ومنها: الأجير؛ كالرَّاعي ونحوه؛ فيكون النَّماء في يده أمانة كأصله، ولا يلزمه رعي سخال الغنم المعيَّنة في عقد الرَّعي؛ لأنَّها غير داخلة فيه، بخلاف ما إذا كان الاستئجار على رعي غير معيَّنة؛ فإنَّ عليه رعي سخالها؛ لأنَّ عليه أن يرعى ما جرى العرف به مع الإطلاق، ذكره القاضي في «المجرد».
ومنها: المستأجر يكون النَّماء في يده أمانة كأصله، وليس له الانتفاع به؛ لأنَّه غير داخل في العقد.
وهل له إمساكه بغير استئذان مالكه تبعاً لأصله؛ جعلاً للإذن (١) في إمساك أصله إذناً في إمساك نمائه، أم لا؛ كمن أطارت الرِّيح إلى داره ثوب غيره؟ خرَّجه القاضي وابن عقيل على وجهين.
ومنها: الوديعة؛ هل يكون نماؤها وديعة، أو أمانة محضة؛ كالثَّوب المطار إلى داره؟ على وجهين أيضاً.
ومنها: العارية لا يَرِدُ عقد الإعارة على ولدها؛ فليس للمستعير الانتفاع به، وهل هو مضمون كأصله أم لا؟ على وجهين ذكرهما القاضي وابن عقيل في باب الرَّهن (٢):
أحدهما: هو مضمون؛ لأنَّه تابع لأصله.
والثَّاني: ليس بمضمون؛ لأنَّ أصله إنَّما ضمن لإمساكه للانتفاع به،
стр. 632
والنَّماء مُمْسَكٌ (١) لحفظه على المالك (٢)، فيكون أمانة، وقالا في باب الغصب: إنَّ ولد العارية مضمون وجهاً واحداً.
ومنها: المقبوضة على السَّوم إذا ولدت في يد القابض، قال القاضي وابن عقيل: حكمه حكم أصله، إن قلنا: هو مضمون؛ فالولد مضمون، وإلَّا فلا.
ويمكن أن يخرَّج فيه وجه آخر: أنَّه ليس بمضمون، كولد العارية؛ لأنَّ أمَّه إنَّما ضمنت لقبضها بسبب الضمان، والتَّملك (٣) والولد لم يحصل قبضه على هذا الوجه؛ فهو كالثَّوب المطار بالرِّيح إلى ملكه.
ومنها: المقبوض بعقد فاسد، وفي ضمان زيادته وجهان.
ووجَّه القاضي سقوط الضمان: بأنَّه إنَّما دخل على ضمان العين دون نمائها.
وهو منتقض بتضمينه الأجرة.
ومنها: الشَّاهدة، والضامنة، والكفيلة، لا يتعلَّق بأولادهن شيء من هذه الأحكام؛ لأنَّ هذه حقوق متعلقة بالذِّمَّة لا بالعين؛ فهي كسائر عقود المداينات، ذكره القاضي في «المجرَّد» وابن عقيل.
واختار القاضي في «خلافه»: أنَّ ولد الضَّامنة يتبعها ويباع معها
стр. 633
كولد المرهونة؛ بناء على أنَّ دين المأذون له يتعلق برقبته.
وضعَّفه ابن عقيل في «نظريَّاته»؛ لأنَّ التعلق بالرقبة هنا كتعلق الجناية؛ فلا يسري.
ومنها: من حلف لا يأكل ممَّا اشتراه فلان، فأكل من لبنه أو بيضه؛ لم يحنث؛ لأنَّ العقد لم يتعلق به، ذكره (١) القاضي في «خلافه»؛ فإن اليمين ليست لازمةً، بل يخيَّر الحالف بين التزامها (٢) وبين الحنث فيها ويكفِّرها.
وهذا بخلاف ما لو حلف لا يأكل من هذه الشَّاة؛ فإنَّه يحنث بأكل لبنها؛ لأنه لا يؤكل منها في الحياة عادة إلَّا اللَّبن.
فأمَّا نتاجها؛ ففيه نظر (٣).
فصل
هذا حكم النَّماء في العقود، فأمَّا (٤) في الفسوخ؛ فلا يتبع فيها النَّماء الحاصل من الكسب بغير خلاف.
وأمَّا المتولِّد من العين؛ ففي تبعيَّته فيها روايتان في الجملة، يرجعان
стр. 634
إلى أنَّ الفسخ هل هو رفع للعقد من أصله، أو من حينه؟ والأصحُّ عدم الاستتباع.
ويندرج تحت ذلك صور:
منها: إذا عجَّل الزكاة، ثم هلك المال، وقلنا له: الرجوع بها؛ فإنَّه يرجع بها (١).
وهل يرجع بزيادتها المنفصلة؟ على وجهين:
أظهرهما: لا يرجع.
والثَّاني: يرجع، واختاره القاضي في «خلافه».
ومنها: المبيع في مدَّة الخيار إذا نما نماء منفصلاً، ثمَّ فسخ البيع؛ هل يرجع به البائع أم لا؟ خرَّجه طائفة من الأصحاب - كصاحبَي «التَّلخيص» و «المستوعب» - على وجهين؛ كالفسخ بالعيب.
وقد ذكر القاضي في «خلافه»، وابن عقيل في «عُمَده»: أنَّ الفسخ بالخيار فسخ للعقد من أصله؛ لأنَّه لم يرض فيه بلزوم البيع، بخلاف الفسخ بالعيب ونحوه.
فعلى هذا: يرجع بالنَّماء المنفصل في الخيار، بخلاف العيب.
ومنها: الإقالة؛ إذا قلنا: هي فسخ؛ فالنَّماء للمشتري، ذكره القاضي في «خلافه».
ويتخرَّج فيه وجه آخر: أنَّه يردُّه مع أصله، وحكاه أبو البركات في «تعليقه» عن القاضي في «خلافه» أيضاً.
стр. 635
ومنها: الرَّدُّ بالعيب، وفي ردِّ النَّماء فيه روايتان:
أشهرهما: أنَّه لا يرده؛ كالكسب.
ونقل ابن منصور عن أحمد كلاماً يدلُّ على أنَّ اللَّبن وحده يردُّ عوضه؛ لحديث المصرَّاة (١).
ونقل عنه ابن منصور أيضاً أنَّه ذَكر له قول سفيان في رجل باع ماشية أو شاة فولدت، أو نخيلاً لها ثمرة، فوجد بها عيباً أو استُحِقَّ (٢): أُخذ منه قيمة الثَّمرة وقيمة الولد إن كان أحدث فيهم شيئاً، أو كان باع أو استهلك، فإن كان مات أو ذهبت به الرِّيح؛ فليس عليه شيء، قال أحمد: كما قال (٣).
وهذا يدلُّ على أن النماء المنفصل يُرَدُّ مع وجوده، ويُرد عوضه مع تلفه إن كان تلف بفعل المشتري، وإن كان تلف بفعل الله تعالى؛ لم يضمن؛ لأنَّ المشتري لم يدخل على ضمانه؛ فيكون كالأمانة عنده.
وأمَّا إذا انتفع به؛ فإنَّه يستقرُّ الضمان عليه، فيردُّ عوضه كما دلَّ عليه حديث المصرَّاة، وكما نقول في (٤) المتَّهب من الغاصب: أنَّه إذا انتفع بالموهوب فأتلفه؛ استقرَّ الضمان عليه.
стр. 636
وحمل القاضي هذه الرِّواية على أنَّ (١) البائع كان قد دلَّس العيب، وأنَّ النَّماء كان موجوداً حال العقد.
ولكنَّ المنصوص عن أحمد في المدلَّس: أنَّه يرجع بالثمن وإن تلف المبيع؛ إلَّا أن نصه في صورة الإباق (٢)، وهو تلف بغير فعل المشتري.
وأطلق الأكثرون ذلك من غير تفصيل بين أن يتلف بفعله أو بفعل غيره؛ لأنَّه سلَّطه على إتلافه بتغريره؛ فلا يستقر عليه الضمان كما يرجع المغرور في النِّكاح بالمهر.
وحكى طائفة من المتأخرين رواية أخرى: أنَّه لا يرجع مع التلف، بل يأخذ الأرش، ورجَّحه أبو الخطاب في «انتصاره» وصاحب «المغني».
وهذا التَّفصيل - بين أن يكون التَّلف بانتفاعه أو بفعل الله تعالى، كما حمل عليه القاضي (٣) رواية ابن منصور-؛ أصحُّ، وهو ظاهر كلام أبي بكر، وبذلك أجاب عن حديث المصراة.
وكذلك أجاب القاضي في «خلافه».
ويمكن أن يقال مثل ذلك في النَّماء الحادث إذا رُدَّ بعيب - على
стр. 637
القول بردِّه - كما حملنا عليه رواية ابن منصور أوَّلاً، والله أعلم.
ومنها: فسخ البائع لإفلاس المشتري بالثَّمن؛ هل يتبعه النماء المنفصل؟ فيه روايتان:
إحداهما: يتبع، وهي المرجَّحة عند القاضي في «الخلاف» وابن عقيل، ونص أحمد في رواية حنبل فيمن اشترى جارية أو دابَّة فولدت، ثمَّ أفلس المشتري؛ رجعت إلى الأوَّل (١)؛ لأنَّها مال البائع وقد استحقَّها وولدها.
وهكذا ذكر (٢) أبو بكر في «التنبيه».
وذكر القاضي في «خلافه» لفظ هذه الرواية: أنَّ أحمد ذكر له قول مالك فيمن اشترى جارية أو دابَّة فولدت، ثمَّ أفلس المشتري: أنَّ الجارية والدَّابَّة وولدها للبائع؛ إلَّا أن يرغب الغرماء في ذلك، فيعطوه حقَّه كاملاً، ويمسكون ذلك؛ فقال أحمد: يرجع إلى الأوَّل؛ لأنَّها ماله.
وهذا لا يدلُّ على غير الرُّجوع في الجارية أو الدَّابة (٣)، وإنَّما القائل بالرجوع في الولد مالك، وليس في كلام أحمد موافقة له (٤).
стр. 638
وأبو بكر كثيراً ما ينقل كلام أحمد بالمعنى الذي يفهمه منه؛ فيقع فيه تغيير شديد.
ووقع له مثل هذا في كتاب «زاد المسافر» كثيراً، مع أنَّ ابن أبي موسى وغيره تأوَّلوا الرُّجوع بالولد على أنَّه كان موجوداً في عقد البيع حملاً.
واختار هو وابن حامد وابن عقيل (١): أنَّها للمفلس؛ لأنَّها نمت في ملكه، وهو ظاهر كلام الخرقيِّ، وكذلك صحَّحه القاضي في «المجرد» وابن عقيل في «الفصول».
ومنها: اللُّقَطَةُ، إذا جاء مالكها وقد نمت نماء منفصلًا؛ فهل يسترده معها؟ على وجهين، خرَّجهما القاضي وابن عقيل من مسألة المفلس.
وفرَّق بينهما صاحب «المغني».
ويحتمل أن يرجع هنا بالزِّيادة المنفصلة وجهاً واحداً؛ لأنَّ تملُّكها إنما كان مستنداً إلى فقد ربِّها في الظَّاهر، وقد تبيَّن خلافه؛ فانفسخ الملك من أصله؛ لظهور الخطأ في مستنده، ووجب الرجوع بما وجده منها قائماً.
وهذا هو الَّذي ذكره ابن أبي موسى، وذكر له أصلًا من كلام أحمد في طيرة فرَّخت عند قوم: أنَّهم يردُّون فراخها.
ومنها: رجوع الأب فيما وهبه لولده إذا كان قد نما نماء منفصلاً؛ هل يستردُّه معه أم لا؟ فيه (٢) وجهان.
стр. 639
ومنها: إذا وهب المريض جميع ماله في مرضه، فنما (١) نماء منفصلًا، ومات ولم يُجِز الورثة؛ فذكر القاضي في «خلافه»: أنَّ الموهوب له مَلَكه بالقبض، وجاز له التَّصرُّف فيه إجماعاً، وإنَّما يثبت للورثة حقُّ الفسخ فيما زاد على الثَّلث، وإذا أجازوا؛ سقط حقُّهم من الفسخ.
فعلى هذا يتخرَّج في استرجاع النَّماء وجهان:
أظهرهما: أنَّ النَّماء للمتَّهب إلى حين الفسخ؛ نبَّه على ذلك الشيخ مجد الدين.
والمعروف في المذهب: أنَّ الهبة تقع مراعاة؛ فلا يتبيَّن ملكها إلَّا حين خروجها من الثُّلث عند الموت، وإن خرج بعضها فله منها مقدار الثُّلث، ويتبعه نماؤه، والزَّائد مبني على الخلاف في الإجازة؛ هل هي تنفيذ أو عطيَّة مبتدأة.
ومنها: إذا عاد الصداق إلى الزَّوج، أو نصفه قبل الدخول، بطلاق أو فسخ، وقد نما عند الزوجة نماء منفصلاً؛ فهل يرجع بنمائه أو نصفه؟
المذهب: أنَّه لا يرجع به، ونصَّ عليه أحمد في رواية أبي داود وصالح (٢).
ونقل عنه ابن منصور أنه ذَكر له قول سفيان في رجل تزوَّج امرأة
стр. 640
على خادمة، ثمَّ زوجها غلامه فولدت أولاداً، فطلَّق امرأته قبل أن يدخل بها؛ فلها نصف قيمتها وقيمة ولدها، قال أحمد: جيِّد (١).
واختلف أصحابنا في معنى هذه الرِّواية على طريقين:
أحدهما -وهو مسلك القاضي-: أنَّها (٢) تدلُّ على أن الزوجة إنما ملكت بالعقد نصف الصَّداق؛ فيكون لها نصف نمائه، وجعل قوله: (وقيمة ولدها) مجروراً بالعطف على قوله: (نصف قيمتها)؛ أي: ونصف قيمة ولدها.
قال: وذِكْر القيمة ههنا محمولٌ على التَّراضي عليها، أو على أنَّ المراد نصف الأم ونصف الولد، ولم يُرِد القيمة.
وهذا المسلك ضعيف جداً، وفي تمام النص ما يبطله، وهو قول أحمد: (فإن أعتقها قبل أن يدخل بها؛ لا يجوز عتقه؛ لأنَّه حين تزوَّجها وجبت لها الجارية).
وهذا تصريح بأنَّها ملكت الأمة كلَّها بالعقد؛ إذ لولا ذلك لعتق نصفها بالملك، وسرى العتق إلى الباقي مع اليسار.
وكذلك سلك أبو بكر في «زاد المسافر» وابن أبي موسى في تخريج هذا النَّصِّ؛ بناء على أنَّ المرأة لا (٣) تملك بالعقد إلَّا النصف.
стр. 641
ثمَّ خرَّج أبو بكر قولاً آخر (١) لأحمد في هذه المسألة على قوله: (تملك الصَّداق كلَّه بالعقد): أنَّ الأولاد والنَّماء لها، ويرجع بنصف قيمة الأمِّ دون الأولاد؛ يعني: الزَّوج، قال (٢): وبه أقول.
وهذا (٣) اختيار صاحب «المغني» أيضاً؛ فراراً من التفريق بين الأمِّ وولدها في بعض الزمان.
وأمَّا ابن أبي موسى؛ فإنه خرج وجهاً على القول بملك الصَّداق كله بالعقد: أن الولد للمرأة؛ لحدوثه في ملكها، ولها نصف قيمة الأمِّ. فجعل للزَّوجة القيمة كما في نصِّ أحمد.
وهذا الوجه ضعيف جداً (٤)؛ حيث تضَّمن التفريق بين الأم (٥) وولدها بغير العتق، ومنع الزَّوجة من أخذ نصف الأمة، وهو أقرب إلى عدم التَّفريق من أخذ نصف القيمة.
وعند القاضي: إذا قيل: إنَّ الولد كلَّه لها؛ فللزوج نصف قيمة الأمة (٦)، صرَّح به في «المجرد».
وقال في «الخلاف»: يرجع بنصف الأمة (٧).
стр. 642
والطَّريق الثاني في (١) معنى الرِّواية: أنها تدل على أن النَّماء المنفصل يرجع به الزَّوج بالفرقة؛ تبعاً للأصل.
وهذا مسلك جماعة منهم صاحب «المحرر»، ولكنَّه (٢) استشكل إيجاب القيمة دون العين، وقال: لا أدري هل هو لنقص الولادة أو لغير ذلك؟! فإنَّ أحمد جعل للمرأة نصف قيمة الأمة ونصف قيمة الولد (٣)؛ لأجل حقِّ الزوج في ملك نصف الأمة وولدها، وليس ذلك بأولى من العكس.
وقد يجاب عن ذلك: بأنَّ الطَّلاق يُرجع به نصف الأمة إلى الزَّوج؛ قهراً كالميراث؛ لأنَّه باق بعينه، لا سيَّما والأملاك القهريَّة يملك بها ما لا يملك بالعقود الاختياريَّة، فلا يجبر الزَّوج بعد ذلك على أخذ قيمته، بل يتعيَّن تكميل الملك له في الأمِّ والولد؛ حذراً من التفريق المحرم.
ويشبه هذا ما قاله الخرقيُّ فيما إذا كان الصداق أرضاً فبنت فيه، ثمَّ طلقها قبل الدخول: أن الزوج يرجع بنصف الأرض، ويتملَّك عليها البناء الذي فيه بالقيمة.
لكن أحمد في تمام هذا النص بعينه من (٤) رواية ابن منصور ذكر مسألة البناء وصَبغ الثَّوب، وقال: للزوج نصف القيمة؛ لأَّنه استهلاك (٥).
стр. 643
ففرَّق بين أن تكون المرأة وصلت الصَّداق بمالها على وجه لا ينفصل عنه إلَّا بضرر عليها، وبين أن يكون باقياً بعينه.
ففي الأوَّل يتعيَّن للزوج نصف القيمة؛ لاختلاط المالين، وفي الثَّاني يرجع بنصف العين؛ لبقائها بحالها، وإنَّما جاز (١) الإجبار على تكميل الملك؛ للمانع الشَّرعيِّ من التَّفريق.
ويحتمل عندي في معنى رواية ابن منصور طريقٌ ثالث، وهو أن يكون أراد أحمد أنَّ للزوجة نصف قيمة الأمة، ولها قيمة ولدها كاملة؛ لأن الولد نماء تختصُّ به الزوجة، وقد عاد إلى الزوج نصف الأم؛ فتجبر الزَّوجة على أخذ نصف قيمة الأم وقيمة الولد بكمالها؛ حذراً من التفريق، ولعل هذا أظهر مما قبله (٢)، والله أعلم.
ومنها: من وجد عين ماله الَّذي استولى عليه الكفار في المغنم قبل القسمة وقد نما نماء منفصلاً، فإن قلنا: لم تملكه الكفَّار بالاستيلاء؛ فهو له بنمائه (٣).
وإن قلنا: ملكوه؛ فإنَّه يرجع فيه.
وهل يرجع بنمائه؟ يتخرَّج على وجهين؛ كبائع المفلس؛ لأنَّ حقوق الغانمين متعلِّقة بالنماء كتعلق حقوق غرماء المفلس بأمواله.
وذكر القاضي في «المجرد»: أنَّها إذا كانت أمة فوطئها الحربيُّ
стр. 644
وولدت منه: أنَّ الولد غنيمة لا يرجع به المالك؛ لأنَّه حدث في ملك الحربيِّ الواطئ، فانعقد حرًّا.
لكن هذا قد يختصُّ باستيلاد المالك لها، فإن ولده ينعقد حراً، وإنَّما يطرأ عليه الرِّق بعد ذلك؛ فلا يكون من نمائها، بخلاف ما لو زوَّجها فولدت من الزوج؛ فإنه يكون من نمائها لانعقاده رقيقاً.
وقد سئل أحمد عن عبد المسلم إذا لحق بدار الحرب، ثم رجع ومعه من أموالهم؛ فتوقَّف في مستحِقِّ المال الذي معه، وقال مرَّة: هو للمسلمين، وأنكر أن يكون للسيد، وعلَّل بأن العبد ليس له غنيمة (١)(٢).
قال الخلَّال: هذا هو المذهب؛ لأنَّ العبد لا غنيمة له.
وحمله القاضي على أنَّ ما يأخذه الواحد من دار الحرب يكون فيئاً، قال: فأما (٣) إن قلنا: هو لآخذه؛ فهو هنا للسَّيِّد.
فصل
وأمَّا الحقوق المتعلِّقة بالأعيان من غير عقد ولا فسخ، فإن كانت ملكاً قهريًّا؛ فحكمه حكم سائر التَّملُّكات (٤).
стр. 645
وإن لم يكن ملكاً، فإن كانت حقًّا لازماً لا يمكن إبطاله بوجه؛ كحقِّ (١) الاستيلاد؛ سرى حكمه إلى الأولاد دون الأكساب؛ لبقاء ملك مالكه عليه.
وإن كان غير لازم، بل يمكن إبطاله؛ إمَّا باختيار المالك، أو برضى المستحقِّ؛ لم يتبع النَّماء فيه الأصل بحال.
ويتخرَّج على ذلك مسائل:
منها: الأمة الجانية لا تتعلق الجناية بأولادها ولا أكسابها؛ لأنَّ حقَّ الجناية ليس بالقويِّ، ولهذا لم يمنع التَّصرف عندنا، ولأنَّ حقَّ الجناية تعلق بالجانية؛ لصدور الجناية منها، وهذا مفقود في ولدها، وكسبها ملك للسَّيِّد، بخلاف المكاتبة.
ومنها: تركة من عليه دين إذا تعلَّق بها حقُّ الغرماء بموته.
فإن قيل: هي باقية على حكم ملك الميِّت؛ تعلَّق حقُّ الغرماء بالنماء أيضاً (٢) كالمرهون، كذا ذكره القاضي وابن عقيل في كتاب القسمة.
وينبغي (٣) أن يقال: إن قلنا: إنّ (٤) تعلُّق الدَّين بالتَّركة تعلُّق رهنٍ يمنع التَّصرُّف؛ فالأمر كذلك، وإن قلنا: تعلُّق جناية لا يمنع التَّصرُّف؛ فلا يتعلَّق بالنماء.
стр. 646
وأمَّا إن قلنا: تنتقل التَّركة إلى الورثة بمجرد الموت؛ لم يتعلَّق حقوق الغرماء بالنَّماء؛ إذ هو تعلُّقٌ (١) قهريٌّ؛ كالجناية، كذا ذكره (٢) القاضي وابن عقيل.
وخرَّج الآمدي وصاحب «المغني» تعلُّق الحقِّ بالنماء مع الانتقال أيضاً كتعلق الرهن.
ويقوى هذا على قولنا: إنَّ التَّعلق (٣) تعلق رهن.
وقد ينبني ذلك على أصل آخر، وهو أنَّ الدَّين هل هو باق في ذمة الميت، أو انتقل إلى ذمم الورثة، أو هو متعلِّق بأعيان التَّركة لا غير؟ وفيه ثلاثة أوجه:
الأوَّل (٤): قول الآمديِّ، وابن عقيل في «الفنون»، وصاحب «المغني»، وهو ظاهر كلام الأصحاب في مسألة ضمان دين الميت.
والثَّاني: قول القاضي في «خلافه»، وأبي الخطاب في «انتصاره»، وابن عقيل في موضع آخر.
وكذلك قال القاضي في «المجرد»، ولكنَّه خصَّه بحالة تأجيل الدَّين؛ لمطالبة الورثة بالتَّوثقة.
والثَّالث: قول ابن أبي موسى؛ فيتوجَّه على قوله ألَّا تتعلق الحقوق
стр. 647
بالنَّماء؛ إذ هو كتعلُّق الجناية.
وعلى الأوَّلين: يتوجَّه تعلُّقها بالنَّماء كالرهن.
وقد يقال: لا تتعلَّق حقوق الغرماء بالنماء إذا قلنا: تنتقل التَّركة إلى الورثة بكلِّ حال؛ إلَّا أن يقول: إنَّ الدين في ذممهم؛ لأنَّ تبعيَّة النَّماء في الرهن إنما يحكم به إذا كان النماء ملكاً لمن عليه الحقُّ، فأما إن كان ملكاً لغيره؛ لم يتبع، كما لو رهن المكاتب سيِّده؛ فإنَّ كسبه لا يكون داخلاً في الرهن؛ لأنه على ملك المكاتب.
وكذا ينبغي أن يقال فيمن استعار شيئاً ليرهنه؛ فرهنه: إنَّ نماءه لا يدخل في الرَّهن لذلك.
وقد يقال: التَّركة تعلَّق الحقُّ بها تعلُّقاً قهريًّا مع انتقال ملكها إلى الورثة؛ فكذلك نماؤها.
ويجاب عنه: بأنَّ التَّعلُّق حالة الانتقال إنَّما يثبت لضعف المانع منه (١)؛ حيث اقترن التَّعلقُ ومانعه وهو الانتقال، فأمَّا بعد الانتقال واستقرار الملك؛ فلا تعلُّق (٢)؛ لسبق المانع واستقراره، والله أعلم.
وأمَّا تعلُّق الضمان بالأعيان للتَّعدي؛ فيتبع فيه النَّماء المنفصل إذا كان داخلاً تحت اليد العدوانيَّة.
فمن ذلك: الغصب، يضمن فيه النَّماء المنفصل على المذهب، ولم يحك ابن أبي موسى في ضمانه خلافاً، مع حكايته الخلاف في المتَّصل.
стр. 648
ولا يظهر الفرق بينهما؛ فالتَّخريج متوجِّه.
بل قد يقال: ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور الَّتي سقناها في الرَّدِّ بالعيب يدلُّ على عدم الضَّمان، حيث سوَّى بين ظهور العيب والاستحقاق.
ومنه: الأمانات إذا تعدَّى فيها ثمَّ نمت؛ فإنَّه يتبعها في الضَّمان.
ومنه: صيد الحرم والإحرام؛ يُضمن نماؤه المنفصل إذا دخل تحت اليد الحسيَّة، وإن (١) لم يدخل تحت اليد، لكنَّه هلك بسبب إمساك الأمِّ؛ ففيه خلاف مشهور.
تنبيه:
اضطرب كلام الأصحاب في الطَّلع والحمل؛ هل هما زيادة متصلة أو منفصلة؟
أمَّا الطَّلع؛ فللأصحاب فيه طرق:
أحدها: أنَّه زيادة متَّصلة، سواء أُبِّر أو لم يؤبَّر، وبه جزم القاضي وابن عقيل في كتاب الصَّداق، وأنَّ الزَّوج يجبر على قبوله إذا بذلته الزَّوجة بكلِّ حال.
وكذا ذكر صاحب «الكافي» في كتاب الصَّداق، وجعل كلَّ ثمرة على شجرها زيادة متَّصلة.
وصرَّح القاضي في «المجرد» في باب الغصب: بأنَّ الزَّيادة المتصلة التي يمكن إفرادها؛ كصَبغِ الثَّوب (٢)، وتزويق الدَّار، والمسامير في
стр. 649
الباب؛ هل يجبر على قبولها؟ يخرَّج على وجهين:
أصحُّهما: يجبر، وهو قول الخرقيِّ في الصَّداق (١).
والثَّاني: أنَّه زيادة منفصلة بكلِّ حال، أبِّر أو لم يؤبَّر؛ لأنَّه يمكن فصله وإفراده بالبيع.
كذلك أطلقه القاضي وابن عقيل أيضاً في موضع من التَّفليس والرَّدِّ بالعيب.
وصرح صاحب «المغني» بإبدائه (٢) احتمالاً، وحكاه في «الكافي» عن ابن حامد.
والثَّالث (٣): أنَّ المؤبَّر زيادة منفصلة، وغير المؤبَّر زيادة متصلة، صرَّح به القاضي وابن عقيل أيضاً في التَّفليس والرد بالعيب، وذكر أنَّه منصوص عن أحمد؛ اعتباراً بالتَّبعيَّة في البيع وعدمها.
الرَّابع: أنَّ غير المؤبر زيادة متَّصلة بغير خلاف، وفي المؤبَّر وجهان، وهذه طريقة صاحب «التَّرغيب» في الصَّداق.
والخامس: أنَّ المؤبَّر زيادة منفصلة وجهاً واحداً، وفي غير المؤبر وجهان، واختيار ابن حامد: أنَّها منفصلة، وهي طريقة «الكافي» في التَّفليس.
وأمَّا الحمل؛ فقال القاضي وابن عقيل في الصَّداق: هو زيادة متَّصلة.
стр. 650
قال القاضي: ويجبر الزوج على قبولها إذا بذلتها المرأة.
وخالفه ابن عقيل في الآدميات؛ لأنَّ الحمل فيهنَّ نقص من جهة وزيادة من جهة، بخلاف البهائم؛ فإنَّه فيها زيادة محضة.
قال (١) القاضي في التفليس (٢): ينبني على أنَّ الحمل هل له حكم أم لا؟ فإن قلنا: له حكم؛ فهو زيادة منفصلة، وإلَّا فهو زيادة متَّصلة؛ كالسِّمَن.
وفي «التَّلخيص»: الأظهر أنَّه يتبع في الرُّجوع (٣)؛ كما يتبع في البيع والحبِّ إذا صار زرعاً، والبيضة إذا صارت فَرُّوجاً (٤).
فأكثر الأصحاب على أنَّها داخلة في النَّماء المتَّصل، كذلك قال القاضي وابن عقيل في الفلس والغصب.
وذكر صاحب «المغني» وجهاً آخر، وصحَّحه: أنَّه من باب تغيُّر
стр. 651
العين بما يزيل الاسم؛ لأنَّ الأوَّل استحال.
وكذا ذكر ابن عقيل في موضع آخر.
وفي «المجرد»: لو حلف لا يأكل بيضة؛ فصارت فرُّوجاً، أو حبًّا فصار سنبلاً: أنَّه لا يحنث بأكله؛ لزوال الاسم.
وهذا إنَّما يتوجَّه على قول ابن عقيل في مسألة تعارض الاسم والتَّعيين، فأمَّا على المشهور؛ فينبغي أن يحنث، وبه جزم القاضي في «خلافه»، وأشار (١) إليه ابن عقيل في «الفصول»؛ كما (٢) لو حلف لا يأكل هذا التَّمر فصار دبساً.
وقد يفرق (٣): ببقاء حلاوة التَّمر ولونه، بخلاف الأول (٤).
ولو اشترى بيضة فوجد فيها فرُّوجاً؛ فالبيع باطل، نصَّ عليه في رواية ابن منصور (٥)، وهو يشهد للقول بأنَّ البيض والفرُّوج عينان متغايرتان؛ فيكون كما إذا تبايعا دابَّة يظنُّان أنَّها حمارٌ، فإذا هي فرس.
والقصيل إذا صار سنبلاً؛ فهو زيادة متَّصلة، وإذا اشتدَّ الحبُّ؛ فليس بعده زيادة لا متصلة ولا منفصلة، ذكره القاضي.
стр. 652
قاعدة [٨٣]
إذا انتقل الملك عن النخل بعقد أو فسخ تتبع فيه الزِّيادة المتصلة دون المنفصلة ، أو بانتقال استحقاق؛ فإن كان فيه طلع مؤبَّر؛ لم يتبعه في الانتقال، وإن (١) كان غير مؤبَّر؛ تبعه.
كذا قال القاضي في كتاب التَّفليس من «المجرَّد»، قال: وسواء كان الانتقال بعوض اختياريٍّ؛ كالبيع والصُّلح والنِّكاح والخلع، أو بعوض قهريٍّ؛ كالأخذ بالشُّفعة ورجوع البائع في عين ماله بالفلس، وبيع الرَّهن بعد أن أطلع بغير اختيار الرَّاهن، والرجوع في الهبة بشرط الثَّواب، أو كان الانتقال بغير عوض، سواء كان اختياريًّا؛ كالهبة والصَّدقة، أو غير اختياريٍّ؛ كالرُّجوع في الهبة للأب.
وهو ظاهر كلامه في بيع الأصول والثِّمار أيضاً؛ لأنَّه جعل الكلَّ كالبيع سواء، وصرَّح بذلك صاحب «الكافي» في العقود والفسوخ.
وأمَّا ابن عقيل؛ فإنَّه أطلق في الفسخ للإفلاس والرُّجوع في الهبة أنَّ الطَّلع يتبع الأصل (٢)، ولم يفصِّل؛ وعلَّل: بأنَّ الفسخ رفع للعقد من أصله.
стр. 653
وصرَّح صاحب «المغني» في البيع بأن الفسخ يتبع الطَّلع فيه أصله، سواء أبِّر أو لم يؤبر؛ لأنَّه نماء متصل، فأشبه السِّمَن، وصرَّح بدخول الإقالة والفسخ بالعيب في ذلك، وهو موافق لكلام الأصحاب في الصَّداق.
وقد قدَّمنا (١) أنَّ صاحب «المغني» ذكر احتمالاً في الفسخ بالفلس (٢) ونحوه: أنَّه لا يتبع فيه الطَّلع، سواء أُبِّر أو لم يؤبر؛ لتميُّزه وإمكان إفراده بالعقد؛ فهو كالمنفصل، بخلاف السِّمن ونحوه.
وهذا عكس ما ذكره في البيع، وهو مع ذلك موافق لإطلاق كثير من الأصحاب أنَّ الثَّمرة لا تُردُّ مع الأصل بالعيب من غير تفصيل، وكذا في الفلس.
فتحرَّر من هذا: أنَّ العقود كالبيع، والصلح، والصداق، وعوض الخلع، والإجارة (٣)، والهبة، والرَّهن؛ يفرَّق فيها بين حالة التَّأبير وعدمه، ونصَّ عليه أحمد في الرَّهن في رواية ابن الحكم.
إلَّا أنَّ في الأخذ بالشُّفعة وجهاً آخر سبق ذكره: أنَّه يتبع فيه المؤبَّر إذا كان في حال البيع غير مؤبَّر، لأنَّ الأخذ يستند إلى البيع؛ إذ هو سبب الاستحقاق.
وأمَّا الفسوخ؛ ففيها ثلاثة أوجه:
стр. 654
أحدها: أنَّ الطلع يتبع فيها مع التَّأبير وعدمه؛ بناء على أنَّ الطلع زيادة متَّصلة بكل حال، أو على أن الفسخ رفع للعقد من أصله.
والثَّاني: لا يتبع بحال؛ بناء على أنه زيادة منفصلة وإن لم يؤبَّر.
والثَّالث: إن كان مؤبَّراً تبع، وإلَّا فلا؛ كالعقود.
هذا كلُّه على القول بأنَّ النماء المنفصل لا يتبع في الفسوخ.
أمَّا إن قيل بتبعيَّته؛ فلا إشكال في أنَّ الطَّلع يتبع، سواء أبِّر أو لم يؤبر.
وكذلك إن قيل: إنَّ الفسوخ لا تتبع فيها الزِّيادة المتَّصلة؛ فإنَّ الطَّلع لا يتبع فيها بكلِّ حال.
وأمَّا الوصية والوقف؛ فالمنصوص عن أحمد: أنَّه يدخل فيهما (١) الثَّمرة الموجودة يوم الوصية إذا بقيت إلى يوم الموت، من غير تفريق بين أن يؤبَّر أو لا يؤبر.
نقل عنه أبو بكر بن صدقة (٢) في الرَّجل يوصي بالكرم أو البستان لرجل، ثمَّ يموت وفي الكرم حمل، قال: (إذا كان أوصى به وفيه حمل؛ فهو للموصى له (٣).
وقال في رواية محمد بن موسى، وسئل عن الرَّجل يوصي بالبستان
стр. 655
أو الكرم لرجل، ثمَّ يموت وفي الكرم أو البستان حمل؛ لمن الحملُ؟ قال: (إن كان يوم أوصى به له (١) فيه حمل؛ فهو له) (٢).
فأطلق (٣) أنَّه يدخل في الوصيَّة، ولم يفصِّل، وقد تُوَجَّه: بأنَّ الوصيَّة عقد تبرُّعٍ لا يستدعي عوضاً؛ فدخل فيها كلُّ متَّصل، بخلاف عقود المعاوضات.
وعلى هذا؛ فالهبة المطلقة كذلك، وهو خلاف ما ذكره الأصحاب، وكذلك الوقف المنجَّز وأولى.
ويحتمل: أن يختصَّ ذلك بما فيه معنى القربة من الصَّدقة والوقف والوصية (٤).
وأمَّا اعتبار وجوده يوم الوصية - مع أنَّ الملك يتراخى إلى ما بعد الموت-؛ فلأنَّ العقد إذا انعقد؛ كان سبباً لنقل الملك، وإنَّما تأخَّر تأثيره إلى حين الموت، فإذا وجد الموت استند الملك إلى حال الإيصاء.
ولهذا لو وصَّى له بأمة حامل، ثمَّ مات الموصي قبل الوضع؛ فالولد للموصى له بغير خلاف، وسواء قلنا: إنَّ للحمل حكماً، وأنَّه كالمنفصل، أوْ لا.
وأمَّا إن تجدَّد مستحِقٌّ من أهل الوقف وفي النَّخل طلع؛ فههنا حالتان:
стр. 656
إحداهما: أن يكون استحقاقه من غير انتقال من غيره، والمنصوص عن أحمد: أنَّه إن حدث استحقاقه بعد التَّأبير؛ لم يستحقَّ من الثَّمر شيئاً، وإن كان قبله؛ استحقَّ.
قال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن رجل أوقف نخلاً على ولدِ قومٍ وولدِه ما توالدوا، ثمَّ وُلد مولود؛ قال: (إن كان النَّخل قد أُبِّر؛ فليس له في ذلك شيء، وهو ملك الأوَّل، وإن لم يكن أبِّر؛ فهو معهم، وكذلك الزَّرع إذا بلغ الحصاد؛ فليس له شيء، وإن كان لم يبلغ الحصاد؛ فله فيه) (١).
وكذلك صرَّح الأصحاب بالفرق بين المؤبَّر وغيره ههنا، منهم ابن أبي موسى والقاضي وأصحابه؛ معلِّلين بتبعيَّة غير المؤبر في العقود؛ فكذا في الاستحقاق.
وعلَّل بعض الأصحاب: بأنَّ غير المؤبَّر في حكم المعدوم؛ لاستتاره وكُمُونِه (٢)، والمؤبر في حكم الموجود؛ لبروزه وظهوره، وهو شبيه بقول من يقول: إنَّ الحمل ليس له حكم ما لم يظهر.
الحالة الثَّانية: أن يخرج بعض أهل الاستحقاق لموت أو غيره وينتقل نصيبه إلى غيره، قال يعقوب بن بختان: سئل أحمد عن رجل مات، فقال: ضيعتي الَّتي بالثَّغر لمواليَّ الَّذين بالثَّغر، وضيعتي الَّتي
стр. 657
ببغداد لمواليَّ الَّذين ببغداد وأولادهم؛ فلمن بالثَّغر أن يأخذوا من هذه الضَّيعة الَّتي ههنا؟ قال: (لا، قد أفرد هذه من هذه)، فقيل له: فقَدِم بعضُ مَن بالثَّغر إلى ههنا، وخرج مِن ههنا بعضُهم إلى ثَمَّ، وقد أبِّرت النَّخل؛ ألهم فيها شيء؟ قال: (لا)، فقيل: فإن وُلد لأحدهم ولدٌ بعد ما أبِّرت؟ فقال: (وهذا أيضاً شبيه بهذا)، كأنَّه رأى ما (١) قبل التَّأبير جائزٌ، أو كما قال (٢).
وهذا موافق لنصِّه السَّابق في أنَّ تجدُّد المستَحِقِّ للوقف بعد التَّأبير لا يقتضي استحقاقه منه.
وأمَّا خروج الخارج من البلد؛ فلم يشمله جوابه (٣)، وانقطاع حقِّ المستحقِّ بموته أو زوال صفة الاستحقاق شبيه بانفساخ العقد المزيل للملك قهراً، وقد سبق الخلاف فيه، لا سيَّما على قولنا (٤): إنَّ الوقف ملك للموقوف عليه؛ فيصير موته كانفساخ ملكه في الأصل؛ فيخرَّج في تبعية الطَّلع له الخلاف السَّابق.
فإن قيل بالتَّفريق بين ما قبل التَّأبير وبعده؛ فلأنَّ الطَّلع إذا لم يؤبَّر في حكم الحمل في البطن واللَّبن في الضَّرع؛ فلا يكون له حكم بملك ولا غيره حتَّى يظهر.
стр. 658
وإن سُلِّم أنَّ له حكماً بالملك؛ فالمستحِقُّ الحادث لمَّا شارك في غير المؤبَّر مع ظهوره على ملك الأوَّلين؛ دلَّ على أنَّ ملكهم لم يستقرَّ عليه، بخلاف المؤبَّر؛ فإنَّ ملكهم استقرَّ عليه، فمن زال استحقاقه قبل استقرار الملك؛ سقط حقُّه.
فصل
هذا كلُّه في حكم ثمر النَّخل.
فأمَّا غيره من الشَّجر؛ فما كان له كِمام ينفتح فيظهر ثمره كالقطن؛ فهو كالطَّلع.
وألحق أصحابنا به: الزُّهور الَّتي تخرج منضمَّة ثمَّ تنفتح؛ كالورد (١)، والياسمين، والبنفسج، والنَّرجس.
وفيه نظر؛ فإنَّ هذا المنضمَّ هو نفس الثَّمرة أو قشرها الملازم لها؛ كقشر الرُّمَّان؛ فظهوره ظهور للثَّمرة، بخلاف الطَّلع؛ فإنَّه وعاء للثَّمرة يزول عنها قريباً، وكلام الخرقيِّ يدلُّ على ذلك؛ حيث قال: (وكذلك بيع الشَّجر إذا كان فيه ثمر بادٍ، وبدوُّ الورد ونحوه ظهوره من شجره، وإن كان منضمًّا) (٢).
وللأصحاب وجهان في الورق المقصود؛ كورق التُّوت، هل يعتبر
стр. 659
تفتُّحه كالثَّمر، أو يتبع الأصل بمجرَّد ظهوره؟ وهذه الزُّهور بمعناه.
ومنه: ما يظهر نَوْرُه (١) ثمَّ يتناثر فيظهر ثمره؛ كالتُّفاح والمشمش، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: إن تناثر نوره؛ فهو للبائع، وإلَّا فلا، وبه جزم القاضي في «خلافه»؛ لأنَّ ظهور ثمره يتوقَّف على تناثر نوره.
والثَّاني: أنَّه بظهور (٢) نوره للبائع، ذكره القاضي احتمالاً؛ جعلاً للنَّور كما في الطَّلع؛ لأنَّ الطَّلع ليس هو عين الثَّمرة، بل هي مستترة فيه، فتكبَرُ (٣) في جوفه وتظهر حتَّى تصير تلك في طرفها، وهي قمع الرَّطبة.
والثَّالث: هو للبائع بظهور الثَّمرة وإن لم يتناثر النَّور، كما إذا كبِر قبل انتثاره، وهو ظاهر كلام الخرقيِّ واختيار صاحب «المغني»، وهو أصحُّ، وقياس ما في بطن الطَّلع على النَّور لا يصحُّ؛ لأنَّ النَّور يتناثر، وما في جفِّ (٤) الطَّلع ينمو ويتزايد حتَّى يصير ثمراً.
ومنه: ما تظهر (٥) ثمرته من غير نور، فهو للبائع بظهوره، سواء كان
стр. 660
له قشر يبقى فيه إلى أكله؛ كالرُّمَّان والموز، أو له قشران؛ كالجوز واللَّوز، أو لا قشر له؛ كالتِّين والتُّوت.
وقال القاضي: ما له قشران لا يكون للبائع إلَّا بتشقُّق قشره الأعلى.
وردَّه صاحب «المغني»: بأنَّ تشقُّقه في شجره نادر، وتشقُّقه قبل كماله يفسده، بخلاف الطَّلع.
وفي «المبهج»: الاعتبار بانعقاد لبِّه، فإن لم ينعقد؛ تبع أصله، وإلَّا فلا.
وأمَّا الزَّرع الظَّاهر في الأرض إذا انتقل الملك فيها بالبيع ونحوه؛ فهو للبائع؛ لأنَّه ليس من أجزاء الأرض، وإنَّما هو مودع فيها، فأشبه الثَّمرة المؤبَّرة، قال في «المغني»: (لا أعلم فيه خلافاً) (١).
وفي «المبهج» للشِّيرازيِّ: إن كان الزَّرع بدا صلاحه؛ لم يتبع، وإن لم يبدُ صلاحه؛ فعلى وجهين: فإن قلنا: لا يتبع؛ أخذ البائع بقطعه إلَّا أن يستأجر الأرض من المشتري إلى حين إدراكه، وأمَّا إذا بدا صلاحه؛ فإنَّه يبقى في الأرض من غير أجرة إلى حين حصاده.
وهذا غريب جدًّا، مخالف لما عليه الأصحاب، مع أنَّ كلام أحمد في استحقاق الوقف يشهد له؛ حيث قال: إن ولد مولود من أهل الوقف قبل أن يبلغ الحصاد؛ استحقَّ، وإلَّا لم يستحقَّ؛ لأنَّه قد انتهى نموُّه وزيادته ببلوغه الحصاد (٢).
стр. 661
وهكذا قال ابن أبي موسى، لكنَّه عبر بالاستحصاد وعدمه.
وأمَّا صاحب «المغني»؛ فقال: (ما كان من الزَّرع لا يتبع الأرض في البيع؛ فلا حقَّ فيه للمتجدِّد؛ لأنه كالثَّمر المؤبر، وأمَّا ما كان يتبع في البيع - وهو ما لم يظهر ممَّا يتكرَّر حمله من الرِّطاب (١) والخضروات-؛ فيستحِقُّ فيه المتجدِّد) (٢).
وقياس المنصوص في الزرع: أن يستحقَّ المتجدِّد في الوقف من الثَّمر حتى يبدو صلاحه، ويجوز بيعه مطلقاً.
ولكنَّ أحمد فرَّق بينهما كما تقدم؛ فاعتبر في الزَّرع بلوغ الحصاد، وفي الثَّمر التأبير (٣).
стр. 662
ونصُّه مع ذلك في استحقاق الموصى له بالشَّجر: الثَّمر الموجود فيه حال الوصيَّة، من غير تفريق بين أن يبدوَ صلاحه أو لا يبدو، مشكلٌ.
وأفتى الشَّيخ تقي الدين: بأن الثمر إنما يستحقُّه من بدا الصَّلاح في زمن استحقاقه، حتَّى لو مات البطن الأوَّل وقد أطلع الثَّمر بعمله، ثمَّ بدا صلاحه بعد موته؛ فإنَّه يكون للبطن الثَّاني (١).
وقال في شجر الحور (٢) الموقوف: (أنَّه إن أدرك أوإن قطعه في حياة البطن الأوَّل؛ فهو له، فإن مات وبقي في الأرض مدَّة حتى زاد؛ كانت الزِّيادة حادثة في منفعة الأرض الَّتي للبطن الثَّاني، ومن الأصل الَّذي لورثة الأوَّل؛ فإمَّا أن يقسم الزيادة بينهما على قدر القيمتين، وإمَّا أن يعطي الورثةُ أجرةَ الأرض للبطن الثَّاني، وإن غرسه البطن الأوَّل من مال الوقف ولم يدرك إلَّا بعد انتقاله إلى البطن الثَّاني؛ فهو لهم، وليس لورثة الأوَّل فيه شيء) (٣).
واعلم أنَّ ما ذكرناه في استحقاق الموقوف عليه ههنا: إنَّما هو إذا
стр. 663
كان استحقاقه بصفة محضة؛ مثل كونه ولداً أو فقيراً أو نحوه (١).
أمَّا إذا كان استحقاق الوقف عوضاً عن عمل، وكان المغلُّ كالأجرة ينبسط على جميع السَّنة؛ كالمقاسمة القائمة مقام الأجرة، أو كان استغلال الأرض لجهة الوقف من ماله؛ فإنَّه يستَحِقُّ كلُّ من اتَّصف بصفة الاستحقاق في ذلك العام منه، حتَّى من مات في أثنائه (٢) استَحَقَّ بقسطه، وإن لم يكن الزَّرع قد وُجد، حتَّى لو تأخر إدراك ذلك العام إلى أثناء العام الذي بعده؛ لم يستحِقَّ منه من تجدَّد استحقاقه في عام الإدراك، واستحَقَّ منه من مات (٣) في العام الَّذي قبله، وبنحو ذلك أفتى الشَّيخ تقي الدين ﵀ (٤).
وأفتى الشيخ شمس الدين ابن أبي عمر (٥): بأنَّ الاعتبار في ذلك بسنة المغلِّ دون السَّنة الهلالية، في جماعة مقدّرين (٦) في قرية حصل
стр. 664
لهم حاصل من قريتهم الموقوفة عليهم، فطلبوا أن يأخذوا ما استحقوه عن الماضي - وهو مغلُّ سنة خمس وأربعين مثلًا-؛ فهل يصرف إليهم النَّاظر بحساب سنة خمس الهلاليَّة، أو بحساب سنة المغلِّ، مع أنَّه قد نزل بعد هؤلاء المتقدِّمين جماعة شاركوا في حساب سنة المغلِّ، فإنْ أخذ أولئك على حساب السَّنة الهلاليَّة؛ لم يبق للمتأخرين إلَّا شيء يسير؟
فأجاب: بأنَّه لا يحتسب إلَّا بسنة المغلِّ دون الهلاليَّة، ووافقه جماعة من الشَّافعيَّة والحنفية على ذلك (١).
стр. 665
قاعدة [٨٤]
الحمل؛ هل له حكم قبل انفصاله أم لا ؟
حكى القاضي وابن عقيل وغيرهما في المسألة روايتين، قالوا: والصَّحيح من المذهب أنَّ له حكماً.
وهذا الكلام على إطلاقه قد يستشكل، فإنَّ الحمل يتعلَّق به أحكامٌ كثيرة ثابتة بالاتَّفاق؛ مثل: عزل الميراث له، وصحَّة الوصية له، ووجوب الغرَّة بقتله، وتأخير إقامة الحدِّ واستيفاءِ القصاص من أمِّه حتَّى تضعه، وإباحة الفطر لها إذا خشيت عليه، ووجوب النَّفقة لها إذا كانت بائناً، وإباحة طلاقها وإن كانت (١) موطوءة في ذلك الطُّهر قبل ظهوره، إلى غير ذلك من الأحكام، ولم يريدوا إدخال هذه الأحكام في محلِّ الروايتين.
وفصل القول في ذلك: أنَّ الأحكام المتعلِّقة بالحمل نوعان:
أحدهما: ما يتعلق - بسبب الحمل - بغيره: فهذا ثابت بالاتفاق؛ لأنَّ الأحكام الشَّرعية تتعلق على الأسباب الظاهرة، فإذا ظهرت أمارات الحمل؛ كان وجوده هو الظَّاهر، فيترتَّب (٢) عليه أحكامه في الظَّاهر، ثمَّ
стр. 666
إن خرج حيًّا؛ تبيَّنا ثبوت تلك الأحكام في الباطن، وإن بان أنَّه لم يكن حمل أو خرج ميتاً؛ تبيَّنَّا فساد ما يتعلَّق من الأحكام به أو بحياته؛ كإرثه ووصيَّته.
وهذه الأحكام كثيرة جدًّا، بعضها (١) متَّفق عليه، وبعضها فيه اختلاف (٢).
فمنها: إذا ماتت كافرةٌ وفي بطنها حملٌ محكوم بإسلامه؛ لم تدفن في مقابر الكفَّار؛ لحرمة الحمل.
ومنها: إخراج الفطرة عن الحمل، وهي مستحبَّة، وفي وجوبها طريقان للأصحاب:
منهم: من جزم بنفي الوجوب.
ومنهم من قال: في المسألة روايتان.
ومنها: فطر الحامل إذا خافت على جنينها من الصَّوم؛ ويجب عليها القضاء والكفارة، وهل الكفارة من مالها، أو بينها وبين من يلزمه نفقة الحمل؟ على احتمالين، ذكرهما ابن عقيل في «فنونه».
ومنها: إذا اشترى جارية فبانت حاملاً؛ فنصَّ أحمد في رواية أبي طالب: (أنَّ البائع إن أقرَّ بوطئها رُدَّت إليه؛ لأنَّها أم ولد له، وإن أنكر؛ فإن شاء المشتري ردَّها، وإن شاء (٣) لم يردها).
стр. 667
فأبطَلَ البيع مع إقرار البائع بالوطء بمجرَّد تبيُّن الحمل.
وقال ابن عقيل: عندي لا يجب الرَّدُّ حتَّى تضع ما تصير به الأمة أمَّ ولد؛ لجواز ألَّا يكون كذلك.
وهذا تفريع على قولنا: بصحَّة البيع قبل الاستبراء، فأمَّا على الرِّواية الأخرى؛ فالبيع من أصله باطل؛ لعدم استبراء البائع.
ومنها: لو وطئ الرَّاهن أمته المرهونة فأحبلها؛ خرجت من الرَّهن، ولزمه قيمتها يكون رهناً، كذا (١) قاله كثير من الأصحاب.
ومنهم من قال: بتأخير (٢) الضَّمان حتى تضع؛ فيلزمه قيمتها يوم أحبلها.
ومنها: إذا وطئ جارية من المغنم فحملت؛ فإنَّها تقوم عليه في الحال، وتصير مستولدة له، هذا هو المنصوص عن أحمد.
وقال القاضي في «خلافه»: لا تصير مستولدة؛ بناءً على أنَّ الغنيمة لا تملك بدون القسمة، لكن يمنع من بيعها؛ لكونها حاملاً بحرٍّ، ولا تؤخَّر قسمتها، فتعيَّن أن تحسب عليه من نصيبه لذلك.
ومنها: إذا قال لزوجته: إن كنت حاملاً فأنت طالق؛ فالمنصوص عن أحمد في رواية مهنَّى: (أنه ينظر النِّساء إليها، فإن خفي عليهنَّ، فإن جاءت به لتسعة أشهر أو لستَّة أشهر؛ حنث) (٣).
стр. 668
فأوقع الطَّلاق بشهادة النِّساء بالحمل، أو بولادتها لغالب مدَّة الحمل عند خفائه.
وصحَّح القاضي في موضع من «الجامع» هذه الرِّواية.
وقال أكثر الأصحاب: إن ولَدَت لأكثر من نهاية مدَّة الحمل؛ لم تطلُق، وإن ولدت لدون أكثر مدَّة الحمل: فإن كان لم يطأها بعد اليمين؛ طلَقت، وإن وطئها بعد اليمين، فإن ولدت لدون ستة أشهر من أوَّل (١) الوطء؛ طلَقت، وإن ولدت لأكثر منه؛ فوجهان:
أشهرهما: لا تطلُق، وجعله القاضي في «المجرد» وجهاً واحداً؛ لاحتمال العلوق به من الوطء المتجدد.
والثَّاني: تطلُق؛ لأنَّ الأصل عدمه.
وفيه وجه آخر: لا تطلق حتَّى تضعه لدون ستَّة أشهر بكلِّ حال؛ لأنَّه لا يتيقن وجوده عند اليمين بدون ذلك، والطَّلاق لا يقع مع الشَّك والاحتمال.
ومنها: إذا كان لرجل زوجة لها ولد من غيره، فمات ولا أب له، وقد كان تقدَّم من الزَّوج وطء هذه الزَّوجة؛ فإنه يُمنع من وطئها بعد موت ولدها حتَّى يتبيَّن هل هي حامل من وطئه المتقدِّم أم لا؛ لأجل ميراث الحمل من أخيه.
стр. 669
وكذلك إذا كان عبد تحته حرَّة قد وطئها، وله أخ حرٌّ، فيموت أخوه الحرُّ؛ فإنَّه يُمنع من وطء زوجته حتَّى يتبين هل هي حامل أم لا؛ لأجل ميراث الحمل من عمِّه.
ثمَّ إن جاءت بولد لدون ستة أشهر من حين الموت؛ فإنَّه يرث بلا إشكال.
وإن جاءت به لأكثر من ستَّة أشهر ولأقل من أكثر مدَّة الحمل؛ فإن كفَّ الزَّوج عن الوطء من حين الموت ورث الحمل؛ لأنَّ الظاهر أنَّها كانت حاملاً.
قال أحمد في رواية ابن منصور، في رجل تزَّوج امرأة لها ابنٌ من غيره فيموت ابنها: إن (١) جاءت بولد دون ستَّة أشهر من يوم مات ابنها؛ ورَّثناه، وإن جاءت بالولد بعد ستة (٢) أشهر؛ لم نورِّثه إلا ببينة، ويكفُّ عن امرأته إذا مات ولدها، فإن لم يكفَّ، فجاءت (٣) بولد لأكثر من ستَّة أشهر؛ فلا أدري أهو أخوه أم لا؟ (٤).
стр. 670
وظاهر هذا: أنَّه إن كفَّ عن الوطء ورث الولد.
وإن لم يكفَّ؛ فإن جاءت بالولد بعد الوطء لدون ستَّة أشهر ورث أيضاً، وكان كمن لم يطأ، وإن جاءت به لستَّة أشهر فصاعداً؛ فظاهر كلام أحمد الَّذي ذكرناه: أنَّه لا يرث، وبه جزم القاضي في «المجرد»؛ إلَّا أن يقر الورثة أنَّها كانت حاملاً يوم مات (١) ولدها.
وقال في «الجامع الكبير»: يحتمل وجهين، خرَّجهما من مسألة تعليق الطَّلاق على الحمل الَّتي تقدمت (٢).
النَّوع الثَّاني: الأحكام الثَّابتة للحمل في نفسه، من ملك، وتملُّك، وعتق، وحكم بإسلام، واستلحاق نسب ونفيه، وضمان، ونفقة.
وهذا النَّوع هو مراد من حكى الخلاف في الحمل؛ هل له حكم أم لا؟
وبعض هذه الأحكام ثابتة بغير خلاف، ولنذكر جملة من هذه الأحكام:
فمنها: وجوب النَّفقة له؛ فتجب النفقة للحمل (٣) على الأب وإن كانت أمه لا نفقة لها؛ كالبائن بالاتفاق.
وهذه النَّفقة للحمل لا لأمِّه على أصحِّ الرِّوايتين (٤)، وهي اختيار