القاضي في «المجرد»، ومن تابعه على طريقته.
والثَّاني: يشترط، وهو قول الخرقيِّ وابن أبي موسى؛ كسائر المباحات، ورجَّحه صاحب «المغني».
فعلى هذا؛ لا يستحق منها (١) إلَّا من شهد الإحراز.
وأمَّا على الأوَّل؛ فاعتبر القاضي والأكثرون شهود آخر الوقعة، وقالوا: لا يستحقُّ من لم يشهده.
وفصَّل في «الأحكام السلطانية» بين الجيش وأهل المَدَد، فأما الجيش؛ فيستحقون بحضور جزء من الوقعة إذا كان تخلُّفهم عن الباقي لعذر؛ كموت الغازي أو كموت (٢) فرسه، وأمَّا المدد، فيعتبر لاستحقاقهم شهود انجلاء الحرب، ونصَّ أحمد في رواية يعقوب بن بختان فيمن قتل في المعركة: تعطى ورثته نصيبه.
والوجه الثَّاني: لا يملك (٣) الغنيمة إلَّا باختيار الملك، وهو اختيار القاضي في «خلافه».
فعلى هذا؛ إنما يثبت لهم حقُّ التملُّك كالشَّفيع، فمن مات منهم قبل اختيار التَّملُّك أو المطالبة؛ فلا حقَّ له، ذكره صاحب «الترغيب».
وظاهر كلام القاضي في «خلافه» في باب الشفاعة: أنَّ الحقَّ ينتقل إلى الورثة بدون القَبول والمطالبة، وإن قالوا: اخترنا القسمة؛ لزمت حقوقهم ولم تسقط بالإعراض، ذكره صاحب «التَّرغيب»، بخلاف ما
стр. 702
إذا أسقطوا حقوقهم قبل الاختيار؛ فإنَّه يسقط على الوجهين؛ لضعف الملك وعدم استقراره، ويصير فيئاً، فإن أسقط البعض دون البعض؛ فالكلُّ لمن لم يُسقط حقَّه.
ومنها: حقُّ من وَجَد ماله بعينه في المغنم قبل القسمة ممَّا ملكه الكفَّار بالاستيلاء عليه؛ فإنَّه يثبت له فيه حقُّ التَّملك عند الأصحاب.
وخرَّجه الشَّيخ تقيُّ الدِّين على الخلاف في حقِّ الغانمين (١).
ومنها: حقُّ الزوج في نصف الصداق (٢) إذا طلَّق (٣) قبل الدخول؛ هل يثبت له فيه الملك قهراً، أو يثبت له حقُّ التملك فلا يملك بدونه؟ فيه وجهان (٤).
والأوَّل هو المنصوص.
وعلى الثَّاني؛ فيكفي فيه المطالبة واختيار التَّملُّك على ظاهر كلام أبي الخطاب؛ كرجوع الأب.
стр. 703
وزعم صاحب «الترغيب»: أنَّ هذا الخلاف مرتَّب على الخلاف في عفو الَّذي بيده عقدة النكاح؛ هل هو الزَّوج أو الوليُّ.
وليس كذلك، ولا يلزم من طلب العفو من الزَّوج أن يكون هو المالك، فإنَّ العفو يصحُّ عمَّا يثبت فيه حقُّ التَّملُّك؛ كالشفعة، وليس في قولنا: إنَّ الَّذي بيده عقدة النِّكاح هو الأب؛ ما يستلزم أنَّ الزوج لم يملك نصف المهر؛ لأنَّه إنَّما يعفو عن النِّصف المختصِّ بابنته، فأمَّا النِّصف الآخر؛ فلا تعرُّض لذكره بنفي ولا إثبات.
والعجب أنَّه حكى بعد ذلك في صحَّة عفو الزَّوج عن النِّصف - إذا قلنا: قد دخل في ملكه- وجهين.
والصَّحيح المشهور: أنَّه يصحُّ عفوه وإن كان مالكاً، كما يصحُّ عفو الزَّوجة مع ملكها، ثمَّ إن القرآن مصرِّح بذلك؛ فكيف يسوَّغ الخلاف فيه حينئذ (١)؟!
لكن إن كان الصَّداق ديناً؛ صحَّ الإبراء منه بسائر ألفاظ المبارأة، من الإبراء والإسقاط والهبة والعفو والصَّدقة والتَّحليل، ولا يشترط له قبول، وإن كان عيناً (٢) وقلنا: لم يملكه، وإنَّما يثبت له حقُّ التَّملُّك؛ فكذلك.
وكذلك يصحُّ عفو الشفيع عن الشفعة، ذكره (٣) القاضي وابن عقيل.
стр. 704
وإن قلنا: ملك نصف الصَّداق؛ صحَّ بلفظ الهبة والتَّمليك.
وهل يصحُّ بلفظ العفو؟ على وجهين:
أحدهما: لا يصحُّ، قاله ابن عقيل.
والثَّاني: يصحُّ، قاله القاضي، ورجَّحه صاحب «المغني»، وهو الصَّحيح؛ لأنَّ عقد الهبة عندنا (١) ينعقد بكلِّ لفظ يفيد معناه، من غير اشتراط إيجاب ولا قبول بلفظ معيَّن.
وقال القاضي وابن عقيل: يشترط ههنا الإيجاب والقبول والقبض.
وحكى صاحب «الترغيب» في اشتراط القبول وجهين، والصَّحيح أنَّ القبض لا يشترط في الفسوخ؛ كالإقالة ونحوها، وصرَّح به (٢) القاضي في «خلافه».
وكذلك (٣) يصحُّ رجوع الأب في الهبة من غير قبض، وكذلك فسخ عقد الرَّهن وغيره.
ومنها: حقُّ الملتقط في اللُّقَطَةِ بعد حول التَّعريف، وفيه وجهان:
أشهرهما: أنَّه يثبت له الملك بغير اختياره، واختاره القاضي وقال: (إنَّه ظاهر كلام أحمد).
والثَّاني: لا يدخل حتَّى يختار، وهو اختيار أبي الخطَّاب؛ فيكون حقُّه فيها حقَّ تملُّك.
стр. 705
ومنها: الموصى له بعد موت الموصي، وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّه يثبت له الملك، وقيل: إنَّه ظاهر كلام أحمد.
والثَّاني: إنَّما يثبت له حقُّ التملُّك بالقبول، وهو المشهور عند الأصحاب.
ومنها: من نبت في أرضه كلأ أو نحوه من المباحات، أو توحَّل فيها صيد أو سمك ونحوه؛ فهل يملكه بذلك؟ في المسألة روايتان معروفتان.
وأكثر النُّصوص عن أحمد تدل على الملك.
وعلى الرِّواية الأخرى إنَّما يثبت له (١) حقُّ التَّملك، وهو مقدم على غيره بذلك؛ إذ لا يلزمه أن يبذل من الماء والكلأ إلَّا الفاضل عن حوائجه.
ولو سبق غيره وحقَّق سبب الملك بحيازته إليه؛ فقال القاضي والأكثرون: يملكه.
وخرَّج ابن عقيل: أنَّه لا يملكه؛ لأنَّه سبب منهي عنه؛ فلا يفيد الملك.
ويشبه (٢) هذا: الخلاف في الطَّائفة الَّتي تغزو بدون إذن الإمام؛ هل يملكون شيئاً من غنيمتهم أم لا؟
وقرَّر (٣) القاضي في موضع من «خلافه» أنَّ الأسباب الفعليَّة تفيد
стр. 706
الملك وإن كانت محظورة؛ كأخذ المسلم أموال أهل الحرب غصباً وإن دخل إليهم بأمان (١)، بخلاف القوليَّة.
وفي موضع آخر: صرَّح بخلاف ذلك، وأنَّه لا يملك به المسلم، وهو الصَّحيح من المذهب.
ومنها: متحجِّر الموات؛ المشهور: أنَّه لا يملكه بذلك.
ونقل صالح عن أبيه ما يدلُّ على أنه يملكه بذلك (٢).
وعلى الأوَّل؛ هو (٣) أحقُّ بتملكه بالإحياء، فإن بادر الغير وأحياه؛ ففي ملكه وجهان معروفان.
وهذا (٤) كلُّه فيمن انعقد له سبب التَّملُّك وصار التَّملُّك واقفاً على اختياره.
فأمَّا إن ثبتت له رغبة في التَّملُّك ووعد به ولم ينعقد السَّبب؛ كالمستام والخاطب إذا رُكن إليهما؛ فلا يجوز مزاحمتهما أيضاً، ولكن يصحُّ على المنصوص.
وخرَّج القاضي وجهاً بالبطلان من البيع على بيعه.
والفرق بينهما واضح؛ لأنَّ الحقَّ في البيع انعقد وأخذ به، ولا كذلك هنا، ولأنَّ المفيد للملك هنا العقد والمحرَّم سابق عليه؛ فهو
стр. 707
كاستيلاد الأب والشَّريك، يحصل به الملك بالعلوق لمَّا كان المحرم -وهو الوطء- سابقاً عليه.
النَّوع الثَّالث: حقُّ الانتفاع، ويدخل فيه صور:
منها: وضع الجار خشبه على جدار جاره إذا لم يضرَّ به؛ للنَّصِّ الوارد فيه (١).
ومنها: إجراء الماء في أرض غيره إذا اضطرَّ إلى ذلك في إحدى الرِّوايتين؛ لقضاء عمر ﵁ به (٢).
قال الشَّيخ تقي الدين: (وكذلك إذا احتاج أن يجري ماءه في طريق مائه، مثل أن يجري مياه سطوحه أو غيرها في قناة لجاره، أو يسوق في
стр. 708
قناة عذبة ماء ثمَّ يقاسمه جاره (١)(٢).
ولو وضع على النَّهر عبَّارة تجري فيها الماء؛ خرَّجها (٣) الأصحاب على الرِّوايتين (٤).
ونقل أبو طالب عن أحمد في قوم اقتسموا داراً وكانت (٥) لها أربعة سطوح يجري الماء عليها، فلمَّا اقتسموا أراد أحدهم أن يمنع من جريان الماء للآخر عليه، وقال: هذا قد صار لي، وليس بيننا شرط؛ فقال أحمد: يردُّ الماء إلى ما كان عليه (٦)، وإن (٧) لم يشرط (٨) ذلك، ولا يضرُّ به.
وحمل طائفة من أصحابنا هذه الرِّواية على أنَّه يحصل عليه ضرر يمنعه من جريان الماء، وأنَّه يحتاج إلى أن ينقض (٩) سطحه ويستحدث له مسيلاً، فجعل له أن يجريه على رسمه الأوَّل كذلك كما يجري ماؤه
стр. 709
في أرض غيره لذلك (١)، أو يضع خشبه على جداره، كذا ذكره ابن عقيل وغيره.
وحمله بعضهم على أنَّ الدَّار إذا اقتسمت (٢) كانت مرافقها كلُّها باقية مشتركة بين الجميع كالاستطراق في طريقها، ولهذا قلنا: لو حصل الطَّريق في حصَّة أحد المقتسمين ولا منفذ للآخر؛ لم تصحَّ القسمة، وعلى هذا حمله صاحب «شرح الهداية».
وخرَّج صاحب «المغني» من مسألة أبي طالب وجهاً في مسألة الطَّريق بصحَّة القسمة وبقاء حقِّ الاستطراق فيه للآخر.
وبينهما فرق؛ فإنَّ الطَّريق لا يراد منه سوى الاستطراق؛ فالاشتراك فيه يزيل معنى القسمة والاختصاص، بخلاف إجراء الماء على السَّطح؛ فإنَّه لا يمنع صاحب السَّطح من الانفراد بالانتفاع به بسائر وجوه الانتفاعات المختصَّة بالملك، والله أعلم.
ومنها: لو باع أرضاً فيها زرع يحصد مرَّة واحدة ولم يبدُ صلاحه، أو شجراً عليه ثمر لم يبد صلاحه؛ كان ذلك مبقًّى في الشَّجر والأرض إلى وقت الحصاد والجداد بغير أجرة، ولو أراد تفريغ الأرض من الزَّرع لينتفع بها إلى وقت الجداد أو يُؤْجِرها؛ لم يكن له ذلك، كما لا يملك الجار إعارة غيره ما يستحقُّه من الانتفاع بملك جاره.
وكذلك لو باع زرعاً قد (٣) بدا صلاحه في أرض؛ فإنَّ عليه إبقاءه
стр. 710
إلى وقت صلاحه للحصاد.
فأمَّا إن باع شجرة؛ فهل يدخل مَنبتها في البيع؟ على وجهين، ذكرهما القاضي (١).
وحكي عن ابن شاقْلا: أنَّه لا يدخل، وأنَّ ظاهر (٢) كلام أحمد الدُّخول؛ حيث قال فيمن أقرَّ بشجرة لرجل: هي له بأصلها (٣).
وعلى هذا؛ لو انقلعت؛ فله إعادة غيرها مكانها، ولا يجوز ذلك على قول ابن شاقلْا؛ كالزَّرع إذا حصد؛ فلا يكون له (٤) في الأرض سوى حقِّ الانتفاع.
النَّوع الرَّابع: حقُّ الاختصاص، وهو عبارة عمَّا يختصُّ مستحِقُّه بالانتفاع به، ولا يملك أحد مزاحمته فيه، وهو غير قابل للتَّموُّل (٥) والمعاوضات.
ويدخل في ذلك صور:
стр. 711
منها: الكلب المباح اقتناؤه؛ كالمعلَّم لمن يصطاد به، فإن كان ممَّن لا يصطاد به، أو كان الكلب جِرواً يحتاج إلى التَّعليم؛ فوجهان.
ومنها: الأدهان المنجَّسة (١) المنتفع بها بالإيقاد وغيره على القول بالجواز.
فأمَّا نجسة العين؛ كدهن الميتة؛ فالمذهب المنصوص: أنَّه لا يجوز الانتفاع بها (٢).
ونقل ابن منصور عن أحمد ما يدلُّ على جوازه. (٣)
ومنها: جلد الميتة المدبوغ إذا قيل بجواز الانتفاع به في اليابسات.
فأمَّا ما لا يجوز الانتفاع به من النَّجاسات بحال؛ فلا يدَ ثابتةٌ عليه، وآية ذلك: أنَّه لا يجب ردُّه على من انتزعه ممَّن هو في يده، بخلاف ما فيه نفع مباح؛ فإنَّه يجب ردُّه.
نعم؛ لو غصب خمراً، فتخلَّلت في يد الغاصب؛ وجب ردُّها، ذكره القاضي وابن عقيل والأصحاب؛ لأنَّ يد الأوَّل لم تَزُل عنها بالغصب؛ فكأنَّها تخلَّلت في يده.
واختلفت عبارات الأصحاب في زوال الملك بمجرَّد التَّخمُّر؛ فأطلق الأكثرون الزَّوال؛ منهم القاضي وابن عقيل.
وظاهر كلام بعضهم: أنَّ الملك لم يزل، ومنهم صاحب «المغني»
стр. 712
في كتاب الحجِّ، وفي كلام القاضي ما يدلُّ عليه.
وبكلِّ حال؛ فلو عادت خلًّا؛ عاد الملك الأوَّل بحقوقه من ثبوت الرَّهنيَّة وغيرها، حتَّى لو خلَّف خمراً وديناً، فتخلَّلت الخمر؛ قُضي دينه منه، ذكره القاضي في «المجرَّد» في الرَّهن.
وذكر هو وابن عقيل أيضاً فيه: لو وهب الخمر وأقبضها، أو أراقها فجمعها آخر، فتخلَّلت في يد الثَّاني؛ فهل هي ملك له أو للأوَّل؟ على احتمالين، وفرَّقا بين ذلك وبين الغصب (١): بأنَّ الأوَّل زالت يده عنها بالإراقة والإقباض، وثبتت يد الثَّاني، بخلاف الغصب.
ورجَّح صاحب «المغني»: أنَّ الرَّهن لا يبطل بتخمير العصير.
وهذا كلُّه يدلُّ على ثبوت اليد على الخمر؛ لإمكان عودها مالاً.
ومنها: مرافق الأملاك؛ كالطُّرق والأفنية ومسيل المياه (٢) ونحوها؛ هل هي مملوكة، أو يثبت فيها حقُّ الاختصاص؟ في (٣) المسألة وجهان:
أحدهما: ثبوت حقِّ الاختصاص فيها من غير ملك، وبه جزم القاضي وابن عقيل في باب إحياء الموات وفي الغصب، ودلَّ عليه نصوص أحمد فيمن حفر في فنائه بئراً: أنَّه متعدٍّ بحفره في غير ملك (٤).
стр. 713
وطرد القاضي ذلك حتَّى في حريم البئر، ورتَّب عليه أنَّه لو باعه الأرض بفنائها؛ لم يصحَّ البيع؛ لأنَّ الفناء لا يختصُّ به، إذ استطراقه عامٌّ، بخلاف ما لو باع بطريقها.
وأورد ابن عقيل احتمالاً: بصحَّة البيع بالفناء؛ لأنَّه من الحقوق، فهو كمسيل المياه.
والوجه الثَّاني: الملك، وصرَّح به الأصحاب في الطُّرق، وجزم به في الكلِّ صاحب «المغني»، وأخذه من نصِّ أحمد والخرقيِّ على ملك حريم البئر (١).
ومنها: مرافق الأسواق المتَّسِعة الَّتي يجوز البيع والشِّراء فيها؛ كالدَّكاكين المباحة ونحوها؛ فالسَّابق إليها أحقُّ بها.
وهل ينتهي حقُّه بانتهاء النَّهار، أو يمتد إلى أن ينقل قماشه عنها؟ على وجهين، وظاهر كلام أحمد في رواية حرب: الأوَّل؛ لجريان (٢) العادة بانتفاء (٣) الزِّيادة عليه (٤).
وعلى الثَّاني: لو (٥) أطال الجلوس؛ فهل يُصرف أم لا؟ على
стр. 714
وجهين؛ لأنَّه يفضي إلى الاختصاص بالحقِّ المشترك.
ومنها: الجلوس في المساجد ونحوها، لعبادة أو مباح؛ فيكون الجالس أحقَّ بمجلسه إلى أن يقوم عنه باختياره قاطعاً للجلوس، أمَّا إن قام لحاجة عارضة ونيَّته العود؛ فهو أحقُّ بمجلسه.
ويُستثنى من ذلك: الصَّبيُّ إذا قام في صفٍّ فاضل أو في وسط الصَّفِّ؛ فإنَّه يجوز نقْلُه عنه، صرَّح بذلك (١) القاضي، وهو ظاهر كلام أحمد (٢)، وعليه حُمل فعل أبيِّ بن كعب بقيس بن عُبَاد (٣).
النَّوع الخامس: حقُّ التَّعلُّق؛ لاستيفاء الحقِّ، وله صور:
منها: تعلُّق حقِّ المرتهن بالرَّهن، ومعناه: أنَّ جميع أجزاء الرَّهن محبوس بكلِّ جزء من الدَّين حتَّى يُستَوْفَى جميعه.
ومنها: تعلُّق حقِّ الجناية بالجاني، ومعناه: أنَّ حقَّه انحصر في ماليَّته، وله المطالبة بالاستيفاء منه، ويتعلَّق الحقُّ بمجموع الرَّقبة لا بقدر الأرش منها (٤) في (٥) ظاهر كلام الأصحاب، ويباع جميعه في الجناية، ويستوفى منه الحقُّ ويُرَدُّ الفضل على السَّيِّد.
стр. 715
وذكر القاضي في «المجرَّد»: أنَّ ظاهر كلام أحمد: أنَّه لا يُرَدُّ عليه شيء (١)، وهذا صريح في تعلُّق الحقِّ بالجميع.
وللأصحاب في العبد المرهون إذا جنى وكان في قيمته فضلٌ عن الأرش؛ هل يباع جميعه، أو بمقدار الأرش؟ فيه وجهان؛ لكن بيع جميعه يندفع به عن السَّيِّد ضرر نقص القيمة بالتَّشقيص.
ومنها: تعلُّق حقِّ الغرماء بالتَّركة؛ هل يمنع انتقالها بالإرث؟ على روايتين.
وهل هو كتعلُّق الجناية أو كالرَّهن؟ اختلف كلام الأصحاب في ذلك، وصرَّح الأكثرون (٢) بأنَّه كتعلُّق الرَّهن (٣)، ويفسَّر بثلاثة أشياء:
أحدها: أنَّ تعلُّق الدَّين بالتَّركة وبكلِّ جزء منها، فلا ينفكُّ منها شيء حتَّى يُوفَّى الدَّين كلُّه، وصرَّح بذلك القاضي في «خلافه» إذا كان
стр. 716
الوارث واحداً، قال (١): وإن كانوا جماعة؛ انقسم (٢) عليهم بالحصص، وتُعلَّق (٣) كلُّ حصَّةٍ من الدَّين بنظيرها من التَّركة وبكلِّ جزء منها، فلا ينفكُّ شيء منها حتَّى توفَّى جميع تلك الحصَّة.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون الدَّين مستغرقاً للتَّركة أو غير مستغرق، صرَّح به جماعة، منهم صاحب «التَّرغيب» في التَّفليس.
والثَّاني: أنَّ الدَّين في الذِّمَّة، ويتعلَّق بالتَّركة، وهل هو في ذمَّة الميت أو الورثة؟ على وجهين سبق ذكرهما (٤).
والثَّالث: أنَّه يمنع صحَّة التَّصرف، وفي ذلك وجهان أيضاً سبقا.
وهل يتعلَّق حقُّهم بالمال من حين المرض أم لا؟ تردَّد الأصحاب في ذلك.
ونقل الميمونيُّ عن أحمد فيمن عليه دين يحيط (٥) بجميع التَّركة (٦)؛ يجوز له أن يُعتق أو يهب؛ أعني: الميت؟ قال: نعم، قلت: هذا ليس له مال! قال: أليس ثلثه له؟ قلت: ليس هذا المال له، قال: أليس هو السَّاعةَ في يده؟ قلت: بلى! ولكنَّه لغيره، قال: دعها؛ فإنَّها مسألة فيها
стр. 717
لَبْس، والَّذي كان عنده على ما ناظرته أنَّ ذا جائز.
واستشكل القاضي هذه الرِّواية فيما قرأته بخطِّه، وجعل ظاهرها صحَّة الوصيَّة بالثُّلث مع الدَّين، وحملها على أحد وجهين: إمَّا أن يكون حكم المريض مع الغرماء كحكمه مع الورثة؛ لتعلُّق حقِّ الجميع بماله، فلا يكون ممنوعاً من التَّصرُّف بالثُّلث مع واحد منهما، أو أنْ يقفَ صحَّة تصرُّفه على إجازة الغرماء.
وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: هي تدلُّ على أنَّ الغرماء لا يتعلَّق حقُّهم بالمال إلَّا بعد الموت؛ لأنَّ حقَّهم في الحياة في ذمَّته، والورثة لا يتعلَّق حقُّهم بالمال مع الدَّين؛ فيبقى الثُّلث الَّذي ملَّكه الشَّارع التَّصرف فيه لا مانع له من التَّصرف فيه؛ فينفذ تصرفه فيه منجَّزاً لا معلَّقاً بالموت، بخلاف الزَّائد على الثُّلث إذا لم يكن عليه دين؛ فإنَّ حقَّ الورثة يتعلَّق به في مرضه؛ إذ لا حقَّ لهم في ذمَّته (١).
قلت: وتردَّد كلام القاضي وابن عقيل في «خلافيهما» (٢) في المريض؛ هل لورثته منعه من إنفاق جميع ماله في الشَّهوات أم لا؟ ففي موضع جزمَا بثبوت المنع لهم؛ لتعلُّق حقوقهم بماله (٣)، وأنكرَا ذلك في مواضع.
ومنها: تعلُّق حقِّ الموصى له بالمال، هل يمنع الانتقال إلى الورثة
стр. 718
أم لا (١)؟ جعل (٢) طائفة من الأصحاب حكمه حكم الدَّين، ومنهم أبو الخطَّاب في «انتصاره» وأبو الحسين في «فروعه»، ويشهد لذلك قول طائفة من الأصحاب: إنَّ الموصى به قبل القبول على ملك الورثة.
وجزم القاضي في «خلافه» بعدم انتقاله إلى الورثة، مفرِّقاً بين الدَّين والوصيَّة: بأنَّ حقَّ الموصى له في عين التَّركة، ولا تملك الورثة إبدال حقِّه، بخلاف الدَّين؛ فإنَّ حقَّ صاحبه في التَّركة والذِّمَّة، وللورثة التَّوفيةُ من غيره.
وأخذ ذلك ممَّا رواه ابن منصور عن أحمد فيمن أوصى أن يخرج من ماله كذا وكذا في كذا وكذا سنة؛ قال: لا يقسَّم المال حتَّى ينفِّذوا ما قال، إلَّا أن يضمنوا أن يخرجوا؛ فلهم أن يقسِّموا البقية (٣).
وكذلك في «المجرَّد» و «الفصول» في باب الشَّركة: أنَّ الموصى له إن كان معيَّناً؛ فهو شريكٌ في قدر ما وصِّي له به، وإن كان غير معيَّن؛ كالفقراء والمساكين؛ لم يجز للورثة التَّصرُّف حتىَّ يُفردوا نصيب الموصى له.
وممَّا يدلُّ على عدم انتقاله إلى الورثة: أنَّ المشهور عندنا صحَّة الوصيَّة بالزَّائد على الثُّلث إن أجازه الورثة (٤)، وأنَّ إجازة الورثة لها تنفيذٌ، لا ابتداء عطيَّة.
стр. 719
ومنها: تعلُّق الزَّكاة بالنِّصاب؛ هل هو تعلُّق شركة، أو ارتهان، أو تعلُّق الاستيفاء كالجناية؟ اضطرب كلام الأصحاب في ذلك اضطراباً كثيراً، ويتحصَّل منه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه تعلُّق شركة، وصرَّح به القاضي في موضع من «شرح المذهب»، وظاهر كلام أبي بكر يدلُّ عليه، وقد بيَّنته في موضع آخر. (١)
والثَّاني: تعلُّق استيفاء، وصرَّح به غير واحد، منهم القاضي.
ثمَّ منهم من يشبِّهه بتعلُّق الجناية، ومنهم من يشبِّهه بتعلُّق الدَّين بالتَّركة.
والثَّالث: أنَّه تعلُّق رهن.
وينكشف هذا النِّزاع بتحرير مسائل:
منها: أنَّ الحقَّ هل يتعلَّق بجميع النِّصاب، أو بمقدار الزَّكاة منه غير معيَّن؟ وقد نقل القاضي وابن عقيل الاتِّفاق على الثَّاني.
ومنها: أنَّه مع التَّعلُّق بالمال؛ هل يكون ثابتاً في ذمَّة المالك أو (٢) لا؟ ظاهر كلام الأكثرين: أنَّه على القول بالتَّعلُّق بالعين لا يثبت في الذِّمَّة منه شيء، إلَّا أن يتلف المال أو يتصرَّف فيه المالك بعد الحول.
وظاهر كلام أبي الخطَّاب وصاحب المحرَّر في «شرح الهداية»: أنَّا إذا قلنا: الزَّكاة في الذِّمَّة؛ فيتعلَّق بالعين تعلُّق استيفاء محض كتعلُّق
стр. 720
الدِّيون بالتَّركة، وهو اختيار الشَّيخ تقيِّ الدِّين (١)، وهو حسن.
ومنها: منع التَّصرُّف، والمذهب: أن لا منع، كما سبق (٢).
ومنها - أعني: صور تعلُّق الحقوق بالأموال -: تعلُّق حقِّ غرماء المفلس بماله بعد الحجر، وهو تعلُّق استحقاق الاستيفاء منه.
ومنها: تعلُّق ديون الغرماء بمال المأذون له، وقد ذكر القاضي في «المجرَّد»: أنَّ هذا التَّعلُّق هل يصحِّح شراء السَّيِّد (٣) منه كمال المكاتب
стр. 721
مع سيِّده، أو لا كالمرهون بالنِّسبة إلى الرَّاهن (١)؟ على احتمالين.
وهذا لا يتوجَّه (٢) على ظاهر المذهب، وهو تعلُّق ديونه بذمَّة السَّيِّد، وإنَّما يتوجَّه على قولنا: يتعلَّق برقبة العبد (٣)، وقد صرَّح في «الخلاف الكبير» ببناء المسألة على هذا.
ومنها: تعلُّق حقوق الفقراء بالهدي والأضاحي المعيَّنة، ويُقدَّمون بما يجب صرفه إليهم منها على الغرماء في حياة الموجِب وبعد وفاته.
стр. 722
قاعدة [٨٦]
الملك أربعة أنواع: ملك عين ومنفعة، وملك عين بلا منفعة، وملك منفعة بلا عين، وملك انتفاع من غير ملك المنفعة .
أما النَّوع الأوَّل: فهو عامَّة الأملاك الواردة على الأعيان المملوكة بالأسباب المقتضية لها؛ من بيع وهبة وإرث وغير ذلك.
واعلم أنَّ ابن عقيل ذكر في «الواضح في أصول الفقه» إجماع الفقهاء على أنَّ العباد لا يملكون الأعيان، وإنَّما يملك الأعيان خالقها ، وأنَّ العباد لا يملكون سوى الانتفاع بها على الوجه المأذون فيه شرعاً، فمن كان مالكاً لعموم الانتفاع؛ فهو المالك المطلق، ومن كان مالكاً لنوع منه؛ فملكه مقيَّد ويختصُّ باسم خاصٍّ يمتاز به؛ كالمستأجر والمستعير وغير ذلك، وكذلك ذكر ابن الزَّاغونيِّ في كتاب «غرر البيان»، ورجَّحه الشَّيخ تقيُّ الدِّين ﵀ (١).
فعلى هذا: جميع الأملاك إنَّما هي ملك انتفاع، ولكنَّ التَّقسيم ههنا وارد على المشهور.
النَّوع الثَّاني: ملك العين بدون منفعة، وقد أثبته الأصحاب في الوصيَّة بالمنافع لواحد وبالرَّقبة لآخر أو تركها للورثة، وقد قال أحمد
стр. 723
في رواية مهنَّى فيمن أوصى بخدمة عبد أو ظهر دابَّة يُركب (١) أو بدار تسكن؛ فقال: الدَّار لا بأس بها، وأكره العبد والدَّابَّة؛ لأنَّهما يموتان.
قال أبو بكر: الذي أقول به: أنَّ الوصية تصحُّ في جميع ذلك؛ لأنَّ الدَّار تخرب أيضاً (٢).
وحمل القاضي كلام أحمد على الكراهة دون إبطال الوصيَّة.
وقال (٣) الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لم يرد أحمد أنَّ الوصيَّة لا تجوز إلَّا بما يدوم نفعه، فإنَّ هذا لا يقوله أدنى من له نظر في الفقه فضلاً عن أن يكون مثل هذا الإمام، وإنَّما أراد أنَّ العبد والدَّابَّة إذا أوصى (٤) بمنافعهما على التَّأبيد، فلم يترك للورثة ما ينتفعون به؛ فلا يجوز أن يحسب ذلك عليهم من الميراث، فإنَّه لا فائدةَ في الرَّقبة المجرَّدة عن المنافع، بل هو ضرر محض، وقد شرط الله سبحانه لجواز الوصيَّة عدم المضارَّة، لكن إن قصد الموصي إيصال جميع المنافع إلى الموصى له، فهذه وصيَّة بالرَّقبة، فلا تحسب (٥) على الورثة منها شيء، ولا يصحُّ الإيصاء معها بالرَّقبة.
وإن قصد مع ذلك إبقاء الرَّقبة للورثة أو الإيصاء بها لآخر؛ بطلت
стр. 724
الوصيَّة؛ لامتناع أن تكون المنافع كلُّها لشخص والرَّقبة لآخر، ولا سبيل إلى ترجيح أحد الأمرين، فيبطلان.
أمَّا إن وصَّى في وقت بالرَّقبة لشخص، وفي آخر بالمنافع لغيره؛ فهو كما لو وصَّى بعين لاثنين في وقتين (١).
واستدلَّ على أنَّ تمليك جميع المنافع تمليكٌ للعين (٢) بالرُّقبى والعمرى؛ فإنَّها تمليك للرَّقبة؛ حيث كانت تمليكاً (٣) للمنافع في الحياة، وهذا المعنى منتفٍ في الوصيَّة بسكنى الدَّار؛ لأنَّ هذا تمليك منفعة خاصَّة ينتهي بموت الموصى له وبخراب (٤) الدَّار؛ فيعود الملك (٥) إلى الورثة كما يعود الملك في السُّكنى في الحياة.
والنَّوع الثَّالث: ملك المنفعة بدون عين، وهو ثابت بالاتِّفاق، وهو ضربان:
أحدهما: ملك مؤبَّد، ويندرج تحته صور:
منها: الوصيَّة بالمنافع كما سبق، ويشمل جميع أنواعها إلَّا منفعة البضع، فإنَّ في دخولها في الوصيَّة وجهين (٦).
стр. 725
ومنها: الوقف؛ فإنَّ منافعه وثمراتِه مملوكةٌ للموقوف عليه، وفي ملكه لرقبته وجهان معروفان لهما فوائد متعدِّدة.
ومنها: الأرض الخراجيَّة المقرَّة في يد من هي في يده بالخراج، يملك منافعها على التَّأبيد.
والضَّرب الثَّاني: ملك غير مؤبَّد.
فمنه: الإجارة، ومنافع المبيع المستثناة في العقد مدَّة معلومة.
ومنه: ما هو غير مؤقَّت، لكنَّه غير لازم؛ كالعارية على وجه، وإقطاع الاستغلال (١).
النَّوع الرَّابع: ملك الانتفاع المجرَّد، وله صور متعدِّدة:
منها: ملك المستعير؛ فإنَّه يملك الانتفاع لا المنفعة، إلَّا على رواية ابن منصور عن أحمد: أنَّ العارية المؤقَّتة تلزم (٢)، كذا قال الأصحاب.
ويمكن أن يقال: لزوم العارية المؤقَّتة إنَّما يدلُّ على وجوب الوفاء ببذل الانتفاع لا على تمليك المنفعة.
стр. 726
ومنها: المنتفِع بملك جاره من وضع خشب وممرٍّ في دار ونحوه، وإن كان بعقد صلح؛ فهو إجارة.
ومنها: إقطاع الإرفاق؛ كمقاعد الأسواق ونحوها.
ومنها: الطَّعام في دار الحرب قبل حيازته؛ يملك الغانمون الانتفاع به بقدر الحاجة.
وقياسه: الأكل من الأضحية، والثَّمر المعلَّق ونحوه.
ومنها: أكل الضَّيف لطعام المَضيف؛ فإنَّه إباحة محضة لا يحصل به الملك بحال على المشهور عندنا.
وعن أحمد رواية بإجزاء الإطعام في الكفَّارات، وينزل (١) على أحد قولين: إمَّا أنَّ المُضيَّف يملك ما قدِّم إليه؛ وإن كان ملكاً خاصًّا بالنِّسبة إلى الأكل، وإمَّا أنَّ الكفَّارة لا يشترط فيها تمليك.
ومنها: عقد النِّكاح، وتردَّدت عبارات الأصحاب في مورده؛ هل هو الملك أو الاستباحة؟
فمن قائل: هو الملك، ثمَّ تردَّدوا: هل هو ملك منفعة البضع أو ملك الانتفاع بها؟
وقيل: بل هو الحلُّ لا الملك، ولهذا يقع الاستمتاع من جهة الزَّوجة مع أنَّه لا ملك لها.
وقيل: بل (٢) المعقود عليه ازدواج كالمشاركة، ولهذا فرَّق الله
стр. 727
سبحانه بين الازدواج وملك اليمين، وإليه ميل الشَّيخ تقيِّ الدِّين (١)؛ فيكون من باب المشاركات دون المعاوضات.
стр. 728
قاعدة [٨٧]
فيما يقبل النَّقل والمعاوضة من الحقوق الماليَّة والأملاك .
أمَّا الأملاك التَّامَّة؛ فقابلة للنَّقل بالعوض وغيره في الجملة.
وأمَّا ملك المنافع؛ فإن كان بعقد لازم؛ مَلَك فيه نقل الملك بمثل العقد الذي مَلَك به أو دونه، دون ما (١) هو أعلى منه، ومَلَك (٢) المعاوضة عليه أيضاً، صرَّح القاضي بذلك في «خلافه».
ويندرج تحت هذا صور:
منها: إجارة المستأجر جائزة على المذهب الصَّحيح، بمثل الأجرة وأكثرَ وأقلَّ.
ومنها: إجارة الوقف.
ومنها: إجارة المنافع الموصى بها، وصرَّح به (٣) القاضي في «خلافه».
ومنها: إجارة المنافع المستثناة في عقد البيع.
ومنها: إجارة أرض العَنْوة الخراجيَّة، والمذهب الصَّحيح:
стр. 729
صحَّتها، وهو نصُّ أحمد، ولكن استحبَّ المزارعة فيها على الاستئجار (١).
وحكى القاضي وابن عقيل رواية أخرى بالمنع (٢)؛ كرِباع مكَّة (٣)، وقد أشار أحمد في رواية حنبل إلى كراهة منعها (٤)(٥)، وسنذكره في موضعه.
ومنها: إعارة العارية المؤقَّتة إذا قيل بلزومها وملك المنفعة فيها؛ فإنَّه يجوز، ولا يجوز الإجارة؛ لأنَّها أعلى، صرَّح به القاضي في «خلافه».
стр. 730
وأمَّا إجارة (١) إقطاع الاستغلال الَّتي موردها (٢) منفعة الأرض دون رقبتها؛ فلا نقل فيها نعلمه، وكلام القاضي قد يشعر بالمنع؛ لأنَّه جعل مناط صحَّة الإجارة للمنافع لزوم العقد، وهذا منتف في الإقطاع.
وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: يجوز، وجعل الخلاف فيه مبتدعاً، وقرَّره بأنَّ الإمام جعله للجند عوضاً عن أعمالهم؛ فهو كالمملوك بعوض، ولأنَّ إذنه في الإيجار عرفيٌّ (٣)؛
стр. 731
فجاز كما لو صرَّح به (١).
ولو تهايأ الشَّريكان على الأرض، وقلنا: لا يلزم؛ فهل لأحدهما إجارة حصَّته؟
الأظهر جوازه؛ لأنَّ المهايأة إذا فسخت؛ عاد الملك مشاعاً؛ فيخرَّج على الخلاف في إجارة المشاع (٢).
وأمَّا ملك الانتفاع وحقوق الاختصاص سوى البضع وحقوق التَّملك؛ فهل تصحُّ نقل الحقِّ فيها أم لا؟
إن كانت لازمة؛ جاز النَّقل لمن يقوم مقامه فيها بغير عوض، وفي جوازه بعوض خلاف.
ويستثنى من ذلك: الحقوق الثَّابتة دفعاً لضرر الأملاك؛ فلا يصحُّ النَّقل فيها بحال، ويصحُّ المعاوضة على إثباتها وإسقاطها، ويندرج في ذلك مسائل:
стр. 732
منها: ما يثبت (١) عليه يد الاختصاص؛ كالكلب والزَّيت النَّجس المنتفع به؛ فإنَّه تنتقل اليد فيه بالإرث، والوصيَّة، والإعارة في الكلب.
وفي الهبة وجهان، اختار القاضي عدم الصِّحَّة، وخالفه صاحب «المغني».
وليس بينهما خلاف في الحقيقة؛ لأنَّ نقل اليد في هذه الأعيان بغير عوض جائز؛ كالوصيَّة، وقد صرَّح به (٢) القاضي في «خلافه».
وأمَّا إجارة الكلب؛ فالمذهب: أنَّها لا تصحُّ؛ لأنَّها معاوضة ولا ماليَّة فيه.
وحكى أبو الفتح الحلوانيُّ (٣) فيها وجهين، وكذلك خرَّج أبو الخطاب وجهاً بالجواز؛ فتكون معاوضة عن نقل اليد.
ويردُّه النَّهي عن بيعه، وقد كان يمكن جعله معاوضة عن نقل اليد.
ومنها: المستعير لا يملك نقل حقِّه من الانتفاع، إلَّا أن يقول بلزوم العاريَّة كما سبق.
ومنها: مرافق الأملاك من الأفنية والأزقَّة المشتركة؛ تصحُّ إباحتها، والإذن في الانتفاع بها كالإذن في فتح باب ونحوه، قال في
стр. 733
«التَّلخيص»: ويكون إعارةً على الأشبه.
وتجوز المعاوضة عن فتح الأبواب ونحوها، ذكره في «المغني» و «التَّلخيص»، وهو شبيه بالمصالحة بعوضٍ على إجراء الماء في أرضه، أو فتح الباب في حائطه، أو وضع الخشب على جداره ونحوه.
وهذا متوجِّه على القول بملك هذه المرافق، أمَّا على القول بعدم الملك؛ فهو شبيه بنقل اليد بعوض كما سبق.
وكذلك ذكر الأصحاب جواز المصالحة عن الرَّوشن (١) الخارج في الدِّرب المشترك.
وأمَّا الشَّجرة؛ ففيها خلاف معروف؛ لكونها لا تدوم على حالة واحدة.
وأمَّا الانتفاع بأفنية الأملاك والمساجد بغير إذنٍ من الملَّاك والإمام؛ فإن كان فيه ضرر لم يجز، وإلَّا ففي جوازه روايتان، ذكره القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة».
وتجوز المصالحة بعوض على إسقاط حقِّه من وضع الخشب على جداره ونحوه (٢)، ذكره في «المجرد».
ومنها: متحجِّر الموات، ومن أقطعه الإمام مواتاً ليحييه؛ لا يملكه
стр. 734
بمجرَّد ذلك على المذهب، لكن يثبت له فيه حقُّ التَّملُّك؛ فيجوز له نقل الحقِّ إلى غيره بهبة وإعارة، وينتقل إلى ورثته من بعده؟
وهل له المعاوضة عنه؟ على وجهين، أصلهما المعاوضة عن (١) الحقوق؛ فإنَّ هذا حقُّ تملُّك كما سبق، وفارق الشُّفعةَ، فإنَّ النَّقل فيها ممتنع؛ لأنَّها من حقوق الأملاك؛ فهي ممَّا استثني من القاعدة.
قال أحمد في رواية ابن منصور: الشُّفعة لا تباع ولا توهب (٢).
وحمل القاضي قوله: (لا تباع) على أنَّ المشتري ليس له أن يصالح الشَّفيع عنها بعوض؛ قال: لأنَّه خيار لا يسقط إلى مال؛ فلم يجز أخذ العوض عنه؛ كخيار الشَّرط والمجلس، بخلاف خيار القصاص والعيب؛ لأنَّه يسقط إلى الدِّية والأرش.
والأظهر: حمل قول أحمد: (لا تباع ولا توهب) على أنَّ الشَّفيع ليس له نقلها إلى غيره بعوض ولا غيره، فأمَّا مصالحته للمشتري؛ فهو كالمصالحة عن ترك وضع الخشب على جداره ونحوه.
وذكر القاضي في باب الشُّفعة أيضاً: أنَّ خيار العيب يجوز المصالحة عنه بعوض، وعلَّل بأنَّ العيب يمنع لزوم العقد، ومع عدم اللُّزوم تجوز الزِّيادة في الثَّمن والنَّقص منه.
فجعل الصُّلح ههنا إسقاطاً من الثَّمن كالأرش، وعلى قياسه: خيار
стр. 735
الشَّرط والمجلس؛ لأنَّ التَّصرُّف في الثَّمن بالنَّقص والزِّيادة فيه ممكن.
ومنها: الكلأ والماء في الأرض المملوكة - إذا قلنا: لا يملكان بدون الحيازة -؛ فللمالك الإذن في الأخذ، وليس له المعاوضة عند أكثر الأصحاب.
ووقع في «المقنع» و «المحرر» ما يقتضي حكاية روايتين في جواز المعاوضة، وإن قلنا بعدم الملك، ولعلَّه من باب المعاوضة عمَّا يستحقُّ تملُّكه؛ فيلتحق بالقاعدة.
ومنها: مقاعد الأسواق ومجالس المساجد ونحوها؛ يصحُّ نقل الحقِّ فيها بغير عوض؛ لأنَّ الحقَّ فيها لازم بالسَّبق.
ولو آثر بها رجلاً (١) فسبق غيره فجلس؛ فهل يكون أحقَّ من المؤثَر أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: نعم؛ لأنَّ حقَّ القائم زال بانفصاله؛ فصار الحقُّ ثابتاً بالسَّبق.
والثَّاني: لا؛ لأنَّه لو قام لحاجة ونحوها؛ لم يسقط حقُّه، فكذا إذا آثر غيره؛ لأنَّه أقامه مقام نفسه.
وبنى بعضهم هذا الخلاف على القول بعدم كراهة (٢) الإيثار بالقُرَب، فأمَّا إن قلنا بكراهته؛ فالسَّابق أحقُّ به وجهاً واحداً.
وفرَّق بعضهم بين مجالس المساجد ونحوها، ومقاعد الأسواق؛
стр. 736
فأجاز النَّقل في المقاعد خاصَّة؛ لأنَّها منافع دنيويَّة، فهي كالحقوق الماليَّة.
ومنها: الطَّعام المباح في دار الحرب؛ يجوز نقل اليد فيه إلى من هو من أهل الاستحقاق من المغنم أيضاً؛ لاشتراك الكلِّ في استحقاق الانتفاع، ولا يكون ذلك تمليكاً؛ لانتفاء ملكه بالأخذ، حتَّى لو احتاج إلى صاع من برٍّ جيِّد وعنده صاعان رديئان؛ فله أن يبدلهما بصاع؛ إذ هو مأخوذ على الإباحة دون التَّمليك، صرَّح به القاضي وابن عقيل.
ومنها: المباح أكله من مال الزَّكاة والأضاحي؛ يجوز إطعامه الضِّيفان (١) ونحوهم؛ لاستقرار الحقِّ فيه، بخلاف طعام الضِّيافة، ولا تجوز المعاوضة عن شيء من ذلك.
ومنها: منافع الأرض الخراجيَّة؛ فيجوز نقلها بغير عوض إلى من يقوم مقامه فيها، وينتقل إلى الوارث؛ فيقوم مقام مورِّثه (٢) فيها.
وكذلك يجوز جعلها مهراً، نصَّ عليه في رواية عبد الله (٣).
ونصَّ في رواية ابن هانئ وغيره: على جواز دفعها إلى الزَّوجة عوضاً عمَّا تستحقُّه عليه من المهر (٤)، وهذا معاوضة عن منافعها المملوكة.
стр. 737
فأمَّا البيع؛ فكرهه أحمد ونهى عنه (١).
واختلف قوله في بيع العمارة الَّتي فيها؛ لئلَّا يتَّخذ طريقاً إلى بيع رقبة الأرض الَّتي لا تملك، بل هي إمَّا وقف وإمَّا فيء للمسلمين جميعاً (٢).
ونصَّ في رواية المروذيِّ (٣): على أنَّه يبيع آلات عمارته بما يساوي عرضاً (٤)، وكره أن يبيع بأكثر من ذلك لهذا المعنى.
وكذلك نقل عنه ابن هانئ: أنَّه قال: يُقوِّم دكانه وما (٥) فيه من غلق وكلَّ شيء يحدثه فيه؛ فيعطى ذلك، ولا أرى أن يبيع سكنى دار ولا دكانٍ (٦).
стр. 738
ورخَّص في رواية عنه في شرائها دون بيعها (١)؛ لأنَّ شراءها استنقاذ لها بعوض ممَّن يتعدَّى بالتَّصرف فيها، وهو جائز.
ورخَّص في رواية المروذيِّ أيضاً في بيع ما يحتاج إليه للنَّفقة منها، وإن كان فيه فضل عن النَّفقة تصدَّق به (٢).
وكلُّ هذا بناءً على أنَّ رقبة هذه الأرض ومنافعها (٣) وقفها عمر ﵁ (٤).
ومن الأصحاب من حكى رواية أخرى (٥): بجواز البيع مطلقاً؛ كالحلوانيِّ وابنه، وكذلك خرَّجها ابن عقيل من نصِّ أحمد على صحَّة وقفها (٦)، ولو كانت وقفاً؛ لم يصحَّ وقفها.
стр. 739
وكذلك وقع في كلام أبي بكر، وابن شاقْلا، وابن أبي موسى: ما يقتضي الجواز، وله مأخذان:
أحدهما: أنَّ الأرض ليست وقفاً، وهو مأخذ ابن عقيل.
وعلى هذا؛ فإن كانت مقسومة؛ فلا إشكال في ملكها، وإن كانت فيئاً لبيت المال - وأكثر كلام أحمد يدلُّ عليه -؛ فهل يصير وقفاً بنفس الانتقال إلى بيت المال أم لا؟ على وجهين.
فإن قلنا: لا يصير وقفاً؛ فللإمام بيعها وصرف ثمنها في المصالح، وهل له إقطاعها إقطاع تمليك؟ على وجهين، ذكر ذلك القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة».
والمأخذ الثَّاني: أنَّ البيع هنا وارد على المنافع دون الرَّقبة، فهو نقل للمنافع (١) المستحَقَّة بعوض.
وهذا اختيار الشيخ تقي الدين (٢)، ويدلُّ عليه من كلام أحمد أنَّه أجاز دفعها عوضاً عن المهر، ويشهد له ما تقدَّم من المعاوضة عن المنافع في مسائل متعدِّدة.
وإن كان القاضي وابن عقيل والأكثرون صرَّحوا بعدم (٣) صحَّة بيع
стр. 740
المنافع المجرَّدة.
والتَّحقيق في ذلك أنَّ المنافع نوعان:
أحدهما: منافع الأعيان المملوكة الَّتي تقبل المعاوضة مع أعيانها؛ فهذه قد جوَّز الأصحاب بيعها في مواضع.
منها: أصل وضع الخراج على أرض العنوة إذا قيل: هي فيء؛ فإنَّه ليس بأجرة، بل هو شبيه بها ومتردِّد بينها وبين البيع.
ومنها: المصالحة بعوض على وضع الأخشاب وفتح الأبواب ومرور المياه ونحوها، وليس بإجارة محضة؛ لعدم تقدير المدَّة، وهو شبيه بالبيع.
ومنها: لو أعتق عبده (١)، واستثنى خدمته سنة؛ فهل له أن يبيعها منه؟ على روايتين، ذكرهما ابن أبي موسى، وهما منصوصتان عن أحمد.
ولا يقال: هو لا (٢) يملك بيع العبد في هذه الحال؛ لأنَّ هذه المنافع كان يملك (٣) المعاوضة عنها في حال الرِّقِّ، وقد استبقاها بعد زواله؛ فاستمرَّ حكم المعاوضة عليها كما يستمرُّ حكم وطء المكاتبة إذا استثناه في عقد الكتابة، وهل الكتابة إلَّا عقد معاوضة على المنافع؟!
النَّوع الثَّاني: المنافع الَّتي ملكت مجرَّدة عن الأعيان، أو كانت