← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والثَّاني: انتفاؤه؛ لأنَّه دخل على الانتفاع بغير عوض، وهو اختيار صاحب «المحرَّر»، وظاهرُ كلام أحمد في رواية صالح يشهد له (١). القسم الثَّامن: من زرع في ملكه الَّذي مُنع من التصرف فيه لحقِّ غيره؛ كالرَّاهن والمؤْجِر، وكان ذلك يضرُّ بالمستأجر وبالمرتهن؛ لتنقيصه قيمة الأرض عند حلول الدَّين؛ فهو كزرع الغاصب، وكذلك غراسه وبناؤه؛ فيقلع الجميع، ذكره القاضي في «خلافه». وإنَّما يقلع (٢) الزَّرع هنا؛ لأنَّ مالك الأرض هو الزَّارع، والمتعلِّق حقُّه بها لا يمكنه تملُّكه؛ لعدم ملكه، فيتعيَّن (٣) القلع، وفيه نظرٌ. أمَّا في الرَّهن؛ فيمكن أن يقال: إنَّ نقص الأرض ينجبر برهنيَّة الزَّرع؛ فإنَّه من جملة نماء الأرض، فيدخل في الرَّهن، فلا يجوز قلعه لذلك، مع ما فيه من إتلاف مال الرَّاهن. وقد صرَّح القاضي في «المجرد»، وابن عقيل في «الفصول»: بأنَّ الغراس الحادث في الأرض المرهونة بنفسه أو بفعل الرَّاهن يكون رهناً (٤)؛ لأنَّه من نمائها، والزَّرع مثله. ولو قيل: إنَّه لا يدخل في الرَّهن؛ فيجوز أن يؤخذ من الرَّاهن أجرةُ مثله، أو ما نقص من قيمة الأرض بسببه ويجعل رهناً.

стр. 597

وقد وقع في كلام أحمد في رواية ابن منصور، وفي كلام ابن أبي موسى: ما يدلُّ على (١) جواز انتفاع الرَّاهن بالرَّهن بإذن المرتهن، ويؤخذ منه الأجرة وتجعل رهناً (٢)، وهذا في معناه. وأمَّا المستأجر ولا سيَّما إن كان استأجر للزَّرع؛ فيجوز أن يقال: له تملُّك الزَّرع بنفقته؛ إذ هو مالك المنفعة، كما يقال مثله في الزَّرع في أرض الوقف: إنَّ الموقوف عليه يتملَّكه بالنَّفقة؛ لملكه منفعة الأرض. ويحتمل تخريج ذلك على الوجهين في تملُّك الموقوف عليه للشُّفعة بشركة الوقف، على طريقة من علَّل ثبوتَ الشُّفعة بكونه مالكاً، وانتفاءَها بقصور ملكه؛ فكذلك هنا. كذا القول في تملُّكه للغراس (٣) والبناء. وعلى هذا يتخرَّج ما (٤) لو غُصبت الأرض الموصى بمنافعها أو

стр. 598

المستأجرة وزُرع فيها؛ فهل يملك الزَّرع (١) مالك الرَّقبة أو مالك المنفعة؟

стр. 599

قاعدة [٨٠] ما يتكرَّر حمله من أصول البقول والخضراوات؛ هل هو ملحق بالزرع أو بالشجر؟ فيه وجهان . وينبني على ذلك مسائل: منها: هل يجوز بيع هذه الأصول مفردة أم لا؟ إن ألحقناها بالشَّجر لتكرُّر حملها؛ جاز، وبه صرَّح القاضي وابن عقيل في موضع. وفرَّقا في موضع آخر بين ما يتباقى منها سنين كالقطن الحجازيِّ؛ فيجوز بيع (١) أصوله، وما لا يتباقى إلَّا سنة ونحوها (٢)؛ فلا يجوز بيعه إلَّا بشرط القطع؛ إلَّا أن يباع مع الأرض كالزَّرع. ورجَّح صاحب «التلخيص»: أنَّ المقاثي ونحوها لا يجوز بيعها إلَّا بشرط القطع؛ فإنَّها مع أصولها معرَّضة للآفات كالزَّرع، وهو مقتضى كلام الخرقيِّ وابن أبي موسى. ومنها: إذا باع (٣) الأرض وفيها هذه الأصول، فإن قلنا: هي

стр. 600

كالشَّجر؛ انبنى على أنَّ الشَّجر هل يدخل في بيع الأرض مع الإطلاق أم لا؟ وفيه وجهان. وإن قلنا: هي كالزَّرع؛ لم تدخل في البيع وجهاً واحداً. وللأصحاب في المسألة طريقتان (١): إحداهما: أنَّ حكمها حكم الشَّجر في تبعيَّة الأرض، وهي طريقة ابن عقيل وصاحب «المحرر». والثَّانية: أنَّها تتبع وجهاً واحداً، بخلاف الشَّجر؛ لأنَّ تبقيتها في الأرض معتادٌ، ولا يقصد نقلها وتحويلها؛ فهي كالمنبوذات، وهي طريقة أبي الخطَّاب، وصاحب «المغني». وعلى ما قررناه أولاً يخرَّج فيها طريقة ثالثة: أنَّها لا تتبع وجهاً واحداً؛ كالزَّرع (٢). ومنها: إذا غصب أرضاً، فزرع فيها ما يتكرَّر حمله، فإن قيل: هو كالشَّجر؛ فللمالك قلعه مجاناً، وإن قيل: هو كالزَّرع؛ فللمالك تملُّكه بالقيمة، وفي المسألة وجهان مذكوران في «المغني». ومنها: لو اشترى لَقَطة ظاهرة من هذه الأصول، فتلفت بجائحة قبل القطع، فإن قيل: حكمها حكم ثمر الشَّجر؛ تلفت من ضمان البائع. وإن قيل: هي كالزَّرع؛ خُرجِّت على الوجهين في إجاحة الزُّروع. ومنها: لو ساقى على هذه الأصول، فإن قيل: هي كالشَّجر؛

стр. 601

صحَّت المساقاة. وإن قيل: هي (١) كالزَّرع؛ فهي مزارعة.

стр. 602

قاعدة [٨١] النَّماء المتَّصل في الأعيان المملوكة العائدة إلى من انتقل الملك عنه بالفسوخ ؛ يتبع الأعيان على ظاهر المذهب عند أصحابنا. والمنصوص عن أحمد: أنَّه لا يتبع، وهو الَّذي ذكره الشِّيرازيُّ في «المبهج»، ولم يحكِ فيه خلافاً، وهو اختيار ابن عقيل، صرَّح به في كتاب الصَّداق، والشَّيخ تقيِّ الدَّين (١). ويتبع الأصل في التَّوثقة والضَّمان على المشهور. ويتخرَّج على ذلك مسائل: منها: المردود بالعيب إذا كان قد زاد زيادة متَّصلة؛ كالسِّمَن وتعليم صناعة؛ فالمشهور عند الأصحاب: أنَّ الزِّيادة للبائع تبعاً لأصلها، ولا يستحقُّ المشتري عليه شيئاً. وصرَّح ابن عقيل: بأن الزيادة للمشتري. وكذلك قال الشِّيرازيُّ، وزاد: أنَّه يرجع على البائع بقيمة النَّماء. وكذلك (٢) ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين، وأخذه من عموم كلام أحمد في رواية أبي طالب: إذا اشترى غنماً فنمت ثمَّ استُحقَّت؛ فالنَّماء له، قال:

стр. 603

وهذا يعمُّ المتَّصل والمنفصل (١). قلت: وقد نصَّ أحمد على الرُّجوع بقيمة النَّماء المتصل صريحاً كما قال الشيرازي في رواية ابن منصور فيمن اشترى سلعة، فنمت عنده وكان بها داءٌ؛ فإن شاء المشتري حبسها ورجع بقدر الدَّاء، وإن شاء ردها ورجع عليه بقدر النماء (٢). وتأوَّلها القاضي على أنَّ النَّماء المنفصل يردُّه معها، وهو ظاهر الفساد؛ لأنَّ الضَّمير في قوله: (رجع) يعود إلى المشتري، وفي قوله: (عليه) يعود إلى البائع، وإنَّما يرجع المشتري على البائع بقيمة النَّماء المتَّصل. ووجه الإجبار هنا على دفع القيمة: أنَّ البائع قد أُجبِر على أخذ سلعته وردِّ ثمنها؛ فكذلك نماؤها المتَّصل بها يتبعها في حكمها وإن لم يقع عليه العقد. والمردود بالإقالة والخيار يتوجَّه فيه مثل ذلك؛ إلَّا أن يقال: الفسخ للخيار رفع للعقد من أصله، بخلاف العيب والإقالة، وقد صرَّح بذلك القاضي وابن عقيل في «خلافيهما»، وفيه بُعد. ومنها: المبيع إذا أفلس مشتريه قبل نقد الثَّمن، ووجده البائع قد نما نماء متَّصلاً؛ قال القاضي وأصحابه: يرجع به، ولا شيء للمفلس، وكذلك ابن أبي موسى ذكر الرُّجوع، وهو مأخوذ ممَّا روى الميمونُّي

стр. 604

وإسحاق بن إبراهيم عن أحمد: إذا زادت العين أو نقصت يرجع في الزِّيادة والنُّقصان، ولفظ رواية إسحاق: قيل له: فإن كان زاد أو نقص يوم اشتراه؟ قال: هو أحقُّ به زاد أو نقص (١). وهذا يحتمل أن يراد به زيادة السعر ونقصانه، وإن استبعد ذلك؛ فليس في استحقاق الرُّجوع (٢) ما ينافي مطالبته بقيمة الزِّيادة، كما لو كانت الزِّيادة صِبغاً في الثَّوب. وقال الخرقي: ليس له الرجوع. وذكر القاضي في كتاب الهبة من «خلافه»: أنَّه منصوص أحمد؛ فيكون أسوةَ الغرماء، كما لو طلَّق الزَّوج قبل الدخول وقد زاد الصَّداقُ زيادة متصلة. وفارق (٣) الرَّدَّ بالعيب عند من سلَّمه: بأنَّ الرَّدَّ بالعيب قد رضي المشتري بردِّه بزيادته بخلاف المفلس، ولأنَّ الرَّدَّ بالعيب استند إلى سبب مقارن للعقد، والفسخ هنا استند إلى سبب حادث، وهو حكم الحاكم؛ فهو شبيه بالطَّلاق قبل الدُّخول. وينتقض الأوَّل: بما لو اشترى عبداً بثوب، فوجد صاحب الثَّوب به عيباً؛ فإنَّه يرده ويأخذ العبد؛ وإن كان قد سمن. والثَّاني: بما لو باعه عيناً بعد إفلاسه وقبل حجر الحاكم؛ فإنَّ

стр. 605

حجره إنَّما هو معتبر لثبوت الفلس وظهوره، وقد سبق نصُّ أحمد بذلك. وأيضاً: فلو باعه بعد الحجر ولم يعلم؛ فإنَّه يرجع في أحد الوجهين. وفرَّق الأوَّلون بين رجوع البائع ههنا وبين الصَّداق: بأنَّ الصَّداق يُمْكِن الزَّوجَ الرُّجوعُ إلى بدله تامًّا، بخلاف البائع؛ فإنَّه لا يُمْكِنه الوصول إلى حقِّه تامًّا إلَّا بالرُّجوع. وهو ضعيف؛ لأنَّ اندفاع الضَّرر عنه بالبدل لا يُسقط حقَّه من العين لو كان ثابتاً، ثمَّ يبطل بما لو كانت الزَّوجة مفلسة، فإن حقَّه لا يثبت في العين؛ فبطل الفرق. ويتخرَّج من رواية ابن منصور في الرد بالعيب (١): أن يرجع البائع ههنا ويردَّ قيمة الزيادة، كما لو صبغ المفلس الثَّوب. ومنها: ما وهبه الأب لولده إذا زاد زيادة متَّصلة؛ فهل يمنع رجوع الأب أم لا؟ على روايتين معروفتين. والمنصوص عن أحمد في رواية ابن منصور: امتناع الرُّجوع. وعلى القول بجوازه؛ فلا شيء على الأب للزِّيادة؛ لأنها تابعة لما يباح له من مال ولده؛ فهو بالرُّجوع والقبض متملِّك لها.

стр. 606

ومنها: إذا أصدقها شيئاً فزاد زيادة متَّصلة، ثمَّ طلَّقها قبل الدخول؛ لم يكن له الرجوع في نصفه، وسقط حقُّه منه إلى قيمة النِّصف، ذكره الخرقيُّ، ولم يُعلم عن أحد من الأصحاب خلافه؛ حتَّى جعله القاضي في «المجرد» رواية واحدة. وفرَّق بينه وبين بائع المفلس: بأنَّ فسخ البائع رفعٌ للعقد من أصله، والطَّلاق قاطع للنِّكاح من حينه؛ فلا يكون للزَّوج حقٌّ في الزيادة. وهذا ممنوع؛ فإنَّ الفسخ بالفلس رفعٌ للعقد من حينه أيضاً؛ فهو كالطَّلاق. وخرَّج صاحب «المحرر»: الرُّجوع في النِّصف بزيادته المتَّصلة من الرِّواية المحكيَّة عن أحمد بالرُّجوع في نصف الزيادة المنفصلة وأولى، وسنذكر أصل هذه الرِّواية فيما بعد، إن شاء الله تعالى (١). ويتخرَّج وجه آخر: برجوعه في النِّصف بزيادته، وبردِّ قيمة الزِّيادة كما في الفسخ بالعيب على ما تقدَّم. وهذا إذا كانت العين يمكن فصلها وقسمتها، وإن لم يمكن؛ فهو شريك بقيمة النِّصف يوم الإصداق. ومنها: إذا اشترى قصيلاً (٢) بشرط القطع، فتركه حتَّى سنبل واشتدَّ، أو ثمراً لم يبدُ صلاحه بشرط القطع، فتركه حتَّى بدا صلاحه؛ فهل

стр. 607

يبطل البيع بذلك أم لا؟ فيه روايتان. أشهرهما: أنَّه يبطل، وهو اختيار الخرقيِّ، وأبي بكر، وابن أبي موسى، والقاضي، والأكثرين. وللبطلان مأخذان: أحدهما: أنَّ تأخيره (١) محرَّم لحقِّ الله ، فأبطل البيع؛ كتأخير القبض في الرِّبوبيَّات، ولأنَّه وسيلة إلى شراء الثَّمرة وبيعها قبل بدوِّ صلاحها، وهو محرَّم، ووسائل المحرَّم ممنوعة، وبهذا علَّل أحمد في رواية أبي طالب (٢). والمأخذ الثَّاني: أنَّ مال المشتري اختلط بمال البائع قبل التَّسليم على وجه لا يتميَّز منه؛ فبطل به البيع، كما لو تلف؛ فإنَّ تلفه في هذه الحال يبطل البيع؛ لضمانه على البائع. فعلى المأخذ الأوَّل: لا يبطل البيع إلَّا بالتَّأخير إلى بدوِّ الصَّلاح واشتداد الحبِّ، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب (٣)، وظاهر كلام الخرقيِّ، ويكون تأخيره إلى ما قبل ذلك جائزاً. وقد نصَّ أحمد في رواية الحسن بن ثوَّاب (٤) على أنَّه إذا أخَّره حتَّى

стр. 608

تلف بعاهة قبل صلاحه: أنَّه من ضمان البائع، معلِّلاً بأنَّ هذا شيء في ملك البائع ونخله. فلمَّا علَّل باتصاله بملك البائع؛ عُلم أنَّ البيع لم يكن منفسخاً قبل تلفه، ولا كان التَّأخير تفريطاً، ولو كان المشترَى رطبة أو ما أشبهها من النَّعناع والهندباء، أو صوفاً على ظهرٍ فتركها حتَّى طالت؛ لم ينفسخ البيع؛ لأنَّه لا نهيَ في بيع هذه الأشياء، وهذه طريقة القاضي في «المجرَّد». وعلى المأخذ الثَّاني: يبطل البيع بمجرَّد الزِّيادة واختلاط المالين؛ إلَّا أنَّه يعفى عن الزِّيادة اليسيرة؛ كاليوم واليومين، نصَّ (١) على ذلك أحمد في رواية أحمد (٢) بن سعيد (٣)، ولا فرق بين الثَّمر والزَّرع وغيرهما من الرَّطبة والبقول والصُّوف، وهي طريقة أبي بكر عبد العزيز، والقاضي في «خلافه»، وصاحب «المغني». وبمثل ذلك أجاب أبو الحسن الخرزيُّ (٤) فيمن اشترى خشباً ليقطعه، فتركه حتَّى اشتدَّ وغلظ: أنَّ البيع ينفسخ، ومتى تلف بجائحة

стр. 609

بعد التَّمكُّن من قطعه؛ فهو من ضمان المشتري. وهو مصرَّح به في «المجرد» و «المغني»، وتكون الزَّكاة على البائع على هذا المأخذ بغير إشكال. وأمَّا على الأوَّل؛ فيحتمل أن يكون على المشتري؛ لأنَّ ملكه إنَّما ينفسخ بعد بدوِّ الصَّلاح، وفي تلك الحال تجب الزَّكاة؛ فلا تسقط بمقارنة الفسخ على رأي من يرى جواز اقتران الحكم ومانعه كما سبق، ويحتمل أن يكون على البائع. ولم يذكر الأصحاب فيه خلافاً؛ لأنَّ الفسخ ببدوِّ الصَّلاح استند إلى سبب سابق عليه، وهو تأخير القطع. وقد يقال: ببدوِّ الصَّلاح يتبيَّن انفساخ العقد من حين التَّأخير. ونقل أبو طالب عن أحمد فيما إذا (١) تركه حتَّى صار شعيراً: إن أراد الحيلة؛ فسد البيع (٢). فمن الأصحاب من جعل هذه رواية ثالثة بالبطلان مع قصد التَّحيُّل على شراء الزَّرع قبل اشتداده للتَّبقية؛ كابن عقيل في «التَّذكرة». ومنهم من قال: بل متى تعمَّد الحيلة؛ فسد البيع من أصله، ولم ينعقد بغير خلاف، وإنَّما الخلاف فيما إذا لم يقصد الحيلة ثمَّ تركه حتَّى بدا صلاحه؛ كصاحب «المغني». ومنهم من قال: قصد الحيلة إنَّما يؤثر في الإثم لا في الفساد

стр. 610

وعدمه، وهي طريقة القاضي. وإذا تقرَّر هذا؛ فالزِّيادة إنَّما تعلم باختلاف القيمة؛ لعدم تميُّزها في نفسها، وهي تفاوت ما بين القيمة يوم الشِّراء وبعد الزِّيادة الحادثة بعده، كذلك قال القاضي في «المجرد»، ونصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور كما سيأتي (١)، وهو متمشٍّ على المأخذ الثَّاني في الانفساخ بمجرَّد الزِّيادة بعد العقد. وأمَّا على المأخذ الأوَّل؛ فالزِّيادة هي تفاوت ما بين القيمة قبيل (٢) بدوِّ الصَّلاح وبعده؛ لأنَّه لم يزل على ملك المشتري إلى وقت ظهور الصَّلاح، وبذلك جزم في «الكافي»، وحكاه في «المغني» احتمالاً عن القاضي. وبقي الكلام في حكم الزِّيادة على الرِّوايتين. أمَّا على رواية الانفساخ؛ ففيها روايتان: إحداهما: أنَّها للبائع، وهي اختيار ابن أبي موسى والقاضي، ونقلها أبو طالب وغيره عن أحمد (٣)؛ لأنَّ البيع متى انفسخ؛ يعود إلى بائعه بنمائه المتصل؛ كسمن العبد ونحوه، بل ههنا أولى؛ لأنَّه نما من تبقيته على ملكه، فحقُّه فيه أقوى. والَّثانية: يتصدقان بها مع فساد البيع، قال القاضي في «المجرد»

стр. 611

وكتاب (١) «الرِّوايتين» (٢): نقلها حنبل، قال: وهي محمولة عندي على الاستحباب؛ لوقوع الخلاف (٣) في صحَّة العقد وفساده ومستحِق النَّماء؛ فاستحبَّ الصَّدقة به. وأنكر الشَّيخ مجد الدِّين ثبوت هذه الرِّواية، وقال: هي سهوٌ من القاضي، قال: وإنَّما ذكرها القاضي في «خلافه» مستدلًّا بها على الصِّحَّة، فأمَّا مع الفساد؛ فلا وجه لهذا القول. وأما ابن أبي موسى؛ فقال: وعنه يتصدَّق البائع بالفضل؛ لأنَّه نماء في غير ملكه. وهذا التَّعليل ترد عليه الزِّيادة في المردود بالعيب ونحوه، ولكنَّ (٤) المراد: أنَّ هذه الزِّيادة عادت إليه؛ لانفساخ العقد على وجه منهيٍّ عنه في الشرع، بخلاف الرَّدِّ بالعيب. ثمَّ حكى رواية ثالثة: باشتراك البائع والمشتري في الزيادة. وهذه الرِّواية ترجع (٥) إلى القول: بأنَّ الزِّيادة المتصلة لا تتبع (٦) في الفسخ، بل تبقى على ملك المشتري، وإنَّما شاركه البائع فيها لأنَّها نمت من ملكه وملك المشتري، ولولا ذلك؛ لانفرد بها المشتري (٧).

стр. 612

وخصَّ ابن أبي موسى هذا الخلاف بالثِّمار، فأمَّا الزَّرع؛ فلم يذكر فيه خلافًا أنَّ الزِّيادة للبائع. وأمَّا على رواية الصِّحَّة؛ ففي حكم الزِّيادة ثلاث روايات: إحداهنَّ: أنَّهما يشتركان فيها، نقلها أحمد بن سعيد (١)؛ لحدوثها على ملكيهما كما سبق. وحملها القاضي على الاستحباب، ولا يصحُّ. وبالاشتراك أجاب أبو حفص البرمكيُّ فيمن اشترى خشباً للقطع، فتركه حتَّى اشتدَّ وغلظ. والثَّانية: يتصدَّقان بها، وأخذها القاضي في «خلافه» من رواية حنبل، وتلك قد صرَّح أحمد فيها (٢) بفساد البيع على ما حكاه القاضي أيضاً في «المجرد» وكتاب «الرِّوايتين»، ثم قال: وهذا عندي على الاستحباب؛ للنهي عن ربح ما لم يضمن، وهذا لم يضمن على المشتري؛ فكره له ربحه، وكره للبائع؛ لحدوثه على ملك المشتري (٣). وكذلك مال صاحب «المغني» إلى حملها على الاستحباب؛ لأنَّ الصَّدقة بالشُّبهات تستحبُّ (٤)، وهذه شبهة؛ لاشتباه الأمر في مستحِقِّها، ولحدوثها بجهة محظورة.

стр. 613

ويشبه (١) هذه الرِّواية ما نصَّ عليه أحمد في ربح مال المضاربة إذا خالف فيه المضارب: أنَّه يتصدَّق به، وفيمن آجر ما استأجره بربح: أنَّه يتصدق به؛ لدخوله في ربح ما لم يضمن. والرِّواية الثَّالثة: أنَّ الزِّيادة كلَّها للبائع، نقلها القاضي في «خلافه» في مسألة زرع الغاصب، ونصَّ عليها أحمد في رواية ابن منصور فيمن اشترى قصيلاً فتركه حتَّى سنبل؛ يكون للمشتري منه بقدر ما اشترى يوم اشترى، فإن كان فيه فضلٌ؛ كان للبائع صاحب الأرض، قيل له: وكذلك النخل إذا اشتراه ليقلعه (٢) فطلع؟ قال: كذلك في النَّخل، فإن كان فيه زيادة؛ فهو لصاحب الأرض البائع (٣). ووجَّهه القاضي: بأنَّ الزِّيادة من نماء ملك البائع؛ فهي كالربح في المال المغصوب، فإنَّه لصاحب المال دون الغاصب، ويُلغى تصرُّفه فيه؛ لكونه محظوراً، كذلك ههنا. ويمكن أن يفرَّق بينه وبين تصرُّف الغاصب: بأنَّ الغاصب إنَّما له آثار عمل؛ فألغيت، وهنا للمشتري عين مال نمت؛ فكيف يسقط حقُّه من نمائها؟! ويجاب عنه: بأنَّ المشتري إنَّما يستحقُّ بالعقد ما وقع عليه البيع (٤)

стр. 614

من الثمرة، وما زاد على ذلك فلا حقَّ له فيه، وهذا البيع لم يتمَّ قبضه فيه (١) ولا دخل في ضمانه؛ فلا يستحقُّ أن يقبض غير ما وقع عليه البيع بمقتضى عقده. وحمل القاضي قول أحمد ههنا: (وكذلك النَّخل إذا اشتراه ليقلعه): على أنَّه اشترى جذوعه ليقطعها. وقال الشيخ مجد الدِّين: (يحتمل عندي أن يقال: بأنَّ زيادة الثَّمرة في صفتها للمشتري، وما طال من الجزَّة للبائع؛ لأنَّ هذه الزيادة لو فرضنا أن المشتري كان قد جزَّ ما اشتراه؛ لأمكن وجودها، ويكون للبائع؛ فكذلك إذا لم يَجزَّ) انتهى. واختار القاضي خلاف ذلك كلِّه، وأنَّ الزيادة كلَّها للمشتري مع صحة العقد، وللبائع مع فساده، ولم يثبت في كتاب «الرِّوايتين» في المذهب في هذا خلافاً. وما قاله من انفراد المشتري بالثَّمرة بزيادتها مخالف لجميع نصوص أحمد، وقياسه كذلك على سِمَن العبد غير صحيح؛ لأنَّ هذه الزِّيادة نمت من أصل البائع مع استحقاق إزالتها عنه، بخلاف سِمَن العبد وطوله. ولو قال مع ذلك بوجوب الأجرة للبائع إلى حين القطع؛ لكان أقرب، كما أفتى به ابن بطَّة فيمن اشترى خشباً للقطع فتركه في أرض البائع حتى غلظ واشتد: أنَّه يكون بزيادته للمشتري، وعليه لصاحب

стр. 615

الأرض أجرة أرضه للمدَّة الَّتي تركها فيه، وأخذه من غرس الغاصب. ولكن تبقية الشَّجر في الأرض له أجرة معتبرة، وكذلك الزَّرع، وأمَّا تبقية الثَّمر على رؤوس الشَّجر؛ فلا يُستحقُّ له (١) أجرةٌ بحال، ذكره القاضي في التفليس. وحكم العرايا إذا تركت في رؤوس النخل حتى أثمرت حكم الثمر إذا ترك حتى يبدو صلاحه عند القاضي وأكثر الأصحاب. ومنهم من لم يحك خلافاً في البطلان في العريَّة، بخلاف الثَّمر والزرع؛ كالحلوانيِّ وابنه. ويفرَّق بينهما: بأن بيع العرايا رخصة مستثناة من المزابنة المحرَّمة، شرعت للحاجة إلى أكل الرُّطب وشرائه بالتَّمر، فإذا تُرك حتَّى صار تمراً؛ فقد زال المعنى الَّذي شُرعت لأجله الرُّخصة، وصار بيع تمر بتمر؛ فلم (٢) يصحَّ إلَّا بيقين المساواة، والله أعلم. وأمَّا العقود؛ فيتبع فيها النَّماء الموجود حين ثبوت الملك بالقَبول أو غيره؛ وإن لم يكن موجوداً حين الإيجاب أو ما يقوم مقامه. فمن ذلك: الموصى به إذا نما نماء متَّصلاً بعد الموت وقبل القبول؛ فإنَّه يتبع العين إذا احتمله الثُّلث، ذكره صاحب «المغني». وقال صاحب «المحرر»: إن قلنا: لا ينتقل الملك إلَّا من حين القبول؛ فالزِّيادة محسوبة عليه من الثُّلث، وإن قلنا: يثبت من حين

стр. 616

الموت؛ فالزِّيادة له غير محسوبة عليه من التَّرِكة؛ لأنَّها نماء ملكه (١)، والله أعلم. ومنه: الشِّقص المشفوع إذا كان فيه شجرٌ فنما قبل الأخذ بالشُّفعة؛ فإنَّه يأخذه بنمائه بالثَّمن الَّذي وقع عليه العقد، ولا شيء عليه للزِّيادة. وكذلك لو كان فيه ثمر أو زرع، فنما وقلنا: يتبع في الشُّفعة كما هو أحد الوجهين فيهما. ولو تأبَّر الطَّلع المشمول بالبيع في يد المشتري، ثمَّ أخذه الشَّفيع؛ ففي تبعيَّته وجهان؛ لتعلُّق حقِّه بالطَّلع ونمائه. ومنه: لو اشترى رجل من أهل الحرب ما استولوا عليه من مال مسلم، ثمَّ نما عند المشتري نماء متَّصلاً حتَّى زادت قيمته؛ فإنَّه يأخذه بالثَّمن الَّذي اشتراه به، ولا شيء عليه للزِّيادة، نصَّ عليه أحمد في رواية مهنى. وأمَّا تبعيَّة النَّماء في عقود التَّوثقة (٢)، فإنَّه يتبع في الرَّهن، وأموال الزكاة، والجاني، والتَّركة المتعلِّق بها حقُّ الغرماء وإن قيل بانتقال ملكها إلى الورثة؛ لأنَّ التَّعلُّق فيها إمَّا تعلُّق رهن أو جناية، والنَّماء المتَّصل تابع فيهما، صرح القاضي وابن عقيل بذلك كلِّه (٣) في كلامهما.

стр. 617

وأمَّا عقود الضَّمان؛ فيتبع في الغصب على ظاهر المذهب. وحكى ابن أبي موسى فيه رواية أخرى: أنَّه لا يتبع، ولا يكون النَّماء المتَّصل الحادث في يد الغاصب مضموناً إذا ردَّ الأصل كما قبضه، وقياسه العارية؛ لأنَّ الانتفاع حاصل به؛ فيصير حكمه حكم الأصل؛ كنماء العين المستأجرة. ويتبع أيضاً في الصَّيد الَّذي في يد المحرم. وفي نماء المقبوض بعقد فاسد وجهان معروفان.

стр. 618

قاعدة [٨٢] النَّماء (١) المنفصل تارة يكون (٢) متولِّداً من عين الذَّات؛ كالولد والطَّلع والصُّوف واللبن والبيض . وتارة يكون (٣) متولِّداً من غيرها واستُحقَّ بسبب العين؛ كالمهر والأجرة والأرش. والحقوق المتعلقة بالأعيان ثلاثة: عقود، وفسوخ، وحقوق تتعلَّق بغير عقد ولا فسخ (٤). فأمَّا العقود؛ فلها حالتان: إحداهما: أن ترد على الأعيان بعد وجود نمائها المنفصل؛ فلا يتبعها النَّماء، وسواء كان من العين أو غيرها؛ إلَّا ما كان متولِّداً من العين في حال اتِّصاله بها واستتاره (٥) وتغيُّبه فيها بأصل الخلقة؛ فإنَّه يدخل تبعًا؛ كالولد واللبن والبيض والطَّلع غير المؤبَّر، أو كان ملازماً

стр. 619

للعين لا يفارقها عادة؛ كالشعر والصوف؛ فإنها تلحق (١) بالمتَّصل في استتباع العين. وفي «المجرد» و «الفصول» وجه في الرهن: أنه لا يدخل فيه صوف الحيوان ولبنه، ولا ورق الشجر المقصود، وهو بعيد. وأمَّا المنفصل البائن (٢)؛ فلا يتبع بغير خلاف، إلا في التدبير؛ فإن في استتباع الأولاد فيه روايتين. والحالة الثَّانية: أن يحدث النماء بعد ورود العقد على العين؛ فينقسم العقد إلى تمليك وغيره: فأما عقود التمليكات المنجَّزة؛ فما ورد منها على العين والمنفعة بعوض أو غيره؛ فإنَّه يستلزم استتباع النَّماء المنفصل من العين وغيره؛ كالبيع، والهبة، والعتق وعوضه، وعوض الخلع، والكتابة، والإجارة، والصداق، وغيرها. وما ورد منها على العين المجردة من غير منفعة؛ كالوصيَّة بالرَّقبة دون المنافع، والمشتري لها من (٣) مستحِقِّها على القول بصحَّة البيع؛ فلا يتبع فيه النَّماء من غير العين. وفي استتباع الأولاد وجهان؛ بناء على أن الولد كسب أو جزء.

стр. 620

وما ورد منها على المنفعة المجرَّدة؛ فإن عمَّ المنافع؛ كالوقف والوصية بالمنفعة؛ تبع فيه (١) النَّماء الحادث من العين وغيرها، إلا الولد، فإن فيه وجهين مصرَّحاً بهما في الوقف، ويخرَّجان في غيره؛ بناء على أنَّه جزء أو كسب. وفي أرش الجناية على الطَّرف بالإتلاف احتمالان مذكوران في «الترغيب»: هل هو للموقوف عليه كالفوائد (٢)، أو يشترى به شقصٌ يكون وقفاً كبدل الجملة؟ فإن كانت الجناية بغير إتلاف (٣)؛ فالأرش للموقوف عليه وجهاً واحداً. وإن كان العقد على منفعة خاصَّة لا يتأبد (٤)؛ كالإجارة؛ فلا يتبع فيه شيء من النَّماء المنفصل بغير خلاف. وأمَّا عقود غير التَّمليكات المنجَّزة؛ فنوعان: أحدهما: ما يؤول إلى التَّمليك، فما كان منه لازماً لا يستقل العاقد أو من يقوم مقامه بإبطاله من غير سبب؛ فإنه يتبع فيه النماء المنفصل من العين وغيرها. ويندرج في ذلك صور:

стр. 621

منها: المكاتبة؛ فتملك أكسابها، وتتبعها (١) أولادها بمجرَّد العقد. ومنها: المكاتب يملك أكسابه، ويتبعه أولاده من أمته؛ كما يتبع الحرَّ ولدُه من أمته، ولا يتبعه ولده من أمة لغيره. ومنها: الموصى بعتقه إذا كسب بعد الموت وقبل إعتاق الورثة؛ فإن كسبه له، ذكره القاضي وابن عقيل وصاحب «المحرَّر»؛ لأنَّ إعتاقه واجب لحقِّ الله تعالى، ولا يتوقَّف على قبول؛ فهو كالمعتَق، بخلاف الوصيَّة لمعيَّن. وقال صاحب «المغني» في آخر باب العتق: كسبه للورثة؛ كأم الولد. ولكن يمكن التَّفريق بينهما: بأنَّ أمَّ الولد مملوكة لسيِّدها، والموصى بعتقه غير مملوك للورثة؛ لأنَّ الوصيَّة تمنع انتقاله إليهم، وإذا قيل: هو على ملك الميت؛ فهو ملك تقديريٌّ لا يمنع من استحقاق الكسب. ولو (٢) كانت (٣) أمة، فولدت قبل العتق وبعد الموت؛ تبعها (٤) الولد؛ كأم الولد، هذا هو الظَّاهر (٥).

стр. 622

وقال القاضي في «تعليقه»: لا يعتق. ومنها: المعلَّق عتقه بوقت أو صفة بعد الموت؛ كمن قال لعبده: إن متُّ ثم دخلت الدار فأنت حر، أو أنت حرٌّ بعد موتي بسنةٍ، وصحَّحنا ذلك؛ فكسبه بين الموت ووجود شرط العتق للورثة، ذكره القاضي وابن عقيل وصاحب «المغني»؛ كأمِّ الولد، بخلاف الموصى بعتقه؛ لأنَّ ذاك أوجب عتقه في الحال، وهذا يتردَّد (١) في وجود شرط عتقه؛ فإنَّه قد يجيء الوقت المعين بعد موته وقد لا توجد الصِّفة؛ حتى ذكر في «المغني» في منع الوارث من التصرف فيه قبل الصفة احتمالين، وصرح صاحب «المستوعب» بأنَّه باقٍ على حكم ملك الميت لا ينتقل إلى الورثة كالموصى بعتقه. وعلى هذا؛ فيتوجَّه أنَّ كسبه له، وما قيل من احتمال موته قبل الصِّفة؛ معارض باحتمال موت الموصى بعتقه قبل العتق. وأمَّا إن كانت أمة وولدت بعد الموت؛ فهو تابع لها؛ كأمِّ الولد، صرَّح به القاضي وابن عقيل، وهو متوجِّه سواء قيل: إنَّ هذا العقد تدبير؛ كقول ابن أبي موسى والقاضي في «خلافه»، أو قيل: إنَّه تعليق؛ كقول القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل؛ فإنَّه تعليق (٢) لازم مستقرٌّ، لا يمكن إبطاله؛ فهو كالكتابة، وهذا يشهد لما ذكرنا من تبعية الولد في

стр. 623

الَّتي قبلها. ومنها: الموصى بوقفه إذا نما بعد الموت وقبل إيقافه؛ أفتى (١) الشَّيخ تقيُّ الدين: أنَّه يصرف مصرف الوقف؛ لأنَّ نماءه (٢) قبل الوقف كنمائه بعده (٣). ونقل يعقوب بن بختان وإبراهيم بن هانئ عن أحمد فيمن جعل مالاً في وجوه البرِّ فاتَّجر به الموصي؛ قال: إن ربح؛ جعل ربحه مع المال فيما أوصى به، وإن خسر كان ضامناً (٤). فهذا إن كان مراده إذا وصَّى بتفرقة عين المال؛ فواضح، وإن كان وصَّى أن يشتريَ منه ما ينمو أو يوقف أو يتصدَّق بنمائه؛ كان (٥) كما أفتى به الشَّيخ (٦). ومنها: الموصى به لمعيَّن يقف على قبوله، إذا نما (٧) بعد الموت وقبل القبول نماء منفصلاً؛ فينبني على أنَّ الملك قبل القبول؛ هل هو

стр. 624

للوارث، أو للميِّت، أو للموصى له (١) (٢)؟ وفيه ثلاثة أوجه. فإن قيل: إنَّه للوارث، فهو مختصٌّ بنمائه. وإن قيل: هو على ملك الميِّت، فنماؤه من التَّركة. وإن قيل: إنَّه للموصى له بمعنى: أنَّا نتبيَّن بقبوله مِلكَه بالموت، أو قيل: إنَّه لا يتوقف ملكه على قبول؛ فنماؤه كلُّه للموصى له. ومنها: النَّذر والصَّدقة والوقف إذا لزمت في عين لم يَجُز لمن أخرجها عن ملكه أن يشتري شيئًا من نتاجها، نص عليه أحمد في الوقف والصَّدقة (٣) في رواية حنبل (٤). ولو اشترى عبداً فأعتقه، ثم بان به عيب فأخذ أرشه؛ فهل يملكه لنفسه، أو يجب عليه صرفه في الرقاب؟ على روايتين.

стр. 625

وخص القاضي الروايتين بالعتق عن الواجب إذا كان العيب لا يمنع الإجزاء؛ إلحاقًا للأرش بالولاء (١). ولو اشترى شاة فأوجبها أضحية، ثم أصاب بها عيباً، فأخذ أرشه؛ اشترى به أضحية؛ فإن لم يمكن؛ تصدَّق به، ذكره القاضي. وفرَّق بينه وبين العتق: بأنَّ القصد من العتق تكميل أحكام العبد، وقد حصل، والقصد من الأضحية إيصالُ لحمها إلى المساكين، فإذا كان فيه عيب دخل الضَّرر عليهم؛ فوجب ردُّ أرشه عليهم جبراً لحقِّهم. وفي «الكافي» احتمالٌ آخر: أنَّ الأرش له كما في العتق. وأمَّا الهدي والأضاحي إذا تعيَّن، فإن قيل: إنَّ ملكه لا يزول بالتَّعيين (٢) كقول القاضي والأكثرين؛ فهو من هذا النَّوع وإن جاز إبداله؛ لأنَّ إبداله نقل للحقِّ لا إسقاط له؛ كالوقف، ويتبعه نماؤه منه (٣)؛ كالولد. فإذا ولدت الأضحية؛ ذبح معها ولدها، وهل يكون أضحية بطريق التَّبع أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: هو أضحية، قاله في «المغني»؛ فيجوز أن يأكل منه كأمِّه.

стр. 626

والثَّاني: ليس بأضحية، قاله ابن عقيل. قال: وإن تصدَّق به صحيحاً؛ فهل يجزئ؟ فيه احتمالان؛ لتردُّده بين الصدقة المطلقة وبين أن يُحذى به حذو الأمِّ. والأشبه بكلام أحمد: أنَّه أضحية؛ فإنَّه قال في رواية ابن مُشَيش: يذبحها وولدَها عن سبعة، وقال في رواية ابن منصور: يبدأ بأيِّهما شاء في الذَّبح، وأنكر قول من قال: لا يبدأ إلا بالأمِّ (١). وعلى هذا؛ فهل يصير الولد تابعاً لأمه، أو مستقلًّا بنفسه حتى لو باع أمه أو عابت، وقلنا: تردُّ إلى ملكه؛ فهل يرجع ولدها معها؟ على وجهين، ذكرهما في «المغني». ولا فرق بين أن يعين ابتداء أو عن واجب في الذِّمة على الصحيح. وفيه وجه آخر: أن المعيَّنة عما في الذمة لا يتبعها ولدها؛ لأنَّ الواجب في الذِّمَّة واحد. والصَّحيح الأوَّل؛ لأنَّها بالتَّعيين صارت كالمعيَّنة ابتداء. وأمَّا اللَّبن؛ فيجوز شربه ما لم يعجفها؛ لأنَّ الأكل من لحمها جائز، فيجوز الانتفاع بغيره من منافعها، ومن دَرِّها وظهرها. وأمَّا الصُّوف؛ فنص أحمد على كراهة جزِّه إلَّا أن يطول ويكون جزُّه نفعاً لها (٢)، قال الأصحاب: ويتصدَّق به.

стр. 627

وفرَّقوا بين الصوف واللبن: بأنَّ الصوف كان موجوداً حال إيجابها؛ فورد الإيجاب عليه، واللَّبن يتجدَّد شيئاً بعد شيء؛ فهو كمنفعة ظهرها. وقال (١) القاضي في «المجرد»: يستحب له (٢) الصَّدقة بالشَّعر، وله الانتفاع به. وذكر ابن الزَّاغونيِّ: أنَّ اللَّبن والصوف لا يدخلان في الإيجاب، وله الانتفاع بهما إذا لم يضرَّ بالهدي. وكذلك قال صاحب «التَّلخيص» في اللَّبن. ولو فقأ رجل عين الهدي المعيَّن ابتداء؛ أخذ منه أرشه، وتصدَّق به أيضاً، ذكره القاضي في «خلافه»، وإن قيل: بزوال ملكه بالتعيين (٣) - كقول أبي الخطَّاب-؛ فهو من قسم التَّمليكات المنجَّزة؛ كالعتق والوقف، وإن جاز الانتفاع ببعض منافعه؛ كمن وقف مسجداً؛ فإنَّه ينتفع به مع جملة المسلمين. وأمَّا ما كان منها غير لازم، وهو ما يملك العاقد إبطاله، إمَّا بالقول، أو بمنع نفوذ الحقِّ (٤) المتعلِّق به (٥) بإزالة الملك من غير وجوب إبدال؛ فلا يتبع فيه النَّماء من غير عينه.

стр. 628

وفي استتباع الولد خلاف، ويندرج تحت ذلك صور: منها: المدبَّرة؛ فإنَّه يتبعها ولدها على المذهب المشهور. وعنه رواية أخرى: لا يتبعها. وزعم أبو الخطَّاب في «انتصاره»: أنَّ هذا الخلاف منزَّل على أنَّ التَّدبير هل هو لازم أم لا؟ فإن قيل بلزومه؛ تبع الولد، وإلَّا لم يتبع، وأبى أكثر الأصحاب ذلك. وعلى القول بالتَّبعيَّة، قال الأكثرون: يكون مدبَّراً بنفسه لا بطريق التَّبع، بخلاف ولد المكاتبة. وقد نصَّ أحمد في رواية ابن منصور على أنَّ الأمَّ لو عَتَقت في حياة السَّيِّد؛ لم يَعتِق الولد حتَّى يموت (١). وعلى هذا لو رجع في تدبير الأمِّ، وقلنا: له ذلك؛ بقي الولد مدبَّراً، هذا قول القاضي وابن عقيل. وقال أبو بكر في «التنبيه»: بل هو تابع محض لها؛ إن عَتَقت عَتَق، وإن رَقَّت رَقَّ، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى أيضاً. ومنها: المعلَّق عتقها بصفة؛ إذا حملت وولدت بين التَّعليق ووجود الصِّفة؛ ففي عتقه معها وجهان معروفان، ولو لم توجد الصِّفة في الأمِّ؛ لم يعتق ولو وجدت فيه الصِّفة؛ لأنَّه تابع محض. ومنها: الموصى بعتقها أو وقفها إذا ولدت قبل موت الموصي؛ لم يتبعها، ذكره القاضي في الموصى بعتقها، وقياسه الأخرى.

стр. 629

ويحتمل أن يتبع في الوصيَّة بالوقف (١)؛ بناءً على أنَّ المغلَّب فيه شوب التَّحرير دون التَّمليك. ومنها: المعلَّق وقفها بالموت؛ إن قلنا: هو لازم - وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الميمونيِّ (٢) -؛ صارت كالمستولدة؛ فينبغي أن يتبعها ولدها. وإن قلنا: ليس بلازم - وكلام أحمد في آخر رواية الميموني يشعر به، حيث قال: إن كان يتأول، ويشبِّهه بالمدبَّر؛ يعني: أنَّه يتبعه -؛ فهل يتبعها الولد كالمدبَّرة، أو لا يتبع؛ لأنَّ الوقف يغلب فيه شائبة التَّمليك؛ فهو كالموصى به؟ يحتمل وجهين.

стр. 630

النَّوع الثَّاني: عقود موضوعة لغير تمليك العين؛ فلا يملك بها النَّماء بغير إشكال؛ إذ الأصل لا يملك؛ فالفرع أولى (١). ولكن هل يكون النَّماء تابعاً لأصله في ورود العقد عليه وفي كونه مضموناً، أو غير مضمون؟ فإن كان العقد وارداً على العين وهو لازم؛ فحكم النَّماء حكم الأصل. وإن كان غير لازم، أو لازماً لكنَّه معقود على المنفعة من غير تأبيد، أو على ما في الذِّمَّة؛ فلا يكون النَّماء داخلاً في العقد، وهل يكون تابعاً للأصل في الضمان وعدمه؟ فيه وجهان: أحدهما (٢): أنَّه تابع له فيهما. والثَّاني: إن شارك الأصل في المعنى الَّذي أوجب الضَّمان أو الائتمان؛ تبعه، وإلَّا فلا. ويندرج تحت ذلك صور عديدة: منها: المرهون؛ فنماؤه المنفصل كلُّه رهن معه، سواء كان متولِّداً من عينه كالثَّمرة والولد، أو من كسبه كالأجرة، أو بدلاً عنه كالأرش، وهو داخل معه في عقد الرَّهن؛ فيملك الوكيل في بيع الرَّهن بيعه معه؛ وإن كان حادثاً بعد العقد والتَّوكيل.

стр. 631

ومنها: الأجير؛ كالرَّاعي ونحوه؛ فيكون النَّماء في يده أمانة كأصله، ولا يلزمه رعي سخال الغنم المعيَّنة في عقد الرَّعي؛ لأنَّها غير داخلة فيه، بخلاف ما إذا كان الاستئجار على رعي غير معيَّنة؛ فإنَّ عليه رعي سخالها؛ لأنَّ عليه أن يرعى ما جرى العرف به مع الإطلاق، ذكره القاضي في «المجرد». ومنها: المستأجر يكون النَّماء في يده أمانة كأصله، وليس له الانتفاع به؛ لأنَّه غير داخل في العقد. وهل له إمساكه بغير استئذان مالكه تبعاً لأصله؛ جعلاً للإذن (١) في إمساك أصله إذناً في إمساك نمائه، أم لا؛ كمن أطارت الرِّيح إلى داره ثوب غيره؟ خرَّجه القاضي وابن عقيل على وجهين. ومنها: الوديعة؛ هل يكون نماؤها وديعة، أو أمانة محضة؛ كالثَّوب المطار إلى داره؟ على وجهين أيضاً. ومنها: العارية لا يَرِدُ عقد الإعارة على ولدها؛ فليس للمستعير الانتفاع به، وهل هو مضمون كأصله أم لا؟ على وجهين ذكرهما القاضي وابن عقيل في باب الرَّهن (٢): أحدهما: هو مضمون؛ لأنَّه تابع لأصله. والثَّاني: ليس بمضمون؛ لأنَّ أصله إنَّما ضمن لإمساكه للانتفاع به،

стр. 632

والنَّماء مُمْسَكٌ (١) لحفظه على المالك (٢)، فيكون أمانة، وقالا في باب الغصب: إنَّ ولد العارية مضمون وجهاً واحداً. ومنها: المقبوضة على السَّوم إذا ولدت في يد القابض، قال القاضي وابن عقيل: حكمه حكم أصله، إن قلنا: هو مضمون؛ فالولد مضمون، وإلَّا فلا. ويمكن أن يخرَّج فيه وجه آخر: أنَّه ليس بمضمون، كولد العارية؛ لأنَّ أمَّه إنَّما ضمنت لقبضها بسبب الضمان، والتَّملك (٣) والولد لم يحصل قبضه على هذا الوجه؛ فهو كالثَّوب المطار بالرِّيح إلى ملكه. ومنها: المقبوض بعقد فاسد، وفي ضمان زيادته وجهان. ووجَّه القاضي سقوط الضمان: بأنَّه إنَّما دخل على ضمان العين دون نمائها. وهو منتقض بتضمينه الأجرة. ومنها: الشَّاهدة، والضامنة، والكفيلة، لا يتعلَّق بأولادهن شيء من هذه الأحكام؛ لأنَّ هذه حقوق متعلقة بالذِّمَّة لا بالعين؛ فهي كسائر عقود المداينات، ذكره القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل. واختار القاضي في «خلافه»: أنَّ ولد الضَّامنة يتبعها ويباع معها

стр. 633

كولد المرهونة؛ بناء على أنَّ دين المأذون له يتعلق برقبته. وضعَّفه ابن عقيل في «نظريَّاته»؛ لأنَّ التعلق بالرقبة هنا كتعلق الجناية؛ فلا يسري. ومنها: من حلف لا يأكل ممَّا اشتراه فلان، فأكل من لبنه أو بيضه؛ لم يحنث؛ لأنَّ العقد لم يتعلق به، ذكره (١) القاضي في «خلافه»؛ فإن اليمين ليست لازمةً، بل يخيَّر الحالف بين التزامها (٢) وبين الحنث فيها ويكفِّرها. وهذا بخلاف ما لو حلف لا يأكل من هذه الشَّاة؛ فإنَّه يحنث بأكل لبنها؛ لأنه لا يؤكل منها في الحياة عادة إلَّا اللَّبن. فأمَّا نتاجها؛ ففيه نظر (٣). فصل هذا حكم النَّماء في العقود، فأمَّا (٤) في الفسوخ؛ فلا يتبع فيها النَّماء الحاصل من الكسب بغير خلاف. وأمَّا المتولِّد من العين؛ ففي تبعيَّته فيها روايتان في الجملة، يرجعان

стр. 634

إلى أنَّ الفسخ هل هو رفع للعقد من أصله، أو من حينه؟ والأصحُّ عدم الاستتباع. ويندرج تحت ذلك صور: منها: إذا عجَّل الزكاة، ثم هلك المال، وقلنا له: الرجوع بها؛ فإنَّه يرجع بها (١). وهل يرجع بزيادتها المنفصلة؟ على وجهين: أظهرهما: لا يرجع. والثَّاني: يرجع، واختاره القاضي في «خلافه». ومنها: المبيع في مدَّة الخيار إذا نما نماء منفصلاً، ثمَّ فسخ البيع؛ هل يرجع به البائع أم لا؟ خرَّجه طائفة من الأصحاب - كصاحبَي «التَّلخيص» و «المستوعب» - على وجهين؛ كالفسخ بالعيب. وقد ذكر القاضي في «خلافه»، وابن عقيل في «عُمَده»: أنَّ الفسخ بالخيار فسخ للعقد من أصله؛ لأنَّه لم يرض فيه بلزوم البيع، بخلاف الفسخ بالعيب ونحوه. فعلى هذا: يرجع بالنَّماء المنفصل في الخيار، بخلاف العيب. ومنها: الإقالة؛ إذا قلنا: هي فسخ؛ فالنَّماء للمشتري، ذكره القاضي في «خلافه». ويتخرَّج فيه وجه آخر: أنَّه يردُّه مع أصله، وحكاه أبو البركات في «تعليقه» عن القاضي في «خلافه» أيضاً.

стр. 635

ومنها: الرَّدُّ بالعيب، وفي ردِّ النَّماء فيه روايتان: أشهرهما: أنَّه لا يرده؛ كالكسب. ونقل ابن منصور عن أحمد كلاماً يدلُّ على أنَّ اللَّبن وحده يردُّ عوضه؛ لحديث المصرَّاة (١). ونقل عنه ابن منصور أيضاً أنَّه ذَكر له قول سفيان في رجل باع ماشية أو شاة فولدت، أو نخيلاً لها ثمرة، فوجد بها عيباً أو استُحِقَّ (٢): أُخذ منه قيمة الثَّمرة وقيمة الولد إن كان أحدث فيهم شيئاً، أو كان باع أو استهلك، فإن كان مات أو ذهبت به الرِّيح؛ فليس عليه شيء، قال أحمد: كما قال (٣). وهذا يدلُّ على أن النماء المنفصل يُرَدُّ مع وجوده، ويُرد عوضه مع تلفه إن كان تلف بفعل المشتري، وإن كان تلف بفعل الله تعالى؛ لم يضمن؛ لأنَّ المشتري لم يدخل على ضمانه؛ فيكون كالأمانة عنده. وأمَّا إذا انتفع به؛ فإنَّه يستقرُّ الضمان عليه، فيردُّ عوضه كما دلَّ عليه حديث المصرَّاة، وكما نقول في (٤) المتَّهب من الغاصب: أنَّه إذا انتفع بالموهوب فأتلفه؛ استقرَّ الضمان عليه.
следующие страницы →