← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

آخر، وفيها تأخير أحدهما عن استيفاء حقِّه؛ فلا يلزم، بخلاف قسمة الأعيان. ونصَّ أحمد في رواية صالح وحنبل وأبي طالب في العبد المشترك إذا أعتق أحد الشَّريكين نصيبه أو كاتبه؛ فإنَّه يكون يوماً لنفسه ويوماً لسَّيِّده الباقي (١). وتأوَّله القاضي على التَّراضي، وهو بعيد. وحكى أبو بكر في «التنبيه» فيه روايتين: إحداهما: يكون يوماً لنفسه ويوماً لسيِّده. والأخرى (٢): أن كسبه بينهما، وهذا يدلُّ على وقوع المهايأة حكماً من غير طلب. وفي المسألة وجه آخر: أنَّه تجب المهايأة بالمكان دون الزَّمان؛ لانتفاء تأخُّر استيفاء أحدهما لحقِّه في المهايأة بالأمكنة، فهو كقسمة الأعيان، واختاره صاحب «المحرر». وعلى القول بانتفاء الوجوب مطلقاً؛ فيجوز بالتَّراضي. وهل تقع لازمة إذا كانت مدَّتها معلومة أو جائزة؟ على وجهين. والمجزوم به في «التَّرغيب»: الجواز. واختار صاحب «المحرر»: اللُّزوم.

стр. 562

وعلى القول بالجواز؛ لو رجع أحدهما قبل استيفاء نوبته؛ فله ذلك، وإن رجع بعد الاستيفاء؛ غرِّم ما انفرد به. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: (لا يفسخ (١) حتَّى ينقضي الدَّور ويستوفي كلُّ منهما حقَّه منه). ويمكن أن يؤخذ ذلك من مسألة القسم، وهي أنَّ من له زوجتان، فقسم (٢) لإحداهما، ثمَّ أراد أن يطلِّق الأخرى؛ لم يجز له حتَّى يوفِّيها حقَّها من القسم؛ لئلَّا يفوت حقها بالطلاق. ولا يقال: هذه القسمة لازمة بخلاف المهايأة؛ لأنَّها إنَّما لزمت لأجل المساواة بين الزَّوجتين، ولهذا قال القاضي ومن اتَّبعه: إنَّ قسم الابتداء ليس بواجب. ولو استوفى أحدهما نوبته ثمَّ تلفت المنافع في مدَّة الآخر قبل تمكُّنه من القبض؛ فأفتى الشَّيخ تقي الدين بأنَّه يرجع على الأوَّل ببدل حصَّته من تلك المدَّة الَّتي استوفاها، ما لم يكن قد (٣) رضي بمنفعة الزَّمن المتأخِّر على أيِّ حال كان؛ جعلاً للتَّالف قبل القبض كالتَّالف في الإجارة. قال: (وسواء قلنا: القسمة إفراز أو بيع؛ فإنَّ المعادلة معتبرة فيها (٤)

стр. 563

على القولين، ولهذا يثبت فيها خيار العيب والتَّدليس) انتهى (١). وهذا على القول بالجواز ظاهر، ولكنَّ الشَّيخ يرجِّح اللُّزوم؛ فيخرَّج في الرُّجوع حينئذ وجهان؛ بناءً على الرِّوايتين فيما إذا تقاسم الشَّريكان الدَّين في ذمم الغرماء، ثمَّ تلف أحدهما قبل القبض؛ هل يستحقُّ صاحبه الرُّجوع على الآخر فيما قبضه أم لا (٢)؟ على روايتين، نقلهما معاً ابن منصور في «مسائله» عن أحمد (٣). ورواية الرُّجوع حملها الأصحاب على أنَّ القسمة لم تصحَّ، لكنَّ المراد (٤) بقولهم: (لم تصحَّ)؛ أنَّها غير لازمة لا أن (٥) القبض بها محرَّم باطل، ولهذا قالوا: لو قبض شيئاً بإذن شريكه؛ انفرد (٦) به على الصَّحيح؛ فتكون حينئذ شبيهة (٧) بالمهايأة. ومنها: الزَّرع والشَّجر المشترك إذا طلب أحد الشَّريكين سقيه وهو محتاج إلى ذلك؛ أجبر الآخر عليه، ذكره القاضي، وحكاه عن أبي بكر فيما إذا أوصى (٨) لأحدهما بزرع ولآخر بتبنه، وأخذه من مسألة

стр. 564

الجدار، وهو أولى بالوجوب؛ لأنَّ السَّقي من باب حفظ الأصل وإبقائه؛ فهو كدعامة السَّقف إذا انكسر بعض خشبه والحائط المائل، وذلك أولى بالوجوب من بناء (١) السَّاقط؛ لأنَّ إعادة الحائط بعد زواله شبيه بإحداث المنفعة، لكن لمَّا كان ردًّا له إلى ما كان عليه؛ ألحق بالاستبقاء. وألحق الشَّيخ تقيُّ الدِّين بهذا كلَّ ما فيه حفظ الأصل إذا احتيج إليه؛ مثل الحارس والنَّاظر والدَّليل على الطَّريق والرِّشوة الَّتي يحتاج إليها لدفع الظلم عن المال. وذكر القاضي أيضاً فيمن اشترى شجراً وعليه ثمر للبائع: أنَّ أحدهما إذا طلب السَّقي لحاجة ملكه إليه؛ أجبر الآخر على التَّمكين لدخوله على ذلك، وتكون الأجرة على الطَّالب؛ لاختصاصه بالطَّلب دون صاحبه، وهذا يشمل ما إذا كان نفع السَّقي راجعاً إليهما. وعلَّل ذلك في «المغني»: بأنَّ السَّقي لحاجته، وظاهره: اختصاصه بحالة عدم حاجة الآخر؛ فإنَّ النَّفع إذا كان لهما؛ كانت (٢) المؤنة عليهما كبناء الجدار. وإن عطش الأصل وخيف عليه الضَّرر بترك الثَّمر عليه؛ ففي الإجبار على القطع (٣) وجهان، ذكرهما في «المغني»، وعلَّل الإجبار: بأنَّ

стр. 565

الضَّرر لاحق بالثمر لا محالة مع القطع والتَّبقية، والأصل ينحفظ بالقطع؛ فمراعاته أولى. وذكر القاضي وابن عقيل فيما لو وصَّى بثمر شجرة لرجل ورقبته لآخر: أنَّه لا يجبر أحدهما على السَّقي؛ لأنَّ أحدهما لم يدخل على حفظ مال الآخر، بخلاف الثَّمر المشترى في رؤوس النَّخل. وهذا في سقي أحدهما بخالص حقِّ الآخر، بخلاف ما (١) في الوصيَّة بالزَّرع والتِّبن كما سبق.

стр. 566

قاعدة [٧٧] من اتَّصل بملكه ملك غيره متميِّزاً عنه وهو تابع له ، ولم يمكن فصله منه بدون ضرر يلحقه، وفي إبقائه على الشركة ضرر، ولم يفصله مالكه؛ فلمالكِ الأصل أن يتملَّكه بالقيمة من مالكه، ويجبر المالك على القبول. وإن كان يمكن فصله بدون ضرر يلحق مالك الأصل؛ فالمشهور: أنَّه ليس له تملُّكه قهراً؛ لزوال ضرره بالفصل. ويتخرَّج على هذه القاعدة مسائل كثيرة: منها: غراس المستأجر وبناؤه بعد انقضاء المدَّة إذا لم يقلعه المالك؛ فللمُؤْجر تملُّكه بالقيمة (١)؛ لأنَّه لا يملك قلعه بدون ضمان نقصه، وفيه ضرر عليه، ذكر ذلك القاضي وابن عقيل والأكثرون. ولم يشترط أبو الخطاب ألَّا يقلعه (٢) المالك؛ فلعلَّه جعل الخيرة لمالك الأرض دون مالك الغراس والبناء. ومنها: غراس المستعير وبناؤه إذا رجع المعير أو انقضت مدَّة الإعارة، وقلنا: يلزم بالتَّوقيت؛ فالمنصوص عن أحمد: أنَّه يتملَّك

стр. 567

بالقيمة، نقله عنه مهنَّى وابن منصور (١). وكذلك نقل عنه جعفر بن محمَّد، لكن قال في روايته: يتملَّك بالنَّفقة. ولمالكه القلع ابتداءً، بغير خلاف، ولا يجبر عليه إذا كان فيه ضرر. وإن لم يكن فيه ضرر؛ فتردَّد فيه كلام الأصحاب، وظاهر كلام أحمد: أنَّه لا يقلع بدون شرط (٢). ومنها: غراس المشتري في الأرض المشفوعة وبناؤه؛ حيث يتصوَّر ذلك (٣) إذا انتزع الشَّفيع؛ فإنَّه يأخذه مع الأرض بقيمته، نصَّ عليه (٤)، ولمالكه أن يقلعَه أيضاً، ولا يجبر عليه إلَّا أن يضمن له النَّقص. ومنها: غراس المفلس وبناؤه إذا رجع بائع الأرض فيها؛ فللمفلس والغرماء القلع، فإن أَبَوْهُ وطلب البائع التَّملُّك بالقيمة؛ ملكه، وكذا إذا طلب القلع مضموناً.

стр. 568

ومنها: إذا أصدقها أرضاً، فغرست فيها أو بَنَت (١)، ثمَّ طلَّقها قبل الدُّخول، وطلب (٢) الرُّجوع في نصفها، وبذل نصف قيمة الغراس والبناء؛ قال الخرقيُّ: تجبر (٣) على القبول. وقال القاضي: يسقط حقُّه إلى القيمة (٤). فليست المسألة على قوله ممَّا نحن فيه. فإن قيل: هذه المسألة والَّتي قبلها (٥) يتملَّك فيهما (٦) الغراس والبناء مع الأرض؛ فلا يكون (٧) من صور مسائل القاعدة. قيل: بل هما منها؛ فإنَّ الشَّفيع إنَّما استحقَّ انتزاع بناء المشتري وغراسه؛ لأنَّه أحدثه في حال تعلُّق حقِّه به؛ فكأنَّه قد أحدثه في ملكه. وكذلك الزَّوجة؛ لأنَّها قبل الدُّخول لم يستقرَّ لها الملك على النِّصف؛ لتعرُّضه لعوده إلى الزَّوج باختياره تارة وبغيره أخرى. وفي انتقال ملك النِّصف إليها خلاف مشهور؛ فلذلك (٨) استحقَّ

стр. 569

الزَّوج تملُّكه. ومنها: القابض بعقد فاسد من المالك إذا غرس وبنى؛ فللمالك تملُّكه بالقيمة، كغراس المستعير، ولا يقلع إلَّا مضموناً؛ لاستناده إلى الإذن، ذكره القاضي وابن عقيل. ومنها: غرس المشتري من الغاصب إذا لم يعلم بالحال، والمنصوص عن أحمد (١): أنَّه يتملَّك بالقيمة ولا يقلع مجَّاناً، نقله عنه حرب ويعقوب بن بختان في رجل باع أرضاً من رجل، فعمل فيها وغرس، ثمَّ استحقَّها آخر، قال: يردُّ عليه قيمة الغراس (٢) أو نفقته، ليس هذا مثل من غرس في أرض غيره. وكذلك نقل محمَّد بن أبي حرب الجرجرائيُّ عن أحمد فيمن اشترى أرضاً، فغرس فيها وعمل، ثمَّ استحقَّها آخر: أنَّه يردُّ عليه قيمة الغراس يوم يستحقُّ، ليس هذا مثل الغرس في أرض غيره (٣) فيقلع غرسه. وحمل القاضي هذه النُّصوص على أنَّ له القيمة على من غرَّه (٤) كما في المغرور بنكاح أمة؛ قال: فأمَّا المستحِقُّ للأرض؛ فلا ضمان عليه؛ لأنَّه لم يحصل منه إذن في ذلك.

стр. 570

وهذا مخالف لمدلول هذه النُّصوص على ما لا يخفى، وكونه لم يحصل منه إذن لا ينفي كون الغراس محترماً، كما نقول فيمن حمل السَّيلُ إلى أرضه نَوًى، فنبت شجراً: إنَّه كغراس المستعير على أحد الوجهين، لا يقلع مجَّاناً؛ لعدم التَّعدي في غرسه، وهو اختياره؛ أعني: القاضي، وأقرَّها القاضي في موضع آخر من «خلافه» رواية، وكذلك صاحب «المحرر». ولكن الَّذي ذكره ابن أبي موسى والقاضي في «المجرد» وتبعه عليه المتأخرون: أنَّ للمالك قلعه مجاناً، ويرجع المشتري بالنَّقص على من غرَّه. والصَّحيح الأوَّل، ولا يثبت عن أحمد سواه، وهو قول اللَّيث ومالك وأبي عبيد، وبه قضى عمر بن الخطاب (١) وعمر بن عبد العزيز (٢)

стр. 571

رضي الله عنهما؛ لكنَّ عمر بن الخطاب خيَّر صاحب الأرض بين أن يعطي الغارس قيمة غرسه أو يدفع (١) الغارس إليه قيمة أرضه. وكذلك قضى عمر بن عبد العزيز؛ لكنَّه إنَّما قضى بدفع قيمة الأرض إلى المالك عند عجزه عن دفع قيمة الغراس. وقد ذكر هذه الآثار أبو عبيد في كتاب «الأموال»، والخلَّال في كتاب القرعة من «الجامع». ومنها: غراس الغاصب وبناؤه، والمشهور عن أحمد: أنَّ للمالك قلعه مجَّاناً، وعليه الأصحاب. وعنه رواية ثانية: لا يقلع، بل يتملَّك بالقيمة أيضاً، وممَّن حكاها القاضي وابن عقيل في «كتاب الرِّوايتين» لهما، وخرَّجاها في «خلافيهما» من مسألة الصِّبغ، ونصَّ عليها أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه فيمن غصب أرضاً أو داراً وبنى فيها؛ قال: يعجبني أن يَغرم البناء ويُعطِي؛ لأنَّه إن أخذ الغاصب بناءه؛ تضرَّرت (٢) الأرض في الخراب والهدم، ويكون أيضاً ذهاب مال الغاصب في الجصِّ والآجرِّ وكلِّ شيء (٣). وفي «مسائل ابن هانئ» (٤) عن أحمد في رجل اكترى أرضاً، يغرس

стр. 572

فيها أشجاراً، واشترط عليه ربُّ الأرض ألَّا يغرس فيها غيرَه، فغرس فيها شجراً -يعني: غير ما اشترطه - وأثمر الشَّجر، وأراد أن يقلع الغرس؛ قال: لا يقلع الشَّجر من الأرض، يضرُّ بهما جميعاً. وعلى هذه الرِّواية؛ فلا يقلع إلَّا مضموناً؛ كغرس المستعير، كذلك حكاها القاضي وابن عقيل؛ فلذلك (١) يملك بالقيمة حيث لم يمكن القلع بدون ضرر (٢). ومنها: إذا بنى الوارث في الأرض الموصى بها. قال ابن أبي موسى: إن كان غير عالم بالوصيَّة؛ فهو محترم يتملَّك (٣) بقيمته غير مقلوع وجهاً واحداً، وإن كان عالماً بالوصيَّة؛ فكذلك، ويتوجَّه أن يقلع بناؤه. ولم يفرِّق بين ما قبل القبول وبعده؛ فإنَّ ظاهر كلامه أنَّ الوصية تملك بالموت من غير قبول، فإنَّه ذكر أنَّ من وصَّى لمن لا يعرف؛ حملت وصيَّته إلى الحاكم؛ ليفرِّقها في أبواب البرِّ، ونصَّ أحمد على ذلك أيضاً.

стр. 573

ولكن ما ذكره من أنَّ الوارث إذا بنى وهو عالم بالوصية أنَّ بناءه لا يقلع، يشكل على ذلك؛ لأنَّه يكون كبناء الغاصب، وأمَّا غير العالم؛ فبناؤه كبناء المشتري من الغاصب على ما سبق. والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور: أنَّ البناء للورثة (١)، ولم يتعرَّض لتملكه عليهم ولا لقلعه، وظاهره أنَّه محترم، وذلك يرجع إلى أنَّ الموصى له يملكه من حين القَبول. أمَّا إن قيل: تملَّكه بالموت، أو يتبيَّن بقبوله ملكُه بالموت؛ فالبناء في الأرض مع العلم بالحال تفريط وعدوان. ومنها: من كان في أرضه نخلة لغيره، فلَحِقَ صاحبَ الأرض ضرر بدخوله؛ قال أحمد في رواية حنبل، وذُكر له الحديث الَّذي ورد في ذلك، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر صاحبها أن يبيع فأبى، فأمره أن يناقل فأبى، فأمره أن يهب فأبى؛ فقال النَّبيُّ ﷺ : «أنت مضارٌّ، اذهب فاقلع نخله». قال أحمد: كلُّ ما كان على هذه الجهة وفيه ضرر؛ يمنع من ذلك، فإن أجاب، وإلَّا جبره السُّلطان، ولا يضرُّ بأخيه إذا كان ذلك (٢) فيه مرفق له. والحديث المشار إليه أخرجه أبو داود في «السُّنن» (٣)، وأورده

стр. 574

الخلال في «الجامع» من وجه آخر. ولا يقال: لم يأمره بضمان النَّقص؛ فيكون كغرس الغاصب؛ فكيف يتملَّك؛ لأنَّا قد قدَّمنا الخلاف في غرس الغاصب. وأيضاً؛ فالأمر بالقلع هنا إنما كان عند الإصرار على المضارَّة والامتناع من قبول ما يدفع ضرر المالك، ولهذا قال أصحابنا في المستعير: إذا امتنع المعير من الضَّمان مطلقاً، فطلب قيمة البناء أو الغراس (١)؛ أجيب إلى ذلك، وإن طلب القلع وضمان النَّقص؛ لم يُجَب. ومن ذلك: إذا اشترى حيواناً يؤكل واستثنى رأسه أو أطرافه؛ فإنَّه يصحُّ، وإذا امتنع المشتري من الذَّبح؛ لم يجبر، وكان له قيمة المستثنى، نصَّ عليه. ومن ذلك: من ملك ثوباً فصبغه، ثمَّ زال ملكه عنه بفسخ؛ هل يملك من عاد إليه الملك تَملُّك الصِّبغ بالقيمة أم لا؟ قال الأصحاب في بائع المفلس إذا رجع (٢) إليه الثَّوب وفيه صِبغ: إنَّ له تملُّكه بالقيمة؛ لأنَّه معدٌّ للبيع ولا بدَّ؛ فيكون البائع أولى به؛ لاتصاله بملكه. وأمَّا إن رجع إليه بفسخ بعيب؛ فالمشهور: أنَّه لا يملك تملُّكه قهراً. وخرَّج ابن عقيل وجهاً آخر: أنَّه يتملَّكه بالقيمة من مسألة الخرقيِّ في الصَّداق، حيث قال: له تملُّك الصبغ بقيمته.

стр. 575

ونقل حنبل عن أحمد: أنَّ المشتري يردُّ المعيب على البائع ويأخذ منه قيمة الصِّبغ، وهذا يشعر بإجبار البائع على دفع قيمته. وأمَّا الغاصب إذا صبغ الثَّوب؛ فهل للمالك تملُّك (١) الصِّبغ بقيمته قهراً أم لا؟ فيه وجهان. واختيار القاضي وابن عقيل: عدمه. وصحَّح بعض الأصحاب خلافه؛ لأنَّ المشهور: أنَّه لا يملك قلعه، ويملكه على وجه مضموناً، بخلاف البناء والغراس؛ فلا يتخلَّص من الضَّرر بدون تملُّكه. فأمَّا الآثار الَّتي تقع بها الشركة، كضرب الحديد مساميرَ ونجر الخشب أبواباً؛ فإن كان ذلك من الغاصب؛ فنصَّ أحمد في رواية ابن الحكم على أنَّ المالك يدفع إليه قيمة الزِّيادة، ويتملَّكه عليه. وكذلك قال ابن أبي موسى والشِّيرازيُّ، لكنَّهما جعلا المردود نفقة العمل دون القيمة (٢).

стр. 576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 577

قاعدة [٧٨] من أدخل النَّقص على ملك غيره لاستصلاح ملكه وتخليصه من ملك غيره: (١) فإن لم يكن ممَّن دخل النَّقص عليه تفريطٌ بإشغال (٢) ملكه بملك غيره؛ فالضَّمان على من أدخل النَّقص. (٣) وإن كان منه تفريطٌ؛ فلا ضمان على من أدخل النَّقص. (٤) وكذا إن وجد ممَّن دخل النَّقص عليه إذنٌ في تفريغ ملكه من ملك غيره (٥)؛ حيث لا يجبر الآخر على التَّفريغ. (٦) وإن وجد منه إذنٌ في إشغال ملكه بمال غيره، حيث لا يجبر الآخر على التَّفريغ؛ فوجهان.

стр. 578

ويتفرَّع على ذلك مسائل كثيرة: منها: لو باع داراً فيها ناقة لم تخرج من الباب إلَّا بهدمه؛ فإنَّه يهدم، ويضمن المشتري (١) النَّقص. ومنها: لو اشترى أرضاً فيها زرع للبائع، فحصده، فإن لم يبق (٢) له عروق أو كانت لا تضرُّ؛ فليس عليه نقلها، وإن كانت تضرُّ عروقه بالأرض؛ كالقطن والذُّرة؛ فعليه (٣) النَّقل وتسوية الحفر، ذكره القاضي وابن عقيل.

стр. 579

ومنها (١): لو دخل حيوانُ غيرِه دارَه وتعذَّر إخراجه بدون هدم بعضها، أو أدخَلَت بهيمةُ غيرِه رأسها في قدره، أو وقع دينارُ غيرِه في محبرته، وتعذَّر إخراجه بدون الكسر؛ ولم يكن ذلك بتفريط أحد، فهدمت الدَّار وكسرت القدر أو المحبرة؛ فالضَّمان على صاحب الحيوان والدِّينار. ومنها (٢): ما (٣) لو حمل السَّيل إلى أرضه غرس غيره، فنبت فيها، فقلعه مالكه؛ فعليه تسوية حفره. ومنها: لو اشترى أرضاً فغرسها، ثم أفلس ورجع بها (٤) البائع، واختار المفلس والغرماء القلع؛ فعليهم تسوية الحفر وضمان أرش النَّقص؛ لأنَّه نقص حصل بفعلهم في ملك البائع لتخليص ملكهم منه. ومنها (٥): لو غصب فصيلاً وأدخله داره، وكبر وتعذَّر إخراجه بدون هدمها؛ فإنَّها تهدم من غير ضمان؛ لتفريطه. وكذا إذا غصب غراساً وغرسه في أرضه؛ فإنَّه يقلع ولا يضمن حفره.

стр. 580

ومنها (١): لو غصب ثوباً فصبغه، ثمَّ طلب قلع صِبغه - وقلنا: يملكه -؛ فعليه ضمان نقص الثَّوب بذلك، كما لو غرس الأرض الَّتي غصبها ثمَّ قلع غرسه. ومنها (٢): لو أعاره أرضاً للغرس، ثم أخذ غرسه منها، فإن كان قد شرط عليه القلع؛ فلا يلزمه ضمان النَّقص بذلك ولا تسوية الحفر؛ لأنَّ المالك رضي بذلك باشتراطه له. وإن لم يشترط القلع؛ فوجهان (٣): أحدهما: لا يلزمه أيضاً، قاله القاضي وابن عقيل؛ لأنَّ الإعارة مع العلم بجواز القلع رضًا بما ينشأ عنه من الحفر. والثَّاني: يلزمه ذلك (٤)، وبه جزم صاحب «الكافي»؛ لأنَّه قلع باختياره، حيث لا يجبر عليه، فقد أدخل النَّقص على ملك غيره لاستصلاح ماله. وعلى هذا؛ فلو طلب منه المالك القلع وبذل له أرش النَّقص؛ فينبغي ألَّا يَلزمَه التَّسوية؛ لأنَّ القلع بأمر المالك، مع أنَّ كلام ابن عقيل وغيره يشعر بخلاف ذلك. فأمَّا الإعارة للزَّرع إذا كانت عروقه الباقية تضرُّ بالأرض؛ فقد

стр. 581

يقال (١): يجب نقلها وتسوية الحفر؛ لأنَّ الزَّرع يجبر على تفريغ الأرض منه، بخلاف الغرس (٢). وقد يقال: لا يجب؛ لأنَّ الإذن فيه مع العلم بأنَّه لا يبقى رضًا بما ينشأ من قلعه المعتاد. ومنها: إذا آجره أرضاً للغراس وانقضت المدَّة؛ فإن كان القلع مشروطاً عند انقضائها؛ فلا ضمان (٣)، وإن لم يكن مشروطاً؛ ففيه الوجهان أيضاً. ولم يحك صاحب «الكافي» في الضَّمان خلافاً. وكذلك هو ظاهر كلام القاضي في «المجرد»، وعلَّل: بأنَّه قلع غرسه من أرض غيره الَّتي لا يد له عليها بغير أمره. وجزم صاحب «التلخيص» بعدم الضَّمان، ولم يذكر فيه خلافاً، وعلَّل: بأنَّ المالك دخل على ذلك. ومنها: إذا غرس المشتري في الأرض ثمَّ انتزعها الشَّفيع، فقلع المشتري غرسه؛ ففيه وجهان: أحدهما: عليه تسوية الحفر وضمان النقص، وهو ظاهر كلام الخرقيِّ؛ لأنَّه فعله في ملك غيره؛ لتخليص ملكه.

стр. 582

والثَّاني: لا يلزمه (١) ذلك، ذكره القاضي، وبه جزم في «الكافي» معلِّلاً بانتفاء عدوانه، مع أنَّه جزم في باب العارية (٢) بخلافه. والقاضي إنَّما علَّل بأنَّه نزع ملك نفسه من ملك نفسه، وهذا إنَّما يكون إذا قلع قبل تملُّك الشَّفيع لا بعده.

стр. 583

قاعدة [٧٩] الزَّرع النَّابت في أرض الغير بغير إذنٍ صحيحٍ أقسام: القسم الأوَّل: أن يزرع عدواناً محضاً، غير مستند إلى إذن بالكليَّة، وهو زرع الغاصب؛ فالمذهب: أنَّ المالك إن أدركه نابتاً (١) في الأرض؛ فله تملُّكه بنفقته أو بقيمته على اختلاف الرِّوايتين. وإن أدركه قد حُصد؛ فلا حقَّ له فيه. ونقل حرب عن أحمد: أنَّ له تملُّكه أيضاً. ووهَّم أبو حفص العكبريُّ ناقلها، على أنَّ من الأصحاب من رجَّحها بناء على أنَّ الزَّرع نبت على ملك مالك الأرض ابتداءً، والمعروف في المذهب خلافه. والمعتمد عند الأصحاب في المسألة هو حديث رافع بن خديج (٢). وقد احتجَّ به أحمد تارة، وقال تارة: ما أراه محفوظاً، وذكر فيه

стр. 584

حديثاً آخر مرسلاً من مراسيل الحسن بن محمَّد بن الحنفية (١)، وقال: (هو شيء لا يوافق القياس) (٢)، وفرَّق بين زرع الغاصب وغرسه حيث يقلع غرسه؛ كما دلَّ عليه قوله: «لَيْسَ لِعرقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٣)؛ بأنَّ الزَّرع يتلف بالقلع؛ فقلعه فساد، بخلاف الغرس. ومن الأصحاب من قرر موافقته للقياس: بأنَّ المتولِّد بين أبوين مملوكين من الآدميين يكون ملكاً لمالك الأمِّ دون مالك الأب بالاتفاق، مع كونه مخلوقاً من مائهما، وبطون الأمَّهات بمنزلة الأرض، وماء الفحول بمنزلة البذر، ولهذا سمَّى الله تعالى النِّساء: حرثاً، ولعن النَّبيُّ ﷺ من سقى ماءه زرعَ غيره (٤)؛ فجعل الولد زرعاً، وهو لمالك أمِّه.

стр. 585

وسرُّ ذلك: أنَّ الحيوان ينعقد من الماءين، ثمَّ يغتذي من دم المرأة؛ فأكثر أجزائه مخلوقة من الأمِّ، كذلك البذر ينحلُّ في الأرض، وينعقد الزَّرع من التُّربة والحبَّة، ثمَّ يغتذي من الأرض ومائها وهوائها؛ فيصير أكثر أجزائه من الأرض. وإنَّما خُيِّر مالك الأرض بين تملكه وبين أخذ الأجرة؛ لأنَّه قابل لاستيفائه (١) بعقد الإجارة، بخلاف الإيلاد، وجُبِر حقُّ صاحب البذر بإعطائه قيمة بذره ونفقة عمله حيث كان متقوِّماً، بخلاف ما يخلق منه الولد؛ فإنَّه لا قيمة له؛ فلذلك لم يجب لأحد الأبوين شيء. وهذا مطَّرد في جميع المتولِّدات بين شيئين؛ في الحيوان والنَّبات والمعدن؛ حتَّى لو ألقى رجل في أرض رجل شيئاً ممَّا يُنبت المعادن؛ لكان الخارج منه لربِّ الأرض كالنِّتاج والزَّرع. وهذه الطَّريقة سلكها القاضي في «خلافه» وابن عقيل والشَّيخ تقي الدين (٢)، وهذا ملخَّصٌ من كلامه. القسم الثَّاني: أن يؤذن له في زرع شيء، فيزرع (٣) ما ضرره أعظم منه؛ كمن استأجر لزرع شعير فزرع ذرة أو دُخْناً؛ فحكمه حكم الغاصب عند الأصحاب؛ لتعدِّيه بزرعه، فإنَّه غير مستند إلى إذن. والمنصوص عن أحمد في رواية عبد الله: أنَّ عليه ضمان أجرة

стр. 586

المثل للزِّيادة (١)، ولم يذكر تملُّكاً؛ فإنَّ هذا الزَّرع بعضه مأذون فيه وهو قدر ضرر الزَّرع المستأجر له، والزِّيادة عليه غير مأذون فيها، وهي غير متميِّزة؛ فكيف يتملَّك المُؤْجِرُ الزَّرع كلَّه؟! وقد ينبني ذلك على اختلاف الوجهين في قدر الواجب من الأجرة؛ هل هو الأجرة المسمَّاة مع تفاوت ما بين الأجرتين من أجرة المثل، أم الواجب أجرة المثل للجميع حيث تمحَّض عدواناً؟ والمنصوص الأوَّل، وهو قول الخرقيِّ والقاضي. والثَّاني اختيار ابن عقيل، وحكاه القاضي عن أبي بكر، وكلامه في «التَّنبيه» يوافق الوجه الأوَّل. فعلى الوجه الأوَّل: لا يتوجَّه أن يتملَّك المُؤْجِر الزَّرع كلَّه. وعلى الثَّاني: يتوجَّه ذلك. فكيف جزم القاضي بتملُّكه مع اختياره الوجه الأوَّل في الضَّمان؟! ولو استأجر للزَّرع مدَّة معيَّنة، فزرع فيها ما لا يتناهى في تلك المدَّة، ثمَّ انقضت؛ فقال الأصحاب: حكمه بعد انقضاء المدَّة حكم

стр. 587

زرع الغاصب للعدوان. ثمَّ إنَّ القاضي وابن عقيل قالا: عليه تفريغ الأرض بعد المدَّة. وليس بجار على قواعد المذهب، وإنَّما المالك مخيَّر بين تملُّكه وتركه بالأجرة، فأمَّا القلع؛ فلا. القسم الثَّالث: أن يزرع بعقد فاسد ممَّن له ولاية العقد؛ كالمالك والوكيل والوصي والنَّاظر، إمَّا بمزارعة فاسدة أو بإجارة فاسدة؛ فقال الأصحاب: الزَّرعُ لمن زرعه، وعليه لربِّ الأرض أجرة مثله. وذكر القاضي في «خلافه»: أنَّ أحمد نصَّ عليه في رواية حرب في البيع الفاسد، وإنَّما رواية حرب في الغرس. وذكره الخرقيُّ أيضاً في المزارعة الفاسدة؛ لأنَّ الزَّرع هنا استند إلى إذنِ مَن له الإذن؛ فلا يكون عدواناً. ويحتمل على هذا: التَّفريق بين إذن المالك ومن يتصرَّف لغيره بطريق المصلحة كالوصيِّ؛ فلا يعتبر (١) إذنه؛ لانتفاء المصلحة في العقد الفاسد. ويحتمل أيضاً: التَّفريق بين عقود الملك كالبيع، وعقود التَّصرُّف بالإذن كالمزارعة؛ لأنَّ عقود الملك وقع العقد فيها على الملك دون الإذن، ولهذا لم يصح (٢) تصرُّف المشتري في العقد الفاسد، بخلاف عقود التَّصرُّف؛ فإنَّ الإذن موجود في صحيحها وفاسدها، ولذلك صحَّحنا التَّصرُّف في فاسدها.

стр. 588

وقد ورد في ذلك حديث مرسل من طريق الأوزاعيِّ، عن واصل بن أبي جَميل، عن مجاهد: «أنَّ أربعة اشتركوا في زرع على عهد رسول الله ﷺ ، فقال أحدهم: قبلي الأرض، وقال الآخر: قِبَلي الفدن، وقال الآخر: قِبَلي البذر، وقال الآخر: عليَّ العمل، فلمَّا استُحْصد الزَّرع؛ تَفَاتَوْا فيه (١) إلى رسول الله ﷺ ، فجعل الزَّرع لصاحب البذر، وألغى صاحب الأرض، وجعل لصاحب العمل درهماً كلَّ يوم، وجعل لصاحب الفدَّان شيئاً معلوماً» (٢). وقد أنكر أحمد هذا الحديث، قال في رواية ابن القاسم: (لا يصحُّ، والعمل على غيره) (٣)، وقال أبو داود: سمعت أحمد يذكر (٤) هذا الحديث، فقال: (هو منكر؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ جعل الزَّرع لصاحب الأرض، وفي هذا الحديث جعل الزَّرع لصاحب البذر) (٥). وهذا الكلام يدلُّ على أنَّ العمل عند الإمام أحمد على أن يكون الزَّرع لصاحب الأرض في الإجارة الفاسدة والمزارعة الفاسدة. وقال في رواية إبراهيم بن الحارث: الحديث حديث أبي جعفر الخطميِّ. يشير إلى ما رواه أبو جعفر عن سعيد بن المسيِّب؛ قال: كان ابن

стр. 589

عمر لا يرى بها - يعني: المزارعة- بأساً؛ حتَّى بلغه عن رافع بن خديج حديث، فلقيه، فقال رافع: أتى النَّبيُّ ﷺ بني حارثة، فرأى زرعاً، فقال: «ما أحسن زرع ظُهير؛ أليس أرض ظُهير»؟ قالوا: بلى، ولكنَّه أزرعها، فقال النَّبيُّ ﷺ : «خذوا زرعكم، ورُدُّوا عليه نفقته»، أخرجه أبو داود والنَّسائيُّ (١). ولأبي داود معناه من حديث عبد الرَّحمن بن أبي أنعم (٢) عن رافع بن خديج (٣). وللدَّارقطنيِّ نحوه من حديث عائشة (٤)، ولابن عديٍّ معناه من حديث جابر (٥)، وفيهما ضعف. وكلُّ هذه واردة في المزارعة الفاسدة لا في الغصب. وقد رجَّح الإمام أحمد حديث أبي جعفر على حديث أبي إسحاق عن عطاء عن رافع بن خديج، فيمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم، وقال: (الحديث حديث أبي جعفر)، وقال في رواية أبي داود: (أبو إسحاق زاد

стр. 590

فيه: زرع بغير إذنه، وليس غيره يذكر هذا الحرف) (١) (٢). فقد بيَّن (٣) أنَّ التَّملُّك بالنفقة إنما يثبت عنده في المزارعة الفاسدة لا في الغصب؛ فكيف لا يكون مذهبه في المزارعة الفاسدة: أن يتملَّك الزرع فيها مع ثبوت الحديث فيها بخصوصيتها دون الغصب؟! لا سيَّما وقد أنكر حديث جعل الزَّرع لربِّ البذر، وصرَّح بأنَّ العمل على غيره. وقد خرَّج الشَّيخ تقي الدين وجهاً في المزارعة الفاسدة: أنَّها تملك بالنفقة من زرع الغاصب (٤). وقد رأيت أنَّ كلام أحمد إنما يدل عليه لا على خلافه. القسم الرَّابع: أن يزرع في أرض غيره بعقد ممَّن يظنُّ أنَّ له ولاية العقد، ثمَّ يتبين (٥) بخلافه، مثل أن يتبيَّن أنَّ الأرض (٦) مستحقَّة للغير: فالمنصوص: أنَّ لمالك الأرض تملُّكه بالنَّفقة أيضاً، نقله عنه الأثرم وإبراهيم بن الحارث ومهنَّى. وهذا متوجِّه على قول القاضي ومن وافقه: إنَّ غرسه وبناءه كغرس الغاصب وبنائه.

стр. 591

فأمَّا على المنصوص هناك أنَّ بناءه وغراسه محترم؛ كغرس المستعير والمستأجر وبنائهما؛ فيتوجَّه أن يكون الزَّرع لمالكه وعليه الأجرة، ويرجع بها على الغاصب لتغريره. وبمثل ذلك أفتى الشَّيخ تقيُّ الدِّين (١)؛ لكنَّه جعل الزَّرع بين المالك والزَّارع نصفين؛ بناء على أصله في اتِّجار الغاصب بالمال أنَّ الربح بينه وبين المالك. وطَرْدُه: أن يكون زرع الغاصب كذلك، ولكن لا يُعلم (٢) به قائلٌ. ثمَّ وجدنا ابن أبي ليلى يقول بذلك في زرع الغاصب وفي أجرة ما بناه في الأرض المغصوبة، وقد وافقه أحمد على أجرة البناء خاصَّة. ويشهد لهذا الوجه: أنَّ الزَّرع النَّابت في أرض الغير ممَّا حمله السَّيل لمالكه مبقًى بالأجرة؛ لحصوله من غير عدوان ولا تفريط؛ وإن كان الإذن منتفياً، وههنا مثله. ويحتمل أن يتملَّكه مالك الأرض أيضاً؛ كالمزروع بعقد فاسد على ما دلَّ عليه كلام أحمد، وليس الامتناع من قلع الغرس مجاناً منافياً لتملُّك الزرع، فإنَّ المانع من القلع إدخال الضَّرر على مالك الغراس بالنَّقص، وهو معذور؛ لغروره، وقد يتعذَّر عليه الرُّجوع على الغاصب، والمقتضي لتملُّك الزَّرع هو انتفاء الإذن الصَّحيح، وهو موجود هنا (٣)، ولهذا يتملَّك غراسه وإن قيل باحترامه.

стр. 592

القسم الخامس: أن يزرع في أرضٍ بملكه لها أو بإذن مالكها، ثمَّ ينتقل ملكها إلى غيره والزَّرع قائم فيها، وهو نوعان: أحدهما: أن ينتقل ملك الأرض دون منفعتها المشغولة بالزَّرع في بقيَّة مدَّته؛ فالزَّرع لمالكه ولا أجرة عليه بسبب تجدُّد الملك بغير إشكال. ويدخل تحت هذا: من استأجر أرضاً من مالكها وزرعها، ثمَّ مات المؤْجِر وانتقلت إلى ورثته. ومن اشترى أرضاً فزرعها ثمَّ أفلس، فإنَّ للبائع الرجوع في الأرض، والزرع للمفلس (١). ومن أصدق امرأته أرضاً فزرعتها (٢)، ثمَّ طلَّقها قبل الدخول والزرع قائم - وقلنا: له الرجوع (٣) -؛ فإنَّ الزَّرع مبقًى بغير أجرة (٤).

стр. 593

وكذلك حكم من زرع (١) في أرض يملكها، ثمَّ انتقلت إلى غيره ببيع أو غيره: يكون الزَّرع مبقًى فيها بغير أجرة إلى أوان أخذه. والنَّوع الثَّاني: أن تنتقل الأرض بجميع منافعها عن ملك الأوَّل إلى غيره. ومن أمثلة ذلك: الوقف إذا زرع فيه أهل البطن الأوَّل أو من آجروه، ثمَّ انتقل إلى البطن الثَّاني والزَّرع قائم: فإن قيل: إنَّ الإجارة لا تنفسخ وللبطن الثَّاني حصَّتهم من الأجرة؛ فالزَّرع مبقًى لمالكه بالأجرة السَّابقة. وإن قيل: بالانفساخ - وهو المذهب الصَّحيح -؛ فهو كزرع المستأجر بعد انقضاء المدَّة إذا كان بقاؤه بغير تفريط من المستأجر (٢)؛ فيبقى بالأجرة إلى أوان أخذه. وقد نصَّ عليه أحمد في رواية مهنَّى في مسألة الإجارة المنقضية. وأفتى به في الوقف الشَّيخ تقي الدين، وأفتى مرَّة أخرى بأنه يجعل مزارعة بين الزَّارع وربِّ الأرض؛ لنموه من أرض أحدهما وبَذْر الآخر، وكذلك أفتى في الأقطاع المزروعة إذا انتقلت إلى مُقْطَع آخر والزَّرع قائم فيها (٣).

стр. 594

ومنها: الشَّفيع إذا انتزع الأرض وفيها زرع للمشتري؛ فهو محترم، وهل يستحقُّ أجرة المثل على المشتري؟ على وجهين: أحدهما: لا يستحقُّ شيئاً، وهو المذكور في «المغني» و «التَّلخيص». وقال أبو البركات في «تعليقه على الهداية»: هو أصحُّ الوجهين لأصحابنا؛ إلحاقاً له ببيع الأرض المزروعة؛ فإنَّ الأخذ بالشُّفعة نوعُ بيعٍ قهريٍّ. والثَّاني: أنَّ (١) له الأجرة من حين أخذه، ذكره أبو الخطاب في «انتصاره»، وهو أظهر؛ لأنَّ حقَّ الشفيع في العين والمنفعة جميعاً؛ لوقوع العقد عليهما، وفي ترك الزرع مجاناً تفويتٌ لحقِّه من المنفعة بغير عوض؛ فلا يجوز (٢). القسم السَّادس: احتمل السَّيل بذر إنسان إلى أرض غيره، فنبت فيها، فهل يلحق بزرع الغاصب؛ لانتفاء الإذن من المالك؛ فيتملَّكه بقيمته، أو بزرع المستعير أو المستأجر بعد انقضاء المدَّة؛ لانتفاء العدوان من صاحب البذر؟ على وجهين.

стр. 595

أشهرهما: أنَّه كزرع المستعير، وهو اختيار القاضي وابنه أبي الحسين وابن عقيل، وذكره أبو الخطاب عن أحمد. لكن هل يترك في الأرض مجاناً أو (١) بأجرة؟ على وجهين: أحدهما: يترك مجاناً، قاله القاضي وابن عقيل؛ لأنَّه وإن انتفى عنه إذن المالك؛ فقد انتفى عنه فعل الزَّارع؛ فيتقابلان، ولأنَّه حصل في الأرض بغير تفريط؛ فهو كالقائم في الأرض المبيعة. والثَّاني: له الأجرة، وذكره أبو الخطاب عن أحمد؛ لأنَّه زرع حصل ابتداؤه في أرض الغير بغير إذنه (٢)؛ فأوجب الأجرة كالمشتري من الغاصب وهو لا يعلم. القسم السَّابع: من زرع في أرض غيره بإذن غير لازم- كالإعارة (٣) -، ثمَّ رجع المالك؛ فالزَّرع مبقًى لمن زرعه إلى أوان أخذه (٤) بغير خلاف. لكن هل تجب عليه الأجرة من حين الرُّجوع أم لا؟ على وجهين: أشهرهما: الوجوب، وهو قول القاضي وأصحابه.

стр. 596

والثَّاني: انتفاؤه؛ لأنَّه دخل على الانتفاع بغير عوض، وهو اختيار صاحب «المحرَّر»، وظاهرُ كلام أحمد في رواية صالح يشهد له (١). القسم الثَّامن: من زرع في ملكه الَّذي مُنع من التصرف فيه لحقِّ غيره؛ كالرَّاهن والمؤْجِر، وكان ذلك يضرُّ بالمستأجر وبالمرتهن؛ لتنقيصه قيمة الأرض عند حلول الدَّين؛ فهو كزرع الغاصب، وكذلك غراسه وبناؤه؛ فيقلع الجميع، ذكره القاضي في «خلافه». وإنَّما يقلع (٢) الزَّرع هنا؛ لأنَّ مالك الأرض هو الزَّارع، والمتعلِّق حقُّه بها لا يمكنه تملُّكه؛ لعدم ملكه، فيتعيَّن (٣) القلع، وفيه نظرٌ. أمَّا في الرَّهن؛ فيمكن أن يقال: إنَّ نقص الأرض ينجبر برهنيَّة الزَّرع؛ فإنَّه من جملة نماء الأرض، فيدخل في الرَّهن، فلا يجوز قلعه لذلك، مع ما فيه من إتلاف مال الرَّاهن. وقد صرَّح القاضي في «المجرد»، وابن عقيل في «الفصول»: بأنَّ الغراس الحادث في الأرض المرهونة بنفسه أو بفعل الرَّاهن يكون رهناً (٤)؛ لأنَّه من نمائها، والزَّرع مثله. ولو قيل: إنَّه لا يدخل في الرَّهن؛ فيجوز أن يؤخذ من الرَّاهن أجرةُ مثله، أو ما نقص من قيمة الأرض بسببه ويجعل رهناً.

стр. 597

وقد وقع في كلام أحمد في رواية ابن منصور، وفي كلام ابن أبي موسى: ما يدلُّ على (١) جواز انتفاع الرَّاهن بالرَّهن بإذن المرتهن، ويؤخذ منه الأجرة وتجعل رهناً (٢)، وهذا في معناه. وأمَّا المستأجر ولا سيَّما إن كان استأجر للزَّرع؛ فيجوز أن يقال: له تملُّك الزَّرع بنفقته؛ إذ هو مالك المنفعة، كما يقال مثله في الزَّرع في أرض الوقف: إنَّ الموقوف عليه يتملَّكه بالنَّفقة؛ لملكه منفعة الأرض. ويحتمل تخريج ذلك على الوجهين في تملُّك الموقوف عليه للشُّفعة بشركة الوقف، على طريقة من علَّل ثبوتَ الشُّفعة بكونه مالكاً، وانتفاءَها بقصور ملكه؛ فكذلك هنا. كذا القول في تملُّكه للغراس (٣) والبناء. وعلى هذا يتخرَّج ما (٤) لو غُصبت الأرض الموصى بمنافعها أو

стр. 598

المستأجرة وزُرع فيها؛ فهل يملك الزَّرع (١) مالك الرَّقبة أو مالك المنفعة؟

стр. 599

قاعدة [٨٠] ما يتكرَّر حمله من أصول البقول والخضراوات؛ هل هو ملحق بالزرع أو بالشجر؟ فيه وجهان . وينبني على ذلك مسائل: منها: هل يجوز بيع هذه الأصول مفردة أم لا؟ إن ألحقناها بالشَّجر لتكرُّر حملها؛ جاز، وبه صرَّح القاضي وابن عقيل في موضع. وفرَّقا في موضع آخر بين ما يتباقى منها سنين كالقطن الحجازيِّ؛ فيجوز بيع (١) أصوله، وما لا يتباقى إلَّا سنة ونحوها (٢)؛ فلا يجوز بيعه إلَّا بشرط القطع؛ إلَّا أن يباع مع الأرض كالزَّرع. ورجَّح صاحب «التلخيص»: أنَّ المقاثي ونحوها لا يجوز بيعها إلَّا بشرط القطع؛ فإنَّها مع أصولها معرَّضة للآفات كالزَّرع، وهو مقتضى كلام الخرقيِّ وابن أبي موسى. ومنها: إذا باع (٣) الأرض وفيها هذه الأصول، فإن قلنا: هي

стр. 600

كالشَّجر؛ انبنى على أنَّ الشَّجر هل يدخل في بيع الأرض مع الإطلاق أم لا؟ وفيه وجهان. وإن قلنا: هي كالزَّرع؛ لم تدخل في البيع وجهاً واحداً. وللأصحاب في المسألة طريقتان (١): إحداهما: أنَّ حكمها حكم الشَّجر في تبعيَّة الأرض، وهي طريقة ابن عقيل وصاحب «المحرر». والثَّانية: أنَّها تتبع وجهاً واحداً، بخلاف الشَّجر؛ لأنَّ تبقيتها في الأرض معتادٌ، ولا يقصد نقلها وتحويلها؛ فهي كالمنبوذات، وهي طريقة أبي الخطَّاب، وصاحب «المغني». وعلى ما قررناه أولاً يخرَّج فيها طريقة ثالثة: أنَّها لا تتبع وجهاً واحداً؛ كالزَّرع (٢). ومنها: إذا غصب أرضاً، فزرع فيها ما يتكرَّر حمله، فإن قيل: هو كالشَّجر؛ فللمالك قلعه مجاناً، وإن قيل: هو كالزَّرع؛ فللمالك تملُّكه بالقيمة، وفي المسألة وجهان مذكوران في «المغني». ومنها: لو اشترى لَقَطة ظاهرة من هذه الأصول، فتلفت بجائحة قبل القطع، فإن قيل: حكمها حكم ثمر الشَّجر؛ تلفت من ضمان البائع. وإن قيل: هي كالزَّرع؛ خُرجِّت على الوجهين في إجاحة الزُّروع. ومنها: لو ساقى على هذه الأصول، فإن قيل: هي كالشَّجر؛
следующие страницы →