← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ومنها: إذا قال لامرأتيه -وإحداهما غير مدخول بها-: إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، ثمَّ قاله ثانياً (١)؛ فإنَّهما يطلقان طلقة طلقة على المذهب المشهور (٢)، وانعقدت اليمين مرَّة ثانية في حقِّ المدخول بها، وأمَّا في حقِّ الَّتي لم يدخل بها؛ ففي انعقادها وجهان: أحدهما: أنَّها تنعقد (٣)، وهو قول أبي الخطاب، وصاحب «المحرَّر»، ومقتضى ما ذكره القاضي وابن عقيل في المسألة الَّتي قبلها؛ لأنَّ اليمين سبقت البينونة، ووجدت مع شرط الطَّلاق لا مع وقوع الطَّلاق. والثَّاني: لا ينعقد (٤)، وهو اختيار صاحب «المغني»؛ غير أنَّه وقع في النُّسَخ خلل في تعليله، ووجهه: أنَّ اليمين وإن وجدت مع شرط الطَّلاق، لكن انعقادها مقارن لوقوع الطَّلاق، فلم ينعقد؛ لاقترانه بما يمنعه (٥) (٦). فإن أعاده ثالثاً قبل أن يجدِّد نكاح البائن؛ لم (٧) تطلق واحدة منهما

стр. 422

على الوجهين؛ لأنَّ الحلف بطلاق البائن لا يمكن. فإن عاد وتزوَّج البائن، ثمَّ حلف بطلاقها وحدها: فعلى الوجه الثَّاني: لا تطلق؛ لأنَّ اليمين الثَّانية لم ينعقد في حقِّها، وتطلُق الأخرى طلقة؛ لوجود الحلف بطلاقها قبل نكاح الثَّانية والحلف بطلاق الثَّانية بعد نكاحها، فكمل الشَّرط في حقِّ الأولى. وعلى الوجه الأوَّل: تطلق كلُّ واحدة منهما طلقة طلقة؛ لأنَّ الصَّفة (١) الثَّانية منعقدة في حقِّهما جميعًا، كذا ذكره الأصحاب. وأورد عليه: أنَّ طلاق كلِّ واحدة منهما معلَّق بشرط الحلف بطلاقها مع طلاق الأخرى؛ فكلُّ واحد من الحلفين جزء علَّة لطلاق كلِّ واحدة منهما، فكما أنَّه لا بدَّ من الحلف بطلاقها في زمان يكون فيه أهلاً لوقوع الطَّلاق، كذلك الحلف بطلاق ضرَّتها؛ لأنَّه جزء علَّة لطلاق نفسها ومن تمام شرطه؛ فكيف يقع بهذه الَّتي جدَّد نكاحها الطَّلاق، وإنَّما حلف بطلاق ضرَّتها وهي بائن؟! وأجيب عنه: بأنَّ وجود الصِّفة كلِّها في النِّكاح لا حاجة إليه، ويكفي وجود آخرها فيه، ليقع الطَّلاق عقبه (٢) (٣).

стр. 423

وذكر صاحب «المحرَّر» في «تعليقه على الهداية»: أنَّ هذا هو المذهب، سواء قلنا: يكفي في الحنث وجود بعض الصِّفة أوْ لَا، نعم؛ إن قلنا: يكفي وجود بعضها (١) وقد وجد حال البينونة؛ انبنى على الخلاف في حلِّ اليمين بالصِّفة الموجودة حال البينونة، انتهى (٢). وعندي: أنَّ هذا (٣) قد يتخرَّج على اختلاف المأخذين في أنَّ اليمين لا تنحلُّ بوجود الصِّفة حال البينونة. فإن قلنا: إنَّها (٤) مستثناة من عموم كلامه (٥) بقرينة الحال؛ فوجود بعضها حال البينونة لا عبرة به أيضاً؛ كوجود جميعها. وإن قلنا: إنَّ اليمين لا تنحلُّ بدون الحنث (٦) فيها؛ اكتُفِيَ بوجود آخرها في النِّكاح؛ لإمكان الحنث فيه. على أن الاكتفاء بوجود بعض الصِّفة حال البينونة وبعضها في النِّكاح، مع قولنا: لا يكتفى بوجود بعض الصِّفة في الطَّلاق، وقولنا: إنَّ الصِّفة الموجودة حال البينونة لا تنحلُّ بها اليمين؛ لا يخلو من

стр. 424

إشكال ونظر، والله أعلم. ومنها: إذا اشترى مريض أباه بثمنٍ لا يملك غيره، وهو تسعة دنانير، وقيمة الأب ستَّة؛ فقد حصل منه عطيَّتان من عطايا المريض: محاباةُ البائع بثلث المال، وعتقُ الأب إذا قلنا: إنَّ عتقه من الثُّلث، وفيه وجهان: أحدهما (١): وهو قول القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في «الفصول»: يتحاصَّان (٢)؛ لأنَّ ملك المريض لأبيه مقارن لملك المشتري (٣) لثمنه، وفي كلٍّ منهما (٤) عطيَّة منجَّزة؛ فتحاصَّا (٥)؛ لتقارنهما (٦). والثَّاني: أنَّه تنفذ المحاباة ولا يَعتق الأب، وهو اختيار صاحب «المحرَّر»؛ لأنَّ المحاباة سابقة لعتق الأب، فإن ملك المشتري (٧) للثَّمن

стр. 425

الَّذي وقعت المحاباة فيه؛ وقع مقارناً لملك الأب، وعتقه ترتَّب على ملكه ولم يقارنه، فقد قارنت المحاباة شرط عتق الأب لا عتقه؛ فنفذت لسبقها. ومنها: لو أصدقها مائة درهم، ثمَّ طلَّقها قبل الدُّخول على خمسين من المهر؛ فهل يستَحِقُّ جميع المهر أو ثلاثة أرباعه؟ على وجهين: أحدهما (١): يستحقُّه كلَّه؛ لأنَّه استحقَّ عوضاً عن الطَّلاق خمسين، ورجع إليه بالطَّلاق قبل الدُّخول النِّصف الباقي. والثَّاني: يستحقُّ ثلاثة أرباعه؛ لأنَّ الطَّلاق يتنصَّف به المهر، فيصير مشاعاً بين الزَّوجين؛ فلا يستحقُّ من الخمسين المخالع بها إلَّا نصفها، فلا يسلَّم للزَّوج عوضاً عن طلاقه إلَّا نصف الخمسين، ويرجع إليه بالطَّلاق النصف. ومن نصر الوجه الأوَّل؛ قال: تنصُّف المهر يترتَّب على الخلع لا يقارنه؛ فقد ملك الخمسين كلَّها قبل التَّنصُّف، لكنَّ ملكه لها قارن سبب التَّنصُّف وهو البينونة؛ فهذا مأخذ الوجهين. وللمسألة مأخذ آخر على تقدير التَّنصُّف قبل الملك (٢)، وهو أن يخالعها بخمسين من المهر مع علمهما بأنَّ المهر يتنصَّف (٣) بالمخالعة؛ هل يتنزَّل على خمسين مبهمة منه أو على الخمسين الَّتي يستقرُّ لها

стр. 426

بالطَّلاق (١)؟ وفي المسألة وجهان. وعليهما تنزَّل (٢) الوجهان فيما إذا باع أحد الشَّريكين نصف السِّلعة المشتركة؛ هل يُنزَّل البيع على نصفٍ مشاع وإنَّما له فيه نصفه وهو الرُّبع، أو على النِّصف الَّذي يخصه بملكه (٣)؟ وكذلك في الوصيَّة وغيرها (٤). واختار القاضي: أنَّه يُنزَّل على النِّصف الَّذي يخصُّه كلِّه، بخلاف ما إذا قال له: أشركتك في نصفه، وهو لا يملك سوى النِّصف؛ فإنَّه يستحقُّ منه الرُّبع؛ لأنَّ الشركة تقتضي التَّساوي في الملكين، بخلاف البيع. والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور: أنَّه لا يصحُّ بيع النِّصف حتَّى يقول: نصيبي؛ فإن أطلق؛ تنزَّل على الرُّبع (٥). ومنها: إذا تزوَّج في مرض موته بمهر يزيد على مهر المثل؛ ففي

стр. 427

المحاباة روايتان (١): إحداهما: أنَّها موقوفة على إجازة الورثة؛ لأنَّها عطيَّة لوارث (٢). والثَّانية: تنفذ من الثُّلث، نقلها المروذيُّ والأثرم وصالح وابن منصور والفضل بن زياد (٣). فيحتمل أن يكون مأخذه: أنَّ الإرث المقارن للعطيَّة لا يمنع نفوذها. ويحتمل أن يقال: إنَّ الزَّوجة ملكتها في حال ملك الزَّوج للبضع، وثبوت الإرث يترتَّب (٤) على ذلك. وكذلك نصَّ في رواية أبي طالب فيمن أقرَّ لزوجته في مرضه بمهر يزيد على مهر المثل: أنَّ الزِّيادة تكون من الثُّلث، ووجَّهه القاضي بما ذكرنا من التَّرتيب؛ لأنَّ الإقرار تبيَّن به أنَّ الاستحقاق كان بالعقد. وهذا كلُّه يرجع إلى أنَّ العطيَّة والوصية لمن يصير وارثاً تعتبر من الثُّلث، وهو خلاف المذهب المعروف.

стр. 428

لكن قد يُفرَّق بين أن يكون الوارث نسيباً أو زوجاً، كما فرَّق القاضي في كتاب الوصايا من «خلافه» بينهما في مسألة الإقرار؛ لأنَّ النَّسيب (١) سبب إرثه قائم حال الوصيَّة، بخلاف أحد الزَّوجين. وفيما ذكره القاضي في توجيه رواية أبي طالب نظر، فإنَّ أحمد لو اعتبر حالة العقد؛ لما جعله من الثُّلث (٢)، وإنَّما يتخرَّج من هذه الرِّواية رواية عنه: بأنَّ إقرار المريض لوارثه يعتبر من الثُّلث (٣)، والله أعلم (٤).

стр. 429

قاعدة [٥٨] من تعلَّق به الامتناع من فعلٍ هو متلبِّس به، فبادر إلى الإقلاع عنه ، هل يكون إقلاعه فعلاً للممنوع منه، أم تركاً له فلا يترتَّب عليه شيء من أحكامه؟ هذا عدَّة أنواع: أحدها: ألَّا يتعلَّق به حكم الامتناع بالكليَّة إلَّا وهو متلبِّس به؛ فلا يكون نزعه فعلاً للممنوع منه، فمن ذلك: إذا حلف لا يَلبَس ثوباً وهو لابسه، أو لا يركب دابَّة وهو راكبها، أو لا يدخل داراً وهو فيها، وقلنا: إنَّ الاستدامة كالابتداء في جميع هذه الأفعال؛ فخلع الثَّوب ونزل عن الدَّابَّة، وخرج من الدَّار، في أوَّل أوقات الإمكان؛ فإنَّه لا يحنث؛ لأنَّ اليمين تقتضي الكفَّ في المستقبل دون الماضي والحال، فيتعلَّق الحكم بأوَّل أوقات الإمكان. ومنه: ما إذا أحرم وعليه قميص؛ فإنَّه ينزِعه في الحال، ولا فديةَ عليه؛ لأنَّ محظورات الإحرام إنَّما تترتَّب (١) على المحرم لا على المحلِّ. ولا يقال: إنَّه بإقدامه على إنشاء الإحرام وهو متلبِّس بمحظوراته

стр. 430

متسبِّب إلى مصاحبة اللُّبس في الإحرام، كما لا يقال مثل ذلك في الحالف والنَّاذر؛ فإنَّه كان يمكنه ألَّا يحلف ولا ينذر حتَّى يترك التَّلبُّس بما يحلف عليه. ومنه: ما إذا فعل فعلاً محرَّماً ساهياً (١) أو ناسياً ثمَّ ذكر؛ فإنَّه يجب عليه قطعه في الحال، ولا يترتَّب عليه أحكام المتعمِّد له. النَّوع الثاني: أن يمنعه الشَّارع من الفعل في وقت معيَّن، ويعلم بالمنع، ولكن لا يشعر بوقت المنع حتَّى يتلبَّس بالفعل، فيقلع عنه في الحال، فاختلف أصحابنا في ذلك على وجهين: أحدهما: أنَّه لا يترتَّب عليه حكم الفعل المنهيِّ عنه، بل يكون إقلاعه تركاً للفعل؛ لأنَّ ابتداءه كان مباحاً، حيث وقع قبل وقت التَّحريم، وهو اختيار أبي حفص العكبريِّ. والثَّاني: أنَّه يكون حكمه حكم الفاعل بتركه؛ لإقدامه على الفعل، مع علمه بتحريمه في وقته، لا سيَّما مع قرب الوقت، وهذا ظاهر المذهب. ومن صور المسألة: ما إذا جامع في ليل رمضان، فأدركه الفجر وهو مجامع، فنزع في الحال. فالمذهب: أنَّه يفطر بذلك، وفي الكفَّارة روايتان. واختار أبو حفص: أنَّه لا يفطر. ولا خلاف في أنَّه (٢) لا يأثم إذا كان حال الابتداء متيقِّناً لبقاء اللَّيل.

стр. 431

وبنى بعض الأصحاب المسألة على أصل آخر، وهو أنَّ النَّزع هل هو جزء من الجماع أو ليس من الجماع؟ وحكوا في المسألة روايتين. واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١): أنَّه لا يفطر بالنزَّع في هذه الحال، ولا بالأكل ولا غيره؛ بناءً على أنَّه إنَّما يتعلق به حكم وجوب الإمساك عن المفطرات بعد العلم بطلوع الفجر؛ فلا يكون الواقع منها في حالة الطُّلوع محرَّماً البتَّة، كما قلنا في محظورات الإحرام: إنَّها إنَّما تثبت بعد التَّلبُّس به. وقد روي عن أحمد ما يدلُّ على ذلك، فإنَّه قال: إذا شكَّ في طلوع الفجر؛ فإنَّه يأكل حتَّى لا يشكَّ أنَّه طلع (٢)، وفي المسألة أحاديث وآثار كثيرة تدلُّ على ذلك، والله أعلم (٣).

стр. 432

ومنها: إذا وطئ امرأته، فحاضت في أثناء الوطء، فنزع؛ فهل تلزمه الكفَّارة؟ إذا قلنا: يلزم المعذور (١)؛ فمن الأصحاب من خرَّجها على أنَّ النَّزع هل هو جماع أو ترك للجماع؟ ومنهم من خرَّجها على مسألة الصَّوم. والأظهر: أنَّه إن كان يعلم بمقتضى العادة قرب وقت حيضها، ثمَّ وطئ وهو يخشى مفاجأة الحيض؛ فهو شبيه بمسألة (٢) الصَّوم، وإلَّا فلا كفَّارة؛ لأنَّه إنَّما تعلَّق به المنع بعد وجود الحيض، وقد ترك الوطء حينئذ. وكذلك ينبغي أن يقال في الواطئ في ليل الصِّيام: إنَّه إن ظنَّ بقاء اللَّيل وأنَّه في مهلة منه؛ لم يفطر، وإن خشي مفاجاة الفجر؛ أفطر؛ لأنَّه أقدم على مكروه أو محرَّم ابتداء. النَّوع الثَّالث: أن يعلم قبل الشُّروع في فعل أنَّه متى شرع فيه ترتَّب عليه تحريمه وهو متلبِّس به، فهل يباح له الإقدام على ذلك الفعل؛ لأنَّ التَّحريم لم يثبت حينئذ، أم لا يباح؛ لأنَّه يعلم أن إتمامه يقع حراماً؟ فيه لأصحابنا قولان. ومثال ذلك: أن يقول لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً، أو: فأنت عليَّ كظهر أمِّي، ومثل: أن يعلم أنَّه متى أولج في هذا الوقت؛

стр. 433

طلع عليه الفجر وهو مولج؛ فحكى الأصحاب في مسألة الطَّلاق والظِّهار روايتين، بنوهما على أنَّ النَّزع هل هو جماع أو ليس بجماع؟ ورجَّح صاحب «المغني» التَّحريم في مسألة الطَّلاق والظِّهار (١) على كلا القولين (٢)؛ لأنَّه استمتاع بأجنبيَّة (٣)، وهو حرام، ولو كان (٤) لمس بدنها لشهوة؛ فلمس الفرج بالفرج أولى، بخلاف الصَّائم؛ فإنَّه لا يفطر إلَّا بالوطء، ويمكن منع كون النَّزع وطئاً (٥). قال (٦): (فإن قيل: فهذا (٧) إنَّما يحصل ضرورة ترك الوطء الحرام. قلنا: فإذا لم يمكن الوطء إلَّا بفعل (٨) محرَّم؛ حرم؛ ضرورةَ ترك الحرام، كما لو اختلط لحم الخنزير بلحم مباح لا يمكنه أكله إلَّا بأكل لحم الخنزير، أو اشتبهت ميتة بمذكَّاة؛ فإنَّ الجميع يحرم) انتهى (٩).

стр. 434

وليس هذا (١) مطابقاً لمسألتنا؛ فإنَّ ابتداء الوطء هنا منفرد عن الحرام متميِّز عنه، لم يشتبه بحرام ولم يختلط به، فإذا انضمَّ إلى ذلك أنَّ النَّزع ترك للحرام؛ لم يبق ههنا حرام. وأيضاً: فإنَّ النَّزع ههنا مقارن للبينونة؛ فيمكن النِّزاع في تحريمه (٢) كما وقع النِّزاع في ترتُّب أحكام الزَّوجيَّة معه (٣)، وأمَّا الإيلاج، فمقارن لشرط البينونة. فإن قيل: إنَّ المقارن للشَّرط كالمقارن للمشروط، على ما سبق تقريره في القاعدة التي قبلها؛ توجَّه تحريمه أيضاً، وإلَّا فلا. وأيضاً: فمن يقول: النَّزع جزء من الجماع، والجماع (٤) عبارة عن الإيلاج والنَّزع؛ يلتزم أنَّ الطَّلاق والظِّهار إنَّما يقعان بعد النَّزع لا قبله؛ فلا يحصل النَّزع في أجنبيَّة ولا مظاهر منها. ولا يقال: يلزم على هذا (٥) ألَّا يفطر الصَّائم بالإيلاج قبل غروب

стр. 435

الشَّمس إذا نزع بعده؛ لأنَّ مفطرات الصَّائم لم تنحصر في الجماع وحده، بل تحصل بأمور متعدِّدة؛ فيجوز أن يحصل بأحد جزأي الجماع كما يحصل بالإنزال بالمباشرة ونحوه، بخلاف الأحكام المترتِّبة على مسمَّى الوطء (١)؛ فإنَّها لا تثبت إلَّا بعد تمام مسمَّى الوطء. النَّوع الرَّابع: أن يتعمَّد الشُّروع في فعل محرَّم عالماً بتحريمه، ثمَّ يريد تركه والخروج منه وهو متلبِّس به؛ فيَشْرَع في التَّخلص منه بمباشرته أيضاً؛ كمن توسَّط داراً مغصوبة، ثمَّ تاب وندم وأخذ في الخروج منها، أو طيَّب المحرِم بدنَه عامداً، ثمَّ تاب وشرع في غسله بيده قصداً لإزالته، أو غصب عيناً، ثمَّ ندم وشرع في حملها على رأسه إلى صاحبها، وما أشبه ذلك. والكلام ههنا في مقامين: أحدهما: هل تصحُّ التَّوبة في هذه الحال ويزول الإثم بمجرَّدها، أم لا يزول حتَّى ينفصل عن ملابسة الفعل بالكليَّة؟ فيه لأصحابنا وجهان: أحدهما: وهو قول ابن عقيل (٢): أنَّ توبته صحيحة، ويزول عنه الإثم بمجرَّدها، ويكون تخلُّصه من الفعل طاعة وإن كان ملابساً له؛ لأنَّه مأمور به فلا يكون معصية، ولا يقال: من شرط التَّوبة الإقلاع ولم يوجد؛ لأنَّ هذا هو الإقلاع بعينه.

стр. 436

وأيضاً: فالإقلاع إنَّما يشترط مع القدرة عليه دون العجز، كما لو تاب الغاصب وهو محبوس في الدَّار المغصوبة، أو توسَّط جمعاً من الجرحى متعمِّداً، ثمَّ تاب وقد علم أنَّه إن أقام قتل من هو عليه، وإن انتقل قتل غيره، لكنَّ (١) هذا (٢) من محلِّ النِّزاع أيضاً. والوجه الثَّاني: وهو قول أبي الخطَّاب: أنَّ حركات الغاصب ونحوه في خروجه ليست طاعة ولا مأموراً بها، بل هي معصية، ولكنَّه يفعلها لدفع أكبر (٣) المعصيتين بأقلِّهما. وأبو الخطَّاب وإن قال: ليست طاعة؛ فهو يقول: لا إثمَ فيها، بل يقول بوجوبها، وهو معنى الطَّاعة (٤). وخرَّج بعض الأصحاب الخلاف في هذه المسألة: على الخلاف في جواز الإقدام على الوطء في مسائل النَّوع الثَّالث، فإن قيل بجوازه؛ لزم أن يكون التَّرك امتثالاً من كلِّ وجه، فلا يكون معصية، وإن قيل بتحريمه؛ لزم تحريم التَّرك ههنا.

стр. 437

وقد يفرَّق (١): بأنَّ التَّحريم ثَمَّ طارئ، وهنا مستصحب من الابتداء؛ فلا يلزم من الجواز ثَمَّ الجوازُ ههنا، ويلزم من التَّحريم هناك التَّحريم ههنا بطريق الأولى. والمقام الثَّاني: في الأحكام المترتِّبة على هذا الأصل، وهي كثيرة: فمنها: غسل الطِّيب للمحرم بيده يجوز؛ لأنَّه تركٌ للتَّطيُّب لا فعل له، ذكره الأصحاب، واستدلُّوا بحديث الَّذي أحرم وهو متضمِّخ بطيب، فأمره النَّبيُّ ﷺ أن يغسله عنه (٢)، ولكن هذا كان جاهلاً بالحكم؛ فهو كمن تطيَّب بعد إحرامه ناسياً؛ فإنَّه يغسله بغير خلاف. وخصَّ كثير من الأصحاب كالقاضي وغيره الحكم بالنَّاسي، وهو مشعر أنَّ العامد بخلافه، وهو متخرِّج على الخلاف السَّابق في كونه معصية.

стр. 438

والصَّحيح: التَّعميم؛ لأنَّ مباشرة الفعل إنَّما جازت ضرورة الخروج منه، والمحرِم لا ضرورة له في الغسل بيده، فلمَّا أذن الشَّارع فيه؛ دلَّ على أنَّ مباشرة الطِّيب لقصد إزالته ومعالجته غير ممنوع. ومنها: إذا تعمَّد المأموم سبق إمامه في ركوع أو سجود، وقلنا: لا تبطل صلاته بمجرَّد تعمُّد السَّبق (١)؛ فهل يجب عليه العود إلى متابعة الإمام أم لا؟ أطلق أكثر الأصحاب وجوب العود، من غير تفريق بين العامد وغيره، كما وردت به الآثار عن الصَّحابة؛ كعمر وابنه وابن مسعود ﵃ (٢). وفرَّق صاحب «المحرر» بين العامد وغيره، وقال: متى عاد العامد؛ بطلت صلاته؛ لأنَّه قد تعمَّد زيادة ركن كامل عمداً، وإنَّما يعود السَّاهي والجاهل (٣).

стр. 439

وقد يقال: إنَّ عود العامد يتخرَّج على أنَّ العود إنَّما هو قطع للفعل المنهيِّ عنه الَّذي ارتكبه ورجوعٌ عنه إلى متابعة الإمام الواجبة؛ فلا يكون منهيًّا عنه، بل مأمورًا به؛ كالخروج من الدَّار المغصوبة ونحوها على ما سبق. وقد يفرَّق (١): بأنَّ حقيقة السُّجود وضع الأعضاء المخصوصة على الأرض، فإذا زيد هذا المقدار عمداً؛ بطلت به الصَّلاة، وأمَّا الهويُ إليه والرَّفع منه فليسا من ماهيَّته، وإنَّما هما حدَّان له؛ فلا أثر لنيَّة قطعه بالرَّفع، فإنَّ الرَّفع ليس منه (٢)، وإنَّما هو غاية له، وفصل بينه وبين غيره، وما مضى منه ووجد لا يمكن رفعه، وهو سجود تامٌّ؛ فتبطل الصَّلاة بزيادته عمداً، وهذا قد يلزم منه أنَّ السَّبق بالرُّكن عمداً يُبطل الصَّلاة، وقد قيل: إنَّه المنصوص عن أحمد. وعلى الوجه الآخر (٣)؛ فيقال: لمَّا لحقه الإمام في هذا الرُّكن واجتمع معه فيه؛ اكتفى بذلك في المتابعة.

стр. 440

قاعدة [٥٩] العقود لا تَرِد إلَّا على موجود بالفعل أو بالقوَّة، وأمَّا الفسوخ فتَرِد على المعدوم حكماً واختياراً على الصَّحيح ، وقد دلَّ عليه حديث المصرَّاة (١) (٢)؛ حيث أوجب الشَّارع ردَّ صاع التَّمر عوضاً عن اللَّبن بعد تلفه، وهو ممَّا ورد العقد عليه؛ فدلَّ على أنَّه حكم بفسخ العقد فيه وردِّ عوضه مع أصله والرُّجوع بالثَّمن كاملاً. فأمَّا الانفساخ الحكميُّ بالتَّلف؛ ففي مواضع: منها: إذا تلف المبيع المبهم قبل قبضه؛ انفسخ العقد فيه وفي عوضه، سواء كان ثمناً أو مثمناً. ومنها: إذا تلفت الثِّمار المشتراة في رؤوس الشَّجر قبل جَدِّها بجائحة؛ فإنَّ العقد ينفسخ فيها. ومنها: إذا تلفت العين المستأجرة قبل مضيِّ مدَّة الإجارة؛ انفسخ

стр. 441

العقد فيما بقي منها. وأمَّا الفسخ الاختياريُّ؛ فكثير. ومن مسائله: إذا تلف المبيع في مدَّة الخيار؛ هل يسقط الخيار، أم لا يسقط وللبائع الفسخ ويرجع بعوضه ويردُّ الثَّمن؟ على روايتين معروفتين (١). ونقل عنه أبو طالب: إن أعتقه المشتري أو تلف عنده؛ فللبائع الثَّمن، وإن باعه ولم يمكنه ردُّه؛ فله القيمة (٢). ففرَّق بين التَّلف الحسيِّ والحكميِّ وبين التَّفويت مع بقاء العين؛ فأجاز الفسخ مع بقائها لإمكان الرُّجوع، بخلاف التَّلف. وأيضاً: فتصرُّفه بالبيع في مدَّة الخيار جناية حال بها بين البائع والرُّجوع في ماله، فيملك أن يفسخ ويضمنه القيمة للحيلولة، وإلى هذا المأخذ أشار أحمد ﵀. ومنها: إذا اختلف المتبايعان في الثَّمن بعد تلف المبيع، وفيه روايتان: إحداهما: يتحالفان (٣)، ويفسخ البيع، ويغرَّم المشتري القيمة. والثَّانية: القول قول المشتري مع يمينه في قدر الثَّمن، ولا فسخ، اختارها أبو بكر.

стр. 442

ومنها: إذا تبايعا جارية بعبد أو بثوب، ثمَّ وجد أحدهما بما قبضه عيباً وقد تلف الآخر؛ فإنَّه يردُّ ما بيده ويفسخ العقد، ويرجع بقيمة التَّالف، نصَّ عليه أحمد في رواية حنبل وابن منصور، ولم يذكر الأصحاب فيه خلافاً؛ لأنَّ هنا عينًا باقية يمكن الفسخ فيها، فيقع الفسخ في التَّالف تبعاً، كما لو كان الثَّمن نقداً معيَّناً وقد تلف؛ فإنَّه لا خلاف أنَّه يردُّ السِّلعة بالعيب ويأخذ بدل الثَّمن. ومنها: إذا تلف بعض المبيع المعيب وأراد ردَّه؛ فهل يجوز ردُّ الموجود مع قيمة المفقود ويأخذ الثَّمن؟ ظاهر كلام القاضي في «خلافه» في المسألة الَّتي قبلها جوازه؛ لأنَّ الفسخ في المفقود هنا (١) تابع للفسخ في الموجود. وخرَّجه صاحب «التَّلخيص» على روايتين فيما إذا اشترى شيئاً، فبان معيباً وقد تعيَّب عنده (٢)، فإنَّه يردُّه على إحدى الرِّوايتين، ويردُّ معه أرش العيب الحادث عنده منسوباً من قيمته لا من ثمنه، فورد الفسخ هنا على المفقود تبعاً للموجود. واعتذر ابن عقيل عن ضمانه بالقيمة (٣): بأنَّه لمَّا فسخ العقد؛ صار

стр. 443

المبيع في يده كالمقبوض على وجه السَّوم؛ لأنَّه قبض بحكم عقد، فلذلك ضمن بالقيمة، وهذا رجوع إلى أنَّ الفسخ رفع للعقد من أصله (١)، وهو ضعيف. ومقتضى هذا: أنَّ الأصل ضمانه بجزء من الثَّمن، وهو مقتضى ما ذكره القاضي وابن عقيل في مسائل التَّفليس؛ لأنَّ كلَّ جزء من المبيع مقابل بجزء من الثَّمن، فإذا لم يمكن ردُّ المبيع كلِّه؛ ردَّ الموجود منه بقسطه من الثَّمن كما في تفريق الصَّفقة. وهذا بخلاف أرش العيب الَّذي يأخذه المشتري من البائع، فإنَّه يأخذه منسوباً من الثَّمن، واختلف الأصحاب فيه: فمنهم من يقول: هو فسخ للعقد في مقدار العيب، ورجوع بقسطه من الثَّمن، وعلى هذا؛ فالفسخ ورد على معدوم مستحَقِّ (٢) التَّسليم،

стр. 444

وهذا في المشترَى في الذِّمة كالسَّلم ظاهرٌ؛ لأنَّه كان يستحقُّه سليماً، فأمَّا في المعيَّن؛ فلم يقع العقد على غير عينه، فلا يمكن أن يكون الأرش فسخاً، إلَّا أن يقال: إطلاق العقد على العين يقتضي سلامتها؛ فكأنَّها موصوفة بصفة السَّلامة، وقد فاتت. ومنهم من يقول: بل هو عوض (١) عن الجزء الفائت، وعلى هذا: فهل هو عوض عن الجزء نفسه أو عن قيمته؟ ذهب القاضي في «خلافه»: إلى أنَّه عوض عن القيمة (٢). وذهب ابن عقيل في «فنونه» وابن المني: إلى أنَّه عوض عن العين الفائتة (٣).

стр. 445

وينبني على ذلك: جواز المصالحة عنه بأكثر من قيمته. فإن قلنا: المضمون العين؛ فله المصالحة عنها بما شاء. وإن قلنا: القيمة؛ لم يجز أن يصالح عنها بأكثر منها من جنسها. ومنهم من قال: هو إسقاط لجزء من الثَّمن في مقابلة الجزء الفائت الَّذي تعذَّر تسليمه (١) لا على وجه الفسخ؛ لأنَّ الفسخ لا يقابل الصِّحَّة

стр. 446

والسَّلامة، وإنَّما يقابل الأجزاء المشاعة، فإذا عقد على عين موصوفة وفات بعض صفاتها؛ رجع بما قابله من الثَّمن من غير فسخ. وكلٌّ من هذه الأقوال الثَّلاثة قاله القاضي في موضع من «خلافه»، وينبني على الخلاف في أنَّ الأرش فسخ أو إسقاط لجزء من الثَّمن أو معاوضة: أنَّه إن كان فسخاً أو إسقاطاً؛ لم يرجع إلَّا بقدره من الثَّمن، ويستحقُّ جزءاً من عين (١) الثَّمن مع بقائه، بخلاف ما إذا قلنا: هو معاوضة. وأمَّا إن أسقط المشتري خيار الرَّدِّ بعوض بذله له (٢) البائع وقَبِلَه؛ فإنَّه يجوز على حسب ما يتَّفقان عليه، وليس من الأرش في شيء، ذكره القاضي وابن عقيل في الشُّفعة، ونصَّ أحمد على مثله في النِّكاح في خيار المعتقة تحت عبد. ومنها: إذا تلفت العين المعيبة كلُّها؛ فهل يملك المشتري الفسخ وردَّ بدلها أم لا؟ الَّذي عليه الأكثرون: أنَّه لا يملك ذلك (٣)، وأشار إليه أحمد في رواية ابن منصور (٤)، قالوا: لأنَّ الردَّ يستدعي مردوداً، ولا مردود إلَّا

стр. 447

مع بقاء العين، وظلامته تستدرك بالأرش، وهو ضعيف؛ لأنَّ البدل يقوم مقام العين. وخرَّج القاضي في «خلافه»: جواز ذلك من ردِّ المشتري أرش العيب الحادث عنده كما تقدَّم، وذكر أنَّه قياس المذهب، وتابعه عليه أبو الخطاب في «انتصاره»، وجزم بذلك ابن عقيل في «الفصول» من غير خلاف حكياه (١). ومنها: إذا اشترى ربويًّا بجنسه فبان معيباً، ثمَّ تلف قبل ردِّه؛ فإنَّه يملك الفسخ، ويردُّ بدلَه ويأخذ الثَّمن؛ لأنَّه لا يجوز له أخذ الأرش على الصَّحيح لمحذور الرِّبا؛ فتعيَّن الفسخ. ومنها: الإقالة؛ هل تصحُّ بعد تلف العين؟ قال القاضي مرَّة: لا تصحُّ (٢) (٣)؛ لأنَّها عقد يقف على الرِّضا من الجانبين؛ فهي كالبيع، بخلاف الرَّدِّ بالعيب. ثمَّ قال في موضع آخر: قياس المذهب صحَّتها (٤) بعد التَّلف إذا

стр. 448

قلنا: هي فسخ، وتابعه أبو الخطاب في «الانتصار»، وابن عقيل في «نظريَّاته». وحكى صاحب «التَّلخيص» فيها وجهين، بخلاف الرَّدِّ بالعيب، وفرَّق: بأنَّ الرَّدَّ يستدعي مردوداً، بخلاف الفسخ. وهو ضعيف؛ فإنَّ الرَّدَّ فسخ أيضاً، والإقالة تستدعي مقالاً فيه، ولكنَّ البدل يقوم مقام المبدل هنا للضَّرورة. ومنها: الشَّركة في البيوع، وهي نوع منها، وحقيقتها: أن يشتري رجل شيئاً، فيقول لآخر: أشركتك في نصفه أو جزء مشاع منه، فقبل؛ يصحُّ ذلك (١)، ويكون تمليكاً منجَّزاً بعوض في الذِّمَّة. وموضوع هذا العقد: أنَّه إن ربح المال المشترك فيه؛ فالرِّبح بينهما، ويتقاصان (٢) بالثَّمن، ويصير المشترك شريكاً في الرِّبح، فيأخذ حصَّتَه منه، وإن تلف المال أو خسر؛ انفسخت الشَّركة؛ فيكون الخسران أو التَّلف على المشتري، فيقدَّر انفساخ الشَّركة حكماً في آخر زمن الملك قبل بيعه بخسارة أو تلفه، وإنَّما يحكم بالانفساخ بعد التَّلف والخسران؛ فيكون هذا العقد مفيداً للشَّركة في الرِّبح خاصَّة، ويكون فسخه معلَّقاً على شرط، ويُكتفَى في ذلك بمسمَّى (٣) الشَّركة من غير

стр. 449

حاجة إلى شرط لفظيٍّ (١). وقد نصَّ أحمد على جواز هذا في رواية جماعة؛ منهم: الأثرم ومهنَّى وأحمد بن القاسم وسنديٌّ (٢) وأبو طالب وأحمد بن سعيد (٣) وابن منصور (٤) وغيرهم، ونُقل مثل ذلك عن شريح والشَّعبيِّ صريحاً. وسُئَل أحمد: هل يدخل هذا في ربح ما لم يضمن؟ فقال: هو مثل المضارب، يأخذ الرِّبح ولا ضمان عليه. وقد أشكل توجيه كلام أحمد على القاضي؛ فحمله على محاملَ بعيدة جدًّا. وحمله ابن أبي موسى على ظاهره، وتبعه الشِّيرازيُّ إلَّا أنَّه خرَّج وجهاً آخر: أنَّ الوضيعة عليهما كالرِّبح.

стр. 450

قاعدة [٦٠] التَّفاسخ في العقود الجائزة متى تضمَّن ضرراً على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممَّن له تعلُّق بالعقد ؛ لم يجز ولم ينفذ، إلَّا أن يمكن استدراك الضَّرر بضمان أو نحوه؛ فيجوز على ذلك الوجه. فمن ذلك: الموصى إليه؛ أطلق كثير من الأصحاب: أنَّ له الرَّدَّ بعد القبول في حياة الموصي وبعده. وقيَّد ذلك صاحب «المحرر» بما إذا وجد حاكماً؛ لئلَّا يضيع إسنادها فيقع الضَّرر، وأخذها من رواية حنبل عن أحمد في الموصى يدفع الوصيَّة إلى الحاكم فيبرأ منها، قال: إن كان حاكماً؛ فنعم. وحكى رواية أخرى: أنَّه لا يملك الرَّدَّ بعد الموت بحال، ولا قبله إن لم يُعلِمه بذلك؛ لما فيه من التَّغرير به. وحكى ابن أبي موسى رواية: ليس له الرَّدُّ بحال إذا قَبِلَ، ومن الأصحاب من حملها على ما بعد الموت، وحكاها القاضي في «خلافه» صريحاً في الحالين. ومنها: الوكيل في بيع الرَّهن إذا عزله الراهن يصحُّ عزله على المنصوص؛ لأنَّ الحاكم يأمره بالبيع ويبيع عليه. وخرَّج ابن أبي موسى وجهاً آخر: أنَّه لا ينعزل؛ لأنَّ فيه تغريراً للمرتهن.

стр. 451

ويتخرَّج وجه ثالث بالفرق بين أن يوجد حاكم يأمر بالبيع أو لا؛ من مسألة الوصيَّة. ومنها: أنَّه يجوز فسخ عقد الجعالة، لكن يستحقُّ العامل أجرة المثل؛ لبطلان المسمَّى بالفسخ، فإذا عمل به أحدٌ مستنداً إليه؛ استحقَّ أجرة المثل، كما لو سمَّى له تسمية فاسدة. ويتخرَّج: أن يستحقَّ في جُعل الآبق المسمَّى بالشَّرع (١)؛ لأنه (٢) المستحقُّ بالإطلاق، وقد صار وجود التَّسمية كالعدم. ومنها: إذا فسخ المالك عقد المساقاة، وقلنا: هي جائزة (٣)، فإن كان بعد ظهور الثَّمرة؛ فنصيب العامل فيها ثابت؛ لأنَّه يملكه بالظُّهور رواية واحدة؛ لأنَّ حصَّة المساقي ليست وقاية للمال، بخلاف المضارب، وكذلك لو فسخ العامل بعد الظُّهور. وأمَّا إن كان الفسخ قبل الظُّهور: فإن كان من العامل؛ فلا شيء له لإعراضه، وإن كان من المالك؛ فعليه أجرة المثل للعامل؛ لأنَّه منعه من إتمام عقد يفضي إلى حصول المسمَّى له غالباً؛ فلزمه ضمانه، وأيضاً؛ فإنَّ ظهور الثَّمرة بعد الفسخ لعمل العامل فيها أثرٌ بالقيام عليها وخدمتها؛ فلا يذهب عمله مجَّاناً، وقد أثَّر في حصول المقصود. ويتوجَّه على قول ابن عقيل في المضاربة: أن ينفسخ العقد بالنِّسبة

стр. 452

إلى المالك دون العامل؛ فيستحقُّ من الثَّمر المسمَّى له. ومنها: إذا زارع رجلاً على أرضه، ثمَّ فسخ المزارعة قبل ظهور الزَّرع أو قبل البذر وبعد الحرث؛ قال ابن منصور في «مسائله» (١): قلت لأحمد: الأكَّار (٢) يريد أن يخرج من الأرض فيبيع الزَّرع، قال: لا يجوز بيعه حتَّى يبدو صلاحه، قلت: فيبيع عمل يديه وما عمل في الأرض، وليس فيها زرع، قال: لم يجب له شيء بعدُ، إنَّما يجب بعد التَّمام. قال ابن منصور: يقول: يجب له بعد ما يبلغ الزَّرع لمَّا اشترط عليه أن يعمل حتَّى يفرغ، فأمَّا أن يكون يذهب عمل يديه وما أنفق في الأرض؛ فلا، وذلك أنَّه إذا أخرجه صاحبه أو خرج بإذنه، فإذا خرج من ذات نفسه، فليس له شيء) انتهى. فحمل ابن منصور قول أحمد: (إنَّه لا شيء له)، على ما إذا خرج بنفسه؛ لأنَّه معرض عمَّا يستحقُّه من الأرض، بخلاف ما إذا أخرجه المالك أو خرج بإذنه. وظاهر كلامه (٣): أنَّه يجب له أجرة عمله بيديه وما أنفق على الأرض من ماله، مع أنَّ كلام أحمد إنما فيه (٤): أنَّه لا يبيع آثار عمله؛

стр. 453

لأنَّها ليست أعياناً، وهذا لا يدلُّ على أنَّه لا حقَّ له فيها بالكليَّة، ولهذا نقول (١) في آثار الغاصب: إنَّه يكون شريكاً بها على أحد القولين، والمفلس ونحوه لا خلاف فيه، مع أنَّ القاضي قال في «الأحكام السُّلطانيَّة» (٢): قياس المذهب: جواز بيع العمارة الَّتي هي الإثارة (٣)، ويكون شريكاً في الأرض بعمارته. وأفتى الشَّيخ تقيُّ الدِّين فيمن زارع رجلاً على مزرعة بستانه ثمَّ أجَّرها؛ هل تبطل المزارعة؟ أنَّه إن زارعه مزارعة لازمة (٤)؛ لم تبطل بالإجارة، وإن لم تكن لازمة؛ أعطى الفلاح أجرة عمله. وأفتى أيضاً في رجل زرع أرضاً وكانت بُوراً وحرثها؛ فهل له إذا خرج منها فلاحة؟ أنَّه إن كان له في الأرض فلاحة لم ينتفع بها؛ فله قيمتها على من انتفع بها، فإن كان المالك انتفع بها أو أخذ عوضاً عنها من المستأجر؛ فضمانها عليه، وإن أخذ الأجرة عن الأرض (٥) وحدها؛ فضمان الفلاحة على المستأجر المنتفع بها.

стр. 454

ونصَّ أحمد في رواية صالح (١) فيمن استأجر أرضاً مفلوحة وشرط عليه أن يردَّها مفلوحة كما أخذها: أنَّ له أن يردَّها عليه كما شرط، ويُخرَّج مثل ذلك في المزارعة. ومنها: المضاربة تنفسخ بفسخ المالك لها، ولو كان المال عرضاً، ولكنْ للمضارب بيعه بعد الفسخ لتعلُّق حقِّه بربحه، ذكره القاضي في «خلافه» (٢)، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور (٣). وذكر القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل في باب الشَّركة: أنَّ المضارب لا ينعزل ما دام المال عرضاً، بل يملك التَّصرف حتَّى ينضَّ رأس المال، وليس للمالك عزله، وأنَّ هذا ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل. وذكرا في المضاربة: أنَّه ينعزل بالنِّسبة إلى الشِّراء دون البيع، وحمل صاحب «المغني» مطلق كلامهما في الشَّركة على هذا التَّقييد (٤)، ومعناه: أنَّ المضارَب بعد الفسخ يملك تنضيض المال، وليس للمالك

стр. 455

منعه من ذلك إذا كان فيه ربح. لكنَّ ابن عقيل صرَّح في موضع آخر: بأنَّ العامل لا يملك الفسخ حتَّى ينضَّ رأس المال؛ مراعاةً لحقِّ مالكه. ثمَّ قال ابن عقيل: إذا قصد المالك بعزله الحيلة لاقتطاع الرِّبح؛ مثل أن يشتري متاعاً يرجو به الرِّبح في موسم، فيفسخ قبله ليقوِّمه (١) بسعر يومه ويأخذه؛ لم ينفسخ في حقِّ المضارَب في الرِّبح، وإذا جاء الموسم؛ أخذ حصَّته منه. فجعل العقد باقياً بالنِّسبة إلى استحقاق نصيبه من الرِّبح الذي أراد المالك إسقاطه بعد انعقاد سببه بعمل المضارب؛ فهو كالفسخ بعد ظهور الرِّبح. وقال ابن عقيل أيضاً في باب الجعالة: المضاربة كالجعالة، لا يملك ربُّ المال فسخها بعد تلبُّس العامل بالعمل. وأطلق ذلك. وقال في «مفرداته»: إنَّما يملك المضارَب الفسخ بعد أن ينضَّ رأس المال، ويعلم رب المال أنه أراد الفسخ؛ لئلَّا يتمادى به الزَّمان فتتعطَّل (٢) عليه الأرباح. قال: (وهذا هو الأليق بمذهبنا، وأنَّه لا يحلُّ لأحد المتعاقدين في الشِّرَك والمضاربات الفسخ مع كتم شريكه؛ لأنَّه ذريعة إلى غاية الإضرار، وهو تعطيل المال عن الفوائد والأرباح، ولهذا لا يملك

стр. 456

عندنا فسخها ورأس المال قد صار عروضاً، لكن إذا باعها (١) ونضَّ رأس المال؛ فسخ) انتهى. وحاصله (٢): أنَّه لا يجوز للمضارب الفسخ حتَّى ينضَّ رأس المال ويُعْلِم به ربَّه؛ لئلَّا يتضرَّر بتعطيل ماله عن الرِّبح. كما أنَّه ذكر في «الفصول»: أنَّ المالك لا يملك الفسخ إذا توجَّه المال إلى الرِّبح ولا يسقط به حقُّ العامل، وهو حسن جارٍ على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسدِّ الذَّرائع. ولهذا قلنا: إنَّ المضارب إذا ضارب لآخر من غير علم الأوَّل، وكان عليه في ذلك ضرر؛ ردَّ حقَّه (٣) من الرِّبح في شركة الأوَّل، مع مخالفته لإطلاق الأكثرين أنَّه إذا فسخ قبل الظُّهور فلا شيء له. وأمَّا ما ذكره في باب الجعالة؛ ففيه بُعد، إلَّا أن ينزَّل على مثل هذه الحال، مع أنَّ القاضي ذكر مثله أيضاً في باب الجعالة (٤). ومنها: الشَّركة إذا فسخ أحدهما عقدها بالقول؛ انفسخت، وإن قال للآخر: عزلتك؛ انعزل المعزول وحده، ذكره القاضي، وتنفسخ مع كون المال عروضاً أو ناضًّا. وحكى صاحب «التَّلخيص» رواية أخرى: لا ينعزل حتَّى ينضَّ

стр. 457

المال (١)؛ كالمضارب. قال: (والمذهب الأوَّل)، وفرَّق بأنَّ الشَّريك وكيل، والرِّبح يدخل تبعاً، بخلاف حقِّ المضارب، فإنَّه أصليٌّ، ولا يظهر بدون البيع (٢). ومنها: الوكيل إذا وكَّله في فعل شيء، ثمَّ عزله وتصرَّف قبل العلم تصرُّفاً يوجب الضَّمان؛ فهل يضمنه الموكَّل؟ فيه وجهان مذكوران فيما إذا وكَّله في استيفاء القصاص ثمَّ عزله فاستوفاه قبل العلم، قال أبو بكر: لا ضمان على الوكيل (٣). فمن الأصحاب من قال: لعدم تفريطه. ومنهم من قال: لأنَّ عفو موكِّله لم يصحَّ؛ حيث حصل على وجه لا يمكن استدراكه، فهو كما لو عفى بعد الرَّمي. قال أبو بكر: وهل يلزم الموكِّل الضَّمان؟ على قولين: أحدهما: لا ضمان عليه (٤)، وَوُجِّه: بأنَّ عفوه لم يصحَّ كما ذكرنا، وبأنَّه محسن بالعفو؛ فلا يترتَّب عليه الضَّمان به. والثَّاني: عليه الضَّمان؛ لأنَّه سلَّطه على قتل معصوم لا يعلم

стр. 458

بعصمته؛ فكان الضَّمان عليه، كما لو أمر بالقتل من لا يعلم تحريمه فقتل؛ كان الضَّمان على الآمر. وللأصحاب طريقة ثانية: وهي البناء على انعزال الوكيل قبل العلم، فإن قلنا: لا ينعزل؛ لم يصحَّ العفو، فيقع القصاص مستحَقًّا لا ضمان فيه. وإن قلنا: ينعزل؛ صحَّ العفو وضمن الوكيل، كما لو قتل مرتدًّا كان (١) أسلم ولم يعلم به، وهل يرجع على الموكِّل؟ على وجهين: أحدهما: يرجع لتغريره. والثَّاني: لا؛ لأنَّ العفو إحسان منه لا يقتضي الضَّمان (٢). وعلى هذا؛ فالدِّية على عاقلة الوكيل عند أبي الخطاب؛ لأنَّه خطأ. وعند القاضي في ماله؛ لأنَّه عمدٌ، وهو بعيدٌ. وقد يقال: هو شبه عمد، كذا حكى صاحب «المغني» (٣). وللأصحاب طريقة ثالثة: وهي إن قلنا: لا ينعزل؛ لم يضمن الوكيل، وهل يضمن العافي؟ على وجهين؛ بناء على صحة عفوه، وتردُّداً بين تغريره وإحسانه. وإن قلنا: ينعزل؛ لزمته الدِّية، وهل يكون في ماله أو على عاقلته؟

стр. 459

على وجهين، وهذه طريقة أبي الخطَّاب وصاحب «التَّرغيب»، وزاد: وإذا قلنا: في ماله؛ فهل يرجع بها على الموكِّل؟ على وجهين. ولو وكَّله في بيع شيء، أو وقفِه، أو في عتق عبد، ثمَّ عزَلَه، ثمَّ فعل ما وكِّل فيه قبل العلم بعزله؛ فإن قيل: لا ينعزل قبل العلم؛ فالتَّصرُّف صحيح، ولا كلام. وإن قيل: ينعزل (١)؛ فالعقد باطل. وكذلك وقف المشتري (٢) وعتقه. وأمَّا استغلاله؛ فقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (لا يضمنه الوكيل؛ لانتفاء تفريطه، والمشتري مغرور، وفي تضمينه خلاف في المذهب، وإذا ضمن؛ رجع على الغارِّ على الصَّحيح، والغارُّ هنا لا ضمان عليه؛ فلا ضمان على واحد منهما) انتهى (٣). وعلى القول بضمان الوكيل في ماله في مسألة استيفاء القصاص من غير رجوع: قد يتوجَّه ضمان الوكيل هنا، وفيه بعد أيضاً؛ لأنَّ الضَّمان هنا لو وجب لوجب للغارِّ، والغارُّ من شأنه أن يَضْمَن لا أنَّ يُضمَن له. وأمَّا المشتري؛ فهو شبيه بالمشتري من المشتري من الغاصب إذا لم يعلما بالغصب، والمعروف في المذهب تضمينه، لكن لا يمكن الرُّجوع هنا على الوكيل.

стр. 460

قاعدة [٦١] المتصرُّف تصرُّفاً عامًّا على النَّاس كلِّهم من غير ولاية أحد معيَّن ، وهو الإمام؛ هل يكون تصرُّفه عليهم بطريق الوكالة لهم، أو بطريق الولاية؟ في ذلك وجهان (١). وخرَّج الآمدي روايتين؛ بناء على أنَّ خطأه هل هو على عاقلته أو في بيت المال؟ لأنَّا إذا جعلناه على عاقلته؛ فهو متصرف بنفسه. وإن جعلناه على بيت المال؛ فهو متصرف بوكالتهم لهم وعليهم؛ فلا يضمن لهم، ولا يُهدَر خطؤه، فيجب في بيت المال. واختيار القاضي في «خلافه»: أنَّه متصرف بالوكالة لعمومهم، وذكر في «الأحكام السُّلطانيَّة» (٢) روايتين في انعقاد الإمامة بمجرَّد القهر من غير عقد. وهذا (٣) يَحسُن أن يكون أصلاً للخلاف في الولاية والوكالة أيضاً.
следующие страницы →