عندنا فسخها ورأس المال قد صار عروضاً، لكن إذا باعها (١) ونضَّ رأس المال؛ فسخ) انتهى.
وحاصله (٢): أنَّه لا يجوز للمضارب الفسخ حتَّى ينضَّ رأس المال ويُعْلِم به ربَّه؛ لئلَّا يتضرَّر بتعطيل ماله عن الرِّبح.
كما أنَّه ذكر في «الفصول»: أنَّ المالك لا يملك الفسخ إذا توجَّه المال إلى الرِّبح ولا يسقط به حقُّ العامل، وهو حسن جارٍ على قواعد المذهب في اعتبار المقاصد وسدِّ الذَّرائع.
ولهذا قلنا: إنَّ المضارب إذا ضارب لآخر من غير علم الأوَّل، وكان عليه في ذلك ضرر؛ ردَّ حقَّه (٣) من الرِّبح في شركة الأوَّل، مع مخالفته لإطلاق الأكثرين أنَّه إذا فسخ قبل الظُّهور فلا شيء له.
وأمَّا ما ذكره في باب الجعالة؛ ففيه بُعد، إلَّا أن ينزَّل على مثل هذه الحال، مع أنَّ القاضي ذكر مثله أيضاً في باب الجعالة (٤).
ومنها: الشَّركة إذا فسخ أحدهما عقدها بالقول؛ انفسخت، وإن قال للآخر: عزلتك؛ انعزل المعزول وحده، ذكره القاضي، وتنفسخ مع كون المال عروضاً أو ناضًّا.
وحكى صاحب «التَّلخيص» رواية أخرى: لا ينعزل حتَّى ينضَّ
стр. 457
المال (١)؛ كالمضارب.
قال: (والمذهب الأوَّل)، وفرَّق بأنَّ الشَّريك وكيل، والرِّبح يدخل تبعاً، بخلاف حقِّ المضارب، فإنَّه أصليٌّ، ولا يظهر بدون البيع (٢).
ومنها: الوكيل إذا وكَّله في فعل شيء، ثمَّ عزله وتصرَّف قبل العلم تصرُّفاً يوجب الضَّمان؛ فهل يضمنه الموكَّل؟ فيه وجهان مذكوران فيما إذا وكَّله في استيفاء القصاص ثمَّ عزله فاستوفاه قبل العلم، قال أبو بكر: لا ضمان على الوكيل (٣).
فمن الأصحاب من قال: لعدم تفريطه.
ومنهم من قال: لأنَّ عفو موكِّله لم يصحَّ؛ حيث حصل على وجه لا يمكن استدراكه، فهو كما لو عفى بعد الرَّمي.
قال أبو بكر: وهل يلزم الموكِّل الضَّمان؟ على قولين:
أحدهما: لا ضمان عليه (٤)، وَوُجِّه: بأنَّ عفوه لم يصحَّ كما ذكرنا، وبأنَّه محسن بالعفو؛ فلا يترتَّب عليه الضَّمان به.
والثَّاني: عليه الضَّمان؛ لأنَّه سلَّطه على قتل معصوم لا يعلم
стр. 458
بعصمته؛ فكان الضَّمان عليه، كما لو أمر بالقتل من لا يعلم تحريمه فقتل؛ كان الضَّمان على الآمر.
وللأصحاب طريقة ثانية: وهي البناء على انعزال الوكيل قبل العلم، فإن قلنا: لا ينعزل؛ لم يصحَّ العفو، فيقع القصاص مستحَقًّا لا ضمان فيه.
وإن قلنا: ينعزل؛ صحَّ العفو وضمن الوكيل، كما لو قتل مرتدًّا كان (١) أسلم ولم يعلم به، وهل يرجع على الموكِّل؟ على وجهين:
أحدهما: يرجع لتغريره.
والثَّاني: لا؛ لأنَّ العفو إحسان منه لا يقتضي الضَّمان (٢).
وعلى هذا؛ فالدِّية على عاقلة الوكيل عند أبي الخطاب؛ لأنَّه خطأ.
وعند القاضي في ماله؛ لأنَّه عمدٌ، وهو بعيدٌ.
وقد يقال: هو شبه عمد، كذا حكى صاحب «المغني» (٣).
وللأصحاب طريقة ثالثة: وهي إن قلنا: لا ينعزل؛ لم يضمن الوكيل، وهل يضمن العافي؟ على وجهين؛ بناء على صحة عفوه، وتردُّداً بين تغريره وإحسانه.
وإن قلنا: ينعزل؛ لزمته الدِّية، وهل يكون في ماله أو على عاقلته؟
стр. 459
على وجهين، وهذه طريقة أبي الخطَّاب وصاحب «التَّرغيب»، وزاد: وإذا قلنا: في ماله؛ فهل يرجع بها على الموكِّل؟ على وجهين.
ولو وكَّله في بيع شيء، أو وقفِه، أو في عتق عبد، ثمَّ عزَلَه، ثمَّ فعل ما وكِّل فيه قبل العلم بعزله؛ فإن قيل: لا ينعزل قبل العلم؛ فالتَّصرُّف صحيح، ولا كلام.
وإن قيل: ينعزل (١)؛ فالعقد باطل.
وكذلك وقف المشتري (٢) وعتقه.
وأمَّا استغلاله؛ فقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (لا يضمنه الوكيل؛ لانتفاء تفريطه، والمشتري مغرور، وفي تضمينه خلاف في المذهب، وإذا ضمن؛ رجع على الغارِّ على الصَّحيح، والغارُّ هنا لا ضمان عليه؛ فلا ضمان على واحد منهما) انتهى (٣).
وعلى القول بضمان الوكيل في ماله في مسألة استيفاء القصاص من غير رجوع: قد يتوجَّه ضمان الوكيل هنا، وفيه بعد أيضاً؛ لأنَّ الضَّمان هنا لو وجب لوجب للغارِّ، والغارُّ من شأنه أن يَضْمَن لا أنَّ يُضمَن له.
وأمَّا المشتري؛ فهو شبيه بالمشتري من المشتري من الغاصب إذا لم يعلما بالغصب، والمعروف في المذهب تضمينه، لكن لا يمكن الرُّجوع هنا على الوكيل.
стр. 460
قاعدة [٦١]
المتصرُّف تصرُّفاً عامًّا على النَّاس كلِّهم من غير ولاية أحد معيَّن ، وهو الإمام؛ هل يكون تصرُّفه عليهم بطريق الوكالة لهم، أو بطريق الولاية؟ في ذلك وجهان (١).
وخرَّج الآمدي روايتين؛ بناء على أنَّ خطأه هل هو على عاقلته أو في بيت المال؟
لأنَّا إذا جعلناه على عاقلته؛ فهو متصرف بنفسه.
وإن جعلناه على بيت المال؛ فهو متصرف بوكالتهم لهم وعليهم؛ فلا يضمن لهم، ولا يُهدَر خطؤه، فيجب في بيت المال.
واختيار القاضي في «خلافه»: أنَّه متصرف بالوكالة لعمومهم، وذكر في «الأحكام السُّلطانيَّة» (٢) روايتين في انعقاد الإمامة بمجرَّد القهر من غير عقد. وهذا (٣) يَحسُن أن يكون أصلاً للخلاف في الولاية والوكالة أيضاً.
стр. 461
وينبني على هذا الخلاف (١) أيضاً: انعزالُه بالعزل، ذكره الآمديُّ، فإن قلنا: هو وكيل، فله أن يعزل نفسه.
وإن قلنا: هو والٍ؛ لم ينعزل بالعزل، كما أنَّ الرسول ليس له عزل نفسه، ولا ينعزل (٢) بموت من بايعه؛ لأنَّه وكيل عن الجميع لا عن أهل البيعة وحدهم.
وهل لهم عزله؟ إن كان بسؤاله (٣)، فحكمه حكم عزل نفسه، وإن كان بغير سؤاله؛ لم يجز بغير خلاف، هذا (٤) ما ذكره القاضي وغيره.
وأمَّا من كان تصرُّفه مستفاداً من توليته؛ فإن كان نائباً عنه كالوزير؛ فإنَّه كالوكيل له ينعزل بعزله وبموته، وإن كان نائباً عن المسلمين كالأمير العامِّ؛ لم ينعزل بموت الإمام، ذكره القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة» (٥)(٦).
стр. 462
فأمَّا القضاة؛ فهل هم نواب الإمام أو للمسلمين؟ فيه وجهان معروفان (١) ينبني عليهما جواز عزل الامام له وعزله لنفسه.
وظاهر كلام القاضي في «الأحكام» (٢): أنَّ الخلاف مطرد في ولاية الإمارة العامة على البلاد وجباية الخراج.
وأمَّا نواب القاضي؛ فنوعان:
أحدهما: من ولايته خاصَّة؛ كمن فوض إليه سماع شهادة معينة أو إحضار المستعدي عليه؛ فهم كالوكلاء ينعزلون بعزله وموته.
والثَّاني: من ولايته عامَّة؛ كخلفائه وأمنائه على الأطفال ونوابِّه على القرى؛ فهل هم بمنزلة وكلائه، أو نوَّاب المسلمين فلا ينعزلون بموته؟ على وجهين ذكرهما الآمديُّ (٣)، وصحَّح صاحب «التَّرغيب»: عدم الانعزال.
وحكى ابن عقيل عن الأصحاب: أنَّهم ينعزلون (٤)؛ لأنَّهم نواب للقاضي، بخلاف القضاة فإنَّهم نواب للمسلمين، ولهذا يجب على
стр. 463
الإمام نصب القضاة، ولا يجب على القضاة الاستنابة.
ويجاب عنه: بأنَّ القضاء ليس بفرض كفاية على رواية، ولا يجب نصب قاضٍ بالكليَّة، وبأنَّ الوجوب لا يتعلَّق بمعيَّن، فلا أثر له في عدم نفوذ العزل، ولهذا من عنده ودائع أو عليه ديون خفيَّة، يجب عليه الوصيَّة عند الموت بأدائها، وله عزل الموصى إليه بذلك واستبداله.
وأمَّا المتصرِّف تصرُّفاً خاصًّا بتفويض من ليس له ولاية عامَّة فنوعان (١):
أحدهما: أن يكون المفوِّض له ولاية على ما يتصرَّف فيه؛ كوليِّ اليتيم وناظر الوقف (٢)، فإذا عقد عقداً جائزاً أو متوقَّع الانفساخ، كالشَّركة والمضاربة والوكالة وإجارة الوقف؛ فإنَّها لا تنفسخ بموته؛ لأنَّه متصرِّف على غيره لا على نفسه، وكذلك الوكيل إذا أذن له موكله أن يوكِّل؛ فيكون وكيله وكيلاً لموكِّله لا له.
والثَّاني: من يفوض حقوق نفسه؛ فهذه وكالة محضة.
стр. 464
قاعدة [٦٢]
فيمن ينعزل قبل العلم بالعزل .
المشهور (١): أنَّ كلَّ من ينعزل بموت أو عزل، هل ينعزل بمجرَّد ذلك، أم يقف عزله على علمه؟ على روايتين.
وسواء في ذلك الوكيل وغيره، والإذن للزَّوجة والعبد فيما لا يملكانه بدون إذن إذا وجد بعده نهي لم يعلماه مخرَّج على الوكيل، ذكره القاضي.
وكذلك إذن المرتهن للرَّاهن في التَّصرُّف إذا منع منه قبل تصرُّف الرَّاهن ولم يعلم (٢).
ومن الأصحاب من فرَّق بين الوكيل وغيره.
ودخل في هذا صور:
منها: الحاكم إذا قيل بانعزاله، قال القاضي وأبو الخطَّاب: فيه الخلاف الَّذي في الوكيل (٣).
وفي «التلخيص»: لا ينعزل قبل العلم بغير خلاف، ورجَّحه الشَّيخ
стр. 465
تقي الدين (١)؛ لأنَّ في ولايته حقًّا لله، وإن قيل: إنَّه وكيل؛ فهو شبيه بنسخ الأحكام (٢) لا يثبت قبل بلوغ النَّاسخ على الصَّحيح، بخلاف الوكالة المحضة، قال: وهذا هو المنصوص عن أحمد.
وأيضًا؛ فإن ولاية القاضي عامة؛ لما يترتَّب عليها من عموم العقود والفسوخ؛ فتعظم البلوى بإبطالها قبل العلم، بخلاف الوكالة.
ومنها: عقود المشاركات؛ كالشَّركة والمضاربة، والمشهور: أنَّها تنفسخ قبل العلم؛ كالوكالة.
وقد ذكرنا عن ابن عقيل فيما سبق في المضاربة: أنَّها لا تنفسخ بفسخ المضارب حتَّى يعلم ربُّ المال.
ومنها: الوديعة، وقد ذكر القاضي في مواضع كثيرة من «خلافه»: أنَّ للمودِع فسخها بالقول في غيبة المودَع، وتنفسخ قبل علم المودَع بالفسخ، وتبقى في يده أمانة؛ كمن أطارت الرِّيح إلى بيته ثوباً لغيره.
ثمَّ إنه ذكر في مسألة الوكالة: أنَّ الوديعة لا يلحقها الفسخ بالقول، وإنَّما تنفسخ بالرَّدِّ إلى صاحبها، أو بأن يتعدَّى المودَع فيها، فلو قال المودَع بمحضر ربِّ الوديعة أو في غيبته: فسخت الوديعة، أو أزلت نفسي عنها؛ لم تنفسخ قبل أن تصل إلى صاحبها، ولم يضمنها.
فإمَّا أن يكون هذا تفريقاً بين فسخ المودِع والمودَع، أو يكون
стр. 466
اختلافاً منه في المسألة، والأوَّل أشبه؛ لأنَّ فسخ المودِع إخراج للمودَع عن الاستحفاظ وهو يملكه، وأمَّا المودَع؛ فليس له فيها تصرُّف سوى الإمساك والحفظ؛ فلا يصحُّ أن يرفعه مع وجوده.
стр. 467
ويلتحق بهذه القاعدة:
قاعدة أخرى [٦٣]
وهي: أنَّ من لا يعتبر رضاه بفسخ عقد أو حَلِّه؛ لا يعتبر علمه به .
ويندرج تحت ذلك مسائل:
منها: الطَّلاق.
ومنها: الخلع؛ فإنَّه يصحُّ مع الأجنبي على المذهب، سواء قيل: هو فسخ أو طلاق.
ولنا وجه آخر: أنَّه لا يصحُّ مع الأجنبي إذا قلنا: إنه فسخ؛ كالإقالة.
والصَّحيح خلافه؛ لأنَّ فسخ البيع اللَّازم لا يستقل به أحد المتبايعين، بخلاف النكاح؛ فإن الزوج يستقل بإزالته بالطلاق.
ومنها: العتق، ولو كان على مال نحو: أعتق عبدك وعلَّي ثمنه.
ومنها: فسخ المعتَقة تحت عبد.
ومنها: فسخ المبيع المعيب والمدلس، وكذلك الإجارة.
ومنها: فسخ العقود الجائزة بدون علم الآخر، وقد سبقت.
ومنها: الفسخ بالخيار يملكه من يملك الخيار بغير علم الآخر عند القاضي والأكثرين.
стр. 468
وخرَّج أبو الخطاب فيه وجهاً آخر: أنَّه لا ينفسخ إلَّا أن يبلغه في المدة من عزل الوكيل، وفيه نظر، فإنَّ من له الخيار يتصرَّف بالفسخ لنفسه.
وهذه الفسوخ على ضربين:
أحدهما: ما هو مجمع على ثبوت أصل الفسخ به؛ فلا يتوقف الفسخ به على حاكم؛ كسائر ما ذكرنا.
والثَّاني: ما هو مختلف فيه؛ كالفسخ بالعنَّة والعيوب وغيبة الزَّوج ونحو ذلك؛ فيفتقر إلى حكم حاكم؛ لأنَّها أمور اجتهاديَّة، فإن كان الخلاف ضعيفاً يسوغ نقض الحكم به؛ لم يفتقر الفسخ به إلى حاكم.
ويتفرَّع على ذلك: أخذ بائع المفلس سلعته إذا وجدها بعينها، وفيه وجهان بناء على نقض الحكم بخلافه، والمنصوص عن أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد: أنَّ له ذلك (١).
وكذلك تزوُّج امرأة المفقود؛ فإنَّ في توقُّف فسخ نكاحها على الحاكم روايتين، قال في رواية ابن منصور (٢): (تتزوَّج وإن لم تأت السُّلطان، وأحبُّ إليَّ أن تأتيه)، ولعله رأى الحكم بخلافه لا يسوغ؛ لأنَّه إجماع عمر والصَّحابة (٣).
стр. 469
ورجَّح الشيخ تقي الدين: أنَّ جميع الفسوخ لا تتوقَّف على حاكم (١).
стр. 470
قاعدة [٦٤]
من توقَّف نفوذ تصرفه أو سقوط الضمان أو الحنث عنه على الإذن ، فتصرَّف قبل العلم، ثمَّ تبين أنَّ الإذن كان موجوداً؛ هل يكون كتصرُّف المأذون له أو لا؟
في المسألة وجهان، يتخرَّج عليهما صور:
منها: لو تصرَّف في مال غيره بعقد أو غيره، ثمَّ تبيَّن أنَّه كان أذن له في التَّصرُّف؛ فهل يصحُّ أم لا؟ فيه وجهان.
ومنها: لو قال لزوجته: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، ثمَّ أذن لها ولم تعلم بإذنه، فخرجت؛ فهل تطلق؟ فيه وجهان، أشهرهما وهو المنصوص: أنَّها تطلق؛ لأنَّ المحلوف عليه قد وجد وهو خروجها على وجه المشاقَّة والمخالفة، فإنَّها أقدمت على ذلك، ولأنَّ الإذن هنا إباحة بعد حظر؛ فلا يثبت في حقِّها بدون علمها؛ كإباحة الشَّرع.
ولأبي الخطاب في «الانتصار» طريقة ثانية: وهي أنَّ دعواه الإذن غير مقبولة، لوقوع الطَّلاق في الظَّاهر، فلو أشهد على الإذن؛ لنفعه ذلك ولم تطلق، وهذا ضعيف (١).
стр. 471
ومنها: لو أذن البائع للمشتري في مدَّة الخيار في التصرف، فتصرف بعد الإذن وقبل العلم؛ فهل ينفذ أم لا؟ يتخرَّج على الوجهين في التَّوكيل وأولى.
وجزم القاضي في «خلافه»: بعدم النُّفوذ.
ومنها: لو غصب طعاماً من إنسان، ثمَّ أباحه له المالك، ثمَّ أكله الغاصب غير عالم بالإذن؛ ضمن، ذكره أبو الخطاب في «الانتصار»، وهو بعيد جدًّا.
والصَّواب: الجزم بعدم الضَّمان؛ لأنَّ الضمان لا يثبت بمجرد الاعتقاد فيما ليس بمضمون؛ كمن وطئ امرأة يظنها أجنبيَّة، فثبتتْ (١) زوجته؛ فإنَّه لا مهر عليه، ولا عبرة باستصحاب أصل الضَّمان مع زوال سببه، كما أنَّه لو أكل في الصوم يظن أنَّ الشَّمس لم تغرب، فتبيَّن أنها كانت غربت؛ فإنَّه لا يلزمه القضاء.
стр. 472
ويلحق بهذه قاعدة أخرى [٦٥]
وهي من تصرَّف في شيء يظنُّ أنَّه لا يملكه؛ فتبيَّن أنَّه كان يملكه، وفيها الخلاف أيضاً .
ويندرج تحتها صور:
منها: لو باع مال أبيه بغير إذنه، ثمَّ تبيَّن أنَّ أباه كان قد مات ولا وارث له سواه، وفي صحَّة تصرُّفه وجهان (١)، ويقال: روايتان (٢).
ومنها: لو طلَّق امرأةً يظنُّها أجنبيَّة، فتبيَّنت زوجته؛ ففي وقوع الطلاق روايتان (٣)، وبناهما أبو بكر على أنَّ الصَّريح هل يحتاج إلى نية أم لا؟
стр. 473
قال القاضي: إنما هذا الخلاف في صورة الجهل بأهليَّة المحلِّ، ولا يطَّرد مع العلم به.
ومنها: لو لقي امرأة في الطريق، فقال: تنحَّي يا حرة، فإذا هي أمته، وفيها الخلاف أيضاً، ونصَّ أحمد على ذلك (١).
وفي «المغني» احتمالٌ بالتَّفريق؛ لأن هذا يقال كثيراً في الطَّريق ولا يراد به العتق.
وهذا مع إطلاق القصد، فأمَّا إن قصد به المدح بالصِّفة ونحوها؛ فليست من المسألة بشيء.
ويتنزَّل الخلاف في هذا: على أنَّ الرِّضا بغير المعلوم، هل هو رضًا معتبر؟ والأظهر عدم اعتباره.
ومنها: لو أبرأه عن مائة درهم مثلاً، معتقداً أنَّه لا شيء له عليه، ثمَّ تبين أنَّه كان له في ذمَّته مائة (٢)، وفيها الوجهان (٣).
стр. 474
ومنها: لو جرحه جرحاً لا قصاص فيه، فعفا عن القصاص وسرايته، ثمَّ سرى إلى نفسه؛ فهل يسقط القصاص؟ يخرَّج على الوجهين، أشار إلى ذلك الشَّيخ مجد الدين في «تعليقه على الهداية»، وبناه على أن القصاص هل يجب للميت أو لورثته كالدِّية؟
وجزم القاضي وغيره: بأنَّه لا يصحُّ العفو ههنا.
ومنها: لو تزوجت امرأة المفقود قبل الزَّمان المعتبر، ثم تبين أنَّه كان ميتاً قبل ذلك بمدَّة تنقضي فيها العدة، أو أنَّه كان طلقها؛ ففي صحَّة النِّكاح الوجهان (١)، ذكره القاضي.
ورجَّح صاحب «المغني» عدم الصَّحة هنا؛ لفقد شرط النكاح في الابتداء، كما لو تزوجت المرتابة قبل زوال الريبة.
ومنها: لو أمره غيره بإعتاق عبد يظنُّ أنَّه للآمر، فتبين أنه عبده؛ ففي «التَّلخيص»: يحتمل تخريجه على من أعتق عبداً في ظلمة ثمَّ تبين أنه عبده، لكن يرجع هنا على الآمر بالقيمة؛ لتغريره له.
ويحتمل ألَّا ينفذ؛ لتغريره، بخلاف ما إذا لم يغرُّه أحد؛ فإنَّه غير معذور، فينفذ عتقه لمصادفته ملكه، إذ المخاطبة بالعتق لعبد غيره شبيه بعتق الهازل والمتلاعب؛ فينفذ، وكذا في الطَّلاق.
ونظير هذه في الطَّلاق: أن يوكله رجل في تطليق زوجته، ويشير إلى امرأة معينة، فيطلقها ظنًّا أنَّها امرأة الموكِّل، ثمَّ تبين أنها امرأته.
стр. 475
وقد تُخرَّج هذه المسألة على مسألة: ما إذا نادى امرأة له (١)، فأجابته امرأته الأخرى، فطلَّقها ينوي المناداة؛ فإنَّه تطلق المناداة وحدها، ولا تطلق المواجهة في الباطن، وفي الظَّاهر روايتان؛ فعلى هذا لا تطلق الموكَّل في طلاقها ههنا (٢).
وقد يُفرَّق بينهما: بأنَّ الطَّلاق هنا انصرف إلى جهة مقصودة، فلم يحتج إلى صرفه إلى غير المقصود وإن كانت مواجهة به، بخلاف ما إذا لم يكن هناك جهة سوى المواجهة؛ فإنَّ الطلاق يصير بصرفه عنها هزلاً ولعباً، ولا هزل في الطَّلاق (٣).
ومنها: لو اشترى آبقًا يظنُّ أنَّه لا يقدر على تخليصه، فبان
стр. 476
بخلافه (١)؛ ففي صحَّة العقد وجهان؛ لاعتقاده فقد شرط الصِّحَّة، وهو موجود في الباطن.
وفي «المغني» احتمال ثالث: بالفرق بين من يعلم أنَّ البيع يفسد بالعجز عن تسليم المبيع فيفسد البيع في حقِّه؛ لأنَّه متلاعب، وبين من لا يعلم ذلك؛ فيصحُّ؛ لأنَّه لم يقدم على ما يعتقده باطلاً، وقد تبيَّن وجود شرط صحَّته.
وهذا تبيُّنٌ (٢) أنَّ للمسألة التفاتاً إلى مسألة بيع الهازل، والمشهور بطلانه، وهو قول القاضي، وقال أبو الخطاب في «انتصاره»: هو صحيح. وهذا (٣) يرجِّح وجه بطلان البيع في المسائل المبدوء بها.
стр. 477
قاعدة [٦٦]
ولو تصرَّف مستندًا إلى سبب، ثمَّ تبيَّن خطؤه (١)، وأنَّ السَّبب المعتمد غيره وهو موجود، فهو نوعان:
أحدهما: أن يكون الاستناد إلى ما ظنَّه صحيحاً أيضاً؛ فالتَّصرف صحيح (٢)، مثل: أن يستدلَّ على القبلة بنجم يظنُّه الجدي، ثمَّ تبيَّن أنه نجم آخر مسامِتُه.
والثَّاني: ألَّا يكون ما ظنه مستنَداً مُستَنَداً صحيحاً، مثل: أن يشتري شيئاً ويتصرف فيه، ثم تبين أن الشراء كان فاسداً، وأنَّه ورث تلك العين.
فإن قلنا في القاعدة الأولى بالصِّحة؛ فهنا أولى.
وإن قلنا ثَمَّ بالبطلان؛ فيحتمل هنا الصِّحَّة؛ لأنَّه استند إلى سبب مسوِّغ، وكان في نفس الأمر له مسوغ غيره؛ فاستند التصرف إلى مسوغ في الباطن والظاهر، بخلاف القسم الَّذي قبله، ذكره الشيخ تقي الدين ﵀ (٣).
стр. 478
والمذهب ههنا الصِّحَّة بلا ريب؛ لأنَّ أصحابنا اختلفوا فيما إذا وُهِب (١) المغصوب من غاصبه وأقبضه إيَّاه، هل يبرأ به أم لا؟ وحكى ابن أبي موسى فيه روايتين، والمشهور: أنَّه لا يبرأ، نص عليه أحمد معلِّلاً أنَّه يحمل منَّته، وربَّما كافأه على ذلك.
واختار القاضي في «خلافه» وصاحب «المغني»: أنه يبرأ؛ لأن المالك تَسلَّمه تسلُّماً تامًّا وعادت سلطنته إليه، فبرئ الغاصب، بخلاف ما إذا قدَّمه إليه فأكله؛ فإنَّه أباحه إياه، ولم يُملِّكه إيَّاه، فلم يعد إلى سلطنته وتصرُّفه، ولهذا لم يكن له التَّصرُّف فيه بالبيع والهبة، وهذا اتِّفاقٌ من أحمد وأصحابه على أنَّ تصرُّفات المالك تعود إليه بعود ملكه على طريق الهبة من الغاصب، وهو لا يعلم بالحال.
стр. 479
قاعدة [٦٧]
من استحقَّ من شخص الرُّجوع بعين أو دين، بفسخ أو غيره ، وكان قد رجع إليه ذلك الحقُّ بهبة أو إبراء ممَّن يستحقُّ عليه الرُّجوع؛ فهل يستحقُّ الرُّجوع عليه ببدله (١) أم لا؟
في المسألة وجهان، ولها صور:
منها: إذا باع عيناً، ثمَّ وهب ثمنها للمشتري أو أبرأه منه، ثمَّ بان بها عيب يوجب الرَّدَّ؛ فهل له ردُّها والمطالبة بالثمن أم لا؟ على وجهين.
وكذا لو أبرأه من بعض الثمن، فهل له المطالبة بقدر ما أبرأه منه؟ على الوجهين.
واختار القاضي في «خلافه»: أنَّه إذا ردَّه؛ لم يرجع عليه بشيء ممَّا أبرأه منه.
ويتخرَّج التفريق بين الهبة والإبراء؛ فيرجع في الهبة دون الإبراء، وسنذكر أصله.
ولو ظهر المبيع معيباً بعد أن تعيَّب عنده؛ فهل له المطالبة بأرش العيب؟ فيه طريقان:
стр. 480
أحدهما: تخريجه على الخلاف في ردِّه.
والآخر: يُمنع المطالبة هنا وجهاً واحداً، وهو اختيار ابن عقيل؛ لأنَّه صار معه تبرعاً؛ فلا يملك المطالبة بزيادة عليه؛ لئلَّا تجتمع له المطالبة بالثَّمن وبعض الثَّمن، بخلاف ما إذا ردَّه، فإنَّه لا يجتمع له ذلك.
ومنها: لو تقايلا العين بعد هبة ثمنها أو الإبراء منه.
ومنها: لو أصدق زوجته عيناً، فوهبتها منه، ثمَّ طلقها قبل الدُّخول؛ فهل يرجع عليها ببدل نصفها؟ على روايتين.
فإن قلنا: يرجع؛ فهل يرجع إذا كان الصداق ديناً فأبرأته منه؟ على وجهين، أصحُّهما: لا يرجع؛ لأنَّ ملكه لم يَزُل عنه (١).
ومنها: لو كاتب عبده، ثمَّ أبرأه من دين الكتابة وعَتَق؛ فهل يستحقُّ المكاتب الرُّجوع عليه بما كان له عليه من الإيتاء الواجب أم لا؟ من الأصحاب من خرَّجها على الخلاف، وضعَّف صاحب «المغني» ذلك؛ لأنَّ إسقاطه عنه يقوم مقام إيتائه، ولهذا لو أسقط عنه القدر الواجب إيتاؤه واستوفى الباقي؛ لم يلزمه أن يؤتيه شيئاً.
وأيضاً؛ فالسَّيد أسقط عن المكاتب ما وجد سبب إيتائه إيَّاه؛ فقام مقام الإيتاء، بخلاف إسقاط المرأة الصَّداق قبل الطلاق.
ومنها: لو شهد شاهدان بمالٍ لزيد على عمرو، ثمَّ رجعا وقد قبضه
стр. 481
زيد من عمرو، ثمَّ وهبه له؛ لم يسقط عنهما الضَّمان.
ولو كان ديناً فأبرأه منه قبل قبضه، ثمَّ رجعا؛ لم يلزمهما شيء، ذكره القاضي في «خلافه»، ولم يخرِّجه على الخلاف في المسائل الأولى؛ لأنَّ الضَّمان لزمهما بوجود التَّغريم، وعود العين إلى الغارم من المحكوم له بهبة لا توجب البراءة، كما لا يبرأ الغاصب بمثل ذلك في الرَّدِّ إلى المغصوب منه؛ لتحمُّل منَّته.
نعم، يتخرَّج القول بسقوط الضَّمان هنا إذا قلنا ببراءة الغاصب بإعادة المال إلى المغصوب منه هبة؛ لأنَّهما اعترفا بأنَّه قبضه عدواناً، ثمَّ ردَّه إليه هبة، وأمَّا إذا أبرأه منه قبل القبض؛ فلم يترتَّب على شهادتهما غُرْمٌ؛ فلذلك سقط عنهما الضَّمان.
ومنها: لو قضى الضَّامن الدَّين، ثمَّ وهبه الغريم ما قضاه بعد قبضه، فهل يرجع على المضمون عنه؟
ظاهر كلام الأصحاب: أنَّه لا يرجع (١)، ولهذا قالوا: لو قضى الدَّين بنقيصة (٢)(٣) لم يرجع إلَّا بما قضى، وجعلوه كالمقرض (٤) لا
стр. 482
يرجع إلَّا بما غرم، لكنَّ هذا في الإبراء والمسامحة ظاهر، فأمَّا إذا قضى الدَّين بكماله، ثمَّ وهبه الغريم منه؛ فلا يبعد تخريجه على الوجهين.
стр. 483
قاعدة [٦٨]
إيقاع العبادات أو العقود أو غيرهما (١) مع الشَّكِّ في شرط صحَّتها ؛ هل يجعلها كالمعلَّقة على تحقُّق ذلك الشَّرط أم لا؟
وهي نوعان:
أحدهما: ما يشترط فيه النِّيَّة الجازمة (٢)، فلا يصحُّ إيقاعه بهذا التردد، ما لم يكن الشَّكُّ غلبة ظنٍّ فيكفي مثله في إيقاع العبادة أو العقد؛ كغلبة الظن بدخول الوقت، وطهارة الماء والثوب ونحو ذلك (٣).
ومن أمثلة ذلك (٤): ما إذا صلى يظنُّ نفسه محدثاً (٥)؛ فتبين متطهراً (٦).
стр. 484
ومنها: ما لو شكَّ هل ابتدأ مدَّة مسح الخفين في السَّفر أو الحضر؟ فمسح يومًا آخر بعد انقضاء مدَّة الحضر، ثمَّ تبيَّن أنَّه ابتدأها في السفر؛ لزمه إعادة الصَّلاة للشَّكِّ.
وهل يلزمه إعادة الوضوء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه، وبه جزم في «المغني»؛ لأنَّ الوضوء يصحُّ مع الشَّكِّ في سببه؛ كمن شكَّ في الحدث، فتوضَّأ ينوي رفعه، ثمَّ تبيَّن محدثاً.
والثَّاني: يلزمه؛ لأنَّ المسح رخصة ولم تتحقَّق إباحتها؛ فلم تصحَّ؛ كمن قصر وهو يشكُّ في جواز القصر.
ومنها: لو توضَّأ من إناء مشتبه، ثمَّ تبيَّن أنه طاهر؛ لم تصحَّ طهارته في المشهور.
وقال القاضي أبو الحسين: تصحُّ. وهو يرجع إلى أنَّ الجزم بصحة الوضوء (١) لا يشترط كما سبق.
ومنها: لو توضَّأ شاكًّا في الحدث، أو صلَّى مع غلبة ظنِّه بدخول الوقت، ونوى الفرض إن كان محدثاً أو الوقت قد دخل، وإلَّا فالتَّجديدَ أو النَّفلَ؛ فذكر ابن عقيل: أنَّه يجزئه؛ لأنَّ هذا حكمه ولو لم ينوه، فإذا نواه لم يضرَّه.
ومنها: لو كان له مال حاضر وغائب، فأدَّى زكاةً ونوى أنَّها عن الغائب إن كان سالماً، وإلَّا فتطوع، فبان سالماً؛ أجزأه؛ لما ذكرنا.
стр. 485
وحكي عن أبي بكر (١): أنَّه لا يجزئه؛ لأنَّه لم يخلص النية للفرض.
ويخرَّج منه وجه في الَّتي قبلها: أنَّها لا تصحُّ، وأولى؛ لأنَّه هناك لم يبن على أصل مستصحب، ولكنَّه بنى على غلبة ظنٍّ بدخول الوقت، وهو يكفي في صحَّة الصَّلاة.
ومنها: إذا نوى ليلة الشَّكِّ: إن كان غداً من رمضان فهو فَرْضِي، وإلَّا فهو نفل؛ فهل يجزئه عن رمضان إن وافق؟ يُبنى على أنَّ نية التَّعيين؛ هل تشترط لرمضان؟
فإن قلنا: تشترط، وهو المشهور في المذهب؛ لم يجزئه؛ لأنَّه لم يجزم بالتَّعيين، ولم يبن على أصل مستصحب يجوز الصِّيام فيه، بخلاف مسألة الزَّكاة.
وهذا بخلاف ما لو نوى ليلة الثَّلاثين من رمضان: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم عنه، وإلَّا فأنا مفطر؛ فإنَّه يصحُّ صيامه في أصحِّ الوجهين؛ لأنَّه بنى على أصل لم يثبت زواله، ولا يقدح تردُّده؛ لأنَّه حكمُ صومِه مع الجزم.
والثَّاني: وهو قول أبي بكر: لا يجزئه للتردُّد.
ونقل صالح عن أبيه: أنَّه تجزئه النِّيَّة المتردِّدة مع الغيم دون الصَّحو؛ لأنَّ الصوم مع الغيم لا يخلو من تردُّد ينافي الجزم، فإذا تردَّد في النِّيَّة؛ فقد نوى حكم الصَّوم، فلا يضرُّه، بخلاف حالة الصَّحو؛ فإنَّه
стр. 486
لا يحتاج فيها إلى التَّردُّد.
والنَّوع الثَّاني: ما لا يحتاج إلى نيَّة جازمة، فالصَّحيح فيه (١) الصِّحَّة.
وقد سبق من أمثلته: إذا نكحت امرأة المفقود قبل أن يجوز لها النكاح، ثم تبين أنَّه كان جائزاً؛ ففي الصِّحَّة وجهان.
ومنها: لو كان له عند رجل دنانير وديعة، فصارفه عليها وهو يجهل بقاءها؛ ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول القاضي في «المجرد»: لا تصحُّ؛ لأنها ليست تالفة فتكون مصارفة عليها وهي في الذِّمَّة، ولا حاضرة فتكون مصارفةَ عينٍ (٢).
والثَّاني: وهو قول ابن عقيل: أنَّه يصح؛ لأنَّ الأصل بقاؤها، فصار كبيع الحيوان الغائب بالصِّفة؛ فإنَّه يصحُّ مع احتمال تلفه؛ لأنَّ الأصل بقاؤه (٣).
فقال ابن عقيل: فإن كانت باقية تقابضا، وصحَّ العقد، وإن كانت تالفة؛ تبيَّن بطلان العقد.
وهذا الَّذي قاله صحيح إذا تلفت (٤) بغير تفريط، فأمَّا إن تلفت تلفاً
стр. 487
مضموناً في الذِّمَّة؛ فينبني على تعيين النقود بالتَّعيين، فإن قلنا: يتعيَّن؛ لم يصح العقد، وإلَّا صحَّ، وقامت الدنانير الَّتي في الذِّمَّة مقام الوديعة، إلَّا على الوجه الَّذي يشترط فيه للصَّرف التَّعيين؛ فلا يصحُّ على ما في الذِّمَّة.
ومنها: لو وكَّله في شراء جارية، فاشتراها له، ثمَّ جحد الموكِّل الوكالة، فأراد الوكيل أن يشتريها منه، فلم يعترف بالملك، ثمَّ قال له: إن كنت أذنت لك في شرائها، فقد بعتكها؛ فهل يصحُّ أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: لا يصحُّ؛ لأنَّ البيع لا يصحُّ تعليقه (١)، وهو قول القاضي وابن عقيل.
والثَّاني: يصحُّ، ذكره في «الكافي» احتمالاً؛ لأنَّه تعليق على شرط واقع يعلمانه، فلا يؤثِّر ذكره في العقد، كما لو قال: بعتك هذه إن كانت جارية، ويشهد له نصُّ أحمد في رواية ابن منصور بصحَّة بيع الغائب إن كان سالماً (٢)، فإن هذا مقتضى إطلاق العقد؛ فلا يضرُّ تعليق البيع عليه.
стр. 488
ومنها: الرجعة في عقد نكاح شكَّ في وقوع الطلاق فيه.
قال أصحابنا: هي رجعة صحيحة رافعة للشَّكِّ، وهذه المسألة الَّتي أفتى فيها شريك بأنَّه يطلق ثمَّ يراجع.
ومأخذه: أنَّ الرَّجعة مع الشَّكِّ في الطلاق يصيِّرها كالمعلقة على شرط، ولا يصحُّ تعليقها؛ فلا يصحُّ تمثيل قوله بمن شكَّ في نجاسة ثوبه، فأمر بتنجيسه، ثمَّ يغسله.
ولذلك لم يصب من أدخل قوله في «أخبار المغفَّلين»؛ فإنَّ مأخذه في ذلك خفي عنه.
فأمَّا الرَّجعة مع الشَّكِّ في حصول الإباحة بها؛ كمن طلَّق وشكَّ: هل طلَّق ثلاثاً أو واحدة، ثم راجع في العدة؛ فيصح عند أكثر أصحابنا؛ لأنَّ الأصل بقاء النكاح، وقد شكَّ في انقطاعه، والرَّجعة استبقاء له؛ فيصح مع الشَّكِّ في انقطاعه.
وعند الخرقيِّ: لا يصح؛ لأنَّه قد تيقن سبب التَّحريم، وهو الطلاق، فإنه إن كان ثلاثاً؛ فقد حصل التَّحريم بدون زوج وإصابة، وإن كان واحدة؛ فقد حصل به التَّحريم بعد البينونة بدون عقد جديد؛ فالرَّجعة في العدَّة لا يحصل بها الحلُّ إلَّا على هذا التَّقدير فقط؛ فلا
стр. 489
يزيل الشَّكَّ مطلقاً، فلا يصحُّ؛ لأنَّ تيقُّن سبب وجود التَّحريم مع الشَّكِّ في وجود المانع منه؛ يقوم مقام تحقق وجود الحكم مع الشك في وجود المانع (١)؛ فيستصحب حكم السبب كما يعمل بالحكم، ويلغى المانع المشكوك فيه كما يلغى مع تيقُّن وجود حكمه.
وقد استشكل كثير من الأصحاب كلام الخرقيِّ وتعليله؛ بأنَّه تيقَّن التَّحريم، وشكَّ في التَّحليل، وظنوا أنَّه يقول بتحريم الرَّجعية، وليس بلازم؛ لما ذكرنا.
ومنها: لو حكم الحاكم في مسألة مختلف فيها بما يرى أنَّ الحقَّ في غيره؛ أثم وعصى بذلك، ولم ينقض حكمه إلَّا أن يكون مخالفاً لنصٍّ صريح، ذكره ابن أبي موسى.
وقال السَّامريُّ: بل ينقض حكمه؛ لأنَّ شرط صحَّة الحكم موافقة الاعتقاد، ولهذا لو حكم بجهل لنقض حكمه، مع أنَّه لا يعتقد بطلان ما حكم به، فإذا اعتقد بطلانه؛ فهو بالرَّدِّ أولى.
وللأصحاب وجهان فيما ينقض فيه حكم الجاهل والفاسق:
أحدهما: ينقض جميع أحكامه؛ لفقد أهليَّته، وهو قول أبي الخطَّاب وغيره.
الثَّاني: ينقض كلُّها، إلَّا ما وافق الحقَّ المنصوص والمجمع عليه، وينقض ما وافق الاجتهاد؛ لأنَّه ليس من أهله، وهو اختيار صاحب «المغني».
стр. 490
ويشبه هذا؛ قولنا في الوصيِّ الفاسق إذا قسَّم الوصيَّة، فإن أعطى الحقوق لمستحِقٍّ معيَّن يصحُّ قبضه؛ لم يضمنه؛ لأنَّه يجب إيصاله إليه وقد حصل، وإن كان لغير معيَّن؛ فوجهان.
ومنها: الحكم بإسلام من اتُّهم بالرِّدَّة إذا أنكر وأقرَّ بالشهادتين؛ فإنَّه حكم صحيح، وإن حصل التردد في مستنده؛ هل هو الإسلام المستمر على ما يدَّعيه، أو الإسلام المجدَّد على تقدير صحَّة ما اتُّهم به؟
وقد قال الخرقي: ومن شُهد عليه بالرِّدَّة، فقال: ما كفرت، فإن شَهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله؛ لم يكشف عن شيء، قال في «المغني»: (لأنَّ هذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي؛ فكذلك المرتد)، قال: (ولا حاجة في ثبوت إسلامه إلى الكشف عن صحَّة ردَّته).
ونقل محمَّد بن الحكم عن أحمد فيمن أسلم من أهل الكتاب ثمَّ ارتدَّ، فشهد قوم عدول أنَّه تنصَّر أو تهوَّد، وقال هو: لم أفعل، أنا مسلم، قال: أقبل قوله، ولا أقبل شهادتهم. وذكر كلاماً معناه أنَّ إنكاره أقوى من الشُّهود (١).
стр. 491
وكذلك نقل عنه أبو طالب في رجل تنصَّر، فأُخِذَ، فقال: لم أفعل؛ قال: يقبل منه. وعلل بأنَّ المرتدَّ يستتاب لعلَّه يرجع، فيقبل منه، فإذا أنكر بالكلِّيَّة؛ فهو أولى بالقبول (١).
وليس في هذه الرواية أنَّه ثبت عليه الرِّدَّة، ولا فيها أنَّه وُجِدَ منه غير إنكار الرِّدَّة.
وأمَّا مسألة محمد بن الحكم؛ ففيها أنَّه قال: أنا مسلم، وذلك يحصل به الإسلام؛ فهو كالشهادتين.
وظاهر كلام أحمد يدلُّ على أنَّ إنكاره يكفي في الرجوع إلى الإسلام، ولم تثبت (٢) عليه الرِّدَّة بالبيِّنة، وهو خلاف قول أصحابنا.
وأمَّا إن ثبت كفره بإقراره عليه، ثمَّ أنكر؛ ففي «المغني»: يحتمل أن لا يقبل إنكاره، وإن سلَّمنا؛ فلأنَّ الحدَّ هنا وجب بقوله، فقُبِل رجوعه عنه، بخلاف ما ثبت بالبيِّنة كما في حدِّ الزِّنى.
стр. 492
قاعدة [٦٩]
العقد الوارد على عمل معيَّن:
إمَّا أن يكون لازماً ثابتاً في الذِّمَّة بعوض؛ كالإجارة: فالواجب تحصيل ذلك العمل، ولا يتعين أن يعمله المعقود معه إلَّا بشرط أو قرينة تدلُّ عليه.
وإمَّا أن يكون غير لازم، وإنَّما يستفاد التَّصرُّف فيه بمجرَّد الإذن: فلا يجوز للمعقود معه أن يقيم غيره مقامه في عمله إلَّا بإذن صريح أو قرينة تدلُّ عليه.
ويتردَّد بين هذين من كان تصرفه بولاية، إمَّا ثابتة بالشرع كوليِّ النِّكاح، أو بالعقد كالحاكم ووليِّ اليتيم.
فأمَّا الأوَّل؛ فله صور:
منها: الأجير المشترك، فيجوز له الاستنابة في العمل؛ لأنَّه ضامن تحصيله، لا عمله بنفسه.
واستثنى الأصحاب من ذلك: أن يكون العمل متفاوتاً (١) كالنَّسخ؛ فليس له الاستنابة فيه بدون إذن المستأجر صريحاً.
ونقلت من خط القاضي على ظهر جزء من «خلافه» قال: نقلت من
стр. 493
«مسائل ابن أبي حرب الجرجرائي»: سمعت أبا عبد الله سئل، قال: دفعت ثوباً إلى خيَّاط، فقطعه، ثمَّ دفعه إلى آخر ليخيطه، قال: هو ضامن.
ولعلَّ هذا فيما دلَّت الحال على وقوع العقد فيه على خياطة المستأجر لجودة صناعته وحذقه وشهرته بذلك؛ فلا يرتضي المستأجر بعمل غيره.
والمذهب: الجواز بدون القرينة، وعليه بنى الأصحاب صحَّة شركة الأبدان، حتَّى أجازوها مع اختلاف الصَّنائع على أحد الوجهين.
وكذلك لو استأجر أجيراً لعمل وهو لا يحسنه، ففي الصِّحَّة وجهان؛ لأنَّ العقد وقع على ضمان تسليم العمل وتحصيله، لا على المباشرة.
ومنها: لو أصدقها عملاً معلوماً مقدراً بالزَّمان أو بغيره، وقلنا: يصحُّ ذلك؛ فهو كالأجير المشترك.
وأما الثاني، وهو المتصرف بالإذن المجرد؛ فله صور:
منها: الوكيل، وفي جواز توكيله بدون إذنٍ روايتان معروفتان، إلَّا فيما اقتضته دلالة الحال، مثل أن يكون العمل لا يباشره مثله، أو يعجِز عنه لكثرته؛ فله الاستنابة بغير خلاف.
لكن هل له الاستنابة في الجميع، أو في القدر المعجوز عنه خاصة؟ على وجهين.
والأوَّل اختيار صاحب «المغني».
стр. 494
والثَّاني قول القاضي وابن عقيل.
ومنها: العبد المأذون له، وفيه طريقان:
أحدهما: أنَّه كالوكيل، وهو المذكور في «الكافي»؛ لأنَّه استفاد التَّصرُّف بالإذن؛ كالوكيل.
والثَّاني: ليس له الاستنابة بدون إذن أو عرف بغير خلاف، وهو ما ذُكِر في «التلخيص»؛ لقصور العبد في أملاكه وتصرُّفاته، فلا يملك التَّصرُّف بدون إذن أو قرينة.
ومنها: الصَّبيُّ المأذون له، وهو كالوكيل، ذكره في «الكافي».
ومنها: الشَّريك والمضارب، وفيهما طريقان:
أحدهما: أنَّ حكمهما حكم الوكيل على الخلاف فيه، وهي طريقة القاضي والأكثرين (١).
والثاني: يجوز لهما التَّوكيل بدون إذن، وهو المجزوم به في «المحرر»، وكذلك رجَّحه أبو الخطَّاب في «رؤوس المسائل»؛ لعموم تصرُّفهما، وكثرته، وطول مدَّته غالباً، وهذه قرائن تدلُّ على الإذن في التَّوكيل في البيع والشراء.
وكلام ابن عقيل يُشعِرُ بالتَّفريق بين المضارب والشَّريك؛ فيجوز للشَّريك التَّوكيل؛ لأنَّه علَّل بأنَّ الشَّريك استفاد بعقد الشركة ما هو دونه، وهو الوكالة؛ لأنَّها أخصُّ، والشَّركة أعمُّ، فكان له الاستنابة في
стр. 495
الأخصِّ، بخلاف الوكيل؛ فإنَّه استفاد بحكم العقد مثل العقد، وهذا يدل على إلحاقه المضارب (١) بالوكيل.
وهذا الكلام في توكيلهما في البيع والشراء، فأمَّا دفع المضارب المالَ مضاربةً إلى غيره؛ فلا يجوز بدون إذن صريح، نص عليه أحمد (٢)، وعلل بأنَّه إنَّما ائتمنه على المال؛ فكيف يسلِّمه إلى غيره؟!
وحُكِي فيه رواية أخرى بالجواز.
وأمَّا الثالث، وهو المتصرف بالولاية:
فمنه ولي اليتيم، وفيه طريقان:
أحدهما: أنه كالوكيل، وهي طريقة القاضي وابن عقيل وصاحب «المغني»؛ لأن تصرفه بالإذن؛ فهو كالوكيل.
الثاني: أنه يجوز له التوكيل، بخلاف الوكيل، ورجحه القاضي، وابن عقيل أيضًا في كتاب الوصايا، وأبو الخطاب، وجزم به في «المحرر»؛ لأنه متصرف بالولاية، وليس وكيلًا محضًا؛ فإنه متصرف بعد الموت، بخلاف الوكيل، ولأنه تعتبر عدالته وأمانته، وهذا شأن الولايات، ولأنه لا يمكنه الاستئذان، وتطول مدته ويكثر تصرفه، بخلاف الوكيل.
هذا في توكيله، فأما في وصيته إلى غيره؛ ففيها روايتان مشهورتان،