبضه الولد، ثمَّ تصرَّف الأب فيه بعد القبض؛ هل يكون تصرفه رجوعاً؟ المنصوص: أن لا، قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا وهب لابنه جارية وقبضها الابن؛ لم يجز للأب عتقها حتَّى يرجع فيها، وقال في رواية ابن هانئ (٢): هذه الجارية للابن، وأعتق الأب ما ليس له. وخرَّج أبو حفص البرمكي (٣) في كتاب «حكم الوالدين في مال ولدهما» رواية أخرى: أنَّ العتق صحيح، ويكون رجوعاً، وسيأتي ذكر رجوع أصل هذا التَّخريج إن شاء الله تعالى (٤). وفي «التلخيص»: لا يكون وطؤه رجوعاً، وهل يكون بيعه وعتقه

стр. 390

ونحوهما رجوعاً؟ على وجهين، ولا ينفذ عليهما؛ لأنَّه لم يلاق الملك، انتهى. ويتخرَّج وجه بنفوذه؛ لاقتران الملك به كما سبق. ومنها: لو تصرَّف الوالد في مال ولده الَّذي يباح له تملُّكه (١) قبل التَّملُّك؛ لم ينفذ، ولم يكن تملكاً على المعروف من المذهب، وإن تملكه لا يحصل بدون القبض الذي يراد به التملك، وقد نص عليه أحمد في مواضع (٢)؛ لأنه مباح، فلم يُتملَّك بدون قبضه؛ كالاصطياد والاحتشاش. ولم يخرجوا في تملكه بالقول بمجرده خلافاً من الهبة ونحوها؛ لأنَّ الهبة عقد من اثنين؛ فيكتفى فيه بالقبول؛ كعقد المعاوضة، وههنا
следующие страницы →