← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والطَّريقة الثَّانية: أن المسألة على روايتين (١)، وهي طريقة القاضي في «كتاب الرِّوايتين»، وأبي الخطاب، وابن عقيل، وصاحب «المغني»، ورجَّحا أنَّه فسخ؛ لأنَّ ملك المشتري في مدة الخيار غير مستقر؛ فينفسخ بمجرَّد تصرف البائع، بخلاف بائع المفلس؛ لأنَّ ملك المفلس تامٌّ. والطريقة الثالثة: أنَّ تصرُّفه فسخ بغير خلاف، كما أنَّ تصرُّف المشتري إمضاء وإبطال للخيار في المنصوص، وهي طريقة القاضي في «المجرد»، والحلوانيِّ في «الكفاية»، وهي مخالفة للمنصوص، ولا يصحُّ اعتبار فسخ البائع بإمضاء المشتري؛ لأنَّ ملك المشتري قائم وملك البائع مفقود. والطَّريقة (٢) الرابعة: أن تصرُّفه بالوطء فسخ بغير خلاف؛ لأنَّه اختيار، بدليل وطء من أسلم على أكثر من أربع نسوة، وبغيره فيه الخلاف، وهي طريقة صاحب «الكافي». وممَّن صرَّح بأن الوطء اختيارٌ: القاضي في «المجرد»، وحكاه في «الخلاف» عن أبي بكر في «التَّنبيه»، ولم أجده فيه. ولا يصحُّ إلحاق وطء البائع بوطء من أسلم على أكثر من أربع نسوة؛ لأنَّ ملكه قائم؛ فكذلك كان الوطء اختياراً في حقِّه، فهو كوطء

стр. 387

المشتري ههنا، والبائع بخلافه، وقد نصَّ أحمد على أنَّ عليه الحدَّ في رواية مهنَّى (١). وأمَّا نفوذ التَّصرُّف؛ فممتنع على الأقوال كلِّها، صرَّح به الأكثرون من الأصحاب؛ لأنَّه لم يتقدمه ملك، اللَّهم إلَّا أن يتقدَّمه سبب يوجب الانفساخ كالسَّوم ونحوه. وذكر الحلوانيُّ في «التبصرة»: أنَّه ينفذ، ويتخرَّج (٢) من قاعدة لنا ستذكر إن شاء الله تعالى، وهي: أنَّه يكفي مقارنة شروط العقد للعقد في صحَّته. ومنها: إذا باع أمة بعبد، ووجد بالعبد عيباً؛ فله الفسخ واسترجاع الأمة، وكذلك سائر السِّلع المعيبة إذا علم بها بعد العقد، وليس له التَّصرُّف في عوضه (٣) الذي أداه؛ لأن ملك الآخر عليه تام مستقر، فلو أقدم وأعتق الأمة أو وطئها؛ لم يكن ذلك فسخاً، ولم ينفذ عتقه، ذكره القاضي في «خلافه». وذكر في «المجرَّد» وابن عقيل في «الفصول» احتمالاً آخر: أنَّ وطأه يكون استرجاعاً كما في وطء المطلَّقة الرجعية، ومن أسلم على أكثر من أربع نسوة. وهذا واهٍ جدًّا؛ فإن الملك عن الرَّجعيَّة ومن أسلم عليهنَّ لم يزل،

стр. 388

وههنا قد زال (١). ومنها: لو باع أمة، ثمَّ أفلس المشتري قبل نقد الثمن والأمة موجودة بعينها، فله استرجاعها بالقول بدون إذن الحاكم على أصحِّ الوجهين، حكاهما القاضي؛ بناءً على نقض حكم الحاكم بخلافه (٢)، فيكون كالفسخ المجمع عليه، فلا يحتاج إلى حاكم، ولو أقدم على التصرف فيها ابتداء (٣)؛ لم ينفذ، ولم يكن استرجاعاً، وكذلك الوطء، ذكره القاضي في «الخلاف»؛ لتمام ملك المفلس. وفي «المجرَّد» و «الفصول»: أنَّ الوطء استرجاع، وأنَّ فيه احتمالاً آخر بعدمه (٤). ويمكن تخريج هذا الخلاف في سائر التصرفات على طريقة من أثبت الخلاف في تصرف البائع في مدَّة الخيار؛ لأن ملك المفلس غير تامٍّ، بدليل منعه من التصرف في ماله لحقِّ البائع؛ فهو كالمشتري في مدَّة الخيار، غير أنَّ ضعف الملك هنا طارئ، وفي مدَّة الخيار مبتدأ،

стр. 389

ولا أثر لذلك. ومنها: تصرف الشَّفيع في الشقص المشفوع قبل التملك؛ هل يكون تملكاً، ويقوم ذلك مقام قوله: تملَّكته، أو مقام المطالبة عند من أثبت بها الملك، أو مقام الأخذ باليد عند من أثبت الملك به؟ يمكن تخريجه على الخلاف في المسألة الَّتي (١) قبلها، ولا سيَّما بعد المطالبة؛ لأنَّ حقَّه استقرَّ وثبت، وانقطع تصرُّف المشتري. ومنها: لو وهب الأب لولده شيئاً، وقبضه الولد، ثمَّ تصرَّف الأب فيه بعد القبض؛ هل يكون تصرفه رجوعاً؟ المنصوص: أن لا، قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا وهب لابنه جارية وقبضها الابن؛ لم يجز للأب عتقها حتَّى يرجع فيها، وقال في رواية ابن هانئ (٢): هذه الجارية للابن، وأعتق الأب ما ليس له. وخرَّج أبو حفص البرمكي (٣) في كتاب «حكم الوالدين في مال ولدهما» رواية أخرى: أنَّ العتق صحيح، ويكون رجوعاً، وسيأتي ذكر رجوع أصل هذا التَّخريج إن شاء الله تعالى (٤). وفي «التلخيص»: لا يكون وطؤه رجوعاً، وهل يكون بيعه وعتقه

стр. 390

ونحوهما رجوعاً؟ على وجهين، ولا ينفذ عليهما؛ لأنَّه لم يلاق الملك، انتهى. ويتخرَّج وجه بنفوذه؛ لاقتران الملك به كما سبق. ومنها: لو تصرَّف الوالد في مال ولده الَّذي يباح له تملُّكه (١) قبل التَّملُّك؛ لم ينفذ، ولم يكن تملكاً على المعروف من المذهب، وإن تملكه لا يحصل بدون القبض الذي يراد به التملك، وقد نص عليه أحمد في مواضع (٢)؛ لأنه مباح، فلم يُتملَّك بدون قبضه؛ كالاصطياد والاحتشاش. ولم يخرجوا في تملكه بالقول بمجرده خلافاً من الهبة ونحوها؛ لأنَّ الهبة عقد من اثنين؛ فيكتفى فيه بالقبول؛ كعقد المعاوضة، وههنا

стр. 391

اكتساب مال مباح من غير عقد؛ فلا يكتفى فيه بدون القبض والحيازة، وما لم يُحَز؛ فهو باق على ما كان عليه. وخرَّج أبو حفص البرمكيُّ رواية أخرى بصحَّة تصرفه بالعتق قبل القبض، وأخذ ذلك ممَّا رواه المروذيُّ عنه أنَّه قال: لو أنَّ لابنه جارية فعتقها، كان جائزاً (١). وفي رواية محمَّد بن الحكم: يُعتق الأب في مال الابن، هو ملك الابن حتَّى يُعتق الأب أو يأخذ. وفي رواية الميموني: أرى أنَّ ماله يؤخذ منه ويُعتَق منه؛ إلَّا أمَّ ولد ابنه (٢). وفي (٣) توجيه هذه الرِّواية (٤) طريقان: أحدهما: أنَّ رقيق الابن له (٥) فيه شبهة ملك، ولذلك نفذ استيلاده فيه، فينفذ عتقه، كعتق أمة من المغنم، لكن لا يضمن؛ لأنَّ الأب لا يطالب بما أتلفه من مال ولده. والثَّاني: أن يقال: وقع الملك مقارناً للعتق، فنفذ، وهذا (٦) القدر

стр. 392

من الملك يكتفى به في العتق، كما لو قال لغيره: أْعتِق عبدك عنِّي وعليَّ ثمنه، ففعل؛ صحَّ (١) ووقع العتق والملك معاً. ونقل أبو طالب عن أحمد أنَّه قال: بيع الأب وشراؤه على ابنه جائز؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» (٢)، وظاهر هذه الرواية (٣) جواز الإقدام على التصرف في ماله ونفوذه وحصول التملك به. وفي «التَّنبيه» لأبي بكر: بيع الأب على ابنه، وعتقه، وصدقته، ووطء إمائه ولم (٤) يكن الابن قد وطئ؛ جائز (٥)، ويجوز له بيع عبيده وإمائه وعتقهم. ولهذا القول مأخذان أيضاً: أحدهما: أنَّ الملك يقترن بالتَّصرُّف، فينفذ كما في نظائره. والثَّاني: أنَّ هذا تملُّك قهريٌّ في مال معين؛ فيكتفى فيه بالقول الدَّالِّ على التملك، كما تُملك الهبة المعينة بمجرد القبول على رواية،

стр. 393

ولهذا حكى طائفة من الأصحاب في بيع المباحات النابتة والجارية في الأرض المملوكة قبل حيازتها روايتين، ولم يذكروا خلافاً في أنَّها غير مملوكة، وممَّن سلك هذا المسلك صاحب «المقنع» في كتاب البيع (١)، وصاحب «المحرر». ووجه صحة البيع على هذا: أنَّه مقدور على تسليمه، وليس ملكاً لغيره (٢)؛ فهو كالمملوك له، وهو قريب من بيع الصِّكاك قبل استحقاقها، وقد تقدم الخلاف فيها (٣). وأمَّا تصرُّف الأب في أمة ولده بالوطء قبل القبض: فإن أحبلها؛ صارت أم ولد له. وإن لم يحبلها، فإن قلنا: لا يملك الأب مال ولده إلَّا بالقبض؛ لم يملكها حتَّى يقبضها، وإن قلنا: يُملك (٤) بمجرد التَّصرُّف؛ صارت ملكاً له بالوطء بمجرَّده. ونقلت من خطِّ القاضي -وذكر أنه نقله من خط ابن شاقلا-: قال الشَّيخ - يعني: أبا بكر عبد العزيز-: روى الأثرم أن المرأة إذا وطئها زوجها وانقضت العدة ثمَّ تزوجت، فإن أتت بولد لستَّة أشهر، فتداعياه جميعاً: أُرِيَ القافةَ.

стр. 394

وقال: إذا وطئ الرَّجل جارية ابنه وإن كان الابن قد وطئ؛ فلا حد على الأب؛ لأنَّها بنفس الوطء ملك له. قال الشَّيخ (١): في نفسي من مسألة الأثرم شيء، انتهى. فإن كان قوله: (إذا وطئ الرَّجل جارية ابنه) إلى آخره من تمام رواية الأثرم؛ فيكون ذلك منصوصاً عن أحمد، وإلَّا فهو من كلام أبي بكر، وهو موافق لما ذكره في «التنبيه» كما حكيناه عنه (٢). وقوله: (وإن كان الابن قد وطئ)؛ يريد أنَّ تملُّكها يثبت (٣) مع وطء الابن. فأمَّا ثبوت (٤) الاستيلاد (٥)؛ ففيه خلاف في (٦) المذهب، ونقل ابن

стр. 395

منصور عن أحمد كلاماً يدلُّ بمفهومه على أنَّها لا تصير مستولدة له (١)، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى. والمرجَّح عند صاحب «المغني»: أنَّها تصير مستولدة؛ لأنَّ التَّحريم لا ينافي الاستيلاد؛ كالأمة المشتركة، ولكن بينهما فرق، وهو أنَّ هذه محرَّمة (٢) على التَّأبيد، بخلاف المشتركة. وقد نصَّ أحمد على أن النسب لا يلحق بوطء الأمة المزوَّجة (٣)؛ وإن كان زوجها صغيراً لا يولد لمثله (٤)، في رواية حرب وابن بختان، وذكره أبو بكر وابن أبي موسى؛ فالمؤبَّدة التحريم (٥) أولى.

стр. 396

هذا كلُّه ما لم يكن الابن قد استولدها، فإن كان استولدها؛ لم ينتقل الملك فيها باستيلاد غيره؛ كما لا ينتقل بالعقود (١). وذكر ابن عقيل في «فنونه»: أنها تصير مستولدة لهما جميعاً، كما لو وطئ الشَّريكان أمتهما (٢) في طهر واحد، وأتت بولد وألحقته القافة بهما. ولكن في مسألة القافة حُكِم باستيلادها لهما دفعة واحدة، وفي مسألتنا قد ثبت استيلاد الابن أوَّلًا لها، فلا ينتقل إلى غيره، إلَّا أن يقال: أمُّ الولد تملك بالقهر (٣) على رواية، والاستيلاد سبب قهريٌّ. ومنها: تصرُّف السَّيِّد في مال عبده الَّذي ملَّكه إيَّاه وقلنا: يملكه (٤)، ظاهر كلام أحمد: أنَّه ينفذ، ويكون استرجاعاً؛ لتضمُّنه إيَّاه. وذكر القاضي في «الجامع»: أنَّه يحتمل حمله على أنَّه سبق رجوعُه التَّصرفَ؛ لينفذ. ومنها: تصرُّف الموصى له بالوصية (٥) بعد الموت؛ هل يقوم مقام القبول؟

стр. 397

الأظهر: قيامه مقامه؛ لأنَّ سبب الملك (١) قد استقرَّ له استقراراً لا يمكن إبطاله، وقد ملك بالموت على أحد الوجوه، وهو منصوص عن أحمد. ومثله: الوقف على معيَّن إذا قيل باشتراط قبوله (٢). فأمَّا العقود الَّتي تُملِّك موجِبَها الرُّجوعَ فيها قبل القبول (٣)؛ فهل يقوم التَّصرُّف (٤) فيها مقام القبول؟ فيه تردُّد يلتفت إلى انعقاد العقود بالمعاطاة (٥). فأمَّا الوكالة؛ فيصحُّ قبولها بالفعل، صرَّح به الأصحاب؛ لأنَّها إذن مجرَّد وأمر بالتَّصرُّف، فيصح امتثاله بالفعل، وهل يساويها في ذلك سائر العقود الجائزة؛ كالشَّركة والمضاربة والمساقاة؟ ظاهر كلام صاحب «التلخيص» أو صريحه: المساواة (٦). وحكى القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة» في صحَّة قبول القاضي القضاء بشروعه في النَّظر: احتمالين، وجعل مأخذهما: هل يجري

стр. 398

الفعل مَجرى النُّطق؛ لدلالته عليه؟ ويحسن بناؤهما على أن: ولاية القضاء عقد جائز (١) أو لازم؟ ومنها: المطلقة الرَّجعية؛ هل تحصل رجعتها بالوطء؟ على روايتين، مأخذهما عند أبي الخطاب: الخلاف في وطئها؛ هل هو محرَّم أو مباح؟ والصَّحيح: بناؤه على اعتبار الإشهاد للرَّجعة وعدمه، وهو البناء المنصوص عن الإمام، ولا عبرة بحلِّ الوطء ولا عدمه، فلو وطئها في حيض أو غيره؛ كانت رجعة (٢). وهل يشترط أن ينوي بالوطء الرَّجعة أم لا؟ نقل ابن منصور عن أحمد اعتباره، وهو اختيار ابن أبي موسى. والمذهب عند القاضي ومن اتَّبعه: خلاف ذلك. ولكنَّ الرَّجعيَّة لم يَزُل النِّكاح عنها بالكليَّة (٣)، وإنَّما حصل له تشعُّثٌ، لكنَّ الرَّجعة يترتَّب عليها الاستباحة حقيقة في المدَّة الزَّائدة على مدَّة العدَّة.

стр. 399

قاعدة [٥٦] شروط العقود، من (١) أهليَّة العاقد والمعقود له أو عليه ، إذا وجدت مقترنة بها ولم تتقدَّم عليها؛ هل يكتفى بها (٢) في صحَّتها، أم لا بدَّ من سبقها؟ المنصوص عن أحمد: الاكتفاء بالمقارنة في الصِّحَّة. وفيه (٣) وجه آخر: لا بدَّ من السبق، وهو اختيار ابن حامد والقاضي في الجملة. ويتخرَّج على ذلك مسائل قد ذكرنا عدَّة منها في القاعدة السَّابقة: ومنها: إذا أعتق أمته وجعل عتقها صداقها؛ فالمنصوص الصِّحَّة؛ اكتفاء باقتران شرط النِّكاح - وهو الحريَّة - به (٤) كما دلَّت عليه السُّنَّة الصَّحيحة (٥).

стр. 400

واختار ابن حامد والقاضي: عدم الصِّحَّة؛ فمنهم من مأخذه انتفاء لفظ النِّكاح الصَّريح، وهو ابن حامد، ومنهم من مأخذه انتفاء تقدُّم الشرط. ومنها: لو باعه شيئاً بشرط أن يرهنه على ثمنه؛ صحَّ، نص عليه (١). وقال ابن حامد والقاضي: لا يصح؛ لانتفاء سبق الملك للرهن، ولا تكفي المقارنة (٢). ومنها: لو كاتب عبده وباعه شيئاً صفقة واحدة، ففيه وجهان: أحدهما: أنَّه يصحُّ (٣)، وقيل: إنه المنصوص، وذكره القاضي وابن عقيل في «النكاح»، وأبو الخطاب والأكثرون؛ اكتفاء باقتران البيع وشرطه، وهو كون المشتري مكاتباً تصحُّ معاملته للسَّيِّد. والوجه الثَّاني: لا يصح (٤)، قاله القاضي وابن عقيل في البيوع؛ لأنَّ الكتابة لم تسبق عقد البيع. ومنها: لو ادَّعى أنَّه وكيل لزيد، وأن لزيد على فلان ألفاً، وأقام البينة بالوكالة والدَّين في حالة واحدة، فهل يقبل ويدفع إليه المال، أم

стр. 401

لا بدَّ من تقدُّم ثبوت الوكالة على ثبوت الدَّين؟ قال القاضي في «خلافه»: يحتمل وجهين، والأشبه اعتبار تقدُّم الوكالة؛ لأنَّه ما لم يثبت وكالته (١) لم يجب الدَّفع إليه. واستشهد للقبول: بما لو شهدا أنَّه ابتاع من فلان داراً وهو مالك لها، فإنَّه يصحُّ شهادتهما بالبيع والملك في حالة واحدة. ومنها: لو قال: إذا تزوَّجت فلانة، فقد وكَّلتك في طلاقها؛ ففي «التلخيص»: قياس المذهب صحَّتُه. ويتخرَّج وجه آخر: أنَّه لا يصحُّ؛ لاقتران الوكالة وشروطها (٢)؛ إذ شرطها أن يكون الموكِّل مالكاً لما وكِّل فيه، وملك الطَّلاق يترتَّب على النِّكاح، فيقارن الوكالة. ومنها: لو وجدت الكفاءة في النِّكاح حال العقد، بأن يقول سيِّد العبد بعد إيجاب النِّكاح له: قبلت له النكاح وأعتقته؛ فقال الشيخ تقي الدين: قياس المذهب الصِّحَّة، قال (٣): ويتخرَّج فيه وجه آخر بمنعها (٤). فأمَّا اقتران الحكم مع شرطه في غير عقد؛ هل يثبت به الحكم أم لا؟ يتخرَّج عليه مسائل: منها: صحة الوصية لمن يثبت أهلية ملكه بالموت؛ كأمِّ ولده

стр. 402

ومدبَّره، فإنَّ السَّبب المستحَقَّ به هو الإيصاء، وشرط الاستحقاق هو الموت، وعليه يترتَّب الاستحقاق (١)، وقد اقترن به وجود أهلية المستحِقِّ؛ فيكفي في ثبوت الملك. هذا إذا قلنا: إنَّ الوصية تملك بالموت من غير قبول. وإن قلنا: تتوقَّف (٢) على القبول - وهو المشهور -؛ فإنَّ القبول يتأخر عن أهلية الاستحقاق، فيصح القبول حينئذ، ولا يضر فوات أهليته عند الموت، فإنَّه لو قال: أَعتقوا عنِّي عبداً وأعطوه كذا؛ لصحَّت هذه الوصيَّة. ومنها: إذا وجدت الحريَّة عقب موت الموروث أو معه، كما لو قال لعبده: إن مات أبوك فأنت حرٌّ، وكان أبوه حرًّا فمات، أو دبَّر ابن عمه ثمَّ مات؛ فإنَّه لا يرث، ذكره القاضي وصاحب «المغني»، وعلَّله: بأنَّ المانع (٣) لا يؤثِّر زواله حال الاستحقاق، كما لا يؤثِّر وجوده (٤) عندنا في إسلام الطفل بموت أبويه (٥). وقال الشيخ تقي الدين: ينبغي أن يخرَّج على الوجهين فيما إذا

стр. 403

حدثت الأهلية مع الحكم، هل يكتفى بها، أم يشترط تقدُّمها؟ فإن قلنا: تكفي المقارنة؛ ورث؛ لأنَّه صار حرًّا ومالكاً في زمن واحد (١)، انتهى. ولا يقال: هذا يفضي إلى اقتران العلَّة ومعلولها، وهو عندكم باطل؛ لأنَّا نقول: علَّة الإرث وسببه هو النَّسب، وهو سابق على الموت، وإنَّما الحريَّة شرط له. ومنها: عدَّة أم الولد (٢) إذا توفِّي سيِّدها؛ هل هي عدَّة حرة أو أمة؟ وأكثر الروايات عن أحمد: أنها تعتد عدَّة أمة، وقال: لو اعتدت عدة حرة؛ لورثت (٣)، ثمَّ توقَّف (٤) في ذلك (٥)، وقال (٦): دخلني منه شيء (٧).

стр. 404

وقال مرَّة: تعتدُّ عدَّة حرَّة (١)؛ اكتفاء بالحرِّيَّة المقارنة لوجوب العدة، ولزوم مقارنة العلة للمعلول هنا أظهر، ولا يلزم؛ لأنَّ سبب العدَّة هنا (٢) الاستفراش السَّابق والموت شرطها، والحريَّة شرط للعدة بالشهور، ومن ههنا لم يلزم التَّوريث؛ لأنَّ سببه منتفٍ بالكليَّة، وهو النكاح والنسب والولاء.

стр. 405

قاعدة [٥٧] إذا تقارن الحكم ووجود المنع منه (١)؛ فهل يثبت الحكم أم لا ؟ المذهب المشهور: أنَّه لا يثبت. وقال ابن حامد: يثبت. وإن تقارن الحكم ووجود المانع منه؛ فهل يثبت الحكم معه؟ فيه وجهان: واختيار القاضي في «المجرد»، وابن عقيل في «الفصول»، وصاحب «المغني»: أنَّه لا يثبت. واختار القاضي في «خلافه»، وفي «الجامع الكبير»: أنَّه يثبت، وكذلك ابن عقيل في «عمد الأدلَّة» وأبو الخطَّاب. فأمَّا اقتران الحكم والمنع منه؛ فيندرج تحته مسائل: منها: لو قال الزَّوج لامرأته: أنت طالق مع انقضاء عدَّتك، أو

стр. 406

قال: كلَّما ولدت ولداً فأنت طالق، فولدت ولدين متعاقبين (١)؛ فإنها تطلق بالأول، وتنقضي العدة بالثاني ولا تطلق به، كما لا تطلق في قوله: مع انقضاء عدَّتك، هذا المذهب المشهور، وعليه أبو بكر وأبو حفص والقاضي وأصحابه، والخلاف فيه مع ابن حامد وحده. وفي «الفصول» يشير إلى أنَّ مأخذ ابن حامد في مسألة الولادة: القول بتقارن العلَّة ومعلولها؛ فيقع الطَّلاق في حال الولادة قبل البينونة. ولا يصحُّ (٢)؛ لأنَّ البينونة معلول للولادة، فلو اقترنت العلَّة ومعلولها؛ لبانت مع الولادة أيضاً (٣). ومنها: لو قال: أنت طالق بعد موتي (٤)؛ لم تطلق بغير خلاف نعلمه.

стр. 407

ولو قال: مع موتي أو موتك؛ لم تطلق، نصَّ عليه في رواية مهنَّى (١)؛ لأنَّ الموت سبب البينونة؛ فلا يجامعها (٢) الطَّلاق. ويلزم على قول ابن حامد: الوقوع ههنا؛ لأنَّه إذا أوقع الطَّلاق مع الحكم بالبينونة (٣)؛ فإيقاعه مع سبب الحكم أولى. ويلزم مثل ذلك القاضي ومن تابعه على الوقوع مع سبب الانفساخ (٤)؛ لتأخُّر الانفساخ عنه، ولم يلتزموا (٥) ذلك، وادَّعوا ههنا المقارنة (٦) دون السَّبق.

стр. 408

ولا يصحُّ (١)، ولعلَّ المانع من إيقاع الطَّلاق مع الموت هو عدم الفائدة فيه (٢)، بخلاف إيقاعه مع البينونة في الحياة؛ فإنَّه يفيد التَّحريم أو نقص (٣) العدد. ومنها: لو قال زوج الأمة لها: إن ملكتك فأنت طالق، ثمَّ ملكها؛ لم تطلق، قال الأصحاب: وجهاً واحداً. ولا يصحُّ؛ لأنَّ ابن حامد يلزمه القول ههنا بالوقوع؛ لاقترانه بالانفساخ. ومنها: لو أُعتِق الزَّوجان معاً، وقلنا: لا خيار للمعتَقة تحت الحرِّ (٤)؛ فهل يثبت لها الخيار ههنا؟ على روايتين (٥) منصوصتين عن أحمد، وقد اقترن هنا المقتضي (٦)، وهو حريَّتها، والمانع وهو حريَّته،

стр. 409

فحصل الحكم بثبوت الخيار مع المنع منه (١). فإن قيل: يُشكل على ما ذكرتموه مسألتان منصوصتان عن الإمام أحمد (٢): إحداهما: إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حرٌّ، ثمَّ باعه؛ فإنه يَعتق على البائع من ماله، نصَّ عليه أحمد (٣) في رواية جماعة (٤)، ولم ينقل عنه في ذلك خلاف؛ فقد حكم بوقوع العتق مع وجود المانع (٥) منه، وهو انتقال الملك (٦). وهذا يلزم منه صحَّة قول ابن حامد وطرده في إثبات الأحكام مع مقارنة المنع منها؛ مثل أن يقول لغير مدخول بها: إن طلَّقتك فأنت طالق، ثمَّ طلَّقها (٧)؛ فينبغي أن تطلق طلقتين (٨)، وكذلك إذا قال: إن

стр. 410

فسخت نكاحك لعيب أو نحوه فأنت طالق (١)، وكذلك لو قال: إن خالعتك؛ فأنت طالق (٢). والمسألة الثَّانية: إذا مات الذِّميُّ وله أطفال صغار؛ حُكم بإسلام الولد وورث منه، نصَّ عليه ولم يثبت عنه خلاف ذلك (٣)، حتَّى إنَّ من الأصحاب من أنكر القول بعدم توريثه، وقال: هو خلاف الإجماع، ويلزم من توريثه إثبات الحكم (٤) المقترن بمانعه (٥)، وهذا لا محيد عنه. والجواب: أمَّا على قول ابن حامد؛ فهذا متجه لا بُعد فيه.

стр. 411

وأمَّا على قول جمهور الأصحاب: فقد اختلفوا في تخريج كلام الإمام أحمد في مسألة العتق على طرق: أحدها: أنَّه مبنيٌّ على قوله: بأنَّ الملك لم ينتقل عن البائع في مدَّة الخيار. فأمَّا على قوله بالانتقال، وهو الصَّحيح: فلا يَعتق، وهذه طريقة أبي الخطاب في «انتصاره»، وفيها ضعف؛ فإنَّ نصوص أحمد بالعتق هنا متكاثرة، ورواية بقاء الملك للبائع ربَّما لم تكن صريحة عن أحمد بل مستنبطة من كلامه، وإنَّما المنقول الصَّريح عنه انتقال الملك. والطَّريق الثَّاني: أنَّ عتقه على البائع؛ لثبوت الخيار له، فلم تنقطع علقه عن المبيع بعدُ، وهي طريقة القاضي وابن عقيل وأبي الخطاب. وأُورد عليهم: أنَّ تصرُّف البائع بالعتق في مدَّة الخيار لا ينفذ على المنصوص. فأجابوا: بأنَّ (١) هذا العتق أنشأه (٢) في ملكه، فلذلك نفذ في مدَّة الخيار بعد زوال ملكه؛ لأنَّ أحمد شبهه بنفوذ الوصية بعد الموت، وقال في رواية ابن ماهان: يَعتق من مال البائع، قيل: لأنَّه حَلَف على ملكه (٣)؛ قال: نعم (٤).

стр. 412

والطَّريق الثَّالث: أنَّه يَعتق على البائع عقب (١) إيجابه وقبل قبول المشتري، وهي طريقة ابن أبي موسى، والسَّامريِّ، وصاحبي «المغني» و «التَّلخيص»؛ لأنَّه إنَّما علَّقه على بيعه، وبيعه الصَّادر عنه هو الإيجاب فقط، ولهذا يسمَّى بائعاً والقابل مشترياً، ويقال: باع هذا، واشترى هذا، وإن كان العقد لا ينعقد إلَّا بقبول المشتري، لكنَّ القبول شرط محض لانعقاد البيع، وليس هو من ماهيَّته، فإذا وجد القبول تبيَّنَّا أنَّه عَتَق على البائع قبله في ملكه قبل الانتقال. وفي هذه أيضاً نظر؛ فإنَّ أحمد نصَّ على نفوذه بعد زوال الملك، ولأنَّ البيع المطلق إنَّما يتناول المنعقد لا صورة البيع (٢) المجرَّدة. والطَّريق (٣) الرَّابع: أنَّه يَعتق على البائع في حالة انتقال الملك إلى المشتري؛ حيث يترتب على الإيجاب والقبول انتقال الملك ونفوذ العتق (٤)؛ فيتدافعان، وينفذ (٥) العتق؛ لقوَّته وسرايته دون انتقال الملك، وهي طريقة أبي الخطاب في «رؤوس المسائل»، ويشهد لها تشبيه أحمد

стр. 413

له (١) بالمدبَّر والوصيَّة. ولا يقال في التَّدبير والوصيَّة: لا ينتقل إلى ملك الورثة؛ لتعلُّق حق غيرهم بها؛ لأنَّا نمنع ذلك على أحد الوجهين (٢)، ونقول: بل ينتقل إليهم المال الموصى به، وهو ظاهر تعليل أحمد في هذه المسألة؛ فإنَّه قال في رواية الأثرم، وقد قيل له: كيف يعتق على البائع وإنَّما وجب العتق بعد البيع؟ فقال: لو وصَّى لرجل بمائة درهم ومات؛ يعطاها، وإن كانت وجبت له بعد الموت ولا ملك؛ فهذا مثله، ونقل عنه صالح نحو هذا المعنى أيضاً (٣). وعلى هذه الطَّريقة: فينفذ العتق مع قيام المانع له؛ لقوَّته وسرايته، ولا يلزم مثل ذلك في غيره من العقود. والطَّريق الخامس: أنَّه يعتق بعد انعقاد البيع وصحَّته وانتقال الملك إلى المشتري، ثمَّ ينفسخ البيع بالعتق على البائع، وصرَّح بذلك القاضي في «خلافه»، وابن عقيل في «عُمَده»، وصاحب «المحرر»، وهو ظاهر كلام أحمد وتشبيهه بالوصيَّة (٤).

стр. 414

ووجه ذلك: أنَّ العتاق لقوَّته ونفوذه وسرايته إلى ملك الغير ينفذ؛ وإن وجد أحد طرفيه في ملك والآخر في غير ملك، فإذا عقده في غير ملك مضافاً إلى وجود الملك (١)؛ نفذ في المذهب الصَّحيح المشهور، فكذا إذا عقده في ملك على نفوذه في غير الملك (٢)؛ فإنَّه ينفذ. ولهذا نقول على إحدى الرِّوايتين: لو قال: مملوكي فلان حرٌّ بعد موتي بسنة؛ لعَتَق كما قال، وإن كان ذلك بعد زوال ملكه وانتقاله عنه، ولا يقال: لا ينتقل ملكه مع قيام الوصيَّة؛ لأنَّ ذلك ممنوع على ظاهر

стр. 415

كلام أحمد كما تقدَّم، ولا يلزم مثل هذا في غير العتق من العقود؛ لأنَّها لا تسري إلى ملك الغير، ولا عهد نفوذها في غير ملك بحال. وخرَّج صاحب «المحرر» في «تعليقه على الهداية» وجهاً فيما إذا علَّق طلاقها على خلعها فخالعها: أنَّه يقع الطَّلاق المعلَّق كما يقع العتق بعد البيع اللَّازم. فإن كان مراده: أنَّه يقع مع الخلع، فهي مسألة ابن حامد في الوقوع مع البينونة، وإن أراد بعده، فمُشكل، فإنَّ الطَّلاق لم يعهد عندنا وقوعه في غير ملك. وسلك الشيخ تقي الدين طريقة أخرى، فقال: إن كان المعلِّق للعتق قصده اليمين دون التَّبرُّر بعتقه، أجزأه كفَّارة يمين؛ لأنَّه إذا باعه خرج عن ملكه، فبقي؛ كنذره أن يُعتق عبد غيره، فتجزئه الكفارة، وإن قصد به (١) التَّقرُّب؛ صار عتقه مستحَقًّا كالنَّذر، فلا يصح بيعه، ويكون العتق معلَّقاً على صورة البيع، كما لو قال لما لا يحلُّ بيعه: إذا بعته فعليَّ عتق رقبة، أو قال لأمِّ ولده: إن بعتك فأنت حرة. وطَرَد قوله هذا في تعليق الطَّلاق على الفسخ والخلع، فجعله معلَّقاً على صورة الفسخ والخلع، قال: ولو قيل بانعقاد الفسخ والخلع المعلَّق عليه، فلا يمتنع وقوع الطَّلاق معه على رأي ابن حامد، حيث أوقعه مع البينونة بانقضاء العدَّة؛ فكذا بالفسخ، والله أعلم (٢).

стр. 416

وأمَّا مسألة الميراث؛ فلا ريب أنَّ أحمد نصَّ على توريث الطِّفل من أبيه الكافر، والحكم بإسلامه بموته، وخرَّجه من خرَّجه من الأصحاب؛ كصاحب «المغني»: على أنَّ المانع (١) لم يتقدَّم الحكم بالإرث، وإنَّما قارنه، وهذا يرجع إلى ثبوت الحكم مع مقارنة المانع له؛ لأنَّ الإسلام سبب المنع، والمنع يترتَّب عليه، والحكم بالتَّوريث سابق على المنع؛ لاقترانه بسببه (٢). وأمَّا اقتران الحكم والمانع (٣)؛ فله صور: منها: مسألة توريث الطِّفل المحكوم بإسلامه بموت أحد أبويه الكافرين منه، وقد ذكرت. ومنها: إذا قتلت أمُّ الولد سيِّدَها؛ فإنَّه يلزمها أقلُّ الأمرين من قيمتها أو الدية، نص عليه. قال الأصحاب: سواء قلنا: إن الدِّية تحدث على ملك الورثة ابتداء أو على ملك الموروث أولًا؛ لأنَّا إن قلنا: تحدث على ملك الورثة؛ فقد اقترن الضَّمان بالحرية، وإنَّما لم يجب هنا الضَّمان بالدِّية مطلقاً (٤)؛

стр. 417

اكتفاء بمقارنة الشَّرط (١) للحكم (٢) على ما تقدَّم؛ لأنَّ الاعتبار هنا في الضمان بحالة الجناية (٣)، وهي حينئذ (٤) رقيقة، فلا يلزمها أكثر من ضمان جناية الرَّقيق (٥)، ولا يمنع ذلك مقارنة الحريَّة بحالة وجوب الضمان؛ بناء على أن المانع إذا اقترن (٦) بالحكم لم يمنعه. وإن قلنا: إن الدِّية تحدث على ملك المقتول أوَّلاً؛ فقد وجب له ذلك في آخر جزء من حياته، وهي إذ ذاك رقيقة؛ فسبق وقت وجوب الضمان وقت الحرية، وإنَّما (٧) وجب الضَّمان هنا للسَّيِّد، وإن كان السَّيِّد لا يجب له الضَّمان على رقيقه؛ لتعلُّق حقِّ ورثته بماله في هذه الحال؛ فصار كالواجب لهم ابتداء، ولهذا كانوا هم المطالِبِين به (٨). ومنها: إذا تزوَّج العادم للطَّول الخائف للعنت في عقدٍ حرَّة وأمة؛ فهل يصحُّ نكاح الأمة مع الحرَّة؟ على وجهين (٩).

стр. 418

ومنها: إذا قال المتزوِّج بأمة أبيه: إذا مات أبي فأنت طالق، ثم مات (١) الأب، فهل يقع الطَّلاق؟ على وجهين: أحدهما: يقع (٢)، وهو قول القاضي في «الجامع» و «الخلاف»، وابن عقيل في «العُمَد»، واختيار أبي الخطَّاب؛ لأنَّ الموت يترتب عليه وقوع الطلاق والملك، والملك سبب انفساخ النِّكاح، فقد سبق نفوذ الطَّلاق الفسخ، فنفذ. والثَّاني: لا يقع، وهو قول القاضي في «المجرد»، وابن عقيل في «الفصول»؛ لأن الطلاق قارن المانع، وهو الملك، فلم ينفذ. ومنها: إذا تزوَّج أمة، ثمَّ قال لها: إن اشتريتك؛ فأنت طالق، وفيه الوجهان إن قلنا: ينتقل الملك مع الخيار - وهو الصَّحيح -، وإن قلنا: لا ينتقل؛ وقع الطَّلاق وجهاً واحداً، كذا ذكره أبو الخطَّاب. وفي «خلاف» القاضي: إذا حلف لا يبيع، فباع بشرط الخيار؛ هل يحنث؟ إنَّ ذلك ينبني على نقل الملك وعدمه؛ فقياس قوله: أنَّه لا يقع الطَّلاق هنا في مدَّة الخيار إذا قلنا: لا ينتقل الملك فيها. وأنكر ذلك الشَّيخ تقي (٣) الدين وقال: يحنث بكلِّ حال؛ لأنَّ البيع قد وجد.

стр. 419

ومنها: إذا قال لامرأته الَّتي لم يدخل بها: إن كلَّمتك فأنت طالق، ثمَّ أعاده؛ فإنَّها تطلق بالإعادة؛ لأنَّها كلام في المشهور عند الأصحاب. وقال ابن عقيل في «عُمَد الأدلة»: قياس المذهب عندي: أنَّه لا يحنث بهذا الكلام؛ لأنَّه من جنس اليمين الأولى ومؤكِّد لها، وإنَّما المقصود أذاها وهجرها وإضرارها بترك كلامها، وليس في هذه (١) الإعادة ما ينافي ذلك؛ فلا يحنث به. وهذا قويٌّ. والتَّفريع على المشهور؛ فإذا وقع الطَّلاق بالإعادة ثانياً؛ فهل ينعقد به يمين ثانية أم لا؟ في المسألة وجهان: أحدهما: لا ينعقد (٢)، وهو قول القاضي في «الجامع» و «الخلاف» (٣) ومن اتَّبعه؛ كالقاضي يعقوب (٤) وابن عقيل، وهو قياس قول صاحب «المغني»، وله مأخذان: أحدهما: وهو مأخذ القاضي ومن اتَّبعه: أنَّ الكلام يحصل بالشُّروع في الإعادة قبل إتمامها؛ فيقع الطَّلاق قبل إنهاء الإعادة؛ فلا

стр. 420

ينعقد؛ لأنَّ تمام اليمين حصل بعد البينونة. والثَّاني: وهو الَّذي ذكره صاحب «المغني» في نظير هذه المسألة: أنَّ الطَّلاق وإن وقف وقوعه إلى ما بعد إنهاء الإعادة، إلَّا أنَّ الإعادة يترتَّب عليها البينونة، فيقع انعقاد اليمين مع البينونة (١)، فيخرَّج على الخلاف في ثبوت الحكم مع المانع أو مع سببه، والأصحُّ عنده (٢) عدمه (٣). والوجه الثَّاني: تنعقد اليمين، وهو اختيار صاحب «المحرَّر»؛ بناء على أنَّ الطَّلاق يقف وقوعه على تمام الإعادة؛ لأنَّ الكلام المطلق إنَّما ينصرف إلى المفيد، ولا تحصل الإفادة بدون ذكر جملة الشَّرط والجزاء، فيقف الطَّلاق عليهما، ويقع عقيبهما؛ لأنَّهما شرط لوقوعه، وأمَّا اليمين؛ فوجدت مع شرط الطَّلاق، فسبقت وقوعه. يوضحه: أنَّ اليمين هي اللَّفظ المجرَّد، وهو المعلَّق عليه الطَّلاق، فإذا قال: إن كلَّمتك فأنت طالق؛ فهو في معنى قوله: إن حلفت يميناً بطلاقك على كلامك؛ فأنت طالق؛ فتبيَّن أنَّ وجود اليمين سابقة لوقوع الطَّلاق.

стр. 421

ومنها: إذا قال لامرأتيه -وإحداهما غير مدخول بها-: إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، ثمَّ قاله ثانياً (١)؛ فإنَّهما يطلقان طلقة طلقة على المذهب المشهور (٢)، وانعقدت اليمين مرَّة ثانية في حقِّ المدخول بها، وأمَّا في حقِّ الَّتي لم يدخل بها؛ ففي انعقادها وجهان: أحدهما: أنَّها تنعقد (٣)، وهو قول أبي الخطاب، وصاحب «المحرَّر»، ومقتضى ما ذكره القاضي وابن عقيل في المسألة الَّتي قبلها؛ لأنَّ اليمين سبقت البينونة، ووجدت مع شرط الطَّلاق لا مع وقوع الطَّلاق. والثَّاني: لا ينعقد (٤)، وهو اختيار صاحب «المغني»؛ غير أنَّه وقع في النُّسَخ خلل في تعليله، ووجهه: أنَّ اليمين وإن وجدت مع شرط الطَّلاق، لكن انعقادها مقارن لوقوع الطَّلاق، فلم ينعقد؛ لاقترانه بما يمنعه (٥) (٦). فإن أعاده ثالثاً قبل أن يجدِّد نكاح البائن؛ لم (٧) تطلق واحدة منهما

стр. 422

على الوجهين؛ لأنَّ الحلف بطلاق البائن لا يمكن. فإن عاد وتزوَّج البائن، ثمَّ حلف بطلاقها وحدها: فعلى الوجه الثَّاني: لا تطلق؛ لأنَّ اليمين الثَّانية لم ينعقد في حقِّها، وتطلُق الأخرى طلقة؛ لوجود الحلف بطلاقها قبل نكاح الثَّانية والحلف بطلاق الثَّانية بعد نكاحها، فكمل الشَّرط في حقِّ الأولى. وعلى الوجه الأوَّل: تطلق كلُّ واحدة منهما طلقة طلقة؛ لأنَّ الصَّفة (١) الثَّانية منعقدة في حقِّهما جميعًا، كذا ذكره الأصحاب. وأورد عليه: أنَّ طلاق كلِّ واحدة منهما معلَّق بشرط الحلف بطلاقها مع طلاق الأخرى؛ فكلُّ واحد من الحلفين جزء علَّة لطلاق كلِّ واحدة منهما، فكما أنَّه لا بدَّ من الحلف بطلاقها في زمان يكون فيه أهلاً لوقوع الطَّلاق، كذلك الحلف بطلاق ضرَّتها؛ لأنَّه جزء علَّة لطلاق نفسها ومن تمام شرطه؛ فكيف يقع بهذه الَّتي جدَّد نكاحها الطَّلاق، وإنَّما حلف بطلاق ضرَّتها وهي بائن؟! وأجيب عنه: بأنَّ وجود الصِّفة كلِّها في النِّكاح لا حاجة إليه، ويكفي وجود آخرها فيه، ليقع الطَّلاق عقبه (٢) (٣).

стр. 423

وذكر صاحب «المحرَّر» في «تعليقه على الهداية»: أنَّ هذا هو المذهب، سواء قلنا: يكفي في الحنث وجود بعض الصِّفة أوْ لَا، نعم؛ إن قلنا: يكفي وجود بعضها (١) وقد وجد حال البينونة؛ انبنى على الخلاف في حلِّ اليمين بالصِّفة الموجودة حال البينونة، انتهى (٢). وعندي: أنَّ هذا (٣) قد يتخرَّج على اختلاف المأخذين في أنَّ اليمين لا تنحلُّ بوجود الصِّفة حال البينونة. فإن قلنا: إنَّها (٤) مستثناة من عموم كلامه (٥) بقرينة الحال؛ فوجود بعضها حال البينونة لا عبرة به أيضاً؛ كوجود جميعها. وإن قلنا: إنَّ اليمين لا تنحلُّ بدون الحنث (٦) فيها؛ اكتُفِيَ بوجود آخرها في النِّكاح؛ لإمكان الحنث فيه. على أن الاكتفاء بوجود بعض الصِّفة حال البينونة وبعضها في النِّكاح، مع قولنا: لا يكتفى بوجود بعض الصِّفة في الطَّلاق، وقولنا: إنَّ الصِّفة الموجودة حال البينونة لا تنحلُّ بها اليمين؛ لا يخلو من

стр. 424

إشكال ونظر، والله أعلم. ومنها: إذا اشترى مريض أباه بثمنٍ لا يملك غيره، وهو تسعة دنانير، وقيمة الأب ستَّة؛ فقد حصل منه عطيَّتان من عطايا المريض: محاباةُ البائع بثلث المال، وعتقُ الأب إذا قلنا: إنَّ عتقه من الثُّلث، وفيه وجهان: أحدهما (١): وهو قول القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في «الفصول»: يتحاصَّان (٢)؛ لأنَّ ملك المريض لأبيه مقارن لملك المشتري (٣) لثمنه، وفي كلٍّ منهما (٤) عطيَّة منجَّزة؛ فتحاصَّا (٥)؛ لتقارنهما (٦). والثَّاني: أنَّه تنفذ المحاباة ولا يَعتق الأب، وهو اختيار صاحب «المحرَّر»؛ لأنَّ المحاباة سابقة لعتق الأب، فإن ملك المشتري (٧) للثَّمن

стр. 425

الَّذي وقعت المحاباة فيه؛ وقع مقارناً لملك الأب، وعتقه ترتَّب على ملكه ولم يقارنه، فقد قارنت المحاباة شرط عتق الأب لا عتقه؛ فنفذت لسبقها. ومنها: لو أصدقها مائة درهم، ثمَّ طلَّقها قبل الدُّخول على خمسين من المهر؛ فهل يستَحِقُّ جميع المهر أو ثلاثة أرباعه؟ على وجهين: أحدهما (١): يستحقُّه كلَّه؛ لأنَّه استحقَّ عوضاً عن الطَّلاق خمسين، ورجع إليه بالطَّلاق قبل الدُّخول النِّصف الباقي. والثَّاني: يستحقُّ ثلاثة أرباعه؛ لأنَّ الطَّلاق يتنصَّف به المهر، فيصير مشاعاً بين الزَّوجين؛ فلا يستحقُّ من الخمسين المخالع بها إلَّا نصفها، فلا يسلَّم للزَّوج عوضاً عن طلاقه إلَّا نصف الخمسين، ويرجع إليه بالطَّلاق النصف. ومن نصر الوجه الأوَّل؛ قال: تنصُّف المهر يترتَّب على الخلع لا يقارنه؛ فقد ملك الخمسين كلَّها قبل التَّنصُّف، لكنَّ ملكه لها قارن سبب التَّنصُّف وهو البينونة؛ فهذا مأخذ الوجهين. وللمسألة مأخذ آخر على تقدير التَّنصُّف قبل الملك (٢)، وهو أن يخالعها بخمسين من المهر مع علمهما بأنَّ المهر يتنصَّف (٣) بالمخالعة؛ هل يتنزَّل على خمسين مبهمة منه أو على الخمسين الَّتي يستقرُّ لها
следующие страницы →