← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30

قواعد ابن رجب - ط ركائز

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 463 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

إن خرج حيًّا؛ تبيَّنا ثبوت تلك الأحكام في الباطن، وإن بان أنَّه لم يكن حمل أو خرج ميتاً؛ تبيَّنَّا فساد ما يتعلَّق من الأحكام به أو بحياته؛ كإرثه ووصيَّته. وهذه الأحكام كثيرة جدًّا، بعضها (١) متَّفق عليه، وبعضها فيه اختلاف (٢). فمنها: إذا ماتت كافرةٌ وفي بطنها حملٌ محكوم بإسلامه؛ لم تدفن في مقابر الكفَّار؛ لحرمة الحمل. ومنها: إخراج الفطرة عن الحمل، وهي مستحبَّة، وفي وجوبها طريقان للأصحاب: منهم: من جزم بنفي الوجوب. ومنهم من قال: في المسألة روايتان. ومنها: فطر الحامل إذا خافت على جنينها من الصَّوم؛ ويجب عليها القضاء والكفارة، وهل الكفارة من مالها، أو بينها وبين من يلزمه نفقة الحمل؟ على احتمالين، ذكرهما ابن عقيل في «فنونه». ومنها: إذا اشترى جارية فبانت حاملاً؛ فنصَّ أحمد في رواية أبي طالب: (أنَّ البائع إن أقرَّ بوطئها رُدَّت إليه؛ لأنَّها أم ولد له، وإن أنكر؛ فإن شاء المشتري ردَّها، وإن شاء (٣) لم يردها).

стр. 667

فأبطَلَ البيع مع إقرار البائع بالوطء بمجرَّد تبيُّن الحمل. وقال ابن عقيل: عندي لا يجب الرَّدُّ حتَّى تضع ما تصير به الأمة أمَّ ولد؛ لجواز ألَّا يكون كذلك. وهذا تفريع على قولنا: بصحَّة البيع قبل الاستبراء، فأمَّا على الرِّواية الأخرى؛ فالبيع من أصله باطل؛ لعدم استبراء البائع. ومنها: لو وطئ الرَّاهن أمته المرهونة فأحبلها؛ خرجت من الرَّهن، ولزمه قيمتها يكون رهناً، كذا (١) قاله كثير من الأصحاب. ومنهم من قال: بتأخير (٢) الضَّمان حتى تضع؛ فيلزمه قيمتها يوم أحبلها. ومنها: إذا وطئ جارية من المغنم فحملت؛ فإنَّها تقوم عليه في الحال، وتصير مستولدة له، هذا هو المنصوص عن أحمد. وقال القاضي في «خلافه»: لا تصير مستولدة؛ بناءً على أنَّ الغنيمة لا تملك بدون القسمة، لكن يمنع من بيعها؛ لكونها حاملاً بحرٍّ، ولا تؤخَّر قسمتها، فتعيَّن أن تحسب عليه من نصيبه لذلك. ومنها: إذا قال لزوجته: إن كنت حاملاً فأنت طالق؛ فالمنصوص عن أحمد في رواية مهنَّى: (أنه ينظر النِّساء إليها، فإن خفي عليهنَّ، فإن جاءت به لتسعة أشهر أو لستَّة أشهر؛ حنث) (٣).

стр. 668

فأوقع الطَّلاق بشهادة النِّساء بالحمل، أو بولادتها لغالب مدَّة الحمل عند خفائه. وصحَّح القاضي في موضع من «الجامع» هذه الرِّواية. وقال أكثر الأصحاب: إن ولَدَت لأكثر من نهاية مدَّة الحمل؛ لم تطلُق، وإن ولدت لدون أكثر مدَّة الحمل: فإن كان لم يطأها بعد اليمين؛ طلَقت، وإن وطئها بعد اليمين، فإن ولدت لدون ستة أشهر من أوَّل (١) الوطء؛ طلَقت، وإن ولدت لأكثر منه؛ فوجهان: أشهرهما: لا تطلُق، وجعله القاضي في «المجرد» وجهاً واحداً؛ لاحتمال العلوق به من الوطء المتجدد. والثَّاني: تطلُق؛ لأنَّ الأصل عدمه. وفيه وجه آخر: لا تطلق حتَّى تضعه لدون ستَّة أشهر بكلِّ حال؛ لأنَّه لا يتيقن وجوده عند اليمين بدون ذلك، والطَّلاق لا يقع مع الشَّك والاحتمال. ومنها: إذا كان لرجل زوجة لها ولد من غيره، فمات ولا أب له، وقد كان تقدَّم من الزَّوج وطء هذه الزَّوجة؛ فإنه يُمنع من وطئها بعد موت ولدها حتَّى يتبيَّن هل هي حامل من وطئه المتقدِّم أم لا؛ لأجل ميراث الحمل من أخيه.

стр. 669

وكذلك إذا كان عبد تحته حرَّة قد وطئها، وله أخ حرٌّ، فيموت أخوه الحرُّ؛ فإنَّه يُمنع من وطء زوجته حتَّى يتبين هل هي حامل أم لا؛ لأجل ميراث الحمل من عمِّه. ثمَّ إن جاءت بولد لدون ستة أشهر من حين الموت؛ فإنَّه يرث بلا إشكال. وإن جاءت به لأكثر من ستَّة أشهر ولأقل من أكثر مدَّة الحمل؛ فإن كفَّ الزَّوج عن الوطء من حين الموت ورث الحمل؛ لأنَّ الظاهر أنَّها كانت حاملاً. قال أحمد في رواية ابن منصور، في رجل تزَّوج امرأة لها ابنٌ من غيره فيموت ابنها: إن (١) جاءت بولد دون ستَّة أشهر من يوم مات ابنها؛ ورَّثناه، وإن جاءت بالولد بعد ستة (٢) أشهر؛ لم نورِّثه إلا ببينة، ويكفُّ عن امرأته إذا مات ولدها، فإن لم يكفَّ، فجاءت (٣) بولد لأكثر من ستَّة أشهر؛ فلا أدري أهو أخوه أم لا؟ (٤).

стр. 670

وظاهر هذا: أنَّه إن كفَّ عن الوطء ورث الولد. وإن لم يكفَّ؛ فإن جاءت بالولد بعد الوطء لدون ستَّة أشهر ورث أيضاً، وكان كمن لم يطأ، وإن جاءت به لستَّة أشهر فصاعداً؛ فظاهر كلام أحمد الَّذي ذكرناه: أنَّه لا يرث، وبه جزم القاضي في «المجرد»؛ إلَّا أن يقر الورثة أنَّها كانت حاملاً يوم مات (١) ولدها. وقال في «الجامع الكبير»: يحتمل وجهين، خرَّجهما من مسألة تعليق الطَّلاق على الحمل الَّتي تقدمت (٢). النَّوع الثَّاني: الأحكام الثَّابتة للحمل في نفسه، من ملك، وتملُّك، وعتق، وحكم بإسلام، واستلحاق نسب ونفيه، وضمان، ونفقة. وهذا النَّوع هو مراد من حكى الخلاف في الحمل؛ هل له حكم أم لا؟ وبعض هذه الأحكام ثابتة بغير خلاف، ولنذكر جملة من هذه الأحكام: فمنها: وجوب النَّفقة له؛ فتجب النفقة للحمل (٣) على الأب وإن كانت أمه لا نفقة لها؛ كالبائن بالاتفاق. وهذه النَّفقة للحمل لا لأمِّه على أصحِّ الرِّوايتين (٤)، وهي اختيار

стр. 671

الخرقيِّ وأبي بكر، ولهذا تدور معه وجوداً وعدماً (١). فعلى هذه؛ تجب مع نشوز الأمِّ، وكونها حاملاً من وطء شبهة أو نكاح فاسد. ويجب على سائر من تجب عليه نفقة الأقارب مع فقد الأب بالموت أو الإعسار، ذكره القاضي في «خلافه»، وصاحب «المحرَّر». ويسقط بيسار الحمل إذا حكم له بمال، ذكره القاضي أيضاً في «الخلاف»، وظاهر كلامه في كتاب الرِّوايتين بخلاف (٢) ذلك. ويجب الإنفاق في مدَّة الحمل، ولا يقف على الوضع، نصَّ عليه أحمد (٣).

стр. 672

وخرَّج الآمديُّ وأبو الخطاب وجهاً إذا قلنا: لا حكم للحمل: أنَّه لا تجب النَّفقة حتى ينفصل، فيرجع بها. وهو ضعيف مصادم لقوله تعالى: ﴿وإن كنَّ أولات حمل فأنفقوا عليهنَّ حتى يضعن حملهن﴾. وأمَّا أمُّ الولد إذا مات عنها سيِّدها وهي حامل؛ فليست من هذا القبيل، وإن كان أبو الخطَّاب ذكر في وجوب النَّفقة لها لأجل الحمل روايتين، بل نفقة هذه من جنس نفقة الحامل المتوفَّى عنها، وفيها أيضاً روايتان. وليس ذلك مبنيًّا على أنَّ النَّفقة للحمل أو للحامل كما زعم ابن الزاغونيِّ وغيره؛ فإنَّ نفقة الأقارب تسقط بالموت، ولكن هذا من باب وجوب النفقة على المحبوسة لحقِّ الزَّوج من ماله؛ كنفقة البائن الحائل (١). نعم، يتوجَّه أن يقال: إن قلنا: النَّفقة للحامل؛ وجبت نفقة أمِّ الولد والمتوفَّى عنها من التَّركة؛ لأنَّهما محبوستان لحق الزوج، فإذا وجبت لهما نفقة فهي من ماله، وإن قلنا: النَّفقة للحمل؛ فهي على الورثة كما سبق، وهذا عكس ما ذكره ابن الزاغونيِّ ومن وافقه. وفي نفقة أمِّ الولد الحامل ثلاث روايات عن أحمد: إحداها: لا نفقة لها، نقلها حرب وابن بختان (٢).

стр. 673

والثَّانية: ينفق عليها من نصيب ما في بطنها، نقلها محمَّد بن يحيى الكحَّال (١). والثَّالثة: إن لم يكن ولدت من سيِّدها قبل ذلك؛ فنفقتها من جميع المال إذا كانت حاملاً، وإن كانت ولدت من سيِّدها (٢) قبل ذلك؛ فهي في عداد الأحرار، ينفق عليها من نصيبها (٣)، نقلها عنه جعفر بن محمَّد (٤)، وهي مشكلة جداً. ومعناها عندي -والله أعلم-: أنَّها إذا كانت حاملاً ولم تضع من سيِّدها قبل ذلك؛ فنفقتها من جميع المال؛ لما ذكرنا من حبسها على سيِّدها بالحمل، فتكون النَّفقة عليه حيث لم يثبت استيلادها بعد، ويجوز ألَّا تصير أمَّ ولد بالكليَّة وتسترقَّ، فإذا أنفق عليها من جميع المال، فإن تبيَّن عتقها؛ فقد استوفت الواجب لها، وإن رقَّت؛ لم يذهب على الورثة شيء، حيث أنفق على رقيقهم من مالهم، وإن كانت ولدت قبل ذلك من سيِّدها؛ فقد ثبت لها حكم الاستيلاد في حياة

стр. 674

السَّيِّد، وهو معنى قوله: (هي في عداد الأحرار)، وحينئذ تَعتِق بموت السَّيِّد بلا ريب؛ فإيجاب نفقتها على ولدها أولى من إيجابها من مال سيِّدها، ويزيده إيضاحاً في المسألة الآتية. ومنها: وجوب نفقة الأقارب على الحمل من ماله، وقد نصَّ أحمد في رواية الكحَّال: أنَّ نفقة أمِّ الولد الحامل من نصيب ما في بطنها، ذكره القاضي في «خلافه» (١). واستشكله الشيخ مجد الدين؛ قال: لأنَّ الحمل إنَّما يرث بشرط خروجه حيًّا، ويوقف نصيبه؛ فكيف يتصرَّف فيه قبل تحقُّق الشَّرط؟! ويجاب عنه: بأنَّ هذا النص يشهد لثبوت ملكه بالإرث من حين موت مورثه (٢)، وإنَّما خروجه حيًّا يتبيَّن به وجود ذلك، فإذا حكمنا له بالملك ظاهراً؛ جاز التَّصرُّف فيه بالنفقة الواجبة عليه وعلى من تلزمه نفقته، لا سيَّما والنَّفقة على أمِّه يعود نفعها إليه، كما يُتصرَّف في مال المفقود إذا غلب على الظنِّ هلاكه، ويُقسَّم ماله بين ورثته، وإن جاز أن يكون حيًّا، بل هو الأصل، حتَّى لو قدم حيًّا، وقد استُهلِك مالُه في أيدي الورثة؛ ففي ضمانه روايتان، فكذا (٣) يقال في مال الحمل. ويشهد له: إذا أنفق الزَّوج على البائن يظنُّها حاملاً، ثم تبين أنَّها لم

стр. 675

تكن حاملاً؛ ففي الرُّجوع روايتان أيضاً. وقد يحمل إيجاب (١) النَّفقة للأمِّ من نصيب الحمل على أنَّ الأمَّ ترجع به على نصيبه إذا وضعته حيًّا، وفيه بعدٌ. ومنها: ملكه بالميراث وهو متَّفق عليه في الجملة، لكن هل ثبت له الملك بمجرَّد موت مورِّثه (٢) وتبيَّن ذلك بخروجه حيًّا، أو لم (٣) يثبت له الملك حتَّى ينفصل حيًّا؟ فيه خلاف بين الأصحاب، وهذا الخلاف مطَّرد في سائر أحكامه الثَّابتة له؛ هل هي معلَّقة بشرط انفصاله حيًّا فلا يثبت قبله، أو هي ثابتة له في حال كونه حملاً، لكن ثبوتها مراعًى بانفصاله حيًّا؛ فإذا انفصل حيًّا (٤) تبيَّنا ثبوتها من حين وجود أسبابها؟ وهذا هو تحقيق معنى (٥) قول من قال: هل الحمل له حكم أم لا؟ والَّذي يقتضيه نصُّ أحمد في الإنفاق على أمِّه من نصيبه: أنَّه يثبت له الملك بالإرث من حين موت أبيه، وصرَّح بذلك ابن عقيل وغيره من الأصحاب. ونُقل عن أحمد ما يدلُّ على خلافه أيضاً؛ فروى عنه جعفر بن محمَّد في نصرانيٍّ مات وامرأته نصرانيَّة وكانت حبلى، فأسلمت بعد

стр. 676

موته ثمَّ ولدت: هل يرث (١)؟ قال: (لا)، وقال: (إنَّما مات أبوه وهو لا يعلم ما هو، وإنَّما يرث بالولادة)، وحكم له بحكم الإسلام (٢) (٣). وقال محمَّد بن يحيى الكحَّال: قلت لأبي عبد الله: مات نصرانيٌّ وامرأته حامل، فأسلمت بعد موته؛ قال: (ما في بطنها مسلم)، قلت: يرث أباه إذا كان كافراً وهو مسلم؟ قال: (لا يرثه) (٤). فصرَّح بالمنع من إرثه من أبيه، معلِّلاً بأنَّ إرثه يتأخَّر إلى ما بعد ولادته؛ لأنَّه قبل ذلك مشكوك في وجوده، وإذا تأخَّر توريثه إلى ما بعد الولادة؛ فقد سبق الحكم بإسلامه زمن الولادة؛ إما بإسلام أمِّه كما دل عليه كلام أحمد هنا، أو بموت أبيه على ظاهر المذهب، والحكم بالإسلام لا يتوقَّف على العلم به، بخلاف التَّوريث، وهذا يرجع إلى أنَّ التَّوريث يتأخَّر عن موت الموروث إذا انعقد سببه في حياة الموروث، وأصول أحمد تشهد لذلك في إسلام القريب الكافر قبل قسمة الميراث. وأمَّا على ما صرَّح به ابن عقيل وغيره، وهو مقتضى رواية الكحَّال في النَّفقة؛ فيرث الحمل بموت أبيه منه وإن قلنا: يحكم بإسلامه بموت أحد أبويه؛ كما سبق تقريره في قاعدة اقتران الحكم ومانعه. وأمَّا إن قيل: لا يحكم بإسلامه بموت أحدهما؛ فتوريثه واضح؛ إذ

стр. 677

اختلاف الدِّين متأخِّر عن التَّوريث، وتخريج (١) كلام أحمد على ما ذكرناه واضح لا خفاء به، وقد ألمَّ به بعض الأصحاب. وأمَّا القاضي والأكثرون؛ فاضطربوا في تخريج كلام أحمد في منع الميراث، وللقاضي في تخريجه ثلاثة أوجه: الأوَّل: أنَّ إسلامه قبل قسمة الميراث أوجب (٢) منعه من التَّوريث؛ كما أنَّ إسلام الكافر قبل قسمة ميراث المسلم توجب توريثه؛ اعتباراً بالقسمة في التَّوريث والمنع. وهذه طريقة القاضي في «المجرَّد» (٣) وابن عقيل في «الفصول»، وهي ظاهرة الفساد؛ لأنَّ إسلام قريب الكافر بعد موته (٤) وثبوت إرثه لا يسقط توريثه منه بغير خلاف، فإنَّ توريث المسلم قبل القسمة يثبت ترغيباً في الإسلام وحثًّا عليه (٥)، وهذا المقصود ينعكس ههنا (٦).

стр. 678

والثَّاني: أنَّ هذه الصورة من جملة صور توريث الطِّفل المحكوم بإسلامه بموت أبيه منه، ونصُّه هذا يدلُّ على عدم التَّوريث؛ فتكون رواية ثانية في المسألة. وهذه طريقة القاضي في كتاب الرِّوايتين، وهي ضعيفة؛ لأنَّ أحمد صرَّح بالتعليل بغير ذلك، ولأنَّ توريث الطِّفل من أبيه الكافر - وإن حُكم بإسلامه بموته - غير مختلف فيه، حتَّى نقل ابن المنذر وغيره عليه الإجماع (١)؛ فلا يصحُّ حمل كلام أحمد على ما يخالف الإجماع (٢). والثَّالث: أنَّ الحكم بإسلام هذا الطَّفل حصل بشيئين: موت أبيه، وإسلام أمِّه، وهذا الثَّاني مانع قويٌّ؛ لأنَّه متَّفق عليه، فلذلك منع الميراث، بخلاف الولد المنفصل إذا مات أحد أبويه؛ فإنَّه يحكم بإسلامه ولا يمنع إرثه؛ لأنَّ المانع فيه ضعيف للاختلاف فيه.

стр. 679

وهذه طريقة القاضي في «خلافه»، وهي ضعيفة أيضاً (١)، ومخالفة لتعليل أحمد؛ فإنَّ أحمد إنَّما عَلَّل بسبق المانع (٢) لتوريثه، لا بقوَّة المانع وضعفه، وإنَّما ورَّث أحمد من (٣) حُكم بإسلامه بموت أحد أبويه؛ لمقارنة المانع (٤) لا لضعفه. ومنها: ثبوت الملك له بالوصيَّة، وفيه الخلاف السَّابق في التَّوريث، واختيار (٥) القاضي: أنَّ الوصيَّة له تعليقٌ على خروجه حيًّا، والوصيَّة قابلة للتَّعليق، بخلاف الهبة. وابن عقيل تارة وافق شيخه، وتارة خالفه وحكم بثبوت الملك من حين موت الموصي وقبول الوليِّ له.

стр. 680

وصرَّح به أبو المعالي التَّنوخيُّ (١)، وبأنَّه ينعقد الحول عليه من حين الحكم بالملك إذا كان مالاً زكويًّا، وكذلك في المملوك بالإرث. وحكى وجهاً آخر: أنَّه لا يجري في حول الزَّكاة حتَّى يوضع؛ للتَّردد في كونه حيًّا مالكاً؛ فهو كالمكاتب، ولا يعرف هذا التَّفريع في المذهب. ومنها: الإقرار المطلق للحمل؛ هل يصحُّ أم لا؟ على وجهين. قال التَّميميُّ: لا يصحُّ. وقال ابن حامد والقاضي: يصحُّ. واختُلِف في مأخذ البطلان: فقيل: لأنَّ الحمل لا يَملِك إلَّا بالإرث والوصيَّة، فلو صحَّ الإقرار له لملك بغيرهما، وهو فاسد، فإنَّ الإقرار كاشف للملك ومبيِّن له، لا موجب له. وقيل: لأنَّ ظاهر الإطلاق ينصرف إلى المعاملة ونحوها، وهي مستحيلة مع الحمل. وهو ضعيف؛ لأنَّه إذا صحَّ له (٢) الملك بوجه؛ حمل الإقرار مع الإطلاق عليه.

стр. 681

وقيل: لأنَّ الإقرار للحمل تعليق له على شرط الولادة؛ لأنَّه لا يَملِك بدون خروجه حيًّا، والإقرار لا يقبل التَّعليق، وهذه طريقة ابن عقيل، وهي أظهر، وترجع المسألة حينئذ إلى ثبوت الملك له وانتفائه كما سبق. ومنها: استحقاق الحمل من الوقف، والمنصوص عن أحمد كما سبق (١): أنَّه لا يستحق حتَّى يوضع، وهو قول القاضي والأكثرين. وقال ابن عقيل: يثبت له استحقاق الوقف في حال كونه حملاً، حتَّى صحَّح الوقف على الحمل ابتداء. وقياس قوله في الهبة (٢) كذلك؛ إذ تمليك الحمل عنده تمليك منجَّز لا معلَّق. وإنَّما منع القاضي صحَّة الهبة له؛ لأنَّ تمليكه تعليق (٣) على خروجه حيًّا، والهبة لا تقبل التَّعليق. وأفتى الشَّيخ تقي الدين: باستحقاق الحمل من الوقف أيضاً (٤). ويُمكن التَّفريق على المنصوص بين الوقف وغيره من الإرث والوصية والهبة: بأنَّ الوقف إنَّما المقصود منه منافعه وثمراته وفوائده، وهي مستحَقَّة على التَّأبيد لقوم بعد قوم، والحمل ليس من أهل الانتفاع؛ فلا يستحِقُّ منه شيئاً مع وجود المنتفعين به حتَّى يولد ويحتاج إلى

стр. 682

الانتفاع معهم، بخلاف الملك الَّذي يختصُّ به واحد معيَّن لا يشاركه فيه غيره؛ فإنَّ هذا يثبت للحمل، ولا يجوز انتزاعه منه مع وجوده. ويلزم من ذلك صحَّة (١) الوقف على الحمل المعيَّن دون استحقاقه مع أهل الوقف. ومنها: الأخذ للحمل بالشُّفعة إذا مات مورِّثه (٢) بعد المطالبة بها (٣)؛ قال الأصحاب: لا يؤخذ له. ثمَّ منهم من علَّل: بأنَّه لا يتحقَّق وجوده. ومنهم من علَّل: بانتفاء ملكه. ويتخرَّج وجه آخر: بالأخذ له بالشُّفعة؛ بناء على أنَّ له حكماً وملكًا. ومنها: اللِّعان على الحمل، وفيه روايتان ذكرهما القاضي في «خلافه»، وفي كتاب «الرِّوايتين»: إحداهما: لا يصحُّ نفيه ولا الالتعان عليه؛ لأنَّه غير متحقِّق (٤)، نقلها أبو طالب ونقلها حنبل (٥) والميمونيُّ عن أحمد؛ وعلَّل باحتمال كونه ريحاً (٦)، وهذا هو المذهب عند الأصحاب.

стр. 683

والثَّانية: يلاعن بالحمل، نقلها ابن منصور عن أحمد (١)، قال الخلَّال: (هو قولٌ أوَّل)، وذكر النَّجَّاد (٢): أنَّه هو (٣) المذهب، واختاره صاحب «المغني»، وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه نفى الولد عن المتلاعنين وكان حملاً (٤).

стр. 684

وعلى هذا الخلاف يخرَّج صحَّة استلحاق الحمل والإقرار به؛ لأنَّ لحوق النَّسب أسرع ثبوتاً من نفيه. والمنصوص عن أحمد في رواية ابن القاسم: أنَّه لا يلزم الإقرار به، وهو متنزِّل على قوله: إنَّه لا ينتفي باللِّعان عليه (١). ومنها: وجوب الغرَّة (٢) بقتله إذا ألقته أمُّه ميتاً من الضرب، وهو ثابت بالسنة الصحيحة، وقد أنكر النبي ﷺ على من اعترض (٣) على ذلك معلِّلاً بأنَّه لم يشارك الأحياء في صفاتهم الخاصَّة من الأكل والشُّرب والاستهلال، وأن ذلك يقتضي إهداره، ونسبه إلى أنَّه من إخوان الكهَّان؛ حيث تكلَّم بكلام مسجع باطل في نفسه (٤).

стр. 685

والعجب كلُّ العجب ممن يدعي التَّحقيق ويرتضي لنفسه مشاركة هذا المعترض، ويقول: القياس يقتضي إهداره. وليس (١) كما ظنَّه؛ فإن هذا الجنين إمَّا أن يكون صادفه الضَّرب وفيه حياة، أو يكون ذلك قبل وجود الحياة فيه، ولا يجوز أن يكون قد فارقته الحياة؛ لأنَّه لو مات لم يستقرَّ في البطن، وحينئذ؛ فالجاني إمَّا أن يكون قتله، أو منع انعقاد حياته؛ فيضمنه (٢) بالغرَّة؛ لتفويت انعقاد حياته كما ضمن المغرور ولده بالغرَّة لتفويت انعقادهم أرقَّاء، ولم يضمنوا كمال الدِّية والقيمة. وأيضاً؛ فإنَّ دلائل حياته وسقوطه ميتاً عقيب الضَّربة؛ كالقاطع بأنَّها هي التي قتلته، ولعلَّ ذلك الظَّنَّ فوق مرتبة (٣) اللَّوث (٤) الموجب للقسامة. وإن ماتت أمُّه قبله؛ فموتها سبَّب قتله بالاختناق وفقد التَّغذي،

стр. 686

وذلك يوجب الضَّمان. ولا يشترط الانفصال إلَّا لثبوت الضَّمان في الظاهر، فلو ماتت الأمُّ وجنينها؛ وجب ضمانهما، لكن اشترط أحمد في رواية ابن منصور الانفصال (١)؛ قال في امرأة قُتلت وهي حامل (٢): (إذا لم يُلْقَ الجنينُ؛ فليس فيه شيء) (٣). قال القاضي والأصحاب: يكفي أن يظهر منه يد أو رجل، أو يكون (٤) قد انشقَّ جوفها فشوهد الجنين وإن لم ينفصل؛ لأنَّ العلم بحاله يحصل بذلك. وقال أحمد في رواية أبي طالب: (إذا (٥) كان الجنين في بطن أمِّه، فقتلت الأمُّ ومات الجنين؛ فعلى العاقلة دية الأمِّ ودية الجنين)، ولم يَشترِط له (٦) الانفصال. ولو ماتت امرأة، وشوهد بجوفها حركة، ثمَّ عُصر جوفها، فخرج الجنين ميتاً؛ فهل يضمنه العاصر؟ على احتمالين ذكرهما القاضي

стр. 687

وأبو الخطَّاب في «خلافهما»: أحدهما: يضمنه؛ لأنَّ (١) الظَّاهر أنه مات بجناية العصر. والثَّاني: لا يضمن؛ لأنَّه ينخنق (٢) بموت أمه؛ فلا تبقى حياته بعدها. وهل يختصُّ الضَّمان بجنين الآدميَّة، أم يتعدى إلى غيرها من الحيوانات؟ ذهب أكثر الأصحاب إلى الاختصاص؛ لأنَّ ضمان الجنين الميت على خلاف القياس، قالوا: وإنَّما يجب ضمان ما نقص من أمِّه بالجناية، ونصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور (٣). وقال أبو بكر: يجب ضمان جنين البهائم بعُشر قيمة أمِّه؛ كجنين الأمة. وقياسه: جنين الصيد في الحرم والإحرام، والمشهور: أنَّه يضمن بما نقص أمَّه أيضاً؛ لأنَّ غير الأدميِّ لا يُضمن بمقدَّر، وإنَّما يُضمن بما نقص. ولو ألقت البهيمة بالجناية جنيناً حيًّا ثمَّ مات؛ فاحتمالان ذكرهما القاضي وابن عقيل في الرَّهن: أحدهما: يضمن قيمة الولد حيًّا لا غير.

стр. 688

والثَّاني: عليه أكثر الأمرين من قيمته أو ما نقصت الأمُّ. وكذلك ذكر صاحب «المغني» في الأمة إذا أسقطت الجنين: هل يجب ضمانه فقط، أو يجب معه ضمان نقصها، أو ضمان أكثر الأمرين؟ ثلاثُ احتمالات. والمذهب هو الأوَّل، ولم يذكر القاضي سواه. وخرَّج الشيخ مجد الدين: أنَّ جنين الأمة يُضمن بما نقصت أمُّه لا غير؛ بناءً على قولنا: إنَّ (١) الرقيق لا يضمن بمقدَّر، بل بما نقص بكلِّ حال. ولو قتل صيداً ماخضاً؛ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يفديه بمثله من النَّعم ماخضٍ، وهو قول أبي الخطاب. والثَّاني: يفديه بقيمة مثله؛ لأنَّ لحم الماخض يفسد، فقيمة المثل أزيد من قيمة لحمه، وهو قول القاضي. والثَّالث: يجزئه أن يفديه بمثله غير ماخض؛ لأنَّ هذه الصَّفة عيب في اللَّحم، فلا تعتبر في المثل كسائر العيوب، ذكره في «المغني» احتمالاً. ومنها: هل يوصف قتل الجنين بالعمديَّة أم لا؟ قال أحمد في رواية ابن منصور في امرأة شربت دواء، فأسقطت: (إن كانت تعمَّدت؛ فأحبُّ إليَّ أن تعتق رقبة، وإن سقط حيًّا ثمَّ مات؛ فالدِّية على عاقلتها لأبيه، ولا يكون (٢) لأمِّه شيء؛ لأنَّها القاتلة)، قيل

стр. 689

له: فإن شربت عمداً؟ قال: (هو شبه العمد، شربت ولا تدري تُسقِط أم لا؟ عسى لا تُسقِط، الدِّية على العاقلة. (١) والظَّاهر أنَّه لم يجعله عمداً؛ للشَّكِّ في وجوده، لا للشَّكِّ في الإسقاط بالدَّواء؛ لأنَّه قد يكون الإسقاط به معلوماً؛ كما أنَّ القتل بالسُّمِّ ونحوه معلومٌ. ومن هذه الرِّواية أخذ الأصحاب رواية وجوب الكفَّارة بقتل العمد، ولا يصحُّ ذلك؛ فإنَه صرَّح بأنَّه ليس بعمد، وإنَّما هو شبه عمد. ومنها: عتق الجنين؛ هل ينفذ من حينه، أو يقف على خروجه حيًّا؟ في المسألة روايتان: إحداهما: ينفذ من حينه، وهو المذهب. والثَّانية: لا يعتق حتَّى تضعه حيًّا، نصَّ عليها (٢) في رواية ابن منصور؛ قال (٣): (لا يجب العتق إلَّا بالوِلاد (٤)، هو عبد حتَّى يُعلم أنَّه حيٌّ أو ميت) (٥). وكذلك الخلاف إذا عتق تبعاً لعتق أمِّه، أو بملكه ممَّن يعتق عليه برحم. ويتفرَّع على هذا الأصل فروع:

стр. 690

الفرع الأوَّل: لو زوَّج ابنه بأمته، فولدت ولداً بعد موت الجدِّ سيِّد الأمة. فإن قلنا: يعتق الحمل؛ فقد عتق على جدِّه، نصَّ عليه أحمد في رواية أبي طالب وصالح. وإن قلنا: لا يعتق حتَّى توضع؛ فهو تركة موروثة عن سيِّده؛ فيرث منه أبوه وأعمامه بقدر حصصهم، ويعتق عليهم بالملك، نصَّ عليه أحمد في رواية المروذيِّ، وهذا لأنَّا وإن قلنا: ليس للحمل حكم؛ فالمعنى: أنَّه لا يثبت له حكم الأولاد المستقلِّين، وإلَّا فهو موجود حقيقة، ومودع في أمِّه، فالملك فيه قائم. وطرد القاضي وابن عقيل الخلاف في ثبوت ملكه أيضاً، وذكرا في الوصايا: أنَّه لو وصَّى بأمة لزوجها وهي حامل منه فولدت، فإن قلنا: للحمل حكم؛ فهو موصى به معها يتبعها في الوصيَّة، وإن قلنا: لا حكم له؛ لم يدخل في الوصيَّة، وكان ملكاً لمن ولدته في ملكه؛ لأنَّه حينئذ ثبت له حكم بظهوره. فإن ولدته في حياة الموصي؛ فهو له، أو بعد موته وقبل القبول (١)؛ فهو لمن حكمنا له بالملك (٢) في تلك الحال، على الخلاف فيه، وإن ولدته بعد قبوله؛ فهو له ويعتق عليه.

стр. 691

وهذا يقتضي ههنا: أنَّا إذا قلنا: لا حكم للحمل ولا يعتق على جدِّه، فمات الجدُّ ووضع بعد موته: أنَّه (١) إن كان وضعه بعد القسمة؛ فهو ملك لمن حصلت الأَمَة له، وإن كان قبل القسمة؛ فهو مشترك بينهم، لا لأنَّه موروث لهم عن أبيهم، بل لأنَّه نماء ملكهم المشترك. فظهر بهذا أنَّ للأصحاب (٢) في معنى كون الحمل له حكم أو لا حكم له، طريقين: أحدهما: أنَّه هل هو كجزء من أجزاء أمِّه، أو كالمعدوم وإنَّما يحكم بوجوده بالوضع؟ والثَّاني، وهو المنصوص: أنَّه مملوك منفصل عن أمِّه ومودع فيها، ولكن هل يثبت له حكم الولد المستقلِّ بدون انفصاله، أو لا يثبت له ذلك حتَّى ينفصل؟ الفرع الثَّاني: إذا أعتق الأمة الحامل؛ عتق حملها معها، ولكن هل يقف عتقه على انفصاله، أو يعتق من حين عتق أمه على ما تقدم؟. وقياس ما ذكره القاضي وابن عقيل: أنَّه لا يعتق بالكليَّة (٣)؛ إذ هو كالمعدوم قبل الوضع. وهو بعيد جداً، فإنَّ أسوأ ما يقدَّر في الحمل أنَّه ورد عليه العتق في حالٍ مَنع من نفوذه مانع، فوقف على زواله؛ كعتق المريض لكلِّ رقيقه؛

стр. 692

فإنَّه يقف على إجازة الورثة، ومن أصلنا أنَّ العتق قبل الملك يصحُّ تعليقه عليه على ظاهر المذهب، فإن كان أصله موجوداً في ملكه؛ صحَّ تعليقه بغير خلاف عند المحقِّقين؛ كمن قال لأمته: كلُّ ولد تلدينه حرٌّ، وهذا المعتِق قد باشر بالعتق أمتَه وحَمْلُها متَّصلٌ بها؛ فوقف نفوذ عتقه على صلاحيَته للعتق (١) بظهوره. وقد صرَّح القاضي في «خلافه» بأنَّه لو أُعتق الحمل وكان عَلَقة؛ عتق وإن لم يكن مملوكاً حينئذ؛ نظرًا إلى هذا المعنى، والله أعلم (٢). الفرع الثَّالث: أَعتق الأمة واستثنى حملها؛ صحَّ وكان الولد رقيقاً، نصَّ عليه في رواية جماعة (٣)، وتوقَّف فيه في رواية ابن الحكم. وخرَّج ابن أبي موسى والقاضي: أنَّه لا يصحُّ استثناؤه؛ بناءً على أنَّه كجزء من أجزائها. وخرَّجوه أيضاً من عدم صحَّة استثنائه في البيع، ولا يصحُّ؛ لأنَّ البيع تنافيه الجهالة، بخلاف العتق.

стр. 693

الفرع الرَّابع: أَعتق الموسر أمة له، حملُها لغيره؛ فهل يعتق بالسِّراية أم لا؟ إن قلنا: إنَّه يستقلُّ (١) بنفسه؛ لم يسرِ إليه العتق، وإنَّما دخل مع الأمِّ إذا كان مملوكاً لمالكها تبعاً لاتِّصاله بالأم واجتماعهما في ملكه، كما يتبع الطَّلع المؤبَّر للنَّخل في العقد إذا كان ملكاً لمالكها، ولا يتبع إذا كان ملكاً لغيره، وهو (٢) اختيار السَّامريِّ وصاحبي «التَّلخيص» و «المحرر». وقال القاضي، والشريف أبو جعفر، وأبو الخطَّاب: يعتق، ويضمنه لمالكه؛ بناء على أنَّه كجزء منها. الفرع الخامس: لو أعتق الحمل وحده نفذ، وهل يعتق من حينه، أو يقف على خروجه حيًّا؟ مبنيٌّ على ما سبق. وأشار القاضي وابن عقيل في ديات الأجنَّة إلى خلافٍ لنا في صحَّة عتقه وحده؛ بناء على أنَّه كالمعدوم، وهو ضعيف. وقياس قول من قال: (هو كجزء منها): أن يسري عتقه إليها، وهو ضعيف أيضاً. وينبني على هذا الفرع: لو ضرب بطن أمة حامل، فأعتق السَّيِّد حملها بعد الجناية، أو أعتقه السَّيِّد، ثمَّ جُنِيَ عليه، ثمَّ انفصل ميتاً أو انفصل حيًّا، ثم مات عقيب الانفصال، فهذا مبنيٌّ (٣) على أنَّ العتق هل

стр. 694

حصل قبل الانفصال، أو لم يحصل إلَّا بعده؟ وعلى (١) أصل آخر، وهو إذا جَرح رقيقاً، ثمَّ عَتق، فسرى إلى نفسه، فمات؛ هل يضمنه بدية حرٍّ، أو بقيمة عبد؟ على روايتين. فإذا عُلم هذا؛ فههنا صور أربعة: أحدها: أن يُجنى عليه، ثمَّ يعتق، ثمَّ ينفصل ميتاً؛ فينبني على أنَّ العتق هل حصل له حال كونه حملاً أم لا؟ فإن قلنا: لم يحصل له العتق (٢)؛ وجب ضمانه بضمان جنين مملوك عُشر قيمة أمِّه. وإن قلنا: قد عتق؛ انبنى على الخلاف في اعتبار الضَّمان بحال السِّراية أو الجناية؟ فإن قلنا: الاعتبار بحال الجناية؛ فكذلك، وإن قلنا: بحال السِّراية؛ ففيه غرَّة ضمان جنين حرٍّ. وقيل (٣): يضمنه ضمان رقيق وجهاً واحداً، كذلك ذكر القاضي وابن عقيل؛ إذ لم يتحقَّق عتقه؛ لجواز تلفه قبله. وحكيا أيضاً فيما لو أعتق الأمَّ بعد الجناية ثمَّ ألقت جنينها: وجهين مخرَّجين من الاختلاف في اعتبار حال (٤) السِّراية أو الجناية، والفرق بينهما غير متوجِّه.

стр. 695

الصَّورة (١) الثَّانية: إن يُجنى عليه، ثمَّ يعتق، ثمَّ ينفصل حيًّا، ثمَّ يموت؛ فقد حصل له العتق بغير خلاف؛ فينبني على الخلاف في اعتبار الضَّمان؛ هل هو بحالة السِّراية، أو الجناية كما تقدَّم؟ وفي «مسوَّدة شرح (٢) الهداية»: يضمنه بدية حرٍّ رواية واحدة، وهو سهو. الصُّورة الثَّالثة: أن يعتق أوَّلاً، ثم يُجنى عليه، ثمَّ ينفصل حيًّا؛ فيجب ضمانه بدية حرٍّ إن قلنا: عتق وهو حمل. وإن قلنا: لم يعتق إلَّا بعد الانفصال، انبنى على الخلاف في اعتبار الضَّمان؛ هل هو بحالة الجناية أو السِّراية. فإن قلنا: بحالة السِّراية؛ ضمنه بدية حرٍّ، وإلَّا ضمنه ضمان رقيق. وظاهر كلام صاحب «المحرر»: أنَّه يجب ضمانه بدية حرٍّ وجهاً واحداً؛ لأنَّ الجناية وقعت بعد العتق المباشر، ووجد الموت بعد النُّفوذ، وفيه نظر. والأظهر: أنَّه كمن جُنِيَ عليه بعد التعليق ثمَّ مات بعد وجود الصِّفة. والصُّورة الرَّابعة: أن يعتق، ثمَّ يُجنى عليه، ثمَّ ينفصل ميتاً، فإن قلنا: عتق وهو حمل؛ ضمنه ضمان جنينٍ حرٍّ (٣).

стр. 696

وإن قلنا: لم يعتق؛ ضمنه ضمان جنينٍ رقيقٍ، ونصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور؛ معلِّلاً بأنَّه لم يعتق بعد (١). وفي «الخلاف الكبير» و «المحرر»: أنَّ حرباً نقل ذلك أيضاً عن أحمد (٢). وليس كذلك، وإنَّما حكاه أحمد في روايته عن الزُّهريِّ، وقال: ما أدري كيف وجهُه؟ وقال القاضي وابن عقيل: إذا قلنا: لا يصحُّ عتق الحمل؛ فوجوده كالعدم في جميع هذه الصُّور، وهو ضعيف كما سبق. ومنها: ورود العقود على الحامل؛ كالبيع والهبة والوصيَّة والإصداق؛ قال القاضي وابن عقيل: إن قلنا: للحمل حكم؛ فهو داخل في العقد، ويأخذ قسطاً من العوض، وإن قلنا: لا حكم له؛ لم يأخذ قسطاً، وكان بعد وضعه حكمه حكم النَّماء المنفصل (٣)، فلو رُدَّت

стр. 697

العين بعيب أو إفلاس أو طلاق، فإن قلنا: له حكم؛ ردَّ مع الأصل، وإلَّا كان حكمه حكم النَّماء. وقياس المنصوص عن أحمد في الحمل: أنَّه لا يعتق، وأنَّه تركة موروثة؛ يقتضي أنَّ حكمه حكم الأجزاء، لا حكم الولد المنفصل؛ فيجب ردُّه مع العين وإن قلنا: لا حكم له؛ إذ المراد بذلك: أنَّه لا يثبت له حكم الأولاد؛ لا أنَّه معدوم، وهذا أصحُّ، وهو ظاهر كلام الأكثرين في مسألة الفلس. ولا فرق بين ما يعتبر له القبض من العقود؛ كالرَّهن والهبة وغيرها (١)، وما لا يعتبر قبضه ويحصل قبضه تبعاً لأمِّه، ذكره القاضي في «خلافه». ويتخرَّج على هذا الأصل: مسألة اشتراط الحمل في المبيع (٢)، والسَّلم في (٣) الحيوان الحامل، وغير ذلك. ومنها: جنين الدَّابَّة المذكَّاة؛ هل يحكم بذكاته معها قبل الانفصال أم لا؟ قال ابن عقيل في «فنونه»: لا يحكم بذكاته إلَّا بعد الانفصال. وظاهر كلام أحمد خلافه؛ فإنَّه قال: (هو ركن من أركانها) (٤)،

стр. 698

وفرَّق بين الجنين والولد المنفصل: بأنَّ الجنين فيه غرَّة، والولد فيه الدِّية؛ فعلم أنَّه ليس له حكم الأولاد، وهذا يرجِّح أنَّه جزء من الأم، وأنَّ تذكيته تابع لتذكيتها. وأمَّا إن قيل: إنَّه ولد مستقل؛ ففيه نظر (١)، وقد ينبني على ذلك أنَّه هل يجب إراقة دمه إذا خرج أم لا؟ وكلام أحمد في ذلك يدلُّ على روايتين، وأكثر النُّصوص عنه تدلُّ على الاستحباب فقط، وفي بعضها ما يشعر بالوجوب، وهذا ينزع إلى أنَّه ولد مستقلٌّ، لكن عفي عن موته بغير تذكية؛ لاتِّصاله بأمه عند تذكيتها، ثم وجب سفح دمه ليحصل مقصود التَّذكية فيه. ومنها: إذا ماتت الحامل وصلَّى عليها؛ هل ينوي الصَّلاة على حملها؟ قال ابن عقيل في «فنونه»: لا؛ وعلَّل بالشَّكِّ في وجوده، وهذا متوجِّه على القول بأنَّه كالمعدوم قبل الانفصال، وعلى القول بأنَّه كالجزء من الأمِّ أيضاً. وأمَّا إن قيل: بأنَّه ولد مستقلٌّ؛ فيه نظر. وقد يقال: شرط ثبوت الأحكام له؛ ظهوره، ولم يوجد، فهذا متوجِّه.

стр. 699

قاعدة [٨٥] الحقوق خمسة أنواع: أحدها: حقُّ ملك، كحقِّ السَّيِّد في مال المكاتب، ومال القنِّ إذا قلنا: يملك بالتَّمليك، وكذلك ما (١) يمتنع إرثه لمانع؛ كالتركة المستغرقة بالدين على رواية، وكالمحرِم إذا مات موروثه وفي ملكه صيد على أحد الوجهين. الثَّاني (٢): حقُّ تملك؛ كحقِّ الأب في مال ولده، وحقِّ القابل للعقد إذا أوجب له، وحقِّ العاقد في عقد يملك فسخه ليعيد ما خرج (٣) عنه إلى ملكه، مع أنَّ في هذا شائبة من حقِّ الملك، وحقِّ الشَّفيع في الشقص. وههنا صور مختلف فيها؛ هل يثبت فيها الملك، أو حقُّ التَّملُّك؟ فمنها: حقُّ المضارب في الرِّبح بعد الظُّهور وقبل القسمة، وفيه روايتان: إحداهما: أنَّه ملكه بالظُّهور.

стр. 700

والثَّانية (١): لم يملكه، وإنَّما ملك أن يتملَّكه، وهو حقٌّ متأكِّد حتى لو مات ورث عنه، ولو أتلف المالك المال؛ غرم نصيبه، وكذلك الأجنبيُّ. ولو أسقط المضارب حقَّه منه (٢): فإن قلنا: هو ملكه؛ لم يسقط. وإن قلنا: لم يملكه بعد؛ ففي «التَّلخيص» احتمالان: أحدهما: يسقط؛ كالغنيمة. والثَّاني: لا؛ لأن الربح ههنا (٣) مقصود وقد تأكد سببه، بخلاف الغنيمة، فإن مقصود الجهاد إعلاء كلمة الله، لا المال. ومنها: حقُّ الغانم في الغنيمة قبل القسمة، وفيه وجهان: أحدهما -وهو المنصوص، وعليه جمهور الأصحاب-: أنَّه يثبت الملك فيها بمجرَّد الاستيلاء، لكن؛ هل يشترط الإحراز أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يشترط، وتملك بمجرد تقضِّي الحرب، وهو قول

стр. 701

القاضي في «المجرد»، ومن تابعه على طريقته. والثَّاني: يشترط، وهو قول الخرقيِّ وابن أبي موسى؛ كسائر المباحات، ورجَّحه صاحب «المغني». فعلى هذا؛ لا يستحق منها (١) إلَّا من شهد الإحراز. وأمَّا على الأوَّل؛ فاعتبر القاضي والأكثرون شهود آخر الوقعة، وقالوا: لا يستحقُّ من لم يشهده. وفصَّل في «الأحكام السلطانية» بين الجيش وأهل المَدَد، فأما الجيش؛ فيستحقون بحضور جزء من الوقعة إذا كان تخلُّفهم عن الباقي لعذر؛ كموت الغازي أو كموت (٢) فرسه، وأمَّا المدد، فيعتبر لاستحقاقهم شهود انجلاء الحرب، ونصَّ أحمد في رواية يعقوب بن بختان فيمن قتل في المعركة: تعطى ورثته نصيبه. والوجه الثَّاني: لا يملك (٣) الغنيمة إلَّا باختيار الملك، وهو اختيار القاضي في «خلافه». فعلى هذا؛ إنما يثبت لهم حقُّ التملُّك كالشَّفيع، فمن مات منهم قبل اختيار التَّملُّك أو المطالبة؛ فلا حقَّ له، ذكره صاحب «الترغيب». وظاهر كلام القاضي في «خلافه» في باب الشفاعة: أنَّ الحقَّ ينتقل إلى الورثة بدون القَبول والمطالبة، وإن قالوا: اخترنا القسمة؛ لزمت حقوقهم ولم تسقط بالإعراض، ذكره صاحب «التَّرغيب»، بخلاف ما

стр. 702

إذا أسقطوا حقوقهم قبل الاختيار؛ فإنَّه يسقط على الوجهين؛ لضعف الملك وعدم استقراره، ويصير فيئاً، فإن أسقط البعض دون البعض؛ فالكلُّ لمن لم يُسقط حقَّه. ومنها: حقُّ من وَجَد ماله بعينه في المغنم قبل القسمة ممَّا ملكه الكفَّار بالاستيلاء عليه؛ فإنَّه يثبت له فيه حقُّ التَّملك عند الأصحاب. وخرَّجه الشَّيخ تقيُّ الدِّين على الخلاف في حقِّ الغانمين (١). ومنها: حقُّ الزوج في نصف الصداق (٢) إذا طلَّق (٣) قبل الدخول؛ هل يثبت له فيه الملك قهراً، أو يثبت له حقُّ التملك فلا يملك بدونه؟ فيه وجهان (٤). والأوَّل هو المنصوص. وعلى الثَّاني؛ فيكفي فيه المطالبة واختيار التَّملُّك على ظاهر كلام أبي الخطاب؛ كرجوع الأب.

стр. 703

وزعم صاحب «الترغيب»: أنَّ هذا الخلاف مرتَّب على الخلاف في عفو الَّذي بيده عقدة النكاح؛ هل هو الزَّوج أو الوليُّ. وليس كذلك، ولا يلزم من طلب العفو من الزَّوج أن يكون هو المالك، فإنَّ العفو يصحُّ عمَّا يثبت فيه حقُّ التَّملُّك؛ كالشفعة، وليس في قولنا: إنَّ الَّذي بيده عقدة النِّكاح هو الأب؛ ما يستلزم أنَّ الزوج لم يملك نصف المهر؛ لأنَّه إنَّما يعفو عن النِّصف المختصِّ بابنته، فأمَّا النِّصف الآخر؛ فلا تعرُّض لذكره بنفي ولا إثبات. والعجب أنَّه حكى بعد ذلك في صحَّة عفو الزَّوج عن النِّصف - إذا قلنا: قد دخل في ملكه- وجهين. والصَّحيح المشهور: أنَّه يصحُّ عفوه وإن كان مالكاً، كما يصحُّ عفو الزَّوجة مع ملكها، ثمَّ إن القرآن مصرِّح بذلك؛ فكيف يسوَّغ الخلاف فيه حينئذ (١)؟! لكن إن كان الصَّداق ديناً؛ صحَّ الإبراء منه بسائر ألفاظ المبارأة، من الإبراء والإسقاط والهبة والعفو والصَّدقة والتَّحليل، ولا يشترط له قبول، وإن كان عيناً (٢) وقلنا: لم يملكه، وإنَّما يثبت له حقُّ التَّملُّك؛ فكذلك. وكذلك يصحُّ عفو الشفيع عن الشفعة، ذكره (٣) القاضي وابن عقيل.

стр. 704

وإن قلنا: ملك نصف الصَّداق؛ صحَّ بلفظ الهبة والتَّمليك. وهل يصحُّ بلفظ العفو؟ على وجهين: أحدهما: لا يصحُّ، قاله ابن عقيل. والثَّاني: يصحُّ، قاله القاضي، ورجَّحه صاحب «المغني»، وهو الصَّحيح؛ لأنَّ عقد الهبة عندنا (١) ينعقد بكلِّ لفظ يفيد معناه، من غير اشتراط إيجاب ولا قبول بلفظ معيَّن. وقال القاضي وابن عقيل: يشترط ههنا الإيجاب والقبول والقبض. وحكى صاحب «الترغيب» في اشتراط القبول وجهين، والصَّحيح أنَّ القبض لا يشترط في الفسوخ؛ كالإقالة ونحوها، وصرَّح به (٢) القاضي في «خلافه». وكذلك (٣) يصحُّ رجوع الأب في الهبة من غير قبض، وكذلك فسخ عقد الرَّهن وغيره. ومنها: حقُّ الملتقط في اللُّقَطَةِ بعد حول التَّعريف، وفيه وجهان: أشهرهما: أنَّه يثبت له الملك بغير اختياره، واختاره القاضي وقال: (إنَّه ظاهر كلام أحمد). والثَّاني: لا يدخل حتَّى يختار، وهو اختيار أبي الخطَّاب؛ فيكون حقُّه فيها حقَّ تملُّك.

стр. 705

ومنها: الموصى له بعد موت الموصي، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّه يثبت له الملك، وقيل: إنَّه ظاهر كلام أحمد. والثَّاني: إنَّما يثبت له حقُّ التملُّك بالقبول، وهو المشهور عند الأصحاب. ومنها: من نبت في أرضه كلأ أو نحوه من المباحات، أو توحَّل فيها صيد أو سمك ونحوه؛ فهل يملكه بذلك؟ في المسألة روايتان معروفتان. وأكثر النُّصوص عن أحمد تدل على الملك. وعلى الرِّواية الأخرى إنَّما يثبت له (١) حقُّ التَّملك، وهو مقدم على غيره بذلك؛ إذ لا يلزمه أن يبذل من الماء والكلأ إلَّا الفاضل عن حوائجه. ولو سبق غيره وحقَّق سبب الملك بحيازته إليه؛ فقال القاضي والأكثرون: يملكه. وخرَّج ابن عقيل: أنَّه لا يملكه؛ لأنَّه سبب منهي عنه؛ فلا يفيد الملك. ويشبه (٢) هذا: الخلاف في الطَّائفة الَّتي تغزو بدون إذن الإمام؛ هل يملكون شيئاً من غنيمتهم أم لا؟ وقرَّر (٣) القاضي في موضع من «خلافه» أنَّ الأسباب الفعليَّة تفيد
следующие страницы →