بسبب سوء تصويرها، ونشير إلى هذه التعليقات بقولنا: كتب في هامش (هـ).
- الحواشي المثبتة في هامش النسخة (و):
وهي النسخة التي بخط أحمد الفتوحي شيخ المذهب ووالد صاحب المنتهى، وقد كُتب في هوامشها حواشٍ وتعليقات مفيدة تدل على أن كاتبها عالم ومحقق في المذهب، فإنه في هذه الحواشي يخرِّج على كلام المصنف، ويصحِّح ويرجِّح، ويعترض على المصنف، ويوضح كلامه ويبين مقصوده، ولم يُتطرَّق في النسخة إلى صاحب هذه الحاشية، فالذي يظهر أنها لناسخها أحمد بن عبد العزيز الفتوحي (١)؛ فإن الخط الذي كُتبت به الحاشية هو الخط الذي كُتبت به النسخة، ولا غرابة فإنه عالم في المذهب ومحقق فيه.
وعند إثباتنا لحواشي هذه النسخة نقوله: كتب في هامش (و).
- الحواشي المثبتة في هامش النسخة (ن):
وهي النسخة التي عليها تعليقات ابن نصر الله البغدادي بخط تلميذه عبد الله بن هشام الأنصاري، وفي هذه النسخة حواشٍ وتعليقات كثيرة، وهي أكثر النسخ من حيث التحشية والتعليق، ويظهر أن الحواشي التي
_________
(١) هو أحمد بن عبد العزيز بن علي، شهاب الدين، الفتوحي الحنبلي، المعروف بابن النجار، قاضي قضاة الحنابلة بالديار المصرية، ومشايخه تزيد على مائة وثلاثين شيخًا وشيخة، انتهت إليه الرئاسة في تحقيق مذهبه، توفي سنة ٩٤٩ هـ. ينظر: شذرات الذهب ١٠/ ٣٩٦، الكواكب السائرة ٢/ ١١٣.
стр. 37
في هوامشها ثلاثة:
الأولى: حاشية محب الدين ابن نصر الله البغدادي (١)، قام تلميذه ابن هشام الأنصاري بنقلها من نسخة ابن نصر الله ووضعها في نسخته التي كتب هوامشها بخطه، ويذكر بعد إيراد كلام ابن نصر الله اسمه فيقول: (ابن نصر الله).
وأحيانًا تكون الحاشية لابن نصر الله البغدادي إلا أن ابن هشام لا يذكر اسم ابن نصر الله، ولعله لم يذكر فيها اسم ابن نصر الله لكون الأصل في هذه الحواشي أنها لابن نصر الله، فمن ذلك مثلًا: ما جاء في هامش (ن): (ظاهر هذا: أنَّه لا يشترط مع ذلك تعيين مدة؛ كنفقة الزوجة، بل يكون ذلك مؤقَّتاً ببقاء العقد) وهي غير منسوبة لابن نصر الله البغدادي.
وهذه النقل ذكره المرداوي في الإنصاف (٢٠/ ٣٩٨) منسوبًا إلى ابن نصر الله في «حواشيه».
فلعل غالب ما في هذه النسخة من الحواشي التي بخط ابن هشام وهي غير منسوبة لأحد أنه أخذها من نسخة شيخه محب الدين ابن
_________
(١) هو العلامة أحمد بن نصر الله بن أحمد البغدادي، شيخ المذهب ومفتى الديار المصرية، قاضى القضاة، محب الدين، البغدادي الأصل ثم المصري، أخذ عن جماعة من العلماء؛ كالبلقيني وابن الملقن والحافظ ابن رجب وغيرهم، وولي التدريس والإفتاء، وكان متضلعًا بالعلوم الشرعية، وله حواشٍ على كتب كثيرة في المذهب، كالمغني والمحرر وشرح الزركشي والفروع والقواعد وغيرها. ينظر: المقصد الأرشد ١/ ٢٠٢، الجوهر المنضد ص ٦.
стр. 38
نصر الله البغدادي، والله تعالى أعلم.
وقد نقل عن هذه الحواشي المرداوي في الإنصاف، والبهوتي في الكشاف (٥/ ٢٩٠، ٥/ ٤٧٩)، وغيرهما.
الثانية: حاشية عبد الله بن هشام الأنصاري (١)، تلميذ ابن نصر الله، فقد كتب حواشٍ وتعليقات له على هذه النسخة، وقيدها بذكر اسمه بعدها، وهي قليلة.
الثالثة: حواشٍ متأخرة، ينقل كاتبها عن الإنصاف وغيرها، ولم يرد لمن هي إلا أنها حواشٍ نفسية تدل على علم وفقه ومعرفة بالمذهب، حتى إنه قد يستدرك على ابن نصر الله البغدادي في حواشي، ولعلها تكون من تعليقات أحمد بن النجار الفتوحي الحنبلي، فقد جاء في صفحة العنوان تملُّكًا باسمه ﵀، وهو عالم محقق له عناية بقواعد ابن رجب.
ونقول في مواطن هذه الحواشي والتعليقات: كتب في هامش (ن)، وما نص ناسخها على أن الحاشية لابن نصر الله نقول: قال ابن نصر الله ﵀.
_________
(١) هو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يوسف ابن هشام، جمال الدين، أبو محمد، القاهري الحنبلي، ويعرف بابن هشام، وهو حفيد ابن هشام النحوي المشهور، أخذ الفقه عن المحب بن نصر الله، وقرأ عليه المقنع أو معظمه، ولازمه ملازمة تامة في الفقه وأصوله والحديث وغيرها، وصار أحد أعيان مذهبه، وتصدى بعد شيخه للتدريس والإفتاء والأحكام، توفي سنة ٨٥٥ هـ. ينظر: الضوء اللامع ٥/ ٥٦، نظم العقيان ص ١٢١.
стр. 39
منهج التحقيق
١ - اعتمدنا في تحقيق النص ما اتفقت عليه نسختي (أ) و (ب)؛ لكونهما نسختان مقروءتان على المصنف، وحذفنا فروق ما عداهما من النسخ إن وجد.
فإن اختلفت (أ) و (ب)؛ أثبتنا في صلب الكتاب نسخة (أ)؛ لكونها آخر نسخة مقابلة على المصنف من النسخ المعتمدة في التحقيق، وذكرنا نسخة (ب) وما وافقها من النسخ الأخرى في الهامش، إلا فيما كان الصواب مع نسخة (ب) أو غيرها من النسخ، فإننا نبينه في الهامش ونثبت ما في النسخ الأخرى في صلب الكتاب -وذلك قليل -.
٢ - قمنا بتوثيق الآيات القرآنية، وتخريج الأحاديث تخريجاً مختصراً، بذكر من خرَّجه مع رقم الحديث في الكتاب أو الجزء والصفحة.
٣ - ضبطنا ما يحتاج إلى ضبط من كلمات الكتاب.
٤ - شرحنا الكلمات التي نرى أنها بحاجة إلى شرح من مصادرها المعتمدة في المعاجم العربية.
٥ - أثبتنا علامات الترقيم الهامة، واعتنينا بترتيب الكلام وفقرات الكتاب حسب الإمكان.
стр. 40
٦ - رقمنا القواعد المذكورة في الكتاب على ما في النسخة (أ)؛ لكونها آخر نسخة قُرئت على المصنف من النسخ المعتمدة، على أن ترقيم القواعد في بعض النسخ تختلف عن ترقيم ما في النسخة (أ).
٧ - ترجمنا للمؤلف من مصادر ترجمته، وعرَّفنا بالكتاب والحواشي في مقدمة التحقيق.
стр. 41
صور المخطوطات
صورة الورقة الأولى من النسخة (أ)
صورة الورقة الأخيرة من النسخة (أ)
стр. 42
صورة الورقة الأولى من النسخة (ب)
صورة الورقة الأخيرة من النسخة (ب)
стр. 43
صورة الورقة الأولى من النسخة (ج)
صورة الورقة الأخيرة من النسخة (ج)
стр. 44
صورة الورقة الأولى من النسخة (د)
صورة الورقة الأخيرة من النسخة (د)
стр. 45
صورة الورقة الأولى من النسخة (هـ)
صورة الورقة الأخيرة من النسخة (هـ)
стр. 46
صورة الورقة الأولى من النسخة (و)
صورة الورقة الأخيرة من النسخة (و)
стр. 47
صورة الورقة الأولى من النسخة (ن)
صورة الورقة الأخيرة من النسخة (ن)
стр. 48
تقرير القواعد وتحرير الفوائد
للإمام العلامة أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي الحنبلي
(ت: ٧٩٥ هـ)
قوبل على نسختين مقروءتين على المصنف، وخمس نسخ أخرى
ومعه
حاشية نفيسة لتلميذه العلامة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي (ت: ٨٤٤ هـ)
وحواشٍ أخرى
تحقيق
أ. د. خالد بن علي المشيقح
د. عبد العزيز بن عدنان العيدان … د. أنس بن عادل اليتامى
стр. 49
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه (١)
الحمد لله الذي مهَّد قواعد الدِّين بكتابه المحكم، وشيَّد معاقد العلم بخطابه وأحكم، وفقَّه في دينه من أراد به خيراً من عباده وفهَّم، وأوقف من شاء على ما شاء من أسرار مراده وألهم؛ فسبحان من حكم فأحكم، وحلَّل وحرَّم، وعرَّف وعلَّم، علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تهدي إلى الطَّريق الأقوم، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله المخصوص بجوامع الكَلِم وبدائع الحِكَم، وودائع العلم والحلم والكرم، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
أما بعد:
فهذه قواعد مهمَّة، وفوائد جمَّة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتُطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيَّب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيِّد له الشَّوارد، وتقرِّب عليه كلَّ متباعد؛
стр. 50
فلينعم (١) النَّاظر فيه النَّظر، وليوسع العذر، إنَّ اللبيب مَن عذر، فلقد سنح بالبال، على غاية من الإعجال؛ كالارتجال (٢) أو قريباً من الارتجال؛ في أيَّام يسيرة وليال، ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه.
والله المسؤول أن يوفِّقنا لصواب القول والعمل، وأن يرزقنا اجتناب أسباب الزَّيغ والزَّلل؛ إنَّه قريب مجيب لمن سأل، لا يخيِّب من إيَّاه رجا وعليه توكَّل.
стр. 51
قاعدة [١]
الماء الجاري؛ هل هو كالرَّاكد، أو كلُّ جرية منه لها حكم الماء المنفرد ؟
فيه خلاف في المذهب، ينبني عليه (١) مسائل:
إحداها: لو وقعت فيه نجاسة؛ فهل يعتبر مجموعه؟ فإن كان كثيراً لم ينجس بدون تغيُّر وإلَّا نجس، أو تعتبر (٢) كلُّ جرية بانفرادها، فإن بلغت قلَّتين لم تنجس، وإلَّا نَجِست؟
فيه روايتان حكاهما الشِّيرازيُّ (٣) وغيره، والثَّانية المذهب عند القاضي (٤).
стр. 52
والثانية: لو غمس الإناء النَّجس في ماء جارٍ، ومرَّت عليه سبع جريات؛ فهل ذلك غسلة واحدة أو سبع غسلات؟
على وجهين حكاهما أبو الحسن بن الغازي (١) تلميذ الآمدي (٢)، وذكر أنَّ ظاهر كلام الأصحاب أنَّ ذلك غسلة واحدة، وفي «شرح المذهب» للقاضي: أنَّ كلام أحمد يدلُّ عليه.
وكذلك لو كان ثوباً ونحوه وعصره عقب كلِّ جرية.
والثَّالثة: لو انغمس المحدث حدثاً أصغر في ماء جار للوضوء، ومرَّت عليه أربع جريات متوالية؛ فهل يرتفع بذلك حدثه أم لا؟ على وجهين.
стр. 53
أشهرهما عند الأصحاب: أنَّه يرتفع حدثه.
وقال أبو الخطاب (١) في «الانتصار»: ظاهر كلام أحمد أنَّه لا يرتفع؛ لأنَّه لم يفرِّق بين الجاري والرَّاكد (٢).
قلت: بل نصَّ أحمد على التَّسوية بينهما في رواية محمَّد بن الحكم (٣)، وأنَّه إذا انغمس في دجلة؛ فإنَّه لا يرتفع حدثه حتَّى يخرج مرتَّباً.
والرَّابعة: أنَّه (٤) لو حلف: لا يقف في هذا الماء، وكان جارياً؛ لم يحنث عند أبي الخطاب وغيره؛ لأنَّ الجاري يتبدَّل ويستخلف شيئاً فشيئاً؛ فلا يُتصوَّر الوقوف فيه.
وقياس المنصوص: أنَّه يحنث؛ لا سيَّما والعرف يشهد له،
стр. 54
والأيمان مرجعها إلى العرف، ثمَّ وجدت القاضي في «الجامع الكبير» ذكر نحو هذا (١)، والله أعلم.
стр. 55
قاعدة [٢]
شعر الحيوان في حكم المنفصل عنه لا في حكم المتَّصل، وكذلك الظُّفر (١)، هذا هو جادَّة المذهب .
ويتفرَّع على ذلك مسائل:
منها: إذا مسَّ شعر امرأة بشهوة (٢) لم ينتقض وضوؤه (٣)، وكذلك ظفرها، أو مسَّها بظفره أو بشعره.
ولهذه المسألة مأخذ آخر: وهو أنَّ هذه الأجزاء ليست بمحلٍّ للشَّهوة (٤) الأصليَّة، وهي شرط لنقض الوضوء عندنا.
ومنها: أنَّ الشَّعر لا ينجس بالموت ولا بالانفصال على المذهب، وكذلك ما طال من الظُّفر على احتمال فيه.
أمَّا على المشهور: فإن انفصل من الآدميِّ؛ لم ينجس على الصَّحيح.
стр. 56
ومن غيره ينجس (١)؛ لأنَّه كانت فيه حياة ثمَّ فارقته حال اتصاله (٢)، فمنعه الاتِّصال من التَّنجيس، فإذا انفصل زال المانع، فنجس.
ومنها: غَسْلُه في الجنابة والحدث.
فأمَّا الجنابة: ففي وجوب غسله وجهان، والَّذي رجحه صاحب «المغني»، وذكر أنَّه ظاهر كلام الخرقيِّ (٣): عدم الوجوب (٤)؛ للقاعدة.
ومن أوجبه؛ فيقول: وجب تعبُّداً (٥).
نعم؛ إن كان وصول الماء إلى البشرة لا يمكن بدون غسله (٦)؛ وجب؛ لضرورة وجوب إيصال الماء إلى ما تحته.
وأمَّا في الحدث الأصغر؛ فلا يجب غسل المسترسل منه على
стр. 57
الصَّحيح (١)، وأمَّا المحاذي (٢) لمحلِّ الفرض؛ فيجزئ إمرار الماء على ظاهره إذا كان كثيفاً؛ لأنَّ إيصال الماء إلى الحوائل في الوضوء كافٍ؛ وإن لم تكن متَّصلة بالبدن اتِّصال خلقة؛ كالجبيرة والخفِّ والعمامة؛ فالمتَّصل خلقة أولى.
ومنها: لو أضاف طلاقاً أو عتاقاً أو ظهاراً إلى الشَّعر أو الظُّفر؛ لم يثبت الطَّلاق ولا العتاق ولا الظِّهار على الأصحِّ (٣).
ومنها: لو كان جيبه واسعاً ترى منه عورته في الصَّلاة، لكن له لحية كبيرة تستره؛ فالمذهب: أنَّه يكفي في السَّتر، قال في «المغني»: نصَّ عليه (٤).
مع أنَّه قرَّر في كتاب الحج: أنَّ الستر بالمتَّصل كاليد ونحوها (٥) لا فدية فيه (٦).
стр. 58
وخالفه صاحب «شرح الهداية» (١)، وقال: هو ستر في الموضعين.
وتردَّد فيه القاضي في «شرح المذهب»؛ فجزم تارة بأنَّ السَّتر بالمتَّصل ليس بستر في الإحرام ولا في الصَّلاة، ثم ذكر نصَّ أحمد.
ورجع (٢) إلى أنَّه ستر في الصَّلاة دون الإحرام؛ لأنَّ القصد في ستر الصَّلاة تغييب لون البشرة، وفي الإحرام إنَّما يحرم السَّتر بما يستر به عادة.
فأمَّا إيجاب الديَّة به (٣)، وضمانه من الصَّيد، وتحريم نظره على الأجنبيِّ؛ فلما يتعلق بجملة البدن من إزالة جماله، وتأذِّي الصَّيد بترويعه وإثبات اليد عليه وهو ممتنع، والافتتان بالمرأة، ولهذا لو انفصل شعر المرأة؛ جاز النَّظر إليه (٤) على ظاهر كلام أبي الخطَّاب في «الانتصار».
وحكى صاحب «التَّلخيص» فيه وجهين.
стр. 59
قاعدة [٣]
من وجب عليه عبادة، فأتى بما لو اقتصر على ما دونه (١) لأجزأه؛ هل يوصف الكلُّ بالوجوب، أو قدر الإجزاء منه ؟ (٢)
إن كانت الزِّيادة متميَّزة منفصلة؛ فلا إشكال في أنَّها نفل بانفرادها؛ كإخراج صاعين منفردين (٣) في الفطرة ونحوه.
وأمَّا إن لم تكن متميِّزة؛ ففيه وجهان مذكوران في أصول الفقه (٤)،
стр. 60
وينبني عليهما مسائل:
منها: إذا أدرك الإمامَ في الرُّكوع بعد فوات قدر الإجزاء منه؛ هل يكون مُدرِكاً له في الفريضة؟
ظاهر كلام القاضي وابن عقيل (١) تخريجها على الوجهين، إذا قلنا: لا يصحُّ اقتداء المفترض بالمتنفِّل.
قال ابن عقيل: ويحتمل أن تجري الزِّيادة مجرى الواجب في باب الاتِّباع خاصَّةً (٢)، إذ الاتباع قد يسقط الواجب كما في المسبوق، ومصلِّي الجمعة من امرأة وعبد ومسافر.
стр. 61
ومنها: إذا وجب عليه شاة فذبح بَدَنة؛ فهل كلُّها واجبة أو سُبُعها؟ على وجهين (١).
ومنها: إذا أدَّى عن خمس من الإبل بعيراً، وقلنا: يجزئه؛ فهل الواجب كلُّه أو خُمُسه؟ حكى القاضي أبو يعلى الصَّغير (٢) فيه وجهين (٣):
فعلى القول بأنَّ خُمُسه واجب: يجزئ عن عشرين بعيراً أيضاً.
وعلى الآخر: لا يجزئ عن عشرين إلَّا أربعة أبعرة.
ومنها: إذا مسح رأسه كلَّه دفعةً واحدة، وقلنا: الفرض منه قدر النَّاصية؛ فهل الكلُّ فرض، أو قدر النَّاصية منه؟
стр. 62
ومنها: إذا أخرج في الزَّكاة سنًّا أعلى من الواجب؛ فهل كلُّه فرض أو بعضه تطوُّع؟
قال أبو الخطاب: كلُّه فرض.
وقال القاضي: بعضه تطوُّع، وهو الصَّواب؛ لأنَّ الشَّارع أعطاه جبراناً عن الزِّيادة.
فأمَّا ما كان الأصل فرضيته ووجوبه، ثمَّ سقط بعضه تخفيفاً، فإذا فعل الأصل؛ وُصِف الكلُّ بالوجوب على الصَّحيح.
فمن ذلك: إذا صلَّى المسافر أربعاً؛ فإنَّ الكلَّ فرض في حقِّه.
وعن أبي بكر (١): أنَّ الركعتين الأخيرتين نفل، لا يصحُّ (٢) اقتداء المفترض به فيهما، وهو متمشٍّ على أصله، وهو عدم اعتبار نيَّة القصر.
والمذهب الأوَّل.
ومنه: إذا كفَّر الواطئ في الحيض بدينار؛ فإنَّ الكلَّ واجب؛ وإن كان له الاقتصار على نصفه، ذكره في «المغني».
ويتخرَّج فيه وجه من قول أبي بكر.
стр. 63
فأمَّا إن غسل رأسه بدلاً عن مسحه - وقلنا بالإجزاء -؛ ففي السَّائل منه وجهان:
أحدهما: أنَّه مستعمل في رفع حدث؛ لأنَّ الأصل هو الغسل، وإنَّما سقط تخفيفاً.
والثَّاني -وهو الصَّحيح-: أنَّه طهور (١)؛ لأنَّ الغسل مكروه؛ فلا يكون واجباً.
وقد يقال: والإتمام في السَّفر مكروه أيضاً (٢).
стр. 64
قاعدة [٤]
العبادات كلُّها -سواء كانت بدنيَّة، أو ماليَّة، أو مركَّبة منهما- لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها ، ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب وقبل الوجوب، أو قبل شرط الوجوب (١).
ويتفرَّع على ذلك مسائلُ كثيرةٌ (٢):
فمنها: الطَّهارة سبب وجوبها الحدث، وشرط الوجوب فعل العبادة المشترط لها الطَّهارة؛ فيجوز تقديمها على العبادة؛ ولو بالزَّمن الطَّويل بعد الحدث.
ومنها: الصَّلاة؛ فيجوز تقديم صلاة العصر إلى وقت الظُّهر، والعشاء إلى وقت المغرب؛ لأنَّ الشَّارع جعل الزَّوال سبباً لوجوب الصَّلاتين عند العذر دون عدمه.
ولهذا لو أدرك جزءاً من وقت الزَّوال، ثمَّ طرأ عليه عذر؛ لزمه
стр. 65
قضاء الصَّلاتين على إحدى الرَّوايتين (١)، ولو زال العذر في آخر وقت العصر؛ لزمه الصَّلاتان بلا خلاف عندنا.
فعلم أنَّ الوقتين قد صارا في حال العذر كالوقت الواحد، لكنَّه وقت جواز بالنِّسبة إلى إحداهما، ووجوبٍ بالنَّسبة إلى الأخرى.
ومنها: صلاة الجمعة؛ فإنَّ (٢) سببها اليوم؛ لأنَّها تضاف إليه، فيجوز فعلها بعد زوال وقت النَّهي من أوَّل اليوم؛ وإن كان الزَّوال هو وقت الوجوب.
ومنها: زكاة المال يجوز تقديمها من أوَّل الحول بعد كمال النِّصاب (٣).
ومنها: كفَّارات الإحرام إذا احتيج إليها للعذر، فإنَّ العذر سببها؛ فيجوز تقديمها بعد العذر وقبل فعل المحظور.
ومنها: صيام التَّمتُّع (٤) والقِران؛ فإنَّ سببه العمرة السَّابقة للحجِّ في أشهره، فبالشُّروع في إحرام العمرة قد وجد السَّبب؛ فيجوز الصِّيام
стр. 66
بعده، وإن كان وجوبه متأخِّراً عن ذلك.
فأمَّا الهدي؛ فقد التزمه أبو الخطَّاب في «انتصاره».
ولنا رواية: أنَّه يجوز ذبحه لمن دخل قبل العشر؛ لمشقَّة حفظه عليه إلى يوم النَّحر.
وعلى المشهور: لا يجوز في غير أيَّام النَّحر؛ لأنَّ الشَّرع خصَّها بالذَّبح.
ومنها: كفَّارة اليمين يجوز تقديمها على الحنث بعد عقد اليمين؛ ماليَّةً كانت أو بدنيَّةً (١).
ومنها: إخراج كفَّارة القتل أو الصَّيد بعد الجرح وقبل الزُّهوق.
ومنها: النَّذر المطلق (٢)، نحو: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أتصدَّق بكذا؛ فله أن يتصدَّق في الحال، ذكره ابن عقيل في «فنونه».
ويلتحق بهذه القاعدة:
ما يجوز تقديمه على شرط وجوبه بعد وجود سببه من غير
стр. 67
العبادات؛ كالإبراء (١) من الدِّية بين الجناية والموت، وأمَّا من القصاص؛ ففيه روايتان (٢).
وكتوفية المضمون عنه للضَّامن الدَّين بين الضَّمان والأداء، وفيه وجهان.
وكعفو الشَّفيع عن الشُّفعة قبل البيع، وفيه روايتان (٣)؛ فإنَّ سبب الشُّفعة الملك وشرطها البيع.
وأمَّا إسقاط الورثة حقَّهم من وصيَّة الموروث في مرضه؛ فالمنصوص عن أحمد: أنَّه لا يصحُّ (٤)،
وشبَّهه في موضع بالعفو عن الشُّفعة (٥)؛ فخرَّجَّه الشَّيخ مجد الدِّين في «تعليقه على الهداية» على روايتين.
وكإيتاء المكاتب ربع الكتابة بعد عقدها وقبل كمال الأداء، وهو جائز.
стр. 68
قاعدة [٥]
من عجَّل عبادة قبل وقت الوجوب، ثمَّ جاء وقت الوجوب وقد تغيَّر الحال ؛ بحيث لو فعل المعجَّل في (١) وقت الوجوب؛ لم يجزئه؛ فهل يجزئه (٢) أم لا؟
هذا على قسمين:
أحدهما (٣): أن يتبيَّن الخلل في نفس العبادة؛ بأن يظهرَ وقت الوجوب أنَّ الواجب غير المعجَّل، ولذلك صور:
منها: إذا كفَّر بالصَّوم قبل الحنث، ثمَّ حنث وهو موسر؛ قال صاحب «المغني»: لا يجزئه؛ لأنَّا تبيَّنا أنَّ الواجب غير ما أتى به (٤).
стр. 69
وإطلاق الأكثرين يخالف ذلك؛ لأنَّه كان فرضه في الظَّاهر، فبرئ به وانحلَّت يمينه، بمعنى: أنَّها لم تبق منعقدة بالتَّكفير، فصادف فعل المحلوف عليه ذمَّةً بريئة من الواجب؛ فلم يحصل به الحنث؛ لأنَّ الكفَّارة حلَّته.
وقد صرَّح أبو بكر عبد العزيز: بأنَّ (١) الكفَّارة قبل الفعل تحلُّ اليمين المنعقدة، وبعده تُكفِّر أثر المخالفة.
ومنها: إذا كفَّر المتمتِّع بالصَّوم، ثمَّ قدر على الهدي وقت وجوبه؛ فصرَّح ابن الزَّاغونيِّ (٢) في «الإقناع»: أنَّه (٣) لا يجزئه الصَّوم.
وإطلاق الأكثرين يخالفه، بل وفي كلام بعضهم تصريح به، وربَّما أشعر كلام أحمد بذلك (٤)؛ لأنَّ صومه صحَّ؛ فبرئت ذمَّتُه (٥)،
стр. 70
فصادف وقت وجوب الهدي ذمَّةً بريئة من عهدة الواجب.
ومنها: إذا عجَّل عن أربع وعشرين من الإبل أربع شياه، ثمَّ نتجت واحدة قبل الحول؛ ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه (١)، ويجب عليه إخراج بنت مخاض.
والثَّاني: يجزئه عن العشرين، ويخرج عن الباقي خُمُس بنت مخاض، ولا يقال: إنَّه يجب عليه شاة عن الخَمْس الزَّائدة الَّتي لم يؤدِّ عنها؛ لئلَّا يفضيَ إلى إيجاب خمس شياه عن خمس وعشرين.
ومنها: إذا صلَّى الصَّبيُّ في أوَّل الوقت، ثمَّ بلغ؛ ففي (٢) وجوب الإعادة وجهان:
المنصوص: أنَّه يجب.
واختار القاضي في «شرح المذهب» خلافه؛ لأنَّه فعل المأمور به في أوَّل الوقت، فصادفه وقت الوجوب وقد فعل المأمور؛ فامتنع تعلُّقُ الوجوب به لذلك.
وهذا بخلاف ما إذا حجَّ ثمَّ بلغ؛ فإنَّ حجَّه ليس بمأمور به ولا معاقب على تركه، بخلاف الصَّلاة.
стр. 71
والقسم الثَّاني: أن يتبيَّن الخلل في شرط العبادة المعجَّلة؛ فالصَّحيح: أنَّه يجزئه.
ويتفرَّع عليه مسائل:
منها: إذا عجَّل الزَّكاة إلى فقير مسلم، فحال الحول وقد مات، أو ارتدَّ، أو استغنى من غيرها (١).
ومنها: إذا جمع بين الصَّلاتين في وقت أولاهما بتيمُّم، ثمَّ دخل وقت الثَّانية وهو واجد للماء.
ومنها: إذا قصر الصَّلاتين في السَّفر في وقت أولاهما، ثمَّ قدِم قبل دخول وقت الثَّانية.
стр. 72
قاعدة (١) [٦]
إذا فعل عبادة في وقت وجوبها يظنُّ أنَّها الواجبة عليه، ثمَّ تبيَّن بآخره أنَّ الواجب كان غيرها؛ فإنَّه يجزئه (٢).
ولذلك صور:
منها: إذا أحجَّ المعضوب عن نفسه، ثمَّ برئ؛ فإنَّه يجزئه على المذهب (٣)؛ لأنَّه فعل الواجب عليه في وقته، لا سيَّما إن قيل: ذلك عليه على الفور.
ومنها: إذا كفَّر العاجز عن الصِّيام بالإطعام للإياس من برئه، ثمَّ عوفي؛ فإنَّه لا يلزمه قضاء الصَّوم (٤).
стр. 73
ومنها: إذا ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه، فإنهَّا تعتدُّ عندنا سنة، فإذا اعتدَّت سنة، ثمَّ رأت الحيض؛ لم يلزمها الاعتداد به (١).
ومنها: إذا صلَّى الظُّهر من لا جمعة عليه لأجل العذر، ثمَّ زال العذر قبل تجميع الإمام؛ فإنَّه لا يلزمه إعادة الجمعة مع الإمام (٢).
وأمَّا ما حكي عن أبي بكر: أنَّه لا يجزئه فعل الظُّهر قبل تجميع الإمام (٣)؛ فمن الأصحاب من بناه على هذا الأصل (٤)، وأنَّه تجب الإعادة؛ لتبيُّنِنا أنَّ الواجب عليه الجمعة.
وليس هذا مأخذ أبي بكر؛ فإنَّه صرَّح بمأخذه: وهو أنَّ وقت الظُّهر في حقِّ من لا جمعة عليه إنَّما يدخل بفعل الجمعة من الإمام، كما لا يدخل وقت الذَّبح في الأضاحي إلَّا بعد صلاة الإمام (٥).
стр. 74
ويلتحق بهذه القاعدة:
ما إذا خفي الاطِّلاع على خلل الشَّرط، ثمَّ تبيَّن؛ فإنَّه يغتفر في الأصحِّ.
فمن ذلك: إذا أدَّى الزَّكاة إلى من يظنُّه فقيراً، ثمَّ بان (١) أنَّه غنيٌّ؛ فإنَّها تسقط على أصحِّ الرِّوايتين.
ومنها: إذا صلَّى المسافر بالاجتهاد إلى القبلة، ثمَّ تبيَّن الخطأ؛ فإنَّه لا إعادة على الصَّحيح (٢).
ومنها: إذا حكم الحاكم بشهادة عدلين في الظَّاهر، ثمَّ تبيَّن فِسقُهما؛ ففي النَّقض روايتان:
رجَّح ابن عقيل في «فنونه (٣)»: عدمه، وبه جزم القاضي في كتاب الصَّيد من «خلافه»، والآمديُّ؛ لئلَّا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد.
والمشهور: النَّقض؛ لتعلُّق حقِّ الغير به (٤).
стр. 75
وأمَّا إذا اصطاد بكلب علَّمه، ثمَّ أكل من الصَّيد؛ فإنَّه لا يُحرِّم (١) صيودَه (٢) المتقدِّمة على الصَّحيح؛ لكن مأخذه: أنَّا لم نتبيَّن فساد تعليمه (٣)؛ لجواز أن يكون نسيه بعد تعلُّمه، أو نسي إرساله.
فأمَّا الإعادة على من نسي الماء في رحله وتيمَّم ثمَّ صلَّى، أو على من صلَّى صلاة شدَّة الخوف لسوادٍ ظنَّه عدوًّا فلم يكن، أو كان بينه وبينه ما يمنع العبور؛ فإنَّه مبنيٌّ على أنَّه فرَّط بترك البحث والتَّحقيق (٤).