← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وكذلك نقل عنه أبو طالب في رجل تنصَّر، فأُخِذَ، فقال: لم أفعل؛ قال: يقبل منه. وعلل بأنَّ المرتدَّ يستتاب لعلَّه يرجع، فيقبل منه، فإذا أنكر بالكلِّيَّة؛ فهو أولى بالقبول (١). وليس في هذه الرواية أنَّه ثبت عليه الرِّدَّة، ولا فيها أنَّه وُجِدَ منه غير إنكار الرِّدَّة. وأمَّا مسألة محمد بن الحكم؛ ففيها أنَّه قال: أنا مسلم، وذلك يحصل به الإسلام؛ فهو كالشهادتين. وظاهر كلام أحمد يدلُّ على أنَّ إنكاره يكفي في الرجوع إلى الإسلام، ولم تثبت (٢) عليه الرِّدَّة بالبيِّنة، وهو خلاف قول أصحابنا. وأمَّا إن ثبت كفره بإقراره عليه، ثمَّ أنكر؛ ففي «المغني»: يحتمل أن لا يقبل إنكاره، وإن سلَّمنا؛ فلأنَّ الحدَّ هنا وجب بقوله، فقُبِل رجوعه عنه، بخلاف ما ثبت بالبيِّنة كما في حدِّ الزِّنى.

стр. 492

قاعدة [٦٩] العقد الوارد على عمل معيَّن: إمَّا أن يكون لازماً ثابتاً في الذِّمَّة بعوض؛ كالإجارة: فالواجب تحصيل ذلك العمل، ولا يتعين أن يعمله المعقود معه إلَّا بشرط أو قرينة تدلُّ عليه. وإمَّا أن يكون غير لازم، وإنَّما يستفاد التَّصرُّف فيه بمجرَّد الإذن: فلا يجوز للمعقود معه أن يقيم غيره مقامه في عمله إلَّا بإذن صريح أو قرينة تدلُّ عليه. ويتردَّد بين هذين من كان تصرفه بولاية، إمَّا ثابتة بالشرع كوليِّ النِّكاح، أو بالعقد كالحاكم ووليِّ اليتيم. فأمَّا الأوَّل؛ فله صور: منها: الأجير المشترك، فيجوز له الاستنابة في العمل؛ لأنَّه ضامن تحصيله، لا عمله بنفسه. واستثنى الأصحاب من ذلك: أن يكون العمل متفاوتاً (١) كالنَّسخ؛ فليس له الاستنابة فيه بدون إذن المستأجر صريحاً. ونقلت من خط القاضي على ظهر جزء من «خلافه» قال: نقلت من

стр. 493

«مسائل ابن أبي حرب الجرجرائي»: سمعت أبا عبد الله سئل، قال: دفعت ثوباً إلى خيَّاط، فقطعه، ثمَّ دفعه إلى آخر ليخيطه، قال: هو ضامن. ولعلَّ هذا فيما دلَّت الحال على وقوع العقد فيه على خياطة المستأجر لجودة صناعته وحذقه وشهرته بذلك؛ فلا يرتضي المستأجر بعمل غيره. والمذهب: الجواز بدون القرينة، وعليه بنى الأصحاب صحَّة شركة الأبدان، حتَّى أجازوها مع اختلاف الصَّنائع على أحد الوجهين. وكذلك لو استأجر أجيراً لعمل وهو لا يحسنه، ففي الصِّحَّة وجهان؛ لأنَّ العقد وقع على ضمان تسليم العمل وتحصيله، لا على المباشرة. ومنها: لو أصدقها عملاً معلوماً مقدراً بالزَّمان أو بغيره، وقلنا: يصحُّ ذلك؛ فهو كالأجير المشترك. وأما الثاني، وهو المتصرف بالإذن المجرد؛ فله صور: منها: الوكيل، وفي جواز توكيله بدون إذنٍ روايتان معروفتان، إلَّا فيما اقتضته دلالة الحال، مثل أن يكون العمل لا يباشره مثله، أو يعجِز عنه لكثرته؛ فله الاستنابة بغير خلاف. لكن هل له الاستنابة في الجميع، أو في القدر المعجوز عنه خاصة؟ على وجهين. والأوَّل اختيار صاحب «المغني».

стр. 494

والثَّاني قول القاضي وابن عقيل. ومنها: العبد المأذون له، وفيه طريقان: أحدهما: أنَّه كالوكيل، وهو المذكور في «الكافي»؛ لأنَّه استفاد التَّصرُّف بالإذن؛ كالوكيل. والثَّاني: ليس له الاستنابة بدون إذن أو عرف بغير خلاف، وهو ما ذُكِر في «التلخيص»؛ لقصور العبد في أملاكه وتصرُّفاته، فلا يملك التَّصرُّف بدون إذن أو قرينة. ومنها: الصَّبيُّ المأذون له، وهو كالوكيل، ذكره في «الكافي». ومنها: الشَّريك والمضارب، وفيهما طريقان: أحدهما: أنَّ حكمهما حكم الوكيل على الخلاف فيه، وهي طريقة القاضي والأكثرين (١). والثاني: يجوز لهما التَّوكيل بدون إذن، وهو المجزوم به في «المحرر»، وكذلك رجَّحه أبو الخطَّاب في «رؤوس المسائل»؛ لعموم تصرُّفهما، وكثرته، وطول مدَّته غالباً، وهذه قرائن تدلُّ على الإذن في التَّوكيل في البيع والشراء. وكلام ابن عقيل يُشعِرُ بالتَّفريق بين المضارب والشَّريك؛ فيجوز للشَّريك التَّوكيل؛ لأنَّه علَّل بأنَّ الشَّريك استفاد بعقد الشركة ما هو دونه، وهو الوكالة؛ لأنَّها أخصُّ، والشَّركة أعمُّ، فكان له الاستنابة في

стр. 495

الأخصِّ، بخلاف الوكيل؛ فإنَّه استفاد بحكم العقد مثل العقد، وهذا يدل على إلحاقه المضارب (١) بالوكيل. وهذا الكلام في توكيلهما في البيع والشراء، فأمَّا دفع المضارب المالَ مضاربةً إلى غيره؛ فلا يجوز بدون إذن صريح، نص عليه أحمد (٢)، وعلل بأنَّه إنَّما ائتمنه على المال؛ فكيف يسلِّمه إلى غيره؟! وحُكِي فيه رواية أخرى بالجواز. وأمَّا الثالث، وهو المتصرف بالولاية: فمنه ولي اليتيم، وفيه طريقان: أحدهما: أنه كالوكيل، وهي طريقة القاضي وابن عقيل وصاحب «المغني»؛ لأن تصرفه بالإذن؛ فهو كالوكيل. الثاني: أنه يجوز له التوكيل، بخلاف الوكيل، ورجحه القاضي، وابن عقيل أيضًا في كتاب الوصايا، وأبو الخطاب، وجزم به في «المحرر»؛ لأنه متصرف بالولاية، وليس وكيلًا محضًا؛ فإنه متصرف بعد الموت، بخلاف الوكيل، ولأنه تعتبر عدالته وأمانته، وهذا شأن الولايات، ولأنه لا يمكنه الاستئذان، وتطول مدته ويكثر تصرفه، بخلاف الوكيل. هذا في توكيله، فأما في وصيته إلى غيره؛ ففيها روايتان مشهورتان،

стр. 496

واختار المنع أبو بكر والقاضي. ومنه: الحاكم؛ هل له أن يستنيب غيره من غير إذن له في ذلك؟ وفيه طريقان: أحدهما: طريق القاضي في «المجرد» و «الخلاف» له: أنه كالوكيل على ما مر فيه. والثاني: وهو طريق القاضي في «الأحكام السلطانية»، وابن عقيل، وصاحب «المحرر»: أن له الاستخلاف قولًا واحدًا. ونص عليه أحمد في رواية مهنى؛ بناء على أن القاضي ليس بنائب للإمام، بل هو ناظر للمسلمين لا عمن ولَّاه، ولهذا لا ينعزل بموته ولا بعزله على ما سبق؛ فيكون حكمه في ولايته حكم الإمام، بخلاف الوكيل، ولأن الحاكم يضيق عليه تولي جميع الأحكام بنفسه، ويؤدي ذلك إلى تعطيل مصالح النَّاس العامَّة، فأشبه من وُكِّل فيما لا يمكنه مباشرته عادة؛ لكثرته. ومنه: ولي النكاح: فإن كان مجبِرًا، فلا إشكال في جواز توكيله؛ لأن ولايته ثابتة شرعًا من غير جهة المرأة، ولذلك لا يعتبر معه إذنها. وإن كان غير مجبِر؛ ففيه طريقان: أحدهما: أنه كالوكيل، وهو طريق القاضي؛ لأنه متصرف بالإذن. والثاني: أنه يجوز له التوكيل قولًا واحدًا، وهو طريق صاحب «المغني» و «المحرر»؛ لأن ولايته ثابتة بالشرع من غير جهة المرأة، فلا

стр. 497

تتوقف استنابته على إذنها؛ كالمجبِر، وإنما افترقا في اعتبار إذنها في صحة النكاح، ولا أثر له ههنا.

стр. 498

قاعدة [٧٠] الفعل المتعدِّي إلى مفعول، أو المتعلِّق بظرف أو بمجرور ؛ إذا كان مفعوله أو متعلَّقه عامًّا؛ فهل يدخل الفاعل الخاصُّ في عمومه، أم يكون ذكر الفاعل قرينة مخرجة له من العموم، أو يختلف ذلك بحسب القرائن؟ (١) فيه خلاف في المذهب، والمرجَّح فيه التَّخصيص؛ إلَّا مع التَّصريح بالدخول أو قرائن تدلُّ عليه. ويترتَّب على ذلك صور متعدَّدة: منها: النهي عن الكلام والإمام يخطب؛ لا يشمل الإمام على المذهب المشهور. ومنها: الأمر بإجابة المؤذِّن؛ هل يشمل المؤذن نفسه؟ المنصوص ههنا: الشمول (٢).

стр. 499

والأرجح: عدمه؛ طرداً للقاعدة. ومنها: إذا أَذِن لعبده في التِّجارة؛ لم يملك أن يؤجر نفسه. وللمنع مأخذ آخر: وهو أنَّ المنافع ليست من أموال التِّجارة، ذكره القاضي (١). ومنها: إذا أَذِن السيد لعبده أن يُعتق عن كفارته من رقيق السَّيِّد؛ لم يملك أن يُعتق نفسه. وخرَّجها أبو بكر على وجهين، وهذا يتمشَّى على طريقته وطريقة

стр. 500

ابن حامد والمتقدمين: أن تكفير العبد بالمال لا ينبني على ملكه بالتمليك، بل يكفِّر به بإذن السيد وإن لم يملكه، وإلَّا فلو ملك نفسه؛ لانعتقت عليه قهراً، ولم يجزئه عن الكفارة (١). ومنها: هل يكون الرجل (٢) مصرفاً لكفَّارة نفسه? في المسألة روايتان. ثمَّ من الأصحاب من يحكيهما في غير كفارة الجماع في رمضان؛ لورود النَّصِّ فيها. ومنهم من حكاها (٣) في الجميع، وجعل ذلك خصوصاً للأعرابيِّ أو إسقاطاً للكفَّارة عنه؛ لعجزه، وكونها لا تفضل عنه. واختلفوا في محلِّ الخلاف؛ فقيل: هو إذا كفَّر الغير عنه بإذنه؛ هل يجوز له أن يصرفها إليه أم لا? بناء على أن التكفير من الغير لا يستلزم

стр. 501

دخولها في ملكه قبل ملك الفقير لها؛ كما تقدَّم مثله في العتق. وقيل: بل إذا تصدق عليه بها لفقره؛ هل يجوز له أن يأكلها وتكون كفَّارة أم لا؟ وهي طريقة ابن أبي (١) موسى. ومنها: هل يكون الرَّجل مصرفاً لزكاته? إذا أخذها السَّاعي منه؛ فقد برئت ذمته منها، فله أن يعيدها إليه بعد ذلك، هذا هو المنصوص عن أحمد واختيار القاضي؛ لأنَّ عودها إليه ههنا بسبب متجدِّد؛ هو (٢) كإرثه لها. ولا نقول: إنَّه قبضها عن زكاة ماله؛ لأنَّه بريء من زكاة ماله بقبض السَّاعي، وإنَّما يأخذها من جملة الصَّدقات المباحة له. قال أبو بكر: مذهب أحمد لا يحلُّ له أخذها، ذكره في زكاة الفطر، وعلَّل بأنَّها طهرة؛ فلا يجوز له أن يطهر بما قد تطهَّر به. وهكذا الخلاف في ردِّ الإمام خُمُس الفيء والغنيمة على من أخذه منه. وأمَّا إسقاطها قبل القبض؛ فلا يجوز؛ لأنَّ الإبراء من الدَّين لا يسقط الزَّكاة ولا الخُمُس (٣)، بل يجب فيهما القبض (٤)، بخلاف

стр. 502

الخراج والعشر المأخوذ من تجَّار أهل الكتاب؛ لأنَّه فيء، فيجوز للإمام إسقاطه عمن هو واجب عليه إذا رأى فيه المصلحة، وكذلك خُمُس الرِّكاز إذا قيل: هو فيء. ومنها: هل يكون الواقف مصرفاً لوقفه؛ كما إذا وقف على الفقراء ثمَّ افتقر؟ فإنَّه يدخل على الأصح، ونص عليه أحمد في رواية المروذيِّ. وكذا لو انقطع مصرف الوقف، وقلنا: يرجع إلى أقاربه وقفاً، وكان (١) الواقف حيًّا؛ هل يرجع إليه؟ على روايتين حكاهما ابن الزاغونيِّ في «الإقناع». وجزم ابن عقيل في «المفردات» بدخوله. وكذلك لو وقف على أولاده وأنسالهم أبداً، على أنَّه من توفي منهم عن غير ولد؛ رجع نصيبه إلى أقرب النَّاس إليه، فتوفِّي أحد أولاده عن غير ولد، والأب الواقف حيٌّ؛ فهل يعود نصيبه إليه لكونه أقرب النَّاس إليه أم لا؟ تُخرَّج على ما قبلها. والمسألة ملتفتة إلى دخول المخاطب في خطابه. ومنها: الوكيل في البيع؛ هل له الشِّراء من نفسه؟ فيه روايتان معروفتان. وللمنع مآخذ: أحدها: التُّهَمة وخشية ترك الاستقصاء في الثَّمن.

стр. 503

والثَّاني: أنَّ سياق التَّوكيل في البيع يدلُّ على إخراجه من جملة المشترين؛ لأنَّه جعله بائعاً، فلا يكون مشترياً. وهذان المأخذان ذكرهما القاضي وغيره. والثَّالث: أنَّه لا يجوز أن يتولَّى طرفي العقد واحدٌ بنفسه، ويأخذ بإحدى يديه من الأخرى، فإذا وكَّل رجلاً يشتري له؛ جاز، نقل ذلك حنبل عن أحمد (١). فعلى المأخذ الأوَّل: لا يجوز له البيع ممَّن يتَّهم بمحاباته أيضاً، وهو ممن لا تقبل شهادته له. ومنهم من خصَّه بمن له عليه ولاية، وهو ولده الصَّغير، دون من لا ولاية له عليه، وهي طريقة القاضي في «المجرَّد»، وابن عقيل، وصاحب «المغني». وعلى الثَّاني والثَّالث: يجوز له البيع من غيره إذا كان أهلاً للقبول. ويجوز على المأخذ الثَّالث أيضاً أن يوكِّل من يشتري له، لاندفاع محذور اتِّحاد الموجب والقابل. وإن وكَّل من يبيع السِّلعة ويشتريها هو؛ فذكر ابن أبي موسى: أنَّه إذا كان مأذوناً له في التَّوكيل في البيع؛ جاز الشِّراء من وكيله قولاً واحداً؛ بناء على أنَّ هذا الوكيل الثَّاني وكيل للموكِّل الأوَّل؛ فكأنَّه اشترى السِّلعة من مالكها.

стр. 504

وإن كان لم يأذن له في التَّوكيل؛ انبنى على جواز توكيله بدون إذنٍ، فإن أجزناه؛ صحَّ البيع، وإلَّا فلا. ويحتمل أن يكون مأخذ الصِّحة: أنَّ الوكيل الثَّاني وكيل للموكِّل، ويدلُّ عليه تعليله بذلك في صورة الإذن في مسألة النِّكاح. ويحتمل أن يعتبر التَّوكيل؛ لئلَّا يتحدَّ الموجب والقابل، مع أنَّ هذا منتقض بالأب في مال ولده الطفل. وأمَّا رواية الجواز؛ فاختلف في حكاية شروطها على طرق: أحدها: أنَّه تشترط الزِّيادة على الثَّمن الَّذي ينتهي إليه الرَّغبات في النِّداء. وفي اشتراط أن يتولَّى النِّداء غيره وجهان، وهي طريقة القاضي في «المجرد» وابن عقيل. والثَّاني: أنَّ المشترط التَّوكيل المجرد، كما هي طريقة ابن أبي موسى والشِّيرازيِّ. والثَّالث: أنَّ المشترط أحد أمرين: إمَّا أن يوكِّل من يبيعه على قولنا بجواز ذلك، وإمَّا الزِّيادة على ثمنه في النِّداء، وهي طريقة القاضي في «خلافه» وأبي الخطَّاب. وأمَّا إن باع الوكيل، واشترط على المشتري أن يشركه فيه؛ فهل يجوز أم لا؟ على روايتين: إحداهما: يجوز، نقلها أبو الحارث في الوكيل يبيع ويستثني لنفسه الشركة: أرجو ألَّا يكون به بأس.

стр. 505

والثَّانية: يكره، نقلها ابن منصور في رجل يدفع إليه الثَّوب يبيعه، فإذا باعه؛ قال: أشركني فيه، قال: أكره هذا (١). فأمَّا إن أذن له الموكِّل في الشِّراء من نفسه، فإنَّه يجوز، قال كثير من الأصحاب: روايةً واحدةً، بخلاف النِّكاح. وحكى الشيخ مجد الدين فيه وجهاً آخر بالمنع؛ قال: وهل يكون حضور الموكِّل وسكوته كإذنه؟ يحتمل وجهين، أشبههما بكلام أحمد: المنع. ونقل أحمد بن نصر الخفَّاف (٢) عن أحمد، فيمن له على رجل خمسون ديناراً، فوكَّله في بيع داره ومتاعه ليستوفي حقَّه، فباعها بدراهم ليصارف نفسه ويأخذها بالدَّنانير: لم يجز، ولكن يبيعها ويستقضي ويأخذ حقَّه. قال القاضي: ظاهر كلامه أنَّه لا يجوز له بيعها بغير جنس حقِّه ليستوفي منه؛ لأنَّ التُّهمة موجودة في عقد الصَّرف من نفسه لنفسه، وإنَّما أذن له في الاستيفاء، ولم يأذن له في المصارفة، فإذا باعها بجنس حقِّه؛ فله الاستيفاء منها بالإذن؛ لأنَّ يده كيد موكِّله؛ فهو (٣) يقبض من يد غيره لنفسه. ولكن هذه العلَّة موجودة في شراء الوكيل من نفسه.

стр. 506

وكذلك حَكى في «الخلاف» في المسألتين روايتين. وجعلها صاحب «التَّلخيص» رواية بجواز توكيل الوكيل في إيفاء نفسه من جنس حقِّه خاصَّة. وأنكر الشيخ مجد الدين أن يكون فيها دلالة على المنع من البيع بغير جنس الحقِّ، لا سيما إن كان جنس الحقِّ غير نقد البلد، وحمل قول أحمد ببيعها على الدَّراهم الَّتي هي الثَّمن، وبنى ذلك على قولنا بمنع الوكيل من البيع من نفسه، فأمَّا على قولنا بجوازه؛ فإنَّه يجوز له هنا مصارفته نفسه. ومنها: شراء الوكيل لموكِّله من ماله، وحكمه حكم شراء الوكيل من مال موكِّله، ذكره ابن أبي موسى وغيره. وفي «مسائل ابن هانئ» عن أحمد، فيمن بعث إليه بدراهم ليشتري بها من بعض المواضع، فيبعث إليهم مما عنده، ويبالغ في الاستقصاء، قال: لا يعجبني أن يبعث إليهم بما عنده حتَّى يبين أنَّه قد بعث إليهم من المتاع الَّذي عنده (١). ومنها: شراء الوصيِّ من مال اليتيم، وحكمه حكم شراء الوكيل، وفيه روايتان منصوصتان، ولم يذكر ابن أبي موسى سوى المنع. وكذلك حكم الحاكم وأمينه في مال اليتيم. ويتوجَّه التفريق بين الحاكم وغيره؛ بأنَّ الحاكم ولايته غير مستندة إلى إذن؛ فتكون عامَّة، بخلاف من استندت ولايته إلى إذن من غيره في

стр. 507

التَّصرُّف، فإنَّ إطلاق الإذن له يقتضي أن يتصرَّف مع غيره لا مع نفسه كما سبق، وقد اعتمد القاضي على هذا الفرق بين تصرُّف الأب وغيره. ومنها: الوكيل في نكاح امرأة؛ ليس له أن يتزوَّجها لنفسه على المعروف من المذهب. وذكر ابن أبي موسى: أنَّه إن أذن له الوليُّ في التَّوكيل فوكَّل غيره فزوَّجه؛ صحَّ. وكذا إن لم يأذن له، وقلنا: للوكيل أن يوكِّل مطلقاً. فأمَّا من له ولاية بالشَّرع؛ كالوليِّ والحاكم وأمينه؛ فله أن يزوِّج نفسه وإن قلنا: ليس لهم أن يشتروا من المال، ذكره القاضي في «خلافه»، وفرَّق: بأنَّ المال القصد منه الرِّبح، وهذا يقع فيه التُّهمة، بخلاف النِّكاح؛ فإنَّ القصد منه الكفاءة وحسن العشرة، فإذا وجد ذلك؛ صحَّ. وألحق أيضاً الوصي بذلك، وفيه نظر، فإن الوصيَّ يشبه الوكيل؛ لتصرفه بالإذن. وسواء في ذلك اليتيمة وغيرها، صرَّح به القاضي في ذلك، وذلك حيثُ يكون لها إذنٌ معتبر. ومتى زوَّج أحد من هؤلاء نفسه بإذن المرأة من غير توكيل، بل مباشرة لطرفَيِ العقد؛ ففي صحَّته روايتان. وإن وكَّل في أحد الطَّرفين؛ فقال أكثر الأصحاب: يصحُّ رواية واحدة.

стр. 508

وأنكر ذلك ابن عقيل، وقال: متى قلنا: لا يصحُّ أن يتولاه بنفسه؛ لم يصحَّ عقد وكيله له؛ لأنَّ وكيله قائم مقام نفسه. واستثنى من ذلك: الإمام إذا أراد أن يتزوَّج امرأة ليس لها وليٌّ؛ فإنَّه يتزوَّجها بولاية أحد نوَّابه؛ لأنَّ نوَّابه نوَّاب عن المسلمين لا عنه فيما يخصُّه. ومنها: إذا عمل أحد الشَّريكين في مال الشَّركة عملاً يملك الاستئجار عليه، ودفع الأجرة، فهل له أن يأخذ الأجرة أم لا؟ على روايتين. ومنها: الموصى (١) إليه بإخراج مال لمن يحجُّ أو يغزو؛ ليس له أن يأخذه ويحجَّ به ويغزو، نصَّ عليه أحمد في رواية أبي داود، وقال: هو متعدٍّ؛ لأنَّه لم يأمره (٢). وهذا تصريح بأنَّ مأخذ المنع: عدم تناول اللَّفظ له. ومنها: المأذون له أن يتصدَّق بمال؛ هل له أن يأخذ منه لنفسه إذا كان من أهل الصَّدقة؟

стр. 509

المذهب: أنهَّ لا يجوز، ونصَّ عليه أحمد في رواية ابن بختان. وذكر في «المغني» احتمالين آخرين: أحدهما: يجوز مطلقاً. والثَّاني: الرُّجوع إلى القرائن، فإن دلَّت قرينة على الدُّخول؛ جاز الأخذ، أو على عدمه؛ لم يجز، ومع التَّردُّد يحتمل وجهين. والجواز مخرَّج من مسألة شراء الوكيل، وأولى؛ إذ لا عوض ههنا يُبتغى، وهو أمين على المال يتصرَّف فيه بالمصلحة، ولكن الأولى سدُّ الذريعة؛ لأنَّ محاباة النفس لا تؤمن. وعلى هذا؛ فهل له أن يعطيه من لا تقبل شهادته له؟ فيه وجهان: أشهرهما: المنع. والثَّاني: الجواز، اختاره صاحبا «المغني» و «المحرر». ومنها: إذا وكَّل غريمه أن يُبْرِئ غرماءه؛ لم يدخل فيهم مطلق العقد، فإن سمَّاه أو وكَّله وحده؛ جاز ذلك؛ كما قلنا في البيع من نفسه على الأصح، ذكره في «شرح الهداية»، وعزاه إلى القاضي وابن عقيل، قال: والفرق على الوجه الآخر افتقار البيع إلى الإيجاب والقبول، يعني: بخلاف الإبراء. ومنها: لو قال في الأيمان ونحوها من التَّعليقات: من دخل داري، أو قال: من دخل دارك؛ لم يدخل المتكلِّم في الصورة الأولى، ولا المخاطب في الثَّانية، ذكره القاضي وغيره. ومنها: الأموال الَّتي تجب الصَّدقة بها (١) شرعاً للجهل بأربابها؛

стр. 510

كالمغصوب والودائع؛ لا يجوز لمن هي في يده الأخذ منها على المنصوص. وخرَّج القاضي جواز الأكل له منها إذا كان فقيراً، على الرِّوايتين في شراء الوصيِّ من نفسه، كذا نقله عنه ابن عقيل في «فنونه»، وأفتى به الشيخ تقي الدين في الغاصب الفقير إذا تاب (١). وعلى المذهب؛ يتخرَّج في إعطاء من لا تقبل شهادته له الوجهان. والمنصوص عن أحمد: أنَّه لا يحابي بها أصدقاءه، بل يعطيهم أسوة غيرهم، نقله عنه صالح (٢). وكذا نقل عنه المروذيُّ إذا دفعها إلى أقاربَ له محتاجين: إن كان على طريق المحاباة لا يجوز، وإن كان لم يحابهم؛ فقد تصدَّق (٣). ونقل عنه حرب: إذا كان له إخوانٌ محاويجُ (٤) قد كان يَصِلهم؛ أيجوز له أن يدفعها إليهم؟ فكأنَّه استحبَّ أن يعطي غيرهم، وقال: لا

стр. 511

يحابي بها أحداً. والظَّاهر أنَّه جعل إعطاءهم مع اعتبار صلتهم محاباةً، فلذلك استحبَّ العدول عنهم بالكليَّة. تنبيه: لو وصَّى لعبده بثُلث ماله؛ دخل في الوصيَّة ثلث العبد نفسه؛ فيَعتِق عليه، نصَّ عليه، ويكمُلُ عتقه من باقي الوصيَّة؛ لأنَّ ملكه للوصية مشروط بعتقه، فلذلك دخل في عموم المال الموصى به؛ ضرورة صحَّة الوصيَّة له (١).

стр. 512

قاعدة (١) [٧١] فيما يجوز الأكل منه من الأموال بغير إذن مستحقِّيها . وهي نوعان: مملوك (٢) تعلَّق به حقُّ الغير، ومملوك للغير. فأمَّا الأوَّل: فهو مال الزَّكاة، فيجوز الأكل ممَّا تتوق إليه النُّفوس ويشقُّ الانكفاف عنه من الثِّمار بقدر ما يحتاج إليه من ذلك، ويطعم الأهل والضِّيفان، ولا تحتسب زكاته. ولذلك يجب على الخارص أن يدع في خرصه الثُّلث أو الرُّبع بحسب ما تقتضيه الحال من كثرة الحاجة وقلَّتها؛ كما دلَّت عليه السنة (٣)، فإن استبقيت ولم تؤكل رطبةً؛ رجع عليهم بزكاتها. وأمَّا الزُّروع؛ فيجوز الأكل منها بقدر ما جرت العادة بأكله فريكاً (٤)

стр. 513

ونحوه، نصَّ عليه أحمد، وليس له الإهداء منها. وخرَّج القاضي في الأكل منها وجهين؛ من الأكل من الزُّروع الَّتي ليس لها حافظ. وأمَّا الثَّاني: فينقسم إلى ما له مالك معيَّن وإلى ما له مالك غير معيَّن. فأمَّا ما له مالك غير معيَّن (١)؛ كالهدي (٢) والأضاحي؛ فيجوز لمن هي في يده - وهو المهدي والمضحِّي - أن يأكل منها ويدَّخر ويُهدي؛ كما دلت عليه السُّنَّة. وهل يجوز أكل أكثر من الثلث أم لا؟ على وجهين، أشهرهما الجواز. وهل المستحب أن يقسم الهدي أثلاثاً كالأضاحي، أو يتصدق به كله إلا بما يأكله منه؟ على وجهين. وأمَّا ما له مالك معيَّن؛ فهو نوعان: أحدهما: أن يكون له عليه ولاية: فإن كانت الولاية عليه لحظِّ نفسه كالرَّهن، فإنَّه يجوز له الأكل ممَّا بيده إذا كان دَرًّا، والانتفاع بظهره إذا كان مركوباً؛ لكن بشرط أن يعاوض عنه بالنَّفقة. وإن كانت الولاية لمصلحة المولَّى عليه؛ فالمنصوص: جواز الأكل

стр. 514

منه أيضاً بقدر عمله. ويتخرَّج على ذلك صور: منها: وليُّ اليتيم يأكل مع الحاجة بقدر عمله، وهل يردُّه إذا أيسر؟ على روايتين. واختار ابن عقيل: أنَّه يأكل مع الحاجة وعدمها. ولو فرض الحاكم له شيئاً؛ جاز له أخذه مجاناً بغير خلاف، هذا ظاهر كلام القاضي. ونصَّ أحمد في رواية البرزاطي في الأمِّ الحاضنة: أنَّها لا تأكل من مال (١) ولدها إلَّا للضَّرورة، إلَّا أن يفرض لها الحاكم في المال حقَّ الحضانة. ووجهه: أنَّ من أعطاه غيره؛ فله الأخذ مع الغنى، بخلاف الأخذ بنفسه، ولهذا جاز للوصيِّ الأخذ إذا شرط له الأب مع غناه، وجاز للوليِّ أن يدفع مال اليتيم مضاربة إلى من يعمل فيه بجزء من ربحه، ولم يجز له إذا عمل فيه بنفسه أن يأخذ، ولهذا المعنى جاز الأخذُ لعامل الزَّكاة مع الغنى؛ لأنَّ المعطي له هو الإمام. ومنها: أمين الحاكم أو الحاكم إذا نظر في مال اليتيم. قال القاضي مرَّة: لا يأكل، وفرَّق بينه وبين الوصيِّ: بأن الأب له أن يجعل للوصيِّ جُعْلاً مع وجود متبرِّعٍ بالنظر في مال اليتيم، والوصيُّ متصرف بإذنه وتوليته، بخلاف أمين الحاكم؛ فإنَّه لو وجد متبرِّعاً

стр. 515

بالحفظ؛ لم يجز له أن يجعل لأحد جُعْلاً عليه. وقال مرَّة: له الأكل كوصيِّ الأب، وأخذه من نصِّ أحمد على أنَّ الحاكم يأخذ على القضاء أجراً بقدر شغله، وقال: هو مثل وليِّ اليتيم (١) (٢). وأمَّا الأب؛ فقال القاضي: ليس له الأكل لأجل عمله؛ لغناه عنه بالنَّفقة الواجبة في ماله، ولكن له الأكل منه بجهة التَّملُّك عندنا.

стр. 516

وضعَّف ذلك الشَّيخ تقيُّ الدِّين رحمه الله تعالى. ومنها: ناظر الوقف والصَّدقات، ونصَّ أحمد على جواز أكله (١)، نقل عنه أبو الحارث أنَّه قال في والي الوقف: إن أكل منه بالمعروف فلا بأس، قيل له: فيقضي منه دينه؟ قال: ما سمعنا فيه شيئاً (٢). وكذلك نقل عنه حرب في رجل أوصى إلى رجل بأرض أو صدقة للمساكين، فدخل الوصيُّ الحائط أو الأرض، فتناول بطيخة أو قثَّاء أو نحو ذلك، قال: لا بأس بذلك إذا كان القيِّم بذلك أكل. وترجم عليه بعض الأصحاب -وأظنُّه أبا حفص العكبريَّ-: (الوصيُّ يأكل من الوقف الَّذي يليه). وهذا ظاهر في أنَّه لا يشترط له الحاجة، وخرَّجه أبو الخطاب على عامل اليتيم. ونقل الميمونيُّ عن أحمد: أنَّه ذكر حديث عمر حين وقف فأوصى إلى حفصة (٣)، ثمَّ قال أحمد: لمن وَلِيَه أن يأكل (٤) منه بالمعروف إذا كان (٥) اشترط ذلك (٦). ومفهومه: المنع من الأكل بدون الشَّرط.

стр. 517

فأمَّا الوكيل في الصدقة؛ فلا يأكل منها شيئاً، نقل يعقوب ابن بختان عن أحمد في رجل في يده مال للمساكين وأبواب البرِّ، وهو فقير محتاج إليه: فلا يأكل منه، إنَّما أُمِر أن ينفذ. وصرَّح القاضي في «المجرد»: بأنَّ من أُوصي إليه بتفرقة مال على المساكين أو دفع إليه رجل في حياته مالاً ليفرِّقه صدقة؛ لم يجز أن يأكل منه شيئاً بحقِّ قيامه؛ لأنَّه منفذ، وليس بعامل منمٍّ مثمِّر. ومنها: الوكيل والأجير، والمعروف منعهما من الأكل؛ لاستغنائهما عنه بطلب الأجرة من المؤجر والموكِّل، لا سيما والأجير قد أخذ الأجرة على عمله. ونقل حنبل عن أحمد في الوليِّ والوصيِّ إذا كانا يصلحان ويقومان بأمره، فأكلا بالمعروف: فلا بأس به، بمنزلة الوكيل والأجير. قال القاضي في «خلافه»: وظاهر هذا جواز الأكل للوكيل، انتهى (١). ونقل العبَّاس بن محمَّد الخلَّال عن أحمد، فيمن كانت في يده أرض من أرض الخراج؛ هل يأكل ممَّا أخرجت من زرع أو ثمر إذا كان الإمام يأخذهم بالخراج مِساحة، أو صيَّرها في أيديهم مقاسمة على النصف أو الربع؛ قال: يأكل، إلَّا أن يخاف السُّلطان (٢).

стр. 518

وهذا يدلُّ على جواز أكل الشَّريك والعامل في المساقاة ونحوهما من الزُّروع والثِّمار بغير إذن (١). النّوع الثَّاني: ما لا ولاية له عليه؛ فيجوز الأكل منه للضَّرورة بلا نزاع. وأمَّا مع عدمها؛ فيجوز فيما تتوق إليه النُّفوس مع عدم الحفظ والاحتراز عليه، وذلك في صور: منها: الأكل من الأطعمة في دار الحرب، وإطعام الدَّواب المعدَّة للرُّكوب. فإن كانت للتِّجارة؛ ففيه روايتان. وإن كانت للتَّصيُّد بها؛ فوجهان. وسواء كان محتاجاً إليه أو لم يكن في أشهر الطَّريقتين. وفي الثَّانية: لا يجوز إلا للحاجة بقدرها. وفي ردِّ عوضه في المغنم روايتان، وهي طريقة ابن أبي موسى. واختلف الأصحاب في محلِّ الجواز: فقيل: محلُّه ما لم يحرزه الإمام، فإذا أحرزه أو وكَّل به من يحفظه؛ لم يجز الأكل إلَّا لضرورة، وهي طريقة الخرقيِّ؛ لأنَّ إحرازه منع من التَّناول منه، وأمَّا قبل الإحراز؛ فإنَّ حفظه يشقُّ ويُتسامَح بمثله عادة. وقيل: يجوز الأكل ما داموا في أرض الحرب، وإن أحرز، ما لم يُقسم، وهي طريقة القاضي.

стр. 519

وإن فَضَلت منه فضلة؛ فهل يجب ردُّها مطلقاً، أو بشرط كثرتها؟ على روايتين. ومنها: إذا مرَّ بثمر غير محوط ولا عليه ناظر؛ فله أن يأكل منه مع الحاجة وعدمها، ولا يَحمِل، على الصَّحيح المشهور من المذهب. ولا فرق بين المتساقط على الأرض وما على الشجر؛ كما دلَّت عليه السُّنَّة (١)؛ وتنزيلاً لتركه بغير حفظ مع العلم بتوقان نفوس المارَّة إليه منزلة (٢) الإذن في الأكل منه؛ لدلالته عليه عرفاً، مع العلم بتسامح غالب النُّفوس في بذل يسير الأطعمة، بخلاف المحفوظ بناظر أو حائط، فإنَّ ذلك بمنزلة المنع منه (٣). وفي المذهب رواية ثانية: بجواز الأكل من المتساقط دون ما على الشَّجر؛ لأنَّ المسامحة في المتساقط أظهر؛ لتسرُّع (٤) الفساد إليه، ولم يثبتها القاضي.

стр. 520

ورواية ثالثة: بمنع الأكل مطلقاً إلَّا مع الحاجة؛ فيؤكل حينئذ مجاناً بغير عوض (١). وعلى المذهب المشهور؛ هل يلحق الزَّرع ولبن المواشي بالثِّمار؟ على روايتين، فإنَّ الأكل من الزَّرع (٢) وحلب اللبن من الضَّرع إنَّما يفعل للحاجة لا للشَّهوة.

стр. 521

قاعدة [٧٢] اشتراط النَّفقة والكسوة في العقود تقع على وجهين: معاوضة، وغير معاوضة . فأمَّا المعاوضة: فتقع في العقود اللَّازمة، ويملك فيها الطَّعام والكسوة كما يملك غيرهما (١) من الأموال المعاوض بها. فإن وقع التَّفاسخ قبل انقضاء المدة؛ رجع بما عجَّل منها، إلَّا في نفقة الزَّوجة وكسوتها؛ فإنَّ في الرجوع بهما ثلاثة أوجه، ثالثها: يرجع بالنَّفقة دون الكسوة (٢). فمنها: الإجارة، فيجوز استئجار الظِّئر بطعامها وكسوتها على الصَّحيح، ومن الأصحاب من لم يحكِ فيه خلافاً. ومنها: استئجار غير الظِّئر بالطَّعام والكسوة، وفيه روايتان، أصحُّهما: الجواز؛ كالظِّئر. ومنها: البيع، فلو باعه ثوباً بنفقة عبده شهراً؛ صحَّ، ذكره القاضي في «خلافه». ومنها: النِّكاح، تقع الكسوة والنَّفقة فيه عوضاً عن تسليم المنافع،

стр. 522

ولا يحتاج إلى شرطها في العقد، كما لا يحتاج فيه إلى ذكر المهر الَّذي يحصل به أصل الاستباحة، ولو شرطت عليه نفقة ولدها وكسوته؛ صحَّ، وكان من المهر (١). وأمَّا غير المعاوضة: فهو إباحة النَّفقة للعامل ما دام متلبِّساً بالعمل، ويقع ذلك في العقود الجائزة؛ إمَّا بأصل الوضع، أو لأنَّه لا يجوز المعاوضة عنه بالشَّرع. ويندرج تحت ذلك صور: منها: المضاربة؛ فيجوز اشتراط المضارَب النفقة والكسوة في مدَّة المضاربة. ومنها: الشَّركة.

стр. 523

ومنها (١): الوكالة. ومنها: المساقاة والمزارعة إذا قلنا: بعدم لزومهما (٢). وما بقي معهم من النَّفقة المأخوذة والكسوة بعد فسخ هذه العقود؛ هل يستقرُّ ملكهم عليه أم لا؟ يحتمل ألَّا يستقر؛ لأنَّ ما يتناوله إنما هو على وجه الإباحة لا الملك، ولهذا قال الأصحاب: إذا اشترط المضارَب التَّسرِّي من مال المضاربة، فاشترى أمة منه؛ ملكها، ويكون (٣) ثمنها قرضاً عليه؛ لأنَّ الوطء لا يستباح بدون الملك، بخلاف المال؛ فإنَّه يستباح بالبذل والإستباحة (٤)، كما يستبيح المرتهن الانتفاع بالرَّهن بشرطه في عقد البيع، نصَّ عليه أحمد، وتكون (٥) إباحة. وأشار أبو بكر عبد العزيز إلى رواية أخرى: يملك (٦) المضارب الأمة بغير عوض. وعلى هذا؛ فيحتمل أن تكون النفقة والكسوة تمليكاً، فلا يرد ما فضل منهما.

стр. 524

ويحتمل أن يفرَّق بين اليسير والكثير (١)؛ كما في المأخوذ من المغنم (٢). ومنها: إذا أخذ الحاجُّ نفقة من غيره ليحجَّ عنه؛ فإنَّه عقدٌ جائز، والنَّفقة فيه إعانة على الحجِّ لا أجرة، وينفق على نفسه بالمعروف إلى أن يرجع إلى بلده، وإن فضلت فضلة ردَّها، نصَّ عليه. وكذا إن كانت الحجَّة عن ميت؛ إمَّا أن (٣) تكون حجَّة الإسلام، أو أوصى بأن يحجَّ عنه حجَّة (٤)، فإنَّ فاضل النَّفقة يستردُّه الورثة إلَّا أن يعيِّن الموصي في وصيَّته إعطاء مقدار معيَّن لمن يحجُّ عنه حجَّة، فإنَّ الفاضل يكون له في المعروف من المذهب. ونقل ابن منصور عن أحمد: إذا قال: حُجُّوا عنِّي بألف درهم حجَّة؛ يحجُّ عنه حجَّة، وما فضل يردُّ إلى الورثة (٥). وهذا يدلُّ على أنَّه لا يجوز أن يدفع إلى من يحجُّ أكثر من نفقته، ولم يجعل الباقي وصيَّة؛ لأنَّ الحاج هنا غير معين، فلا تصحُّ الوصية له، بخلاف ما إذا كان معيَّناً. ووجه المذهب: أن الموصى له يتعيَّن لحجِّه (٦) فيصير معلوماً.

стр. 525

وإن قال: حجُّوا عنِّي بألف، ولم يقل: حجَّة؛ فالمذهب: أنَّها تصرف في حجَّة بعد أخرى حتَّى تنفذ. وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى: أنَّه يحجُّ عنه حجَّة واحدة بنفقة المثل والباقي للورثة. ومنها: إذا أخذ الحاجُّ من الزكاة ليحجَّ به؛ فإنه يجوز؛ بناء على قولنا: إنَّ الحج من السبيل، فإن حجَّ ثمَّ فضلت فضلة؛ فهل يستردُّ أم لا؟ الأظهر: استردادها؛ كالوصيَّة، وأولى؛ لأنَّ هذا المال يجب صرفه في مصارفه المعيَّنة شرعاً، ولا يجوز الإخلال بذلك، بخلاف فاضل الوصيَّة، فإنَّ الحقَّ فيه للورثة، ولهم تركه. وقياس قول الأصحاب في الغازي: أنَّه لا يستردُّ. وظاهر كلام أحمد في رواية الميمونيِّ: أنَّ الدَّابَّة لا تستردُّ، ولا يلزم مثله في النَّفقة؛ لأنَّ الدَّابَّة قد صرفت في سبيل الله، بخلاف فاضل النَّفقة، ويملكها بخروجه من بلده (١)، بخلاف الغازي، نصَّ عليه في رواية الميمونيِّ. وعلَّل بأنَّه من حين يخرج فهو ابن سبيل، له حقٌّ في الزكاة، والغازي إنما أعطي للغزو؛ فلا يملك بدونه (٢)، وهذا يرجع إلى أنَّ من

стр. 526

أخذ لسبب، فانتفى وخلفه سبب آخر مبيح للأخذ؛ أنَّ له الإمساك بالسَّبب الثَّاني، وفيه خلاف بين الأصحاب. ومنها: إذا أخذ الغازي نفقة أو فرساً ليغزو عليها؛ فإنَّه يجوز، ويكون عقداً جائزاً لا لازماً، وهو إعانة على الجهاد، لا استئجارٌ عليه (١)، فإن رجع والفرس معه؛ ملكها، ما لم تكن وقفاً أو عاريةً، نصَّ عليه أحمد (٢)، ولا يملكها حتَّى يغزوَ. قال القاضي في «خلافه»: ويكون تمليكاً بشرط. ومعناه: أنَّه تمليك مراعًى بشرط الغزو، فإن غزا؛ تبيَّنَّا أنه ملكه بالقبض؛ فإنَّ قاعدة المذهب: أنَّ الهبة لا تقبل التَّعليق، وكذلك عقود المعاوضات (٣). وإن فضل معه من الكسوة؛ فهو كالفرس. وإن فضل من النَّفقة؛ ففيه روايتان: إحداهما: يملكها أيضاً، نقلها عليُّ بن سعيد (٤).

стр. 527

والثَّانية: يردُّ الفاضل في الغزو؛ إلَّا أن يؤذن له في الاستعانة به في غزوة أخرى، نقلها حنبل. والفرق بين النَّفقة وغيرها: أنَّ الدَّابَّة قد صرفت في سبيل الله واستعملت فيه، وكذلك الكسوة؛ فحصل المقصود بها، بخلاف ما فضل من النَّفقة. فأمَّا إن أخذ من الزَّكاة، ثمَّ فضلت فضلة: فقال الخرقيُّ والأكثرون: لا تستردُّ (١). وحكى صاحب «المحرَّر» وغيره وجهين. وقد قدَّمنا الفرق بين مال الزَّكاة وغيره. ونصَّ أحمد في رواية المروذيِّ على أنَّ الدَّابة تكون له، ولا يلزم مثله في النَّفقة؛ لما قدَّمنا.

стр. 528

قاعدة [٧٣] اشتراط نفع أحد المتعاقدين في العقد على ضربين: أحدهما: أن يكون استئجاراً له مقابلاً بعوض؛ فيصحُّ على ظاهر المذهب؛ كاشتراط المشتري على البائع خياطة الثَّوب، أو قصارته، أو حمل الحطب ونحوه، ولذلك يزاد به الثَّمن. والثَّاني: أن يكون إلزاماً له لما لا يلزمه بالعقد، بحيثُ يجعل ذلك من مقتضى العقد ولوازمه مطلقاً، ولا يقابل بعوض؛ فلا يصحُّ. وله أمثلة: منها: اشتراط مشتري الزَّرع القائمِ في الأرض حصادَه على البائع؛ فلا يصحُّ، ويفسد به العقد، ذكره الخرقيُّ؛ لأنَّ حصاد الزَّرع قد يتوهَّم أنَّه من تمام التسليم (١) الواجب على البائع، كما ظنَّه (٢) بعض الفقهاء. وحكى ابن أبي موسى في فساده به وجهين (٣) ومنها: اشتراط أحد المتعاقدين في المساقاة أو المزارعة على

стр. 529

الآخر ما لا يلزمه بمقتضى العقد؛ فلا يصحُّ، وفي فساد العقد به خلاف. ويتخرَّج صحَّة هذه الشُّروط أيضاً من الشُّروط في النِّكاح وغيرها، وهو ظاهر كلام أكثر المتأخِّرين، ولذلك (١) استشكلوا مسألة الخرقيِّ في حصاد الزَّرع. ومنها: شرط إيفاء المسلَم فيه في غير مكان العقد، وحُكي في صحَّته روايتان. والمنصوص عن أحمد: فسادُه في رواية مهنَّى، وأومأ إليه في رواية ابن منصور، وقال: ليس في حديث النَّبيِّ ﷺ تسمية المكان (٢). يشير بذلك إلى أنَّ السَّلم يشترط فيه أن يذكر في العقد أوصاف المسلَم (٣) فيه، وقدره، وزمان محلِّه، كما دلَّ عليه الحديث (٤)، وليس فيه ذكر مكان إيفائه؛ فاشتراط ذكر مكانه يوهم أنَّ ذلك من جنس ذكر زمانه، وأنَّه مستحَقٌّ بنفس العقد، بخلاف غيره من البيوع الَّتي لا يذكر في عقودها شيء من ذلك.

стр. 530

قاعدة [٧٤] فيمن يستحقُّ العوض عن عمله بغير شرط . وهو نوعان: أحدهما: أن يعمل العمل ودلالة حاله تقتضي المطالبة بالعوض. والثَّاني: أن يعمل عملاً فيه غناء عن المسلمين، وقيام بمصالحهم العامة، أو فيه استنقاذ لمال معصوم من الهلكة. أمَّا الأوَّل؛ فيندرج تحته صور كثيرة؛ كالملَّاح، والمكاري، والحجَّام، والقصَّار، والخيَّاط، والدَّلَّال، ونحوهم ممَّن يرصد نفسه للتَّكسُّب بالعمل، فإذا عمل؛ استحقَّ أجرة المثل؛ وإن لم يسمَّ له شيء، نصَّ عليه. وأمَّا الثَّاني؛ فيدخل تحته صور: منها: من قتل مشركاً في حال الحرب مغرِّراً بنفسه في قتله؛ فإنَّه يستحقُّ سَلَبه بالشَّرع لا بالشرط في أصحِّ الرِّوايتين. ومنها: العامل على (١) الصَّدقات؛ فإنَّه يستحقُّ أجرة عمله بالشرع، قال أحمد في رواية صالح: العاملين عليها الَّذين جعل الله لهم الثَّمن
следующие страницы →